← Акыда

Акыда · id 11817

النبوات لابن تيمية

ابن تيمية

Полный текст (1 076 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

فهنا دعوى النبوة، وهنا النبوة، وهنا النبوة المدعاة قبل أن يُعلم ثبوتها، وهنا ثبوتها في نفس الأمر، وهنا علم الناس بثبوتها. وكذلك سائر الدعاوي. فمن ادّعى تحريم النبيذ المتنازع فيه؛ فهنا: دعواه التحريم، ونفس التحريم هل هو ثابت أم منتف؟ وثبوت التحريم في نفس الأمر، والعلم بالتحريم. وكذلك من ادعى حقاً عند الحاكم؛ فهنا: دعواه الحق، وهنا نفس المدعى؛ وهو استحقاقه ذلك الحق، وهنا ثبوت هذا الاستحقاق في نفس الأمر، وهنا العلم باستحقاقه. فالبينة والحجة [يجب] ١ أن يقارن المدلول عليه؛ الذي هو المدعى، وثبوته في نفس الأمر؛ سواء ادعاه [مدع] ٢، أو لم يدّعه؛ وسواء علمه عالم، أو لم يعلمه؛ فإنّ الدليل مستلزم للمدلول عليه؛ مستلزم لحرمة النبيذ، واستحقاق الحق. وثبوت الحرمة في نفس الأمر، مستلزم للحرمة. وأمّا مجرّد الحرمة المتصورة: فليست مستلزمة لوجودها في نفس الأمر، بل قد يتصور في الأذهان ما لا [يوجد] ٣ في الأعيان. والله أعلم.

стр. 527

فصل كلام الباقلاني في المعجزات ومناقشة شيخ الإسلام له وقد ذكر القاضي أبو بكر أنّ من المثبتة المجيزين للكرامات من أجاب عن حجة النفاة، بأن قال: الأدلّة على ضربين: عقلية، ووضعية؛ فالعقليّ يدلّ لنفسه وجنسه، والوضعيّ يدلّ مع المواطأة، ولا يدلّ مثله مع عدمها؛ كعقد العشرة. وضعف أبو بكر هذا، بأن قال لهم أن يقولوا: إذا كانت المعجزات تجري مجرى القول، فحيث قصدت دلّت. وعنده أنّ الأمر ليس كذلك١. قلت: بل هذا القائل أحسن؛ لأنّها تدلّ إذا قصدت بها الدلالة؛ مثل قيام الأمر، وقعوده إذا طلب ذلك منه؛ ومثل العلامة التي تكون للشخص إذا جعلها علامة؛ فحيث قصد الدلالة به دلّ. لكن لازم هذا أن لا يكون إلا إذا طلب الاستدلال بها، [لا نفس] ٢ الدعوى. ثم إنّه٣ ذكر أنّ الخارق للعادة لا بُدّ أن يكون خارقاً لعادة جميع المرسَل إليهم٤.

стр. 528

ثمّ جوَّز أن يكون ممّا اعتاده كثيٌر منهم، بشرط أن يمنعهم عن المعارضة، فيكون ذلك خرق عادة١. ثم قال في الكرامات: لا يجوز أن تكثر حتى تصير عادة؛ لأنّ من حق المعجز على قولنا وقولهم أن يكون خارقاً للعادة، فلا تجوز إدامة ظهوره فيصير عادة، بل يقع نادراً٢. وقد [جوَّزوا] ٣ في السحر والكهانة أن يكون عادة، لكن عند دعوى النبوة يمنعهم من المعارضة، فكانت الكرامات أولى بذلك هي عادة للصالحين، وإذا ادّعى النبوّة صادقٌ منع من المعارضة٤. فهذا اضطرابٌ آخر. قول الباقلاني الخوارق لاتظهر إلا على يد نبي أو ولي. والرد عليه ... وادّعى إجماع الأمة على أنّها لا تظهر على فاسق. ولولا الإجماع لجوّز ذلك؛ لأنّه لا ينقض دليل النبوة، فصارت تدلّ على الولاية بالإجماع. على أنّها لا تظهر إلا على يد نبيّ أو وليّ. فبهذا الإجماع يعلم أن من ظهرت [على] ٥ يده وليّ٦. وهذا تناقضٌ من وجهين: أحدهما: أنّهم قد قالوا: إنّها لا تدلّ على الولاية؛ لأن الولي من مات على الإيمان. وهذا غير معلوم.

стр. 529

الفرق بين المعجزات والسحر عند الأشاعرة الثاني: أنّه يقال: إذا جوَّزتَ أن يظهر على يد الساحر، والكاهن، ونحوهما من الكفار ما هو من جنس المعجزات والكرامات، وقلتَ١: يجب أن لا يستثنى من السحر شيء لا يفعل عنده، إلا ما ورد الإجماع والتوقيف على أنه لا يكون بضرب من السحر، ولا يفعل عنده؛ كفلق البحر ونحوه؛ فيكون الفرق بين السحر وغيره [إنّما] ٢ يُعلم بهذا الإجماع، إن ثبت. وإلا فعندك يجوز أن يظهر على يد الساحر كل ما يظهر على يد النبيّ إذا لم يدع النبوة، [ويحتجّ] ٣ بذلك إذا ادّعى النبوة، وعارضه معارضٌ بالمثل. فكيف [تقول] ٤ مع هذا: إنّ الخوارق تدلّ على الولاية بالإجماع، وأنت تجوّز ظهورها على أيدي الكفار؛ من السحرة، والكهان. فإن قال: السحر والكهانة كانا قبل الرسول، فلما جاء بطلا. قيل: أنت قد أثبتَّ أنّ نفسه سُحِر بعد النبوة٥، وأنّ السحر كان على عهد الصحابة، وقتلوا الساحر، وذكرتَ إجماع الفقهاء على أنَّ السحر يكون من المسلمين، وأهل الكتاب٦، والساحر ليس [بوليٍّ لله] ٧. والسحر عندك هو من جنس الكرامات. الجميع خارق للعادة، لم يستدل به على النبوّة٨.

стр. 530

فكيف تقول مع هذا: إنّ الخوارق [لا تكون] ١ إلاَّ لنبيّ، أو وليّ، وأنت [تُثبتها] ٢ للكفار٣. وهذا كلّه من جهة أنّه أخذ جنس [الخارق] ٤ مشتركاً؛ فجوّز أن يكون للنبيّ، وغير النبيّ، مع قوله: إنّ الخارق لا بُدّ أن يكون خارقاً لعادة جميع

стр. 531

المرسَل إليهم. ولكن عنده هذا يحصل بعدم المعارضة. وحينئذٍ فاشتراط كونه خارقاً، ومختصاً بمقدور [الربّ] ١ باطلٌ. وهو قد حكى أنّ الاجماع على أن المعجز لا بُدّ أن يكون خارقاً للعادة، فقال: اعلموا رحمكم الله أنّ الكلّ من سائر الأمم قد شرطوا في صفة المعجز أن يكون خارقاً للعادة٢. [ثم قال٣ في فصول الكرامات] ٤:

стр. 532

[ثم قال١ في فصول الكرامات] ٢ فصلٌ٣ قول الباقلاني: لايدل على صدق النبي إلا المعجزات ولو لم تدل للزم عجز القديم.. ويقال لهم: إنّ من النّاس من لا يشترط في الآية المعجزة أن تكون خارقاً للعادة. وهذا كما ذكر إجماع الناس على أنّه لا يدلّ على صدق النبيّ إلا المعجزات٤، فقال في الاستدلال على أنّها لو لم تدلّ، لزم عجز القديم؛ إذ لا دليل [لقول] ٥ كلّ أحدٍ أثبت النبوّة على نبوة الرّسل وصدقهم، إلا ظهور المعجزة. فهذا إجماعٌ لا خلاف فيه. فلو ظهرت على يد المتنبي، لبطلت دلالة النبوّة، ولوجب عجز القديم عن دليل يدلّ على نبوتهم. وهو نفسه قد ذكر في ذلك عدّة أقوال في غير هذا الكتاب٦.

стр. 533

وأيضاً: فالاستدلال بالإجماع إنّما يكون [بعد] ١ ثبوت النبوة، فلا يحتجّ على مقدّمات دليل النبوة بمجرد الإجماع. سبب عدم ظهور المعجزات على يد الكاذب عند الأشاعرة وهؤلاء إنما أوقعهم في هذه المناقضات أنّ القدرية٢ يجعلون لربّهم شريعة بالقياس على خلقه، ويقولون: لا يجوز أن يفعل كذا، ولا أن يفعل كذا؛ كقولهم: لا يجوز أن يضلّ هذا، فإنّا لو جوّزنا عليه الإضلال لجاز أن يظهر المعجزات على أيدي الكذابين؛ فإنّ غاية ذلك أنّه إضلال. وإذا جاز ذلك لم يبق دليلٌ على صدق الأنبياء، ولم يفرّق بين الصادق والكاذب. فعارضهم هؤلاء٣ بأن قالوا: يجوز أن يفعل كلّ ممكن مقدور، ليس يجب أن ينزّه عن فعلٍ من الأفعال، وليس في الممكنات ما هو قبيح، أو ظلم، أو سيئ، بل كلّ ذلك حسنٌ وعدل، فله أن يفعله. فقيل لهم: فجوّزوا إظهار المعجزات على [أيدي] ٤ الكذابين. ففتقوا لهم فتقا، فقالوا٥: هذا يلزم

стр. 534

منه عجز الرب عن أن ينصب دليلاً يدل على صدق النبيّ، وإن كان يمكنه أن يعرف صدقهم بالضرورة، فذلك يوجب أن يعرفوا نفسه بالضرورة، وهو يرفع التكليف. قول شيخ الإسلام في عدم ظهور المعجزات على يد الكاذب.. والتحقيق: أن إظهار المعجزات الدالّة على صدق الأنبياء على يد الكاذب لا يجوز، لكن قيل لامتناع ذلك في نفسه؛ كما قاله الأشعري١. وقيل: لأنّ ذلك يمتنع في حكمة الرب وعدله. وهذا أصحّ؛ فإنّه قادر على ذلك، لو فعله بطلت دلالة المعجز على الصدق٢. وهذا كما أنه قادر على سلب العقول، ولو فعل ذلك لبطلت العلوم. وهو سبحانه لو فعل ذلك قادرٌ على تعريف الصدق بالضرورة، وقادرٌ على أن لا يعرف بذلك، ولا يميز للناس بين الصادق والكاذب، لكنه لا يفعل هذا المقدور. ونحن نعلم بالاضطرار أنه لا يفعل ذلك، وأنّه لا يبعث أنبياء

стр. 535

صادقين يبلغون رسالته ويأمر الناس باتباعهم ويتوعّد من كذّبهم، فيقوم آخرون كذّابون يدّعون مثل ذلك، وهو يسوي بين هؤلاء وهؤلاء في جميع ما يفرق به بين الصادق والكاذب. بل قد علمنا من سنّته أنه لا يُسوّي في دلائل الصدق والكذب بين المحدث الصادق، والكاذب، والشاهد الصادق، والكاذب، وبين الذي يعامل الناس بالصدق، والكذب، وبين الذي يظهر الإسلام صادقاً، والذي يظهره نفاقاً وكذباً، بل يُميّز هذا من هذا بالدلائل [الكثيرة] ١؛ كما يُميّز بين العادل وبين الظالم، وبين الأمين وبين الخائن؛ فإنّ هذا مقتضى سنّته التي لا تتبدّل، وحكمته التي هو منزّه عن نقيضها، وعدله سبحانه بتسويته بين المتماثلات، وتفريقه [بين] ٢ المختلفات. فكيف يُسوي بين أفضل الناس وأكملهم صدقاً، وبين أكذب الناس وشرّهم كذباً فيما يعود إلى فساد العالم في العقول، والأديان، والأبضاع، والأموال، والدنيا، والآخرة. الرد على القدرية في قولهم: لو جوزنا عليه الإضلال لجاز أن يظهر المعجزات على يد الكاذب وقول [القدريّ] ٣: إذا جاز عليه إضلال من أضلّه، جاز عليه إضلال بعض الناس. يقال له: أولاً: ليس إظهار المعجزة على أيدي الكذابين من باب الإضلال. بل لو ظهرت على يده لكانت لا تدلّ على الصدق، فلم يكن دليلاً يُفرّق به بين الصدق والكذب. وعدم الدليل يوجب عدم العلم بذلك الدليل، لا يوجب اعتقاد نقيضه. ولو كان لا يظهرها إلا على يد كاذب، لكانت إنّما تدل على

стр. 536

الكذب؛ فالاشتراك بين الصنفين يرفع دلالتها، واختصاص أحدهما بها يوجب دلالتها على المختصّ. ويقال ثانياً: تجويز إضلال طائفة معينة؛ بمعنى أنه حصل لهم الضلال لعدم نظرهم، واستدلالهم، وقصدهم الحق، وجعل قلوبهم معرضة عن طلب الحق وقصده، وأنّها تكذب الصادق: ليس هو مثل إضلال العالم كلّه، ورفع ما يعرف به الحق من الباطل. بل مثال هذا: مثل من قال: إذا جاز أن [يعمي] ١ طائفة من الناس، جاز أن [يعمي] ٢ جميع النّاس، فلا يرى أحدٌ شيئاً. وإذا جاز أن [يُصِمّ] ٣ بعض النّاس، جاز أن يصم جميعهم، فلا يسمع أحدٌ شيئاً. وإذا جاز أن يُزمن٤ بعض النّاس، أو يُشلّ يديه، جاز إزمان جميع الناس، وإشلال أيديهم؛ حتى لا يقدر أحدٌ في العالم على شيء، ولا بطش بيده. وإذا جاز أن يُجنّن بعض الناس، جاز أن يُجنّن جميعَهم؛ حتى لا يبقى في الأرض إلا مجنونٌ، لا عاقل. وإذا جاز أن يُميت بعض الناس، جاز أن يُميتهم كلّهم في ساعةٍ واحدة، مع بقاء العالم على ما هو عليه. وأن يقال: إذا جاز أن يُضِلّ بعض الناس عن قبول بعض الحق، جاز أن يضله عن قبول كلّ حق؛ حتى لا يصدق أحداً في شيء، ولا يقبل شيئاً مما يُقال له؛ فلا يأكل، ولا يشرب، ولا يلبس، ولا ينام. وأنّ كلّ من أضلّ جاز أن يفعل به هذا كلّه.

стр. 537

وهذا كلّه ممّا يُعرف بضرورة العقل الفرق بينهما. ومن سوى بين هذا وهذا١، كان مصاباً في عقله. وآيات الأنبياء هي من هذا الباب؛ فلو لم يميّز بين الصادق والكاذب، لكان قد بعث أنبياء يبلّغون رسالته، ويأمرون بما أمر به؛ من أطاعهم سعد في الدنيا والآخرة، ومن كذّبهم شقي في الدنيا والآخرة، وآخرين كذّابين يبلّغون عنه ما لم يقله، ويأمرون بما نهى عنه، وينهون عمّا أمر به، ومن اتبعهم شقي في الدنيا والآخرة، ولم يجعل لأحدٍ سبيلاً إلى التمييز بين هؤلاء وهؤلاء. [وهذا] ٢ أعظم من أن يقال إنّه خلق أطعمة نافعة، وسموماً قاتلة، ولم يميّز بينهما، بل كلّ ما أكله الناس، جاز أن يكون من هذا وهذا. ومعلومٌ أنّ من جوّز مثل هذا على الله، فهو مصابٌ في عقله. الله جعل الأشياء متلازمة وكل ملزوم دليل على لازمه.. ثمّ إنّ الله جعل الأشياء متلازمة، وكلّ ملزوم هو دليل على لازمه؛ فالصدق له لوازم كثيرة؛ فإنّ من كان يصدق، ويتحرى الصدق، كان من لوازمه أنّه لا يتعمّد الكذب، ولا يخبر بخبرين متناقضين عمداً، ولا يُبطن خلاف ما يظهر، ولا يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه، ولا يخون أمانته، ولا يجحد حقاً هو عليه، إلى أمثال هذه الأمور التي يمتنع أن [تكون] ٣ لازمةً إلا لصادق؛ فإذا انتفت انتفى الصدق، وإذا وجدت كانت مستلزمة لصدقه. والكاذب بالعكس؛ لوازمه بخلاف ذلك؛ وهذا لأنّ الإنسان حيّ ناطق، والنطق من لوازمه الظاهرة لبني جنسه. ومن لوازم النطق: الخبر؛ فإنه ألزم له من الأمر، والطلب؛ حتى قد قيل: إنّ جميع أنواع الكلام

стр. 538

[تعود] ١ إلى الخبر؛ فلزم أن يكون من لوازم الإنسان إخباره، [وظهور] ٢ إخباره، وكثرته، وأنّ هذا لا بُدّ من وجوده حيث كان. وحينئذ: فإذا كان كذّاباً عَرَفَ النّاس كذبه؛ لكثرة ما يظهر منه من [الخبر] ٣ عن الشيء بخلاف ما هو عليه، من أحوال نفسه وغيره، وممّا رآه، وسمعه، وقيل له في الشهادة والغيب. ولهذا كلّ من كان كاذباً ظهر عليه كذبه بعد مدة؛ سواء كان مدّعياً للنبوّة، أو كان كاذباً في العلم ونقله، أو في الشهادة، أو في غير ذلك٤. وإن [كان] ٥ مطاعاً، كان ظهور كذبه أكثر لما فيه من الفساد.

стр. 539

[و] ١ في الصحيح عن النبي ﷺ أنّه قال: ((ثلاثةٌ لا يُكلّمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكّيهم، ولهم عذاب أليم: ملكٌ كذّاب، وشيخ زان، وعائل مستكبر ـ ويُروى ـ وفقيرٌ محتال)) ٢. ولهذا كثيرٌ من أهل الدول كانوا يتواصون بالكذب، وكتمان أمورهم، ثم يظهر؛ كالقرامطة٣. ولهذا امتنع اتفاق الناس على الكذب، والكتمان،

стр. 540

من غير تواطؤ؛ لما جعل الله في النفوس من الداعي إلى الصدق والبيان، وجعل الله في القلوب هدايةً ومعرفةً بين هذا وهذا. ولم يُعرف قطّ في بني آدم أنّه اشتبه صادقٌ بكاذبٍ إلاَّ مدة قليلة، ثم يظهر الأمر. وليس هذا كالضلال في أمور خفية ومشتبهة على أكثر الناس؛ فإنّ التمييز بين الصادق والكاذب يظهر لجمهور الناس وعامتهم بعد مدّة، ولا يطول اشتباه ذلك عليهم، وإنما يشتبه الأمر عليهم فيما لم يتعمّد فيه الكذب، بل أخطأ أصحابه؛ فأخذ عنهم تقليداً لهم. وأما مع كون أصحابه يتعمّدون الكذب، [فهو] ١ لا يخفى على عامة الناس.

стр. 541

فصل الفروق بين آيات الأنبياء وغيرها وقد تقدم١ ذكر بعض الفروق بين آيات الأنبياء وغيرهم. وبينها وبين غيرها من الفروق ما لا يكاد يحصى. الأول: أنّ النبيّ صادقٌ فيما يخبر به عن الكتب، لا يكذب قط. ومن خالفهم من السحرة، والكهّان، لا بُدّ أن يكذب؛ كما قال: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِين * تَنَزَّلُ عَلَى كُلّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ ٢. الثاني: من جهة ما يأمر به هذا ويفعله، ومن جهة ما يأمر به هذا ويفعله؛ فإنّ الأنبياء لا يأمرون [إلاَّ] ٣ بالعدل، وطلب الآخرة، وعبادة الله وحده، وأعمالهم البر والتقوى. ومخالفوهم يأمرون بالشرك، والظلم، ويعظّمون الدنيا، وفي أعمالهم الإثم والعدوان. الثالث: أنَّ السحر، والكهانة، ونحوهما أمور معتادة معروفة لأصحابها، ليست خارقة لعادتهم. وآيات الأنبياء لا تكون إلا لهم ولمن اتّبعهم. الرابع: أنَّ الكهانة والسحر يناله الإنسان بتعلّمه، وسعيه، واكتسابه. وهذا مجرّبٌ عند الناس. بخلاف النبوة؛ فإنّه لا ينالها أحدٌ باكتسابه.

стр. 542

الخامس: أنَّ النبوّة لو قُدِّر أنها تنال بالكسب، فإنّما تُنال بالأعمال الصالحة، والصدق، والعدل، والتوحيد. لا تحصل مع الكذب على من دون الله، فضلاً عن أن تحصل مع الكذب على الله. فالطريق الذي تحصل به لو حصلت بالكسب مستلزمٌ للصدق على الله فيما يُخبر به. السادس: أنَّ ما يأتي [به] ١ الكهّان، والسحرة، لا يخرج عن كونه مقدوراً للجنّ والإنس، وهم مأمورون بطاعة الرسل. وآيات الرسل لا يقدر عليها؛ لا جنّ، ولا إنس، بل هي خارقة لعادة كلّ [من] ٢ أُرسل النبيّ إليه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالجِنّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرَاً﴾ ٣. السابع: أنَّ هذه يمكن أن تُعارض بمثلها. وآيات الأنبياء لا يمكن أحداً أن يعارضها بمثلها. الثامن: أنَّ تلك ليست خارقة لعادات بني آدم، بل كلّ ضربٍ منها معتادٌ لطائفة غير الأنبياء. وأما آيات الأنبياء: فليست معتادة لغير الصادقين على الله، ولمن صدّقهم. التاسع: أنَّ هذه قد لا يقدر عليها مخلوق؛ لا الملائكة، ولا غيرهم؛ كإنزال القرآن، وتكليم موسى. وتلك تقدر عليها الجنّ والشياطين. العاشر: أنَّه إذا كان من الآيات ما يقدر عليه الملائكة؛ فإنّ الملائكة لا تكذب على الله، ولا تقول لبشر إنَّ الله أرسلك، ولم يرسله. وإنما يفعل ذلك الشياطين. والكرامات معتادة في الصالحين منّا، ومَنْ قبلنا، ليست

стр. 543

خارقة لعادة الصالحين. وآيات الأنبياء خارقة لعادة الصالحين. وهذه١ تُنال بالصلاح؛ بدعائهم، وعبادتهم. ومعجزات الأنبياء لا تُنال بذلك. ولو طلبها النّاس؛ حتى يأذن الله فيها. ﴿قُلْ إِنَّما الآياتُ عِنْدَ الله﴾ ٢، ﴿قُلْ إِنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ ٣. الحادي عشر: أنَّ النبيّ قد تقدّمه [أنبياء] ٤؛ فهو لا يأمر إلا بجنس ما أمرت به الرسل قبله؛ فله نظراء يعتبر بهم. وكذلك الساحر، والكاهن له نظراء يعتبر بهم. الثاني عشر: أنَّ النبي لا يأمر إلا بمصالح العباد في المعاش والمعاد؛ فيأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر؛ فيأمر بالتوحيد، والإخلاص، والصدق؛ وينهى عن الشرك، والكذب، والظلم. فالعقول، والفطر توافقه؛ كما توافقه الأنبياء قبله؛ فيصدقه صريح المعقول وصحيح المنقول الخارج عمّا جاء به. والله أعلم.

стр. 544

فصل ما يخالف الكتاب والسنة فهو باطل ومن تدبّر هذا١، وغيره، تبيَّن له أنَّ جميع ما ابتدعه المتكلمون، وغيرهم؛ مما يخالف الكتاب والسنة، فإنّه باطل. المبتدعون المخالفون للكتاب والسنة ولا ريب أن المؤمن يعلم من حيث الجملة أنّ ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل. لكنْ كثيرٌ من الناس لا يعلم ذلك في المسائل المفصلة؛ لا يعرف ما الذي يوافق الكتاب والسنة، وما الذي يخالفه؛ كما قد أصاب [كثيراً] ٢ من النّاس في الكتب المصنفة في الكلام؛ في أصول الدين، وفي الرأي والتصوف، وغير ذلك؛ فكثيرٌ منهم قد اتّبع طائفة يظنّ أنّ ما يقولونه هو الحق، وكلّهم على خطأ وضلال. خطبة الإمام أحمد ولقد أحسن الإمام أحمد في قوله في خطبته، وإن كانت مأثورة عمن تقدم٣: "الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل

стр. 545

العلم، يدعون من ضلّ إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويُبصّرون بنور الله أهل العمى. فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه. فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم. ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة؛ فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب. يقولون على الله، وفي الله، وفي كتاب الله بغير علم. يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشّبهون عليهم. فنعوذ بالله من فتن المضلين"١. فهؤلاء أهل البدع من أهل الكلام وغيرهم، كما قال: مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون على مفارقة الكتاب.

стр. 546

أهل البدع مخالفون للكتاب والسنة وتصديق ما ذكره: أنّك لا تجد طائفة منهم توافق الكتاب والسنة فيما جعلوه أصول دينهم. بل [لكلّ] ١ طائفة أصول دين لهم؛ فهي أصول دينهم الذي هم عليه، ليس هي أصول الدين الذي بعث الله به رسوله، وأنزل به كتابه. وما هم عليه من الدين، ليس كله موافقاً للرسول، ولا كله مخالفاً له؛ بل بعضه موافق، وبعضه مخالف؛ بمنزلة أهل الكتاب الذين لبسوا الحق بالباطل؛ كما قال تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعمَتِيَ التِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهدِكُمْ وَإِيّاي فَارْهَبُون وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقَاً لِمَا مَعَكُم وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنَاً قَلِيلاً وَإِيَّاي فَاتَّقُون وَلا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون﴾ ٣. لكنّ بعض الطوائف أكثر مخالفةً للرسول من بعض، وبعضها أظهر مخالفة. ولكنّ الظهور أمرٌ نسبيّ؛ فمن عرف السنّة ظهرت له مخالفة من خالفها؛ فقد [تظهر] ٤ مخالفة بعضهم للسنة لبعض الناس؛ لعلمه بالسنة دون من لا يعلم منها ما يعلمه هو؛ وقد تكون السنة في ذلك معلومة عند جمهور الأمة؛ فتظهر مخالفة من خالفها؛ كما [تظهر] ٥ للجمهور مخالفة الرافضة للسنة. وعند الجمهور هم المخالفون للسنة، فيقولون: أنت سني، أو رافضي؟.

стр. 547

وكذلك الخوارج: لمّا كانوا أهل سيف وقتال، ظهرت مخالفتهم للجماعة؛ حين كانوا يقاتلون الناس. وأما اليوم فلا يعرفهم أكثر الناس. وبدع القدرية، والمرجئة، ونحوهم: لا تظهر مخالفتها بظهور هذين. ظهور الخوارج ظهور القدرية والمرجئة وهاتان البدعتان ظهرتا١ لما قتل عثمان [﵁] ٢؛ في الفتنة؛ في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب [﵁] ٣. وظهرت [الخوارج] ٤ بمفارقة أهل الجماعة، واستحلال دمائهم وأموالهم؛ حتى قاتلهم٥ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب [﵁] ٦ في ذلك لأمر النبي ﷺ ٧.

стр. 548

الأحاديث في الخوارج قال الإمام أحمد بن حنبل: صحّ الحديث في الخوارج من عشرة أوجه١. وهذه٢ قد رواها صاحبه مسلم بن الحجاج في صحيحه٣، وروى البخاري قطعة منها٤. اتفاق الصحابة على قتال الخوارج واتفقت الصحابة على قتال الخوارج، حتى إنّ ابن عمر مع امتناعه عن الدخول في فرقة؛ كسعد٥، وغيره من السابقين٦. ولهذا لم يبايعوا

стр. 549

لأحدٍ إلا في الجماعة١قال٢ عند الموت: ما آسى على شيء إلا على أني لم أقاتل الطائفة الباغية مع علي رضي الله عنه٣؛ يريد بذلك قتال الخوارج، وإلا فهو لم يبايع؛ لا لعلي، ولا غيره، ولم يبايع معاوية إلا بعد أن اجتمع الناس عليه. فكيف يقاتل إحدى الطائفتين؟ وإنّما أراد المارقة التي قال فيها النبيّ ﷺ : "تمرُق مارقة على حين فرقةٍ من الناس، يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق"٤. وهذا حدَّث به أبو سعيد٥، فلما بلغ ابن عمر قول النبي ﷺ في الخوارج، وأمره بقتالهم، تحسّر على ترك قتالهم. الصحابة على ثلاثة أقوال في فتنة الجمل وصفين فكان قتالهم ثابتاً بالسنة الصحيحة الصريحة، وباتفاق الصحابة؛ بخلاف فتنة الجمل وصفّين٦؛ فإنّ أكثر السابقين الأولين كرهوا القتال في هذا، وهذا. السنة دلت على أن عليا أولى الطائفتين وكثيرٌ من الصحابة قاتلوا إما من هذا [الجانب] ٧، وإما من هذا الجانب؛ فكانت الصحابة في ذلك على ثلاثة أقوال٨.

стр. 550

\لكن الذي دلت عليه السنة الصحيحة أنّ علياً بن أبي طالب [﵁] ١ كان أولى بالحق٢، وأنّ ترك القتال بالكلية كان خيراً وأولى؛ ففي الصحيحين عن أبي سعيد أنّ النبيّ ﷺ قال: "تمرق مارقة على حين فرقة من الإسلام يقتلهم أولى الطائفتين بالحق"٣. وقد ثبت عنه أنّه جعل القاعد فيها خيراً من القائم، والقائم خيراً من الماشي، والماشي خيراً من الساعي٤، وأنّه أثنى على من صالح، ولم يُثن على من قاتل؛ ففي البخاري وغيره عن أبي بكرة أنّ النبيّ ﷺ قال عن الحسن: "إن ابني هذا سيِّدٌ، وسيصلح الله به بين فئتين من المسلمين"٥؛ فأثنى على الحسن في إصلاح الله به بين الفئتين. وفي صحيح مسلم، وبعض نسخ البخاري: أنّ النبيّ ﷺ [قال] ٦ لعمّار: "تقتلك الفئة الباغية" ٧.

стр. 551

بقاء الطائفة المنصورة إلى يوم القيامة وفي الصحيحين أيضاً أنّه قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة"١؛ قال معاذ: وهم بالشام. وفي صحيح مسلم عنه أنّه قال: "لا يزال أهل المغرب ظاهرين لا يضرهم من خذلهم" ٢. أهل المغرب هم أهل الشام قال أحمد بن حنبل، وغيره: أهل المغرب: أهل الشام٣؛ أي أنّها أول المغرب؛ فإن التغريب [والتشريق] ٤ أمر نسبيّ؛ فلكل بلد غرب وشرق، وهو ﷺ تكلّم بمدينته؛ فما تغرب عنها فهو غرب، وما تشرق عنها فهو شرق، وهي٥ مسامتة أول الشام من ناحية الفرات؛ كما أنّ مكة مسامتة لحرّان٦،

стр. 552

و [سميساط] ١، ونحوهما٢. قتال صفين من أي الأنواع كان [وتصويب قتالهم] ٣ إن كان بعد الإصلاح، فلم يقع الإصلاح وإن كان عند بغيهم في الاقتتال. وإن لم يكن إصلاح فهؤلاء البغاة لم [يكن] ٤ في أصحاب عليّ من يقاتلهم، بل تركوا قتالهم؛ إما عجزاً، وإما تفريطاً؛ فتُرِكَ الإصلاحُ المأمور به. وعلى هذا قوتلوا ابتداءً قتالاً غير مأمور به، ولما صار قتالهم مأموراً به لم يقاتلوا القتال المأمور به، بل نكل أصحاب علي [﵁] ٥ عن القتال؛ إمّا عجزاً، وإمّا تفريطاً.

стр. 553

قتال البغاة والبغاة المأمور بقتالهم: هم الذين بغوا بعد الاقتتال، وامتنعوا من الإصلاح المأمور به؛ فصاروا بغاة مقاتلين. والبغاة إذا ابتدءوا [بالقتال] ١ جاز قتالهم بالاتفاق؛ كما يجوز قتال [الغواة] ٢ قطّاع الطريق إذا قاتلوا باتفاق الناس. فأمّا الباغي من غير قتال، فليس في النص أنّ الله أمر بقتاله، بل الكفار إنما يُقاتلون بشرط [الحراب] ٣؛ كما ذهب إليه جمهور العلماء، وكما دل عليه الكتاب والسنة؛ كما هو مبسوط في موضعه٤. أنواع المرتدين الذين قاتلهم الصديق والصدّيق قاتل المرتدين الذين ارتدوا عمّا كانوا فيه على عهد الرسول من دينه، وهم أنواع: منهم من آمن بمتنبىء [كذّاب] ٥، ومنهم من لم يقرّ ببعض فرائض الإسلام التي أقرّ بها مع الرسول، ومنهم من ترك الإسلام بالكليّة٦. ولهذا تُسمّى هذه وأمثالها من الحروب بين المسلمين فتناً؛ كما سمّاها

стр. 554

النبيّ ﷺ ١. والملاحم: ما كان بين المسلمين والكفار. وبسط هذا له موضع آخر٢. الكلام في الخوارج والمقصود هنا: أنّ الخوارج ظهروا في الفتنة، وكفّروا عثمان وعلياً [﵄] ٣، ومن والاهما، وباينوا المسلمين في الدار، وسمّوا دارهم دار الهجرة٤، وكانوا كما وصفهم النبيّ ﷺ : يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، وكانوا أعظم الناس صلاةً وصياماً وقراءةً؛ كما قال النبيّ ﷺ : "يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم؛ يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية"٥. معنى مروقهم من الدين ومروقهم منه: خروجهم؛ باستحلالهم دماء المسلمين، وأموالهم؛ فإنّه قد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه"٦. وهم بسطوا في المسلمين أيديهم وألسنتهم؛ فخرجوا منه.

стр. 555

لا يكفر الخوارج ولم يحكم علي [﵁] ١، وأئمة الصحابة فيهم بحكمهم في المرتدين، بل جعلوهم مسلمين. قول سعد في الخوارج وسعد بن أبي وقاص، وهو أفضل من كان قد بقي بعد علي [﵁] ٢، وهو من أهل الشورى، واعتزل في الفتنة؛ فلم يقاتل، لا مع علي، ولا مع معاوية. ولكنّه ممن تكلم في الخوارج، وتأوّل فيهم قوله٣: ﴿وَمَا يُضِلّ بِهِ إِلاّ الفَاسِقِين الّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ في الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ ٤. إحراق علي لمن ادعى فيه الألوهية وحدث أيضاً طوائف الشيعة الإلهية الغلاة، فرُفع إلى عليّ [﵁] ٥ منهم طائفة ادّعوا فيه الإلهية، فأمرهم بالرجوع، فأصروا، فأمهلهم ثلاثاً، ثم أمر بأخاديد من نار فخُدّت، وألقاهم فيها؛ فرأى قتلهم بالنار٦. اختلاف ابن عباس مع علي في تحريق الزنادقة وأما ابن عباس: فقال٧: لو كنت أنا لم أحرّقهم بالنار؛ لنهي [رسول

стр. 556

الله] ١ ﷺ أن يُعذّب بعذاب الله، ولضربت أعناقهم؛ لقوله ﷺ : "من بدّل دينه فاقتلوه". رواه البخاري٢. وأكثر الفقهاء على قول ابن عباس. ابن السوداء وإفساده في الدين وروي أنّه بلغه أنّ ابن السوداء٣ يسبّ أبا بكر وعمر [﵄] ٤، فطلب قتله، فهرب منه٥. فإما قتله على السب، أو لأنّه كان متهماً بالزندقة.

стр. 557

وقيل: إنه هو الذي ابتدع بدعة الرافضة، وأنّه كان قصده إفساد دين الإسلام١. وهذا يستحق القتل باتفاق المسلمين. حكم من سبّ أبابكر وعمر والذين يسبون أبا بكر وعمر [﵄] ٢، فيهم [تزندق] ٣؛ كالإسماعيلية، والنصيرية؛ فهؤلاء يستحقون القتل بالإتفاق. وفيهم من يعتقد [نبوّة] ٤ النبيّ ﷺ ؛ كالإمامية؛ فهؤلاء في قتلهم نزاعٌ، وتفصيلٌ مذكورٌ في غير هذا الموضع٥. وتواتر عن علي بن أبي طالب [﵁] ٦ أنّه قال: "خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر"٧. قدماء الشيعة يفضلون أبا بكر وعمر وهذا متفقٌ عليه بين قدماء الشيعة، وكلّهم كانوا يفضلون أبا بكر وعمر [﵄] ٨، وإنّما كان النزاع في علي وعثمان [﵄] ٩ حين صار لهذا شيعة، ولهذا شيعة. وأمّا أبو بكر وعمر [﵄] ١٠: فلم يكن أحدٌ يتشيّع لهما، بل جميع الأمة كانت متفقة عليهما؛ حتى الخوارج فإنّهم يتولونهما، وإنما يتبرءون من علي وعثمان١١ [﵄] ١٢.

стр. 558

وروي١ أنّ معاوية قال: لابن عباس: أنتَ على ملة علي، أم عثمان؟ قال: لا على ملة علي، ولا عثمان، أنا على ملّة رسول الله ﷺ . اتفاق شيعة علي وشيعة عثمان على تقديم الشيخين وكان كل من الشيعيتن يذمّ الآخر بما برأه الله منه؛ فكان بعض شيعة عثمان يتكلمون في عليّ بالباطل، وبعض شيعة عليّ يتكلمون في عثمان بالباطل. والشيعتان مع سائر الأمة متفقة على تقديم أبي بكر وعمر. قيل لشريك بن عبد الله القاضي٢: أنت من شيعة علي، وأنت تفضّل أبا بكر وعمر؟! فقال: كلّ شيعة علي على هذا؛ هو يقول على أعواد هذا المنبر: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر. أفكنّا نكذّبه! والله ما كان كذّاباً٣. وقد روى البخاري في صحيحه٤ من حديث محمد بن الحنفية، أنّه قال له٥: يا أبت من خير الناس بعد رسول الله؟ فقال: يا بني أوما تعرف؟

стр. 559

قال: لا. قال: أبو بكر. قال: ثمّ مَنْ؟ قال: ثمّ عمر. وهو مروي من حديث الهمدانيين؛ شيعة علي، عن أبيه. وروي عن علي أنه قال: ولو كنتُ بوّاباً على باب جنّة لقلت لهمدان ادخلي بسلام١. وقد روي عنه٢ أنه قال: "لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري". قتل علي لمن اعتقد إلهيته وقد ثبت عن علي ﵁ بالأحاديث الثابتة، بل المتواترة أنه قتل الغالية؛ كالذين يعتقدون إلهيته، بعد أن استتابهم ثلاثاً كسائر المرتدين، وأنّه كان يبالغ في عقوبة من يسبّ أبا بكر وعمر، وأنّه كان يقول إنّهما خير هذه الأمة بعد نبيها. وهذا مبسوط في مواضع٣. والمقصود هنا: أن هاتين٤ حدثتا في ذلك الوقت٥.

стр. 560

بدعة القدرية حدثت في آخر عهد الصحابة ثمّ في آخر عصر الصحابة: حدثت القدرية، وتكلم فيها من بقي من الصحابة؛ كابن عمر١، وابن عباس٢ [وواثلة] ٣ بن الأسقع، وغيرهم٤. بدعة الإرجاء وحدثت أيضاً بدعة المرجئة في الإيمان. والآثار عن الصحابة ثابتةٌ بمخالفتهم، وأنّهم٥ قالوا: الإيمان يزيد وينقص٦؛ كما ثبت ذلك عن الصحابة؛ كما هو مذكور في موضعه٧. أصول البدع أربعة بدعة الجهمية حدثت في أواخر الدولة الأموية وأما الجهمية نفاة الأسماء والصفات: فإنّما حدثوا في أواخر الدولة الأموية٨. وكثيٌر من السلف لم يدخلهم في الثنتين وسبعين فرقة؛ منهم: يوسف بن أسباط، وعبد الله بن المبارك؛ قالوا: أصول البدع أربعة: الخوارج، والشيعة، والقدرية، والمرجئة. فقيل لهم: الجهمية؟ فقالوا: ليس هؤلاء من أمة محمد٩.

стр. 561

الجهمية ليسوا من الثنتين وسبعين فرقة ولهذا تنازع من بعدهم من أصحاب أحمد، وغيرهم: هل هم من الثنتين وسبعين؟ على قولين؛ ذكرهما عن أصحاب أحمد: أبو عبد الله بن حامد١ في كتابه في الأصول٢. الجهمية ينفون الأسماء والصفات والتحقيق: أنّ التجهّم المحض؛ وهو نفي الأسماء والصفات؛ كما يُحكى عن جهم، والغالية من الملاحدة، ونحوهم ممّن نفى أسماء الله الحسنى كفرٌ، بيِّنٌ، مخالفٌ لما علم بالإضطرار من دين الرسول٣. المعتزلة ينفون الصفات وأما نفي الصفات، مع إثبات الأسماء؛ كقول المعتزلة٤: فهو دون [هذا] ٥. لكنّه عظيمٌ أيضاً.

стр. 562

الأشاعرة يثبتون الصفات العقلية وأما من أثبت الصفات المعلومة بالعقل والسمع، وإنّما نازع في قيام الأمور الاختيارية [به] ١؛ كابن كلاب، ومن اتّبعه٢. فهؤلاء ليسوا جهمية، بل وافقوا جهماً في بعض قوله، وإن كانوا خالفوه في بعضه. وهؤلاء من أقرب الطوائف إلى السلف وأهل السنة والحديث. معتقد السالمية والكرامية وكذلك السالمية٣، والكرامية، ونحو هؤلاء يوافقون في جملة أقوالهم المشهورة؛ فيثبتون الأسماء والصفات، والقضاء والقدر في الجملة ليسوا من الجهمية، والمعتزلة النفاة للصفات. وهم أيضاً يُخالفون الخوارج،

стр. 563

والشيعة؛ فيقولون بإثبات خلافة الأربعة، وتقديم أبي بكر وعمر، ولا يقولون بخلود أحدٍ من أهل القبلة في النّار. الكرامية والكلابية وأكثر الأشعرية: مرجئة لكن الكرامية، والكلابية، وأكثر الأشعرية: مرجئة١، وأقربهم الكلابية؛ يقولون: الإيمان: هو التصديق بالقلب، والقول باللسان، والأعمال ليست منه؛ كما يُحكى هذا عن كثيرٍ من فقهاء الكوفة؛ مثل أبي حنيفة، [وأصحابه] ٢٣. الأشعري وأصحابه يوافقون جهماً في بعض قوله في الإيمان وأما الأشعريّ٤: فالمعروف عنه، وعن أصحابه: أنّهم يُوافقون جهماً في قوله في الإيمان، وأنّه مجرّد تصديق القلب، أو معرفة القلب. لكن قد يظهرون مع ذلك قول أهل الحديث، ويتأولونه، ويقولون بالاستثناء على الموافاة؛ فليسوا موافقين لجهم من كلّ وجه، وإن كانوا أقرب الطوائف إليه في الإيمان، وفي القدر أيضاً٥؛ فإنه٦ رأس الجبرية؛ يقول: ليس للعبد فعل البتة٧.

стр. 564

كسب الأشعري والأشعريّ يوافقه١ على أنّ العبد ليس بفاعل، ولا له قدرة مؤثرة في الفعل، ولكن يقول: هو كاسب٢. جهم يقول بالجبر وجهم لا يثبت له شيئاً، لكن هذا الكسب؛ يقول أكثر الناس: إنّه لا يعقل فرقٌ بين الفعل الذي نفاه، والكسب الذي أثبته. وقالوا: عجائب الكلام ثلاثة: [طفرة] ٣ النظّام، وأحوال أبي هاشم، وكسب الأشعري. وأنشدوا٤: عجائب الكلام ممّا يُقال ولا حقيقة عنده ... معقولة تدنو إلى الأفهام الكسب٥ عند الأشعري والحال٦ عنـ ... د [البهشمي] ٧ و [طفرة] ٨ النظام

стр. 565

قول الكرامية في الإيمان لم يسبقوا إليه وأمّا الكرامية: فلهم في الإيمان قولٌ ما سبقهم إليه أحدٌ؛ قالوا: هو الإقرار باللسان، وإن لم يعتقد بقلبه. وقالوا: المنافق هو مؤمن، ولكنّه مخلّدٌ في النّار. وبعض الناس [يحكي] ١ عنهم: أن المنافق في الجنّة. وهذا غلطٌ عليهم، بل هم يجعلونه مؤمناً، مع كونه مخلّداً في النّار؛ فينازَعون في الاسم، لا في الحكم. منشأ الغلط في أقوال أهل البدع في الإيمان وقد بسط القول٢ على منشأ الغلط؛ حيث ظنّوا [أنّ الإيمان] ٣ لا يكون إلا شيئاً متماثلاً عند جميع الناس؛ إذا ذهب بعضه، ذهب سائره. قول الخوارج والمعتزلة في الإيمان ثم قالت الخوارج والمعتزلة٤: وهو أداء الواجبات، واجتناب المحرمات؛ فاسم المؤمن مثل اسم البرّ، والتقي؛ وهو المستحق للثواب، فإذا ترك بعض [ذلك] ٥ زال عنه اسم الإيمان والإسلام. ثم قالت الخوارج: ومن لم يستحق هذا ولا هذا فهو كافرٌ. وقالت المعتزلة: بل ينزل منزلة بين المنزلتين؛ فنسمّيه فاسقاً، لا مسلماً، ولا كافراً، ونقول: إنّه مخلّد في النار. وهذا هو الذي امتازت به المعتزلة، وإلا فسائر بدعهم قد قالها غيرهم؛ فهم وافقوا الخوارج في حكمه، ونازعوهم، ونازعوا غيرهم في الاسم.
следующие страницы →