Полный текст (1 246 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
يكون غصبا في يده فلا يأمر فيه بالإنفاف وإنما يأمر به في الوديعة فلا بد من البينة لكشف الحال وليست البينة تقام للقضاء وإن قال لا بينة لي يقول القاضي له أنفق عليه إن كنت صادقا فيما قلت حتى ترجع على المالك إن كان صادقا ولا يرجع إن كان غاصبا وقوله في الكتاب وجعل النفقة دينا على صاحبها إشارة إلى أنه إنما يرجع على المالك بعد ما حضر ولم تبع اللقطة إذا شرط القاضي الرجوع على المالك وهذه رواية وهو الأصح.
قال: "وإذا حضر" يعني "المالك فللملتقط أن يمنعها منه حتى يحضر النفقة" لأنه حي بنفقته فصار كأنه استفاد الملك من جهته فأشبه المبيع وأقرب من ذلك راد الآبق فإن له الحبس لاستيفاء الجعل لما ذكرنا ثم لا يسقط دين النفقة بهلاكه في يد الملتقط قبل الحبس ويسقط إذا هلك بعد الحبس لأنه يصير بالحبس شبيه الرهن.
قال: "ولقطة الحل والحرم سواء" وقال الشافعي يجب التعريف في لقطة الحرم إلى أن يجيء صاحبها لقوله ﵊ في الحرم "ولا يحل لقطتها إلا لمنشد" ولنا قوله ﵊ "اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة" من غير فصل ولأنها لقطة وفي التصدق بعد مدة التعريف إبقاء ملك المالك من وجه فيملكه كما في سائرها وتأويل ما روي أنه لا يحل الالتقاط إلا للتعريف والتخصيص بالحرم لبيان أنه لا يسقط التعريف فيه لمكان أنه للغرباء ظاهرا.
قال: "وإذا حضر رجل فادعى اللقطة لم ندفع إليه حتى يقيم البينة فإن أعطى علامتها حل للملتقط أن يدفعها إليه ولا يجبر على ذلك في القضاء" وقال مالك والشافعي يجبر والعلامة مثل أن يسمي وزن الدراهم وعددها ووكاءها ووعاءها لهما أن صاحب اليد ينازعه في اليد ولا ينازعه في الملك فيشترط الوصف لوجود المنازعة من وجه ولا تشترط إقامة البينة لعدم المنازعة من وجه ولنا أن اليد حق مقصود كالملك فلا يستحق إلا بحجة وهو البينة اعتبارا بالملك إلا أنه يحل له الدفع عند إصابة العلامة لقوله ﵊ "فإن جاء صاحبها وعرف عفاصها وعددها فادفعها إليه" وهذا للإباحة عملا بالمشهور وهو قوله ﵊ "البينة على المدعي" الحديث ويأخذ منه كفيلا إذا كان يدفعها إليه استيثاقا وهذا بلا خلاف لأنه يأخذ الكفيل لنفسه بخلاف التكفيل لوارث غائب عنده وإذا صدق قيل لا يجبر على الدفع كالوكيل بقبض الوديعة إذا صدقه وقيل يجبر لأن المالك ههنا غير ظاهر والمودع مالك ظاهر.
"ولا يتصدق باللقطة على غني" لأن المأمور به هو التصدق لقوله عليه الصلاة
стр. 562
والسلام: "فإن لم يأت" يعني صاحبها "فليتصدق به" والصدقة لا تكون على غني فأشبه الصدقة المفروضة "وإن كان الملتقط غنيا لم يجز له أن ينتفع بها" وقال الشافعي ﵀ يجوز لقوله ﵊ في حديث أبي ﵁ "فإن جاء صاحبها فادفعها إليه وإلا فانتفع بها" وكان من المياسير ولأنه إنما يباح للفقير حملا له على رفعها صيانة لها والغني يشاركه فيه ولنا أنه مال الغير فلا يباح الانتفاع به إلا برضاه لإطلاق النصوص والإباحة للفقير لما رويناه أو بالإجماع فيبقى ما وراءه على الأصلي والغني محمول على الأخذ لاحتمال افتقاره في مدة التعريف والفقير قد يتوانى لاحتمال استغنائه فيها وانتفاع أبي ﵁ كان بإذن الإمام وهو جائز بإذنه "وإن كان الملتقط فقيرا فلا بأس بأن ينتفع بها" لما فيه من تحقيق النظر من الجانبين ولهذا جاز الدفع إلى فقير غيره "وكذا إذا كان الفقير أباه أو ابنه أو زوجته وإن كان هو غنيا" لما ذكرنا والله أعلم.
стр. 563
كتاب الإباق
"الآبق أخذه أفضل في حق من يقوى عليه" لما فيه من إحيائه وأما الضال فقد قيل كذلك وقد قيل تركه أفضل لأنه لا يبرح مكانه فيجده المالك ولا كذلك الآبق ثم آخذ الآبق يأتي به إلى السلطان لأنه لا يقدر على حفظه بنفسه بخلاف اللقطة ثم إذا رفع الآبق إليه يحبسه ولو رفع الضال لا يحبسه لأنه لا يؤمن على الآبق الإباق ثانيا بخلاف الضال.
قال: "ومن رد آبقا على مولاه من مسيرة ثلاثة أيام فصاعدا فله عليه جعله أربعون درهما وإن رده لأقل من ذلك فبحسابه" وهذا استحسان والقياس أن لا يكون له شيء إلا بالشرط وهو قول الشافعي ﵀ لأنه متبرع بمنافعه فأشبه العبد الضال.
ولنا أن الصحابة رضوان الله عليهم اتفقوا على وجوب أصل الجعل إلا أن منهم من أوجب أربعين ومنه من أوجب ما دونها فأوجبنا الأربعين في مسيرة السفر وما دونها فيما دونه توفيقا وتلفيقا بينهما ولأن إيجاب الجعل أصله حامل على الرد إذ الحسبة نادرة فتحصل صيانة أموال الناس والتقدير بالسمع ولا سمع في الضال فامتنع ولأن الحاجة إلى صيانة الضال دونها إلى صيانة الآبق لأنه لا يتوارى والآبق يختفي ويقدر الرضخ في الرد عما دون السفر باصطلاحهما أو يفوض إلى رأي القاضي وقيل تقسم الأربعون على الأيام الثلاثة إذ هي أقل مدة السفر.
قال: "وإن كانت قيمته أقل من أربعين يقضى له بقيمته إلا درهما" قال ﵁ وهذا قول محمد ﵀ وقال أبو يوسف ﵀ له أربعون درهما لأن التقدير بها ثبت بالنص فلا ينقص عنها ولهذا لا يجوز الصلح على الزيادة بخلاف الصلح على الأقل لأنه حط منه ولمحمد ﵀ أن المقصود حمل الغير على الرد ليحيا مال المالك فينقص درهم ليسلم له شيء تحقيقا للفائدة وأم الولد والمدبر في هذا بمنزلة القن إذا كان الرد في حياة المولى لما فيه من إحياء ملكه ولو رد بعد مماته لا جعل فيهما لأنهما يعتقان بالموت بخلاف القن ولو كان الراد أبا المولى أو ابنه وهو في عياله أو أحد الزوجين على الآخر فلا جعل لأن هؤلاء يتبرعون بالرد عادة ولا يتناولهم إطلاق الكتاب.
стр. 564
قال: "وإن أبق من الذي رده فلا شيء عليه" لأنه أمانة في يده لكن هذا إذا أشهد وقد ذكرناه في اللقطة.
قال ﵁: وذكر في بعض النسخ أنه لا شيء له وهو صحيح أيضا لأنه في معنى البائع من المالك ولهذا كان له أن يحبس الآبق حتى يستوفي الجعل بمنزلة البائع يحبس المبيع لاستيفاء الثمن وكذا إذا مات في يده لا شيء عليه لما قلنا.
قال: "ولو أعتقه المولى كما لقيه صار قابضا بالإعتاق" كما في العبد المشترى وكذا إذا باعه من الراد لسلامة البدل له والرد وإن كان له حكم البيع لكنه بيع من وجه فلا يدخل تحت النهي الوارد عن بيع مالم يقبض فجاز.
قال: "وينبغي إذا أخذه أن يشهد أنه يأخذه ليرده" فالإشهاد حتم فيه عليه على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله حتى لو رده من لم يشهد وقت الأخذ لا جعل له عندهما لأن ترك الإشهاد أمارة أنه أخذه لنفسه وصار كما إذا اشتراه من الآخذ أو أتهبه أو ورثه فرده على مولاه لا جعل له لأنه رده لنفسه إلا إذا أشهد أنه اشتراه ليرده فيكون له الجعل وهو متبرع في أداء الثمن "وإن كان الآبق رهنا فالجعل على المرتهن" لأنه أحيا ماليته بالرد وهي حقه إذ الاستيفاء منها والجعل بمقابلة إحياء المالية فيكون عليه والرد في حياة الراهن وبعده سواء لأن الرهن لا يبطل بالموت وهذا إذا كانت قيمته مثل الدين أو أقل منه فإن كانت أكثر فبقدر الدين عليه والباقي على الراهن لأن حقه بالقدر المضمون فصار كثمن الدواء وتخليصه عن الجناية بالفداء وإن كان مديونا فعلى المولى إن اختار قضاء الدين وإن بيع بدئ بالجعل والباقي للغرماء لأنه مؤنة الملك والملك فيه كالموقوف فتجب على من يستقر له وإن كان جانيا فعلى المولى إن اختار الفداء لعود المنفعة إليه وعلى الأولياء إن اختار الدفع لعودها إليهم وإن كان موهوبا فعلى الموهوب له وإن رجع الواهب في هبته بعد الرد لأن المنفعة للواهب ما حصلت بالرد بل بترك الموهوب له التصرف فيه بعد الرد وإن كان لصبي فالجعل في ماله لأنه مؤنة ملكه وإن رده وصيه فلا جعل له لأنه هو الذي يتولى الرد فيه والله أعلم بالصواب.
стр. 565
كتاب المفقود
"إذا غاب الرجل فلم يعرف له موضع ولا يعلم أحي هو أم ميت نصب القاضي من يحفظ ماله ويقوم عليه ويستوفي حقه" لأن القاضي نصب ناظرا لكل عاجز عن النظر لنفسه والمفقود بهذه الصفة وصار كالصبي والمجنون وفي نصب الحافظ لماله والقائم عليه نظر له وقوله يستوفي حقه لإخفاء أنه يقبض غلاته والدين الذي أقر به غريم من غرمائه لأنه من باب الحفظ ويخاصم في دين وجب بعقده لأنه أصيل في حقوقه ولا يخاصم في الذي تولاه المفقود ولا في نصيب له في عقار أو عروض في يد رجل لأنه ليس بمالك ولا نائب عنه إنما هو وكيل بالقبض من جهة القاضي وأنه لا يملك الخصومة بلا خلاف إنما الخلاف في الوكيل بالقبض من جهة المالك في الدين وإذا كان كذلك يتضمن الحكم به قضاء على الغائب وأنه لا يجوز إلا إذا رآه القاضي وقضى به لأنه مجتهد فيه ثم ما كان يخاف عليه الفساد يبيعه القاضي لأنه تعذر عليه حفظ صورته ومعناه فينظر له بحفظ المعنى.
"ولا يبيع مالا يخاف عليه الفساد في نفقة ولا غيرها" لأنه لا ولاية له على الغائب إلا في حفظ ماله فلا يسوغ له ترك حفظ الصورة وهو ممكن.
قال: "وينفق على زوجته وأولاده من ماله" وليس هذا الحكم مقصورا على الأولاد بل يعم جميع قرابة الأولاد والأصل أن كل من يستحق النفقة في ماله حال حضرته بغير قضاء القاضي ينفق عليه من ماله عند غيبته لأن القضاء حينئذ يكون إعانة وكل من لا يستحقها في حضرته إلا بالقضاء لا ينفق عليه من ماله في غيبته لأن النفقة حينئذ تجب بالقضاء والقضاء على الغائب ممتنع فمن الأول الأولاد الصغار والإناث من الكبار والزمنى من الذكور الكبار ومن الثاني الأخ والأخت والخال والخالة.
وقوله: من ماله مراده الدراهم والدنانير لأن حقهم في المطعوم والملبوس فإذا لم يكن ذلك في ماله يحتاج إلى القضاء بالقيمة وهي النقدان والتبر بمنزلتهما في هذا الحكم لأنه يصلح قيمة كالمضروب وهذا إذا كانت في يد القاضي فإن كانت وديعة أو دينا ينفق عليهم منهما إذا كان المودع والمديون مقرين بالدين والوديعة والنكاح والنسب وهذا إذا لم
стр. 566
يكونا ظاهرين عند القاضي فإن كانا ظاهرين فلا حاجة إلى الإقرار وإن كان أحدهما ظاهر الوديعة والدين أو النكاح والنسب يشترط الإقرار بما ليس بظاهر هذا هو الصحيح فإن دفع المودع بنفسه أو من عليه الدين بغير أمر القاضي يضمن المودع ولا يبرأ المديون لأنه ما أدى إلى صاحب الحق ولا إلى نائبه بخلاف ما إذا دفع بأمر القاضي لأن القاضي نائب عنه وإن كان المودع و المديون جاحدين أصلا أو كانا جاحدين الزوجية والنسب لم ينتصب أحد من مستحقي النفقة خصما في ذلك لأن ما يدعيه للغائب لم يتعين سببا لثبوت حقه وهو النفقة لأنها كما تجب في هذا المال تجب في مال آخر للمفقود.
قال: "ولا يفرق بينه وبين امرأته" وقال مالك إذا مضى أربع سنين يفرق القاضي بينه وبين امرأته وتعتد عدة الوفاة ثم تتزوج من شاءت لأن عمر ﵁ هكذا قضى في الذي استهواه الجن بالمدينة وكفى به إماما ولأنه منع حقها بالغيبة فيفرق القاضي بينهما بعد مضي مدة اعتبارا بالإيلاء والعنة وبعد هذا الاعتبار أخذ المقدار منهما الأربع من الإيلاء والسنين من العنة عملا بالشبهين ولنا قوله ﷺ في امرأة المفقود: "إنها امرأته حتى يأتيها البيان" وقول علي ﵁ فيها هي امرأة ابتليت فلتصبر حتى يستبين موت أو طلاق خرج بيانا للبيان المذكور في المرفوع ولأن النكاح عرف ثبوته والغيبة لا توجب الفرقة والموت في حيز الاحتمال فلا يزال النكاح بالشك وعمر ﵁ رجع إلى قول علي ﵁ ولا معتبر بالإيلاء لأنه كان طلاقا معجلا فاعتبر في الشرع مؤجلا فكان موجبا للفرقة ولا بالعنة لأن الغيبة تعقب العودة والعنة قلما تنحل بعد استمرارها سنة.
قال: "وإذا تم له مائة وعشرون سنة من يوم ولد حكمنا بموته" قال ﵁:
وهذه رواية الحسن عن أبي حنيفة وفي ظاهر المذهب يقدر بموت الأقران وفي المروي عن أبي يوسف بمائة سنة وقدره بعضهم بتسعين والأقيس أن لا يقدر بشيء والأرفق أن يقدر بتسعين وإذا حكم بموته اعتدت امرأته عدة الوفاة من ذلك الوقت "ويقسم ماله بين ورثته الموجودين في ذلك الوقت" كأنه مات في ذلك الوقت معاينة إذ الحكمي معتبر بالحقيقي "ومن مات قبل ذلك لم يرث منه" لأنه لم يحكم بموته فيها فصار كما إذا كانت حياته معلومة "ولا يرث المفقود أحدا مات في حال فقده" لأن بقاءه حيا في ذلك الوقت باستصحاب الحال وهو لا يصلح حجة في الاستحقاق "وكذلك لو أوصى المفقود ومات الموصي" ثم الأصل أنه لو كان مع المفقود وارث لا يحجب به ولكنه ينتقص حقه به يعطي أقل النصيبين ويوقف الباقي وإن كان معه وارث يحجب به لا يعطى أصلا.
стр. 567
بيانه: رجل مات عن ابنتين وابن مفقود وابن ابن وبنت ابن والمال في يد الأجنبي وتصادقوا على فقد الابن وطلبت الابنتان الميراث تعطيان النصف لأنه متيقن به ويوقف النصف الآخر ولا يعطى ولد الابن لأنهم يحجبون بالمفقود ولو كان حيا فلا يستحقون الميراث بالشك "ولا ينزع من يد الأجنبي إلا إذا ظهرت منه خيانة" ونظير هذا الحمل فإنه يوقف له ميراث ابن واحد على ما عليه الفتوى ولو كان معه وارث آخر إن كان لا يسقط بحال ولا يتغير بالحمل يعطى كل نصيبه وإن كان ممن يسقط بالحمل لا يعطى وإن كان ممن يتغير به يعطى الأقل للتيقن به كما في المفقود وقد شرحناه في كفاية المنتهى بأتم من هذا والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
تم الجزء الثاني، ويليه الجزء الثالث
وأوله
كتاب الشركة
стр. 568
من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين
"حديث شريف"
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الشركة
"الشركة جائزة" لأنه ﷺ بعث والناس يتعاملون بها فقررهم عليه.
قال: "الشركة ضربان: شركة أملاك، وشركة عقود. فشركة الأملاك: العين يرثها رجلان أو يشتريانها فلا يجوز لأحدهما أن يتصرف في نصيب الآخر إلا بإذنه، وكل منهما في نصيب صاحبه كالأجنبي" وهذه الشركة تتحقق في غير المذكور في الكتاب كما إذا اتهب رجلان عينا أو ملكاها بالاستيلاء أو اختلط مالهما من غير صنع أحدهما أو بخلطهما خلطا يمنع التمييز رأسا أو إلا بحرج، ويجوز بيع أحدهما نصيبه من شريكه في جميع الصور ومن غير شريكه بغير إذنه إلا في صورة الخلط والاختلاط فإنه لا يجوز إلا بإذنه، وقد بينا الفرق في كفاية المنتهى.
"والضرب الثاني: شركة العقود، وركنها الإيجاب والقبول، وهو أن يقول أحدهما شاركتك في كذا وكذا ويقول الآخر قبلت" وشرطه: أن يكون التصرف المعقود عليه عقد الشركة قابلا للوكالة ليكون ما يستفاد بالتصرف مشتركا بينهما فيتحقق حكمه المطلوب منه "ثم هي أربعة أوجه: مفاوضة، وعنان، وشركة الصنائع، وشركة الوجوه. فأما شركة المفاوضة فهي أن يشترك الرجلان فيتساويان في مالهما وتصرفهما ودينهما" لأنها شركة عامة في جميع التجارات يفوض كل واحد منهما أمر الشركة إلى صاحبه على الإطلاق إذ هي من المساواة، قال قائلهم:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم … ولا سراة إذا جهالهم سادوا
أي متساويين. فلا بد من تحقيق المساواة ابتداء وانتهاء وذلك في المال، والمراد به ما تصح الشركة فيه، ولا يعتبر التفاضل فيما لا يصح الشركة فيه، وكذا في التصرف، لأنه لو ملك أحدهما تصرفا لا يملك الآخر لفات التساوي، وكذلك في الدين لما نبين إن شاء الله تعالى، وهذه الشركة جائزة عندنا استحسانا. وفي القياس لا تجوز، وهو قول
стр. 569
الشافعي. وقال مالك: لا أعرف ما المفاوضة. وجه القياس أنها تضمنت الوكالة بمجهول الجنس والكفالة بمجهول، وكل ذلك بانفراده فاسد. وجه الاستحسان قوله ﷺ "فاوضوا فإنه أعظم للبركة" وكذا الناس يعاملونها من غير نكير وبه يترك القياس والجهالة متحملة تبعا كما في المضاربة "ولا تنعقد إلا بلفظة المفاوضة" لبعد شرائطها عن علم العوام، حتى لو بينا جميع ما تقتضيه تجوز لأن المعتبر هو المعنى.
قال: "فتجوز بين الحرين الكبيرين مسلمين أو ذميين لتحقق التساوي، وإن كان أحدهما كتابيا والآخر مجوسيا تجوز أيضا" لما قلنا "ولا تجوز بين الحر والمملوك ولا بين الصبي والبالغ" لانعدام المساواة، لأن الحر البالغ يملك التصرف والكفالة، والمملوك لا يملك واحدا منهما إلا بإذن المولى، والصبي لا يملك الكفالة ولا يملك التصرف إلا بإذن الولي.
قال: "ولا بين المسلم والكافر" وهذا قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: يجوز للتساوي بينهما في الوكالة والكفالة، ولا معتبر بزيادة تصرف يملكه أحدهما كالمفاوضة بين الشفعوي والحنفي فإنها جائزة. ويتفاوتان في التصرف في متروك التسمية، إلا أنه يكره لأن الذمي لا يهتدي إلى الجائز من العقود. ولهما أنه لا تساوي في التصرف، فإن الذمي لو اشترى برأس المال خمورا أو خنازير صح، ولو اشتراها مسلم لا يصح "ولا يجوز بين العبدين ولا بين الصبيين ولا بين المكاتبين" لانعدام صحة الكفالة، وفي كل موضع لم تصح المفاوضة لفقد شرطها، ولا يشترط ذلك في العنان كان عنانا لاستجماع شرائط العنان، إذ هو قد يكون خاصا وقد يكون عاما.
قال: "وتنعقد على الوكالة والكفالة" أما الوكالة فلتحقق المقصود وهو الشركة في المال على ما بيناه، وأما الكفالة: فلتحقق المساواة فيما هو من مواجب التجارات وهو توجه المطالبة نحوهما جميعا.
قال: "وما يشتريه كل واحد منهما يكون على الشركة إلا طعام أهله وكسوتهم" وكذا كسوته، وكذا الإدام لأن مقتضى العقد المساواة، وكل واحد منهما قائم مقام صاحبه في التصرف، وكان شراء أحدهما كشرائهما، إلا ما استثناه في الكتاب، وهو استحسان لأنه مستثنى عن المفاوضة للضرورة، فإن الحاجة الراتبة معلومة الوقوع، ولا يمكن إيجابه على صاحبه ولا التصرف من ماله، ولا بد من الشراء فيختص به ضرورة. والقياس أن يكون على الشركة لما بينا "وللبائع أن يأخذ بالثمن أيهما شاء" المشتري بالأصالة وصاحبه بالكفالة
стр. 570
ويرجع الكفيل على المشتري بحصته مما أدى لأنه قضى دينا عليه من مال مشترك بينهما.
قال "وما يلزم كل واحد منهما من الديون بدلا عما يصح فيه الاشتراك فالآخر ضامن له" تحقيقا للمساواة، فمما يصح الاشتراك فيه الشراء والبيع والاستئجار، ومن القسم الآخر الجناية والنكاح والخلع والصلح عن دم العمد وعن النفقة.
قال "ولو كفل أحدهما بمال عن أجنبي لزم صاحبه عند أبي حنيفة، وقالا: لا يلزمه" لأنه تبرع، ولهذا لا يصح من الصبي والعبد المأذون والمكاتب، ولو صدر من المريض يصح من الثلث وصار كالإقراض والكفالة بالنفس. ولأبي حنيفة أنه تبرع ابتداء ومعاوضة بقاء لأنه يستوجب الضمان بما يؤدي على المكفول عنه إذا كانت الكفالة بأمره، فبالنظر إلى البقاء تتضمنه المفاوضة، وبالنظر إلى الابتداء لم تصح ممن ذكره وتصح من الثلث من المريض، بخلاف الكفالة بالنفس لأنها تبرع ابتداء وانتهاء. وأما الإقراض فعن أبي حنيفة أنه يلزم صاحبه، ولو سلم فهو إعارة فيكون لمثلها حكم عينها لا حكم البدل حتى لا يصح فيه الأجل فلا يتحقق معاوضة، ولو كانت الكفالة بغير أمره لم تلزم صاحبه في الصحيح لانعدام معنى المفاوضة. ومطلق الجواب في الكتاب محمول على المقيد، وضمان الغصب والاستهلاك بمنزلة الكفالة عند أبي حنيفة لأنه معاوضة انتهاء.
قال "وإن ورث أحدهما ما لا يصح فيه الشركة أو وهب له ووصل إلى يده بطلت المفاوضة وصارت عنانا" لفوات المساواة فيما يصلح رأس المال إذ هي شرط فيه ابتداء وبقاء، وهذا لأن الآخر لا يشاركه فيما أصابه لانعدام السبب في حقه، إلا أنها تنقلب عنانا للإمكان، فإن المساواة ليست بشرط فيه، ولدوامه حكم الابتداء لكونه غير لازم "وإن ورث أحدهما عرضا فهو له ولا تفسد المفاوضة" وكذا العقار لأنه لا تصح فيه الشركة فلا تشترط المساواة فيه.
стр. 571
فصل: "ولا تنعقد الشركة إلا بالدراهم والدنانير والفلوس النافقة"
وقال مالك: تجوز بالعروض والمكيل والموزون أيضا إذا كان الجنس واحدا؛ لأنها عقدت على رأس مال معلوم فأشبه النقود، بخلاف المضاربة لأن القياس يأباها لما فيها من ربح ما لم يضمن. فيقتصر على مورد الشرع. ولنا أنه يؤدي إلى ربح ما لم يضمن؛ لأنه إذا باع كل واحد منهما رأس ماله وتفاضل الثمنان فما يستحقه أحدهما من الزيادة في مال صاحبه ربح ما لم
стр. 572
يملك وما لم يضمن، بخلاف الدراهم والدنانير لأن ثمن ما يشتريه في ذمته إذ هي لا تتعين فكان ربح ما يضمن، ولأن أول التصرف في العروض البيع وفي النقود الشراء، وبيع أحدهما ماله على أن يكون الآخر شريكا في ثمنه لا يجوز، وشراء أحدهما شيئا بماله على أن يكون المبيع بينه وبين غيره جائز. وأما الفلوس النافقة فلأنها تروج رواج الأثمان فالتحقت بها. قالوا: هذا قول محمد لأنها ملحقة بالنقود عنده حتى لا تتعين بالتعيين، ولا يجوز بيع اثنين بواحد بأعيانها على ما عرف، أما عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى لا تجوز الشركة والمضاربة بها لأن ثمنيتها تتبدل ساعة فساعة وتصير سلعة. وروي عن أبي يوسف مثل قول محمد، والأول أقيس وأظهر، وعن أبي حنيفة صحة المضاربة بها.
قال: "ولا تجوز الشركة بما سوى ذلك إلا أن يتعامل الناس بالتبر" والنقرة فتصح الشركة بهما، هكذا ذكر في الكتاب "وفي الجامع الصغير: ولا تكون المفاوضة بمثاقيل ذهب أو فضة" ومراده التبر، فعلى هذه الرواية التبر سلعة تتعين بالتعيين فلا تصلح رأس المال في المضاربات والشركات. وذكر في كتاب الصرف أن النقرة لا تتعين بالتعيين حتى لا ينفسخ العقد بها بهلاكه قبل التسليم، فعلى تلك الرواية تصلح رأس المال فيهما، وهذا لما عرف أنهما خلقا ثمنين في الأصل، إلا أن الأول أصح؛ لأنها وإن خلقت للتجارة في الأصل لكن الثمنية تختص بالضرب المخصوص؛ لأن عند ذلك لا تصرف إلى شيء آخر ظاهرا إلا أن يجري التعامل باستعمالهما ثمنا فنزل التعامل بمنزلة الضرب فيكون ثمنا ويصلح رأس المال. ثم قوله ولا تجوز بما سوى ذلك يتناول المكيل والموزون والعددي المتقارب، ولا خلاف فيه بيننا قبل الخلط، ولكل واحد منهما ربح متاعه وعليه وضيعته، وإن خلطا ثم اشتركا فكذلك في قول أبي يوسف، والشركة شركة ملك لا شركة عقد. وعند محمد تصح شركة العقد. وثمرة الاختلاف تظهر عند التساوي في المالين واشتراط التفاضل في الربح، فظاهر الرواية ما قاله أبو يوسف ﵀ لأنه يتعين بالتعيين بعد الخلط كما تعين قبله. ولمحمد أنها ثمن من وجه حتى جاز البيع بها دينا في الذمة. ومبيع من حيث إنه يتعين بالتعيين، فعملنا بالشبهين بالإضافة إلى الحالين، بخلاف العروض؛ لأنها ليست ثمنا بحال ولو اختلفا جنسا كالحنطة والشعير والزيت والسمن فخلطا لا تنعقد الشركة بها بالاتفاق. والفرق لمحمد أن المخلوط من جنس واحد من ذوات الأمثال، ومن جنسين من ذوات القيم فتتمكن الجهالة كما في العروض، وإذا لم تصح الشركة فحكم الخلط قد بيناه في كتاب القضاء.
стр. 573
قال: "وإذا أراد الشركة بالعروض باع كل واحد منهما نصف ماله بنصف مال الآخر، ثم عقد الشركة" قال ﵁: "وهذه الشركة ملك" لما بينا أن العروض لا تصلح رأس مال الشركة، وتأويله إذا كان قيمة متاعهما على السواء، ولو كان بينهما تفاوت يبيع صاحب الأقل بقدر ما تثبت به الشركة.
قال: "وأما شركة العنان فتنعقد على الوكالة دون الكفالة، وهي أن يشترك اثنان في نوع بر أو طعام، أو يشتركان في عموم التجارات ولا يذكران الكفالة"، وانعقاده على الوكالة لتحقق مقصوده كما بيناه، ولا تنعقد على الكفالة؛ لأن اللفظ مشتق من الأعراض يقال عن له: أي عرض، وهذا لا ينبئ عن الكفالة وحكم التصرف لا يثبت بخلاف مقتضى اللفظ. "ويصح التفاضل في المال" للحاجة إليه وليس من قضية اللفظ المساواة. "ويصح أن يتساويا في المال ويتفاضلا في الربح" وقال زفر والشافعي: لا تجوز لأن التفاضل فيه يؤدي إلى ربح ما لم يضمن، فإن المال إذا كان نصفين والربح أثلاثا فصاحب الزيادة يستحقها بلا ضمان، إذ الضمان بقدر رأس المال، ولأن الشركة عندهما في الربح للشركة في الأصل، ولهذا يشترطان الخلط، فصار ربح المال بمنزلة نماء الأعيان فيستحق بقدر الملك في الأصل. ولنا قوله ﵌: "الربح على ما شرطا، والوضيعة على قدر المالين" ولم يفصل، ولأن الربح كما يستحق بالمال يستحق بالعمل كما في المضاربة؛ وقد يكون أحدهما أحذق وأهدى وأكثر عملا وأقوى فلا يرضى بالمساواة فمست الحاجة إلى التفاضل، بخلاف اشتراط جميع الربح لأحدهما لأنه يخرج العقد به من الشركة ومن المضاربة أيضا إلى قرض باشتراطه للعامل أو إلى بضاعة باشتراطه لرب المال، وهذا العقد يشبه المضاربة من حيث إنه يعمل في مال الشريك، ويشبه الشركة اسما وعملا فإنهما يعملان فعملنا بشبه المضاربة. وقلنا: يصح اشتراط الربح من غير ضمان ويشبه الشركة حتى لا تبطل باشتراط العمل عليها.
قال: "ويجوز أن يعقدها كل واحد منهما ببعض ماله دون البعض" لأن المساواة في المال ليست بشرط فيه إذ اللفظ لا يقتضيه "ولا يصح إلا بما بينا" أن المفاوضة تصح به للوجه الذي ذكرناه "ويجوز أن يشتركا ومن جهة أحدهما دنانير ومن الآخر دراهم، وكذا من أحدهما دراهم بيض ومن الآخر سود" وقال زفر والشافعي: لا يجوز، وهذا بناء على اشتراط الخلط وعدمه فإن عندهما شرط ولا يتحقق ذلك في مختلفي الجنس، وسنبينه من بعد إن شاء الله تعالى.
стр. 574
قال: "وما اشتراه كل واحد منهما للشركة طولب بثمنه دون الآخر لما بينا" أنه يتضمن الوكالة دون الكفالة، والوكيل هو الأصل في الحقوق.
قال: "ثم يرجع على شريكه بحصته منه" معناه إذا أدى من مال نفسه؛ لأنه وكيل من جهته في حصته فإذا نقد من مال نفسه رجع عليه، فإن كان لا يعرف ذلك إلا بقوله فعليه الحجة؛ لأنه يدعي وجوب المال في ذمة الآخر وهو ينكر، والقول للمنكر مع يمينه.
قال: "وإذا هلك مال الشركة أو أحد المالين قبل أن يشتريا شيئا بطلت الشركة" لأن المعقود عليه في عقد الشركة المال، فإنه يتعين فيه كما في الهبة والوصية، وبهلاك المعقود عليه يبطل العقد كما في البيع، بخلاف المضاربة والوكالة المفردة؛ لأنه لا يتعين الثمنان فيهما بالتعيين، وإنما يتعينان بالقبض على ما عرف، وهذا ظاهر فيما إذا هلك المالان، وكذا إذا هلك أحدهما؛ لأنه ما رضي بشركة صاحبه في ماله إلا ليشركه في ماله، فإذا فات ذلك لم يكن راضيا بشركته فيبطل العقد لعدم فائدته، وأيهما هلك هلك من مال صاحبه؛ إن هلك في يده فظاهر، وكذا إذا كان هلك في يد الآخر لأنه أمانة في يده، بخلاف ما بعد الخلط حيث يهلك على الشركة؛ لأنه لا يتميز فيجعل الهالك من المالين. "وإن اشترى أحدهما بماله وهلك مال الآخر قبل الشراء فالمشترى بينهما على ما شرطا" لأن الملك حين وقع وقع مشتركا بينهما لقيام الشركة وقت الشراء فلا يتغير الحكم بهلاك مال الآخر بعد ذلك، ثم الشركة شركة عقد عند محمد خلافا للحسن بن زياد، حتى إن أيهما باع جاز بيعه؛ لأن الشركة قد تمت في المشترى فلا ينتقض بهلاك المال بعد تمامها.
قال: "ويرجع على شريكه بحصة من ثمنه" لأنه اشترى نصفه بوكالته ونقد الثمن من مال نفسه وقد بيناه، هذا إذا اشترى أحدهما بأحد المالين أولا ثم هلك مال الآخر. أما إذا هلك مال أحدهما ثم اشترى الآخر بمال الآخر، إن صرحا بالوكالة في عقد الشركة فالمشترى مشترك بينهما على ما شرطا؛ لأن الشركة إن بطلت فالوكالة المصرح بها قائمة فكان مشتركا بحكم الوكالة، ويكون شركة ملك ويرجع على شريكه بحصته من الثمن لما بيناه، وإن ذكرا مجرد الشركة ولم ينصا على الوكالة فيها كان المشترى للذي اشتراه خاصة؛ لأن الوقوع على الشركة حكم الوكالة التي تضمنتها الشركة، فإذا بطلت يبطل ما في ضمنها، بخلاف ما إذا صرح بالوكالة لأنها مقصودة.
قال: "وتجوز الشركة وإن لم يخلطا المال" وقال زفر والشافعي: لا تجوز لأن الربح فرع المال، ولا يقع الفرع على الشركة إلا بعد الشركة في الأصل وأنه
стр. 575
بالخلط، وهذا لأن المحل هو المال ولهذا يضاف إليه، ويشترط تعيين رأس المال، بخلاف المضاربة؛ لأنها ليست بشركة، وإنما هو يعمل لرب المال فيستحق الربح عمالة على عمله، أما هنا بخلافه، وهذا أصل كبير لهما حتى يعتبر اتحاد الجنس. ويشترط الخلط ولا يجوز التفاضل في الربح مع التساوي في المال.
ولا تجوز شركة التقبل والأعمال لانعدام المال. ولنا أن الشركة في الربح مستندة إلى العقد دون المال؛ لأن العقد يسمى شركة فلا بد من تحقق معنى هذا الاسم فيه فلم يكن الخلط شرطا، ولأن الدراهم والدنانير لا يتعينان فلا يستفاد الربح برأس المال، وإنما يستفاد بالتصرف لأنه في النصف أصيل وفي النصف وكيل. وإذا تحققت الشركة في التصرف بدون الخلط تحققت في المستفاد به وهو الربح بدونه، وصار كالمضاربة فلا يشترط اتحاد الجنس والتساوي في الربح، وتصح شركة التقبل.
قال: "ولا تجوز الشركة إذا شرط لأحدهما دراهم مسماة من الربح" لأنه شرط يوجب انقطاع الشركة فعساه لا يخرج إلا قدر المسمى لأحدهما، ونظيره في المزارعة.
قال: "ولكل واحد من المتفاوضين وشريكي العنان أن يبضع المال" لأنه معتاد في عقد الشركة، ولأن له أن يستأجر على العمل، والتحصيل بغير عوض دونه فيملكه، وكذا له أن يودعه لأنه معتاد ولا يجد التاجر منه بدا.
قال: "ويدفعه مضاربة"؛ لأنها دون الشركة فتتضمنها. وعن أبي حنيفة أنه ليس له ذلك لأنه نوع شركة، والأصح هو الأول، وهو رواية الأصل؛ لأن الشركة غير مقصودة، وإنما المقصود تحصيل الربح كما إذا استأجره بأجر بل أولى؛ لأنه تحصيل بدون ضمان في ذمته، بخلاف الشركة حيث لا يملكها لأن الشيء لا يستتبع مثله.
قال: "ويوكل من يتصرف فيه" لأن التوكيل بالبيع والشراء من توابع التجارة والشركة انعقدت للتجارة، بخلاف الوكيل بالشراء حيث لا يملك أن يوكل غيره لأنه عقد خاص طلب منه تحصيل العين فلا يستتبع مثله.
قال: "ويده في المال يد أمانة" لأنه قبض المال بإذن المالك لا على وجه البدل والوثيقة فصار كالوديعة.
قال: "وأما شركة الصنائع" وتسمى شركة التقبل "كالخياطين والصباغين يشتركان على أن يتقبلا الأعمال ويكون الكسب بينهما فيجوز ذلك" وهذا عندنا. وقال زفر والشافعي: لا تجوز لأن هذه شركة لا تفيد مقصودها وهو التثمير؛ لأنه لا بد من رأس المال، وهذا لأن الشركة في الربح تبتنى على الشركة في المال على أصلهما على ما قررناه.
стр. 576
ولنا أن المقصود منه التحصيل وهو ممكن بالتوكيل، لأنه لما كان وكيلا في النصف أصيلا في النصف تحققت الشركة في المال المستفاد ولا يشترط فيه اتحاد العمل والمكان خلافا لمالك وزفر فيهما؛ لأن المعنى المجوز للشركة وهو ما ذكرناه لا يتفاوت.
"ولو شرطا العمل نصفين والمال أثلاثا جاز" وفي القياس: لا يجوز؛ لأن الضمان بقدر العمل، فالزيادة عليه ربح ما لم يضمن فلم يجز العقد لتأديته إليه، وصار كشركة الوجوه، ولكنا نقول: ما يأخذه لا يأخذه ربحا لأن الربح عند اتحاد الجنس، وقد اختلف لأن رأس المال عمل والربح مال فكان بدل العمل والعمل يتقوم بالتقويم فيتقدر بقدر ما قوم به فلا يحرم، بخلاف شركة الوجوه؛ لأن جنس المال متفق والربح يتحقق في الجنس المتفق، وربح ما لم يضمن لا يجوز إلا في المضاربة.
قال: "وما يتقبله كل واحد منهما من العمل يلزمه ويلزم شريكه" حتى إن كل واحد منهما يطالب بالعمل ويطالب بالأجر "ويبرأ الدافع بالدفع إليه" وهذا ظاهر في المفاوضة وفي غيرها استحسان. والقياس خلاف ذلك لأن الشركة وقعت مطلقة والكفالة مقتضى المفاوضة. وجه الاستحسان أن هذه الشركة مقتضية للضمان؛ ألا ترى أن ما يتقبله كل واحد منهما من العمل مضمون على الآخر، ولهذا يستحق الأجر بسبب نفاذ تقبله عليه فجرى مجرى المفاوضة في ضمان العمل واقتضاء البدل.
قال: "وأما شركة الوجوه فالرجلان يشتركان ولا مال لهما على أن يشتريا بوجوههما ويبيعا فتصح الشركة على هذا" سميت به لأنه لا يشتري بالنسيئة إلا من كان له وجاهة عند الناس، وإنما تصح مفاوضة لأنه يمكن تحقيق الكفالة والوكالة في الأبدال، وإذا أطلقت تكون عنانا لأن مطلقه ينصرف إليه وهي جائزة عندنا خلافا للشافعي، والوجه من الجانبين ما قدمناه في شركة التقبل.
قال: "وكل واحد منهما وكيل الآخر فيما يشتريه" لأن التصرف على الغير لا يجوز إلا بوكالة أو بولاية ولا ولاية فتتعين الوكالة "فإن شرطا أن المشترى بينهما نصفان والربح كذلك يجوز، ولا يجوز أن يتفاضلا فيه، وإن شرطا أن يكون المشترى بينهما أثلاثا فالربح كذلك"، وهذا لأن الربح لا يستحق إلا بالمال أو العمل أو بالضمان فرب المال يستحقه بالمال، والمضارب يستحقه بالعمل، والأستاذ الذي يلقي العمل على التلميذ بالنصف بالضمان، ولا يستحق بما سواها؛ ألا ترى أن من قال لغيره تصرف في مالك على أن لي ربحه لم يحز
стр. 577
لعدم هذه المعاني. واستحقاق الربح في شركة الوجوه بالضمان على ما بينا والضمان على قدر الملك في المشترى وكان الربح الزائد عليه ربح ما لم يضمن فلا يصح اشتراطه إلا في المضاربة والوجوه ليست في معناها، بخلاف العنان؛ لأنه في معناها من حيث أن كل واحد منهما يعمل في مال صاحبه فيلحق بها، والله أعلم.
стр. 578
فصل: في الشركة الفاسدة
"ولا تجوز الشركة في الاحتطاب والاصطياد، وما اصطاده كل واحد منهما أو احتطبه فهو له دون صاحبه"، وعلى هذا الاشتراك في أخذ كل شيء مباح؛ لأن الشركة متضمنة معنى الوكالة، والتوكيل في أخذ المال المباح باطل لأن أمر الموكل به غير صحيح، والوكيل يملكه بدون أمره فلا يصلح نائبا عنه، وإنما يثبت الملك لهما بالأخذ وإحراز المباح، فإن أخذاه معا فهو بينهما نصفان لاستوائهما في سبب الاستحقاق، وإن أخذه أحدهما ولم يعمل الآخر شيئا فهو للعامل، وإن عمل أحدهما وأعانه الآخر في عمله بأن قلعه أحدهما وجمعه الآخر، أو قلعه وجمعه وحمله الآخر فللمعين أجر المثل بالغا ما بلغ عند محمد. وعند أبي يوسف لا يجاوز به نصف ثمن ذلك، وقد عرف في موضعه.
قال: "وإذا اشتركا ولأحدهما بغل وللآخر راوية يستقي عليها الماء فالكسب بينهما لم تصح الشركة، والكسب كله للذي استقى، وعليه أجر مثل الراوية إن كان العامل صاحب البغل، وإن كان صاحب الراوية فعليه أجر مثل البغل" أما فساد الشركة فلانعقادها على إحراز المباح وهو الماء، وأما وجوب الأجر فلأن المباح إذا صار ملكا للمحرز وهو المستقي، وقد استوفى منافع ملك الغير وهو البغل أو الراوية بعقد فاسد فيلزمه أجره "وكل شركة فاسدة فالربح فيهما على قدر المال، ويبطل شرط التفاضل" لأن الربح فيه تابع للمال فيتقدر بقدره، كما أن الريع تابع للبذر في الزراعة، والزيادة إنما تستحق بالتسمية، وقد فسدت فبقي الاستحقاق على قدر رأس المال "وإذا مات أحد الشريكين أو ارتد ولحق بدار الحرب بطلت الشركة" لأنها تتضمن الوكالة، ولا بد منها لتتحقق الشركة على ما مر، والوكالة تبطل بالموت، وكذا بالالتحاق مرتدا إذا قضى القاضي بلحاقه؛ لأنه بمنزلة الموت على ما بيناه من قبل، ولا فرق بين ما إذا علم الشريك بموت صاحبه أو لم يعلم؛ لأنه عزل حكمي، وإذا بطلت الوكالة بطلت الشركة، بخلاف ما إذا فسخ أحد الشريكين الشركة ومال الشركة دراهم ودنانير حيث يتوقف على علم الآخر لأنه عزل قصدي، والله أعلم.
стр. 579
فصل: "وليس لأحد الشريكين أن يؤدي زكاة مال الآخر إلا بإذنه"
لأنه ليس من جنس التجارة، "فإن أذن كل واحد منهما لصاحبه أن يؤدي زكاته. فإن أدى كل واحد منهما فالثاني ضامن علم بأداء الأول أو لم يعلم"، وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: لا يضمن إذا لم يعلم وهذا إذا أديا على التعاقب، أما إذا أديا معا ضمن كل واحد منهما نصيب صاحبه. وعلى هذا الاختلاف المأمور بأداء الزكاة إذا تصدق على الفقير بعدما أدى الآمر بنفسه. لهما أنه مأمور بالتمليك من الفقير، وقد أتى به فلا يضمن للموكل، وهذا لأن في وسعه التمليك لا وقوعه زكاة لتعلقه بنية الموكل، وإنما يطلب منه ما في وسعه وصار كالمأمور بذبح دم الإحصار إذا ذبح بعدما زال الإحصار وحج الآمر لم يضمن المأمور علم أو لا. ولأبي حنيفة أنه مأمور بأداء الزكاة والمؤدى لم يقع زكاة فصار مخالفا، وهذا لأن المقصود من الأمر إخراج نفسه عن عهدة الواجب؛ لأن الظاهر أنه لا يلتزم الضرر إلا لدفع الضرر، وهذا المقصود حصل بأدائه وعرى أداء المأمور عنه فصار معزولا علم أو لم يعلم؛ لأنه عزل حكمي. وأما دم الإحصار فقد قيل هو على هذا الاختلاف، وقيل بينهما فرق. ووجهه أن الدم ليس بواجب عليه فإنه يمكنه أن يصبر حتى يزول الإحصار. وفي مسألتنا الأداء واجب فاعتبر الإسقاط مقصودا فيه دون دم الإحصار.
قال: "وإذا أذن أحد المتفاوضين لصاحبه أن يشتري جارية فيطأها ففعل فهي له بغير شيء عند أبي حنيفة، وقالا: يرجع عليه بنصف الثمن" لأنه أدى دينا عليه خاصة من مال مشترك فيرجع عليه صاحبه بنصيبه كما في شراء الطعام والكسوة "وهذا" لأن الملك واقع له خاصة والثمن بمقابلة الملك. وله أن الجارية دخلت في الشركة على البتات جريا على مقتضى الشركة إذ هما لا يملكان تغييره فأشبه حال عدم الإذن، غير أن الإذن يتضمن هبة نصيبه منه؛ لأن الوطء لا يحل إلا بالملك، ولا وجه إلى إثباته بالبيع لما بينا أنه مخالف مقتضى الشركة فأثبتناه بالهبة الثابتة في ضمن الإذن، بخلاف الطعام والكسوة؛ لأن ذلك مستثنى عنها للضرورة فيقع الملك له خاصة بنفس العقد فكان مؤديا دينا عليه من مال الشركة. وفي مسألتنا قضى دينا عليهما لما بينا "وللبائع أن يأخذ بالثمن أيهما شاء" بالاتفاق لأنه دين وجب بسبب التجارة، والمفاوضة تضمنت الكفالة فصار كالطعام والكسوة.
стр. 580
كتاب الوقف
قال أبو حنيفة: "لا يزول ملك الواقف عن الوقف إلا أن يحكم به الحاكم أو يعلقه بموته فيقول إذا مت فقد وقفت داري على كذا". وقال أبو يوسف "يزول ملكه بمجرد القول. وقال محمد: لا يزول حتى يجعل للوقف وليا ويسلمه إليه".
قال ﵁: الوقف لغة. هو الحبس تقول وقفت الدابة وأوقفتها بمعنى. وهو في الشرع عند أبي حنيفة: حبس العين على ملك الواقف والتصدق بالمنفعة بمنزلة العارية. ثم قيل المنفعة معدومة فالتصدق بالمعدوم لا يصح، فلا يجوز الوقف أصلا عنده، وهو الملفوظ في الأصل. والأصح أنه جائز عنده إلا أنه غير لازم بمنزلة العارية، وعندهما حبس العين على حكم ملك الله تعالى فيزول ملك الواقف عنه إلى الله تعالى على وجه تعود منفعته إلى العباد فيلزم ولا يباع ولا يوهب ولا يورث. واللفظ ينتظمهما والترجيح بالدليل. لهما قول النبي ﷺ لعمر ﵁ حين أراد أن يتصدق بأرض له تدعى ثمغا: "تصدق بأصلها لا يباع ولا يورث ولا يوهب" ولأن الحاجة ماسة إلى أن يلزم الوقف منه ليصل ثوابه إليه على الدوام، وقد أمكن دفع حاجته بإسقاط الملك وجعله لله تعالى. إذ له نظير في الشرع وهو المسجد فيجعل كذلك. ولأبي حنيفة قوله ﵊: "لا حبس عن فرائض الله تعالى" وعن شريح: جاء محمد ﵊ ببيع الحبيس لأن الملك باق فيه بدليل أنه يجوز الانتفاع به زراعة وسكنى وغير ذلك والملك فيه للواقف؛ ألا ترى أن له ولاية التصرف فيه بصرف غلاته إلى مصارفها ونصب القوام فيها إلا أنه يتصدق بمنافعه فصار شبيه العارية، ولأنه يحتاج إلى التصدق بالغلة دائما ولا تصدق عنه إلا بالبقاء على ملكه، ولأنه لا يمكن أن يزال ملكه، لا إلى مالك لأنه غير مشروع مع بقائه كالسائبة. بخلاف الإعتاق لأنه إتلاف، وبخلاف المسجد لأنه جعل خالصا لله تعالى ولهذا لا يجوز الانتفاع به، وهنا لم ينقطع حق العبد عنه فلم يصر خالصا لله تعالى.
قال ﵁: قال في الكتاب: لا يزول ملك الواقف إلا أن يحكم به الحاكم أو يعلقه بموته، وهذا في حكم الحاكم صحيح؛ لأنه قضاء في مجتهد فيه، أما في تعليقه
стр. 581
بالموت فالصحيح أنه لا يزول ملكه إلا أنه تصدق بمنافعه مؤبدا فيصير بمنزلة الوصية بالمنافع مؤبدا فيلزم، والمراد بالحاكم المولى، فأما المحكم ففيه اختلاف المشايخ. ولو وقف في مرض موته قال الطحاوي: هو بمنزلة الوصية بعد الموت. والصحيح أنه لا يلزمه عند أبي حنيفة، وعندهما يلزمه إلا أنه يعتبر من الثلث والوقف في الصحة من جميع المال، وإذا كان الملك يزول عندهما يزول بالقول عند أبي يوسف وهو قول الشافعي بمنزلة الإعتاق لأنه إسقاط الملك. وعند محمد لا بد من التسليم إلى المتولي لأنه حق الله تعالى، وإنما يثبت فيه في ضمن التسليم إلى العبد لأن التمليك من الله تعالى وهو مالك الأشياء لا يتحقق مقصودا، وقد يكون تبعا لغيره فيأخذ حكمه فينزل منزلة الزكاة والصدقة.
قال: "وإذا صح الوقف على اختلافهم" وفي بعض النسخ: وإذا استحق مكان قوله إذا صح "خرج من ملك الواقف ولم يدخل في ملك الموقوف عليه" لأنه لو دخل في ملك الموقوف عليه لا يتوقف عليه بل ينفذ بيعه كسائر أملاكه، ولأنه لو ملكه لما انتقل عنه بشرط المالك الأول كسائر أملاكه. قال ﵁: قوله خرج عن ملك الواقف يجب أن يكون قولهما على الوجه الذي سبق تقريره.
قال: "ووقف المشاع جائز عند أبي يوسف" لأن القسمة من تمام القبض والقبض عنده ليس بشرط فكذا تتمته. "وقال محمد: لا يجوز" لأن أصل القبض عنده شرط فكذا ما يتم به، وهذا فيما يحتمل القسمة، وأما فيما لا يحتمل القسمة فيجوز مع الشيوع عند محمد أيضا لأنه يعتبر بالهبة والصدقة المنفذة إلا في المسجد والمقبرة، فإنه لا يتم مع الشيوع فيما لا يحتمل القسمة أيضا عند أبي يوسف، لأن بقاء الشركة يمنع الخلوص لله تعالى، ولأن المهايأة فيهما في غاية القبح بأن يقبر فيه الموتى سنة، ويزرع سنة ويصلى فيه في وقت ويتخذ إصطبلا في وقت، بخلاف الوقف لإمكان الاستغلال وقسمة الغلة. ولو وقفه الكل ثم استحق جزء منه بطل في الباقي عند محمد لأن الشيوع مقارن كما في الهبة، بخلاف ما إذا رجع الواهب في البعض أو رجع الوارث في الثلثين بعد موت المريض وقد وهبه أو أوقفه في مرضه وفي المال ضيق، لأن الشيوع في ذلك طارئ. ولو استحق جزء مميز بعينه لم يبطل في الباقي لعدم الشيوع ولهذا جاز في الابتداء، وعلى هذا الهبة والصدقة المملوكة.
قال: "ولا يتم الوقف عند أبي حنيفة ومحمد حتى يجعل آخره بجهة لا تنقطع أبدا. وقال أبو يوسف: إذا سمى فيه جهة تنقطع جاز وصار بعدها للفقراء
стр. 582
وإن لم يسمهم". لهما أن موجب الوقف زوال الملك بدون التمليك وأنه يتأبد كالعتق، فإذا كانت الجهة يتوهم انقطاعها لا يتوفر عليه مقتضاه، فلهذا كان التوقيت مبطلا له كالتوقيت في البيع. ولأبي يوسف أن المقصود هو التقرب إلى الله تعالى وهو موفر عليه، لأن التقرب تارة يكون في الصرف إلى جهة تنقطع ومرة بالصرف إلى جهة تتأبد فيصح في الوجهين وقيل إن التأبيد شرط بالإجماع، إلا أن عند أبي يوسف لا يشترط ذكر التأبيد لأن لفظة الوقف والصدقة منبئة عنه لما بينا أنه إزالة الملك بدون التمليك كالعتق، ولهذا قال في الكتاب في بيان قوله وصار بعدها للفقراء وإن لم يسمهم، وهذا هو الصحيح، وعند محمد ذكر التأبيد شرط لأن هذا صدقة بالمنفعة أو بالغلة، وذلك قد يكون مؤقتا وقد يكون مؤبدا فمطلقه لا ينصرف إلى التأبيد فلا بد من التنصيص.
قال: "ويجوز وقف العقار" لأن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم وقفوه "ولا يجوز وقف ما ينقل ويحول".
قال ﵁: وهذا على الإرسال قول أبي حنيفة "وقال أبو يوسف: إذا وقف ضيعة ببقرها وأكرتها وهم عبيده جاز" وكذا سائر آلات الحراسة لأنه تبع للأرض في تحصيل ما هو المقصود، وقد يثبت من الحكم تبعا ما لا يثبت مقصودا كالشرب ف البيع والبناء في الوقف، ومحمد معه فيه، لأنه لما جاز إفراد بعض المنقول بالوقف عنده فلأن يجوز الوقف فيه تبعا أولى. "وقال محمد: يجوز حبس الكراع والسلاح" ومعناه وقفه في سبيل الله، وأبو يوسف معه فيه على ما قالوا، وهو استحسان. والقياس أن لا يجوز لما بيناه من قبل. وجه الاستحسان الآثار المشهورة فيه: منها قوله ﵊: "وأما خالد فقد حبس أدرعا وأفراسا له في سبيل الله تعالى وطلحة حبس دروعه في سبيل الله تعالى" ويروى أكراعه. والكراع: الخيل. ويدخل في حكمه الإبل؛ لأن العرب يجاهدون عليها، وكذا السلاح يحمل عليها وعن محمد أنه يجوز وقف ما فيه تعامل من المنقولات كالفأس والمر والقدوم والمنشار والجنازة وثيابها والقدور والمراجل والمصاحف. وعند أبي يوسف لا يجوز؛ لأن القياس إنما يترك بالنص، والنص ورد في الكراع والسلاح فيقتصر عليه. ومحمد يقول: القياس قد يترك بالتعامل كما في الاستصناع، وقد وجد التعامل في هذه الأشياء. وعن نصير بن يحيى أنه وقف كتبه إلحاقا لها بالمصاحف، وهذا صحيح لأن كل واحد يمسك للدين تعليما وتعلما وقراءة، وأكثر فقهاء الأمصار على قول محمد، وما لا تعامل فيه لا يجوز عندنا وقفه. وقال الشافعي: كل ما يمكن الانتفاع به مع بقاء أصله ويجوز بيعه يجوز وقفه؛ لأنه يمكن
стр. 583
الانتفاع به، فأشبه العقار والكراع والسلاح. ولنا أن الوقف فيه لا يتأبد، ولا بد منه على ما بيناه فصار كالدراهم والدنانير، بخلاف العقار، ولا معارض من حيث السمع ولا من حيث التعامل فبقي على أصل القياس. وهذا لأن العقار يتأبد، والجهاد سنام الدين، فكان معنى القربة فيهما أقوى فلا يكون غيرهما في معناهما.
قال: "وإذا صح الوقف لم يجز بيعه ولا تمليكه، إلا أن يكون مشاعا عند أبي يوسف فيطلب الشريك القسمة فيصح مقاسمته" أما امتناع التمليك فلما بينا. وأما جواز القسمة فلأنها تمييز وإفراز، غاية الأمر أن الغالب في غير المكيل والموزون معنى المبادلة، إلا أن في الوقف جعلنا الغالب معنى الإفراز نظرا للوقف فلم تكن بيعا وتمليكا؛ ثم إن وقف نصيبه من عقار مشترك فهو الذي يقاسم شريكه؛ لأن الولاية للواقف وبعد الموت إلى وصية، وإن وقف نصف عقار خالص له فالذي يقاسمه القاضي أو يبيع نصيبه الباقي من رجل، ثم يقاسمه المشتري ثم يشتري ذلك منه لأن الواحد لا يجوز أن يكون مقاسما ومقاسما، ولو كان في القسمة فضل دراهم إن أعطى الواقف لا يجوز لامتناع بيع الوقف، وإن أعطى الواقف جاز ويكون بقدر الدراهم شراء.
قال: "والواجب أن يبتدأ من ارتفاع الوقف بعمارته شرط ذلك الواقف أو لم يشترط" لأن قصد الواقف صرف الغلة مؤبدا، ولا تبقى دائمة إلا بالعمارة فيثبت شرط العمارة اقتضاء ولأن الخراج بالضمان وصار كنفقة العبد الموصى بخدمته، فإنها على الموصى له بها. ثم إن كان الوقف على الفقراء لا يظفر بهم، وأقرب أموالهم هذه الغلة فتجب فيها. ولو كان الوقف على رجل بعينه وآخره للفقراء فهو في ماله: أي مال شاء في حال حياته. ولا يؤخذ من الغلة؛ لأنه معين يمكن مطالبته، وإنما يستحق العمارة عليه بقدر ما يبقى الموقوف على الصفة التي وقفه، وإن خرب يبني على ذلك الوصف؛ لأنها بصفتها صارت غلتها مصروفة إلى الموقوف عليه. فأما الزيادة على ذلك فليست بمستحقة عليه والغلة مستحقة فلا يجوز صرفها إلى شيء آخر إلا برضاه، ولو كان الوقف على الفقراء فكذلك عند البعض، وعند الآخرين يجوز ذلك، والأول أصح لأن الصرف إلى العمارة ضرورة إبقاء الوقف ولا ضرورة في الزيادة.
قال: "فإن وقف دارا على سكنى ولده فالعمارة على من له سكنى" لأن الخراج بالضمان على ما مر فصار كنفقة العبد الموصى بخدمته "فإن امتنع من ذلك، أو كان فقيرا آجرها الحاكم وعمرها بأجرتها، وإذا عمرها ردها إلى من له السكنى" لأن في ذلك رعاية الحقين حق الواقف وحق صاحب السكنى، لأنه لو لم يعمرها تفوت السكنى أصلا
стр. 584
والأول أولى، ولا يجبر الممتنع على العمارة لما فيه من إتلاف ماله فأشبه امتناع صاحب البذر في المزارعة فلا يكون امتناعه رضا منه ببطلان حقه لأنه في حيز التردد، ولا تصح إجارة من له السكنى لأنه غير مالك. امتناع صاحب البذر في المزارعة فلا يكون امتناعه رضا منه ببطلان حقه لأنه في حيز.
قال: "وما انهدم من بناء الوقف وآلته صرفه الحاكم في عمارة الوقف إن احتاج إليه، وإن استغنى عنه أمسكه حتى يحتاج إلى عمارته فيصرفه فيهما"؛ لأنه لا بد من العمارة ليبقى على التأبيد فيحصل مقصود الواقف. فإن مست الحاجة إليه في الحال صرفها فيها، وإلا أمسكها حتى لا يتعذر عليه ذلك أوان الحاجة فيبطل المقصود، وإن تعذر إعادة عينه إلى موضعه بيع وصرف ثمنه إلى المرمة صرفا للبدل إلى مصرف المبدل "ولا يجوز أن يقسمه" يعني النقض "بين مستحقي الوقف" لأنه جزء من العين ولا حق للموقوف عليهم فيه: وإنما حقهم في المنافع، والعين حق الله تعالى فلا يصرف إليهم غير حقهم.
قال: "وإذا جعل الواقف غلة الوقف لنفسه أو جعل الولاية إليه جاز عند أبي يوسف" قال ﵁: ذكر فصلين شرط الغلة لنفسه وجعل الولاية إليه.
أما الأول فهو جائز عند أبي يوسف، ولا يجوز على قياس قول محمد وهو قول هلال الرازي وبه قال الشافعي. وقيل إن الاختلاف بينهما بناء على الاختلاف في اشتراط القبض والإفراز. وقيل هي مسألة مبتدأة، والخلاف فيما إذا شرط البعض لنفسه في حياته وبعد موته للفقراء، وفيما إذا شرط الكل لنفسه في حياته وبعد موته للفقراء سواء؛ ولو وقف وشرط البعض أو الكل لأمهات أولاده ومدبريه ما داموا أحياء، فإذا ماتوا فهو للفقراء والمساكين، فقد قيل يجوز بالاتفاق، وقد قيل هو على الخلاف أيضا وهو الصحيح لأن اشتراطه لهم في حياته كاشتراطه لنفسه.
وجه قول محمد ﵀ أن الوقف تبرع على وجه التمليك بالطريق الذي قدمناه، فاشتراطه البعض أو الكل لنفسه يبطله؛ لأن التمليك من نفسه لا يتحقق فصار كالصدقة المنفذة، وشرط بعض بقعة المسجد لنفسه. ولأبي يوسف ما روي "أن النبي ﵊ كان يأكل من صدقته" والمراد منها صدقته الموقوفة، ولا يحل الأكل منها إلا بالشرط، فدل على صحته، ولأن الوقف إزالة الملك إلى الله تعالى على وجه القربة على ما بيناه، فإذا شرط البعض أو الكل لنفسه، فقد جعل ما صار مملوكا لله تعالى لنفسه لا أنه يجعل ملك نفسه لنفسه، وهذا جائز، كما إذا بنى خانا أو سقاية أو جعل أرضه مقبرة، وشرط أن ينزله أو يشرب منه أو يدفن فيه، ولأن مقصوده القربة وفي الصرف إلى نفسه ذلك، قال عليه
стр. 585
الصلاة والسلام: "نفقة الرجل على نفسه صدقة". ولو شرط الواقف أن يستبدل به أرضا أخرى إذا شاء ذلك فهو جائز عند أبي يوسف، وعند محمد الوقف جائز والشرط باطل. ولو شرط الخيار لنفسه في الوقف ثلاثة أيام جاز الوقف والشرط عند أبي يوسف وعند محمد الوقف باطل، وهذا بناء على ما ذكرنا.
وأما فصل الولاية فقد نص فيه على قول أبي يوسف، وهو قول هلال أيضا وهو ظاهر المذهب. وذكر هلال في وقفه وقال أقوام: إن شرط الواقف الولاية لنفسه كانت له ولاية، وإن لم يشترط لم تكن له ولاية. قال مشايخنا: الأشبه أن يكون هذا قول محمد، لأن من أصله أن التسليم إلى القيم شرط لصحة الوقف، فإذا سلم لم يبق له ولاية فيه. ولنا أن المتولي إنما يستفيد الولاية من جهته بشرطه فيستحيل أن لا يكون له الولاية وغيره يستفيد الولاية منه، ولأنه أقرب الناس إلى هذا الوقف فيكون أولى بولايته، كمن اتخذ مسجدا يكون أولى بعمارته ونصب المؤذن فيه، وكمن أعتق عبدا كان الولاء له لأنه أقرب الناس إليه. ولو أن الواقف شرط ولايته لنفسه وكان الواقف غير مأمون على الوقف فللقاضي أن ينزعها من يده نظرا للفقراء، كما له أن يخرج الوصي نظرا للصغار، وكذا إذا شرط أن ليس للسلطان ولا لقاض أن يخرجها من يده ويوليها غيره لأنه شرط مخالف لحكم الشرع فبطل.
стр. 586
فصل: "وإذا بنى مسجدا لم يزل ملكه عنه حتى يفرزه عن ملكه بطريقه ويأذن للناس بالصلاة فيه، فإذا صلى فيه واحد زال عند أبي حنيفة عن ملكه" أما الإفراز فلأنه لا يخلص لله تعالى إلا به، وأما الصلاة فيه فلأنه لا بد من التسليم عند أبي حنيفة ومحمد، ويشترط تسليم نوعه، وذلك في المسجد بالصلاة فيه، أو لأنه لما تعذر القبض فقام تحقق المقصود مقامه ثم يكتفى بصلاة الواحد فيه في رواية عن أبي حنيفة، وكذا عن محمد؛ لأن فعل الجنس متعذر فيشترط أدناه. وعن محمد أنه يشترط الصلاة بالجماعة؛ لأن المسجد بني لذلك في الغالب "وقال أبو يوسف: يزول ملكه بقوله جعلته مسجدا" لأن التسليم عنده ليس بشرط؛ لأنه إسقاط لملك العبد فيصير خالصا لله تعالى بسقوط حق العبد وصار كالإعتاق، وقد بيناه من قبل.
قال: "ومن جعل مسجدا تحته سرداب أو فوقه بيت وجعل باب المسجد إلى الطريق، وعزله عن ملكه فله أن يبيعه، وإن مات يورث عنه" لأنه لم يخلص لله تعالى لبقاء حق العبد متعلقا به، ولو كان السرداب لمصالح المسجد جاز كما في مسجد بيت المقدس. وروى
стр. 587
الحسن عنه أنه قال: إذا جعل السفل مسجدا وعلى ظهره مسكن فهو مسجد؛ لأن المسجد مما يتأبد، وذلك يتحقق في السفل دون العلو. وعن محمد على عكس هذا؛ لأن المسجد معظم، وإذا كان فوقه مسكن أو مستغل يتعذر تعظيمه. وعن أبي يوسف أنه جوز في الوجهين حين قدم بغداد ورأى ضيق المنازل فكأنه اعتبر الضرورة. وعن محمد أنه حين دخل الري أجاز ذلك كله لما قلنا.
قال: "وكذلك إن اتخذ وسط داره مسجدا وأذن للناس بالدخول فيه" يعني له أن يبيعه ويورث عنه؛ لأن المسجد ما لا يكون لأحد فيه حق المنع، وإذا كان ملكه محيطا بجوانبه كان له حق المنع فلم يصر مسجدا، ولأنه أبقى الطريق لنفسه فلم يخلص لله تعالى "وعن محمد أنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب" اعتبره مسجدا، وهكذا عن أبي يوسف أنه يصير مسجدا؛ لأنه لما رضي بكونه مسجدا ولا يصير مسجدا إلا بالطريق دخل فيه الطريق وصار مستحقا كما يدخل في الإجارة من غير ذكر.
قال: "ومن اتخذ أرضه مسجدا لم يكن له أن يرجع فيه ولا يبيعه ولا يورث عنه" لأنه تجرد عن حق العباد وصار خالصا لله، وهذا لأن الأشياء كلها لله تعالى، وإذا أسقط العبد ما ثبت له من الحق رجع إلى أصله فانقطع تصرفه عنه كما في الإعتاق. ولو خرب ما حول المسجد واستغني عنه يبقى مسجدا عند أبي يوسف لأنه إسقاط منه فلا يعود إلى ملكه، وعند محمد يعود إلى ملك الباني، أو إلى وارثه بعد موته؛ لأنه عينه لنوع قربة، وقد انقطعت فصار كحصير المسجد وحشيشه إذا استغني عنه، إلا أن أبا يوسف يقول في الحصير والحشيش إنه ينقل إلى مسجد آخر.
قال: "ومن بنى سقاية للمسلمين أو خانا يسكنه بنو السبيل أو رباطا أو جعل أرضه مقبرة لم يزل ملكه عن ذلك حتى يحكم به الحاكم عند أبي حنيفة"؛ لأنه لم ينقطع عن حق العبد؛ ألا ترى أن له أن ينتفع به فيسكن في الخان وينزل في الرباط ويشرب من السقاية، ويدفن في المقبرة فيشترط حكم الحاكم أو الإضافة إلى ما بعد الموت كما في الوقف على الفقراء، بخلاف المسجد؛ لأنه لم يبق له حق الانتفاع به فخلص لله تعالى من غير حكم الحاكم.
"وعند أبي يوسف يزول ملكه بالقول" كما هو أصله، إذ التسليم عنده ليس بشرط والوقف لازم.
"وعند محمد إذا استقى الناس من السقاية وسكنوا الخان والرباط ودفنوا في
стр. 588
المقبرة زال الملك" لأن التسليم عنده شرط والشرط تسليم نوعه، وذلك بما ذكرناه. ويكتفى بالواحد لتعذر فعل الجنس كله، وعلى هذا البئر الموقوفة والحوض، ولو سلم إلى المتولي صح التسليم في هذه الوجوه كلها؛ لأنه نائب عن الموقوف عليه، وفعل النائب كفعل المنوب عنه، وأما في المسجد فقد قيل لا يكون تسليما؛ لأنه لا تدبير للمتولي فيه، وقيل يكون تسليما؛ لأنه يحتاج إلى من يكنسه ويغلق بابه، فإذا سلم إليه صح التسليم، والمقبرة في هذا بمنزلة المسجد على ما قيل؛ لأنه لا متولي له عرفا. وقيل هي بمنزلة السقاية والخان فيصح التسليم إلى المتولي؛ لأنه لو نصب المتولي يصح، وإن كان بخلاف العادة، ولو جعل دارا له بمكة سكنى لحاج بيت الله والمعتمرين، أو جعل داره في غير مكة سكنى للمساكين، أو جعلها في ثغر من الثغور سكنى للغزاة والمرابطين. أو جعل غلة أرضه للغزاة في سبيل الله تعالى ودفع ذلك إلى وال يقوم عليه فهو جائز، ولا رجوع فيه لما بينا إلا أن في الغلة تحل للفقراء دون الأغنياء، وفيما سواه من سكنى الخان والاستقاء من البئر والسقاية وغير ذلك يستوي فيه الغني والفقير، والفارق هو العرف في الفصلين. فإن أهل العرف يريدون بذلك في الغلة الفقراء، وفي غيرها التسوية بينهم وبين الأغنياء، ولأن الحاجة تشمل الغني والفقير في الشرب والنزول. والغني لا يحتاج إلى صرف هذا الغلة لغناه، والله تعالى أعلم بالصواب.
стр. 589
كتاب البيوع
قال: "البيع ينعقد بالإيجاب والقبول إذا كانا بلفظي الماضي" مثل أن يقول أحدهما بعت والآخر اشتريت؛ لأن البيع إنشاء تصرف، والإنشاء يعرف بالشرع والموضوع للإخبار قد استعمل فيه فينعقد به. ولا ينعقد بلفظين أحدهما لفظ المستقبل والآخر لفظ الماضي، بخلاف النكاح، وقد مر الفرق هناك. وقوله رضيت بكذا أو أعطيتك بكذا أو خذه بكذا في معنى قوله بعت واشتريت؛ لأنه يؤدي معناه، والمعنى هو المعتبر في هذه العقود، ولهذا ينعقد بالتعاطي في النفيس والخسيس هو الصحيح لتحقق المراضاة.
قال: "وإذا أوجبأحد المتعاقدين البيع فالآخر بالخيار إن شاء قبل في المجلس وإن شاء رد"، وهذا خيار القبول؛ لأنه لو لم يثبت له الخيار يلزمه حكم البيع من غير رضاه، وإذا لم يفسد لحكم بدون قبول الآخر فللموجب أن يرجع عنه قبل قبوله لخلوه عن إبطال حق الغير، وإنما يمتد إلى آخر المجلس؛ لأن المجلس جامع المتفرقات فاعتبرت ساعاته ساعة واحدة دفعا للعسر وتحقيقا لليسر، والكتاب كالخطاب، وكذا الإرسال حتى اعتبر مجلس بلوغ الكتاب وأداء الرسالة، وليس له أن يقبل في بعض المبيع ولا أن يقبل المشتري ببعض الثمن لعدم رضا الآخر بتفرق الصفقة، إلا إذا بين كل واحد؛ لأنه صفقات معنى.
قال: "وأيهما قام عن المجلس قبل القبول بطل الإيجاب؛ لأن القيام دليل الإعراض" والرجوع، وله ذلك على ما ذكرناه. وإذا حصل الإيجاب والقبول لزم البيع ولا خيار لواحد منهما إلا من عيب أو عدم رؤية.
وقال الشافعي ﵀ يثبت لكل واحد منهما خيار المجلس لقوله ﵊: "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا" ولنا أن في الفسخ إبطال حق الآخر فلا يجوز. والحديث محمول على خيار القبول. وفيه إشارة إليه فإنهما متبايعان حالة المباشرة لا بعدها أو يحتمله فيحمل عليه، والتفرق فيه تفرق الأقوال.
قال: "والأعواض المشار إليها لا يحتاج إلى معرفة مقدارها في جواز البيع" لأن
стр. 590
بالإشارة كفاية في التعريف وجهالة الوصف فيه لا تفضي إلى المنازعة "والأثمان المطلقةلا تصح إلا أن تكون معروفة القدر والصفة"؛ لأن التسليم والتسلم واجب بالعقد، وهذه الجهالة مفضية إلى المنازعة فيمتنع التسليم والتسلم، وكل جهالة هذه صفتها تمنع الجواز، هذا هو الأصل.
قال: "ويجوز البيع بثمن حال ومؤجل إذا كان الأجل معلوما" لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وعنه ﵊ "أنه اشترى من يهودي طعاما إلى أجل معلوم ورهنه درعه". ولا بد أن يكون الأجل معلوما؛ لأن الجهالة فيه مانعة من التسليم الواجب بالعقد، فهذا يطالبه به في قريب المدة، وهذا يسلمه في بعيدها.
قال: "ومن أطلق الثمن في البيع كان على غالب نقد البلد"؛ لأنه المتعارف، وفيه التحري للجواز فيصرف إليه "فإن كانت النقود مختلفة فالبيع فاسد إلا أن يبين أحدهما" وهذا إذا كان الكل في الرواج سواء؛ لأن الجهالة مفضية إلى المنازعة إلا أن ترتفع الجهالة بالبيان أو يكون أحدهما أغلب وأروج فحينئذ يصرف إليه تحريا للجواز، وهذا إذا كانت مختلفة في المالية، فإن كانت سواء فيها كالثنائي والثلاثي والنصرتي اليوم بسمرقند والاختلاف بين العدالى بفرغانة جاز البيع إذا أطلق اسم الدرهم، كذا قالوا، وينصرف إلى ما قدر به من أي نوع كان؛ لأنه لا منازعة ولا اختلاف في المالية.
قال: "ويجوز بيع الطعام والحبوب مكايلة ومجازفة" وهذا إذا باعه بخلاف جنسه لقوله ﵊: "إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم بعد أن يكون يدا بيد" بخلاف ما إذا باعه بجنسه مجازفة لما فيه من احتمال الربا ولأن الجهالة غير مانعة من التسليم والتسلم فشابه جهالة القيمة.
قال: "ويجوز بإناء بعينه لا يعرف مقداره وبوزن حجر بعينه لا يعرف مقداره"؛ لأن الجهالة لا تفضي إلى المنازعة لما أنه يتعجل فيه التسليم فيندر هلاكه قبله بخلاف السلم؛ لأن التسليم فيه متأخر والهلاك ليس بنادر قبله فتتحقق المنازعة. وعن أبي حنيفة أنه لا يجوز في البيع أيضا، والأول أصح وأظهر
قال: "ومن باع صبرة طعام كل قفيز بدرهم جاز البيع في قفيز واحد عند أبي حنيفة إلا أن يسمي جملة قفزانها وقالا يجوز في الوجهين" له أنه تعذر الصرف إلى الكل لجهالة المبيع والثمن فيصرف إلى الأقل وهو معلوم، وإلا أن تزول الجهالة بتسمية جميع القفزان أو بالكيل في المجلس، وصار هذا كما لو أقر وقال لفلان علي كل درهم فعليه درهم واحد بالإجماع. ولهما أن الجهالة بيدهما إزالتها ومثلها غير مانع، وكما إذا باع
стр. 591
عبدا من عبدين على أن المشتري بالخيار. ثم إذا جاز في قفيز واحد عند أبي حنيفة فللمشتري الخيار لتفرق الصفقة عليه، وكذا إذا كيل في المجلس أو سمى جملة قفزانها؛ لأنه علم ذلك الآن فله الخيار، كما إذا رآه ولم يكن رآه وقت البيع.
قال: "ومن باع قطيع غنم كل شاة بدرهم فسد البيع في جميعها عند أبي حنيفة، وكذلك من باع ثوبا مذارعة كل ذراع بدرهم ولم يسم جملة الذراعان، وكان كل معدود متفاوت، وعندهما يجوز في الكل لما قلنا، وعنده ينصرف إلى الواحد" لما بينا غير أن بيع شاة من قطيع غنم وذراع من ثوب لا يجوز للتفاوت. وبيع قفيز من صبرة يجوز لعدم التفاوت فلا تفضي الجهالة إلى المنازعة فيه، وتقضي إليها في الأول فوضح الفرق.
قال: "ومن ابتاع صبرة طعام على أنها مائة قفيز بمائة درهم فوجدها أقل كان المشتري بالخيار إن شاء أخذ الموجود بحصته من الثمن، وإن شاء فسخ البيع" لتفرق الصفقة عليه قبل التمام، فلم يتم رضاه بالموجود، "وإن وجدها أكثر فالزيادة للبائع"؛ لأن البيع وقع على مقدار معين والقدر ليس بوصف
"ومن اشترى ثوبا على أنه عشرة أذرع بعشرة دراهم أو أرضا على أنها مائة ذراع بمائة درهم فوجدها أقل فالمشتري بالخيار، إن شاء أخذها بجملة الثمن، وإن شاء ترك"؛ لأن الذراع وصف في الثوب؛ ألا يرى أنه عبارة عن الطول والعرض، والوصف لا يقابله شيء من الثمن كأطراف الحيوان فلهذا يأخذه بكل الثمن، بخلاف الفصل الأول؛ لأن المقدار يقابله الثمن فلهذا يأخذه بحصته، إلا أنه يتخير لفوات الوصف المذكور لتغير المعقود عليه فيختل الرضى.
قال: "وإن وجدها أكثر من الذراع الذي سماه فهو للمشتري ولا خيار للبائع"؛ لأنه صفة، فكان بمنزلة ما إذا باعه معيبا، فإذا هو سليم "ولو قال بعتكها على أنها مائة ذراع بمائة درهم كل ذراع بدرهم فوجدها ناقصة، فالمشتري بالخيار إن شاء أخذها بحصتها من الثمن، وإن شاء ترك"؛ لأن الوصف وإن كان تابعا لكنه صار أصلا بإفراده بذكر الثمن فينزل كل ذراع منزلة ثوب؛ وهذا لأنه لو أخذه بكل الثمن لم يكن آخذا لكل ذراع بدرهم "وإن وجدها زائدة فهو بالخيار إن شاء أخذ الجميع كل ذراع بدرهم، وإن شاء فسخ البيع" لأنه إن حصل له الزيادة في الذرع تلزمه زيادة الثمن فكان نفعا يشوبه ضرر فيتخير، وإنما يلزمه الزيادة لما بينا أنه صار أصلا، ولو أخذه بالأقل لم يكن آخذا بالمشروط.
قال: "ومن اشترى عشرة أذرع من مائة ذراع من دار أو حمام فالبيع فاسد عند أبي حنيفة، وقالا: هو جائز، وإن اشترى عشرة أسهم من مائة سهم جاز في قولهم جميعا"
стр. 592
لهما أن عشرة أذرع من مائة ذراع عشر الدار فأشبه عشرة أسهم. وله أن الذراع اسم لما يذرع به، واستعير لما يحله الذراع وهو المعين دون المشاع، وذلك غير معلوم، بخلاف السهم. ولا فرق عند أبي حنيفة بين ما إذا علم من جملة الذراعان أو لم يعلم هو الصحيح خلافا لما يقوله الخصاف لبقاء الجهالة.
ولو اشترى عدلا على أنه عشرة أثواب فإذا هو تسعة أو أحد عشر فسد البيع لجهالة المبيع أو الثمن.
"ولو بين لكل ثوب ثمنا جاز في فصل النقصان بقدره وله الخيار، ولم يجز في الزيادة" لجهالة العشرة المبيعة. وقيل عند أبي حنيفة لا يجوز في فصل النقصان أيضا وليس بصحيح، بخلاف ما إذا اشترى ثوبين على أنهما هرويان فإذا أحدهما مروي حيث لا يجوز فيهما، وإن بين ثمن كل واحد منهما؛ لأنه جعل القبول في المروي شرطا لجواز العقد في الهروي، وهو شرط فاسد ولا قبول يشترط في المعدوم فافترقا.
"ولو اشترى ثوبا واحدا على أنه عشرة أذرع كل ذراع بدرهم فإذا هو عشرة ونصف أو تسعة ونصف، قال أبو حنيفة ﵀: في الوجه الأول يأخذه بعشرة من غير خيار، وفي الوجه الثاني يأخذه بتسعة إن شاء وقال أبو يوسف ﵀: في الوجه الأول يأخذه بأحد عشر إن شاء، وفي الثاني يأخذ بعشرة إن شاء. وقال محمد ﵀: يأخذ في الأول بعشرة ونصف إن شاء، وفي الثاني بتسعة ونصف ويخير"؛ لأن من ضرورة مقابلة الذراع بالدرهم مقابلة نصفه بنصفه فيجري عليه حكمها. ولأبي يوسف ﵀ أنه لما أفرد كل ذراع ببدل نزل كل ذراع منزلة ثوب على حدة وقد انتقض. ولأبي حنيفة ﵀ أن الذراع وصف في الأصل، وإنما أخذ حكم المقدار بالشرط وهو مقيد بالذراع، فعند عدمه عاد الحكم إلى الأصل. وقيل في الكرباس الذي لا يتفاوت جوانبه لا يطيب للمشتري ما زاد على المشروط؛ لأنه بمنزلة الموزون حيث لا يضره الفصل، وعلى هذا لو قالوا: يجوز بيع ذراع منه.
стр. 593
فصل: "ومن باع دارا دخل بناؤها في البيع وإن لم يسمه"،
لأن اسم الدار يتناول العرصة والبناء في العرف ولأنه متصل بها اتصال قرار فيكون تبعا له.
"ومن باع أرضا دخل ما فيها من النخل والشجر وإن لم يسمه" لأنه متصل بها للقرار فأشبه البناء "ولا يدخل الزرع في بيع الأرض إلا بالتسمية" لأنه متصل بها للفصل فشابه المتاع الذي فيها.
"ومن باع نخلا أو شجرا فيه ثمر فثمرته للبائع إلا أن يشترط المبتاع" لقوله عليه الصلاة
стр. 594
والسلام: "من اشترى أرضا فيها نخل فالثمرة للبائع، إلا أن يشترط المبتاع" ولأن الاتصال وإن كان خلقة فهو للقطع لا للبقاء فصار كالزرع. "ويقال للبائع اقطعها وسلم المبيع" وكذا إذا كان فيها زرع؛ لأن ملك المشتري مشغول بملك البائع فكان عليه تفريغه وتسليمه، كما إذا كان فيه متاع. وقال الشافعي ﵀: يترك حتى يظهر صلاح الثمر ويستحصد الزرع؛ لأن الواجب إنما هو التسليم المعتاد، والمعتاد أن لا يقطع كذلك وصار كما إذا انقضت مدة الإجارة وفي الأرض زرع. قلنا: هناك التسليم واجب أيضا حتى يترك بأجر، وتسليم العوض كتسليم المعوض،. ولا فرق بين ما إذا كان الثمر بحال له قيمة أو لم يكن في الصحيح ويكون في الحالين للبائع؛ لأن بيعه يجوز في أصح الروايتين على ما تبين فلا يدخل في بيع الشجر من غير ذكر. وأما إذا بيعت الأرض وقد بذر فيها صاحبها ولم ينبت بعد لم يدخل فيه؛ لأنه مودع فيها كالمتاع،. ولو نبت ولم تصر له قيمة فقد قيل لا يدخل فيه، وقد قيل يدخل فيه، وكأن هذا بناء على الاختلاف في جواز بيعه قبل أن تناله المشافر والمناجل، ولا يدخل الزرع والثمر بذكر الحقوق والمرافق؛ لأنهما ليسا منهما. ولو قال بكل قليل وكثير هو له فيها ومنها من حقوقها أو قال من مرافقها لم يدخلا فيه لما قلنا، وإن لم يقل من حقوقها أو من مرافقها دخلا فيه. وأما الثمر المجذوذ والزرع المحصود فهو بمنزلة المتاع لا يدخل إلا بالتصريح به.
قال: "ومن باع ثمرة لم يبد صلاحها أو قد بدا جاز البيع"؛ لأنه مال متقوم، إما لكونه منتفعا به في الحال أو في الثاني، وقد قيل لا يجوز قبل أن يبدو صلاحها والأول أصح "وعلى المشتري قطعها في الحال" تفريغا لملك البائع، وهذا. إذا اشتراها مطلقا أو بشرط القطع "وإن شرط تركها على النخيل فسد البيع"؛ لأنه شرط لا يقتضيه العقد وهو شغل ملك الغير أو هو صفقة في صفقة وهو إعارة أو إجارة في بيع، وكذا بيع الزرع بشرط الترك لما قلنا، وكذا إذا تناهى عظمها عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله لما قلنا، واستحسنه محمد ﵀ للعادة، بخلاف ما إذا لم يتناه عظمها؛ لأنه شرط فيه الجزء المعدوم وهو الذي يزيد لمعنى من الأرض أو الشجر. ولو اشتراها مطلقا وتركها بإذن البائع طاب له الفضل، وإن تركها بغير إذنه تصدق بما زاد في ذاته لحصوله بجهة محظورة، وإن تركها بعدما تناهى عظمها لم يتصدق بشيء. لأن هذا تغير حالة لا تحقق زيادة، وإن اشتراها مطلقا وتركها على النخيل وقد استأجر النخيل إلى وقت الإدراك طاب له الفضل؛ لأن الإجارة باطلة لعدم التعارف والحاجة فبقي الإذن معتبرا، بخلاف ما إذا اشترى الزرع واستأجر الأرض إلى أن يدرك وتركه حيث لا يطيب له الفضل؛ لأن الإجارة فاسدة للجهالة فأورثت خبثا، ولو
стр. 595
اشتراها مطلقا فأثمرت ثمرا آخر قبل القبض فسد البيع؛ لأنه لا يمكنه تسليم المبيع لتعذر التمييز. ولو أثمرت بعد القبض يشتركان فيه للاختلاط، والقول قول المشتري في مقداره؛ لأنه في يده، وكذا في الباذنجان والبطيخ، والمخلص أن يشتري الأصول لتحصل الزيادة على ملكه.
قال: "ولا يجوز أن يبيع ثمرة ويستثني منها، أرطالا معلومة" خلافا لمالك ﵀؛ لأن الباقي بعد الاستثناء مجهول،. بخلاف ما إذا باع واستثنى نخلا معينا؛ لأن الباقي معلوم بالمشاهدة. قال ﵁: قالوا هذه رواية الحسن وهو قول الطحاوي؛ أما على ظاهر الرواية ينبغي أن يجوز؛ لأن الأصل أن ما يجوز إيراد العقد عليه بانفراده يجوز استثناؤه من العقد، وبيع قفيز من صبرة جائز فكذا استثناؤه، بخلاف استثناء الحمل وأطراف الحيوان؛ لأنه لا يجوز بيعه، فكذا استثناؤه.
"ويجوز بيع الحنطة في سنبلها والباقلاء في قشره" وكذا الأرز والسمسم. وقال الشافعي ﵀: لا يجوز بيع الباقلاء الأخضر، وكذا الجوز واللوز والفستق في قشره الأول عنده. وله في بيع السنبلة قولان، وعندنا يجوز ذلك كله. له أن المعقود عليه مستور بما لا منفعة له فيه فأشبه تراب الصاغة إذا بيع بجنسه. ولنا ما روي عن النبي ﵊ "أنه نهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة"؛ ولأنه حب منتفع به فيجوز بيعه في سنبله كالشعير والجامع كونه مالا متقوما، بخلاف تراب الصاغة؛ لأنه إنما لا يجوز بيعه بجنسه لاحتمال الربا، حتى لو باعه بخلاف جنسه جاز، وفي مسألتنا لو باعه بجنسه لا يجوز أيضا لشبهة الربا؛ لأنه لا يدري قدر ما في السنابل.
"ومن باع دارا دخل في البيع مفاتيح إغلاقها"؛ لأنه يدخل فيه الإغلاق؛ لأنها مركبة فيها للبقاء والمفتاح يدخل في بيع الغلق من غير تسمية؛ لأنه بمنزلة بعض منه إذ لا ينتفع به بدونه.
قال: "وأجرة الكيال وناقد الثمن على البائع" أما الكيل فلا بد منه للتسليم وهو على البائع ومعنى هذا إذا بيع مكايلة، وكذا أجرة الوزان والزراع والعداد، وأما النقد فالمذكور رواية ابن رستم عن محمد؛ لأن النقد يكون بعد التسليم؛ ألا ترى أنه يكون بعد الوزن والبائع هو المحتاج إليه ليميز ما تعلق به حقه من غيره أو ليعرف المعيب ليرده. وفي رواية ابن سماعة عنه على المشتري؛ لأنه يحتاج إلى تسليم الجيد المقدر، والجودة تعرف بالنقد كما يعرف القدر بالوزن فيكون عليه.
стр. 596
قال: "وأجرة وزان الثمن على المشتري" لما بينا أنه هو المحتاج إلى تسليم الثمن وبالوزن يتحقق التسليم.
قال: "ومن باع سلعة بثمن قيل للمشتري ادفع الثمن أولا"؛ لأن حق المشتري تعين في المبيع فيقدم دفع الثمن ليتعين حق البائع بالقبض لما أنه لا يتعين بالتعيين تحقيقا للمساواة.
قال: "ومن باع سلعة بسلعة أو ثمنا بثمن قيل لهما سلما معا" لاستوائهما في التعين فلا حاجة إلى تقديم أحدهما في الدفع.
стр. 597
باب خيار الشرط
خيار الشرط جائز في البيع للبائع والمشتري "ولهما الخيار ثلاثة أيام فما دونها والأصل" فيه ما روي: أن حبان بن منقذ بن عمرو الأنصاري ﵁ كان يغبن في البياعات، فقال له النبي ﵊: "إذا بايعت فقل لا خلابة ولي الخيار ثلاثة أيام". "ولا يجوز أكثر منها عند أبي حنيفة" وهو قول زفر والشافعي. "وقالا: يجوز إذا سمى مدة معلومة لحديث ابن عمر ﵄ أنه أجاز الخيار إلى شهرين"؛ ولأن الخيار إنما شرع للحاجة إلى التروي ليندفع الغبن، وقد تمس الحاجة إلى الأكثر فصار كالتأجيل في الثمن. ولأبي حنيفة أن شرط الخيار يخالف مقتضى العقد وهو اللزوم، وإنما جوزناه بخلاف القياس لما رويناه من النص، فيقتصر على المدة المذكورة فيه وانتفت الزيادة. "إلا أنه إذا أجاز في الثلاثجاز عند أبي حنيفة" خلافا لزفر، هو يقول: إنه انعقد فاسدا فلا ينقلب جائزا. وله أنه أسقط المفسد قبل تقرره فيعود جائزا كما إذا باع بالرقم وأعلمه في المجلس. ولأن الفساد باعتبار اليوم الرابع، فإذا أجاز قبل ذلك لم يتصل المفسد بالعقد، ولهذا قيل: إن العقد يفسد بمضي جزء من اليوم الرابع، وقيل ينعقد فاسدا ثم يرتفع الفساد بحذف الشرط، وهذا على الوجه الأول. "ولو اشترى على أنه إن لم ينقد الثمن إلى ثلاثة أيام فلا بيع بينهما جاز. وإلى أربعة أيام لا يجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: يجوز إلى أربعة أيام أو أكثر، فإن نقد في الثلاث جاز في قولهم جميعا".
والأصل فيه أن هذا في معنى اشتراط الخيار إذ الحاجة مست إلى الانفساخ عند عدم النقد تحرزا عن المماطلة في الفسخ فيكون ملحقا به. وقد مر أبو حنيفة على أصله في الملحق به، ونفى الزيادة على الثلاث وكذا محمد في تجويز الزيادة. وأبو يوسف أخذ في
стр. 598
الأصل بالأثر. وفي هذا بالقياس، وفي هذه المسألة قياس آخر وإليه مال زفر وهو أنه بيع شرط فيه إقالة فاسدة لتعلقها بالشرط، واشتراط الصحيح منها فيه مفسد للعقد، فاشتراط الفاسد أولى ووجه الاستحسان ما بينا.
قال: "وخيار البائع يمنع خروج المبيع عن ملكه"؛ لأن تمام هذا السبب بالمراضاة ولا يتم مع الخيار ولهذا ينفذ عتقه. ولا يملك المشتري التصرف فيه وإن قبضه بإذن البائع "ولو قبضه المشتري وهلك في يده في مدة الخيار ضمنه بالقيمة"؛ لأن البيع ينفسخ بالهلاك؛ لأنه كان موقوفا، ولا نفاذ بدون المحل فبقي مقبوضا في يده على سوم الشراء وفيه القيمة، ولو هلك في يد البائع انفسخ البيع ولا شيء على المشتري اعتبارا بالبيع الصحيح المطلق.
قال: "وخيار المشتري لا يمنع خروج المبيع عن ملك البائع"؛ لأن البيع في جانب الآخر لازم، وهذا؛ لأن الخيار إنما يمنع خروج البدل. عن ملك من له الخيار؛ لأنه شرع نظرا له دون الآخر.
قال: "إلا أن المشتري لا يملكه عند أبي حنيفة، وقالا: يملكه" لأنه لما خرج عن ملك البائع فلو لم يدخل في ملك المشتري يكون زائلا لا إلى مالك ولا عهد لنا به في الشرع. ولأبي حنيفة أنه لما لم يخرج الثمن عن ملكه فلو قلنا بأنه يدخل المبيع في ملكه لاجتمع البدلان في ملك رجل واحد حكما للمعاوضة، ولا أصل له في الشرع؛ لأن المعاوضة تقتضي المساواة؛ ولأن الخيار شرع نظرا للمشتري ليتروى فيقف على المصلحة، ولو ثبت الملك ربما يعتق عليه من غير اختياره بأن كان قريبه فيفوت النظر.
قال: "فإن هلك في يده هلك بالثمن، وكذا إذا دخله عيب" بخلاف ما إذا كان الخيار للبائع. ووجه الفرق أنه إذا دخله عيب يمتنع الرد، والهلاك لا يعرى عن مقدمة عيب فيهلك، والعقد قد انبرم فيلزمه الثمن، بخلاف ما تقدم؛ لأن بدخول العيب لا يمتنع الرد حكما بخيار البائع فيهلك والعقد موقوف.
قال: "ومن اشترى امرأته على أنه بالخيار ثلاثة أيام لم يفسد النكاح"؛ لأنه لم يملكها لما له من الخيار "وإن وطئها له أن يردها"؛ لأن الوطء بحكم النكاح "إلا إذا كانت بكرا"؛ لأن الوطء ينقصها، وهذا عند أبي حنيفة "وقالا: يفسد النكاح"؛ لأنه ملكها "وإن وطئها لم يردها"؛ لأن وطأها بملك اليمين فيمتنع الرد وإن كانت ثيبا؛ ولهذه المسألة أخوات كلها تبتني على وقوع الملك للمشتري بشرط الخيار وعدمه: منها عتق المشترى على المشتري إذا كان قريبا له في مدة الخيار، ومنها: عتقه إذا كان المشتري حلف إن ملكت عبدا فهو حر. بخلاف
стр. 599
ما إذا قال: إن اشتريت فهو حر؛ لأنه يصير كالمنشئ للعتق بعد الشراء فيسقط الخيار، ومنها أن حيض المشتراة في المدة لا يجتزأ به عن الاستبراء عنده، وعندهما يجتزأ؛ ولو ردت بحكم الخيار إلى البائع لا يجب عليه الاستبراء عنده، وعندهما يجب إذا ردت بعد القبض. ومنها إذا ولدت المشتراة في المدة بالنكاح لا تصير أم ولد له عنده خلافا لهما،. ومنها إذا قبض المشتري المبيع بإذن البائع ثم أودعه عند البائع فهلك في يده في المدة هلك من مال البائع لارتفاع القبض بالرد لعدم الملك عنده، وعندهما من مال المشتري لصحة الإيداع باعتبار قيام الملك. ومنها لو كان المشتري عبدا مأذونا له فأبرأه البائع من الثمن في المدة بقي على خياره عنده؛ لأن الرد امتناع عن التملك والمأذون له يليه، وعندهما بطل خياره؛ لأنه لما ملكه كان الرد منه تمليكا بغير عوض وهو ليس من أهله. ومنها إذا اشترى ذمي من ذمي خمرا على أنه بالخيار ثم أسلم بطل الخيار عندهما؛ لأنه ملكها فلا يملك ردها وهو مسلم. وعنده يبطل البيع؛ لأنه لم يملكها فلا يتملكها بإسقاط الخيار بعده وهو مسلم.
قال: "ومن شرط له الخيار فله أن يفسخ في المدة وله أن يجيز، فإن أجازه بغير حضرة صاحبها جاز. وإن فسخ لم يجز إلا أن يكون الآخر حاضرا عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: يجوز" وهو قول الشافعي والشرط هو العلم، وإنما كنى بالحضرة عنه. له أنه مسلط على الفسخ من جهة صاحبه فلا يتوقف على علمه كالإجازة ولهذا لا يشترط رضاه وصار كالوكيل بالبيع. ولهما أنه تصرف في حق الغير وهو العقد بالرفع، ولا يعرى عن المضرة؛ لأنه. عساه يعتمد تمام البيع السابق فيتصرف فيه فتلزمه غرامة القيمة بالهلاك فيما إذا كان الخيار للبائع، أو لا يطلب لسلعته مشتريا فيما إذا كان الخيار للمشتري، وهذا نوع ضرر فيتوقف على علمه وصار كعزل الوكيل، بخلاف. الإجازة لأنه لا إلزام فيه، ولا نقول إنه مسلط، وكيف يقال ذلك وصاحبه لا يملك الفسخ ولا تسليط في غير. ما يملكه المسلط، ولو كان فسخ في حال غيبة صاحبه وبلغه في المدة تم الفسخ لحصول العلم به، ولو بلغه بعد مضي المدة تم العقد بمضي المدة قبل الفسخ.
قال: "وإذا مات من له الخيار بطل خياره ولم ينتقل إلى ورثته" وقال الشافعي: يورث عنه؛ لأنه حق لازم ثابت في البيع فيجري فيه الإرث كخيار العيب والتعيين. ولنا أن الخيار ليس إلا مشيئة وإرادة ولا يتصور انتقاله، والإرث فيما يقبل الانتقال. بخلاف خيار العيب؛ لأن المورث استحق المبيع سليما فكذا الوارث، فأما نفس الخيار لا يورث، وأما خيار التعيين يثبت للوارث ابتداء لاختلاط ملكه بملك الغير لا أن يورث الخيار.
قال "ومن اشترى شيئا وشرط الخيار لغيره فأيهما أجاز الخيار وأيهما نقض
стр. 600
انتقض" وأصل هذا أن اشتراط الخيار لغيره جائز استحسانا، وفي القياس لا يجوز وهو قول زفر؛ لأن الخيار من مواجب العقد وأحكامه، فلا يجوز اشتراطه لغيره كاشتراط الثمن على غير المشتري .. ولنا أن الخيار لغير العاقد لا يثبت إلا بطريق النيابة عن العاقد فيقدر الخيار له اقتضاء ثم يجعل هو نائبا عنه تصحيحا لتصرفه، وعند ذلك يكون لكل واحد منهما الخيار، فأيهما أجاز جاز، وأيهما نقض انتقض "ولو أجاز أحدهما وفسخ الآخر يعتبر السابق" لوجوده في زمان لا يزاحمه فيه غيره، ولو خرج الكلامان منهما معا يعتبر تصرف العاقد في رواية وتصرف الفاسخ في أخرى. وجه الأول أن تصرف العاقد أقوى؛ لأن النائب يستفيد الولاية منه. وجه الثاني أن الفسخ أقوى؛ لأن المجاز يلحقه الفسخ والمفسوخ لا تلحقه الإجازة، ولما ملك كل واحد منهما التصرف رجحنا بحال التصرف. وقيل الأول قول محمد والثاني قول أبي يوسف، واستخراج ذلك مما إذا باع الوكيل من رجل والموكل من غيره معا؛ فمحمد يعتبر فيه تصرف الموكل، وأبو يوسف يعتبرهما.
قال: "ومن باع عبدين بألف درهم على أنه بالخيار في أحدهما ثلاثة أيام فالبيع فاسد، وإن باع كل واحد منهما بخمسمائة على أنه بالخيار في أحدهما بعينه جاز البيع" والمسألة على أربعة أوجه:
أحدها: أن لا يفصل الثمن ولا يعين الذي فيه الخيار وهو الوجه الأول في الكتاب وفساده لجهالة الثمن والمبيع؛ لأن الذي فيه الخيار كالخارج عن العقد، إذ العقد مع الخيار لا ينعقد في حق الحكم فبقي الداخل فيه أحدهما وهو غير معلوم.
والوجه الثاني: أن يفصل الثمن ويعين الذي فيه الخيار وهو المذكور ثانيا في الكتاب، وإنما جاز؛ لأن المبيع معلوم والثمن معلوم، وقبول العقد في الذي فيه الخيار وإن كان شرطا لانعقاد العقد في الآخر ولكن هذا غير مكسد للعقد لكونه محلا للبيع كما إذا جمع بين قن ومدبر.
والثالث: أن يفصل ولا يعين.
والرابع: أن يعين ولا يفصل، فالعقد فاسد في الوجهين: إما لجهالة المبيع أو لجهالة الثمن.
قال: "ومن اشترى ثوبين على أن يأخذ أيهما شاء بعشرة وهو بالخيار ثلاثة أيام فهو جائز، وكذا الثلاثة، فإن كانت أربعة أثواب فالبيع فاسد" والقياس أن يفسد البيع في الكل لجهالة المبيع، وهو قول زفر والشافعي. وجه الاستحسان أن شرع الخيار
следующие страницы →