مسألة: الأمر الذي أريد به جواز التراخي
بدليل أو بمقتضاه عند من يراه إذا مات المأمور بعد تمكنه منه وقبل الفعل لم يكن عاصيا عند الأكثرين وقال قوم يموت عاصيا واختاره الجويني في مسألة الفور والتراخي وحكي أن الأول مذهب الشافعي والمحققين من أصحابه في الصلاة كقولنا وهو للمقدسي في أوائله وهذا إنما يصح إذا جوزنا أن يكون الواجب متراخيا وكلام أكثر أصحابنا يقتضى أن هذا لا يجوز بحال والقاضي في الكفاية قد جوزه
стр. 72
فصل:
قال القاضي إطلاق القواعد يقتضى الوجوب لفعل ما يوعد عليه فإن عدلنا عنه في موضع فلدليل وكلام ابن عقيل في العمدة يوافق ذلك أجاب بهذا لما استدل على وجوب [الإجابة إلى١] الوليمة بقوله: "من لم يجب فقد عصى الله ورسوله" قال: وهذا يدل على الوجوب لأنه توعد عليه بالمعصية فقيل له لا يمتنع أن يتوعد عليه على طريق الاستحباب كما قال: "من سمع النداء فخرج من المسجد قبل أن يصلى فقد عصى أبا القاسم" وقال: "ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا" فأجاب بما تقدم وقد ذكر مثل ذلك في قوله: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ ٢.
قلت هذا ضعيف بل الوعيد نص في الوجوب لا يقبل التأويل فإن خاصة الواجب ما توعد بالعقاب على تركه ويمتنع وجود خاصة الشيء بدون ثبوته إلا في كلام مجاز.
فصل:
صيغة الوجوب ينبغي أن تكون نصا في معنى الوجوب وذهبت طائفة من أصحابنا وغيرهم إلى أنها تحتمل توكيد الاستحباب كما في قوله: "حقك على واجب" وذكر هذا التأويل في "غسل الجمعة واجب على كل محتلم".
فصل:
فأما لفظ الفرض فقد قيل انه يقبل التأويل بمعنى التقدير واختلفت الرواية عن أحمد في صدقة الفطر هل تسمى فرضا على الروايتين ومن قال: ليست بفرض تأول قول ابن عمر فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر
стр. 73
بمعنى قدر والأظهر أنها نص وقولهم فرض القاضي النفقة وفرض الصداق لا يخرج عن معنى الوجوب وإن انضم إليه التقدير وقال القاضي في اختلاف الروايتين في البحث مع الواقف وما قالوه من أن هذه اللفظة ترد مشتركة في الوجوب والندب وغيره فهذا لا يمنع من أن الصيغة كأسماء الحقائق كالأسد والحمار فإنها حقيقة في البهائم ويراد بها الرجل بقرينة ومع هذا فلا يمتنع أن يكون إطلاقها لحقيقة البهيمية ويبطل بقوله فرضت وأوجبت وألزمت فإن هذا يرد والمراد به الوجوب ويرد والمراد به الندب كقوله غسل الجمعة واجب على كل محتلم ومعناه وجوب اختيار وكذلك فرضت يحتمل الوجوب ويحتمل التقدير كذلك ألفاظ الوعيد ترد والمراد بها الوجوب والمندوب١ قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ، وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ وذلك مندوب إليه ومع هذا اطلاقة يقتضى الوجوب وكذلك ذكر في العمدة وزاد عليه قوله: وما حقها قال: اطراق فحلها ومنحه لبنها يوم وردها قال: فتوعد [على] ٢ هذا وهو مندوب إليه ومع هذا اطلاقة يقتضى الوجوب.
فصل:
قال القاضي العبادة كل ما كان طاعة لله أو قربة إليه أو امتثالا لأمره ولا فرق بين أن يكون فعلا أو تركا فالفعل كالوضوء والغسل والزكاة وقضاء الدين والترك كترك الزنا وترك أكل المحرم وشربه وترك الربا وزالت النجاسة فأما الترك فلا يفتقر إلى النية بمنزلة رد المغصوب وإطلاق المحرم الصيد وغسل الطيب عن بدنه وثوبه لأن ذلك كله طريقه الترك فيخالف الوضوء لأنه فعل مجرد ليس فيه ترك وقال أصحاب أبي حنيفة الوضوء ليس بعبادة من شرطها النية
стр. 74
وأفسده وقال سقوط النية في صحة الفعل المأمور به لا يدل على أنه ليس بعبادة كما لا يدل على أنه ليس بطاعة [وقربة] .
فصل:
قال القاضي في الحدود وكذلك ذكر في مسألة المأمور به أمر [ندب] أن كل طاعة فهو مأمور به الطاعة موافقة الأمر والمعصية مخالفة الأمر وقال على ظهر المجرد١ حد الأمر ما كان المأمور بفعله ممتثلا وليس حده ما كان طاعة لأن الفعل يكون طاعة بالترغيب في الفعل [وان لم يأمر به] كقوله: "من صلى غفرت له ومن صام فقد أطاعني" ولا يكون ذلك أمرا.
стр. 75
مسألة: التفاضل في العقاب والثواب لايعطي التفاضل
...
مسألة قال ابن عقيل: التفاضل في العقاب والثواب لا يعطي التفاضل
في حقيقة الإيجاب الذي هو الاستدعاء لأنه إذا لم [يفسخ] في الإخلال بواحد منهما فلا يعاقب على الإخلال بواحد منهما وكان سبحانه لو رفع العقاب رأسا والثواب لما ارتفع صحة قوله: أوجبت وحتمت وصح أن يقوم بنفسه حقيقة معقولة وهذا قول ابن الباقلاني في أن الإيجاب لا يستلزم العقاب وقال أبو المعالي والغزالي لا يعقل الوجوب إلا مع استحقاق العقاب على الترك.
стр. 76
مسألة الأمر يتناول المعدوم
بشرط أن يوجد وبه قالت الشافعية والأشعرية خلافا للحنفية والمعتزلة لا يتناو [له] وإنما يثبت الحكم فيه إذا وجد بالقياس وقالت طائفة [إن كان] هناك موجود يتناوله الخطاب دخل فيه المعدوم تبعا وإلا فلا حكاه أبو الخطاب وقال بعضهم يتناول المعدوم ويكون إعلاما لا إلزاما [وزيف] ابن برهان من قال من أصحابه وغيرهم بشرط الوجود
стр. 77
وترجم المسألة بأن المعدوم مأمور ومنهي وزيف الجويني ذلك وقال بل حقيقة المسألة أن المعدوم هل يتصور آمرا ولا مأمور وهو مشكل قال ابن الباقلاني في مسألة أمر: المعدوم دليلنا إجماع الأمة على أن الله سبحانه أمر أمة محمد ﷺ بهذه العبادات ودخل فيها من كان موجودا في تلك الحال ومن كان غير موجود في تلك الحال فإن من وجد بعدهم ما أمروا بأمر آخر بل هم مأمورون بالأمر الذي أمر به النبي ﷺ وأصحابه وهذا مقتضى ما نقله الأشعرية١ مصارعة للمعتزلة.
فصل:
أمر الصبي بشرط البلوغ وأمر المجنون بشرط الإفاقة بمنزلة أمر المعدوم بشرط الوجود ذكره ابن عقيل ملتزما له وقال إن دعوى الإجماع على خلافه باطلة وعلى قياس هذا جميع شروط الخطاب وموانعه من النوم والسكر والإغماء والغيبة وقد ذكر الغيبة في أثناء المسألة مستشهدا بها وقال أيضا ما الذي ينكر من صرف الخطاب إلى من المعلوم أنه يبلغ ويعقل وتتكامل شروط التكليف فيه وذكر في أثناء المسألة أن تعلق المدح والذم به كتعلق الأمر والنهي ومنع قولهم لا يصح أن يكون الأمر معدوما بأنه يصح أن يكون معدوما حين تعلق أمره بالمأمور مع كونه آمرا حقيقة مستندا إلى وجوده لكن ابتداء لا بد فيه من وجود الأمر كما أن انتهاءه إلى المأمور لا بد فيه من وجود المأمور فالانتهاء في هذا كالابتداء في ذلك.
стр. 78
مسألة: يدخل النساء في خطاب الذكور
الذي هو نحو المؤمنين والقائمين وافعلوا ولا تفعلوا ونحوه عند أصحابنا والحنفية فيما ذكره البستي قال القاضي: ذكره شيخنا وأومأ إليه أحمد وهو ظاهر كلامه وبهذا قال ابن داوود وبعض الحنفية والكرامية فيما حكاه الحلواني
стр. 79
وقالت الشافعية والأشعرية وأكثر الحنفية لا يدخلون وهذا الذي ذكره التميمي وحكي أبو الطيب مثل مذهبنا عن بعض أصحابهم وعن أبي بكر بن داود وأصحاب أبي حنيفة واختاره أبو الخطاب كمذهب المخالفين وقال هو الأقوى عندي لكن ننصر قول شيخنا رياضة وذكر الأدلة ونصر الجويني الثاني كمذهب أصحابه وضعف الأول جدا وقال الحلواني عن أحمد ما يقتضى أنه لا يدخل النساء في خطاب الرجال لأنه قال في قول النبي ﷺ : "لا يحل لواهب أن يرجع في هبته إلا فيما أعطاه الوالد لولده" أن الوالدة لا تملك الرجوع في الهبة.
فصل:
فان جاء المذكر بلفظ الواحد مثل قوله: إذا جاء مسلم فأعطه درهما فذكر الحلواني وغيره في المسألة في هذه الصورة احتمالين ولفظه واحتجوا بأنه لفظ موضوع للذكور فلا يدخل فيه الإناث كلفظ الواحد وقال في الجواب يحتمل إلا نسلم [الحكم في الأصل وإن سلمناه ثم فرق] .
стр. 80
مسألة: يدخل الكفار في مطلق الخطاب
بلفظ الناس ويا أولى الألباب ونحوه في أصح الروايتين وبها قال الشافعي وأكثر الشافعية [ر] وبعض المالكية والرازي والكرخى وجماعة من الحنفية والمتكلمون من المعتزلة والأشعرية والرواية الأخرى عن أحمد لا يدخلون في الأوامر بالفروع وإنما يتناولهم خطاب الإيمان والنواهي [ر] وهو الذي ذكره القاضي في مقدمة المجرد فقال الكفار مخاطبون بالإيمان وأما العبادات من الصوم والصلاة والزكاة فقال شيخنا إنهم مخاطبون١ بذلك وقال أحمد في رواية عبد الله معنى قوله: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ ٢ يعنى من الموحدين وذكر بعض أصحابنا فيها ثلاث
стр. 81
روايات كالمذاهب الثلاثة الثالثة لا يخاطبون بشيء وبها قال الجرجاني الحنفي [ح, ر] وبعض المالكية وبعض الشافعية واختاره الشيخ أبو حامد [منهم] وقال بعض الحنفية لا يخاطبون بالفروع على الإطلاق وفصل الجويني في ذلك تفصيلا محققا [ح, ز] ١ [وقال والد شيخنا] ٢ وذكر الرازي فائدة هذه المسألة
فصل:
خطاب الله لأهل الكتاب وبني إسرائيل في القرآن على وجهين:
أحدهما خطاب على لسان محمد ﷺ تسليما مثل قوله في سورة البقرة: ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ ٣ إلى قطعة من السورة وكذلك في آل عمران والنساء: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ ٤ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا﴾ ٥ ونحو ذلك فهذا حكم سائر الناس فيه حكم بنى إسرائيل وأهل الكتاب [إن شركوهم] في المعنى دخلوا وإلا لم يدخلوا لأن بنى إسرائيل وأهل الكتاب صنف من المأمورين بالقرآن بمنزلة خطابه لأهل أحد وعتابه لهم في قوله: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا﴾ ٦ إلى أواخر السورة أو خطابه لأهل بدر بقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً﴾ ٧ وبمنزلة قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ٨ ونحو ذلك فإن الخطاب المواجه به صنف من الأمة المدعوة أو شخص يشمل سائر المدعوين وهذا نظير خطابه لواحد من الأمة [المدعوة] فإنه [يثبت الحكم]
стр. 82
في حق مثله إذ الأمر تارة يتوجه إلى الأمة المدعوة وتارة [يتوجه] إلى الأمة المجيبة ثم الشمول هنا هل هو بطريق العادة العرفية أو الاعتبار العقلي فيه الخلاف المعروف وسره أن المخاطب قصد بنفس ذلك الخطاب الخاص في اللغة العموم أو لم يقصد به إلا الخاص لكن قصد العموم من غير هذا الخطاب وعلى هذا يبنى١ استدلال عامة الأمة على حكمنا بمثل قوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ ٢ فإن هذه الضمائر جميعها مع بنى إسرائيل.
فأما خطابه لهم على لسان موسى وغيره من الأنبياء ﵈ فهي مسألة شرع من قبلنا والحكم هنا لا يثبت بطريق العموم الخطابي قطعا لكن يثبت بطريق الاعتبار العقلي عند الجمهور كما دل عليه قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ٣ وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ ٤ وقوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ٥ ونحو ذلك وهذا ينتفع به ويحتاج في أكثر المواضع إلى أصل آخر يعم هذا وغيره وهو أن الحمد والذم إذا كان على جنس فعل قد علق به ثواب أو عقاب فإنه يحصل للمكلف من ذلك الجنس بقدر نصيبه منه فإن قام به البعض استوجب بعض الثواب إذا لم يكن فعل البعض شرطا في فعل البعض كصوم طرفي النهار مثلا والغالب في الذم عدم الارتباط وفي الحمد قد يقع الارتباط فإن استحقاق الذم على المعصية ليس مشروطا في الغالب بمعصية أخرى بخلاف فإن استحقاق الثواب على الطاعة فإذا ذموا على جنس فعل ذم قليله وكثيره ثم ذلك الجنس قد يشمله اللفظ وهو ظاهر كقوله: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ ٦ ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ ٧ وقد لا يشمله اللفظ
стр. 83
إلا بطريق العبرة كما في قوله: ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ ١ ونحو ذلك وقد يكون الشمول هنا بالعموم العرفي كما في قوله: "قنطار" و"دينار" و "أف" ونحو ذلك
فالحاصل أن العموم يكون للأشخاص تارة وللأعمال تارة أخرى وفي كلا الموضعين يعم بالوضع اللغوي أو بالعادة العرفية أو بالعبرة العقلية فصار لغة٢ وعر فا وعقلا ويترتب على عموم الفعل أنه عموم مطلق أو مشروط بالاقتران وإذا كان مطلقا فحيث وجد بعض الفعل المشمول [تبعه] الحكم٣.
стр. 84
مسألة: الأمر بالشيء نهي عن ضده
من طريق المعنى دون اللفظ في قول أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة والشافعي والكعبي [ح] ومالك وقالت الأشعرية هو نهي عنه من جهة اللفظ بناء على أصلهم أن الأمر والنهي لا صيغة لهما وقال سائر المعتزلة وبعض الشافعية لا يكون نهيا عن ضده لا لفظا ولا معنى قال القاضي: بناء على أصلهم يعنى المعتزلة في اعتبار إرادة الناهي وذلك غير معلوم عندهم وأما قول بعض الشافعية فحكاه ابن عقيل وقال ابن برهان هو بناء على مسألة لا يتم الواجب إلا به [ح] وقال القاضي في مسألة الوجوب الأمر إذا كان مضيقا كان نهيا عن ضده والذي اختاره الجويني أن الأمر بالشيء لا يكون نهيا عن ضده لا لفظا ولا معنى وزيف قول أصحابه١ بأن عين الأمر٢ بالشيء نهي عن ضده قال: لأن المعنى القائم بالنفس المعبر عنه بأفعال مغاير للمعنى القائم بالنفس المعبر عنه بلا تفعل قال: ومن أنكر هذا فقد باهت وسقطت مكالمته وحكي عن ابن الباقلاني والمعتزلة [نحو قولنا] وأن الأمر بالشيء نهي عن ضده تضمنا بعد ما وجه قول أصحابنا بأنهم قدروا عين الأمر نهيا وأنهم زعموا أن
стр. 85
اتصافه بكونه أمرا نهيا كالكون الواحد المتصف بكونه قريبا من شخص بعيدا من غيره
[ح] فصل:
فأما أمر الندب فهل يكون نهيا عن ضده على طريق الندب فيه قولان والإثبات قول ابن الباقلاني والنفي قول الأشعري مع موافقته في أمر الإيجاب.
стр. 86
مسألة الفرض والواجب
سواء [ ح] وهو الذي ذكره في مقدمة المجرد وبه قالت الشافعية وعنه الفرض آكد [و] ونصرها الحلواني وبه قالت الحنفية وهو على قولهم وروايتنا هذه ما ثبت بدليل مقطوع به وقيل هو ما لا يسقط في عمد ولا سهو وحكي ابن عقيل رواية ثالثة أن الفرض ما لزم بالقرآن والواجب ما كان١ بالسنة [ح] وهذه هي ظاهر كلام أحمد في أكثر نصوصه وقد حكاها ابن شاقلا٢ وهذا القول في الجملة اختيار القاضي وغيره قال القاضي في مقدمة المجرد: الفرض والواجب سواء لا يختلفان في الحكم ولا في المعنى وهما اسم لما يلزم فعله ويعاقب على تركه واختلفت الرواية [عنه] في أوامر الرسول هل تسمى فرضا أم لا فقال في رواية الأثرم لا أقول فرضا [إلا] ما كان في كتاب الله وسماه في موضع آخر فرضا وقال في كتاب اختلاف الروايتين [في الفرض والواجب] ٣ هل ذلك عبارة عن شيء واحد أم لا فقال في رواية ابن داوود وابن إبراهيم٤ المضمضة والاستنشاق لا تسمى فرضا ولا يسمى فرضا إلا ما كان في كتاب الله وكذلك نقل المروذي عنه وقد سئل عن صدقة الفطر أفرض هي قال: ما أجترئ أن أقول إنها فرض قال: فقد منع من الاسم
стр. 87
مع قوله بوجوبها وكذلك نقل الميمون وقد سئل هل يقال بر الوالدين فرض قال: لا ولكن أقول واجب ما لم يكن معصية قال القاضي: فظاهر هذا الفرق بين الفرض والواجب وأن الفرض عبارة عن الواجب الذي هو [في] أعلى المنازل وهو معرفة الله تعالى والفرائض التي تثبت بالاستفاضة والنقل المتواتر والواجب الذي ليس بفرض عبارة عما كان في [أدنى منازله] وهو ما ثبت من جهة الاجتهاد وساغ الاجتهاد في تركه مثل المضمضة والاستنشاق وصدقة الفطر أو يثبت من المكلف على نفسه من غير إيجاب الله مثل النذور وما يوجبه على نفسه بالدخول فيه وقد نقل عبد الله [عنه] وأبو الحارث عنه كل ما في الصلاة فرض فظاهر هذا أن التسبيح في الركوع والسجود والتكبير غير تكبيرة الإحرام وقول سمع الله لمن حمده والتشهد الأول ونحو ذلك مما هو واجب وثبت من طريق يسوغ فيه الاجتهاد أنه يسمى فرضا فعلى هذا الفرض والواجب سواء والأول اختيار ابن شاقلا.
стр. 88
مسألة: الأمر لا يتناول المكروه
في قول أصحابنا والشافعية والجرجاني الحنفي وقال الرازي يتناوله وذلك كاستدلالهم على صحة طواف المحدث بمطلق قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ١ وكالاستدلال على أن الترتيب لا يجب بآية الوضوء إذا قدرنا أنه لا دلالة فيها على الترتيب ونحو ذلك.
فصل:
رفع إجزاء الفعل كقوله: "لا تجزيء صلاة رجل لا يقيم فيها صلبه ولا تجزيء صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب" مقتضى كلام أصحابنا أنه نص في عدم الامتثال فلا يسوغ صرفه٢ إلى عدم إجزاء الندب وينبغي أن يقيد
стр. 89
ذلك بما إذا لم يعلم أن الأمر استحباب فإنه قد جاء في حديث محمد بن كعب موصولا وموقوفا على ابن عباس: "أيما صبى حج به أهله ثم مات قبل أن يبلغ فقد أجزأ عنه" " [وأيما عبد حج] به أهله ثم مات قبل أن يعتق فقد أجزأ عنه".
[ح] فصل:
نفي قبول الفعل كقوله: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول" ولا يقبل الله صلاة حائض إلا [بخمار] و "من أتى عرافا فصدقه بما يقول لم تقبل له صلاة أربعين يوما" و "من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يوما" "وأيما عبد أبق من موإليه لم تقبل له صلاة" قال ابن عقيل في مسألة النهي: يقتضى الفساد الرد ضد القبول فالصحيح من العبادات لا يكون إلا مقبولا ولا يكون مردودا إلا ويكون باطلا قال: وإنما يلزم ذلك من يقول الصلاة في الدار المغصوبة والسترة المغصوبة صحيحة غير مقبولة وعندنا لا يعتد بعبادة يعتريها أو [يعترى] شرائطها نهي الشرع ثم قال: على أن الرد يكون بمعنى الإبطال وحكي عن قوم أنهم يقولون الرد ضد القبول والعمل على الوجه المنهي عنه لا ثواب فيه لكنه صحيح بمعنى أنه يسقط الفرض ولا ثواب إن كان عبادة.
стр. 90
مسألة:١ يجوز أن يأمر [الله] المكلف بما يعلم
أن المكلف لا يمكن منه ويحال بينه وبينه مع شرط بلوغه حالة التمكن ذكره القاضي وأبو الخطاب قال - يعنى القاضي٢ -: بناء على أصلنا في تكليف مالا يطاق وتكليف الكافر العبادات وهو قول الأشعري ومن وافقه من الشافعية وأبى
стр. 91
بكر الرازي والجرجاني [ومنعت] المعتزلة من ذلك قال أبو الخطاب: وقالت طائفة: يتناول الأمر من هذه صفته بشرط زوال المنع.
[ز] والتحقيق أن هذه المسألة من جنس مسألة [نسخ] الشيء قبل وقت وجوبه.
стр. 92
[ز] مسألة أمر الله عبده بما يعلم
أنه يمتنع منه صورتها أن يقول له إذا جاء الزوال فصل وهو يعلم أنه يموت قبل الزوال فعندنا هذا أمر صحيح لأن من أصلنا أن فائدة الأمر [تنشأ] من نفس الأمر لا من الفعل المأمور به فيحصل اعتقاد الوجوب والعزم على الطاعة ويكون سببه الامتحان والابتلاء وهو أحد ركني الشرائع والركن الآخر تضمن الأفعال المصالح وينبغي على مساق هذا أن نجوزه وإن علم المأمور أنه يموت قبل الوقت كما يجوز توبة المجبوب من الزنا والاقطع من السرقة ويكون فائدته العزم على الطاعة بتقدير القدرة والخلاف في الجميع مع البهشمية١ وليست هذه المسألة مبنية على تكليف خلاف المعلوم ولا على تكليف المعجوز عنه وإن كان لها به ضرب من التعلق لكن تشبه النسخ قبل التمكن لأن ذلك رفع للحكم بخطاب وهذا رفع للحكم بتعجيز وقد نبه ابن عقيل على ذلك وينبني على أنه قد يأمر بما يريد وكذلك القاضي نبه في الكفاية على الفرق بين هذا وتكليف ما يعجز عنه العبد مثل الطيران والمشي على الماء وقلب العصا حية.
стр. 93
مسألة: اجمع الفقهاء والمتكلمون على أن المأمور يعلم أنه مأمور
قال ابن برهان: [وصار] أبو هاشم إلى أنه لا يعلم ذلك حتى يمضى زمان الإمكان
стр. 94
هذا قوله وقول أكثر المعتزلة قال: لأن شرط الأمر [المكنة] والاستطاعة ولا نعلم دوام قدرته حتى يفرغ من المأمور به واختاره الجويني وزيف مذهب أصحابه.
стр. 95
مسألة يجوز أن يأمر الله المكلف بما يعلم الله منه
أنه لا يفعله نص عليه [ر] في أمره ونهيه خلافا للمعتزلة [ح] واستدل عليه ابن عقيل بالإجماع على علمه بامتناع إبليس قبل أمره وذكر أن المسلمين أجمعوا على ذلك [وهم لا يخالفون في هذه المسألة] ١ وقد أنكر ابن عقيل وغيره هذه المسألة على هذا الوجه.
والتحقيق أن الخلاف فيها مع غلاة القدرية من المعتزلة وغيرهم وهم الذين يقولون لم يعلم أفعال العباد حتى عملوها مثل معبد [الجهني] وعمرو بن عبيد وهم كفار.
стр. 96
مسألة يجوز أن يرد الأمر معلقا باختيار المأمور ١
ذكره القاضي وابن عقيل ولفظه يجوز أن يرد الأمر من الله [معلقا] على اختيار المكلف وينزل مفوضا إلى اختياره بناء على أن المندوب مأمور به مع كونه مخيرا بين فعله وتركه [وبناء على أن المندوب مأمور به] ٢ قال خلافا للمعتزلة: وهذه تشبه أن يقال للمجتهد احكم بما [شئت] وبحث أصحابنا في المسألة يدل على أنهم أرادوا أمر الإيجاب فلا يصح البناء على مسألة المندوب مأمور به بل حرف المسألة شيآن أحدهما جواز عدم التكليف والثاني جواز تكليف ما يشاء [العبد] ويختاره فهي مسألتان في المعنى جمعهما ابن عقيل وفي أثناء المسألة قد ذكر ابن عقيل ما يدل [على] أنهم يمنعون من أن يأمر المكلف بما يشاء وأن يأمره بما يراه بعقله بخلاف ما يراه من الأدلة السمعية فيكون الخلاف معهم في أن يأمره بما يعتقده
стр. 97
أو بما يريده وأصحابنا جوزوا القسمين وهذه المسألة إن قيل فيها بالجواز العقلي فقريب وأما الوقوع ففيها نوع مخالفة لمسألة كل مجتهد مصيب مع إمكان الجمع.
стр. 98
مسألة: يجوز أن يرد الأمر والنهي دائما إلى غير غاية
فيقول صلوا ما بقيتم أبدا وصوموا رمضان ما حييتم أبدا فيقتضى الدوام مع بقاء التكليف وبهذا قال الفقهاء والأشاعرة١ من الأصوليين حكاه ابن عقيل في أواخر كتابه ومنعت المعتزلة منه وقالوا متى ورد اللفظ بذلك لم يقتض الدوام وإنما هو حث على التمسك بالفعل [ح] وحرف المسألة أنهم لا يمنعون الدوام في الدنيا وإنما يمنعون الدوام مطلقا ويقولون لا بد من دار ثواب غير دار التكليف وجوبا على الله فيكون قوله: "أبدا" مجازا وموجب قولهم أن الملائكة غير مكلفين وقد استدل ابن عقيل باستعباد الملائكة وإبليس.
стр. 99
مسألة قال ابن عقيل: يصح أن يقارن الأمر الفعل حال وجوده ووقوعه من المكلف
وليس من شرط صحة الأمر تقدمه على الفعل قال: وبهذا قال كافة سلف الأمة وعامة الفقهاء وذهبت المعتزلة إلى إحالة ذلك ذكرها في آخر الأوامر [ح] لفظ ابن عقيل يصح أن يقارن الأمر الفعل وجوده ووقوعه من المكلف وليس من شرط صحة الأمر تقدمه على الفعل وإذا تقدم على الفعل كان أمرا عندنا على الحقيقة أيضا وإن كان في طيه١ إيذان وإعلام على بينا في أمر المعدوم وبهذا قال كافة سلف هذه الأمة وعامة الفقهاء وذهبت المعتزلة بأسرها إلى إحالة مقارنة الأمر وجود الفعل وأنه لا بد من تقدمه ثم اختلفوا فيما يتقدم [به] ٢ هل هو بوقت أو بأوقات كثيرة على مذهبين فالأكثرون جوزوا تقدمه بأوقات كثيرة وبعضهم جوز تقدمه بوقت واحد وبعضهم علق تقديمه بأوقات على المصلحة وعلى بعضهم جواز تقدمه بأوقات أن يكون في تلك الأوقات كلها تتكامل شروط التكليف من العمل والصحة والسلامة
стр. 100
وبناه ابن عقيل على أنه مقدور عندنا في حال وجوده لأن الاستطاعة مع الفعل فكما صح تناول القدرة له صح تناول الأمر له حتى أن بعض من قال بقولنا زعم أن الأمر لا يكون حقيقة إلا إذا قارن وجود الفعل ومتى تقدم كان إيذانا [وإعلاما وعندنا يكون بالتقدم إيذانا] ١ وأمرا حقيقة قال: وإذا أردنا كشف ذلك أخرجناه إلى النطق ومعلوم أن الشارع في الفعل مع شروع الأمر في الأمر إذا تقدمه الإعلام بأنه سيأمره صح ذلك فليس في وقوع الفعل المأمور به مع الأمر إحالة وهذا الكلام يخالف قوله: وقول غيره لا يصح الأمر بالموجود إلا أن يجمع بينهما بأن الممنوع إذا ابتداء الأمر حال الوجود والمسوغ إذا تقدم الأمر أو الإعلام ثم أنشيء٢ أمر آخر أو لم ينشأ مع الأمر الأول وقد صرح ابن عقيل بأن الأمر الواحد له حالان وأن هنا أمرين ويجمع بينهما بأن الممنوع الأمر الثاني والمسوغ الأمر المحدث فإن بحث ابن عقيل يدل عليه ومما يبين لك أن المسألتين واحدة أن ابن عقيل قال: إن بعض من وافقنا على المقارنة منع التقدم وقد عرف أن الذي منع التقدم هم الذين خالفوه في صحة الأمر بالموجود وبناء المعتزلة ذلك على أنه ليس بمقدور في حال وجوده فلا يكون مأمورا به لامتناع الأمر بما لا يطاق والجواب عنه ظاهر وبنوه على أنه لو كان مقدورا حال حدوثه لكان مقدورا حال بقائه لكونه موجودا في الحالين وأجاب ابن عقيل بأنه حال حدوثه مفعول متعلق بفاعل وحال بقائه غير مفعول ولا متعلق بفاعل قال: وكما يصح عندنا وعندهم تعلق الإرادة بالفعل في حال حدوثه وإن كان موجودا فيها ولم يصح تعلقها به حال بقائه فبطل أن يكون حال الحدوث كحال البقاء وهذا كلام ضعيف بل هو مقدور ومراد في الحالين.
وبنوه أيضا على أن مقارنته له تبطل فائدته من الدلالة والترغيب والحث فان
стр. 101
الحث على الواقع الموجود محال فأجاب بأن الأمر أمران وللأمر الواحد حالان فإذا تقدم كان حثا وترغيبا ودلالة وحال يخرج عن ذلك وهو حال المقارنة وكذلك الأمر المقارن للفعل يخالف الأمر المتقدم للفعل وفائدته أنه إذا كان هو المؤثر في كونه قربه حسنا وجبت مقارنته له كما يجب ذلك في الإرادة المؤثرة لأن المتقدم على الشيء لا يؤثر في حكم له في حال وجوده.
стр. 102
مسألة لا يصح الأمر بالموجود
عند أصحابنا ذكره القاضي وابن عقيل والجمهور وأجازه بعض المتكلمين [ح] وهذا القول أجود والله أعلم.
وهذه تشبه إرادة الموجود ومحبة الموجود وتشبه مسألة افتقار الموجود إلى المؤثر وأن عليه الافتقار الإمكان أو الحدوث.
قال ابن عقيل هذا ينبني على أصل قد بان بهذا الفصل أن أصحابنا ذهبوا إليه ودانوا به وهو أن الأمر بالمستحيل لا يجوز خلافا للأشعرية.
стр. 103
مسألة: يصح أن يتقدم الأمر على الفعل بمدة طويلة وقصيرة
...
مسألة يصح أن يتقدم الأمر على الفعل [ح] بمدة طويلة وقصيرة
على قول عامة الأصحاب كالمسألة بعدها ومنع منه المخالف في التي قبلها وقال إذا تقدم لم يكن أمرا بل هو إعلام ثم قال القاضي في الكفاية: إنما يصح تقدمه زمنا يمكن معه الاستدلال به على الوجوب أو الترغيب فإن تقدم زيادة على ذلك لغرض جاز وإن كان لغير غرض فقد قيل لا يجوز وهذا كلام أبي الحسين.
стр. 104
مسألة: يجوز إذا أمر الله عبده بعباده في وقت مستقبل أن يعلمه بذلك فبل مجىء الوقت
...
مسألة: يجوز إذا أمر الله١ عبده بعبادة في وقت مستقبل أن يعلمه بذلك قبل مجيء الوقت
وقالت المعتزلة لا يجوز أن يعلمه بذلك [ح] وبناها ابن عقيل على التي قبلها وينبغي أن يكون الخلاف مع بعضهم لأن مأخذ هذه المسألة لا يقتضيه أصول جميعهم وهم فرقة كثيرة الاختلاف وأصحابنا [ينصبون الخلاف] ٢ مع مطلق الجنس لا مع عموم الجنس.
стр. 105
مسألة: يجوز أن يقال إن بعض الواجبات أوجب من بعض
[ر] وذكره جماعة من أصحابنا منهم الحلواني [والقاضي وغيره] ١ وبهذا قالت الحنفية وأبو بكر ابن الباقلاني [ح] وذكر ابن عقيل أن شيخه بنى ذلك على ما نصره من أن الفرض أعلى من الواجب قال: وقد نصرت أنا أن الفرض والواجب سواء ومنع بعض المتكلمين من ذلك قال: واختاره ابن عقيل وبسط القول فيه [ح] قال الحلواني والقاضي: وفائدة هذا أن أحدهما يثاب عليه أكثر من الآخر وأن أحدهما طريقه مقطوع به والآخر غالب ظن وحكي ابن عقيل الأول عن الحنفية والثاني جعله ظاهر مذهب أصحاب الشافعي حيث قالوا: إن الفرض والواجب سواء.
стр. 106
مسألة: إذا طول الواجب الذي لا حد له
كالطمأنينة والقيام ونحوهما فالزيادة على قدر الإجزاء نقل ذكره ابن عقيل وأبو الخطاب والقاضي أبو يعلى في العدة [ح] وفي الخلاف في مسألة مسح الرأس وبه قال الجرجاني وأبو بكر بن الباقلاني وأكثر الحنفية والشافعية وقال أبو الحسن الكرخى يقع الجميع واجبا واختاره بعض أصحابنا وزعم القاضي أنه ظاهر كلام أحمد وأخذه من نصوصه على أن الإمام إذا أطال الركوع فأدركه فيه مسبوق أدرك الركعة قال: ولو لم يكن الكل واجبا لما صح ذلك لأنه يكون اقتداء مفترض بمتنفل وهذا ليس بمأخذ صحيح لأن الكل قد اتفقوا على هذا الحكم مع خلفهم في المسألة وفي مسألة اقتداء المفترض بالمتنفل نعم يصح أن يجعل هذا دليلا في المسألة وللمخالف أن يجيب عنه بما هو مذكور فيها ولذلك ذكر ابن عقيل فساد هذا المأخذ واعتذر عن نص الإمام أحمد بكلام آخر ذكره وكذلك أبو الخطاب غلط شيخه في ذلك [ح] قال ابن عقيل: نص أحمد لا يدل عندي على هذا بل يجوز أن يعطى أحد أمرين إما جواز ائتمام المفترض بالمتنفل ويحتمل أن يجرى مجرى الواجب في باب
стр. 107
الاتباع خاصة إذ الاتباع قد يسقط الواجب كما في المسبوق ومصلى الجمعة من امرأة وعبد ومسافر وقد يوجب ما ليس بواجب كالمسافر المؤتم بمقيم وقياس الزيادة المنفصلة وهو فعل المثل على الزيادة المنفصلة فالأول أجمع عليه الفقهاء والمتكلمون كذا قال ابن برهان: ولم يحك الخلاف إلا عن الكرخى وحكي المقدسي عن القاضي اختيار الوجوب [ح] وكذلك حكاه عنه الحلواني ثم أيده في كتاب العمدة أعني القول الثاني قال الحلواني في مسألة الواجب: الذي لا حد له إذا طوله وقال بعض أصحابنا يكون واجبا وهو اختيار القاضي أبي يعلى وكذلك حكاه المقدسي عن القاضي وكذا ذكره القاضي في العمدة أنه يكون الجميع١ واجبا وكذلك حكى القاضي عن بعض الشافعية أن جميع الركوع فرض وأن طوله وأن جميع القراءة فرض وإن قرأ القرآن في صلاته وذكر الحلواني في دليل المخالف ما أخذه القاضي من كلام أحمد.
стр. 108
مسألة: إذا ورد الأمر بهيأة أو صفة لفعل ودل الدليل
...
مسألة إذا ورد الأمر بهيأة أو صفة ودل الدليل١
على أنها مستحبة جاز التمسك به على وجوب أصل الفعل لتضمنه الأمر به لأن مقتضاه وجوبها فإذا خولف في الصريح بقى المتضمن على أصل الاقتضاء ذكره أصحابنا ونص عليه أحمد حيث تمسك على وجوب الاستنشاق بالأمر بالمبالغة وقالت الحنفية فيما حكاه الجرجاني لا يبقى دليلا على وجوب الأصل.
"ح" وحقيقة المسألة أن مخالفة الظاهر في لفظ الخطاب لا يقتضى مخالفة الظاهر في فحواه وهو يشبه نسخ اللفظ هل يكون نسخا للفحوى وهكذا يجيء في جميع دلالات الالتزام وقول المخالف [متوجه] وسرها أنه هل هو بمنزلة أمرين أو أمر بفعلين أو أمر بفعل واحد ولوازمه [جاءت] ضرورة وهو يستمد من الأمر بالشيء نهي عن أضداده.
стр. 109
[زو] مسألة العبادة الموسعة كالصوم والصلاة لا يصير نقلها بعد التلبس به واجبا وبه قال الشافعي: وقال أبو حنيفة يلزم بالشروع.
стр. 110
مسألة: إذا عبر عن العبادة بمشروع فيها دل ذلك على وجوبه
مثل تسمية الصلاة قرآنا بقوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ ١ وتسبيحا بقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ ٢ وكالتعبير عن الإحرام والنسك بأخذ الشعر بقوله: ﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ ٣ ذكره القاضي وابن عقيل ولم يحك خلافا.