ذِكْرُ خيْل الجَنَّة
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ علي، حدثنا المسعودي، عن عقبة بن علقمة بن خديج، عن سليمان بن أبي بريدة، عن أبيه أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَلْ فِي الْجَنَّةِ مِنْ خَيْلٍ? فَقَالَ:
"إِنِ اللَّهُ إذا أدخلك الجنة فإنك لا تشاء أن تحمل فيها على فرس، إلا حملت على فرس من ياقوتة حمراء تطير بِكَ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْتَ".
قَالَ: وَسَأَلَهُ رجل: فقال: يا رسول الله، إني رجل حببت إلى الخيل، فهل في الجنة خيل? فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَخَيْلًا وإبلاً هفافة مرهفة تسير خِلَالِ وَرَقِ الْجَنَّةِ، يَتَزَاوَرُونَ عَلَيْهَا حَيْثُ شَاءُوا".
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سمرة الأحمسي، حدثنا أبو معاوية بن وَاصِلِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي سَوْرَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إني أحب الخيل، أفي الجنة خيل? فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
"إِذَا دخلت الْجَنَّةَ أُتِيتَ بِفَرَسٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ، لَهُ جَنَاحَانِ فَحُمِلْتَ عَلَيْهِ، ثُمَّ طَارَ بِكَ حَيْثُ شِئْتَ".
стр. 1052
ثُمَّ ضَعَّفَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْإِسْنَادَ مِنْ جِهَةِ أَبِي سَوْرَةَ ابْنِ أَخِي أَبِي أَيُّوبَ، فَإِنَّهُ قَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَاسْتَنْكَرَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَهُ هذا، والله أعلم.
قال القرطبي: وذكر ابن وهب، حدثنا ابن يزيد، قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يُذْكَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ :
"إن أدنى أهل الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً الَّذِي يَرْكَبُ فِي أَلْفِ أَلْفٍ مِنْ خَدَمِهِ مِنَ الْوِلْدَانِ الْمُخَلَّدِينَ عَلَى خَيْلٍ مِنْ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ لَهَا أَجْنِحَةٌ مِنْ ذَهَبٍ". ثم تلا قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإذَا رَأيْتَ ثمَ رأيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ . [٧٦- الْإِنْسَانِ- ٢٠] .
قُلْتُ: فِيهِ انْقِطَاعٌ بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ- وَبَيْنَ الْحَسَنِ، ثُمَّ هو مرسل.
وروى أبو نعيم: من طريق جابر بن نوح، عَنْ وَاصِلِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي سَوْرَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ مَرْفُوعًا:
"إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَزَاوَرُونَ عَلَى نَجَائِبَ بِيضٍ كَأَنَّهَا الْيَاقُوتُ، وَلَيْسَ في الجنة بهائم إِلَّا الْخَيْلُ وَالْإِبِلُ".
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المبارك: حدثنا همام، عن قتادة، عن عبد الله بن عمر، قَالَ:
"فِي الْجَنَّةِ عِتَاقُ الْخَيْلِ، وَكِرَامُ النَّجَائِبِ، يَرْكَبُهَا أَهْلُهَا".
وَهَذِهِ الصِّيغَةُ لَا تَدُلُّ عَلَى الحصر كما دلت عَلَيْهِ رِوَايَةُ أَبِي نُعَيْمٍ فِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ ثُمَّ هُوَ مُعَارَضٌ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ ماجه في سننه، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
"الشَّاةُ من دواب الجنة".
وهذا منكر.
стр. 1053
وَفِي مُسْنَدِ الْبَزَّارِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
"أَحْسِنُوا إِلَى الْمِعْزَى، وَأَمِيطُوا عَنْهَا الْأَذَى، فَإِنَّهَا مِنْ دَوَابِّ الْجَنَّةِ".
وَقَالَ أَبُو الشَّيْخِ الْأَصْبَهَانِيُّ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا، حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
"إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، جَاءَتْهُمْ خُيُولٌ مِنْ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ لَهَا أَجْنِحَةٌ، لَا تَبُولُ، وَلَا تَرُوثُ، فَقَعَدُوا عَلَيْهَا، ثُمَّ طَارَتْ بِهِمْ في الجنة. فيتجلى لهم الجبار، فَإِذَا رَأَوْهُ، خَرُّوا لَهُ سُجَّدًا، فَيَقُولُ لَهُمُ الجبار: ارفعوا رؤوسكم فإن هذا اليوم لَيْسَ بِيَوْمِ عَمَلٍ، إِنَّمَا هُوَ يَوْمُ نَعِيمٍ، وكرامة، فيرفعون رؤوسهم، فيمطر الله عليهم طيباً، ثم تمر بهم على كثبان المسك، فيبعث الله عَلَى تِلْكَ الْكُثْبَانِ رِيحًا، فَتَهِيجُهَا عَلَيْهِمْ، حَتَّى إنهم ليرجعون إِلى أهلهم، وَإِنَّهُمْ لَشُعْثٌ غُبْرٌ".
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حدثنا الفضل بن جعفر، حدثنا جعفر بن بشر، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَلِيٍّ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:
"إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً، يَخْرُجُ مِنْ أعلاها وَمِنْ أَسْفَلِهَا خَيْلٌ مِنْ ذَهَبٍ، مُسْرَجَةٌ، مُلْجَمَةٌ، مِنْ دُرٍّ، وَيَاقُوتٍ، لَا تَرُوثُ وَلَا تَبُولُ، لها أجنحة، خطوها مد بصرها، يركبها أهل الجنة فتطير بهم حيث شاءوا، ويقول الذين أسفل منهم درجة، بم بلغ عبادك هذه الكرامة كلها? فيقول لَهُمْ: كَانُوا يُصَلُّونَ اللَّيْلَ، وَكُنْتُمْ تَنَامُونَ، وَكَانُوا يَصُومُونَ، وَكُنْتُمْ تَأْكُلُونَ، وَكَانُوا يُنْفِقُونَ، وَكُنْتُمْ تَبْخَلُونَ، وكانوا يقاتلون، وكنتم تخشون".
стр. 1054
ذكر زيارة أهل الجنة بعضهم بعضاً واجتماعهم وتذاكرهم أموراً كانت منهم في الدنيا من طاعات وزلات
قال الله تَعَالَى: ﴿وَأقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض يَتَسَاءَلُونَ قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أهْلِنَا مُشْفِقِينَ فمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُوم إنَّا كُنا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبر الرَّحِيمُ﴾ . [٥٢- الطور- ٢٥- ٢٨] .
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا عبد الله، حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا سعد بن دينار، عن الربيع، عن صبيح، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
"إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ، واشتاق الإِخوان بعضهم إلى بعض، يسير سَرِيرُ هَذَا إِلَى سَرِيرِ هَذَا، حَتَّى يَجْتَمِعَا جميعاً، فيقول أحدهما لصاحبه: أتعلم مَتَى غَفَرَ اللَّهُ لَنَا? فَيَقُولُ صَاحِبُهُ: كُنَّا في موضع كذا وكذا، فدعونا الله فَغَفَرَ لَنَا".
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض يَتَسَاءَلُونَ قَالَ قَائِل مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لي قَرِينٌ "يَقُولُ أئِنك لَمِنَ الْمُصَدقِينَ أئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أئِنَّا لَمَدِينُونَ، قَالَ هَلْ أنْتُمْ مُطّلِعُونَ فَاطلَعَ فَرَآهُ فِي سَواء الجَحِيم قَالَ تَاللَّهِ إنْ كِدْتَّ لَتُرْدين وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ أفَمَا نَحْنُ بِمَيتينَ إلاَّ مَوْتَتَنَا الأولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذبِينَ إنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ لِمِثْل هَذَا فَلْيَعْمَل الْعامِلُونَ﴾ . [٣٧- الصافات- ٥٠-٦١] . وهذا الفوز، يشمل الجني، والإنسي.
стр. 1055
يقول: كان يوسوس إلي بالكفر واستبعاد أمر المعاد، فبرحمة الله نجوت منه، ثم أمر أصحابه ليطلعوا على النار، فرآه في غمراتها يعذب، فحمد الله على ما نجاه منه.
قال الله تعالى:
﴿قَالَ تَاللَّهِ إِن كِدْتَ لَتُرْدِين، وَلَوْلاَ نِعْمَةُ ربي، لَكُنْتُ مِنَ المحْضَرِينَ﴾ .
ثُمَّ ذَكَرَ الْغِبْطَةَ الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَشَكَرَ الله عليها وقال:
﴿أفَمَا نَحْنُ بِميتينَ إِلاّ مَوْتَتَنَا الأولَى، وَمَا نَحْنُ بِمُعَذِّبِينَ﴾ ? أي إنا قَدْ نَجَوْنَا مِنَ الْمَوْتِ وَالْعَذَابِ، بِدُخُولِنَا الْجَنَّةَ، إن هذا لهو الفوز العظيم وقوله:
﴿لِمِثْل هذا، فَلْيَعْمَل الْعَامِلُونَ﴾ .
يحتمل أن يكون من تمام مقالته، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ ، لقوله:
﴿وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَس الْمُتَنَافِسُونَ﴾ . [٨٣- المطففين- ٢٦] .
ولهذا نظائر كثيرة، قد ذكرنا بعضها في التفسير.
وذكر في أول البخاري: في كتاب الإِيمان، في حديث حارثة بن سراقة، حين قال له رسولالله ﷺ : "كيف أصبحت?" فقال: أصبحت مؤمناً بالله حقاً، قال: "فما حقيقة إيمانك?" قال: صرفت نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا، فَأَسْهَرْتُ لَيْلِي، وَأَظْمَأْتُ نَهَارِي،
стр. 1056
وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي بَارِزًا، وَإِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَا، وَإِلَى أَهْلِ النَّارِ يعذبون فيها، فقال:
"عَبْدٌ نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ".
وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ: عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ: بَلَغَنَا أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَزُورُ الْأَعْلَى الْأَسْفَلَ منهم وَلَا يَزُورُ الْأَسْفَلُ الْأَعْلَى"، قُلْتُ: وَهَذَا يَحْتَمِلُ معنيين: أحدهما: أن صاحب الرتبة السافلة، لا يصلح له أن يتعداها، وليس فيه أهلية لذلك.
الثاني: لئلا يرى فوق ما هو فيه من النعيم فيحزن لذلك، وليس في الجنة حزن، وَقَدْ وَرَدَ مَا قَالَهُ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ، وَفِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا قال، فقال الطبراني: حدثنا الحسن بن إسحاق، حدثنا شريك بْنُ عُثْمَانَ. حَدَّثَنَا الْمُسَيَّبُ بْنُ شَرِيكٍ، عَنْ بِشْرِ بْنِ نُمَيْرٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَلْ يتزاور أهل الجنة? فقال:
"يَزُورُ الْأَعْلَى الْأَسْفَلَ وَلَا يَزُورُ الْأَسْفَلُ، الْأَعْلَى، إلا الذين يتحابون في الله يَأْتُونَ مِنْهَا حَيْثُ شَاءُوا عَلَى النُّوقِ، مُحْتَقِبِينَ الحشايا".
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ العباس، حدثنا عبد الله بن عثمان، عن عبد الله بن المبارك، أن إسماعيل بن عياش قال: حَدَّثَنِي ثَعْلَبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ بَشِيرٍ الْعِجْلِيِّ، عَنْ شُفَيِّ بْنِ مَاتِعٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال:
"إن من نعيم الجنة أنهم يتزاورون على المطايا والبخت، وَأَنَّهُمْ يُؤْتَوْنَ فِي الْجَنَّةِ بِخَيْلٍ مُسْرَجَةٍ مُلْجَمَةٍ، لَا تَرُوثُ وَلَا تَبُولُ فَيَرْكَبُونَهَا حَتَّى يَنْتَهُوا إلى
стр. 1057
حيث شاء الله ، فيأتيهم مِثْلَ السَّحَابَةِ، فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أذن سمعت، فيقولون: أمطري علينا، فلا تزال تمطر عليهم حتى ينتهي ذلك، ثم يبعث الله ريحاً غير مؤذية، فتتسف كُثْبَانًا مِنْ مِسْكٍ، عَنْ أَيْمَانِهِمْ، وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ، فيوجد ذلك المسك في نواصي خيلهم، وفي مفارقها، وفي رؤوسها، ولكل رجل منهم جهة على ما اشتهت نفسه، فيعلق المسك بهم، ويعلق بالخيل، ويعلق بما سِوَى ذَلِكَ مِنَ الثِّيَابِ، ثُمَّ يَنْقَلِبُونَ حَتَّى يَنْتَهُوا إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ ، فإن الْمَرْأَةُ تُنَادِي بَعْضَ أُولَئِكَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ? أما لك فينا حاجة? فيقول: من أَنْتِ? فَتَقُولُ: أَنَا زَوْجَتُكَ، وَحِبُّكَ، فَيَقُولُ: مَا علمت بمكانك، فتقول أو ما علمت أن الله قَالَ:
﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أخْفِي لَهُمْ مِنْ قرَّةِ أعْيُن جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْملون﴾ . [٣٢- السجدة- ١٧] .
فيقول: بلى وربي، فلعله يشغل بعد ذلك الوقت، لَا يَلْتَفِتُ، وَلَا يَعُودُ، مَا يَشْغَلُهُ عَنْهَا إلى ما هو فيه من النعمة والكرامة".١ وهذا حديث مرسل غريب جداً.
стр. 1058
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: حَدَّثَنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَنْعُمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:
"إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَزَاوَرُونَ عَلَى الْعِيسِ الْخُورِ، عليها رحال المسك، على خياشمها غُبَارَ الْمِسْكِ، خِطَامُ- أَوْ زِمَامُ- أَحَدِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا".
وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سَأَلَ جِبْرِيلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ:
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّموَاتِ وَمَنْ فِي الأرْض إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ . [٣٩- الزمر- ٦٨] .
فقال: "هُمُ الشُّهَدَاءُ، يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ مُتَقَلِّدِينَ أَسْيَافَهُمْ حَوْلَ عرشه، فتأتيهم ملائكة من المحشر بنجائب من الياقوت الأبيض، برجال الذهب، أعنتها السندس، والإِستبرق، ونمارق من الحرير، تمد أبصارها مَدَّ أَبْصَارِ الرِّجَالِ، يَسِيرُونَ فِي الْجَنَّةِ عَلَى خيولهم يقولون عند طول النزهة: انطلقي بِنَا نَنْظُرْ كَيْفَ يَقْضِي اللَّهُ بَيْنَ خَلْقِهِ? فيضحك إليهم الله ، وإذا ضحك الله إلى عبد فلا حساب عليه".
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْهَرَوِيُّ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زيد الموصلي، حدثني أبو إياس، حدثني محمد بن علي بن الحسين.
وروى أبو نعيم: في حديث المعافى. بن عمران، حدثني: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
"إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يُقَالُ لَهَا طُوبَى، لَوْ سَخَّرَ الْجَوَادَ الرَّاكِبُ أَنْ يَسِيرَ فِي ظلها لسار مائة عام، ورقها زمرد أخضر، وزهرها رياط صفر، وأفناؤها
стр. 1059
سُنْدُسٌ، وَإِسْتَبْرَقٌ، وَثَمَرُهَا حُلَلٌ، وَصَمْغُهَا زَنْجَبِيلٌ، وَعَسَلٌ، وَبَطْحَاؤُهَا يَاقُوتٌ أَحْمَرُ، وَزُمُرُّدٌ أَخْضَرُ، وَتُرَابُهَا مِسْكٌ، وخشيشها زعفران، يَفُوحُ مِنْ غَيْرِ وَقُودٍ، وَيَتَفَجَّرُ مِنْ أَصْلِهَا أنهار السَّلْسَبِيلُ، وَالرَّحِيقُ، وَظِلُّهَا مَجْلِسٌ مِنْ مَجَالِسِ أَهْلِ الجنة، يألفونه، ويتحدث فيه جميعهم.
فبينما هم يوماً يتحدثون في ظلها، إذا جَاءَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَقُودُونَ نَجَائِبَ مِنَ الْيَاقُوتِ، قَدْ نُفِخَ فِيهَا الرُّوحُ، مَزْمُومَةً بِسَلَاسِلَ مِنْ ذَهَبٍ، وجوهها المصابيح، عليها رحائل ألواحها من الدر والياقوت، مفصصة باللؤلؤ والمرجان صفاقها من الذهب الأحمر، الملبس بالعبقري والأرجوان، فأناخوا إليهم بتلك النجائب، وقالوا لهم: إن ربكم يُقْرِئُكُمُ السَّلَامَ، وَيَسْتَزِيرُكُمْ، لِيَنْظُرَ إِلَيْكُمْ، وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ، وتحيوه، ويحييكم، وتكلموه، ويزيدكم من سعة فَضْلِهِ، إِنَّهُ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ، وَفَضْلٍ عَظِيمٍ.
فيتحول كل رجل منهم إلى راحلته، ثم ينطلقون صفاً واحداً معتدلاً، لا يفوت منه أحد أحداً، ولا تفوت أذن الناقة أذن صاحبتها، ولا ركبة الناقة ركبة صَاحِبَتِهَا وَلَا يَمُرُّونَ بِشَجَرَةٍ مِنْ أَشْجَارِ الْجَنَّةِ إلا أتحفتهم بثمرتها، ورحلت لهم عن طريقهم، كراهة أن ينثلم صفهم، أو يفرق بين الرجل ورفيقه. فإذا رفعوا إلى الجبار أَسْفَرَ لَهُمْ عَنْ وَجْهِهِ الْكَرِيمُ وَتَجَلَّى لَهُمْ في عظمة العظيم وقالوا: رَبَّنَا أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، وَلَكَ حَقُّ الجلال والإِكرام فيقول لهم ربهم : إني السَّلَامُ وَمِنِّي السَّلَامُ، وَلِي حَقُّ الْجَلَالِ والإِكرام، مَرْحَبًا بِعِبَادِي الَّذِينَ حَفِظُوا وَصِيَّتِي، وَرَعَوْا حَقِّي، وخافوني بالغيب فكانوا مِنِّي عَلَى كُلِّ حَالٍ مُشْفِقِينَ.
стр. 1060
قالوا: وعزتك، وعلو مكانك، ما قدرناك حق قدرك، وما أدينا إليك كل حقك، فأذن لنا بالسجود لك,
فيقول لَهُمْ رَبُّهُمْ: إِنِّي قَدْ وَضَعْتُ عَنْكُمْ مُؤْنَةَ الْعِبَادَةِ، وَأَرَحْتُ لَكُمْ أَبْدَانَكُمْ، فَطَالَمَا أَنْصَبْتُمْ لِيَ الْأَبْدَانَ، وَأَعْنَيْتُمْ لِيَ الْوُجُوهَ، فَالْآنَ أَفْضَيْتُمْ إِلَيَّ رَوْحِي، وَرَحْمَتِي، وَكَرَامَتِي، فَسَلُونِي مَا شِئْتُمْ، وَتَمَنَّوْا عَلَيَّ أُعْطِكُمْ أَمَانِيَّكُمْ، فَإِنِّي لَنْ أَجْزِيَكُمُ الْيَوْمَ بقدر أعمالكم، ولكن بقدر رحمتي، وكرامتي، وطولي، وجلالي، وَعُلُوِّ مَكَانِي، وَعَظَمَةِ شَأْنِي.
فَمَا يَزَالُونَ فِي الأماني والعطايا، والمواهب، حتى إن المقتصر فِي أُمْنِيَّتِهِ لَيَتَمَنَّى مِثْلَ جَمِيعِ الدُّنْيَا مُنْذُ خلقها الله إلى يوم إفنائها.
فيقول لهم الله : قد قَصَّرْتُمْ فِي أَمَانِيِّكُمْ، وَرَضِيتُمْ بِدُونِ مَا يَحِقُّ لكم، لقد أَوْجَبْتُ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَتَمَنَّيْتُمْ، وَأَلْحَقْتُ بِكُمْ ذريتكم، ودونكم مَا قَصَّرَتْ عَنْهُ أَمَانِيُّكُمْ".
وَهَذَا مُرْسَلٌ ضَعِيفٌ، غريب، وأحسن أحواله أن يكون من كلام بعض السلف، فوهم بعض رواته فجعله مرفوعاً، وليس كذلك، والله أعلم.
باب جَامع لأحكام تتعَلق بالجَنَّة ولأَحاديث شَتَّى
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُريَّتُهُمْ بإِيمَان ألحَقْنَا بِهِمْ ذريَّتَهُمْ وَمَا ألَتْنَاهُمْ منْ عَمَلهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ . [٥٢-الطور-٢١] .
стр. 1061
ومعنى هذا:
أَنَّ اللَّهَ تَعَالِي يَرْفَعُ دَرَجَةَ الْأَوْلَادِ فِي الْجَنَّةِ، إِلَى دَرَجَةِ الْآبَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلُوا بِعَمَلِهِمْ، وَلَا يَنْقُصُ الْآبَاءُ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، حَتَّى يجمع بينهم وبين بنيهم، في الجنة التي يستحقها الآباء، فيرفع الناقص حتى يساويه مع العالي، ليجمع بينهم في الدرجة العالية: لتقر أعينهم لاجتماعهم وارتفاعهم".
قال الثوري عن عمر بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:
"إِنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ المؤمن إلى درجته، وإن كانوا دونه في العمل، ليقربهم عَيْنَهُ ثُمَّ قَرَأَ:
﴿وَالذينَ آمَنُوا وَاتبعَتْهُمْ ذرِّيَّتُهُمْ بإيمَان ألْحَقْنَا بهمْ ذرِّيَّتَهُمْ وَمَا ألتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ . [٥٢- الطور-٢١] .
كذا رواه ابن جبير، وابن أبي حاتم في تفسيرهما عَنِ الثَّوْرِيِّ مَوْقُوفًا، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عن شعبة، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ موقوفاً، وروراه الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ مَرْدُوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ، مِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وروى الثَّوْرِيِّ: وَشُعْبَةَ أَثْبَتُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَرَوَى ابْنُ أبي الدنيا، من طريق اللَّيْثِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ:
"هُمْ ذُرِّيَّةُ الْمُؤْمِنِ، يَمُوتُونَ عَلَى الْإِيمَانِ، فَإِنْ كَانَتْ مَنَازِلُ آبَائِهِمْ أَرْفَعَ من منازلهم، ألحقوا بآبائهم، ولم ينقص الأباء مِنْ أَعْمَالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوا شَيْئًا".
стр. 1062
وقال الطبراني: حدثنا حسين بن إسحاق التستري، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَزْوَانَ، حدثنا: شريك، عن سالم الأقطش، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
"إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ الْجَنَّةَ، سَأَلَ عَنْ أَبَوَيْهِ، وزوحته، وَوَلَدِهِ، فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَتَكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ قَدْ عَمِلْتُ لِي وَلَهُمْ، فَيُؤْمَرُ بِإِلْحَاقِهِمْ بِهِ".
وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَالَّذينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذريَّتُهُمْ بإيمَان﴾ . [٥٢- الطور- ٢١] .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي هَذِهِ الآية: يقول الله تعالى: وَالَّذِينَ أَدْرَكَ ذُرِّيَّتُهُمُ الْإِيمَانَ، فَعَمِلُوا بِطَاعَتِي، أَلْحَقْتُهُمْ بآبائهم في الجنة، وأولادهم الصغار تلحق بهم.
هذا التَّفْسِيرُ هُوَ أَحَدُ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى الذرية، أَهُمُ الصِّغَارُ فَقَطْ? أَمْ يَشْمَلُ الصِّغَارَ وَالْكِبَارَ? كقوله: ﴿وَمِنْ ذريَّتهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ . [٦- الأنعام- ٨٤] .
وَقَالَ: ﴿ذرِّيَّة مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوح إنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً﴾ . [١٧-الإسراء-٣] .
فأطلق الذرية على الصغار، كما أطلقها على الكبار.
وَتَفْسِيرُ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، يَشْمَلُهُمَا، وَهُوَ اختيار الواحدي وغيره، والله أعلم.
وهو محكي عن الشعبي، وأبي مخلد، وسعيد بن جبير، وإ براهيم النخعي وأبي صالح، وقتادة، والربيع بن أنس. هذا فضله ورحمته على الأبناء ببركة عمل الآباء.
فصل الجنة والنار موجودتان
والجنة والنار موجودتان الآن، معدتان لأصحابهما، كما نطق بذلك القرآن? وتواترت بذلك الأخبار عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهذا اعتقاد أهل السنة والجماعة، المستمسكين بالعروة الوثقى، وهي السنة المثلى إلى قيام الساعة، خلافاً لمن زعم أن الجنة والنار لَمْ يُخْلَقَا بَعْدُ، وَإِنَّمَا يُخْلَقَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وهذا القول صدر ممن لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى الْأَحَادِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهَا في الصحيحين
стр. 1065
وغيرهما من كتب الإِسلام المعتددة الْمَشْهُورَةِ بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ وَالْحَسَنَةِ، مِمَّا لَا يُمْكِنُ دفعه، ولا رده، لتواتره، واشتهاره.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ :
"أَنَّهُ رَأَى الْجَنَّةَ والنار ليلة الإسراء".
وقال ﷺ :
"اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: يَا رَبِّ: أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فأذن لها في نفسين، نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَأَشَدُّ ما تجدون من الزمهرير، من بردها، وأشد ما تجدون في الْحَرِّ، مِنْ فَيْحِهَا، فَإِذَا كَانَ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بالصلاة".
وثبت في الصَّحِيحَيْنِ: مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
"تَحَاجَّتِ الجنة والنار، فقالت النار: أؤثرت بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ. وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: مَا لِي لَا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم دون غيرهم? فقال الله لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي، أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ منكما ملؤها، فأما النار فلا تمتلىء حَتَّى يَضَعَ قَدَمَهُ عَلَيْهَا، فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ، فهنالك تمتلىء، وينزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم من خلقه أحداً، وأما الجنة فينشىء الله لها خلقاً" ١.
стр. 1066
لفظ مسلم.
وثبت في الصحيحين: من طريق سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
"لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا، وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، حتى يضع الجبار فِيهَا قَدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَتَقُولُ: قَطْ قَطْ. بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ، وَلَا يَزَالُ فِي الجنة فضل، حتى ينشىء الله لها خلقاً، فيسكنهم فضل الجنة" ١.
فَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ من أنه ينشىء لِلنَّارِ مَنْ يَشَاءُ، فَيُلْقَى فِيهَا، فَتَقُولُ: هَلْ من مزيد? وإشكال هذه الرواية، فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: هَذَا غَلَطٌ مِنْ بعض الرواة، وكأنه اشتبه عليه، فدخل عَلَيْهِ لَفْظٌ فِي لَفْظٍ فَنَقَلَ هَذَا الْحُكْمَ من الجنة إلى النار: والله أعلم.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ تَعَالَى امتحنهم فِي الْعَرَصَاتِ كَمَا يَمْتَحِنُ غَيْرَهُمْ مِمَّنْ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ فِي الدُّنْيَا، فَمَنْ عَصَى مِنْهُمْ أَدْخَلَهُ النَّارَ، وَمَنِ اسْتَجَابَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ، لقوله تعالى:
﴿وَمَاكُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ . [١٧-الإسراء- ١٥] .
ولقوله تَعَالَى:
﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاِّ يَكُونَ لِلنَّاس عَلَى اللَّهِ حُجّةٌ بَعْدَ الرًّسُل وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ . [٤- النساء-١٦٥] .
стр. 1067
فصل في بعض صفات أهل الجنة وبعض صفات أهل النار
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا سَلَفَ صِفَةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَالَ دُخُولِهِمْ إِلَيْهَا، وَقُدُومِهِمْ عَلَيْهَا، وَأَنَّهُمْ يُحَوَّلُ خَلْقُهُمْ إِلَى طُولِ سِتِّينَ ذِرَاعًا فِي عَرْضِ سبعة أذرع، وأنهم يكونون جرداً مكحلين في سن أبناء ثلاث وثلاثين. قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ١ بْنُ صَالِحٍ، حدثني داود بْنُ الْجَرَّاحِ الْعَسْقَلَانِيُّ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ هَارُونَ٢ بْنِ رِئَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
"يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ عَلَى طُولِ آدَمَ، ستين ذراعا بذراع الملك، على حسن يوسف، وَعَلَى مِيلَادِ عِيسَى، ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ، وَعَلَى لِسَانِ محمد".
وَرَوَى دَاوُدَ٣ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "لِسَانُ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَرَبِيٌّ".
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ: مِنْ طَرِيقَيْنِ فِيهِمَا ضَعْفٌ: عَنْ أبي كريمة المقدام بن معدي كرب ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
стр. 1068
"ما من أحد من الناس يموت سقطاً ولا هرماً أو فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ، إِلَّا بُعِثَ ابْنَ ثَلَاثِينَ. وَفِي رِوَايَةٍ- ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ- سَنَةً فَإِنْ كَانَ من أهل الجنة كان على مسحة وصورة يوسف، وقلب أيوب، مرداً مكحلين، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عُظِّمُوا وَفُخِّمُوا كالجبال".
وفي رواية: "حتى تصير جلدة يد أحدهم أربعين ذراعاً وَحَتَّى يَصِيرَ نَابٌ مِنْ أَنْيَابِهِ مِثْلَ أُحُدٍ".
وثبت: "أن أهل الجنة يأكلون، ويشربون، ولا يبولون، ولا يتغوطون، وإنما ينصرف طعامهم بأنهم يعرقون عرقاً، له رائحة كرائحة المسك الأذفر، وأنفاسهم تحميد وتكبير، وتسبيح" ١.
وثبت: "أن أول زمرة مِنْهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ في البهاء كأضواء كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ، وَأَنَّهُمْ يُجَامِعُونَ، وَلَا يتناسلون، ولا يتوالدون، إلا ما يشاؤون، وَأَنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ، وَلَا يَنَامُونَ، لِكَمَالِ حَيَاتِهِمْ بكثرة لذاتهم، وتوالي طعامهم وشرابهم، وَكُلَّمَا ازْدَادُوا خُلُودًا ازْدَادُوا حُسْنًا، وَجَمَالًا، وَشَبَابًا، وقوة، وكمالاً، وَازْدَادَتْ لَهُمُ الْجَنَّةُ حُسْنًا، وَبَهَاءً، وَطِيبًا، وَضِيَاءً، وكانوا أرغب فيها، وأحرص عليها، فكانت لهم أعز وأغلى وألذ، وأحلى، قال الله تَعَالَى: ﴿خَالِدينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾ . [١٨- الكهف-١٠٨] .
стр. 1069
فصل
وقد ذكرنا: أن أول من يدخل الجنة من بني آدم على الإِطلاق هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ أعلاهم منزلة، وأن أول من يدخلها من الأمم أمته، وأول من يدخل مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، أَبُو بَكْرٍ الصَّدِّيقُ ﵁، وتقدم، أن أفراد هذه الأمة يكثرون في الجنة، وأنهم فيها يعدلون ثلثي أهل الجنة، كَمَا تَقَدَّمَ:
"أَهْلُ الْجَنَّةِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ صَفًّا وهذه الأمة ثمانون صفاً".
"أُخْبِرُكُمْ بِرِجَالِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ: النَّبِيُّ فِي الْجَنَّةِ، وَالصِّدِّيقُ فِي الْجَنَّةِ، وَالشَّهِيدُ فِي الْجَنَّةِ، وَالرَّجُلُ يَزُورُ أَخَاهُ فِي نَاحِيَةِ الْمِصْرِ لَا يزوره إلا الله في الجنة، ونساؤكم من أهل الجنة، العؤود الولود، التي إذا غضب زوجها جاءت حتى تضع يدها عليه: ثُمَّ تَقُولُ: لَا أَذُوقُ غُمْضًا حَتَّى تَرْضَى".
وَرَوَى النَّسَائِيُّ بَعْضَهُ مِنْ حَدِيثِ خَلَفِ بْنِ خَلِيفَةَ، عن أبي هاشم، عن يحيى بن دينار، به.
وتقدم في الأحاديث الصحيحة: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ:
"اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الأغنياء".
стр. 1074
الحمادون لله في السراء والضراء هم أول من يدعى يوم القيامة لدخول الجنة
وَتَقَدَّمَ الْحَدِيثُ الْوَارِدُ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَرْفُوعًا: "أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى إِلَى الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْحَمَّادُونَ، الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ والضراء".
стр. 1075
فصل أمة محمد ﵇ أكثر أهل الجنة عدداً، وأعلاهم مكاناً ومكانة
هذه الأمة أكثر أهل الجنة، وأغناهم فيها، وأعلاهم منازل، وهم صدورها كما قال الله تَعَالَى فِي صِفَةِ الْمُقَرَّبِينَ: ﴿ثلَةٌ مِنَ الأوّلينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ . [٥٦- الواقعة-١٣-١٤] .
стр. 1076
وقال في صفة أهل اليمين: ﴿ثلَّةٌ مِنَ الأَوَّلينَ وَثلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ . [٥٦- الْوَاقِعَةِ- ٣٩-٤٠] .
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: "خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يكون قوم تحت الشمس- أو السماء- يَنْذِرُونَ وَلَا يَفُونَ، وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ وَيَخُونُونَ ولا يؤتمنون".
الصدر الأول من صحابة رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُمْ خير هذه الأمة
وخيار الأمة، الصدر الأوائل من الصحابة، كما قال ابن مسعود:
"فمن كان منكم مقتدياً فليقتد بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد، آمن هذه الأمة قلوباً، وأعظمها عِلْمًا، وَأَقَلُّهَا تَكَلُّفًا، قَوْمٌ اخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِصُحْبَةِ نبيه، ونصرة دينه، فاعرفوا لهم قدرهم، وَاقْتَدُوا بِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ".
стр. 1077
بعض الآثار الواردة في دخول أعداد كبيرة من هذه الأمة إلى الجنة بغير حساب
وَتَقَدَّمَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ يَدْخُلُ مِنْهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: "مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا".
وَفِي ر واية أحمد: "مع كل واحد سبعون ألفاً". وإليك ذكر الحديث: وإشارة إلى طرقه وألفاظه.
стр. 1078
سبقك بها عكاشة
ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
"يَدْخُلُ الْجَنَّةَ من أمتي زمرة هم سبعون ألفاً، تُضِيءُ وُجُوهُهُمْ إِضَاءَةَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ".
فَقَامَ عكاشة بن محصن الأسدي يدفع نمرة فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يجعلني منهم، فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ يجعله الله منهم.
فقام رَجُلٌ مِنَ. الْأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يجعلني منهم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "سبقك بها عكاشة" ١.
ولهما من رواية أبي حازم: عن سهل بن سعد، مثله.
ولهما: مِنْ رِوَايَةِ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ:
"عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ، فرأيت النبي ﷺ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ، وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ ليس معه أحد، فرفع سواد، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ، وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سواد عظيم،
стр. 1079
فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمَتُّكَ، وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَلَا عَذَابٍ".
وَفِيهِ: "هم الذين لا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ". فَقَامَ عكاشة، فذكره.
ولمسلم: من طريق محمد بن سيرين، وعمران بن الحصين، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ أَمْتَى سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حساب، ولا عذاب، قيل من هم? قال: هم الذين لا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون" ١.
ولمسلم: مِنْ حَدِيثِ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، نحوه..
وروى عاصم: عن رزين بن مسعود، نحوه. وإسناده على شرط مسلم بن الحجاج.
وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ خَطِيبُ دِمَشْقَ: وَأَبُو بكر بن أبي شيبة، واللفظ له:
стр. 1080
أخبرنا إسماعيل بن عباس: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الْأَلْهَانِيُّ، سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:
"وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا، مَعَ كُلِّ ألف سبعون أَلْفًا، لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ، وَلَا عَذَابَ، وَثَلَاثَ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّي ".
وَكَذَا رواه أبو بكر بن عَاصِمٍ: عَنْ دُحَيْمٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ صفوان بن عمرو، عن أبي سليم بن عامر، عن أبي اليمان عامر بن عبد الله بن يحيى الهوزي، عن أبي أمامة، فذكرمثله.
وروى الطبراني: من حديث عامر بن سعد البجلي، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ..
وروى الطبراني: مِنْ طَرِيقِ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ، عَنْ ثَوْبَانَ، مِثْلَهُ ... وَلَمْ يَذْكُرْ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ...
وَلَهُ: مِنْ حديث قيس الكندي، عن أبي سعيد الأنصاري، مثله- بذكر الحثيات- وقد قدمنا بقية طرقه بألفاظها.
وفي الصحيحين: "ثم أدخلت الجنة، فإذا جنادل اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك".
وفي صحيح مسلم: من طريق قتادة، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قال:
"بينا أَنَا أَسِيرُ فِي الْجَنَّةِ، إِذَا أَنَا بِنَهَرٍ حَافَتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ الْمُجَوَّفِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا? قَالَ: هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ".
وَفِي مناقب عمر: أنه ﷺ قال:
"أدخلت الجنة فرأيت جارية تتوضأ عند قصر، فقلت: لمن أنت? قالت لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَهُ، فَذَكَرْتُ غيرتك".
فبكى عمر وقال: أو عليك أَغَارُ يَا رَسُولَ اللَّهِ? وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عن جابر.
وقال لبلال: "دخلت الجنة فسمعت خشف نعليك بين يدي في الجنة، فَأَخْبِرْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الْإِسْلَامِ"، فَقَالَ: ما عملت عملاً في الإِسلام أرجى عندي منفعة من أني لا أتطهر طهوراً تاماً في ساعة من ليل ولا نهار، إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلي.
وأخبرني عَنْ الرُّمَيْصَاءِ: "أَنَّهُ رَآهَا فِي الْجَنَّةِ".
أَخْرَجَاهُ عن جابر بن عبد الله.
وَأَخْبَرَ فِي يَوْمِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ: "أَنَّهُ عُرِضَتْ عليه الجنة والنار، وأنه دنت منه الجنة، وأنه همّ أن يأخذ منها قطفاً من عنب. ولو أخذ ثمة لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا".
стр. 1085
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: مِنْ طَرِيقِ الْزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
"رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عامر بن الخزاعي ابن قمعة بن خندف أخا بني كعب هؤلاء١ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ".
وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الآخر: "ورأيت فيها صاحب المحجن".
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
"دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ، فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى ماتت، فلا هي أطعمتها وسقتها، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ".
"ولقد رأيتها تحمشها".
وأخبر عن الرجل الذي ينحي غصن شوك عن طريق المارة. فقال: "فلقد رأيته يستظل به في الجنة".
وفي الحديث: فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظٍ آخَرَ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
"اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ، فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ، فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ".
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: مِنْ طَرِيقِ الْمُخْتَارِ بن فلفل المخزومي، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا"، قَالُوا: يَا رسول الله فما رأيت? قال: "رأيت الجنة والنار".
стр. 1086
وأخبر:
"أن المتوضىء إذا تشهد بعد وضوئه فإنه تفتح له أبواب الجنة يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ".
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ عدي بن حاتم، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
"إن له لمرضعاً في الجنة".
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ، أَخْبَرَنَا الْأَصَمُّ، حَدَّثَنَا ابن عباس الرَّمْلِيُّ، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
"أَوْلَادُ الْمُؤْمِنِينَ فِي جَبَلٍ فِي الْجَنَّةِ، يَكْفُلُهُمْ إِبْرَاهِيمُ وَسَارَةُ حَتَّى يَرُدَّهُمْ إِلَى آبَائِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
وَكَذَا رَوَاهُ وَكِيعٌ: عَنْ سُفْيَانَ- وَهُوَ الثَّوْرِيُّ- وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَقَدْ أَوْرَدْنَا كَثِيرًا مِنْهَا بأسانيدها ومتونها فيما تقدم.
وقال الله تَعَالَى:
﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ وكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَة﴾ . [٢- البقرة- ٣٥] .
وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْجَنَّةَ جَنَّةُ الْمَأْوَى، وَذَهَبَ طَائِفَةٌ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهَا جَنَّةٌ فِي الأرض، خلقها الله تعالى له، ثم أخرجه منها.
وقد ذكرنا ذلك مبسوطاً في قصة آدم، مِنْ كِتَابِنَا هَذَا، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ، وبالله المستعان.
стр. 1087
فَصْلٌ
وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ يَسْبِقُونَ الْأَغْنِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْجَنَّةِ بِأَرْبَعِينَ خريفاً".
كذا روى الترمذي: من حديث جابر، وصححه أنس وَاسْتَغْرَبَهُ.
وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَصَحَّحَهُ، وأ بي سعيد، وحسنه: "بنصف يوم، خمسمائة عام".
قلت: فإن كان محفوظاً- كما صححه الترمذي- فتحصل أن ذلك باعتبار أول دخول الفقراء، وآخر الأغنياء، ويكون الْأَرْبَعُونَ خَرِيفًا، بِاعْتِبَارِ مَا بَيْنَ دُخُولِ آخِرِ الْفُقَرَاءِ، وَأَوَّلِ الْأَغْنِيَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ حَيْثُ قَالَ: "وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْفُقَرَاءِ وَالْأَغْنِيَاءِ" يشير الى ما ذكرناه.
قال الزهري: "كلام أهل الجنة عربي، وبلغنا أَنَّ النَّاسَ يَتَكَلَّمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالسُّرْيَانِيَّةِ، فَإِذَا دخلوا الجنة تكلموا بالعربية".
стр. 1088
فَصْلٌ فِي الْمَرأَة تَتزوج فِي الدُّنْيَا بَأزواج وتَكون في الجنَّة لِمَنْ كان في الدُّنْيَا أَحْسَنَهُمْ خُلُقاً
ذكر القرطبي في التذكرة: من طريق وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ، أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ شَكَتْ زَوْجَهَا الزُّبَيْرَ إِلَى أَبِيهَا فَقَالَ:
"يَا بُنَيَّةُ، اصْبِرِي فَإِنَّ الزُّبَيْرَ رَجُلٌ صَالِحٌ، ولعله يكون زوجك في الجنة".
وقد بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا ابْتَكَرَ الْمَرْأَةَ، تَزَوَّجَهَا في الجنة١.
وقال أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ. أَنَّ الْمَرْأَةَ تَكُونُ لِآخِرِ أَزْوَاجِهَا فِي الدُّنْيَا، وَجَاءَ: أَنُّهَا تَكُونُ لِأَحْسَنِهِمْ خُلُقًا.
قَالَ أبو بكر النجاد: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بن إسحاق العطار، حدثنا يسار بن هارون، عن حميد بن أَنَسٍ، أَنَّ أمٍ حَبِيبَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: الْمَرْأَةُ يَكُونُ لَهَا الزَّوْجَانِ فِي الدُّنْيَا، فلأيهما تكون? فَقَالَ:
"لِأَحْسَنِهِمَا خُلُقًا كَانَ مَعَهَا فِي الدُّنْيَا".
стр. 1089
ثُمَّ قَالَ: "يَا أُمَّ حَبِيبَةَ: ذَهَبَ حُسْنُ الْخُلُقِ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ" ١.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أم سلمة، نحو هذا، والله أعلم.
وإليه المرجع والمآب.