← Акыда

Акыда · id 11817

النبوات لابن تيمية

ابن تيمية

Полный текст (1 076 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وقد قلنا١ أنّ ما يأتي به أتباع الأنبياء من ذلك هو مختص بالنوع، [فإنا نقول] ٢ هذا لا يكون إلا لمن اتبع الأنبياء فصار مختصاً بهم. وأما ما يوجد لغير الأنبياء وأتباعهم، فهذا هو الذي لا يدلّ على النبوة؛ [كخوارق] ٣ السحرة، والكهان. من طعن بالأنبياء وصفهم بالسحر والجنون والشعر وقد عرف الناس أنّ السحرة لهم خوارق، ولهذا كانوا إذا طعنوا في نبوّة النبيّ واعتقدوا علمه، قالوا هو ساحر؛ كما قال فرعون لموسى: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ ٤، وقال للسحرة لما آمنوا: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِيعَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ ٥، و ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ ٦؛ [و] ٧ كلّ هذا من كذب فرعون، وكانوا يقولون: ﴿يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ ٨. وكذلك المسيح؛ قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقَاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرَاً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ [بَعْدِي] ٩ اسْمُهُ أَحْمَد فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ١٠.

стр. 177

وقال تعالى عن كُفّار العرب: ﴿وَ [إِنْ] ١ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرّ﴾ ٢. وإن نسبوه إلى عدم العلم، قالوا: مجنونٌ؛ كما قالوا عن نوح: ﴿مَجْنُونٌ وَازْدُجِر﴾ ٣، وقالوا عن موسى: ﴿قال إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكُمْ لَمَجْنُون﴾ ٤، وقال عن مشركي العرب: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِيْنَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُون﴾ ٥. وقد قال تعالى: ﴿ [كَذَلِكَ] ٦ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُون أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُون﴾ ٧. فالسحر أمرٌ معتادٌ في بني آدم، كما أنّ النبوّة معتادةٌ فيهم. كما أنّ العقلاء معتادون في بني آدم، والمجانين معتادون فيهم. فإذا قالوا عن الشخص: إنّه مجنون؛ فإنّه يُعلم هل هو من العقلاء أو من المجانين بنفس ما يقوله ويفعله. وكذلك يُعرف هل هو من جنس الأنبياء، أو من جنس السحرة. وكذلك لما قالوا عن محمّد: إنّه شاعرٌ٨؛ فإنّ الشعراء جنسٌ

стр. 178

معروفون في الناس، وقالوا: إنه كاهن١. شبهة من قال: القرآن شعر وشبهة الشعر أنّ القرآن كلام موزون٢، والشعر موزون. وشبهة الكهانة أنّ الكاهن يُخبر ببعض الأمور الغائبة؛ فَذَكَرَ الله تعالى الفرق بين هذين، وبين النبيّ، فقال: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِين تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُون﴾ ٣، ثمّ قال: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ في كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا

стр. 179

يَفْعَلُونَ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرَاً﴾ ١، ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ لا بِقَولِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ٣. ولهذا لما عرض الكُفّار على كبيرهم [الوحيد] ٤ أن يقولوا للناس: هو شاعرٌ، ومجنونٌ، وساحرٌ، وكاهنٌ، صار يُبيّن لهم أنّ هذه أقوال فاسدة، وأنّ الفرق معروفٌ بينه، وبين هذه الأجناس. فالمقصود أن هذه الأجناس كلّها موجودة في الناس، معتادة، معروفة. وكلّ واحد منها يُعرف بخواصه المستلزمة له، وتلك الخواص آيات له، مستلزمة له. فكذلك النبوّة لها خواصّ مستلزمة لها، تُعرف بها،

стр. 180

وتلك الخواص خارقة لعادة غير الأنبياء، وإن كانت معتادة للأنبياء، فهي لا توجد لغيرهم. فهذا هذا١. والله أعلم. مدعي النبوة يستعين بالشياطين فإذا أتى مدّعي النبوّة بالأمر الخارق للعادة الذي لا يكون إلا لنبيّ، لا يحصل مثله لساحرٍ، ولا كاهنٍ، ولا غيرهما، كان دليلاً على نبوّته. وكلّ من الساحر، والكاهن يستعين بالشياطين؛ فإنّ الكهّان [تنزل] ٢ عليهم الشياطين تخبرهم؛ والسحرة تعلّمهم الشياطين؛ قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى المَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى [يَقُولا] ٣ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ ٤. والساحر لا يتجاوز سحره الأمور المقدورة للشياطين؛ كما تقدّم بيانه٥. الساحر ومقدرته ومقصده والساحر كما قال تعالى: ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ ٦،وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ في الآخِرَةِ مِنْ خَلاق﴾ ٧؛ فهم يعلمون أنّ السحر لا ينفع في الآخرة، ولا يُقرّب إلى الله، وأنّ من اشتراه ما له في الآخرة من خلاق؛ فإنّ مبناه على الشرك، والكذب، والظلم، مقصود صاحبه الظلم، والفواحش.

стр. 181

الفرق بين النبي والساحر وهذا مما يُعلم بصريح العقل أنّه من السيئات؛ فالنبيّ لا يأمر به، [ولا يعمله] ١، [وإنّما] ٢ يستعين على ذلك [صاحبه] ٣ بالشرك والكذب. وقد عُلِم بصريح العقل، مع ما تواتر عن الأنبياء أنّهم حرّموا الشِّرك. فمتى كان الرجل يأمر بالشرك، وعبادة غير الله، أو يستعين على مطالبه بهذا، وبالكذب، والفواحش، والظلم، عُلِم قطعاً أنّه من جنس السحرة، لا من جنس الأنبياء. وخوارق هذا يمكن معارضتها وإبطالها من بني جنسه، وغير بني جنسه. وخوارق الأنبياء لا يمكن غيرهم أن يعارضها، ولا يمكن أحداً إبطالها، لا من جنسهم، ولا من غير جنسهم؛ فإنّ الأنبياء [يصدق] ٤ بعضهم بعضاً، فلا يُتصوّر أنّ نبياً يُبطل معجزة آخر. وإن أتى بنظيرها، فهو يصدقه. ومعجزة كلّ منهما آية له، وللآخر٥ أيضا؛ كما أن معجزات أتباعهم٦ آيات لهم، بخلاف خوارق السحرة؛ فإنّها إنّما تدلّ على أنّ صاحبَها ساحرٌ يؤثّر آثاراً غريبةً ممّا هو فسادٌ في العالم، ويُسَرّ بما يفعله من الشرك، والكذب، والظلم، ويستعين على ذلك بالشياطين، فمقصوده الظلم، والفساد، والنبيّ مقصوده العدل، والصلاح. وهذا يستعين بالشياطين، وهذا بالملائكة. وهذا يأمر بالتوحيد لله، وعبادته وحده لا شريك له، وهذا

стр. 182

إنّما يستعين بالشرك، وعبادة غير الله. وهذا يُعظِّم إبليسَ وجنودَه، وهذا يذمّ إبليسَ وجنودَه. الإقرار بوجود الملائكة والجن عام وقد أنكرهما الفلاسفة والإقرار بالملائكة، والجنّ عامّ في بني آدم، لم ينكر ذلك إلا شواذّ من بعض الأمم١، ولهذا قالت الأمم المكذّبة: ﴿ولَوْ شَاءَ اللهُ لأَنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ ٢؛ حتى قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم فرعون. قال قوم نوح: ﴿مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لأَنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ ٣، وقال: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ ٤. وفرعون وإن كان مظهراً لجحد الصانع؛ [فإنه ما] ٥ قال: ﴿فلوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ [أَسْوِرَة] ٦ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ ٧ إلاَّ وقد سمع بذكر الملائكة؛ إمّا معترفاً بهم، وإمّا مُنكراً لهم.

стр. 183

فذكر الملائكة، والجنّ عامّ في الأمم. وليس في الأمم أمّة تُنكر ذلك إنكاراً عاماً، وإنّما يُوجد إنكار ذلك في بعضهم؛ مثل من قد [يتفلسف] ١، فينكرهم لعدم العلم لا للعلم بالعدم. فلا بُدّ في آيات الأنبياء من أن تكون مع كونها خارقةً للعادة أمراً غيرَ معتاد لغير الأنبياء، بحيث لا يقدر عليه إلا الله الذي أرسل الأنبياء، ليس مما يقدر عليه غير الأنبياء، لا بحيلة، ولا عزيمة، ولا استعانة بشياطين، ولا غير ذلك. من خصائص معجزات الأنبياء ومن خصائص معجزات الأنبياء: أنّه لا يُمكن معارضتها. فإذا عجز النوع البشري غير الأنبياء عن معارضتها، كان ذلك أعظم دليل على اختصاصها بالأنبياء، بخلاف ما كان موجوداً لغيرها. فهذا لا يكون آيةً البتة. الفلاسفة لا يعرفون النبوة فأصل هذا أن يعرف وجود الأنبياء في العالم، وخصائصهم؛ كما يعلم وجود السحرة، وخصائصهم. ولهذا من لم يكن عارفاً بالأنبياء من فلاسفة اليونان، والهند، وغيرهم، لم يكن له فيهم كلام يُعرف، كما لم يُعرف لأرسطو٢، وأتباعه فيهم كلام يُعرف، بل غاية من أراد أن يتكلم في ذلك؛

стр. 184

كالفارابي١، وغيره أن يجعلوا ذلك من جنس المنامات المعتادة. ولمّا أراد طائفة؛ كأبي حامد٢، وغيره أن يقرّروا إمكان النبوة على أصلهم، احتجوا بأنّ مبدأ الطبّ، ومبدأ النجوم، ونحو ذلك، كان من الأنبياء؛ لكون المعارف المعتادة لا تنهض بذلك. وهذا إنّما يدلّ على اختصاص من أتى بذلك بنوعٍ من العلم. وهذا لا يُنكره عاقل. وعلى هذا بنى ابن سينا أمر النبوة؛ أنها من قوى النفس، وقوى النفوس متفاوتة٣.

стр. 185

وكلّ هذا كلام من لا يعرف النبوة، بل هو أجنبيّ عنها، وهو أنقص ممن أراد أن يُقرّر أنّ في الدنيا فقهاء، وأطباء، وهو لم يعرف غير الشعراء؛ فاستدلّ بوجود الشعراء، على وجود الفقهاء، والأطباء. بل هذا المثال أقرب؛ فإنّ بُعد النبوّة عن غير الأنبياء أعظم من بُعد الفقيه، والطبيب عن الشاعر، ولكنّ هؤلاء من أجهل الناس بالنبوّة، ورأوا ذكر الأنبياء قد شاع، فأرادوا تخريج ذلك على أصول قومٍ لم يعرفوا الأنبياء. فإن قيل: موسى، وغيره كانوا موجودين قبل أرسطو؛ فإنّ أرسطو كان قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة١. وأيضاً فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا في كُلّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت فَمِنْهُم مَنْ هَدَى الله وَمِنْهُم مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَة فَسِيرُوا في الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ٢، وقال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالحَقِّ بَشِيرَاً وَنَذِيرَاً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِير﴾ ٣؛ فهذا يُبيِّن أنّ كُلّ أمّة قد جاءها رسولٌ، فكيف لم يعرف هؤلاء الرسل؟. جوابان عن عدم معرفة الفلاسفة الأنبياء قلت: عن هذا جوابان: أحدهما: أنّ كثيراً من هؤلاء لم يعرفوا الرسل؛ كما قال: ﴿وَمِنْهُم

стр. 186

مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَة فَسِيرُوا في الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ١، فلم تبق أخبار الرسول وأقواله معروفة عندهم. الثاني: أنّه قال تعالى: ﴿تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُم فَهُوَ وَلِيّهُمُ اليَوْمَ﴾ ٢، فإذا كان الشيطان قد زيّن لهم أعمالهم، كان في هؤلاء من درست أخبار الأنبياء عندهم، فلم يعرفوها. وأرسطو لم يأت إلى أرض الشام، ويُقال: إنّ الذين كانوا قبله كانوا يعرفون الأنبياء، لكن المعرفة المجملة لا تنفع؛ كمعرفة قريش؛ كانوا قد سمعوا بموسى، وعيسى، وإبراهيم سماعاً من غير معرفة بأحوالهم. وأيضا: فهم وأمثالهم المشاؤون٣ أدركوا الإسلام وهم من أكفر الناس بما جاءت [به] ٤ الرسل. أما أنهم لا يطلبون معرفة أخبارهم، وما سمعوه: حرّفوه، أو حملوه على أصولهم. وكثيرٌ من المتفلسفة هم من هؤلاء. فإذا كان هذا حال هؤلاء في ديار الإسلام، فما الظن بمن كان ببلادٍ٥ لا [يُعرف] ٦ فيها شريعة نبي، بل طريق معرفة الأنبياء كطريق معرفة نوعٍ من الآدميين خصّهم [الله] ٧ بخصائص، يعرف ذلك من أخبارهم، واستقراء أحوالهم؛ كما يعرف الأطباء، والفقهاء.

стр. 187

جنس النبوة يثبت بأحوال الأنبياء السابقين ولهذا إنّما يقرّر الربّ تعالى في القرآن أمر النبوّة وإثبات جنسها بما وقع في العالم؛ من قصة نوح وقومه، وهود وقومه، وصالح وقومه، وشعيب، ولوط، وإبراهيم، وموسى، وغيرهم؛ [فيذكر] ١ وجود هؤلاء، وأنّ قوماً صدّقوهم، وقوماً كذّبوهم. ويُبيِّن حال من صدّقهم، وحال من كذّبهم؛ فيُعلم بالاضطرار حينئذٍ ثبوت هؤلاء٢، [ويتبيّن] ٣ وجود آثارهم في الأرض. فمن لم يكن رأى في بلده آثارهم، فليسر في الأرض، ولينظر آثارهم، وليسمع أخبارهم المتواترة. يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَومُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِير فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيد أَفَلَمْ يَسِيرُوا في الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمَاً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ المَصِير﴾ ٤. ولهذا قال مؤمن آل فرعون٥ لمّا أراد إنذار قومه: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ

стр. 188

عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمَاً لِلْعِبَاد﴾ ١. ولهذا لما سمع ورقة بن نوفل٢، والنجاشيّ٣، وغيرهما القرآنَ، قال ورقة بن نوفل: هذا هو النَّاموس٤ الذي كان يأتي موسى٥. وقال

стр. 189

النجاشي: إنّ هذا والذي جاء به موسى [ليخرج] ١ من مشكاة واحدة٢. فكان عندهم علمٌ بما جاء به موسى؛ اعتبروا به، ولولا ذلك لم يعلموا هذا. وكذلك الجنّ لمّا سمعت القرآن، ولّوا إلى قومهم منذرين، ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابَاً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقَاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيم﴾ ٣. ولما أراد سبحانه تقرير جنس ما جاء به محمد، قال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِدَاً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاًفَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذَاً وَبِيلاً﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدَى لِلنَّاسِ [تَجْعَلُونَهُ] ٥ قَرَاطِيسَ [تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ] ٦ كَثِيرَاً وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ في

стр. 190

خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ ١. فهو سبحانه يُثبت وجود جنس الأنبياء ابتداءً؛ كما في السور المكية٢ حتى يثبت وجود هذا الجنس، وسعادة من اتبعه، وشقاء من خالفه. من أقر بجنس الأنبياء يلزمه الإقرار بنبوة محمد ﷺ ثم [نبوة] ٣ عين هذا النبيّ٤ تكون ظاهرة؛ لأنّ الذي جاء به أكمل مما جاء به جميع الأنبياء. فمن أقرّ بجنس الأنبياء، كان إقراره بنبوة محمّد في غاية الظهور، أبين مما أقرّ أنّ في الدنيا نحاة، وأطباء، وفقهاء. فإذا رأى نحو سيبويه، وطب [أبقراط] ٥، وفقه الأئمة الأربعة، ونحوهم، كان إقراره بذلك من أبين الأمور. ولهذا كان من نازع من أهل الكتاب في نبوة محمد إما أن يكون لجهله بما جاء به، وهو الغالب على عامتهم، أو لعناده وهو حال طلاب الرياسة بالدين منهم. والعرب عرفوا ما جاء به محمد. فلمّا أقرّوا بجنس الأنبياء، لم يبق عندهم في محمّد شكّ.

стр. 191

وجميع ما يذكره الله تعالى في القرآن من قصص الأنبياء، يدلّ على نبوّة محمّد بطريق الأولى؛ إذ كانوا من جنس واحد، ونبوّته أكمل. فينبغي معرفة هذا، فإنّه أصل عظيم١. ولهذا جميع مشركي العرب آمنوا به، فلم يحتج أحد منهم أن تؤخذ منه جزية. فإنّهم لما عرفوا نبوته، وأنّه لا بُدّ من متابعته، أو متابعة اليهود والنصارى، عرفوا أنّ متابعته أولى. ومن كان من أهل الكتاب: بعضهم آمن به، وبعضهم لم يؤمن جهلاً، وعناداً. وهؤلاء كان عندهم كتاب ظنوا استغناءهم به، فلم يستقرئوا أخبار محمد، وما جاء به خالين من [الهوى] ٢، بخلاف من لم يكن له كتاب٣؛ فإنّه نظر في الأمرين نَظَرَ خالٍ من الهوى، فعرف فضل ما جاء به محمد على ما جاء به غيره. ولهذا لا تكاد [توجد] ٤ أمة لا كتاب لها يُعرض عليها دين المسلمين، واليهود، والنصارى، إلاَّ رجّحت دين الإسلام؛ كما يجري لأنواع الأمم التي لا كتاب لها.

стр. 192

فأهل الكتاب مقرون بالجنس، منازعون في العين١. والمتفلسفة من اليونان والهند منازعون في وجود كمال الجنس، وإن أقرّوا ببعض صفات الأنبياء، فإنّما أقرّوا منها بما لا يختص بالأنبياء، بل هو مشترك بينهم وبين غيرهم. فلم يؤمن هؤلاء ٢ بالأنبياء البتة. هذا هو الذي يجب القطع به٣. ولهذا يُذكرون معهم ذكر الجنس الخارج عن أتباعهم؛ فيقال: قالت الأنبياء، والفلاسفة، واتفقت الأنبياء، والفلاسفة؛ كما يُقال: المسلمون، واليهود، والنصارى٤.

стр. 193

[وقال أيضاً ﵁: فصل] ١ من آيات الأنبياء: نصرهم على قومهم. وهذا من وجهين: ومن آياته: نصر الرسل على قومهم. وهذا على وجهين: الوجه الأول بإهلاك الأمم وإنجاء الرسل وأتباعهم تارةً: يكون بإهلاك الأمم، وإنجاء الرسل وأتباعهم؛كقوم نوح، وهود، وصالح، وشعيب، ولوط، وموسى. ولهذا يقرن الله بين هذه القصص في سورة الأعراف، وهود، والشعراء، ولا يذكر معها قصة إبراهيم٢. وإنّما ذكر قصة إبراهيم في سورة الأنبياء٣، ومريم٤، والعنكبوت٥، والصافات٦؛ فإنّ هذه السور لم يقتصر فيها على ذكر من أهلك من الأمم.

стр. 194

بل في سورة الأنبياء كان المقصود ذكر الأنبياء، ولهذا سميت سورة الأنبياء؛ فذكر فيها إكرامه للأنبياء، وإن لم يذكر قومهم؛ كما ذكر قصة داود، وسليمان١، وأيوب٢، وذكر آخر الكلّ: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَة﴾ ٣، وبدأ فيها بقصة إبراهيم٤؛ إذ كان المقصود ذكر إكرامه للأنبياء قبل محمّد وإبراهيم؛ أكرمهم على الله تعالى، وهو خير البرية، وهو [أبو] ٥ أكثرهم، إذ ليس هو [أبا] ٦ نوحٍ ولوط، لكن لوط من أتباعه٧، وأيوب من ذريته؛ بدليل قوله في سورة الأنعام: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ﴾ ٨. وأمّا سورة مريم: فذكر الله تعالى فيها إنعامه على الأنبياء المذكورين فيها؛ فذكر فيها رحمته زكريا، وهبته يحيى٩، وأنه ورث نبوته، وغيرها

стр. 195

من علم آل يعقوب، وأنه آتاه الحكم صبيّاً١؛ وذكر بدء خلق عيسى، وما أعطاه الله تعالى من تعليم الكتاب؛ وهو التوراة، والنبوّة، وأنّ الله تعالى جعله مباركاً أينما كان، وغير ذلك٢؛ وذكر قصة إبراهيم، وحسن خطابه لأبيه، وأنّ الله تعالى وهبه إسحاق ويعقوب نبيّين، ووهبه من رحمته، وجعل له لسان صدق علياً٣؛ ثم ذكر موسى، وأنّه خصّصه الله تعالى بالتقريب والتكليم، [ووهبه] ٤ أخاه، وغير ذلك٥؛ وذكر إسماعيل، وأنّه كان صادق الوعد٦ وكأنّه والله أعلم من ذلك أو أعظمه صَدَقَهُ فيما وَعَدَ به أباه من صبره عند الذبح، فوفى بذلك٧؛ وذكر إدريس، وأنّ الله تعالى رفعه مكانا عليّاً٨. ثمّ قال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم﴾ ٩.

стр. 196

وأما سورة العنكبوت: فإنّه ذكر فيها امتحانه للمؤمنين، ونصره لهم، وحاجتهم إلى الصبر والجهاد، وذكر فيها حسن العاقبة لمن صبر، وعاقبة من كذب الرسل؛ فذكر قصة إبراهيم لأنّها من النمط الأول، ونصرة الله له على قومه١. وكذلك سورة الصافات قال فيها: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ ٢. وهذا يقتضي أنّها عاقبة رديئة؛ إمّا بكونهم غُلبوا وذلّوا، وإما بكونهم أُهلكوا. ولهذا ذكر فيها قصة إلياس، ولم يذكرها في غيرها، ولم يذكر هلاك قومه، بل قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ إِلاَّ عِبَادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ ٣. وإلياس قد رُوِيَ أنّ الله تعالى رفعه٤، وهذا يقتضي عذابهم في الآخرة؛ فإنّ إلياس لم

стр. 197

يقم فيهم، وإلياس المعروف بعد موسى١ من بني إسرائيل، وبعد موسى لم يهلك المكذبين بعذاب الاستئصال. وبعد نوح٢ لم يهلك جميع النوع. وقد بعث في كلّ أمة نذيراً، والله تعالى لم يذكر قطّ عن قوم إبراهيم٣ أنهم أهلكوا، كما ذكر ذلك عن غيرهم، بل ذكر أنّهم ألقوه في النار، فجعلها الله عليه برداً وسلاماً، وأرادوا به كيداً، فجعلهم الله الأسفلين الأخسرين. وفي هذا: الوجه الثاني إظهار برهان النبي بالحجة والعلم والقدرة ظهور برهانه، وآيته، وأنه أظهره عليهم بالحجة والعلم، وأظهره أيضاً [بالقدرة] ٤؛ حيث أذلهم ونصره. [وهذا من جنس المجاهد الذي هزم عدوه، وتلك من جنس المجاهد الذي قتل عدوه] ٥. وإبراهيم بعد هذا لم يقم بينهم، بل هاجر وتركهم. وأولئك الرسل لم يزالوا مقيمين بين ظهراني قومهم حتى هلكوا، فلم يوجد في حق قوم إبراهيم سبب الهلاك؛ وهو إقامته فيهم، وانتظار العذاب النازل. وهكذا محمد مع قومه لم يقم فيهم، بل خرج عنهم، حتى أظهره الله تعالى عليهم بعد ذلك. الخليلان هما أفضل الرسل ومحمد وإبراهيم أفضل الرسل فإنّهم إذا علموا [الدعوة] ٦ حصل المقصود.

стр. 198

وقد يتوب منهم١ من يتوب بعد ذلك؛ كما تاب من قريش من تاب. وأما حال إبراهيم٢: فكانت إلى الرحمة أميل، فلم يَسْعَ في هلاك قومه، لا بالدعاء، ولا بالمقام، ودوام إقامة الحجة عليهم. وقد قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ٣. وكان كل قوم يطلبون هلاك نبيهم [فعوقبوا] ٤. وقوم إبراهيم أوصلوه إلى العذاب، لكن جعله الله [تعالى] ٥ عليه برداً وسلاماً، ولم يفعلوا بعد ذلك ما يستحقون به العذاب؛ إذ الدنيا ليست دار الجزاء التام، وإنّما فيها من الجزاء ما [تحصل] ٦ به الحكمة والمصلحة؛ كما في العقوبات الشرعية. فمن أراد أعداؤه من أتباع الأنبياء أن يهلكوه فعصمه الله٧، وجعل صورة الهلاك نعمة في حقه، ولم يهلك أعداءه، بل أخزاهم، ونصره؛ فهو أشبه بإبراهيم٨.

стр. 199

وإذا عصمه من كيدهم، وأظهره حتى صارت الحرب بينه وبينهم سجالاً، ثم كانت العاقبة له، فهو أشبه بحال محمّد [ ﷺ ] ١؛ فإنّ محمداً سيّد الجميع٢، وهو خليل الله٣؛ كما أن إبراهيم خليله. والخليلان٤: هما أفضل الجميع، وفي طريقتهما من الرأفة والرحمة، ما ليس في طريقة غيرهما. حكمة الرب تعالى في عقوبته لكل قوم بما يناسبهم ولم يذكر الله عن قوم إبراهيم ديناً غير الشرك، وكذلك عن قوم نوح. وأمّا عاد: فذكر عنهم التجبّر، وعمارة الدنيا.

стр. 200

وقوم صالح١: ذكر عنهم الاشتغال بالدنيا عن الدين، لم يذكر عنهم من التجبر ما ذكر عن عاد، وإنّما أهلكهم لما عقروا الناقة. وأمّا أهل مدين: فذكر عنهم الظلم في الأموال، مع الشرك؛ ﴿قَالُوا يَا شُعَيبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ في أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ ٢. وقوم لوط ذكر عنهم استحلال الفاحشة، ولم يذكروا بالتوحيد، بخلاف سائر الأمم. وهذا يدلّ على أنّهم لم يكونوا مشركين، وإنما ذنبهم استحلال الفاحشة، وتوابع ذلك. وكانت عقوبتهم أشد؛ إذ ليس في ذلك تديّن، بل شر يعلمون أنه شرّ٣. وهذه الأمور تدلّ على حكمة الربّ، وعقوبته لكل قوم بما يناسبهم؛ فإنّ قوم نوحٍ أَغرقهم إذ لم يكن فيهم خيرٌ يُرجى.

стр. 201

فصل في آيات الأنبياء وبراهينهم معنى آيات الأنبياء [و] ١ هي الأدلة والعلامات المستلزمة لصدقهم. الدليل مستلزم للمدلول والدليل لا يكون إلاَّ مستلزما للمدلول عليه مختصاً به، لا يكون مشتركاً بينه وبين غيره؛ فإنّه يلزم من تحقّقه تحقّق المدلول. وإذا [انتفى] ٢ المدلول انتفى هو؛ فما يوجد مع وجود الشيء، ومع عدمه، لا يكون دليلاً عليه، بل الدليل ما لا يكون إلاَّ مع وجوده. فما وُجد مع النبوّة تارةً، ومع عدم النبوّة تارةً، لم يكن دليلاً على النبوّة، بل دليلها ما يلزم من وجوده وجودها. اضطراب الناس في دليل النبوة وهنا اضطرب الناس، فقيل: دليلُها جنسٌ يختصّ بها، وهو الخارق للعادة. فلا يجوز وجوده لغير نبيّ؛ لا ساحر، ولا كاهن، ولا وليّ٣؛ كما

стр. 202

يقول ذلك من يقوله من المعتزلة١، [وغيرهم] ٢؛ كابن حزم٣، وغيره. قول الأشاعرة وقيل: بل الدليل هو الخارق للعادة، بشرط الاحتجاج به على النبوّة، والتحدّي بمثله. وهذا منتفٍ في السحر، والكرامة؛ كما يقول ذلك من يقوله من متكلمي أهل الإثبات٤؛ كالقاضيَيْن أبي بكر٥، وأبي يعلى٦، وغيرهما. البيان: كتاب الباقلاني وقد بسط القاضي أبو بكر٧ الكلام في ذلك، في كتابه المصنّف٨ في الفرق بين المعجزات، والكرامات، والحيل، والكهانات، والسحر، والنيرنجيات٩.

стр. 203

سبب الغلط عند المعتزلة والأشاعرة في دليل النبوة.. وهؤلاء [وهؤلاء] ١ جعلوا مجرّد كونه خارقاً للعادة هو الوصف المعتبر. وفرقٌ بين أن يقال: لا بدّ أن يكون خارقاً للعادة، وبين أن يقال: كونه خارقاً للعادة هو المؤثّر؛ فإنّ الأول يجعله شرطاً لا موجباً، والثاني يجعله موجباً. وفرقٌ بين أن يقال: العلم، والبيان، وقراءة القرآن، لا يكون إلاَّ من حيّ، وبين أن يقال: كونه حيّاً يُوجب أن يكون عالماً قارئاً. ومن هنا دخل الغلط على هؤلاء. ليس في الكتاب والسنة لفظ المعجزة وخرق العادة وليس في الكتاب والسنة تعليق الحكم بهذا الوصف، بل ولا ذكر خرق العادة، ولا لفظ المعجز، وإنّما فيه آيات وبراهين٢، وذلك يوجب اختصاصها بالأنبياء.

стр. 204

شرط المعجزة عند الأشاعرة وأيضاً: فقالوا في شرطها: أن لا يقدر عليها إلا الله، لا [تكون] ١ مقدورة للملائكة، ولا للجنّ، ولا للإنس؛ بأن يكون جنسها ممّا لا يقدر عليه إلا الله٢؛ كإحياء الموتى، وقلب العصا حية. وإذا كانت من أفعال العباد لكنها خارقة للعادة؛ مثل حمل الجبال، والقفز من المشرق إلى المغرب، والكلام المخلوق الذي يقدر على مثله البشر، ففيه لهم قولان: أحدهما: أنّ ذلك يصح أن يكون معجزة. والثاني: أن المعجزة إنّما هي إقدار المخلوق على ذلك؛ بأن [يخلق] ٣ فيه قدرة [خارجة] ٤ عن قدرته المعتادة٥. مناقشة الباقلاني في تعريف المعجزة وهذا اختيار القاضي أبي بكر٦، ومن اتبعه؛ كالقاضي [أبي يعلى] ٧.

стр. 205

وظنوا أن هذا يوجب طرد قولهم أنّها لا تكون مقدورة لغير الله، بخلاف القول الأول؛ فإنه تقع فيه شبهة إذ كان الجنس معتادا. وإنّما الخارق هو الكثير الخارج عن العادة. الفرق بين المعجزة وغيرها عند الأشاعرة وهذا الفرق الذي ذكره ضعيفٌ، فإنّه إذا كان قادراً على اليسير، فَخَرَقَ العادة في قدرته، حتى جعله قادراً على الكثير، فجنس القدرة معتاد مثل جنس المقدور، وإنّما خُرقت العادة بقدرة خارجة عن العادة؛ كما خرقت بفعل خارج عن القدرة. وعنده أنّ خلقَ القدرة خلقٌ لمقدورها، والقدرة عنده مع الفعل، فلا فرق. وهذا القول، وهو: أنّ المعجزة لا تكون إلاَّ مقدورة للرب، لا للعباد: قولُ كثيرٍ من أهل الكلام؛ من القدرية١، والمثبتة للقدر، وغيرهم. دليل الأشاعرة علىامتناع أن تكون هذه الخوارق لغير الله ثمّ إنّهم لمّا طُولبوا بالدليل على أنّه لا يجوز أن تقدر العباد على مثل: إبراء الأكمه، والأبرص، وإحياء الموتى، ونحو ذلك مما ذكروا أنّه يمتنع أن يكون مقدوراً لغير الله، اعتمدوا في الدلالة على (أنّ القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده) ، فلو جاز أن يكون العبد قادراً على هذه الأمور، لوجب أن لا يخلو من ذلك ومن ضده؛ وهو العجز، أو القدرة على ضدّ

стр. 206

ذلك الفعل؛ كما يقولونه في فعل العبد: المعجزات عند الأشاعرة هي ما تعجز قدرات العباد عنها إنّه إذا لم يقدر على الفعل، فلا بُدّ أن يكون عاجزاً، أو قادراً على ضدّه. هذا احتجاج من يقول القدرة مع الفعل١، والقدرة عنده لا تصلح للضدّين؛ كالأشعرية، فيقول: لا يخلو من القدرة، أو العجز، فهذه مقدمة. والمقدمة الثانية: ونحن لا نحسّ من أنفسنا عجزاً عن إبراء الأكمه، والأبرص، وإحياء الموتى، ونحو هذه الأمور، لكنّا غير قادرين عليها، ولا يجوز أن نقدر عليها. وهؤلاء يقولون: لا يكون الشيء عاجزاً إلاَّ عمّا يصحّ أن يكون قادراً عليه، [بخلاف ما لا يصحّ أن يكون قادراً عليه] ٢، فلا يصحّ أن يكون عاجزاً عنه. ولهذا قالوا: لا ينبغي أن تُسمّى هذه معجزات؛ لأنّ ذلك يقتضي أنّ الله أعجز العباد عنها، وإنما يعجز العباد عما يصحّ قدرتهم عليه. هذا٣ كلام القاضي أبي بكر، ومن وافقه٤. رد شيخ الإسلام عليهم وكلا المقدمتين دعوى مجردة لم يقم على واحدة منها حجة. فكيف يجوز أن يكون الفرق بين المعجزة وغيرها مبنيّاً على مثل هذا الكلام الذي

стр. 207

ينازعه فيه أكثر العقلاء، ولو كان صحيحاً لم يفهم إلا بكلفة، ولا يفهمه إلا قليلٌ من الناس. فكيف إذا كان باطلاً. والذين آمنوا بالرسل لِمَا رأوه، وسمعوه من الآيات، لم يتكلموا بمثل هذا الفرق، بل ولا خطر بقلوبهم. متأخروا الأشاعرة حذفوا القيد الذي وضعه المتقدمون ولهذا لما رأى المتأخرون ضعف هذا الفرق؛ كأبي المعالي١، والرازي٢، والآمدي٣، وغيرهم حذفوا هذا القيد؛ وهو كون المعجزة مما ينفرد الباري بالقدرة عليها، وقالوا: كلّ حادثٍ، فهو مقدورٌ

стр. 208

للربّ١، وأفعال العباد هي أيضاً مقدورة للرب، وهو خالقها، والعبد ليس خالقاً لفعله؛ فالاعتبار بكونها خارقة للعادة قد استدلّ بها على النبوّة، وتحدّى بمثلها، فلم يمكن أحداً معارضة هذه القيود الثلاثة، وحذفوا ذلك القيد. كلام الباقلاني في الفرق بين المعجز والسحر وزعم القاضي أبو بكر أنّ ما يُستدلّ به على أنّ المعجزات يمتنع دخولها تحت قدر العباد لا يصحّ على أصول القدرية. وبَسَطَ القول في ذلك بكلام يصح بعضه دون بعض؛ كعادته في أمثال ذلك٢، ثمّ جعل هذا الفرق: هو الفرق بين المعجزات، وبين السحر، والحيل؛ فقال: وأمّا على قولنا إن المعجز لا يكون إلا من مقدورات القديم، ومّما يستحيل دخوله، ودخول مثله تحت قدر العباد، فإذا كان كذلك، استحال أن يفعل أحدٌ من الخلق شيئاً من معجزات الرسل، أو ما هو من جنسها؛ لأنّ المحتال إنّما يحتال ويفعل ما يصح دخوله تحت قدرته، دون ما يستحيل كونه مقدورا له٣. قال: "وأمّا٤ القائلون بأنّه يجوز٥ أن يكون في٦ معجزات الرسل ما يدخل جنسه تحت قُدَرِ العباد، وإن لم يقدروا على كثيره، وما يخرق العادة منه، فإنّهم٧ يقولون: قد علمنا أنه لا حيلة ولا شيء من٨ السحر يمكن

стр. 209

أن يتوصل به الساحر، والمشعبذ١ إلى فعل الصعود في٢ السماء، [والطَفَرِ] ٣ من المشرق إلى المغرب٤. [وقَفْزُ] ٥ الفراسخ الكثيرة، والمشي على الماء، وحمل الجبال الراسيات: هذا٦ أمرٌ لا يتم بحيلة محتال ولا [سحر] ٧ ساحر٨"٩. وتكلّم على إبطال قول من قال: إنّ السحر لا يكون إلا تخييلاً، لا حقيقة له، وذكر أقوال العلماء [والآثار عن الصحابة بأنّ السّاحر يُقتل بسحره١٠، ١ الشعبذة، والشعوذة: اللعب بخفة. يرى الإنسان منه الشيء بغير ما عليه أصله في رأي العين؛ أي يرى ما ليس له حقيقة. والمشعبذ هو المشعوذ. انظر: لسان العرب ٣/٤٩٥. والمصباح المنير١/٣١٤. والقاموس المحيط ص ٤٢٧. ٢ في البيان: إلى. ٣ في ((م)) ، و ((ط)) : ولا قفز. والطفر: هو القفز، والوثوب في ارتفاع. وعُرف بين المتكلمين: النظرية التي تُخالف العقل، والتي اشتهر بها النظّام، فيُقال: طفرة النظام. انظر القاموس المحيط ص ٥. وسيأتي معنى الطفرة عند النظام. ٤ في البيان: من الشرق إلى الغرب. ٥ في ((م)) ، و ((ط)) : ولا طفر. ٦ في البيان: هذا زعموا. ٧ ما بين المعقوفتين ليس في ((خ)) ، وهو في ((م)) ، و ((ط)) . ٨ في البيان: لا يتمّ بحيلة ساحر ولا محتال. ٩ البيان للباقلاني ص ٧٣. ١٠ ومن آثار الصحابة الدالّة على قتل الساحر:

стр. 210

وقولٌ] ١ أنّه يُقتل حدّاً عند أكثرهم، وقصاصاً عند بعضهم٢. [ثمّ قال٣

стр. 211

[ثم قال١: فصل القول في الفصل بين المعجز والسحر] ٢. وهو لم يفرق بين الجنسين، بل يجوز أن يكون ما هو معجزةٌ للرسول يظهر على يد الساحر. لكن قال: الفرق: هو (تحدّي الرسول٣ بالإتيان بمثله، وتقريع مخالفه، بتعذر [مثله] ٤ عليه، فمتى وجد الذي٥ ينفرد الله بالقدرة عليه٦، من غير تحدٍّ منه٧، واحتجاج لنبوته بظهوره، لم يكن معجزاً. وإذا كان٨ كذلك، خرج السحر عن أن يكون معجزاً ومشبهاً لآيات الأنبياء٩، [و] ١٠ كان١١ ما يظهر عند فعل الساحر، من جنس

стр. 212

بعض معجزات الرسل، وما يفعله الله١ عند تحديهم به. غير أنّ الساحر إذا احتج بالسحر، وادعى به النبوة، أبطله الله بوجهين) ٢: أحدهما: أن ينسيه عمل السحر، أو لا يفعل عند سحره شيئاً في المسحور؛ من موتٍ، أو سقم، أو بغض، ولم يخلق فيه الصعود إلى جهة العلو، والقدرة على الدخول في بقرة. فإذا منعه هذه الأسباب بطل السحر٣. والثاني: [أنّ الساحر] ٤ تمكن معارضته؛ فإن أبواب السحر معلومة عند السحرة. فإذا تحدى ساحر بشيء يفعل عند سحره، لم يلبث أن يجد خلقاً من السحرة يفعلون مثل فعله، ويعارضونه بأدقّ وأبلغ ممّا أورده٥ "والرسول٦ إذا ظهر عليه مثل ذلك، وادعاه آية له، قال لهم: هذا آيتي وحجتي، ودليل ذلك: أنّكم لا تقدرون على مثله، ولا يفعله الله٧ في وقتي هذا، ومع تحدّيّ٨ ومطالبتي بمثله عند سحر ساحر، وفعل كاهن.

стр. 213

وقد كان١ يظهر من سحرتكم وكهانكم، وهي آية لا تظهر٢ اليوم على أحد من الخلق، وإن دقّ سحره، وعظم في الكهانة٣ علمه. فإذا ظهر ذلك عليه، وامتنع ظهور مثله على يد ساحرٍ أو كاهن، مع أنّه قد كان يظهر٤ من قبل، صار هذا٥ [خرقاً] ٦ عادة البشر، وعادة السحرة والكهنة٧ خاصّة" ٨. قال: ولم يبعد أن يقال: هذه الآية أعظم من غيرها، وأنّ لها فضل مزية٩. ذكر هذا بعد أن قال: فإن قال قائل: فإذا أجزتم أن يكون من عمل السحر ما يفعل الله عنده سقم الصحيح وموته، ويفعل عنده بغض المحب وحب المبغض، وبغض الوطن والردّ إليه من السفر، وضيق الصدر والعجز عن الوطء بالربط والشدّ الذي [يعمله] ١٠ السحرة، والصعود في جهة العلو على خيط أو بعض [الآلة] ١١. [فما] ١٢ الفصل بين هذا، وبين معجزات الرسل؟ وكيف ينفصل - مع ذلك - المعجزات من السحر؟ ويمكن

стр. 214

الفرق بين النبي والساحر؟؛ أوليس لو قال نبي مبعوث: إنّي أصعد على هذا الخيط نحو السماء، وأدخل جوف هذه البقرة وأخرج، وإني أفعل فعلاً أفرّق به بين المرء وزوجه، وأفعل فعلاً أقتل به هذا الحي وأسقم هذا الصحيح. فهل كان يكون ذلك لو ظهر على يده آية ودليلاً على صدقه؟ [فما] ١ الفصل إذاً بين السحر والمعجز٢. كلام الباقلاني في الفرق بين المعجزة والسحر هو عمدة الأشاعرة ثم قال في الجواب: يُقال له: جواب هذا قريبٌ، وذلك أنّا قد بيّنا في صدر هذا الكتاب٣ أنّ من حق [المعجز أن] ٤ لا يكون معجزاً، حتى يكون واقعاً من فعل الله على وجه خرق عادة البشر، مع تحدي الرسول بالإتيان ... إلى آخر ما كتب٥. قلت: هذا عمدة القوم، ولهذا طعن الناس في طريقهم، وشنع عليهم ابن حزم٦ وغيره. مناقشة شيخ الإسلام لكلام الباقلاني في الفرق بين المعجزة والسحر وذلك أن هذا الكلام مستدرك من وجوه: أحدها: أنّه إذا جوز أن يكون ما ينفرد الرب بالقدرة عليه على قوله: يأتي به النبيّ تارة، والساحر تارة، ولا فرق بينهما إلا دعوى النبوّة، والاستدلال به، والتحدي بالمثل، فلا حاجة إلى كونه مما انفرد الباري

стр. 215

بالقدرة عليه، لا سيما وقد ظهر ضعف الفرق بين ما يمتنع قدرة العباد عليه، وما لا يمتنع. ولهذا أعرض المتأخرون عن هذا القيد١. لا تكون المعجزة عند الأشاعرة إلا إذا استدل بها واقترن بها دعوى نبوة.. والوجه الثاني: وبه تنكشف حقيقة طريقهم أنه على هذا لم [تتميز] ٢ المعجزات بوصف تختص به، وإنما امتازت باقترانها [بدعوى] ٣ النبوة. وهذا حقيقة قولهم، وقد صرّحوا به٤. فالدليل والبرهان إن استدلّ به كان دليلاً، وإن لم يستدلّ به لم يكن دليلاً، وإن اقترنت به الدعوى، كان دليلاً، وإن لم تقترن به الدعوى، لم يكن دليلا عندهم. ولهذا لم يجعلوا دلالة المعجز دلالة عقلية، بل دلالة وضعية٥؛ كدلالة الألفاظ بالاصطلاح.
следующие страницы →