← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 11820

الهداية في شرح بداية المبتدي

المرغيناني

Полный текст (1 246 стр.). Показаны 1226–1246 · переход к 1231.

стр. 1226

الوصية تمليك بغير بدل مضاف إلى ما بعد الموت فلا يملك تمليكه ببدل اعتبارا بالإعارة فإنها تمليك بغير بدل في حالة الحياة على أصلنا، ولا يملك المستعير الإجارة لأنها تمليك ببدل، كذا هذا. وتحقيقه أن التمليك ببدل لازم وبغير بدل غير لازم، ولا يملك الأقوى بالأضعف والأكثر بالأقل، والوصية تبرع غير لازم إلا أن الرجوع للمتبرع لا لغيره والمتبرع بعد الموت لا يمكنه الرجوع فلهذا انقطع، أما هو في وضعه فغير لازم، ولأن المنفعة ليست بمال على أصلنا وفي تمليكها بالمال إحداث صفة المالية فيها تحقيقا للمساواة في عقد المعاوضة، فإنما تثبت هذه الولاية لمن يملكها تبعا لملك الرقبة، أو لمن يملكها بعقد المعاوضة حتى يكون مملكا لها بالصفة التي تملكها، أما إذا تملكها مقصودة بغير عوض ثم ملكها بعوض كان مملكا أكثر مما تملكه معنى وهذا لا يجوز، وليس للموصى له أن يخرج العبد من الكوفة إلا أن يكون الموصى له وأهله في غير الكوفة فيخرجه إلى أهله للخدمة هنالك إذا كان يخرج من الثلث، لأن الوصية إنما تنفذ على ما يعرف من مقصود الموصي، فإذا كانوا في مصره فمقصوده أن يمكنه من خدمته فيه بدون أن يلزمه مشقة السفر، وإذا كانوا في غيره فمقصوده أن يحمل العبد إلى أهله ليخدمهم. ولو أوصى بغلة عبده أو بغلة داره يجوز أيضا لأنه بدل المنفعة فأخذ حكم المنفعة في جواز الوصية به، كيف وأنه عين حقيقة لأنه دراهم أو دنانير فكان بالجواز أولى، ولو لم يكن له مال غيره كان له ثلث غلة تلك السنة لأنه عين مال يحتمل القسمة بالأجزاء، فلو أراد الموصى له قسمة الدار بينه وبين الورثة ليكون هو الذي يستغل ثلثها لم يكن له ذلك إلا في رواية عن أبي يوسف فإنه يقول: الموصى له شريك الوارث وللشريك ذلك، فكذلك للموصى له، إلا أنا نقول: المطالبة بالقسمة تبتنى على ثبوت الحق للموصى له فيما يلاقيه القسمة إذ هو المطالب، ولا حق له في عين الدار، وإنما حقه في الغلة فلا يملك المطالبة بقسمة الدار، ولو أوصى له بخدمة عبده ولآخر برقبته وهو يخرج من الثلث فالرقبة لصاحب الرقبة والخدمة عليها لصاحب الخدمة، لأنه أوجب لكل واحد منهما شيئا معلوما عطفا منه لأحدهما على الآخر فتعتبر هذه الحالة بحالة الانفراد. ثم لما صحت الوصية لصاحب الخدمة، فلو لم يوص في الرقبة ميراثا للورثة مع كون الخدمة للموصى له، فكذا إذا أوصى بالرقبة لإنسان آخر، إذ الوصية أخت الميراث من حيث إن الملك يثبت فيهما بعد الموت. ولها نظائر: وهو ما إذا أوصى بأمة لرجل وبما في بطنها لآخر وهي تخرج من الثلث

стр. 1227

أو أوصى لرجل بخاتم ولآخر بفصه، أو قال هذه القوصرة لفلان وما فيها من التمر لفلان كان كما أوصى، ولا شيء لصاحب الظرف في المظروف في هذه المسائل كلها، أما إذا فصل أحد الإيجابين عن الآخر فيها فكذلك الجواب عند أبي يوسف. وعلى قول محمد الأمة للموصى له بها والولد بينهما نصفان، وكذلك في أخواتها. لأبي يوسف أن بإيجابه في الكلام الثاني تبين أن مراده من الكلام الأول إيجاب الأمة للموصى له بها دون الولد، وهذا البيان منه صحيح وإن كان مفصولا لأن الوصية لا تلزم شيئا في حال حياة الموصي فكان البيان المفصول فيه والموصول سواء كما في وصية الرقبة والخدمة. ولمحمد أن اسم الخاتم يتناول الحلقة والفص. وكذلك اسم الجارية يتناولها وما في بطنها. واسم القوصرة كذلك، ومن أصلنا أن العام الذي موجبه ثبوت الحكم على سبيل الإحاطة بمنزلة الخاص فقد اجتمع في الفص وصيتان وكل منهما وصية بإيجاب على حدة فيجعل الفص بينهما نصفين، ولا يكون إيجاب الوصية فيه للثاني رجوعا عن الأول، كما إذا أوصى للثاني بالخاتم، بخلاف الخدمة مع الرقبة لأن اسم الرقبة لا يتناول الخدمة وإنما يستخدمه الموصى له بحكم أن المنفعة حصلت على ملكه، فإذا أوجب الخدمة لغيره لا يبقى للموصى له فيه حق، بخلاف ما إذا كان الكلام موصولا لأن ذلك دليل التخصيص والاستثناء، فتبين أنه أوجب لصاحب الخاتم الحلقة خاصة دون الفص. قال: "ومن أوصى لآخر بثمرة بستانه ثم مات وفيه ثمرة فله هذه الثمرة وحدها، وإن قال له ثمرة بستاني أبدا فله هذه الثمرة وثمرته فيما يستقبل ما عاش، وإن أوصى له بغلة بستانه فله الغلة القائمة وغلته فيما يستقبل" والفرق أن الثمرة اسم للموجود عرفا فلا يتناول المعدوم إلا بدلالة زائدة، مثل التنصيص على الأبد لأنه لا يتأبد إلا بتناول المعدوم والمعدوم مذكور وإن لم يكن شيئا، أما الغلة فتنتظم الموجود وما يكون بعرض الوجود مرة بعد أخرى عرفا، يقال فلان يأكل من غلة بستانه ومن غلة أرضه وداره، فإذا أطلقت يتناولهما عرفا غير موقوف على دلالة أخرى. أما الثمرة إذا أطلقت لا يراد بها إلا الموجود فلهذا يفتقر الانصراف إلى دليل زائد. قال: "ومن أوصى لرجل بصوف غنمه أبدا أو بأولادها أو بلبنها ثم مات فله ما في بطونها من الولد وما في ضروعها من اللبن وما على ظهورها من الصوف يوم يموت الموصي سواء قال أبدا أو لم يقل" لأنه إيجاب عند الموت فيعتبر قيام هذه الأشياء يومئذ، وهذا بخلاف ما تقدم. والفرق أن القياس يأبى تمليك المعدوم لأنه لا يقبل الملك، إلا أن في الثمرة والغلة المعدومة جاء الشرع بورود العقد عليها كالمعاملة والإجارة، فاقتضى ذلك

стр. 1228

جوازه في الوصية بالطريق الأولى لأن بابها أوسع. أما الولد المعدوم وأختاه فلا يجوز إيراد العقد عليها أصلا، ولا تستحق بعقد ما، فكذلك لا يدخل تحت الوصية، بخلاف الموجود منها لأنه يجوز استحقاقها بعقد البيع تبعا وبعقد الخلع مقصودا، فكذا بالوصية، والله أعلم بالصواب.

стр. 1229

باب وصية الذمي قال: "وإذا صنع يهودي أو نصراني بيعة أو كنيسة في صحته ثم مات فهو ميراث" لأن هذا بمنزلة الوقف عند أبي حنيفة، والوقف عنده يورث ولا يلزم فكذا هذا. وأما عندهما فلأن هذه معصية فلا تصح عندهما. قال: "ولو أوصى بذلك لقوم مسمين فهو الثلث" معناه إذا أوصى أن تبنى داره بيعة أو كنيسة فهو جائز من الثلث لأن الوصية فيها معنى الاستخلاف ومعنى التمليك، وله ولاية ذلك فأمكن تصحيحه على اعتبار المعنيين. قال: "وإن أوصى بداره كنيسة لقوم غير مسمين جازت الوصية عند أبي حنيفة، وقالا: الوصية باطلة" لأن هذه معصية حقيقة وإن كان في معتقدهم قربة، والوصية بالمعصية باطلة لما في تنفيذها من تقرير المعصية. ولأبي حنيفة أن هذه قربة في معتقدهم ونحن أمرنا بأن نتركهم وما يدينون فتجوز بناء على اعتقادهم؛ ألا يرى أنه لو أوصى بما هو قربة حقيقة معصية في معتقدهم لا تجوز الوصية اعتبارا لاعتقادهم فكذا عكسه. ثم الفرق لأبي حنيفة بين بناء البيعة والكنيسة وبين الوصية به أن البناء نفسه ليس بسبب لزوال ملك الباني. وإنما يزول ملكه بأن يصير محررا خالصا لله تعالى كما في مساجد المسلمين، والكنيسة لم تصر محررة لله تعالى حقيقة فتبقى ملكا للباني فتورث عنه، ولأنهم يبنون فيها الحجرات ويسكنونها فلم يتحرر لتعلق حق العباد به، وفي هذه الصورة يورث المسجد أيضا لعدم تحرره، بخلاف الوصية لأنه وضع لإزالة الملك إلا أنه امتنع ثبوت مقتضاه في غير ما هو قربة عندهم فبقي فيما هو قربة على مقتضاه فيزول ملكه فلا يورث. ثم الحاصل أن وصايا الذمي على أربعة أقسام: منها: أن تكون قربة في معتقدهم ولا تكون قربة في حقنا وهو ما ذكرناه، وما إذا أوصى الذمي بأن تذبح خنازيره وتطعم المشركين، وهذه على الخلاف إذا كان لقوم غير مسمين كما ذكرناه والوجه ما بيناه.

стр. 1230

ومنها: إذا أوصى بما يكون قربة في حقنا ولا يكون قربة في معتقدهم، كما إذا أوصى بالحج أو بأن يبنى مسجد للمسلمين أو بأن يسرج في مساجد المسلمين، فهذه الوصية باطلة بالإجماع اعتبارا لاعتقادهم، إلا إذا كان لقوم بأعيانهم لوقوعه تمليكا لأنهم معلومون والجهة مشورة. ومنها: إذا أوصى بما يكون قربة في حقنا وفي حقهم، كما إذا أوصى بأن يسرج في بيت المقدس أو يغزى الترك وهو من الروم، وهذا جائز سواء كانت لقوم بأعيانهم أو بغير أعيانهم لأنه وصية بما هو قربة حقيقة وفي معتقدهم أيضا. ومنها: إذا أوصى بما لا يكون قربة لا في حقنا ولا في حقهم، كما إذا أوصى للمغنيات والنائحات، فإن هذا غير جائز لأنه معصية في حقنا وفي حقهم، إلا أن يكون لقوم بأعيانهم فيصح تمليكا واستخلافا، وصاحب الهوى إن كان لا يكفر فهو في حق الوصية بمنزلة المسلم لأنا أمرنا ببناء الأحكام على الظاهر، وإن كان يكفر فهو بمنزلة المرتد فيكون على الخلاف المعروف في تصرفاته بين أبي حنيفة وصاحبيه. وفي المرتدة الأصح أنه تصح وصاياها لأنها تبقى على الردة، بخلاف المرتد لأنه يقتل أو يسلم. قال: "وإذا دخل الحربي دارنا بأمان فأوصى لمسلم أو ذمي بماله كله جاز" لأن امتناع الوصية بما زاد على الثلث لحق الورثة ولهذا تنفذ بإجازتهم، وليس لورثته حق مرعي لكونهم في دار الحرب إذ هم أموات في حقنا، ولأن حرمة ماله باعتبار الأمان، والأمان كان لحقه لا لحق ورثته، ولو كان أوصى بأقل من ذلك أخذت الوصية ويرد الباقي على ورثته وذلك من حق المستأمن أيضا. ولو أعتق عبده عند الموت أو دبر عبده في دار الإسلام فذلك صحيح منه من غير اعتبار الثلث لما بينا، وكذلك لو أوصى له مسلم أو ذمي بوصية جاز لأنه ما دام في دار الإسلام فهو في المعاملات بمنزلة الذمي، ولهذا تصح عقود التمليكات منه في حال حياته، ويصح تبرعه في حياته فكذا بعد مماته. وعن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه لا يجوز لأنه مستأمن من أهل الحرب إذ هو على قصد الرجوع ويمكن منه، ولا يمكن من زيادة المقام على السنة إلا بالجزية. ولو أوصى الذمي بأكثر من الثلث أو لبعض ورثته لا يجوز اعتبارا بالمسلمين لأنهم التزموا أحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات. ولو أوصى لخلاف ملته جاز اعتبارا بالإرث إذ الكفر كله ملة واحدة، ولو أوصى لحربي. في دار الإسلام لا يجوز لأن الإرث ممتنع لتباين الدارين والوصية أخته، والله أعلم.

стр. 1231

باب الوصي وما يملكه قال: "ومن أوصى إلى رجل فقبل الوصي في وجه الموصي وردها في غير وجهه فليس برد" لأن الميت مضى معتمدا عليه، فلو صح رده في غير وجهه في حياته أو بعد مماته صار مغرورا من جهته فرد رده، بخلاف الوكيل بشراء عبد بغير عينه أو ببيع ماله حيث يصح رده في غير وجهه لأنه لا ضرر هناك لأنه حي قادر على التصرف بنفسه "فإن ردها في وجهه فهو رد" لأنه ليس للموصي ولاية إلزامه التصرف، ولا غرور فيه لأنه يمكنه أن ينيب غيره "وإن لم يقبل ولم يرد حتى مات الموصي فهو بالخيار إن شاء قبل وإن شاء لم يقبل" لأن الموصي ليس له ولاية الإلزام فبقي مخيرا، فلو أنه باع شيئا من تركته فقد لزمته، لأن ذلك دلالة الالتزام والقبول وهو معتبر بعد الموت، وينفذ البيع لصدوره من الوصي، وسواء علم بالوصاية أو لم يعلم، بخلاف الوكيل إذا لم يعلم بالتوكيل فباع حيث لا ينفذ لأن الوصاية خلافة لأنه يختص بحال انقطاع ولاية الميت فتنتقل الولاية إليه، وإذا كانت خلافة لا تتوقف على العلم كالوراثة. أما التوكيل إنابة لثبوته في حال قيام ولاية المنيب فلا يصح من غير علمه كإثبات الملك بالبيع والشراء وقد بينا طريق العلم وشرط الإخبار فيما تقدم من الكتب. "وإن لم يقبل حتى مات الموصي فقال لا أقبل ثم قال أقبل فله ذلك إن لم يكن القاضي أخرجه من الوصية حين قال لا أقبل" لأن بمجرد قوله لا أقبل لا يبطل الإيصاء، لأن في إبطاله ضررا بالميت وضرر الوصي في الإبقاء مجبور بالثواب، ودفع الأول وهو أعلى أولى، إلا أن القاضي إذا أخرجه عن الوصاية يصح ذلك لأنه مجتهد فيه، إذ للقاضي ولاية دفع الضرر، وربما يعجز عن ذلك فيتضرر ببقاء الوصاية فيدفع القاضي الضرر عنه وينصب حافظا لمال الميت متصرفا فيه فيندفع الضرر من الجانبين فلهذا ينفذ إخراجه، فلو قال بعد إخراج القاضي إياه أقبل لم يلتفت إليه لأنه قبل بعد بطلان الوصاية بإبطال القاضي. "ومن أوصى إلى عبد أو كافر أو فاسق أخرجهم القاضي عن الوصاية ونصب غيرهم" وهذا اللفظ يشير إلى صحة الوصية، لأن الإخراج يكون بعدها. وذكر محمد في الأصل أن الوصية باطلة. قيل معناه في جميع هذه الصور أن الوصية ستبطل، وقيل معناه في العبد باطل حقيقة لعدم ولايته واستبداده، وفي غيره معناه ستبطل، وقيل في الكافر باطل أيضا لعدم ولايته على المسلم. ووجه الصحة ثم الإخراج أن الأصل النظر ثابت لقدرة العبد حقيقة، وولاية الفاسق على أصلنا وولاية الكافر في الجملة، إلا أنه لم يتم النظر لتوقف ولاية

стр. 1232

العبد على إجازة المولى وتمكنه من الحجر بعدها والمعاداة الدينية الباعثة للكافر على ترك النظر في حق المسلم واتهام الفاسق بالخيانة فيخرجه القاضي من الوصاية ويقيم غيره مقامه إتماما للنظر. وشرط في الأصل أن يكون الفاسق مخوفا عليه في المال، وهذا يصلح عذرا في إخراجه وتبديله بغيره. قال: "ومن أوصى إلى عبد نفسه وفي الورثة كبار لم تصح الوصية" لأن للكبير أن يمنعه أو يبيع نصيبه فيمنعه المشتري فيعجز عن الوفاء بحق الوصاية فلا يفيد فائدته وإن كانوا صغارا كلهم فالوصية إليه جائزة عند أبي حنيفة، ولا تجوز عندهما وهو القياس. وقيل قول محمد مضطرب، يروي مرة مع أبي حنيفة، وتارة مع أبي يوسف. وجه القياس: أن الولاية منعدمة لما أن الرق ينافيها، ولأن فيه إثبات الولاية للمملوك على المالك، وهذا قلب المشروع، ولأن الولاية الصادرة من الأب لا تتجزأ، وفي اعتبار هذه تجزئتها لأنه لا يملك بيع رقبته وهذا نقض الموضوع. وله أنه مخاطب مستبد بالتصرف فيكون أهلا للوصاية، وليس لأحد عليه ولاية، فإن الصغار وإن كانوا ملاكا ليس لهم ولاية المنع فلا منافاة، وإيصاء المولى إليه يؤذن بكونه ناظرا لهم وصار كالمكاتب، والوصاية قد تتجزأ على ما هو المروي عن أبي حنيفة، أو نقول: يصار إليه كي لا يؤدي إلى إبطال أصله، وتغيير الوصف لتصحيح الأصل أولى. قال: "ومن يعجز عن القيام بالوصية ضم إليه القاضي غيره" رعاية لحق الموصي والورثة، وهذا لأن تكميل النظر يحصل بضم الآخر إليه لصيانته ونقص كفايته فيتم النظر بإعانة غيره، ولو شكا إليه الوصي ذلك لا يجيبه حتى يعرف ذلك حقيقة، لأن الشاكي قد يكون كاذبا تخفيفا على نفسه، وإذا ظهر عند القاضي عجزه أصلا استبدل به رعاية للنظر من الجانبين؛ ولو كان قادرا على التصرف أمينا فيه ليس للقاضي أن يخرجه، لأنه لو اختار غيره كان دونه لما أنه كان مختار الميت ومرضيه فإبقاؤه أولى ولهذا قدم على أبي الميت مع وفور شفقته فأولى أن يقدم على غيره، وكذا إذا شكا الورثة أو بعضهم الوصي إلى القاضي فإنه لا ينبغي له أن يعزله حتى يبدو له منه خيانة لأنه استفاد الولاية من الميت، غير أنه إذا ظهرت الخيانة فالميت إنما نصبه وصيا لأمانته وقد فاتت، ولو كان في الأحياء لأخرجه منها، فعند عجزه ينوب القاضي منابه كأنه لا وصي له. قال: "ومن أوصى إلى اثنين لم يكن لأحدهما أن يتصرف عند أبي حنيفة ومحمد دون صاحبه" إلا في أشياء معدودة نبينها إن شاء الله تعالى. وقال أبو يوسف ﵀:

стр. 1233

ينفرد كل واحد منهما بالتصرف في جميع الأشياء لأن الوصاية سبيلها الولاية وهي وصف شرعي لا تتجزأ فيثبت لكل منهما كملا كولاية الإنكاح للأخوين، وهذا لأن الوصاية خلافة، وإنما تتحقق إذا انتقلت الولاية إليه على الوجه الذي كان ثابتا للموصي وقد كان بوصف الكمال، ولأن اختيار الأب إياهما يؤذن باختصاص كل واحد منهما بالشفقة فينزل ذلك منزلة قرابة كل واحد منهما. ولهما أن الولاية تثبت بالتفويض فيراعى وصف التفويض وهو وصف الاجتماع إذ هو شرط مقيد، وما رضي الموصي إلا بالمثنى وليس الواحد كالمثنى، بخلاف الأخوين في الإنكاح لأن السبب هنالك القرابة وقد قامت بكل منهما كملا، ولأن الإنكاح حق مستحق لها على الولي، حتى لو طالبته بإنكاحها من كفؤ يخطبها يجب عليه وهاهنا حق التصرف للوصي، ولهذا يبقى مخيرا في التصرف، ففي الأول أوفى حقا على صاحبه فصح، وفي الثاني استوفى حقا لصاحبه فلا يصح أصله الدين الذي عليهما ولهما، بخلاف الأشياء المعدودة لأنها من باب الضرورة لا من باب الولاية. ومواضع الضرورة مستثناة أبدا، وهي ما استثناه في الكتاب وأخواتها. فقال: "إلا في شراء كفن الميت وتجهيزه" لأن في التأخير فساد الميت ولهذا يملكه الجيران عند ذلك "وطعام الصغار وكسوتهم" لأنه يخاف موتهم جوعا وعريا "ورد الوديعة بعينها ورد المغصوب والمشترى شراء فاسدا وحفظ الأموال وقضاء الديون" لأنها ليست من باب الولاية فإنه يملكه المالك، وصاحب الدين إذا ظفر بجنس حقه وحفظ المال يملكه من يقع في يده فكان من باب الإعانة. ولأنه لا يحتاج فيه إلى الرأي "وتنفيذ وصية بعينها وعتق عبد بعينه" لأنه لا يحتاج فيه إلى الرأي "والخصومة في حق الميت" لأن الاجتماع فيها متعذر ولهذا ينفرد بها أحد الوكيلين "وقبول الهبة" لأن في التأخير خيفة الفوات، ولأنه يملكه الأم والذي في حجره فلم يكن من باب الولاية "وبيع ما يخشى عليه التوى والتلف" لأن فيه ضرورة لا تخفى "وجمع الأموال الضائعة" لأن في التأخير خشية الفوات، ولأنه يملكه كل من وقع في يده فلم يكن من باب الولاية. وفي الجامع الصغير: وليس لأحد الوصيين أن يبيع ويتقاضى، والمراد بالتقاضي الاقتضاء، كذا كان المراد منه في عرفهم، وهذا لأنه رضي بأمانتهما جميعا في القبض، ولأنه في معنى المبادلة لا سيما عند اختلاف الجنس على ما عرف فكان من باب الولاية ولو أوصى إلى كل واحد على الانفراد قيل ينفرد كل واحد منهما بالتصرف بمنزلة الوكيلين إذا وكل كل واحد على الانفراد، وهذا لأنه لما أفرد فقد رضي برأي الواحد. وقيل الخلاف في الفصلين واحد، وهو وهو الأصح لأن وجوب الوصية عند الموت بخلاف الوكيلين، لأن الوكالة

стр. 1234

تتعاقب، فإن مات أحدهما جعل القاضي مكانه وصيا آخر، أما عندهما فلأن الباقي عاجز عن التفرد بالتصرف فيضم القاضي إليه وصيا آخر نظرا للميت عند عجزه. وعند أبي يوسف الحي منهما وإن كان يقدر على التصرف فالموصي قصد أن يخلفه متصرفا في حقوقه، وذلك ممكن التحقق بنصب وصي آخر مكان الميت. ولو أن الميت منهما أوصى إلى الحي فللحي أن يتصرف وحده في ظاهر الرواية بمنزلة ما إذا أوصى إلى شخص آخر. ولا يحتاج القاضي إلى نصب وصي آخر لأن رأي الميت باق حكما برأي من يخلفه. وعن أبي حنيفة أنه لا ينفرد بالتصرف لأن الموصي ما رضي بتصرفه وحده، بخلاف ما إذا أوصى إلى غيره لأنه ينفذ تصرفه برأي المثنى كما رضيه المتوفى. وإذا مات الوصي وأوصى إلى آخر فهو وصيه في تركته وتركة الميت الأول عندنا. وقال الشافعي: لا يكون وصيا في تركة الميت الأول اعتبارا بالتوكيل في حالة الحياة، الجامع بينهما أنه رضي برأيه لا برأي غيره. ولنا أن الوصي يتصرف بولاية منتقلة إليه فيملك الإيصاء إلى غيره كالجد؛ ألا يرى أن الولاية التي كانت ثابتة للموصي تنتقل إلى الوصي في المال وإلى الجد في النفس، ثم الجد قائم مقام الأب فيما انتقل إليه فكذا الوصي، وهذا لأن الإيصاء إقامة غيره مقامه فيما له ولايته، وعند الموت كانت له ولاية في التركتين فينزل الثاني منزلته فيهما. ولأنه لما استعان به في ذلك مع علمه أنه قد تعتريه المنية قبل تتميم مقصوده بنفسه وهو تلافي ما فرط منه صار راضيا بإيصائه إلى غيره، بخلاف الوكيل لأن الموكل حي يمكنه أن يحصل مقصوده بنفسه فلا يرضى بتوكيل غيره والإيصاء إليه. قال: "ومقاسمة الوصي الموصى له عن الورثة جائزة ومقاسمته الورثة عن الموصى له باطلة" لأن الوارث خليفة الميت حتى يرد بالعيب ويرد عليه به ويصير مغرورا بشراء المورث والوصي خليفة الميت أيضا فيكون خصما عن الوارث إذا كان غائبا فصحت قسمته عليه، حتى لو حضر وقد هلك ما في يد الوصي ليس له أن يشارك الموصى له. أما الموصى له فليس بخليفة عن الميت من كل وجه لأنه ملكه بسبب جديد، ولهذا لا يرد بالعيب ولا يرد عليه، ولا يصير مغرورا بشراء الموصي فلا يكون الوصي خليفة عنه عند غيبته، حتى لو هلك ما أفرز له عند الوصي كان له ثلث ما بقي لأن القسمة لم تنفذ عليه، غير أن الوصي لا يضمن لأنه أمين فيه، وله ولاية الحفظ في التركة فصار كما إذا هلك بعض التركة قبل القسمة فيكون له ثلث الباقي لأن الموصى له شريك الوارث فيتوى ما توي من المال المشترك على الشركة ويبقى ما بقي على الشركة.

стр. 1235

قال: "فإن قاسم الورثة وأخذ نصيب الموصى له فضاع رجع الموصى له بثلث ما بقي" لما بينا. قال: "وإن كان الميت أوصى بحجة فقاسم في الورثة فهلك ما في يده حج عن الميت من ثلث ما بقي، وكذلك إن دفعه إلى رجل ليحج عنه فضاع في يده" وقال أبو يوسف: إن كان مستغرقا للثلث لم يرجع بشيء، وإلا يرجع بتمام الثلث. وقال محمد: لا يرجع بشيء لأن القسمة حق الموصي، ولو أفرز الموصي بنفسه مالا ليحج عنه فهلك لا يلزمه شيء وبطلت الوصية، فكذا إذا أفرزه وصيه الذي قام مقامه. ولأبي يوسف أن محل الوصية الثلث فيجب تنفيذها ما بقي محلها، وإذا لم يبق بطلت لفوات محلها. ولأبي حنيفة أن القسمة لا تراد لذاتها بل لمقصودها وهو تأدية الحج فلم تعتبر دونه وصار كما إذا هلك قبل القسمة فيحج بثلث ما بقي، ولأن تمامها بالتسليم إلى الجهة المسماة، إذ لا قابض لها، فإذا لم يصرف إلى ذلك الوجه لم يتم فصار كهلاكه قبلها. قال: "ومن أوصى بثلث ألف درهم فدفعها الورثة إلى القاضي فقسمها والموصى له غائب فقسمته جائزة" لأن الوصية صحيحة، ولهذا لو مات الموصى له قبل القبول تصير الوصية ميراثا لورثته والقاضي نصب ناظرا لا سيما في حق الموتى والغيب، ومن النظر إفراز نصيب الغائب وقبضه فنفذ ذلك وصح، حتى لو حضر الغائب وقد هلك المقبوض لم يكن له على الورثة سبيل. قال: "وإذا باع الوصي عبدا من التركة بغير محضر من الغرماء فهو جائز" لأن الوصي قائم مقام الموصي، ولو تولى حيا بنفسه يجوز بيعه بغير محضر من الغرماء وإن كان في مرض موته فكذا إذا تولاه من قام مقامه، وهذا لأن حق الغرماء متعلق بالمالية لا بالصورة والبيع لا يبطل المالية لفواتها إلى خلف وهو الثمن. بخلاف العبد المديون لأن للغرماء حق الاستسعاء وأما هاهنا فبخلافه. قال: "ومن أوصى بأن يباع عبده ويتصدق بثمنه على المساكين فباعه الوصي وقبض الثمن فضاع في يده فاستحق العبد ضمن الوصي" لأنه هو العاقد فتكون العهدة عليه، وهذه عهدة لأن المشتري منه ما رضي ببذل الثمن إلا ليسلم له المبيع ولم يسلم فقد أخذ الوصي البائع مال الغير بغير رضاه فيجب عليه رده. قال: "ويرجع فيما ترك الميت" لأنه عامل له فيرجع عليه كالوكيل، وكان

стр. 1236

أبو حنيفة يقول أولا: لا يرجع لأنه ضمن بقبضه، ثم رجع إلى ما ذكرنا ويرجع في جميع التركة. وعن محمد أنه يرجع في الثلث لأن الرجوع بحكم الوصية فأخذ حكمها، ومحل الوصية الثلث. وجه الظاهر أنه يرجع عليه بحكم الغرور وذلك دين عليه والدين يقضى من جميع التركة، بخلاف القاضي أو أمينه إذا تولى البيع حيث لا عهدة عليه، لأن في إلزامها القاضي تعطيل القضاء، إذ يتحامى عن تقلد هذه الأمانة حذرا عن لزوم الغرامة فتتعطل مصلحة العامة وأمينه سفير عنه كالرسول، ولا كذلك الوصي لأنه بمنزلة الوكيل وقد مر في كتاب القضاء، فإن كانت التركة قد هلكت أو لم يكن بها وفاء لم يرجع بشيء كما إذا كان على الميت دين آخر. قال: "وإن قسم الوصي الميراث فأصاب صغيرا من الورثة عبد فباعه وقبض الثمن فهلك واستحق العبد رجع في مال الصغير" لأنه عامل له، ويرجع الصغير على الورثة بحصته لانتقاض القسمة باستحقاق ما أصابه. قال: "وإذا احتال الوصي بمال اليتيم فإن كان خيرا لليتيم جاز" وهو أن يكون أملأ، إذ الولاية نظرية، وإن كان الأول أملأ لا يجوز لأن فيه تضييع مال اليتيم على بعض الوجوه. قال: "ولا يجوز بيع الوصي ولا شراؤه إلا بما يتغابن الناس في مثله" لأنه لا نظر في الغبن الفاحش، بخلاف اليسير لأنه لا يمكن التحرز عنه، ففي اعتباره انسداد بابه. والصبي المأذون والعبد المأذون والمكاتب يجوز بيعهم وشراؤهم بالغبن الفاحش عند أبي حنيفة لأنهم يتصرفون بحكم المالكية، والإذن فك الحجر، بخلاف الوصي لأنه يتصرف بحكم النيابة الشرعية نظرا فيتقيد بموضع النظر. وعندهما لا يملكونه لأن التصرف بالفاحش منه تبرع لا ضرورة فيه وهم ليسوا من أهله "وإذا كتب كتاب الشراء على وصي كتب كتاب الوصية على حدة وكتاب الشراء على حدة" لأن ذلك أحوط، ولو كتب جملة عسى أن يكتب الشاهد شهادته في آخره من غير تفصيل فيصير ذلك حملا له على الكذب. ثم قيل: يكتب اشترى من فلان بن فلان ولا يكتب من فلان وصي فلان لما بينا. وقيل لا بأس بذلك لأن الوصاية تعلم ظاهرا. قال: "وبيع الوصي على الكبير الغائب جائز في كل شيء إلا في العقار" لأن الأب يلي ما سواه ولا يليه، فكذا وصيه فيه. وكان القياس أن لا يملك الوصي غير العقار أيضا لأنه لا يملكه الأب على الكبير، إلا أنا استحسناه لما أنه حفظ لتسارع الفساد إليه، وحفظ الثمن أيسر وهو يملك الحفظ، أما العقار فمحصن بنفسه.

стр. 1237

قال: "ولا يتجر في المال" لأن المفوض إليه الحفظ دون التجارة. وقال أبو يوسف ومحمد: وصي الأخ في الصغير والكبير الغائب بمنزلة وصي الأب في الكبير الغائب، وكذا وصي الأم ووصي العم. وهذا الجواب في تركة هؤلاء لأن وصيهم قائم مقامهم وهم يملكون ما يكون من باب الحفظ فكذا وصيهم. قال: "والوصي أحق بمال الصغير من الجد" وقال الشافعي: الجد أحق لأن الشرع أقامه مقام الأب حال عدمه حتى أحرز الميراث فيقدم على وصيه. ولنا أن بالإيصاء تنتقل ولاية الأب إليه فكانت ولايته قائمة معنى فيقدم عليه كالأب نفسه، وهذا لأن اختياره الوصي مع علمه بقيام الجد يدل على أن تصرفه أنظر لبنيه من تصرف أبيه "فإن لم يوص الأب فالجد بمنزلة الأب" لأنه أقرب الناس إليه وأشفقهم عليه حتى يملك الإنكاح دون وصي، غير أنه يقدم عليه وصي الأب في التصرف لما بيناه.

стр. 1238

فصل: في الشهادة قال: "وإذا شهد الوصيان أن الميت أوصى إلى فلان معهما فالشهادة باطلة" لأنهما متهمان فيها لإثباتهما معينا لأنفسهما. قال: "إلا أن يدعيها المشهود له" وهذا استحسان، وهو في القياس كالأول لما بينا من التهمة. وجه الاستحسان أن للقاضي ولاية نصب الوصي ابتداء أو ضم آخر إليهما برضاه بدون شهادتهما فيسقط بشهادتهما مؤنة التعيين عنه، أما الوصاية تثبت بنصب القاضي. قال: "وكذلك الابنان" معناه إذا شهدا أن الميت أوصى إلى رجل وهو ينكر لأنهما يجران إلى أنفسهما نفعا بنصب حافظ للتركة. "ولو شهدا" يعني الوصيين "لوارث صغير بشيء من مال الميت أو غيره فشهادتهما باطلة" لأنهما يظهران ولاية التصرف لأنفسهما في المشهود به. قال: "وإن شهد لوارث كبير في مال الميت لم يجز، وإن كان في غير مال الميت جاز" وهذا عند أبي حنيفة، وقالا: إن شهدا لوارث كبير تجوز في الوجهين، لأنه لا يثبت لهما ولاية التصرف في التركة إذا كانت الورثة كبارا فعريت عن التهمة. وله أنه يثبت لهما ولاية الحفظ وولاية بيع المنقول عند غيبة الوارث فتحققت التهمة بخلاف شهادتها في غير التركة لانقطاع ولاية وصي الأب عنه، لأن الميت أقامه مقام نفسه في تركته لا في غيرها. قال: "وإذا شهد رجلان لرجلين على ميت بدين ألف درهم وشهد الآخران للأولين بمثل ذلك جازت شهادتهما، فإن كانت شهادة كل فريق للآخر بوصية ألف درهم لم تجز"

стр. 1239

وهذا قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: لا تقبل في الدين أيضا. وأبو حنيفة فيما ذكر الخصاف مع أبي يوسف. وعن أبي يوسف مثل قول محمد ﵀. وجه القبول أن الدين يجب في الذمة وهي قابلة لحقوق شتى فلا شركة، ولهذا لو تبرع أجنبي بقضاء دين أحدهما ليس للآخر حق المشاركة. وجه الرد أن الدين بالموت يتعلق بالتركة إذ الذمة خربت بالموت، ولهذا لو استوفى أحدهما حقه من التركة يشاركه الآخر فيه فكانت الشهادة مثبتة حق الشركة فتحققت التهمة، بخلاف حال حياة المديون لأنه في الذمة لبقائها لا في المال فلا تتحقق الشركة. قال: "ولو شهدا أنه أوصى لهذين الرجلين بجاريته وشهد المشهود لهما أن الميت أوصى للشاهدين بعبده جازت الشهادة بالاتفاق" لأنه لا شركة فلا تهمة. "ولو شهدا أنه أوصى لهذين الرجلين بثلث ماله وشهد المشهود لهما أنه أوصى للشاهدين بثلث ماله فالشهادة باطلة، وكذا إذا شهد الأولان أن الميت أوصى لهذين الرجلين بعبد وشهد المشهود لهما أنه أوصى للأولين بثلث ماله فهي باطلة" لأن الشهادة في هذه الصورة مثبتة للشركة.

стр. 1240

كتاب الخنثى فصل: في بيانه قال: "وإذا كان للمولود فرج وذكر فهو خنثى، فإن كان يبول من الذكر فهو غلام، وإن كان يبول من الفرج فهو أنثى" لأن النبي ﵊ سئل عنه كيف يورث؟ فقال: "من حيث يبول" وعن علي ﵁ مثله. ولأن البول من أي عضو كان فهو دلالة على أنه هو العضو الأصلي الصحيح والآخر بمنزلة العيب "وإن بال منهما فالحكم للأسبق" لأن ذلك دلالة أخرى على أنه هو العضو الأصلي "وإن كانا في السبق على السواء فلا معتبر بالكثرة عند أبي حنيفة. وقالا: ينسب إلى أكثرهما بولا" لأنه علامة قوة ذلك العضو وكونه عضوا أصليا، ولأن للأكثر حكم الكل في أصول الشرع فيترجح بالكثرة. وله أن كثرة الخروج ليس يدل على القوة، لأنه قد يكون لاتساع في أحدهما وضيق في الآخر، وإن كان يخرج منهما على السواء فهو مشكل بالاتفاق لأنه لا مرجح. قال: "وإذا بلغ الخنثى وخرجت له اللحية أو وصل إلى النساء فهو رجل" وكذا إذا احتلم كما يحتلم الرجل أو كان له ثدي مستو، لأن هذه من علامات الذكران "ولو ظهر له ثدي كثدي المرأة أو نزل له لبن في ثديه أو حاض أو حبل أو أمكن الوصول إليه من الفرج فهو امرأة" لأن هذه من علامات النساء "وإن لم يظهر إحدى هذه العلامات فهو خنثى مشكل" وكذا إذا تعارضت هذه المعالم.

стр. 1241

فصل: في أحكامه قال ﵁: الأصل في الخنثى المشكل أن يؤخذ فيه بالأحوط والأوثق في أمور الدين، وأن لا يحكم بثبوت حكم وقع الشك في ثبوته. قال: "وإذا وقف خلف الإمام قام بين صف الرجال والنساء" لاحتمال أنه امرأة فلا يتخلل الرجال كي لا يفسد صلاتهم ولا النساء لاحتمال أنه رجل فتفسد صلاته. "فإن قام في صف النساء فأحب إلي أن يعيد صلاته" لاحتمال أنه رجل "وإن قام في صف الرجال

стр. 1242

فصلاته تامة ويعيد الذي عن يمينه وعن يساره والذي خلفه بحذائه صلاتهم احتياطا" لاحتمال أنه امرأة. قال: "وأحب إلينا أن يصلي بقناع" لأنه يحتمل أنه امرأة "ويجلس في صلاته جلوس المرأة" لأنه إن كان رجلا فقد ترك سنة وهو جائز في الجملة، وإن كان امرأة فقد ارتكب مكروها لأن الستر على النساء واجب ما أمكن "وإن صلى بغير قناع أمرته أن يعيد" لاحتمال أنه امرأة وهو على الاستحباب وإن لم يعد أجزأه "وتبتاع له أمة تختنه إن كان له مال" لأنه يباح لمملوكته النظر إليه رجلا كان أو امرأة. ويكره أن يختنه رجل لأنه عساه أنثى أو تختنه امرأة لأنه لعله رجل فكان الاحتياط فيما قلنا "وإن لم يكن له مال ابتاع له الإمام أمة من بيت المال" لأنه أعد لنوائب المسلمين "فإذا ختنته باعها ورد ثمنها في بيت المال" لوقوع الاستغناء عنها. "ويكره له في حياته لبس الحلي والحرير، وأن يتكشف قدام الرجال أو قدام النساء. وأن يخلو به غير محرم من رجل أو امرأة، وأن يسافر من غير محرم من الرجال" توقيا عن احتمال المحرم "وإن أحرم وقد راهق قال أبو يوسف: لا علم لي في لباسه" لأنه إن كان ذكرا يكره له لبس المخيط، وإن كان أنثى يكره له تركه "وقال محمد: يلبس لباس المرأة" لأن ترك لبس المخيط وهو امرأة أفحش من لبسه وهو رجل، ولا شيء عليه لأنه لم يبلغ. "ومن حلف بطلاق أو عتاق إن كان أول ولد تلدينه غلاما فولدت خنثى لم يقع حتى يستبين أمر الخنثى" لأن الخنث لا يثبت بالشك "ولو قال كل عبد لي حر أو قال كل أمة لي حرة وله مملوك خنثى لم يعتق حتى يستبين أمره" لما قلنا "وإن قال القولين جميعا عتق" للتيقن بأحد الوصفين لأنه ليس بمهمل "وإن قال الخنثى أنا رجل أو أنا امرأة لم يقبل قوله إذا كان مشكلا" لأنه دعوى يخالف قضية الدليل "وإن لم يكن مشكلا ينبغي أن يقبل قوله" لأنه أعلم بحاله من غيره "وإن مات قبل أن يستبين أمره لم يغسله رجل ولا امرأة" لأن حل الغسل غير ثابت بين الرجال والنساء "فيتوقى لاحتمال الحرمة وييمم بالصعيد" لتعذر الغسل "ولا يحضر إن كان مراهقا غسل رجل ولا امرأة" لاحتمال أنه ذكر أو أنثى "وإن سجى قبره فهو أحب" لأنه إن كان أنثى يقيم واجبا، وإن كان ذكرا فالتسجية لا تضره. "وإذا مات فصلي عليه وعلى رجل وامرأة وضع الرجل مما يلي الإمام والخنثى خلفه والمرأة خلف الخنثى فيؤخر عن الرجل" لاحتمال أنه امرأة "ويقدم على المرأة" لاحتمال أنه رجل. "ولو دفن مع رجل في قبر واحد من عذر جعل الخنثى خلف الرجل" لاحتمال أنه امرأة "ويجعل بينهما حاجز من صعيد، وإن كان مع امرأة قدم الخنثى" لاحتمال أنه رجل "وإن جعل على السرير نعش المرأة فهو أحب إلي" لاحتمال أنه عورة، "ويكفن كما تكفن الجارية

стр. 1243

وهو أحب إلي" يعني يكفن في خمس أثواب لأنه إذا كان أنثى فقد أقيمت سنة، وإن كان ذكرا فقد زادوا على الثلاث ولا بأس بذلك. "ولو مات أبوه وخلف ابنا فالمال بينهما عند أبي حنيفة أثلاثا للابن سهمان، وللخنثى سهم وهو أنثى عنده في الميراث إلا أن يتبين غير ذلك" وقالا: للخنثى نصف ميراث ذكر ونصف ميراث أنثى وهو قول الشعبي ﵀. واختلفا في قياس قوله قال محمد: المال بينهما على اثني عشر سهما للابن سبعة وللخنثى خمسة. وقال أبو يوسف: المال بينهما على سبعة للابن أربعة وللخنثى ثلاثة، لأن الابن يستحق كل الميراث عند الانفراد والخنثى ثلاثة الأرباع، فعند الاجتماع يقسم بينهما على قدر حقيهما هذا يضرب بثلاثة وذلك يضرب بأربعة فيكون سبعة. ولمحمد أن الخنثى لو كان ذكرا يكون المال بينهما نصفين، وإن كان أنثى يكون المال بينهما أثلاثا احتجنا إلى حساب له نصف وثلث، وأقل ذلك ستة، ففي حال يكون المال بينهما نصفين لكل واحد ثلاثة، وفي حال يكون أثلاثا للخنثى سهمان وللابن أربعة، فسهمان للخنثى ثابتان بيقين. ووقع الشك في السهم الزائد فيتنصف فيكون له سهمان ونصف فانكسر فيضعف ليزول الكسر فصار الحساب من اثني عشر للخنثى خمسة وللابن سبعة. ولأبي حنيفة أن الحاجة هاهنا إلى إثبات المال ابتداء، والأقل وهو ميراث الأنثى متيقن به، وفيما زاد عليه شك، فأثبتنا المتيقن قصرا عليه لأن المال لا يجب بالشك وصار كما إذا كان الشك في وجوب المال بسبب آخر فإنه يؤخذ فيه بالمتيقن، كذا هذا، إلا أن يكون نصيبه الأقل لو قدرناه ذكرا فحينئذ يعطى نصيب الابن في تلك الصورة لكونه متيقنا به وهو أن تكون الورثة زوجا، وأما وأختا لأب وأم هي خنثى أو امرأة وأخوين لأم وأختا لأب وأم هي خنثى. فعندنا في الأولى للزوج النصف وللأم الثلث والباقي للخنثى، وفي الثانية للمرأة الربع وللأخوين لأم الثلث والباقي للخنثى لأنه أقل النصيبين فيهما، والله أعلم بالصواب.

стр. 1244

مسائل شتى قال: "وإذا قرئ على الأخرس كتاب وصيته فقيل له أنشهد عليك بما في هذا الكتاب فأومأ برأسه: أي نعم أو كتب، فإذا جاء من ذلك ما يعرف أنه إقرار فهو جائز، ولا يجوز ذلك في الذي يعتقل لسانه" وقال الشافعي: يجوز في الوجهين لأن المجوز إنما هو العجز وقد شمل الفصلين، ولا فرق بين الأصلي والعارضي كالوحشي والمتوحش من الأهلي في حق الذكاة، والفرق لأصحابنا ﵏ أن الإشارة إنما تعتبر إذا صارت

стр. 1245

معهودة معلومة وذلك في الأخرس دون المعتقل لسانه. حتى لو امتد ذلك وصارت له إشارات معلومة قالوا هو بمنزلة الأخرس، ولأن التفريط جاء من قبله حيث أخر الوصية إلى هذا الوقت، أما الأخرس فلا تفريط منه، ولأن العارضي على شرف الزوال دون الأصلي فلا ينقاسان، وفي الآبدة عرفناه بالنص. قال: "وإذا كان الأخرس يكتب كتابا أو يومئ إيماء يعرف به فإنه يجوز نكاحه وطلاقه وعتاقه وبيعه وشراؤه ويقتص له ومنه، ولا يحد ولا يحد له" أما الكتابة فلأنها ممن نأى بمنزلة الخطاب ممن دنا؛ ألا ترى أن النبي ﵊ أدى واجب التبليغ مرة بالعبارة وتارة بالكتابة إلى الغيب، والمجوز في حق الغائب العجز وهو في حق الأخرس أظهر وألزم. ثم الكتاب على ثلاث مراتب: مستبين مرسوم وهو بمنزلة النطق في الغائب والحاضر على ما قالوا. ومستبين غير مرسوم كالكتابة على الجدار وأوراق الأشجار، وينوي فيه لأنه بمنزلة صريح الكتابة فلا بد من النية. وغير مستبين كالكتابة على الهواء والماء، وهو بمنزلة كلام غير مسموع فلا يثبت به الحكم. وأما الإشارة فجعلت حجة في حق الأخرس في حق هذه الأحكام للحاجة إلى ذلك لأنها من حقوق العباد ولا تختص بلفظ دون لفظ، وقد تثبت بدون اللفظ. والقصاص حق العبد أيضا، ولا حاجة إلى الحدود لأنها حق الله تعالى، ولأنها تندرئ بالشبهات، ولعله كان مصدقا للقاذف فلا يحد للشبهة، ولا يحد أيضا بالإشارة في القذف لانعدام القذف صريحا وهو الشرط. ثم الفرق بين الحدود والقصاص أن الحد لا يثبت ببيان فيه شبهة؛ ألا ترى أنهم لو شهدوا بالوطء الحرام أو أقر بالوطء الحرام لا يجب الحد، ولو شهدوا بالقتل المطلق أو أقر بمطلق القتل يجب القصاص وإن لم يوجد لفظ التعمد، وهذا لأن القصاص فيه معنى العوضية لأنه شرع جابرا فجاز أن يثبت مع الشبهة كسائر المعاوضات التي هي حق العبد. أما الحدود الخالصة لله تعالى فشرعت زواجر وليس فيها معنى العوضية فلا تثبت مع الشبهة لعدم الحاجة. وذكر في كتاب الإقرار أن الكتاب من الغائب ليس بحجة في قصاص يجب عليه، ويحتمل أن يكون الجواب هنا كذلك فيكون فيهما روايتان، ويحتمل أن يكون مفارقا لذلك لأنه يمكن الوصول إلى نطق الغائب في الجملة لقيام أهلية النطق، ولا كذلك الأخرس لتعذر الوصول إلى النطق للآفة المانعة، ودلت المسألة على أن الإشارة معتبرة وإن

стр. 1246

كان قادرا على الكتابة، بخلاف ما توهمه بعض أصحابنا ﵏ أنه لا تعتبر الإشارة مع القدرة على الكتابة. لأنه حجة ضرورية، ولا ضرورة لأنه جمع هاهنا بينهما فقال: أشار أو كتب، وإنما استويا لأن كل واحد منهما حجة ضرورية، وفي الكتابة زيادة بيان لم يوجد في الإشارة، وفي الإشارة زيادة أثر لم يوجد في الكتاب لما أنه أقرب إلى النطق من آثار الأقلام فاستويا "وكذلك الذي صمت يوما أو يومين لعارض" لما بينا في المعتقل لسانه أن آلة النطق قائمة، وقيل هذا تفسير لمعتقل اللسان. قال: "وإذا كانت الغنم مذبوحة وفيها ميتة فإن كانت المذبوحة أكثر تحرى فيها وأكل، وإن كانت الميتة أكثر أو كانا نصفين لم يأكل" وهذا إذا كانت الحالة حالة الاختيار. أما في حالة الضرورة يحل له التناول في جميع ذلك. لأن الميتة المتيقنة تحل له في حالة الضرورة، فالتي تحتمل أن تكون ذكية أولى، غير أنه يتحرى لأنه طريق يوصله إلى الذكية في الجملة فلا يتركه من غير ضرورة. وقال الشافعي: لا يجوز الأكل في حالة الاختيار وإن كانت المذبوحة أكثر لأن التحري دليل ضروري فلا يصار إليه من غير ضرورة، ولا ضرورة لأن الحالة حالة الاختيار. ولنا أن الغلبة تنزل منزلة الضرورة في إفادة الإباحة؛ ألا ترى أن أسواق المسلمين لا تخلو عن المحرم المسروق والمغصوب ومع ذلك يباح التناول اعتمادا على الغالب، وهذا لأن القليل لا يمكن الاحتراز عنه ولا يستطاع الامتناع منه فسقط اعتباره دفعا للحرج كقليل النجاسة وقليل الانكشاف، بخلاف ما إذا كانا نصفين أو كانت الميتة أغلب لأنه لا ضرورة فيه، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. بعون الله تعالى قد تم طبع كتاب الهداية شرح بداية المبتدى