← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 11820

الهداية في شرح بداية المبتدي

المرغيناني

Полный текст (1 246 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

عادة فيصير هذا القدر مستثنى عنه "ومن قال إن كان لي إلا مائة درهم فامرأته طالق فلم يملك إلا خمسين درهما لم يحنث" لأن المقصود منه عرفا نفي ما زاد على المائة ولأن استثناء المائة استثناؤها بجميع أجزائها "وكذلك لو قال غير مائة أو سوى مائة" لأن كل ذلك أداة الاستثناء والله أعلم بالصواب.

стр. 457

مسائل متفرقة "وإذا حلف لا يفعل كذا تركه أبدا" لأنه نفي الفعل مطلقا فعم الامتناع ضرورة عموم النفي "وإن حلف ليفعلن كذا ففعله مرة واحدة بر في يمينه" لأن الملتزم فعل واحد غير عين إذ المقام مقام الإثبات فيبر بأي فعل فعله وإنما يحنث بوقوع اليأس عنه وذلك بموته أو بفوت محل الفعل. "وإذا استحلف الوالي رجلا ليعلمنه بكل داعر دخل البلد فهذا على حال ولايته خاصة" لأن المقصود منه دفع شره أو شر غيره بزجره فلا يفيد فائدته بعد زوال سلطنته والزوال بالموت وكذا بالعزل في ظاهر الرواية "ومن حلف أن يهب عبده لفلان فوهبه ولم يقبل فقد بر في يمينه" خلافا لزفر ﵀ فإنه يعتبره بالبيع لأنه تمليك مثله ولنا أنه عقد تبرع فيتم بالمتبرع ولهذا يقال وهب ولم يقبل ولأن المقصود إظهار السماحة وذلك يتم به أما البيع فمعاوضة فاقتضى الفعل من الجانبين. "ومن حلف لا يشم ريحانا فشم وردا أو ياسمينا لا يحنث" لأنه اسم لما لا ساق له ولهما ساق "ولو حلف لا يشتري بنفسجا ولا نية له فهو على دهنه" اعتبارا للعرف ولهذا يسمى بائعه بائع البنفسج والشراء ينبني عليه وقيل في عرفنا يقع على الورق "وإن حلف على الورد فاليمين على الورق" لأنه حقيقة فيه والعرف مقرر له وفي البنفسج قاض عليه والله أعلم بالصواب.

стр. 458

كتاب الحدود قال: الحد لغة هو المنع ومنه الحداد للبواب وفي الشريعة هو العقوبة المقدرة حقا لله تعالى حتى لا يسمى القصاص حدا لأنه حق العبد ولا التعزير لعدم التقدير والمقصد الأصلي من شرعه الانزجار عما يتضرر به العباد والطهارة ليست أصلية فيه بدليل شرعه في حق الكافر. قال: "الزنا يثبت بالبينة والإقرار" والمراد ثبوته عند الإمام لأن البينة دليل ظاهر وكذا الإقرار لأن الصدق فيه مرجح لا سيما فيما يتعلق بثبوته مضرة ومعرة والوصول إلى العلم القطعي متعذر فيكتفي بالظاهر. قال: "فالنية أن تشهد أربعة من الشهود على رجل أو امرأة بالزنا" لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥] وقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] وقال ﵊ للذي قذف امرأته "ائت بأربعة يشهدون على صدق مقالتك" ولأن في اشتراط الأربعة يتحقق معنى الستر وهو مندوب إليه والإشاعة ضده "وإذا شهدوا يسألهم الإمام عن الزنا ما هو وكيف هو وأين زنى ومتى زنى وبمن زنى" ولأن النبي ﵊ استفسر ماعزا عن الكيفية وعن المزنية ولأن الاحتياط في ذلك واجب لأنه عساه غير الفعل في الفرج عناه أو زنى في دار الحرب أو في المتقادم من الزمان أو كانت له شبهة لا يعرفها هو ولا الشهود كوطء جارية الابن فيستقصى في ذلك احتيالا للدرء. "فإذا بينوا ذلك وقالوا رأيناه وطئها في فرجها كالميل في المكحلة وسأل القاضي عنهم فعدلوا في السر والعلانية حكم بشهادتهم" ولم يكتف بظاهر العدالة في الحدود احتيالا للدرء قال ﵊ "ادرءوا الحدود ما استطعتم" بخلاف سائر الحقوق عند أبي حنيفة ﵀ وتعديل السر والعلانية نبينه في الشهادات إن شاء الله تعالى. قال في الأصل يحبسه حتى يسأل عن الشهود للاتهام بالجناية وقد حبس رسول الله

стр. 459

﵊ رجلا بالتهمة بخلاف الديون حيث لا يحبس فيها قبل ظهور العدالة وسيأتيك الفرق إن شاء الله تعالى. قال: "والإقرار أن يقر البالغ العاقل على نفسه بالزنا أربع مرات في أربعة مجالس من مجالس المقر كلما أقر رده القاضي" فاشتراط البلوغ والعقل لأن قول الصبي والمجنون غير معتبر أو هو غير موجب للحد واشتراط الأربع مذهبنا وعند الشافعي ﵀ يكتفى بالإقرار مرة واحدة اعتبارا بسائر الحقوق وهذا لأنه مظهر وتكرار الإقرار لا يفيد زيادة الظهور بخلاف زيادة العدد في الشهادة ولنا حديث ماعز ﵁ فإنه ﵊ أخر الإقامة إلى أن تم الإقرار منه أربع مرات في أربعة مجالس فلو ظهر بما دونها لما أخرها لثبوت الوجوب ولأن الشهادة اختصت فيه بزيادة العدد فكذا الإقرار إعظاما لأمر الزنا وتحقيقا لمعنى الستر ولا بد من اختلاف المجالس لما روينا ولأن لاتحاد المجلس أثرا في جمع المتفرقات فعنده يتحقق شبهة الاتحاد في الإقرار والإقرار قائم بالمقر فيعتبر اختلاف مجلسه دون مجلس القاضي والاختلاف بأن يرده القاضي كلما أقر فيذهب حيث لا يراه ثم يجيء فيقر هو المروي عن أبي حنيفة ﵀ لأنه ﵊ طرد ماعزا في كل مرة حتى توارى بحيطان المدينة. قال: "فإذا تم إقراره أربع مرات سأله عن الزنا ما هو وكيف هو وأين زنى وبمن زنى فإذا بين ذلك لزمه الحد" لتمام الحجة ومعنى السؤال عن هذه الأشياء بيناه في الشهادة ولم يذكر السؤال فيه عن الزمان وذكره في الشهادة لأن تقادم العهد يمنع الشهادة دون الإقرار وقيل لو سأله جاز لجواز أنه زنى في صباه "فإن رجع المقر عن إقراره قبل إقامة الحد أو في وسطه قبل رجوعه وخلى سبيله" وقال الشافعي ﵀ وهو قول ابن أبي ليلى يقيم عليه الحد لأنه وجب الحد بإقراره فلا يبطل برجوعه وإنكاره كما إذا وجب بالشهادة وصار كالقصاص وحد القذف ولنا أن الرجوع خبر محتمل للصدق كالإقرار وليس أحد يكذبه فيه فتتحقق الشبهة في الإقرار بخلاف ما فيه حق العبد وهو القصاص وحد القذف لوجود من يكذبه ولا كذلك ما هو خالص حق الشرع. "ويستحب للإمام أن يلقن المقر الرجوع فيقول له لعلك لمست أو قبلت" لقوله ﵊ لماعز ﵁ "لعلك لمستها أو قبلتها" قال في الأصل وينبغي أن يقول له الإمام لعلك تزوجتها أو وطئتها بشبهة وهذا قريب من الأول في المعنى والله أعلم.

стр. 460

فصل في كيفية الحد وإقامته "وإذا وجب الحد وكان الزاني محصنا رجمه بالحجارة حتى يموت" لأنه ﵊ رجم ماعزا وقد أحصن وقال في الحديث المعروف وزنا بعد إحصان وعلى هذا إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قال: "ويخرجه إلى أرض فضاء ويبتدئ الشهود برجمه ثم الإمام ثم الناس" كذا روي عن علي ﵁ ولأن الشاهد قد يتجاسر على الأداء ثم يستعظم المباشرة فيرجع فكان في بداءته احتيال للدرء وقال الشافعي ﵀ لا تشترط بداءته اعتبارا بالجلد. قلنا: كل أحد لا يحسن الجلد فربما يقع مهلكا والإهلاك غير مستحق ولا كذلك الرجم لأنه إتلاف قال "فإن امتنع الشهود من الابتداء سقط الحد" لأنة دلالة الرجوع وكذا إذا ماتوا أو غابوا في ظاهر الرواية لفوات الشرط "وإن كان مقرا ابتدأ الإمام ثم الناس" كذا روي عن علي ﵁ ورمى رسول الله ﵊ الغامدية بحصاة مثل الحمصة وكانت قد اعترفت بالزنا "ويغسل ويكفن ويصلى عليه" لقوله ﵊ في ماعز ﵁ "اصنعوا به كما تصنعون بموتاكم" ولأنه قتل بحق فلا يسقط الغسل كالمقتول قصاصا وصلى النبي ﵊ على الغامدية بعد ما رجمت "وإن لم يكن محصنا وكان حرا فحده مائة جلدة" لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] إلا أنه انتسخ في حق المحصن فبقي في حق غيره معمولا به. قال: "يأمر الإمام بضربه بسوط لا ثمرة له ضربا متوسطا" لأن عليا ﵁ لما أراد أن يقيم الحد كسر ثمرته والمتوسط بين المبرح وغير المؤلم لإفضاء الأول إلى الهلاك وخلو الثاني عن المقصود وهو الانزجار "وتنزع عنه ثيايه" معناه دون الإزار لأن عليا ﵁ كان يأمر بالتجريد في الحدود ولأن التجريد أبلغ في إيصال الألم إليه وهذا الحد مبناه على الشدة في الضرب وفي نزع الإزار كشف العورة فيتوقاه "ويفرق الضرب على أعضائه" لأن الجمع في عضو واحد قد يفضي إلى التلف والحد زاجر لا متلف. قال: "إلا رأسه ووجهه وفرجه" لقوله ﵊ للذي أمره بضرب الحد "عاتق الوجه والمذاكير" ولأن الفرج مقتل والرأس مجمع الحواس وكذا الوجه وهو مجمع المحاسن أيضا فلا يؤمن فوات شيء منها بالضرب وذلك إهلاك معنى فلا يشرع حدا.

стр. 461

وقال أبو يوسف ﵀ يضرب الرأس أيضا رجع إليه وإنما يضرب سوطا لقول أبي بكر ﵁ اضربوا الرأس فإن فيه شيطانا. قلنا: تأويله أنه قال ذلك فيمن أبيح قتله ويقال إنه ورد في حربي كان من دعاة الكفرة والإهلاك فيه مستحق "ويضرب في الحدود كلها قائما غير ممدود" لقول علي ﵁ يضرب الرجال في الحدود قياما والنساء قعودا ولأن مبنى إقامة الحد على التشهير والقيام أبلغ فيه ثم قوله غير ممدود فقد قيل المد أن يلقى على الأرض ويمد كما يفعل في زماننا وقيل أن يمد السوط فيرفعه الضارب فوق رأسه وقيل أن يمده بعد الضرب وذلك كله لا يفعل لأنه زيادة على المستحق "وإن كان عبدا جلده خمسين جلدة" لقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] نزلت في الإماء ولأن الرق منقص للنعمة فيكون منقصا للعقوبة لأن الجناية عند توافر النعم أفحش فيكون أدنى إلى التغليظ "والرجل والمرأة في ذلك سواء" لأن النصوص تشملهما "غير أن المرأة لا ينزع من ثيابها إلا الفرو والحشو" لأن في تجريدها كشف العورة والفرو والحشو يمنعان وصول الألم إلى المضروب والستر حاصل بدونهما فينزعان "وتضرب جالسة" لما روينا ولأنه أستر لها. قال: "وإن حفر لها في الرجم جاز" لأنه ﵊ حفر للغامدية إلى ثندوتها وحفر علي ﵁ لشراحة الهمدانية وإن ترك لا يضره لأنه ﵊ لم يأمر بذلك وهي مستورة بثيابها والحفر أحصن لأنه أستر ويحفر إلى الصدر لما روينا "ولا يحفر للرجل" لأنه ﵊ ما حفر لماعز ﵁ ولأن مبنى الإقامة على التشهير في الرجال والربط والإمساك غير مشروع "ولا يقيم المولى الحد على عبده إلا بإذن الإمام". وقال ا لشافعي ﵀ له أن يقيمه لأن له ولاية مطلقة عليه كالإمام بل أولى لأنه يملك من التصرف فيه مالا يملكه الإمام فصار كالتعزير ولنا قوله ﵊ "أربع إلى الولاة وذكر منها الحدود" ولأن الحد حق الله تعالى لأن المقصد منها إخلاء العالم عن الفساد ولهذا لا يسقط بإسقاط العبد فيستوفيه من هو نائب عن الشرع وهو الإمام أو نائبه بخلاف التعزير لأنه حق العبد ولهذا يعزر الصبي وحق الشرع موضوع عنه. قال: "وإحصان الرجم أن يكون حرا عاقلا بالغا مسلما قد تزوج امرأة نكاحا صحيحا ودخل بها وهما على صفة الإحصان" فالعقل والبلوغ شرط لأهلية العقوبة إذ لا خطاب

стр. 462

دونهما وما وراءهما يشترط لتكامل الجناية بواسطة تكامل النعمة إذ كفران النعمة يتغلظ عند تكثرها وهذه الأشياء من جلائل النعم وقد شرع الرجم بالزنا عند استجماعها فيناط به بخلاف الشرف والعلم لأن الشرع ما ورد باعتبارهما ونصب الشرع بالرأي متعذر ولأن الحرية ممكنة من النكاح الصحيح والنكاح الصحيح ممكن من الوطء الحلال والإابة شبع بالحلال والإسلام يمكنه من نكاح المسلمة ويؤكد اعتقاد الحرمة فيكون الكل مزجرة عن الزنا والجناية بعد توفر الزواجر أغلظ والشافعي ﵀ يخالفنا في اشتراط الإسلام وكذا أبو يوسف ﵀ في رواية لهما ما روي أن النبي ﵊ رجم يهوديين قد زنيا. قلنا: كان ذلك بحكم التوراة ثم نسخ يؤيده قوله ﵊ "من أشرك بالله فليس بمحصن" والمعتبر في الدخول الإيلاج في القبل على وجه يوجب الغسل. وشرط صفة الإحصان فيهما عند الدخول حتى لو دخل بالمنكوحة الكافرة أو المملوكة أو المجنونة أو الصبية لا يكون محصنا وكذا إذا كان الزوج موصوفا بإحدى هذه الصفات وهي حرة مسلمة عاقلة بالغة لأن النعمة بذلك لا تتكامل إذ الطبع ينفر عن صحبة المجنونة وقلما يرغب في الصبية لقلة رغبتها فيه وفي المنكوحة المملوكة حذرا عن رق الولد ولا ائتلاف مع الاختلاف في الدين وأبو يوسف ﵀ يخالفهما في الكافرة والحجة عليه ما ذكرناه وقوله ﵊ "لا تحصن المسلم اليهودية ولا النصرانية ولا الحر الأمة ولا الحرة العبد". قال: "ولا يجمع في المحصن بين الرجم والجلد" لأنه ﵊ لم يجمع ولأن الجلد يعرى عن المقصود مع الرجم لأن زجر غيره يحصل بالرجم إذ هو في العقوبة أقصاها وزجره لا يحصل بعد هلاكه. قال: "ولا يجمع في البكر بين الجلد والنفي" والشافعي ﵀ يجمع بينهما حدا لقوله ﵊ "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" ولأن فيه حسم باب الزنا لقلة المعارف ولنا قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا﴾ جعل الجلد كل الموجب رجوعا إلى حرف الفاء وإلى كونه كل المذكور ولأن في التغريب فتح باب الزنا لانعدام الاستحياء من العشيرة ثم فيه قطع مواد البقاء فربما تتخذ زناها مكسبة وهو من أقبح وجوه الزنا وهذه الجهة مرجحة لقول علي ﵁ كفى بالنفي فتنة والحديث منسوخ كشطره، وهو

стр. 463

قوله ﵊: "الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة" وقد عرف طريقه في موضعه. قال: "إلا أن يرى الإمام في ذلك مصلحة فيغربه على قدر ما يرى" وذلك تعزير وسياسة لأنه قد يفيد في بعض الأحوال فيكون الرأي فيه إلى الإمام وعليه يحمل النفي المروي عن بعض الصحابة ﵃ "وإذا زنى المريض وحده الرجم رجم" لأن الإتلاف مستحق فلا يمتنع بسبب المرض "وإن كان حده الجلد لم يجلد حتى يبرأ" كيلا يفضي إلى الهلاك ولهذا لا يقام القطع عند شدة الحر والبرد "وإذا زنت الحامل لم تحد حتى تضع حملها" كيلا يؤدي إلى هلاك الولد وهو نفس محترمة "وإذا كان حدها الجلد لم تجلد حتى تتعالى من نفاسها" أي ترتفع يريد به تخرج منه لأن النفاس نوع مرضي فيؤخر إلى زمان البرء بخلاف الرجم لأن الأخير لأجل الولد وقد انفصل وعن أبي حنيفة ﵀ أنه يؤخر إلى أن يستغني ولدها عنها إذا لم يكن أحد يقوم بتربيته لأن في التأخير صيانة الولد عن الضياع وقد روي أنه ﵊ قال للغامدية بعد ما وضعت "ارجعي حتى يستغني ولدك" ثم الحبلى تحبس إلى أن تلد إن كان الحد ثابتا بالبينة كيلا تهرب بخلاف الإقرار لأن الرجوع عنه عامل فلا يفيد الحبس والله أعلم.

стр. 464

باب الوطء الذي يوجب الحد والذي لا يوجبه قال: "الوطء الموجب للحد هو الزنا" وأنه في عرف الشرع واللسان وطء الرجل المرأة في القبل في غير الملك وشبهة الملك لأنه فعل محظور والحرمة على الإطلاق عند التعري عن الملك وشبهته يؤيد ذلك قوله ﵊ "ادرءوا الحدود بالشبهات". ثم الشبهة نوعان شبهة في الفعل وتسمى شبهة اشتباه وشبهة في المحل وتسمى شبهة حكمية. فالأولى: تتحقق في حق من اشتبه عليه لأن معناه أن يظن غير الدليل دليلا ولا بد من الظن ليتحقق الاشتباه والثانية: تتحقق بقيام الدليل النافي للحرمة في ذاته ولا تتوقف على ظن الجاني واعتقاده والحد يسقط بالنوعين لإطلاق الحديث والنسب يثبت في الثانية إذا ادعى الولد ولا يثبت في الأولى وإن ادعاه لأن الفعل تمحض زنا في الأولى وإنما يسقط الحد لأمر راجع إليه وهو اشتباه الأمر عليه ولم يتمحض في الثانية فشبهة الفعل في ثمانية مواضع:

стр. 465

جارية أبيه وأمه وزوجته والمطلقة ثلاثا وهي في العدة وبائنا بالطلاق على مال وهي في العدة وأم ولد أعتقها مولاها وهي في العدة وجارية المولى في حق العبد والجارية المرهونة في حق المرتهن في رواية كتاب الحدود ففي هذه المواضع لا حد عليه إذا قال ظننت أنها تحل لي ولو قال علمت أنها علي حرام وجب الحد والشبهة في المحل في ستة مواضع جارية ابنه والمطلقة طلاقا بائنا بالكنايات والجارية المبيعة في حق البائع قبل التسليم والممهورة في حق الزوج قبل القبض والمشتركة بينه وبين غيره والمرهونة قي حق المرتهن في رواية كتاب الرهن ففي هذه المواضع لا يجب الحد وإن قال علمت أنها علي حرام ثم الشبهة عند أبي حنيفة ﵀ تثبت بالعقد وإن كان متفقا على تحريمه وهو عالم به وعند الباقين لا تثبت إذا علم بتحريمه ويظهر ذلك في نكاح المحارم على ما يأتيك إن شاء الله تعالى إذا عرفنا هذا. "ومن طلق امرأته ثلاثا ثم وطئها في العدة وقال علمت أنها علي حرام حد" لزوال الملك المحلل من كل وجه فتكون الشبهة منتفية وقد نطق الكتاب بانتفاء الحل وعلى ذلك الإجماع ولا يعتبر قول المخالف فيه لأنه خلاف لا اختلاف ولو قال ظننت أنها تحل لي لا يحد لأن الظن في موضعه لأن أثر الملك قائم في حق النسب والحبس والنفقة فاعتبر ظنه في إسقاط الحد وأم الولد إذا أعتقها مولاها والمختلعة والمطلقة على مال بمنزلة المطلقة الثلاث لثبوت الحرمة بالإجماع وقيام بعض الآثار في العدة. "ولو قال لها أنت خلية أو برية أو أمرك بيدك فاختارت نفسها ثم وطئها في العدة وقال علمت أنها علي حرام لم يحد" لاختلاف الصحابة ﵃ فيه فمن مذهب عمر ﵁ أنها تطليقة رجعية وكذا الجواب في سائر الكنايات وكذا إذا نوى ثلاثا لقيام الاختلاف مع ذلك. "ولا حد على من وطئ جارية ولده وولد ولده وإن قال علمت أنها علي حرام" لأن الشبهة حكمية لأنها نشأت عن دليل وهو قوله ﵊ أنت ومالك لأبيك والأبوة قائمة في حق الجد. قال: "ويثبت النسب منه وعليه قيمة الجارية" وقد ذكرناه. "وإذا وطئ جارية أبيه أو أمه أو زوجته وقال ظننت أنها تحل لي فلا حد عليه ولا على قاذفه وإن قال علمت أنها علي حرام حد وكذا العبد إذا وطئ جارية مولاه" لأن بين هؤلاء انبساطا في الانتفاع فظنه في الاستمتاع محتمل فكان شبهة اشتباه إلا أنه زنا

стр. 466

حقيقة فلا يحد قاذفه وكذا إذا قالت الجارية ظننت أنه يحل لي والفحل لم يدع في الظاهر لأن الفعل واحد "وإن وطئ جارية أخيه أو عمه وقال ظننت أنها تحل لي حد" لأنه لا انبساط في المال فيما بينهما وكذا سائر المحارم سوى الولاد لما بينا. "ومن زفت إليه غير امرأته وقالت النساء إنها زوجتك فوطئها لا حد عليه وعليه المهر" قضى بذلك علي ﵁ وبالعدة لأنه اعتمد دليلا وهو الإخبار في موضع الاشتباه إذ الإنسان لا يميز بين امرأته وبين غيرها في أول الوهلة فصار كالمغرور ولا يحد قاذفه إلا في رواية عن أبي يوسف ﵀ لأن الملك منعدم حقيقة. "ومن وجد امرأة على فراشه فوطئها فعليه الحد" لأنه لا اشتباه بعد طول الصحبة فلم يكن الظن مستندا إلى دليل وهذا لأنه قد ينام على فراشها غيرها من المحارم التي في بيتها وكذا إذا كان أعمى لأنه يمكنه التمييز بالسؤال وغيره إلا إن كان دعاها فأجابته أجنبية وقالت أنا زوجتك فواقعها لأن الإخبار دليل. "ومن تزوج امرأة لا يحل له نكاحها فوطئها لا يجب عليه الحد عند أبي حنيفة ﵀" ولكن يوجع عقوبة إذا كان علم بذلك وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي ﵏ عليه الحد إذا كان عالما بذلك لأنه عقد لم يصادف محله فيلغو كما إذا أضيف إلى الذكور وهذا لأن محل التصرف ما يكون محلا لحكمه وحكمه الحل وهي من المحرمات ولأبي حنيفة ﵀ أن العقد صادف محله لأن محل التصرف ما يقبل مقصوده والأنثى من بنات آدم قابلة للتوالد وهو المقصود فكان ينبغي أن ينعقد في جميع الأحكام إلا أنه تقاعد عن إفادة حقيقة الحل فيورث الشبهة لأن الشبهة ما يشبه الثابت لا نفس الثابت إلا أنه ارتكب جريمة وليس فيها حد مقدر فيعزر. "ومن وطئ أجنبية فيما دون الفرج يعزر" لأنه منكر ليس فيه شيء مقدر "ومن أتى امرأة في الموضع المكروه أو عمل عمل قوم لوط فلا حد عليه عند أبي حنيفة ﵀ ويعزر وزاد في الجامع الصغير ويودع في السجن وقالا هو كالزنا فيحد" وهو أحد قولي الشافعي ﵀ وقال في قول يقتلان بكل حال لقوله ﵊ "اقتلوا الفاعل والمفعول" ويروى "فارجموا الأعلى والأسفل" ولهما أنه في معنى الزنا لأنه قضاء الشهوة في محل مشتهى على سبيل الكمال على وجه تمحض حراما لقصد سفح الماء وله أنه ليس بزنا لاختلاف الصحابة في موجبه من الإحراق بالنار وهدم الجدار والتنكيس من مكان مرتفع باتباع الأحجار وغير ذلك ولا هو في معنى الزنا لأنه ليس فيه إضاعة الولد

стр. 467

واشتباه الأنساب وكذا هو أندر وقوعا لانعدام الداعي من أحد الجانبين والداعي إلى الزنا من الجانبين وما رواه محمول على السياسة أو على المستجل إلا أنه يعزر عنده لما بيناه. "ومن وطئ بهيمة فلا حد عليه" لأنه ليس في معنى الزنا في كونه جناية وفي وجود ا لداعي لأن الطبع السليم ينفر عنه والحامل عليه نهاية السفه أو فرط الشبق ولهذا لا يجب ستره إلا أنه يعزر لما بينا والذي يروى أنه تذبح البهيمة وتحرق فذلك لقطع التحدث به وليس بواجب. "ومن زنى في دار الحرب أو في دار البغي ثم خرج إلينا لا يقام عليه الحد" وعند الشافعي ﵀ يحد لأنه التزم بإسلامه أحكامه أينما كان مقامه ولنا قوله ﵊ "لا تقام الحدود في دار الحرب" ولأن المقصود هو الانزجار وولاية الإمام منقطعة فيهما فيعرى الوجوب عن الفائدة ولا تقام بعد ما خرج لأنها لم تنعقد موجبة فلا تنقلب موجبة ولو غزا من له ولاية الإقامة بنفسه كالخليفة وأمير المصر يقيم الحد على من زنى في معسكره لأنه تحت يده بخلاف أمير العسكر والسرية لأنه لم تفوض إليهما الإقامة. "وإذا دخل حربي دارنا بأمان فزنى بذمية أو زنى ذمي بحربية يحد الذمي والذمية عند أبي حنيفة ﵀ ولا يحد الحربي والحربية وهو قول محمد ﵀ في الذمي" يعني إذا زنى بحربية فأما إذا زنى الحربي بذمية لا يحدان عند محمد ﵀ وهو قول أبي يوسف ﵀ أولا "وقال أبو يوسف ﵀ يحدون كلهم" وهو قوله الآخر لأبي يوسف ﵀ أن المستأمن التزم أحكامنا مدة مقامه في دارنا في المعاملات كما أن الذمي التزمها مدة عمره ولهذا يحد حد القذف ويقتل قصاصا بخلاف حد الشرب لأنه يعتقد إباحته ولهما أنه ما دخل للقرار بل لحاجة كالتجارة ونحوها فلم يصر من أهل دارنا ولهذا يمكن من الرجوع إلى دار الحرب ولا يقتل المسلم ولا الذمي به وإنما التزم من الحكم ما يرجع إلى تحصيل مقصوده وهو حقوق العباد لأنه لما طمع في الإنصاف يلتزم الانتصاف والقصاص وحد القذف من حقوقهم أما حد الزنا فمحض حق الشرع. ولمحمد ﵀ وهو الفرق أن الأصل في باب الزنا فعل ا لرجل والمرأة تابعة له على ما نذكره إن شاء الله تعالى فامتناع الحد في حق الأصل يوجب امتناعه في حق التبع أما الامتناع في حق التبع لا يوجب الامتناع في حق الأصل. ونظيره إذا زنى البالغ بصبية أو مجنونة وتمكين البالغة من الصبي والمجنون.

стр. 468

ولأبي حنيفة ﵀ فيه أن فعل الحربي المستأمن زنا لأنه مخاطب بالحرمات على ما هو الصحيح وإن لم يكن مخاطبا بالشرائع على أصلنا والتمكين من فعل هو زنا موجب للحد عليها بخلاف الصبي والمجنون لأنهما لا يخاطبان ونظير هذا الاختلاف إذا زنى المكره بالمطاوعة تحد المطاوعة عنده وعند محمد ﵀ لا تحد. قال: "وإذا زنى الصبي أو المجنون بامرأة طاوعته فلا حد عليه ولا عليها" وقال زفر والشافعي رحمهما الله يجب الحد عليها وهو راوية عن أبي يوسف ﵀ "قال زنى صحيح بمجنونة أو صغيرة يجامع مثلها حد الرجل خاصة" وهذا بالإجماع لهما أن العذر من جانبها لا يوجب سقوط الحد من حانبه فكذا العذر من جانبه وهذا لأن كلا منهما مؤاخذ بفعله ولنا أن فعل الزنا يتحقق منه وإنما هي محل الفعل ولهذا يمسى هو واطئا وزانيا والمرأة موطوءة ومزنيا بها إلا أنها سميت زانية مجازا تسمية للمفعول باسم الفاعل كالراضية في معنى المرضية أو لكونها مسببة بالتمكين فتعلق الحد في حقها بالتمكين من قبيح الزنا وهو فعل من هو مخاطب بالكف عنه ومؤثم على مباشرته وفعل الصبي ليس بهذه الصفة فلا يناط به الحد. قال: "ومن أكرهه السلطان حتى زنى فلا حد عليه" وكان أبو حنيفة ﵀ يقول أولا يحد وهو قول زفر ﵀ لأن الزنا من الرجل لا يكون إلا بعد انتشار الآلة وذلك دليل الطواعية ثم رجع عنه فقال لا حد عليه لأن سببه الملجئ قائم ظاهرا والانتشار دليل متردد لأنه قد يكون من غير قصد لأن الانتشار قد يكون طبعا لا طوعا كما في النائم فأورث شبهة وإن أكرره غير السلطان حد عند أبي حنيفة ﵀ وقالا لا يحد لأن الإكراه عندهما قد يتحقق من غير السلطان لأن المؤثر خوف الهلاك وأنه يتحقق من غيره وله أن الإكراه من غيره لا يدوم إلا نادرا لتمكنه من الاستعانة بالسلطان أو بجماعة المسلمين ويمكنه دفعه بنفسه بالسلاح والنادر لا حكم له فلا يسقط به الحد بخلاف السلطان لأنه لا يمكنه الاستعانة بغيره ولا الخروج بالسلاح عليه فافترقا. "ومن أقر أربع مرات في مجالس مختلفة أنه زنى بفلانة وقالت هي تزوجني أو أقرت بالزنا وقال الرجل تزوجتها فلا حد عليه وعليه المهر في ذلك" لأن دعوى النكاح يحتمل الصدق وهو يقوم بالطرفين فأورث شبهة وإذا سقط الحد وجب المهر تعظيما لخطر البضع. "ومن زنى بجارية فقتلها فإنه يحد وعليه القيمة" معناه قتلها بفعل الزنا لأنه جنى

стр. 469

جنايتين فيوفر على كل واحد منهما حكمه وعن أبي يوسف ﵀ أنه لا يحد لأن تقرر ضمان القيمة سبب لملك الأمة فصار كما إذا اشتراها بعد ما زنى بها وهو على هذا الاختلاف واعتراض سبب الملك قبل إقامة الحد يوجب سقوطه كما إذا ملك المسروق قبل القطع ولهما أنه ضمان قتل فلا يوجب الملك لأنه ضمان دم ولو كان يوجبه فإنما يوجبه في العين كما في هبة المسروق لا في منافع البضع لأنها استوفيت والملك يثبت مستندا فلا يظهر في المستوفى لكونها معدومة وهذا بخلاف ما إذا زنى بها فأذهب عينها حيث تجب عليه قيمتها ويسقط الحد لأن الملك هنالك يثبت في الجثة العمياء وهي عين فأورث شبهة. قال: "وكل شيء صنعه الإمام الذي ليس فوقه إمام فلا حد عليه إلا القصاص فإنه يؤخذ به وبالأموال" لأن الحدود حق الله تعالى وإقامتها إليه لا إلى غيره ولا يمكنه أن يقيم على نفسه لأنه لا يفيد بخلاف حقوق العباد لأنه يستوفيه ولي الحق إما بتمكينه أو بالاستعانة بمنعة المسلمين والقصاص والأموال منها وأما حد القذف قالوا المغلب فيه حق الشرع فحكمه كحكم سائر الحدود التي هي حق الله تعالى والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 470

باب الشهادة على الزنا والرجوع عنها قال: "وإذا شهد الشهود بحد متقادم لم يمنعهم عن إقامته بعدهم عن الإمام لم تقبل شهادتهم إلا في حد القذف خاصة وفي الجامع الصغير وإذا شهد عليه الشهود بسرقة أو بشرب خمر أو بزنا بعد حين لم يؤخذ به وضمن السرقة" والأصل فيه أن الحدود الخالصة حقا لله تعالى تبطل بالتقادم خلافا للشافعي ﵀ هو يعتبرها بحقوق العباد وبالإقرار الذي هو إحدى الحجتين ولنا أن الشاهد مخير بين حسبتين أداء الشهادة والستر فالتأخير إن كان لاختيار الستر فالإقدام على الأداء بعد ذلك لضغينة هيجته أو لعداوة حركته فيتهم فيها وإن كان التأخير لا للستر يصير فاسقا آثما فتيقنا بالمانع بخلاف الإقرار لأن الإنسان لا يعادي نفسه فحد الزنا وشرب الخمر والسرقة خالص حق الله تعالى حتى يصح الرجوع عنها بعد الإقرار فيكون التقادم فيه مانعا وحد القذف فيه حق العبد لما فيه من دفع العار عنه ولهذا لا يصح رجوعه بعد الإقرار والتقادم غير مانع في حقوق العباد ولأن الدعوى فيه شرط فيحمل تأخيرهم على انعدام الدعوى فلا يوجب تفسيقهم بخلاف حد السرقة لأن الدعوى ليست بشرط للحد لأنه خالص حق الله تعالى على ما مر وإنما شرطت للمال ولأن الحكم يدار على كون الحد حقا لله تعالى فلا يعتبر وجود التهمة في كل

стр. 471

فرد ولأن السرقة تقام على الاستسرار على غرة من المالك فيجب على الشاهد إعلامه وبالكتمان يصير فاسقا آثما ثم التقادم كما يمنع قبول الشهادة في الابتداء يمنع الإقامة بعد القضاء عندنا خلافا لزفر ﵀ حتى لو هرب بعد ما ضرب بعض الحد ثم أخذ بعد ما تقادم الزمان لا يقام عليه الحد لأن الإمضاء من القضاء في باب الحدود. واختلفوا في حد التقادم وأشار في الجامع الصغير إلى ستة أشهر فإنه قال بعد حين وهكذا أشار الطحاوي وأبو حنيفة ﵀ لم يقدر في ذلك وفوضه إلى رأي القاضي في كل عصر وعن محمد ﵀ أنه قدره بشهر لأن ما دونه عاجل وهو رواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وهو الأصح وهذا إذا لم يكن بين القاضي وبينهم مسيرة شهر أما إذا كان تقبل شهادتهم لأن المانع بعدهم عن الإمام فلا تتحقق التهمة والتقادم في حد الشرب كذلك عند محمد ﵀ وعندهما يقدر بزوال الرائحة على ما يأتي في بابه إن شاء الله تعالى. "وإذا شهدوا على رجل أنه زنى بفلانة وفلانة غائبة فإنه يحد وإن شهدوا أنه سرق من فلان وهو غائب لم يقطع" والفرق أن بالغيبة تنعدم الدعوى وهي شرط في السرقة دون الزنا وبالحضور يتوهم دعوى الشبهة ولا يعتبر بالموهوم "وإن شهدوا أنه زنى بامرأة لا يعرفونها لم يحد" لاحتمال أنها امرأته أو أمته بل هو الظاهر "وأن أقر بذلك حد" لأنه لا يخفى عليه أمته أو امرأته. "وإن شهد اثنان أنه زنى بفلانة فاستكرهها وآخران أنها طاوعته درئ الحد عنهما جميعا عند أبي حنيفة ﵀" وهو قول زفر ﵀ "وقالا يحد الرجل خاصة" لاتفاقهما على الموجب وتفرد أحدهما بزيادة جناية وهو الإكراه بخلاف جانبها لأن طواعيتها شرط تحقق الموجب في حقها ولم يثبت لاختلافهما وله أنه اختلف المشهود عليه لأن الزنا فعل واحد يقوم بهما ولأن شاهدي الطواعية صارا قاذفين لها وإنما يسقط الحد عنهما بشهادة شاهدي الإكراه لأن زناها مكرهة يسقط إحصانها فصارا خصمين في ذلك "وإن شهد اثنان أنه زنى بامرأة بالكوفة وآخران أنه زنى بها بالبصرة درئ الحد عنهما جميعا" لأن المشهود به فعل الزنا وقد اختلف باختلاف المكان ولم يتم على كل واحد منهما نصاب الشهادة ولا يحد الشهود خلافا لزفر ﵀ لشبهة الاتحاد نظرا إلى اتحاد الصورة والمرأة. "وإن اختلفوا في بيت واحد حد الرجل والمرأة" معناه أن يشهد كل اثنين على الزنا في زاوية وهذا استحسان والقياس أن لا يجب الحد لاختلاف المكان حقيقة. وجه

стр. 472

الاستحسان أن التوفيق ممكن بأن يكون ابتداء الفعل في زاوية والانتهاء في زاوية أخرى بالاضطراب أو لأن الواقع في وسط البيت فيحسبه من في المقدم في المقدم ومن في المؤخر في المؤخر فيشهد بحسب ما عنده. "وإن شهد أربعة أنه زنى بامرأة بالنخيلة عند طلوع الشمس وأربعة أنه زنى بها عند طلوع الشمس بدير هند درئ الحد عنهم جميعا" أما عنهما فلأنا تيقنا بكذب أحد الفريقين غير عين وأم اعن الشهود فلاحتمال صدق كل فريق "وإن شهد أربعة على امرأة بالزنا وهي بكر درئ الحد عنهما وعنهم" لأن الزنا لا يتحقق مع بقاء البكارة ومعنى المسئلة أن النساء نظرن إليها فقلن إنها بكر وشهادتهن حجة في إسقاط الحد وليست بحجة في إيجابه فلهذا سقط الحد عنهما ولا يجب عليهم. "وإن شهد أربعة على رجل بالزنا وهم عميان أو محدودون في قذف أو أحدهم عبد أو محدود في قذف فإنهم يحدون ولا يحد المشهود عليه" لأنه لا يثبت بشهادتهم المال فكيف يثبت الحد وهم ليسوا من أهل أداء الشهادة والعبد ليس بأهل للتحمل والأداء فلم تثبت شبهة الزنا لأن الزنا يثبت بالأداء "وإن شهدوا بذلك وهم فساق أو ظهر أنهم فساق لم يحدوا" لأن الفاسق من أهل الأداء والتحمل وإن كان في أدائه نوع قصور لتهمة الفسق ولهذا لو قضى القاضي بشهادة فاسق ينفذ عندنا ويثبت بشهادتهم شبهة الزنا وباعتبار قصور في الأداء لتهمة ا لفسق يثبت شبهة عدم الزنا فلهذا امتنع الحدان وسيأتي فيه خلاف الشافعي ﵀ بناء على أصله أن الفاسق ليس من أهل الشهادة فهو كالعبد عنده "وإن نقص عدد الشهود عن أربعة حدوا" لأنهم قذفة إذ لا حسبة عند نقصان العدد وخروج الشهادة عن القذف باعتبارها. "وإن شهد أربعة على رجل بالزنا فضرب بشهادتهم ثم وجد أحدهم عبدا أو محدودا في قذف فإنهم يحدون" لأنهم قذفة إذ الشهود ثلاثة "وليس عليهم ولا على بيت المال أرش الضرب وإن رجم فديته على بيت المال وهذا عند أبي حنيفة ﵀ وقالا أرش الضرب أيضا على بيت المال" قال العبد الضعيف عصمه الله معناه إذا كان جرحه وعلى هذا الخلاف إذا مات من الضرب وعلى هذا إذا رجع الشهود لا يضمنون عنده وعندهما يضمنون لهما أن الواجب بشهادتهم مطلق الضرب إذ الاحتراز عن الجرح خارج عن الوسع فينتظم الجارح وغيره فيضاف إلى شهادتهم فيضمنون بالرجوع وعند عدم الرجوع تجب على بيت المال لأنه يتنقل فعل الجلاد إلى القاضي وهو عامل للمسلمين فتجب الغرامة في مالهم فصار كالرجم والقصاص ولأبي حنيفة ﵀ أن الواجب هو الجلد وهو

стр. 473

ضرب مؤلم غير جارح ولا مهلك فلا يقع جارحا ظاهرا إلا لمعنى في الضارب وهو قلة هدايته فاقتصر عليه إلا أنه لا يجب عليه الضمان في الصحيح كيلا يمتنع الناس عن الإقامة مخافة الغرامة. "وإن شهد أربعة على شهادة أربعة على رجل بالزنا لم يحد" لما فيها من زيادة الشبهة ولا ضرورة إلى تحملها فإن جاء الأولون فشهدوا على المعاينة في ذلك المكان لم يحد أيضا" معناه شهدوا على ذلك الزنا بعينه لأن شهادتهم قد ردت من وجه برد شهادة الفروع في عين هذه الحادثة إذ هم قائمون مقامهم في الأمر والتحميل ولا يحد الشهود لأن عددهم متكامل وامتناع الحد عن المشهود عليه لنوع شبهة وهي كافية لدرء الحد لا لإيجابه. "وإذا شهد أربعة على رجل بالزنا فرجم فكلما رجع واحد حد الراجع وحده وغرم ربع الدية" أما الغرامة فلأنه بقي من يبقى بشهادته ثلاثة أرباع الحق فيكون التألف بشهادة الراجع ربع الحق وقال الشافعي ﵀ يجب القتل دون المال بناء على أصله في شهود القصاص وسنبينه في الديات إن شاء الله تعالى. وأما الحد فمذهب علمائنا الثلاثة ﵏ وقال زفر ﵀ لا يحد لأنه إن كان الراجع قاذف حي فقد بطل بالموت وإن كان قاذف ميت فهو مرجوم بحكم القاضي فيورث ذلك شبهة ولنا أن الشهادة إنما تنقلب قذفا بالرجوع لأن به تفسخ شهادته فجعل للحال قذفا للميت وقد انفسخت الحجة فينفسخ ما يبتنى عليه وهو القضاء في حقه فلا يورث الشبهة بخلاف ما إذا قذفه غيره لأنه غير محصن في حق غيره لقيام القضاء في حقه "فإن لم يحد المشهود عليه حتى رجع واحد منهم حدوا جميعا وسقط الحد عن المشهود عليه" وقال محمد ﵀ حد الراجع خاصة لأن الشهادة تأكدت بالقضاء فلا ينفسخ إلا في حق الراجع كما إذا رجع بعد الإمضاء ولهما أن الإمضاء من القضاء فصار كما إذا رجع واحد منهم قبل القضاء ولهذا سقط الحد عن المشهود عليه ولو رجع واحد منهم قبل القضاء حدوا جميعا وقال زفر ﵀ يحد الراجع خاصة لأنه لا يصدق على غيره ولنا أن كلامهم قذف في الأصل وإنما يصير شهادة باتصال القضاء به فإذا لم يتصل به بقي قذفا فيحدون "فإن كانوا خمسة فرجع أحدهم فلا شيء عليه" لأنه بقي من يبقى بشهادته كل الحق وهو شهادة الأربعة "فإن رجع آخر حدا وغرما ربع الدية" أما الحد فلما ذكرنا وأما الغرامة فلأنه بقي من يبقى بشهادته ثلاثة أرباع الحق والمعتبر بقاء من بقي لا رجوع من رجع على ما عرف.

стр. 474

"وإن شهد أربعة على رجل بالزنا فزكوا فرجم فإذا الشهود مجوس أو عبيد فالدية على المزكين عند أبي حنيفة" ﵀ معناه: إذا رجعوا عن التزكية "وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله هو على بيت المال" وقيل هذا إذا قالوا تعمدنا التزكية مع علمنا بحالهم لهما أنهم أثنوا على الشهود خيرا فصار كما إذا أثنوا على المشهود عليه خيرا بأن شهدوا بإحصانه وله أن الشهادة إنما تصير حجة عاملة بالتزكية فكانت التزكية في معنى علة العلة فيضاف الحكم إليها بخلاف شهود الإحصان لأنه محض الشرط ولا فرق بين ما إذا شهدوا بلفظة الشهادة أو أخبرونا وهذا إذا أخبروا بالحرية والإسلام أما إذا قالوا هم عدول وظهروا عبيدا لا يضمنون لأن العبد قد يكون عدلا "ولا ضمان على الشهود" لأنه لا يقع كلامهم شهادة ولا يحدون حد القذف لأنهم قذفوا حيا وقد مات فلا يورث عنه. "وإذا شهد أربعة على رجل بالزنا فأمر القاضي برجمه فضرب رجل عنقه ثم وجد الشهود عبيدا فعلى القاتل الدية" وفي القياس يجب القصاص لأنه قتل نفسا معصومة بغير حق وجه الاستحسان أن القضاء صحيح ظاهرا وقت القتل فأورث شبهة بخلاف ما إذا قتله قبل القضاء لأن الشهادة لم تصر حجة بعد ولأنه ظنه مباح الدم معتمدا على دليل مبيح فصار كما إذا ظنه حربيا وعليه علامتهم وتجب الدية في ماله لأنه عمد والعواقل لا تعقل العمد ويجب ذلك في ثلاث سنين لأنه وجب بنفس القتل "وإن رجم ثم وجدوا عبيدا فالدية على بيت المال" لأنه امتثل أمر الإمام فنقل فعله إليه ولو باشره بنفسه تجب الدية في بيت المال لما ذكرنا كذا هذا بخلاف ما إذا ضرب عنقه لأنه لم يأتمر أمره "وإذا شهدوا على رجل بالزنا وقالوا تعمدنا النظر قبلت شهادتهم" لأنه يباح النظر لهم ضرورة تحمل الشهادة فأشبه الطبيب والقابلة. "وإذا شهد أربعة على رجل بالزنا فأنكر الإحصان وله امرأة قد ولدت منه فإنه يرجم" معناه أن ينكر الدخول بعد وجود سائر الشرائط لأن الحكم بثبات النسب منه حكم بالدخول عليه ولهذا لو طلقها بعقب الرجعة والإحصان يثبت بمثله "فإن لم تكن ولدت منه وشهد عليه بالأحصان رجل وامرأتان رجم" خلافا لزفر والشافعي رحمهما الله فالشافعي ﵀ مر على أصله أن شهادتهن غير مقبولة في غير الأموال وزفر ﵀ يقول إنه شرط في معنى العلة لأن الجناية تتغلظ عنده فيضاف الحكم إليه فأشبه حقيقة العلة فلا تقبل شهادة النساء فيه احتيالا للدرء فصار كما إذا شهد ذميان على ذمي زنى عبده المسلم أنه أعتقه قبل الزنا فلا تقبل لما ذكرنا ولنا أن الإحصان عبارة عن الخصال الحميدة وأنها مانعة من الزنا على ما ذكرنا فلا يكون في معنى العلة وصار كما إذا شهدوا به في غير هذه الحالة بخلاف

стр. 475

ما ذكر لأن العتق يثبت بشهادتهما وإنما لا يثبت بسبق التاريخ لأنه ينكره المسلم أو يتضرر به المسلم "فإن رجع شهود الإحصان لا يضمنون" عندنا خلافا لزفر وهو فرع ما تقدم والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 476

باب حد الشرب "ومن شرب الخمر فأخذ وريحها موجودة أو جاءوا به سكران فشهد الشهود عليه بذلك فعليه الحد وكذلك إذا أقر وريحها موجودة" لأن جناية الشرب قد ظهرت ولم يتقادم العهد والأصل فيه قوله ﵊: "من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه". "وأن أقر بعد ذهاب رائحتها لم يحد عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد ﵀ يحد" وكذلك إذا شهدوا عليه بعد ما ذهب ريحها والسكر لم يحد عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد ﵀ يحد فالتقادم يمنع قبول الشهادة بالاتفاق غير أنه مقدر بالزمان عنده اعتبارا بحد الزنا وهذا لأن التأخير يتحقق بمضي الزمان والرائحة قد تكون من غيرن كما قيل: يقولون لي انكه شربت مدامة … فقلت لهم لا بل أكلت السفرجلا وعندهما يقدر يزوال الرائحة لقول ابن مسعود ﵁ فيه فإن وجدتم رائحة الخمر فاجلدوه ولأن قيام الأثر من أقوى دلالة القرب وإنما يصار إلى التقدير بالزمان عند تعذر اعتباره والتمييز بين الروائح ممكن للمستدل وإنما تشتبه على الجهال. وأما الإقرار فالتقادم لا يبطله عند محمد ﵀ كما في حد الزنا على ما مر تقريره وعندهما لا يقام الحد إلا عند قيام الرائحة لأن حد الشرب ثبت بإجماع ا لصحابة ﵃ ولا إجماع إلا برأي ابن مسعود ﵁ وقد شرط قيام الرائحة على ما روينا "فإن اخذه الشهود وريحها توجد منه أو هو سكران فذهبوا به من مصر إلى مصر فيه الإمام فانقطع ذلك قبل أن ينتهوا به حد في قولهم جميعا" لأن هذا عذر كعبد المسافة في حد الزنا والشاهد لا يتهم في مثلة. "ومن سكر من النبيذ حد" لما روي أن عمر ﵁ أقام الحد على أعرابي سكر من النبيذ وسنبين الكلام في حد السكر ومقدار حده المستحق عليه إن شاء الله تعالى "ولا حد على من وجد منه رائحة الخمر أو تقيأها" لأن الرائحة محتملة وكذا الشرب قد يقع عن إكراه أو اضطرار.

стр. 477

"ولا يحد السكران حتى يعلم أنه سكر من النبيذ وشربه طوعا" لأن السكر من المباح لا يوجب الحد كالبنج ولبن الرماك وكذا شرب المكره لا يوجب الحد "ولا يحد حتى يزول عنه السكر" تحصيلا لمقصود الانزجار. "وحد الخمر والسكر في الحر ثمانون سوطا" لإجماع الصحابة ﵃ "يفرق على بدنه كما في حد الزنا على ما مر" ثم يجرد في المشهور من الرواية وعن محمد ﵀ أنه لا يجرد إظهارا للتخفيف لأنه لم يرد به نص ووجه المشهور أنا أظهرنا التخفيف مرة فلا يعتبر ثانيا "وإن كان عبدا فحده أربعون سوطا" لأن الرق منصف على ما عرف "ومن أقر بشرب الخمر أو السكر ثم رجع لم يحد" لأنه خالص حق الله تعالى. "ويثبت الشرب بشهادة شاهدين و" يثبت "بالإقرار مرة واحدة" وعن أبي يوسف ﵀ أنه يشترط الإقرار مرتين وهو نظير الاختلاف في السرقة وسنبينها هناك إن شاء الله "ولا تقبل فيه شهادة النساء مع الرجال" لأن فيها شبهة البدلية وتهمة الضلال والنسيان. "والسكران الذي يحد هو الذي لا يعقل منطقا لا قليلا ولا كثيرا ولا ولا يعقل الرجل من المرأة" قال العبد الضعيف: "وهذا عند أبي حنيفة ﵀ وقالا هو الذي يهذى ويختلط كلامه" لأنه هو السكران في العرف وإليه مال أكثر المشايخ ﵏ وله أنه يؤخذ في اسباب لحدود بأقصاها درءا للحد ونهاية السكر أن يغلب السرور على العقل فيسلبه التمييز بين شيء وشيء وما دون ذلك لا يعرى عن شبهة الصحو والمعتبر في القدح المسكر في حق الحرمة ما قالاه بالإجماع أخذا بالاحتياط والشافعي ﵀ يعتبر ظهور أثره في مشيته وحركاته وأطرافه وهذا مما يتفاوت فلا معنى لاعتباره. "ولا يحد السكران بإقراره على نفسه" لزيادة احتمال الكذب في إقراره فيحتال لدرئه لأنه خالص حق الله تعالى بخلاف حد القذف لأن فيه حق العبد والسكران فيه كالصاحي عقوبة عليه كما في سائر تصرفاته ولو ارتد السكران لا تبين منه امرأته لأن الكفر من باب الاعتقاد فلا يتحقق مع السكر وهذا قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وفي ظاهر الرواية تكون ردة والله أعلم بالصواب.

стр. 478

باب حد القذف "وإذا قذف الرجل رجلا محصنا أو امرأة محصنة بصريح الزنا وطالب المقدوف بالحد حده الحاكم ثمانين سوطا إن كان حرا" لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤]

стр. 479

إلى أن قال ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] الآية والمراد الرمي بالزنا بالإجماع وفي النص إشارة إليه وهو اشتراط أربعة من الشهداء إذ هو مختص بالزنا ويشترط مطالبة المقذوف لأن فيه حقه من حيث دفع العار وإحصان المقذوف لما تلونا. قال: "ويفرق على أعضائه" لما مر في حد الزنا "ولا يجرد من ثيابه" لأن سسببه غير مقطوع به فلا يقام على الشدة بخلاف حد الزنا "غير أنه ينزع عنه الفرو والحشو" لأن ذلك يمنع أيصال الألم به "وإن كان القاذف عبدا جلد أربعين سوطا" لمكان الرق. "والإحصان أن يكون المقذوف حرا عاقلا بالغا مسلما عفيفا عن فعل الزنا" أم الحرية فلأنه يطلق عليه اسم الإحصان قال الله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] أي الحرائر والعقل والبلوغ لأن العار لا يلحق بالصبي والمجنون لعدم تحقق فعل الزنا منهما والإسلام لقوله ﵊ "من أشرك بالله فليس بمحصن" والعفة لأن غير العفيف لا يلحقه العار وكذا القاذف صادق فيه. "ومن نفى نسب غيره فقال لست لأبيك فإنه يحد" وهذا إذا كانت أمه حرة مسلمة لأنه في الحقيقة قذف لأمه لأن النسب إنما ينفى عن الزاني لا عن غيره "ومن قال لغيره في غضب لست بابن فلان لأبيه الذي يدعة له يحد ولو قال في غير غضب لا يحد" لأن عند الغضب يراد به حقيقته سبا له وفي غيره يراد به المعاتبة بنفي مشابهته إباه في أسباب المروءة. "ولو قال لست بابن فلان يعني جده لم يحد" لأنه صادق في كلامه ولو نسبه إلى جده لا يحد أيضا لأنه قد ينسب إليه مجازا "ولو قال له يا ابن الزانية وأمه ميتة محصنة فطالب الابن بحده حد القاذف" لأنه قذف محصنة بعد موتها "ولا يطالب بحد القذف للميت إلا من يقع القدح في نسبه بقذفه وهو الوالد والولد" لأن العار يلتحق به لمكان الجزئية فيكون القذف متناولا له معنى. وعند الشافعي ﵀ يثبت حق المطالبة لكل وارث لأن حد القذف يورث عنده على ما نبين وعندنا ولاية المطالبة ليست بطريق الإرث بل لما ذكرناه ولهذا يثبت عندنا للمحروم عن الميراث بالقتل ويثبت لولد البنت كما يثبت لولد الابن خلافا لمحمد ﵀ ويثبت لولد الولد حال قيام الولد خلافا لزفر ﵀. "وإذا كان المقذوف محصنا جاز لابنه الكافر والعبد أن يطالب بالحد" خلافا لزفر هو يقول القذف يتناوله معنى لرجوع العار إليه وليس طريقه الإرث عندنا فصار كما إذا كان

стр. 480

متناولا له صورة ومعنى ولها أنه عيره بقذف محصن فيأخذه بالحد وهذا لأن الإحصان في الذي ينسب إلى الزنا شرط ليقع تعييرا على الكمال ثم يرجع هذا التعيير الكامل إلى ولده والكفر لا ينافي أهلية الاستحقاق بخلاف ما إذا تناول القذف نفسه لأنه لم يوجد التعيير على الكمال لفقد الإحصان في المنسوب إلى الزنا. "وليس للعبد أن يطالب مولاه بقذف أمه الحرة ولا للابن أن يطالب أباه بقذف أمه الحرة المسلمة" لأن المولى لا يعاقب بسبب عبده وكذا الأب بسبب ابنه ولهذا لا يقاد الوالد بولده ولا السيد بعبده ولو كان لها ابن من غيره له أن يطالب لتحقق السبب وانعدام المانع. "ومن قذف غيره فمات المقذوف بطل الحد" وقال الشافعي ﵀ لا يبطل "ولو مات بعد ما أقيم بعض الحد بطل الباقي" عندنا خلافا له بناء على أنه يورث عنده وعندنا لا يورث ولا خلاف أن فيه حق الشرع وحق العبد فإنه شرع لدفع العار عن المقذوف وهو الذي ينتفع به على الخصوص فمن هذا الوجه حق العبد ثم إنه شرع زاجرا ومنه سمى حدا والمقصود من شرع الزاجر إخلاء العالم عن الفساد وهذا آية حق الشرع وبكل ذلك تشهد الأحكام وإذا تعارضت الجهتان فالشافعي ﵀ مال إلى تغليب حق العبد تقديما لحق العبد باعتبار حاجته وغنى الشرع ونحن صرنا إلى تغليب حق الشرع لأن ما للعبد من الحق يتولاه مولاه فيصير حق العبد مرعيا به ولا كذلك عكسه لآنه لا ولاية للعبد في استيفاء حقوق الشرع إلا نيابة عنه وهذا هو الأصل المشهور الذي يتخرج عليه الفروع المختلف فيها منها الإرث إذ الإرث يجري في حقوق العباد لا في حقوق الشرع ومنها العفو فإنه لا يصح عفو المقذوف عندنا ويصح عنده ومنها أنه لا يجوز الاعتياض عنه ويجري فيه التداخل وعنده لا يجري وعن أبي يوسف ﵀ في العفو مثل قول الشافعي ﵀ ومن أصحابنا من قال إن الغالب حق العبد وخرج الأحكام والأول أظهر. قال: "ومن أقر بالقذف ثم رجع لم يقبل رجوعه" لأن للمقذوف فيه حقا فيكذبه في الرجوع بخلاف ما هو خالص حق الله لأنه لا مكذب له فيه "ومن قال لعربي يا نبطي لم يحد" لأنه يراد به التشبيه في الأخلاق أو عدم الفصاحة وكذا إذا قال لست بعربي لما قلنا. "ومن قال لرجل يا ابن ماء السماء فليس بقاذف" لأنه يراد به التشبيه في الجود والسماحة والصفاء لأن ماء السماء لقب به بصفائه وسخائه "وإن نسبه إلى عمه أو خاله

стр. 481

أو إلى زوج أمه فليس بقاذف" لأن كل واحد من هؤلاء يسمى أبا. أما الأول فلقوله تعالى: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] واسماعيل كان عما له، والثاني لقوله ﵊: "الخال أب" والثالث للتربية. "ومن قال لغيرة زنأت في الجبل وقال عنيت صعود الجبل حد وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد ﵀ لا يحد" لأن المهموز منه للصعود حقيقة قالت امراة من العرب: وارق إلى الخيرات زناء في الجبل وذكر الجبل يقرره مرادا ولهما أنه يستعمل في الفاحشة مهموزا أيضا لأن من العرب من يهمز الملين كما يلين المهموز وحالة الغضب والسباب تعين الفاحشة مرادا بمنزلة ما إذا قال يا زانى ء أو قال زنأت وذكر الجبل إنما بعين الصعود مرادا إذا كان مقرونا بكلمة على إذ هو المستعمل فيه ولو قال زنأت على الجبل قيل لا يحد لما قلنا وقيل يحد للمعنى الذي ذكرناه. "ومن قال لآخر يازاني فقال لا بل أنت فإنهما يحدان" لأن معناه لا بل أنت زان إذ هي كلمة عطف يستدرك بها الغلط فيصير الخبر المذكور في الأول مذكورا في الثاني "ومن قال لامرأته يا زانية فقالت لا بل أنت حدت المرأة ولا لعان" لأنهما قاذفان وقذفه يوجب اللعان وقذفها الحد وفي البداءة بالحد إبطال اللعان لأن المحدود في القذف ليس بأهل له وا إبطال في عكسه أصلا فيحتال للدرء إذ اللعان في معنى الحد "ولو قالت زنيت بك فلا حد ولا لعان" معناه قالت بعد ما قال لها يا زانية لوقوع الشك في كل واحد منهما لأنه يحتمل أنها أرادت الزنا قبل النكاح فيجب الحد دون اللعان لتصديقها إياه وانعدامه منه ويحتمل انها أرادت زناي ما كان معك بعد النكاح لأني ما مكنت أحدا غيرك وهو المراد في مثل هذه الحالة وعلى هذا الاعتبار يجب اللعان دون الحد على المرأة لوجود القذف منه وعدمه منها فجاء ما قلنا. "ومن أقر بولد ثم نفاه فإنه يلاعن" لأن النسب لزمه بإقراره وبالنفي بعده صار قاذفا فيلاعن "وإن نفاه ثم أقر به حد" لأنه لما أكذب نفسه بطل اللعان لأنه حد ضروري صير إليه ضرورة التكاذب والأصل فيه حد القذف فإذا بطل التكاذب يصار إلى الأصل وفيه خلاف ذكرناه في اللعان "والولد ولده" في الوجهين لإقراره به سابقا أو لاحقا واللعان يصح بدون قطع النسب كما يصح بدون الولد "وإن قال ليس بابني ولا بابنك فلا حد

стр. 482

ولا لعان" لأنه أنكر الولادة وبه لا يصير قاذفا. "ومن قذف امرأة ومعها أولاد لم يعرف لهم أب أو قذف الملاعنة بولد والولد حي أو قذفها بعد موت الولد فلا حد عليه" لقيام أمارة الزنا منها وهي ولادة ولد لا أب له ففاتت العفة نظرا إليها وهي شرط الإحصان "ولو قذف امرأة لاعنت بغير ولد فعليه الحد" لانعدام أمارة الزنا. قال: "ومن وطى ء وطئا حراما في غير ملكه لم يحد قاذفه" لفوات العفة وهي شرط الإحصان ولأن القاذف صادق والأصل فيه أن من وطى ء حراما لعينه لا يجب الحد بقذفه لأن الزنا هو الوطء المحرم لعينه وإن كان محرما لغيره يحد لأنه ليس بزنا فالوطء في غير الملك من كل وجه أو من وجه حرام لعينه وكذا الوطء في الملك والحرمة مؤيدة فإن كانت الحرمة مؤقتة فالحرمة لغيره وأبو حنيفة ﵀ يشترط أن تكون الحرمة المؤبدة ثابتة بالإجماع أو بالحديث المشهور لتكون ثابتة من غير تردد "وبيانه أن من قذف رجلا وطى ء جارية مشتركة بينه وبين آخر فلا حد عليه" لانعدام الملك من وجه "وكذا إذا قذف امرأة زنت في نصرانيتها" لتحقق الزنا منها شرعا لانعدام الملك ولهذا وجب عليها الحد "ولو قذف رجلا أتى أمته وهي مجوسية أو امرأته وهي حائض أو مكاتبة له فعليه الحد" لأن الحرمة مع قيام الملك وهي مؤقتة فكانت الحرمة لغيره فلم يكن زنا وعن أبي يوسف ﵀ أن وطء المكاتبة يسقط الإحصان وهو قول زفر ﵀ لآن الملك زائل في حق الوطء ولهذا يلزمه العقر بالوطء ونحن نقول ملك الذات باق والحرمة لغيره إذ هي مؤقته. "ولو قذف رجلا وطء أمته وهي أخته من الرضاعة لا يحد" لأن الحرمة مؤبدة وهذا هو الصحيح "ولو قذف مكاتبا مات وترك وفاء لا حد عليه" لتمكن الشبهة في الحرية لكان اختلاف الصحابة ﵃ "ولو قذف مجوسيا تزوج بأمه ثم أسلم يحد عند أبي حنيفة ﵀ وقالا لا حد عليه" وهذا بناء على أن تزوج المجوسي بالمحارم له حكم الصحة فيما بينهم عنده خلافا لهما وقد مر في النكاح "وإذا دخل الحربي دارنا بأمان فقذف مسلما حد" لأن فيه حق العبد وقد التزم إيفاء حقوق العباد ولأنه طمع في أن لا يؤذى فيكون ملتزما أن لا يؤذى وموجب أذاه الحد. "وإذا حد المسلم في قذف سقطت شهادته وإن تاب" وقال الشافعي ﵀ تقبل إذا تاب وهي تعرف في الشهادات "وإذا حد الكافر في قذف لم تجز شهادته على أهل الذمة" لأن له الشهادة على جنسه فترد تتمة لحده "فإن أسلم قبلت شهادته عليهم وعلى المسلمين" لأن

стр. 483

هذه شهادة استفادها بعد الإسلام فلم تدخل تحت الرد بخلاف العبد إذا حد حد القذف ثم أعتق حيث لا تقبل شهادته لأنه لا شهادة له أصلا في حال الرق فكان رد شهادته بعد العتق من تمام حده "فإن ضرب سوطا في قذف ثم أسلم ثم ضرب ما بقي جازت شهادته" لأن رد الشهادة متمم للحد فيكون صفة له والمقام بعد الإسلام بعض الحد فلا يكون رد الشهادة صفة له وعن أبي يوسف ﵀ أنه رد شهادته إذ الأقل تابع للأكثر والأول أصح. قال: "ومن قذف أو زنى أو شرب غير مرة فحد فهو لذلك كله" أما الأولان فلأن المقصد من إقامة الحد حقا لله تعالى الانزجار واحتمال حصوله بالأول قائم فيتمكن شبهة فوات المقصود في الثاني وهذا بخلاف ما إذا زنى وقذف وسرق وشرب لأن المقصود من كل جنس غير المقصود من الآخر فلا يتداخل وأما القذف فالمغلب فيه عندنا حق الله ليكون ملحقا بهما وقال الشافعي ﵀ إن اختلف المقذوف أو المقذوف به وهو الزنا لا يتداخل لأن المغلب فيه حق العبد عنده.

стр. 484

فصل في التعزير "ومن قذف عبدا أو أمة أو أم ولد أو كافرا بالزنا عزر" لأنه جناية قذف وقد امتنع وجوب الحد لعقد الإحصان فوجب التعزير "وكذا إذا قذف مسلما بغير الزنا فقال يا فاسق أو يا كافر أو يا خبيث أو ياسارق" لأنه آذاه وألحق الشين به ولا مدخل للقياس في الحدود فوجب التعزير إلا أنه يبلغ بالتعزير غايته في الجناية الأولى لأنه من جنس ما يجب به الحد وفي الثانية الرأي إلى الإمام. "ولو قال يا حمار أو يا خنزير لم يعزر" لأنه ما ألحق الشين به للتيقن بنفيه وقيل في عرفنا يعزر لأنه يعد شينا وقيل إن كان المسبوب من الأشراف كالفقهاء والعلوية يعزر لأنه يلحقهم الوحشة بذلك وإن كان من العامة لا يعزر وهذا أحسن. والتعزيز أكثره تسعة وثلاثون سوطا وأقله ثلاث جلدات وقال أبو يوسف ﵀ يبلغ التعزير خمسة وسبعين سوطا والأصل فيه قوله ﵊ "من بلغ حدا في غير حد فهو من المعتدين" وإذا تعذر تبليغه حدا فأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله نظرا إلى أدنى الحد وهو حد العبد في القذف فصرفاه إليه وذلك أربعون سوطا فنقصا منه سوطا وأبو يوسف ﵀ اعتبر أقل الحد في الأحرار إذ الأصل هو الحرية ثم نقص سوطا في رواية عنه وهو قول زفر ﵀ وهو القياس وفي هذه الرواية نقص خمسة وهو مأثور عن علي ﵁ فقلده ثم قدر الأدنى في الكتاب بثلاث جلدات لأن ما دونها لا يقع به

стр. 485

الزجر. وذكر مشايخنا ﵏ أن أدناه على ما يراه الإمام فيقدر بقدر ما يعلم أنه ينزجر لأنه يختلف باختلاف الناس وعن أبي يوسف ﵀ أنه على قدر عظم الجرم وصغره وعنه أنه يقرب كل نوع من بابه فيقرب اللمس والقبلة من حد الزنا والقذف بغير الزنا من حد القذف قال: "وإن رأى الإمام أن يضم إلى الضرب في التعزير الحبس فعل" لأنه صلح تعزيزا وقد ورد الشرع به في الجملة حتى جاز أن يكتفى به فجاز أن يضم إليه ولهذا لم يشرع في التعزير بالتهمة قبل ثبوته كما شرع في الحد لأنه من التعزيز. قال: "وأشد الضرب التعزيز" لأنه جرى التخفيف فيه من حيث العدد فلا يخفف من حيث الوصف كيلا يؤدي إلى فوات المقصود ولهذا لم يخفف من حيث التفريق على الأعضاء. قال: "ثم حد الزنا" لأنه ثابت بالكتاب وحد الشرب ثبت بقول الصحابة ﵃ ولأنه أعظم جناية حتى شرع فيه الرجم "ثم حد الشرب" لأن سببه متيقن به "ثم حد القذف" لأن سببه محتمل لاحتمال كونه صادقا ولأنه جرى فيه التغليظ من حيث رد الشهادة فلا يغلظ من حيث الوصف. "ومن حده الإمام أو عزره فمات فدمه هدر" لأنه فعل ما فعل بأمر الشرع وفعل المأمور لا يتقيد بشرط السلامة كالفصاد والبزاغ بخلاف الزوج إذا عزر زوجته لأنه مطلق فيه والإطلاقات تتقيد بشرط السلامة كالمرور في الطريق وقال الشافعي ﵀ تجب الدية في بيت المال لأن الإتلاف خطأ فيه إذ التعزير للتأديب غير أنه تجب الدية في بيت المال لأن نفع عمله يرجع إلى عامة المسلمين فيكون الغرم في ما لهم قلنا لما استوفى حق الله تعالى بأمره صار كأن الله أماته من غير واسطة فلا يجب الضمان.

стр. 486

كتاب السرقة السرقة في اللغة: أخذ الشيء من الغير على سبيل الخفية والاستسرار ومنه استراق السمع قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ [الحجر: ١٨] وقد زيدت عليه أوصاف في الشريعة على ما يأتيك بيانه إن شاء الله تعالى والمعنى اللغوي مراعى فيها ابتداء وانتهاء أو ابتداء لا غير كما إذا نقب الجدار على الاستسرار وأخذ المال من المالك مكابرة على الجهار وفي الكبرى أعني قطع الطريق مسارقة عين الإمام لآنه هو المتصدي لحفظ الطريق بأعوانه وفي الصغرى مسارقة عين المالك أو من يقوم مقامه. قال: "وإذا سرق العاقل البالغ عشرة دراهم أو ما يبلغ قيمته عشرة دراهم مضروبة من حرز لا شبهة فيه وجب عليه القطع" والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: من الآية ٣٨] الآية ولا بد من اعتبار العقل والبلوغ لأأن الجناية لا تتحقق دونهما والقطع جزاء الجناية ولا بد من التقدير بالمال الخطير لأن الرغبات تفتر في الحقير وكذا أخذه لا يخفى فلا يتحقق ركنه ولا حكمة الزجر لأنها فيما يغلب والتقدير بعشرة دراهم مذهبنا وعند الشافعي ﵀ التقدير بربع دينار وعند مالك ﵀ بثلاثة دراهم لهما أن القطع على عهد رسول الله ﵊ ما كان إلا في ثمن المجن وأقل ما نقل في تقديره ثلاثة دراهم والأخذ بالأقل وهو المتيقن به أولى غير أن الشافعي ﵀ يقول كانت قمة الدينار على عهد رسول الله ﵊ اثني عشر درهما والثلاثة ربعها ولنا أن الأخذ بالأكثر في هذا الباب أولى احتيالا لدرء الحد وهذا لأن في الأقل شبهة عدم الجناية وهي دارئة للحد وقد تأيد ذلك بقوله ﵊ "لا قطع إلا في دينار أو عشرة دراهم" واسم الدراهم ينطلق على المضروبة عرفا فهذا يبين لك اشتراط المضروب كما قال في الكتاب وهو ظاهر الرواية وهو الأصح رعاية لكمال الجناية حتى لو سرق عشرة تبرا قيمتها أنقص من عشرة مضروبة لا يجب القطع والمعتبر وزن سبعة مثاقيل لأنه هو المتعارق في عامة البلاد وقوله أو ما يبلغ قيمته عشرة دراهم إشارة إلى أن

стр. 487

غير الدراهم تعتبر قيمته بها وإن كان ذهبا ولا بد من حرز لا شبهة فيه لأن الشبهة دارئة وسنبينه من بعد إن شاء الله تعالى. قال: "والعبد والحر في القطع سواء" لأن النص لم يفصل ولأن التنصيف متعذر فيتكامل صيانة لأموال الناس. "ويجب القطع بإقراره مرة واحدة وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف ﵀ لا يقطع إلا بالإقرار مرتين" ويروى عنه أنهما في مجلسين مختلفين لأنه إحدى الحجتين فيعتبر بالأخرى وهي البينة كذلك اعتبرنا في الزنا ولهما أن السرقة قد ظهرت بالإقرار مرة فيكتفي به كما في القصاص وحد القذفولا اعتبار بالشهادة لأن الزيادة تفيد فيها تقليل تهمة الكذب ولا تفيد في الإقرار شيئا لأنه لا تهمة وباب الرجوع في حق الحد لا ينسد بالتكرار والرجوع في حق المال لا يصح أصلا لأن صاحب المال يكذبه واشترط الزيادة في الزنا بخلاف القياس فيقتصر على مورد الشرع. قال: "ويجب بشهادة شاهدين" لتحقق الظهور كما في سائر الحقوق وينبغي أن يسألهما الإمام عن كيفية السرقة وما هيتها وزمانها ومكانها لزيادة الاحتياط كما مر في الحدود ويحبسه إلى أن يسأل عن الشهود للتهمة. قال: "وإذا اشترك جماعة في سرقة فأصاب كل واحد منهم عشرة دراهم قطع وإن أصابه أقل لا يقطع" لأن الموجب سرقة النصاب ويجب على كل واحد منهم بجنايته فيعتبر كمال النصاب في حقه والله أعلم.

стр. 488

باب ما يقطع فيه ومالا يقطع "ولا قطع فيما يوجد تافها مباحا في دار الإسلام كالخشب والحشيش والقصب والسمك والطير والصيد والزرنيخ والمغرة والنورة" والأصل فيه حديث عائشة ﵂ قالت كانت اليد لا تقطع على عهد رسول الله ﵊ في الشيء التافه أي الحقير وما يوجد جنسه مباحا في الأصل بصورته غير مرغوب فيه حقير تقل الرغبات فيه والطباع لا تضن به فقلما يوجد أخذه على كره من الملك فلا حاجة إلى شرع الزاحر ولهذا لم يجب القطع في سرقة ما دون النصاب ولأن الحرز فيها ناقص ألا يرى أن الخشب يلقى على الأبواب وإنما يدخل في الدار للعمارة لا للإحراز والطير يطير والصيد يفر وكلنا الشركة العامة التي كانت فيه وهو على تلك الصفة تورث الشبهة والحد يندرى ء بها ويدخل في السمك المالح والطري وفي الطير الدجاج والبط والحمام لما ذكرنا ولإطلاق قوله ﵊ "لا قطع في الطير" وعن أبي يوسف ﵀ أنه يجب القطع في كل شيء إلا الطين والتراب والسرقين وهو قول الشافعي ﵀ والحجة عليهما ما ذكرنا.

стр. 489

قال: "ولا قطع فيما يتسارع إليه الفساد كاللبن واللحم والفواكه الرطبة" لقوله ﵊ "لا قطع في تمر ولا كثر" والكثر الجمار وقيل الودى وقال ﵊: "لا قطع في الطعام" والمراد والله أعلم ما يتسارع إليه الفساد كالمهيأ للأكل منه وما في معناه كاللحم والثمر لأنه يقطع في الحنطة والسكر إجماعا وقال الشافعي ﵀ يقطع فيها لقوله ﵊ "لا قطع في ثمر ولا كثر فإذا آواه الجرين أو الجران قطع" قلنا أخرجه على وفاق العادة والذي يؤويه الجرين في عادتهم هو اليابس من الثمر وفيه القطع. قال: "ولا قطع في الفاكهة على الشجر والزرع الذي لم يحصد" لعدم الإحراز "ولا قطع في الأشربة المطربة" لأن السارق يتأول في تناولها الإراقة ولأن بعضها ليس بمال وفي مالية بعضها اختلاف فتتحقق شبهة عدم المالية. قال: "ولا في الطنبور" لأنه من المعازف "ولا في سرقة المصحف وإن كان عليه حلية" وقال الشافعي ﵀ يقطع لأنه مال متقوم حتى يجوز بيعه وعن أبي يوسف ﵀ مثله وعنه أيضا أن يقطع إذا بلغت الحلية نصابا لآنها ليست من المصحف فتعتبر بانفرادها ووجه الظاهر أن الآخذ يتأول في أخذه القراءة والنظر فيه ولأنه لا مالية له على اعتبار المكتوب وإحرازه لأجله لا للجلد والأوراق والحلية وإنما هي توابع ولا معتبر بالتبع كمن سرق آنية فيها خمر وقيمة الآنية تربو على النصاب "ولا قطع في أبواب المسجد" لعدم الإحراز فصار كباب الدار بل أولى لأنه يحرز بباب الدار ما فيها ولا يحرز بباب المسجد ما فيه حتى لا يجب القطع بسرقة متاعه. قال: "ولا الصليب من الذهب ولا الشطرنج ولا النرد" لأنه يتأول من أخذها الكسر نهيا عن المنكر بخلاف الدرهم الذي عليه التمثال لأنه ما أعد للعبادة فلا تثبت شبهة إباحة الكسر وعن أبي يوسف ﵀ أنه إن كان الصليب في المصلى لا يقطع لعد الحرز وإن كان في بيت آخر يقطع لكمال المالية والحرز "ولا قطع على سارق الصبي الحر وإن كان عليه حلى" لأن الحر ليس بمال وما عليه من الحلى تبع له ولأنه يتأول في أخذه الصبي إسكاته أو حمله إلى مرضعته وقال أبو يوسف ﵀ يقطع إذا كان عليه حلى فهو نصاب لآنه يجب القطع بسرقته وحده فكذا مع غيره وعلى هذا إذا سرق إناء فضة فيه نبيذ أو ثريد والخلاف في صبي لا يمشي ولا يتكلم كيلا يكون في يد نفسه "ولا قطع في سرقة العبد الكبير" لأنه غصب أو خداع "ويقطع في سرقة العبد الصغير" لتحققها بحدها إذا كان يعبر عن

стр. 490

نفسه لأنه هو والبالغ سواء في اعتبار يده وقال أبو يوسف ﵀ لا يقطع وإن كان صغيرا لا يعقل ولا يتكلم استحسانا لآنه آدمي من وجه مال من وجه ولهما أنه مال مطلق لكونه منتفعا به أو يعرض أن يصير منتفعا به إلا أنه انضم إليه معنى الآدمية "ولا قطع في الدفاتر كلها" لأن المقصود ما فيها وذلك ليس بمال "إلا في دفاتر الحساب" لأن ما فيها لا يقصد بالأخذ فكان المقصود هو الكواغد. قال: "ولافي سرقة كلب ولا فهد" لأن من جنسهما يوجد مباح الأصل غير مرغوب فيه ولأن الاختلاف بين العلماء ظاهر في مالية الكلب فأورث شبهة "ولا قطع في دف ولا طبل ولا بربط ولا مزمار" لأن عندهما لا قيمة لها وعند أبي حنيفة ﵀ آخذها يتأول الكسر فيها "ويقطع في الساج والقنا والآبنوس والصندل" لأنها أموال محرزة لكونها عزيزة عند الناس ولا توجد بصورتها مباحة في دار الإسلام. قال: "ويقطع في الفصوص الخضر والياقوت والزبرجد" لأنها من أعز الأموال وأنفسها ولا توجد مباحة الأصل في دار إسلام غير مرغوب فيها فصارت كالذهب والفضة "وإذا اتخذ من الخشب أواني وأبوبا قطع فيها" لأنه بالصنعة التحق بالأموال النفيسة ألا ترى أنها تحرز بخلاف الحصير لأن الصنعة فيه لم تغلب على الجنس حتى يبسط في غير الحرز وفي الحصر البغدادية قالوا يجب القطع في سرقتها لغلبة الصنعة على الأصل وإنما يجب القطع في غير المركب وإنما يجب إذا كان خفيفا لا يثقل على الواحد حمله لأن الثقيل منه لا يرغب في سرقته "ولا قطع على خائن ولا خائنة" لقصور في الحرز "ولا منتهب ولا مختلس" لأنه يجاهر بفعله كيف وقد قال النبي ﵊: "لا قطع في مختلس ولا منتهب ولا خائن" "ولا قطع على النباش" وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف والشافعي رحمهما الله عليه القطع لقوله ﵊ "من نبش قطعناه" ولأنه مال متقوم محرز بحرز مثله فيقطع فيه ولهما قوله ﵊ "لاقطع على المختفي" وهو النباش بلغة أهل المدينة ولأن الشبهة تمكنت في الملك لأنه لا ملك للميت حقيقة ولا للوارث لتقدم حاجة الميت وقد تمكن الخلل في المقصود وهو الانزجار لأن الجناية في نفسها نادرة الوجود وما رواه غير مرفوع أو هو محمول على السياسة وإن كان القبر في بيت مقفل فهو على الخلاف في الصحيح لما قلنا وكذا إذا سرق من تابوت في القافلة وفيه الميت لما بيناه. "ولا يقطع السارق من بيت المال" لأنه مال العامة وهو منهم قال "ولا من مال للسارق فيه شركة" لما قلنا.

стр. 491

"ومن له على آخر دراهم فسرق منه مثلها لم يقطع" لأنه استيفاء لحقه والحال والمؤجل فيه سواء استحسانا لأن التأجيل لتأخير المطالبة وكذا إذا سرق زيادة على حقه لآنه بمقدار حقه يصير شريكا فيه "وإن سرق منه عروضا قطع" لأنه ليس له ولاية الاستيفاء منه إلا بيعا بالتراضي وعن أبي يوسف ﵀ أنه لا يقطع لأن له أن يأخذه عند بعض العلماء قضاء من حقه أو رهنا بحقه قلنا هذا قول لا يستند إلى دليل ظاهر فلا يعتبر بدون إتصال الدعوى به حتى لو ادعى ذلك درى ء عنه الحد لأنه ظن في موضع الخلاف ولو كان حقه دراهم فسرق منه دنانير قيل يقطع لأنه ليس له حق الأخذ وقيل لا يقطع لأن النقود جنس واحد. "ومن سرق عينا فيها فردها ثم عاد فسرقها وهي بحالها لم يقطع" والقياس أن يقطع وهو رواية عن أبي يوسف ﵀ وهو قول الشافعي ﵀ لقوله ﵊ "فإن عاد فاقطعوه" من غير فصل ولأن الثانية متكاملة كالأولى بل أقبح لتقدم الزاجر وصار كما إذا باعه المالك من السارق ثم اشتراه منه ثم كانت السرقة ولنا أن القطع أوجب سقوط عصمة المحل على ما يعرف من بعد إن شاء الله تعالى وبالرد إلى المالك إن عادت حقيقة العصمة بقيت شبهة السقوط نظرا إلى اتحاد الملك والمحل وقيل الموجب وهو القطع فيه بخلاف ما ذكر لأن الملك قد اختلف باختلاف سببه ولأن تكرار الجناية منه نادر لتحمله مشقة الزاجر فتعرى الإقامة عن المقصود وهو تقليل الجناية وصار كما إذا قذف المحدود في قذف المقذوف الأول قال: "فإن تغيرت عن حالها مثل أن يكون غزلا فسرقه وقطع فرده ثم نسج فعاد فسرقه قطع" لأن العين قد تبدلت ولهذا يملكه الغاصب به وهذا هو علامة التبدل في كل محل وإذا تبدلت انتفت الشبهة الناشئة من اتحاد المحل والقطع فيه فوجب القطع ثانيا والله أعلم بالصواب.

стр. 492

فصل في الحرز والأخذ منه "ومن سرق من أبويه أو ولده أو ذي رحم محرم منه لم يقطع" فالأول وهو الولاد للبسوطة في المال وفي الدخول في الحرز والثاني للمعنى الثاني ولهذا أباح الشرع النظر إلى مواضع الزينة الظاهرة منها بخلاف الصديقين لأنه عاداه بالسرقة وفي الثاني خلاف الشافعي ﵀ لأنه ألحقها بالقرابة البعيدة وقد بيناه في العتاق. "ولو سرق من بيت ذي رحم محرم متاع غيره ينبغي أن لا يقطع ولو سرق ماله من بيت غيره يقطع" اعتبارا للحرز وعدمه "وإن سرق من أمه من ا لرضاعة قطع "وعن

стр. 493

أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه لا يقطع لأنه يدخل عليها من غير استئذان وحشمة بخلاف الأخت من الرضاعة لانعدام هذا المعنى فيها عادة وجه الظاهر أنه لا قرابة والمحرمية بدونها لا تحترم كما إذا ثبتت بالزنا والتقبيل عن شهوة وأقرب من ذلك الأخت من الرضاعة وهذا لأن الرضاع قلما يشتهر فلا بسوطة تحرزا عن موقف التهمة بخلاف النسب. "وإذا سرق أحد الزوجين من الآخر أو العبد من سيده أو من امرأة سيده أو من زوج سيدته لم يقطع" لوجود الإذن بالدخول عادة وإن سرق أحد الزوجين من حرز الآخر خاصة لا يسكنان فيه فكذلك عندنا خلافا للشافعي ﵀ لبسوطة بينهما في الأموال عادة ودلالة وهو نظير الخلاف في الشهادة "ولو سرق المولى من مكاتبه لم يقطع" لأن له في أكسابه حقا "وكذلك السارق من الغنم" لأن له فيه نصيبا وهو مأثور عن علي رضي الله تعالى عنه درءا وتعليلا. قال: "والحرز على نوعين حرز لمعنى فيه كالبيوت والدور وحرز بالحافظ" قال العبد الضعيف احرز لا بد منه لأن الاستسرار لا يتحقق دونه ثم هو قد يكون بالمكان وهو المكان المعد لإحراز الأمتعة كالدور والبيوت والصندوق والحانوت وقد يكون بالحافظ كمن جلس في الطريق أو في المسجد وعنده متاعه فهو محرز به وقد قطع رسول الله ﷺ من سرق رداء صفوان من تحت رأسه وهو نائم في المسجد "وفي المحرز بالمكان لا يعتبر الإحراز بالحافظ" هو الصحيح لآنه محرز بدونه وهو البيت وإن لم يكن له باب أو كان وهو مفتوح حتى يقطع السارق منه لأن البناء لقصد الإحراز إلا أنه لا يجب القطع إلا بالإخراج منه لقيام يده فيه قبله بخلاف المحرز بالحافظ حيث يجب القطع فيه كما أخذ لزوال يد المالك بمجرد الأخذ فتتم السرقة ولا فرق بين أن يكون الحافظ مستيقظا أو نائما والمتاع تحته أو عنده هو الصحيح لأنه يعد النائم عند متاعه حافظا له في العادة وعلى هذا لا يضمن المودع والمستعير بمثله لأنه ليس له بتضييع بخلاف ما اختاره في الفتاوى. قال: "ومن سرق شيئا من حرز أو من غير حرز وصاحبه عنده يحفظه قطع" لأنه سرق مالا محرزا بأحد الحرزين "ولا قطع على من سرق مالا من حمام أو من بيت أذن للناس في دخوله فيه" لوجود الإذن عادة أو حقيقة في الدخول فاختل الحرز ويدخل في ذلك حوانيت التجار والخانات إلا إذا سرق منها ليلا لأنها بنيت لإحراز الأموال وإنما الإذن يختص بالنهار.

стр. 494

"ومن سرق من المسجد متاعا وصاحبه عنده قطع" لأنه محرز بالحافظ لأن المسجد ما بني لإحراز الأموال فلم يكن المال محرزا بالمكان بخلاف الحمام والبيت الذي أذن للناس في دخوله حيث لا يقطع لأنه بني للإحراز فكان المكان حرزا فلا يعتبر الإحراز بالحافظ "ولا قطع على الضيف إذا سرق ممن أضافه" لأن البيت لم يبق حرزا في حقه لكونه مأذونا في دخوله ولأنه بمنزلة أهل الدار فيكون فعله خيانة لا سرقة. "ومن سرق سرقة فلم يخرجها من الدار لم يقطع" لأن الدار كلها حرز واحد فلا بد من الإخراج منها ولأن الدار وما فيها في يد صاحبها معنى فتتمكن شبهة عدم الأخذ "فإن كانت دار فيها مقاصير فأخرجها من المقصورة إلى صحن الدار قطع" لأن كل مقصورة باعتبار ساكنها حرز على حدة "وإن أغار إنسان من أهل المقاصير على مقصورة فسرق منها قطع" لما بينا "وإذا نقب اللص البيت فدخل وأخذ المال وناوله آخر خارج البيت فلا قطع عليهما" لأن الأول لم يوجد منه الإخراج لاعتراض يد معتبرة على المال قبل خروجه والثاني لم يوجد منه هتك الحرز فلم تتم السرقة من كل واحد وعن أبي يوسف ﵀ إن أخرج الداخل يده وناولها الخارج فالقطع على الداخل وإن أدخل الخارج يده فتناولها من يد الداخل فعليهما القطع وهي بناء على مسئلة تأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى "وإن ألقاه في الطريق وخرج فأخده قطع" وقال زفر ﵀ لا يقطع لأن الإلقاء غير موجب للقطع كما لو خرج ولم يأخذ وكذا الأخذ من السكة كما لو أخذه غيره ولنا أن الرمي حيلة يعتادها السراق لتعذر الخروج مع المتاع أو ليتفرغ لقتال صاحب الدار أو للفرار ولم تعترض عليه يد معتبرة فاعتبر الكل فعلا واحدا فإذا خرج ولم يأخذه فهو مضيع لا سارق. قال: "وكذلك إن حمله على حمار فساقه وأخرجه" لأن سيره مضاف إليه لسوقه "وإذا دخل الحرز جماعة فتولى بعضهم الأخذ قطعوا جميعا" قال العبد الضعيف ﵀ هذا استحسان والقياس أن يقطع الحامل وحده وهو قول زفر ﵀ لأن الإخراج وجد منه فتمت السرقة به ولنا أن الإخراج من الكل معنى للمعاونة كما في السرقة الكبرى وهذا لأن المعتاد فيما بينهم أن يحمل البعض المتاع ويتشمر الباقون للدفع فلو امتنع القطع لأدى إلى سد باب الحد. قال: "ومن نقب البيت وأدخل يده فيه وأخذ شيئا لم يقطع" وعن أبي يوسف ﵀ في الإملاء أنه يقطع لأنه أخرج المال من الحرز وهو المقصود فلا يشترط الدخول فيه كما إذا أدخل يده في صندوق الصيرفي فأخرج الغطريفي ولنا أن هتك الحرز يشترط فيه الكمال

стр. 495

تحرزا عن شبهة العدم والكمال في الدخول وقد أمكن اعتباره والدخول هو المعتاد بخلاف الصندوق لأن الممكن فيه إدخال اليد دون الدخول وبخلاف ما تقدم من حمل البعض المتاع لأن ذلك هو المعتاد. قال: "وإن طر صرة خارجة من الكم لم يقطع وإن أدخل يده في الكم يقطع" لأن في الوجه الأول الرباط من خارج فبالطر يتحقق الأخذ من الظاهر فلا يوجد هتك الحرز وفي الثاني الرباط من داخل فبالطر يتحقق الأخذ من الحرز وهو الكم ولو كان مكان الطر حل الرباط ثم الأخذ في الوجهين ينعكس الجواب لانعكاس العلة وعن أبي يوسف ﵀ أنه يقطع على كل حال لأنه محرز إما بالكم أو بصاحبه. قلنا الحرز هو الكم لأنه يعتمده وإنما قصده قطع المسافة والاستراحة فأشبه الجوالق "وإن سرق من القطار بعيرا أو حملا لم يقطع" لأنه ليس بمحرز مقصودا فتتمكن شبهة العدم وهذا لأن السائق والقائد والراكب يقصدون قطع المسافة ونقل الأمتعة دون الحفظ حتى لو كان مع الأحمال من يتبعها للحفظ قالوا يقطع "وإن شق الجمل وأخذ منه قطع" لأن الجوالق في مثل هذا حرز لأنه يقصد بوضع الأمتعة فيه صيانتها كالكم فوجد الأخذ من الحرز فيقطع "وإن سرق جوالقا فيه متاع وصاحبه يحفظه ونائم عليه قطع" ومعناه إذا كان الجوالق في موضع هو ليس بحرز كالطريق ونحوه حتى يكون محرزا بصاحبه لكونه مترصدا لحفظه وهذا لأن المعتبر هو الحفظ المعتاد والجلوس عنده والنوم عليه يعد حفظا عادة وكذا النوم بقرب منه على ما اخترناه من قبل وذكر في بعض النسخ وصاحبه نائم عليه أو حيث يكون حافظا له وهذا يؤكد ما قدمناه من القول المختار والله أعلم بالصواب.
следующие страницы →