← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 11820

الهداية في شرح بداية المبتدي

المرغيناني

Полный текст (1 246 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

أبي حنيفة ﵀ إن شاء أخذه بجميع الثمن وإن شاء تركه "وإن اطلع على خيانة في التولية أسقطها من الثمن، وقال أبو يوسف ﵀: يحط فيهما، وقال محمد ﵀: يخير فيهما" لمحمد ﵀ أن الاعتبار للتسمية؛ لكونه معلوما، والتولية والمرابحة ترويج وترغيب فيكون وصفا مرغوبا فيه كوصف السلامة فيتخير بفواته، ولأبي يوسف ﵀ أن الأصل فيه كونه تولية ومرابحة ولهذا ينعقد بقوله وليتك بالثمن الأول أو بعتك مرابحة على الثمن الأول إذا كان ذلك معلوما فلا بد من البناء على الأول وذلك بالحط، غير أنه يحط في التولية قدر الخيانة من رأس المال وفي المرابحة منه ومن الربح، ولأبي حنيفة ﵀ أنه لو لم يحط في التولية لا تبقى تولية؛ لأنه يزيد على الثمن الأول فيتغير التصرف فتعين الحط وفي المرابحة لو لم يحط تبقى مرابحة وإن كان يتفاوت الربح فلا يتغير التصرف فأمكن القول بالتخيير، فلو هلك قبل أن يرده أو حدث فيه ما يمنع الفسخ يلزمه جميع الثمن في الروايات الظاهرة؛ لأنه مجرد خيار لا يقابله شيء من الثمن كخيار الرؤية والشرط، بخلاف خيار العيب؛ لأنه المطالبة بتسليم الفائت فيسقط ما يقابله عند عجزه. قال: "ومن اشترى ثوبا فباعه بربح ثم اشتراه، فإن باعه مرابحة طرح عنه كل ربح كان قبل ذلك، فإن كان استغرق الثمن لم يبعه مرابحة، وهذا عند أبي حنيفة ﵀ وقالا: يبيعه مرابحة على الثمن الأخير". صورته: إذا اشترى ثوبا بعشرة وباعه بخمسة عشر ثم اشتراه بعشرة فإنه يبيعه مرابحة بخمسة ويقول قام علي بخمسة، ولو اشتراه بعشرة وباعه بعشرين مرابحة ثم اشتراه بعشرة لا يبيعه مرابحة أصلا، وعندهما يبيعه مرابحة على العشرة في الفصلين، لهما أن العقد الثاني عقد متجدد منقطع الأحكام عن الأول فيجوز بناء المرابحة عليه، كما إذا تخلل ثالث، ولأبي حنيفة ﵀ أن شبهة حصول الربح بالعقد الثاني ثابتة؛ لأنه يتأكد به بعدما كان على شرف السقوط بالظهور على عيب الشبهة كالحقيقة في بيع المرابحة احتياطا ولهذا لم تجز المرابحة فيما أخذ بالصلح لشبهة الحطيطة فيصير كأنه اشترى خمسة وثوبا بعشرة فيطرح عنه خمسة، بخلاف ما إذا تخلل ثالث؛ لأن التأكيد حصل بغيره. قال: "وإذا اشترى العبد المأذون له في التجارة ثوبا بعشرة وعليه دين يحيط برقبته فباعه من المولى بخمسة عشر فإنه يبيعه مرابحة على عشرة، وكذلك إن كان المولى اشتراه فباعه من العبد" لأن في هذا العقد شبهة العدم بجوازه مع المنافي فاعتبر عدما في حكم المرابحة وبقي الاعتبار للأول فيصير كأن العبد اشتراه للمولى بعشرة في الفصل الأول، وكأنه يبيعه للمولى في الفصل الثاني فيعتبر الثمن الأول.

стр. 632

قال: "وإذا كان مع المضارب عشرة دراهم بالنصف فاشترى ثوبا بعشرة وباعه من رب المال بخمسة عشر فإنه يبيعه مرابحة باثني عشر ونصف" لأن هذا البيع وإن قضي بجوازه عندنا عند عدم الربح خلافا لزفر ﵀ مع أنه اشترى ماله بماله لما فيه من استفادة ولاية التصرف وهو مقصود والانعقاد يتبع الفائدة ففيه شبهة العدم؛ ألا ترى أنه وكيل عنه في البيع الأول من وجه فاعتبر البيع الثاني عدما في حق نصف الربح. قال: "ومن اشترى جارية فاعورت أو وطئها وهي ثيب يبيعها مرابحة ولا يبين" لأنه لم يحتبس عنده شيئا يقابله الثمن؛ لأن الأوصاف تابعة لا يقابلها الثمن، ولهذا لو فاتت قبل التسليم لا يسقط شيء من الثمن، وكذا منافع البضع لا يقابلها الثمن، والمسألة فيما إذا لم ينقصها الوطء، وعن أبي يوسف ﵀ في الفصل الأول أنه لا يبيع من غير بيان، كما إذا احتبس بفعله وهو قول الشافعي ﵀ "فأما إذا فقأ عينها بنفسه أو فقأها أجنبي فأخذ أرشها لم يبعها مرابحة حتى يبين" لأنه صار مقصودا بالإتلاف فيقابلها شيء من الثمن، وكذا إذا وطئها وهي بكر لأن العذرة جزء من العين يقابلها الثمن وقد حبسها. "ولو اشترى ثوبا فأصابه قرض فأر أو حرق نار يبيعه مرابحة من غير بيان، ولو تكسر بنشره وطيه لا يبيعه مرابحة حتى يبين" والمعنى ما بيناه. قال: "ومن اشترى غلاما بألف درهم نسيئة فباعه بربح مائة ولم يبين فعلم المشتري، فإن شاء رده، وإن شاء قبل"؛ لأن للأجل شبها بالمبيع؛ ألا يرى أنه يزاد في الثمن لأجل الأجل، والشبهة في هذا ملحقة بالحقيقة فصار كأنه اشترى شيئين وباع أحدهما مرابحة بثمنهما، والإقدام على المرابحة يوجب السلامة عن مثل هذه الخيانة، فإذا ظهرت يخير كما في العيب "وإن استهلكه ثم علم لزمه بألف ومائة"؛ لأن الأجل لا يقابله شيء من الثمن. قال: "فإن كان ولاه إياه ولم يبين رده إنشاء"؛ لأن الخيانة في التولية مثلها في المرابحة؛ لأنه بناء على الثمن الأول "وإن كان استهلكه ثم علم لزمه بألف حالة" لما ذكرناه، وعن أبي يوسف ﵀ أنه يرد القيمة ويسترد كل الثمن، وهو نظير ما إذا استوفى الزيوف مكان الجياد وعلم بعد الاتفاق، وسيأتيك من بعد إن شاء الله تعالى، وقيل يقوم بثمن حال وبثمن مؤجل فيرجع بفضل ما بينهما، ولو لم يكن الأجل مشروطا في العقد ولكنه منجم معتاد قيل لا بد من بيانه؛ لأن المعروف كالمشروط، وقيل يبيعه ولا يبينه؛ لأن الثمن حال. قال: "ومن ولى رجلا شيئا بما قام عليه ولم يعلم المشتري بكم قام عليه فالبيع فاسد" لجهالة الثمن "فإن أعلمه البائع، يعني في المجلس فهو بالخيار، إن شاء أخذه وإن شاء تركه"

стр. 633

لأن الفساد لم يتقرر، فإذا حصل العلم في المجلس جعل كابتداء العقد وصار كتأخير القبول إلى آخر المجلس وبعد الافتراق قد تقرر فلا يقبل الإصلاح، ونظيره بيع الشيء برقمه إذا علم في المجلس، وإنما يتخير؛ لأن الرضا لم يتم قبله لعدم العلم فيتخير كما في خيار الرؤية.

стр. 634

فصل: "ومن اشترى شيئا مما ينقل ويحول لم يجز له بيعه حتى يقبضه" لأنه ﵊ نهى عن بيع ما لم يقبض ولأن فيه غرر انفساخ العقد على اعتبار الهلاك. "ويجوز بيع العقار قبل القبض عند أبي حنيفة وأبي يوسف ﵀. وقال محمد ﵀: لا يجوز" رجوعا إلى إطلاق الحديث واعتبارا بالمنقول وصار كالإجارة، ولهما أن ركن البيع صدر من أهله في محله، ولا غرر فيه؛ لأن الهلاك في العقار نادر، بخلاف المنقول، والغرر المنهي عنه غرر انفساخ العقد، والحديث معلول به عملا بدلائل الجواز والإجارة، قيل على هذا الخلاف؛ ولو سلم فالمعقود عليه في الإجارة المنافع وهلاكها غير نادر. قال: "ومن اشترى مكيلا مكايلة أو موزونا موازنة فاكتاله أو اتزنه ثم باعه مكايلة أو موازنة لم يجز للمشترى منه أن يبيعه ولا أن يأكله حتى يعيد الكيل والوزن" لأن النبي ﵊ نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه صاعان: صاع البائع، وصاع المشتري؛ ولأنه يحتمل أن يزيد على المشروط وذلك للبائع والتصرف في مال الغير حرام فيجب التحرز عنه، بخلاف ما إذا باعه مجازفة؛ لأن الزيادة له، وبخلاف ما إذا باع الثوب مذارعة؛ لأن الزيادة له إذ الذرع وصف في الثوب، بخلاف القدر، ولا معتبر بكيل البائع قبل البيع وإن كان بحضرة المشتري؛ لأنه ليس صاع البائع والمشتري وهو الشرط، ولا بكيله بعد البيع بغيبة المشتري؛ لأن الكيل من باب التسليم؛ لأن به يصير المبيع معلوما ولا تسليم إلا بحضرته، ولو كاله البائع بعد البيع بحضرة المشتري فقد قيل لا يكتفى به لظاهر الحديث، فإنه اعتبر صاعين والصحيح أنه يكتفى به؛ لأن المبيع صار معلوما بكيل واحد وتحقق معنى التسليم، ومحمل الحديث اجتماع الصفقتين على ما نبين في باب السلم إن شاء الله تعالى، ولو اشترى المعدود عدا فهو كالمذروع فيما يروى عنهما لأنه ليس بمال الربا، وكالموزون فيما يروى عن أبي حنيفة ﵀ لأنه لا تحل له الزيادة على المشروط. قال: "والتصرف في الثمن قبل القبض جائز" لقيام المطلق وهو الملك وليس فيه غرر الانفساخ بالهلاك لعدم تعينها بالتعيين، بخلاف المبيع. قال: "ويجوز للمشتري أن يزيد للبائع في الثمن ويجوز للبائع أن يزيد للمشتري في

стр. 635

المبيع، ويجوز أن يحط من الثمن ويتعلق الاستحقاق بجميع ذلك" فالزيادة والحط يلتحقان بأصل العقد عندنا، وعند زفر والشافعي ﵀ لا يصحان على اعتبار الالتحاق، بل على اعتبار ابتداء الصلة، لهما أنه لا يمكن تصحيح الزيادة ثمنا؛ لأنه يصير ملكه عوض ملكه فلا يلتحق بأصل العقد، وكذا الحط؛ لأن كل الثمن صار مقابلا بكل المبيع فلا يمكن إخراجه فصار برا مبتدأ، ولنا أنهما بالحط والزيادة يغيران العقد من وصف مشروع إلى وصف مشروع وهو كونه رابحا أو خاسرا أو عدلا، ولهما ولاية الرفع فأولى أن يكون لهما ولاية التغير، وصار كما إذا أسقطا الخيار أو شرطاه بعد العقد، ثم إذا صح يلتحق بأصل العقد؛ لأن وصف الشيء يقوم به لا بنفسه، بخلاف حط الكل؛ لأنه تبديل لأصله لا تغيير لوصفه فلا يلتحق به، وعلى اعتبار الالتحاق لا تكون الزيادة عوضا عن ملكه، ويظهر حكم الالتحاق في التولية والمرابحة حتى يجوز على الكل في الزيادة ويباشر على الباقي في الحط وفي الشفعة حتى يأخذ بما بقي في الحط، وإنما كان للشفيع أن يأخذ بدون الزيادة لما في الزيادة من إبطال حقه الثابت فلا يملكانه، ثم الزيادة لا تصح بعد هلاك المبيع على ظاهر الرواية؛ لأن المبيع لم يبق على حالة يصح الاعتياض عنه والشيء يثبت ثم يستند، بخلاف الحط لأنه بحال يمكن إخراج البدل عما يقابله فيلتحق بأصل العقد استنادا. قال: "ومن باع بثمن حال ثم أجله أجلا معلوما صار مؤجلا"؛ لأن الثمن حقه فله أن يؤخره تيسيرا على من عليه، ألا ترى أنه يملك إبراءه مطلقا فكذا مؤقتا، ولو أجله إلى أجل مجهول إن كانت الجهالة متفاحشة كهبوب الريح لا يجوز، وإن كانت متقاربة كالحصاد والدياس يجوز؛ لأنه بمنزلة الكفالة وقد ذكرناه من قبل. قال: "وكل دين حال إذا أجله صاحبه صار مؤجلا"؛ لما ذكرنا "إلا القرض" فإن تأجيله لا يصح؛ لأنه إعارة وصلة في الابتداء حتى يصح بلفظة الإعارة، ولا يملكه من لا يملك التبرع كالوصي والصبي ومعاوضة في الانتهاء، فعلى اعتبار الابتداء لا يلزم التأجيل فيه كما في الإعارة، إذ لا جبر في التبرع، وعلى اعتبار الانتهاء لا يصح؛ لأنه يصير بيع الدراهم بالدراهم نسيئة وهو ربا، وهذا بخلاف ما إذا أوصى أن يقرض من ماله ألف درهم فلانا إلى سنة حيث يلزم الورثة من ثلثه أن يقرضوه ولا يطالبوه قبل المدة؛ لأنه وصية بالتبرع بمنزلة الوصية بالخدمة والسكنى فيلزم حقا للموصي، والله تعالى أعلم.

стр. 636

باب الربا قال: "الربا محرم في كل مكيل أو موزون إذا بيع بجنسه متفاضلا" فالعلة عندنا الكيل

стр. 637

مع الجنس والوزن مع الجنس. قال ﵁: ويقال القدر مع الجنس وهو أشمل. والأصل فيه الحديث المشهور وهو قوله ﵊: "الحنطة بالحنطة مثلا بمثل يدا بيد، والفضل ربا" وعد الأشياء الستة: الحنطة والشعير والتمر والملح والذهب والفضة على هذا المثال. ويروى بروايتين بالرفع مثل وبالنصب مثلا. ومعنى الأول بيع التمر، ومعنى الثاني بيعوا التمر، والحكم معلوم بإجماع القائسين لكن العلة عندنا ما ذكرناه. وعند الشافعي ﵀: الطعم في المطعومات والثمنية في الأثمان، والجنسية شرط، والمساواة مخلص. والأصل هو الحرمة عنده لأنه نص على شرطين التقابض والمماثلة وكل ذلك يشعر بالعزة والخطر كاشتراط الشهادة في النكاح، فيعلل بعلة تناسب إظهار الخطر والعزة وهو الطعم لبقاء الإنسان به والثمنية لبقاء الأموال التي هي مناط المصالح بها، ولا أثر للجنسية في ذلك فجعلناه شرطا والحكم قد يدور مع الشرط. ولنا أنه أوجب المماثلة شرطا في البيع وهو المقصود بسوقه تحقيقا لمعنى البيع، إذ هو ينبئ عن التقابل وذلك بالتماثل، أو صيانة لأموال الناس عن التوى، أو تتميما للفائدة باتصال التسليم به، ثم يلزم عند فوته حرمة الربا والمماثلة بين الشيئين باعتبار الصورة والمعنى، والمعيار يسوى الذات، والجنسية تسوى المعنى فيظهر الفضل على ذلك فيتحقق الربا، لأن الربا هو الفضل المستحق لأحد المتعاقدين في المعاوضة الخالي عن عوض شرط فيه، ولا يعتبر الوصف لأنه لا يعد تفاوتا عرفا، أو لأن في اعتباره سد باب البياعات، أو لقوله ﵊: "جيدها ورديئها سواء" والطعم والثمنية من أعظم وجوه المنافع، والسبيل في مثلها الإطلاق بأبلغ الوجوه لشدة الاحتياج إليها دون التضييق فيه فلا معتبر بما ذكره. إذا ثبت هذا نقول إذا: بيع المكيل أو الموزون بجنسه مثلا بمثل جاز البيع فيه لوجوب شرط الجواز، وهو المماثلة في المعيار؛ ألا ترى إلى ما يروى مكان قوله، مثلا بمثل كيلا بكيل، وفي الذهب بالذهب وزنا بوزن "وإن تفاضلا لم يجز" لتحقق الربا "ولا يجوز بيع الجيد بالرديء مما فيه الربا إلا مثلا بمثل" لإهدار التفاوت في الوصف "ويجوز بيع الحفنة بالحفنتين والتفاحة بالتفاحتين" لأن المساواة بالمعيار ولم يوجد فلم يتحقق الفضل، ولهذا كان مضمونا بالقيمة عند الإتلاف. وعند الشافعي ﵀ العلة هي الطعم ولا مخلص وهو المساواة فيحرم، وما دون نصف الصاع فهو في حكم الحفنة لأنه لا تقدير في الشرع بما دونه، ولو تبايعا مكيلا أو موزونا غير مطعوم بجنسه متفاضلا كالجص والحديد لا يجوز عندنا لوجود القدر والجنس. وعنده يجوز لعدم الطعم والثمنية. قال: "وإذا عدم الوصفان الجنس والمعنى المضموم إليه حل التفاضل والنساء" لعدم العلة المحرمة.

стр. 638

والأصل فيه الإباحة. وإذا وجدا. حرم التفاضل والنساء لوجود العلة. وإذا وجد أحدهما وعدم الآخر حل التفاضل وحرم النساء مثل أن يسلم هرويا في هروي أو حنطة في شعير، فحرمة ربا الفضل بالوصفين وحرمة النساء بأحدهما. وقال الشافعي: الجنس بانفراده لا يحرم النساء لأن بالنقدية وعدمها لا يثبت إلا شبهة الفضل، وحقيقة الفضل غير مانع فيه حتى يجوز بيع الواحد بالاثنين فالشبهة أولى. ولنا أنه مال الربا من وجه نظرا إلى القدر أو الجنس والنقدية أوجبت فضلا في المالية فتتحقق شبهة الربا وهي مانعة كالحقيقة، إلا أنه إذا أسلم النقود في الزعفران ونحوه يجوز، وإن جمعهما الوزن لأنهما لا يتفقان في صفة الوزن، فإن الزعفران يوزن بالأمناء وهو مثمن يتعين بالتعيين، والنقود توزن بالسنجات وهو ثمن لا يتعين بالتعيين. ولو باع بالنقود موازنة وقبضها صح التصرف فيها قبل الوزن، وفي الزعفران وأشباهه لا يجوز، فإذا اختلفا فيه صورة ومعنى وحكما لم يجمعهما القدر من كل وجه فتنزل الشبهة فيه إلى شبهة الشبهة وهي غير معتبرة. قال: "وكل شيء نص رسول الله ﷺ على تحريم التفاضل فيه كيلا فهو مكيل أبدا، وإن ترك الناس الكيل فيه مثل الحنطة والشعير والتمر والملح وكل ما نص على تحريم التفاضل فيه وزنا فهو موزون أبدا، وإن ترك الناس الوزن فيه مثل الذهب والفضة" لأن النص أقوى من العرف والأقوى لا يترك بالأدنى "وما لم ينص عليه فهو محمول على عادات الناس" لأنها دلالة. وعن أبي يوسف أنه يعتبر العرف على خلاف المنصوص عليه أيضا لأن النص على ذلك لمكان العادة فكانت هي المنظور إليها وقد تبدلت، فعلى هذا لو باع الحنطة بجنسها متساويا وزنا، أو الذهب بجنسه متماثلا كيلا لا يجوز عندهما، وإن تعارفوا ذلك لتوهم الفضل على ما هو المعيار فيه، كما إذا باع مجازفة إلا أنه يجوز الإسلام في الحنطة ونحوها وزنا لوجود الإسلام في معلوم. قال: "وكل ما ينسب إلى الرطل فهو وزني" معناه ما يباع بالأواقي لأنها قدرت بطريق الوزن حتى يحتسب ما يباع بها وزنا، بخلاف سائر المكاييل، وإذا كان موزونا فلو بيع بمكيال لا يعرف وزنه بمكيال مثله لا يجوز لتوهم الفضل في الوزن بمنزلة المجازفة. قال: "وعقد الصرف ما وقع على جنس الأثمان يعتبر فيه قبض عوضيه في المجلس" لقوله ﵊: "والفضة بالفضة هاء وهاء" معناه يدا بيد، وسنبين الفقه في الصرف إن شاء الله تعالى. قال: "وما سواه مما فيه الربا يعتبر فيه التعيين ولا يعتبر فيه التقابض خلافا للشافعي

стр. 639

في بيع الطعام". له قوله ﵊ في الحديث المعروف "يدا بيد" ولأنه إذا لم يقبض في المجلس فيتعاقب القبض وللنقد مزية فتثبت شبهة الربا. ولنا أنه مبيع متعين فلا يشترط فيه القبض كالثوب، وهذا لأن الفائدة المطلوبة إنما هو التمكن من التصرف ويترتب ذلك على التعيين، بخلاف الصرف لأن القبض فيه ليتعين به؛ ومعنى قوله ﵊ "يدا بيد" عينا بعين، وكذا رواه عبادة بن الصامت ﵁ وتعاقب القبض لا يعتبر تفاوتا في المال عرفا، بخلاف النقد والمؤجل. قال: "ويجوز بيع البيضة بالبيضتين والتمرة بالتمرتين والجوزة بالجوزتين" لانعدام المعيار فلا يتحقق الربا. والشافعي يخالفنا فيه لوجود الطعم على ما مر. قال: "ويجوز بيع الفلس بالفلسين بأعيانهما" عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: لا يجوز لأن الثمنية تثبت باصطلاح الكل فلا تبطل باصطلاحهما، وإذا بقيت أثمانا لا تتعين فصار كما إذا كانا بغير أعيانهما وكبيع الدرهم بالدرهمين. ولهما أن الثمنية في حقهما تثبت باصطلاحهما إذ لا ولاية للغير عليهما فتبطل باصطلاحهما وإذا بطلت الثمنية تتعين بالتعيين ولا يعود وزنيا لبقاء الاصطلاح على العد إذ في نقضه في حق العد فساد العقد فصار كالجوزة بالجوزتين بخلاف النقود لأنها للثمنية خلقة، وبخلاف ما إذا كانا بغير أعيانهما لأنه كالئ بالكالئ وقد نهي عنه، وبخلاف ما إذا كان أحدهما بغير عينه لأن الجنس بانفراده يحرم النساء. قال: "ولا يجوز بيع الحنطة بالدقيق ولا بالسويق" لأن المجانسة باقية من وجه لأنهما من أجزاء الحنطة والمعيار فيهما الكيل، لكن الكيل غير مسو بينهما وبين الحنطة لاكتنازهما فيه وتخلخل حبات الحنطة فلا يجوز وإن كان كيلا بكيل "ويجوز بيع الدقيق بالدقيق متساويا كيلا" لتحقق الشرط "وبيع الدقيق بالسويق لا يجوز" عند أبي حنيفة متفاضلا، ولا متساويا لأنه لا يجوز بيع الدقيق بالمقلية ولا بيع السويق بالحنطة، فكذا بيع أجزائهما لقيام المجانسة من وجه. وعندهما يجوز لأنهما جنسان مختلفان لاختلاف المقصود. قلنا: معظم المقصود وهو التغذي يشملهما فلا يبالى بفوات البعض كالمقلية مع غير المقلية والعلكة بالمسوسة. قال: "ويجوز بيع اللحم بالحيوان" عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: إذا باعه بلحم من جنسه لا يجوز إلا إذا كان اللحم المفرز أكثر ليكون اللحم بمقابلة ما فيه من اللحم والباقي بمقابلة السقط، إذ لو لم يكن كذلك يتحقق الربا من حيث زيادة

стр. 640

السقط أو من حيث زيادة اللحم فصار كالخل بالسمسم. ولهما أنه باع الموزون بما ليس بموزون، لأن الحيوان لا يوزن عادة ولا يمكن معرفة ثقله بالوزن لأنه يخفف نفسه مرة بصلابته ويثقل أخرى، بخلاف تلك المسألة لأن الوزن في الحال يعرف قدر الدهن إذا ميز بينه وبين الثجير، ويوزن الثجير. قال: "ويجوز بيع الرطب بالتمر مثلا بمثل عند أبي حنيفة" وقالا: لا يجوز لقوله ﵊ حين سأل عنه "أو ينقص إذا جف؟ فقيل نعم، فقال ﵊: "لا إذا" وله أن الرطب تمر لقوله ﵊ حين أهدى إليه رطب: "أ و كل تمر خيبر هكذا؟ " سماه تمرا. وبيع التمر بمثله جائز لما روينا، ولأنه لو كان تمرا جاز البيع بأول الحديث، وإن كان غير تمر فبآخره، وهو قوله ﵊: "إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم" ومدار ما روياه على زيد بن عياش وهو ضعيف عند النقلة. قال: "وكذا العنب بالزبيب" يعني على الخلاف والوجه ما بيناه. وقيل لا يجوز بالاتفاق اعتبارا بالحنطة المقلية بغير المقلية، والرطب بالرطب يجوز متماثلا كيلا عندنا لأنه بيع التمر بالتمر، وكذا بيع الحنطة الرطبة أو المبلولة بمثلها أو باليابسة، أو التمر أو الزبيب المنقع بالمنقع منهما متماثلا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله. وقال محمد ﵀ لا يجوز جميع ذلك لأنه يعتبر المساواة في أعدل الأحوال وهو المال، وأبو حنيفة ﵀ يعتبره في الحال، وكذا أبو يوسف ﵀ عملا بإطلاق الحديث إلا أنه ترك هذا الأصل في بيع الرطب بالتمر لما رويناه لهما. ووجه الفرق لمحمد ﵀ بين هذه الفصول وبين الرطب بالرطب أن التفاوت فيما يظهر مع بقاء البدلين على الاسم الذي عقد عليه العقد، وفي الرطب بالتمر مع بقاء أحدهما على ذلك فيكون تفاوتا في عين المعقود عليه، وفي الرطب بالرطب التفاوت بعد زوال ذلك الاسم فلم يكن تفاوتا في المعقود عليه فلا يعتبر. ولو باع البسر بالتمر متفاضلا لا يجوز لأن البسر تمر، بخلاف الكفرى حيث يجوز بيعه بما شاء من التمر اثنان بواحد لأنه ليس بتمر، فإن هذا الاسم له من أول ما تنعقد صورته لا قبله، والكفرى عددي متفاوت، حتى لو باع التمر به نسيئة لا يجوز للجهالة. قال: "ولا يجوز بيع الزيتون بالزيت والسمسم بالشيرج حتى يكون الزيت والشيرج أكثر مما في الزيتون والسمسم فيكون الدهن بمثله والزيادة بالثجير" لأن عند ذلك يعرى عن الربا إذ ما فيه من الدهن موزون، وهذا لأن ما فيه لو كان أكثر أو مساويا له، فالثجير وبعض الدهن أو الثجير وحده فضل، ولو لم يعلم مقدار ما فيه لا يجوز لاحتمال الربا، والشبهة فيه

стр. 641

كالحقيقة، والجوز بدهنه واللبن بسمنه والعنب بعصيره والتمر بدبسه على هذا الاعتبار. واختلفوا في القطن بغزله، والكرباس بالقطن يجوز كيفما كان بالإجماع. قال: "ويجوز بيع اللحمان المختلفة بعضها ببعض متفاضلا" ومراده لحم الإبل والبقر والغنم؛ فأما البقر والجواميس جنس واحد، وكذا المعز مع الضأن وكذا العراب مع البخاتي. قال: "وكذلك ألبان البقر والغنم" وعن الشافعي ﵀ لا يجوز لأنها جنس واحد لاتحاد المقصود. ولنا أن الأصول مختلفة حتى لا يكمل نصاب أحدهما بالآخر في الزكاة، فكذا أجزاؤها إذا لم تتبدل بالصنعة. قال: "وكذا خل الدقل بخل العنب" للاختلاف بين أصليهما، فكذا بين ماءيهما ولهذا كان عصيراهما جنسين. وشعر المعز وصوف الغنم جنسان لاختلاف المقاصد. قال: "وكذا شحم البطن بالألية أو باللحم" لأنها أجناس مختلفة لاختلاف الصور والمعاني والمنافع اختلافا فاحشا. قال: "ويجوز بيع الخبز بالحنطة والدقيق متفاضلا" لأن الخبز صار عدديا أو موزونا فخرج من أن يكون مكيلا من كل وجه والحنطة مكيلة. وعن أبي حنيفة ﵀ أنه لا خير فيه، والفتوى على الأول، وهذا إذا كانا نقدين؛ فإن كانت الحنطة نسيئة جاز أيضا، وإن كان الخبز نسيئة يجوز عند أبي يوسف ﵀ وعليه الفتوى، وكذا السلم في الخبز جائز في الصحيح، ولا خير في استقراضه عددا أو وزنا عند أبي حنيفة ﵀ لأنه يتفاوت بالخبز والخباز والتنور والتقدم والتأخر. وعند محمد ﵀ يجوز بهما للتعامل، وعند أبي يوسف ﵀ يجوز وزنا ولا يجوز عددا للتفاوت في آحاده. قال: "ولا ربا بين المولى وعبده" لأن العبد وما في يده ملك لمولاه فلا يتحقق الربا، وهذا إذا كان مأذونا له ولم يكن عليه دين، فإن كان عليه دين لا يجوز لأن ما في يده ليس ملك المولى عند أبي حنيفة ﵀ وعندهما تعلق به حق الغرماء فصار كالأجنبي فيتحقق الربا كما يتحقق بينه وبين مكاتبه. قال: "ولا بين المسلم والحربي في دار الحرب" خلافا لأبي يوسف والشافعي رحمهما الله. لهما الاعتبار بالمستأمن منهم في دارنا. ولنا قوله ﵊: "لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب" ولأن مالهم مباح في دارهم فبأي طريق أخذه

стр. 642

المسلم أخذ مالا مباحا إذا لم يكن فيه غدر، بخلاف المستأمن منهم لأن ماله صار محظورا بعقد الأمان.

стр. 643

باب الحقوق "ومن اشترى منزلا فوقه منزل فليس له الأعلى إلا أن يشتريه بكل حق هو له أو بمرافقه أو بكل قليل وكثير هو فيه أو منه. ومن اشترى بيتا فوقه بيت بكل حق لم يكن له الأعلى، ومن اشترى دارا بحدودها فله العلو والكنيف" جمع بين المنزل والبيت والدار، فاسم الدار ينتظم العلو لأنه اسم لما أدير عليه الحدود، والعلو من توابع الأصل وأجزائه فيدخل فيه. والبيت اسم لما يبات فيه، والعلو مثله، والشيء لا يكون تبعا لمثله فلا يدخل فيه إلا بالتنصيص عليه، والمنزل بين الدار والبيت لأنه يتأتى فيه مرافق السكنى مع ضرب قصور إذ لا يكون فيه منزل الدواب، فلشبهه بالدار يدخل العلو فيه تبعا عند ذكر التوابع، ولشبهه بالبيت لا يدخل فيه بدونه. وقيل في عرفنا يدخل العلو في جميع ذلك لأن كل مسكن يسمى بالفارسية خانه ولا يخلو عن علو، وكما يدخل العلو في اسم الدار يدخل الكنيف لأنه من توابعه، ولا تدخل الظلة إلا بذكر ما ذكرنا عند أبي حنيفة ﵀ لأنه مبني على هواء الطريق فأخذ حكمه. وعندهما إن كان مفتحه في الدار يدخل من غير ذكر شيء مما ذكرنا لأنه من توابعه فشابه الكنيف. قال: "ومن اشترى بيتا في دار أو منزلا أو مسكنا لم يكن له الطريق إلا أن يشتريه بكل حق هو له أو بمرافقه أو بكل قليل وكثير، وكذا الشرب والمسيل" لأنه خارج الحدود إلا أنه من التوابع فيدخل بذكر التوابع، بخلاف الإجارة لأنها تعقد للانتفاع فلا يتحقق إلا به، إذ المستأجر لا يشتري الطريق عادة ولا يستأجره فيدخل تحصيلا للفائدة المطلوبة منه، أما الانتفاع بالمبيع ممكن بدونه لأن المشتري عادة يشتريه، وقد يتجر فيه فيبيعه من غيره فحصلت الفائدة، والله تعالى أعلم.

стр. 644

باب الاستحقاق "ومن اشترى جارية فولدت عنده فاستحقها رجل ببينة فإنه يأخذها وولدها، وإن أقر بها لرجل لم يتبعها ولدها" ووجه الفرق أن البينة حجة مطلقة فإنها كاسمها مبينة فيظهر بها ملكه من الأصل والولد كان متصلا بها فيكون له. أما الإقرار حجة قاصرة يثبت الملك في المخبر به ضرورة صحة الإخبار، وقد اندفعت بإثباته بعد الانفصال فلا يكون الولد له. ثم قيل: يدخل الولد في القضاء بالأم تبعا، وقيل

стр. 645

يشترط القضاء بالولد وإليه تشير المسائل، فإن القاضي إذا لم يعلم بالزوائد. قال محمد ﵀: لا تدخل الزوائد في الحكم، فكذا الولد إذا كان في يد غيره لا يدخل تحت الحكم بالأم تبعا. قال: "ومن اشترى عبدا فإذا هو حر وقد قال العبد للمشتري اشترني فإني عبد له، فإن كان البائع حاضرا أو غائبا غيبة معروفة لم يكن على العبد شيء، وإن كان البائع لا يدرى أين هو رجع المشتري على العبد ورجع هو على البائع وإن ارتهن عبدا مقرا بالعبودية فوجده حرا لم يرجع عليه على كل حال". وعن أبي يوسف ﵀ أنه لا يرجع فيهما لأن الرجوع بالمعاوضة أو بالكفالة والموجود ليس إلا الإخبار كاذبا فصار كما إذا قال الأجنبي ذلك أو قال العبد ارتهني فإني عبد وهي المسألة الثانية. ولهما أن المشتري شرع في الشراء معتمدا على ما أمره وإقراره أني عبد، إذ القول له في الحرية فيجعل العبد بالأمر بالشراء ضامنا للثمن له عند تعذر رجوعه على البائع دفعا للغرور والضرر، ولا تعذر إلا فيما لا يعرف مكانه، والبيع عقد معاوضة فأمكن أن يجعل الآمر به ضامنا للسلامة كما هو موجبه، بخلاف الرهن لأنه ليس بمعاوضة بل هو وثيقة لاستيفاء عين حقه حتى يجوز الرهن ببدل الصرف والمسلم فيه مع حرمة الاستبدال فلا يجعل الأمر به ضمانا للسلامة، وبخلاف الأجنبي لأنه لا يعبأ بقوله فلا يتحقق الغرور. ونظير مسألتنا قول المولى بايعوا عبدي هذا فإني قد أذنت له ثم ظهر الاستحقاق فإنهم يرجعون عليه بقيمته، ثم في وضع المسألة ضرب إشكال على قول أبي حنيفة ﵀ لأن الدعوى شرط في حرية العبد عنده، والتناقض يفسد الدعوى. وقيل إذا كان الوضع في حرية الأصل فالدعوى فيها ليس بشرط عنده لتضمنه تحريم فرج الأم. وقيل هو شرط لكن التناقض غير مانع لخفاء العلوق وإن كان الوضع في الإعتاق فالتناقض لا يمنع لاستبداد المولى به فصار كالمختلعة تقيم البينة على الطلقات الثلاث قبل الخلع والمكاتب يقيمها على الإعتاق قبل الكتابة. قال: "ومن ادعى حقا في دار" معناه حقا مجهولا "فصالحه الذي في يده على مائة درهم فاستحقت الدار إلا ذراعا منها لم يرجع بشيء" لأن للمدعي أن يقول دعواي في هذا الباقي. قال: "وإن ادعاها كلها فصالحه على مائة درهم فاستحق منها شيء رجع بحسابه" لأن التوفيق غير ممكن فوجب الرجوع ببدله عند فوات سلامة المبدل، ودلت المسألة على أن الصلح عن المجهول على معلوم جائز لأن الجهالة فيما يسقط لا تفضي إلى المنازعة. والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 646

فصل: في بيع الفضولي قال: "ومن باع ملك غيره بغير أمره فالمالك بالخيار، إن شاء أجاز البيع؛ وإن شاء فسخ" وقال الشافعي ﵀: لا ينعقد لأنه لم يصدر عن ولاية شرعية لأنها بالملك أو بإذن المالك وقد فقدا، ولا انعقاد إلا بالقدرة الشرعية. ولنا أنه تصرف تمليك وقد صدر من أهله في محله فوجب القول بانعقاده، إذ لا ضرر فيه للمالك مع تخييره، بل فيه نفعه حيث يكفي مؤنة طلب المشتري وقرار الثمن وغيره، وفيه نفع العاقد لصون كلامه عن الإلغاء، وفيه نفع المشتري فثبت للقدرة الشرعية تحصيلا لهذه الوجوه، كيف وإن الإذن ثابت دلالة لأن العاقل يأذن في التصرف النافع. قال: "وله الإجازة إذا كان المعقود عليه باقيا والمتعاقدان بحالهما" لأن الإجازة تصرف في العقد فلا بد من قيامه وذلك بقيام العاقدين والمعقود عليه. وإذا أجاز المالك كان الثمن مملوكا له أمانة في يده بمنزلة الوكيل، لأن الإجازة اللاحقة بمنزلة الوكالة السابقة، وللفضولي أن يفسخ قبل الإجازة دفعا للحقوق عن نفسه، بخلاف الفضولي في النكاح لأنه معبر محض، هذا إذا كان الثمن دينا، فإن كان عرضا معينا إنما تصح الإجازة إذا كان العرض باقيا أيضا. ثم الإجازة إجازة نقد لا إجازة عقد حتى يكون العرض الثمن مملوكا للفضولي، وعليه مثل المبيع إن كان مثليا أو قيمته إن لم يكن مثليا، لأنه شراء من وجه والشراء لا يتوقف على الإجازة. ولو هلك المالك لا ينفذ بإجازة الوارث في الفصلين لأنه توقف على إجازة المورث لنفسه فلا يجوز بإجازة غيره. ولو أجاز المالك في حياته ولا يعلم حال المبيع جاز البيع في قول أبي يوسف ﵀ أولا، وهو قول محمد ﵀ لأن الأصل بقاؤه، ثم رجع أبو يوسف ﵀ وقال: لا يصح حتى يعلم قيامه عند الإجازة لأن الشك وقع في شرط الإجازة فلا يثبت مع الشك. قال: "ومن غصب عبدا فباعه وأعتقه المشتري ثم أجاز المولى البيع فالعتق جائز" استحسانا، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد ﵏: لا يجوز لأنه لا عتق بدون الملك، قال ﵊: "لا عتق فيما لا يملك ابن آدم" والموقوف لا يفيد الملك، ولو ثبت في الآخرة يثبت مستندا وهو ثابت من وجه دون وجه، والمصحح للإعتاق الملك الكامل لما روينا، ولهذا لا يصح أن يعتق الغاصب ثم يؤدي الضمان، ولا أن يعتق المشتري والخيار للبائع ثم يجيز البائع ذلك، وكذا لا يصح بيع المشتري من الغاصب فيما نحن فيه مع أنه أسرع نفاذا حتى نفذ من الغاصب إذا أدى الضمان

стр. 647

وكذا لا يصح إعتاق المشتري من الغاصب إذا أدى الغاصب الضمان. ولهما أن الملك ثبت موقوفا بتصرف مطلق موضوع لإفادة الملك، ولا ضرر فيه على ما مر فتوقف الإعتاق مرتبا عليه وينفذ بنفاذه فصار كإعتاق المشتري من الراهن وكإعتاق الوارث عبدا من التركة وهي مستغرقة بالديون يصح، وينفذ إذا قضى الديون بعد ذلك، بخلاف إعتاق الغاصب بنفسه لأن الغصب غير موضوع لإفادة الملك، وبخلاف ما إذا كان في البيع خيار البائع لأنه ليس بمطلق، وقران الشرط به يمنع انعقاده في حق الحكم أصلا، وبخلاف بيع المشتري من الغاصب إذا باع لأن بالإجازة يثبت للبائع ملك بات، فإذا طرأ على ملك موقوف لغيره أبطله، وأما إذا أدى الغاصب الضمان ينفذ إعتاق المشتري منه كذا ذكره هلال ﵀ وهو الأصح. قال: "فإن قطعت يد العبد فأخذ أرشها ثم أجاز المولى البيع فالأرش للمشتري" لأن الملك قد تم له من وقت الشراء، فتبين أن القطع حصل على ملكه وهذه حجة على محمد، والعذر له أن الملك من وجه يكفي لاستحقاق الأرش كالمكاتب إذا قطعت يده وأخذ الأرش ثم رد في الرق يكون الأرش للمولى، فكذا إذا قطعت يد المشترى في يد المشتري والخيار للبائع ثم أجيز البيع فالأرش للمشتري، بخلاف الإعتاق على ما مر. "ويتصدق بما زاد على نصف الثمن" لأنه لم يدخل في ضمانه أو فيه شبهة عدم الملك. قال: "فإن باعه المشتري من آخر ثم أجاز المولى البيع الأول لم يجز البيع الثاني" لما ذكرنا، ولأن فيه غرر الانفساخ على اعتبار عدم الإجازة في البيع الأول والبيع يفسد به، بخلاف الإعتاق عندهما لأنه لا يؤثر فيه الغرر. قال: "فإن لم يبعه المشتري فمات في يده أو قتل ثم أجاز البيع لم يجز" لما ذكرنا أن الإجازة من شروطها قيام المعقود عليه وقد فات بالموت وكذا بالقتل، إذ لا يمكن إيجاب البدل للمشتري بالقتل حتى يعد باقيا ببقاء البدل لأنه لا ملك للمشتري عند القتل ملكا يقابل بالبدل فتحقق الفوات، بخلاف البيع الصحيح لأن ملك المشتري ثابت فأمكن إيجاب البدل له فيكون المبيع قائما بقيام خلفه. قال: "ومن باع عبد غيره بغير أمره وأقام المشتري البينة على إقرار البائع أو رب العبد أنه لم يأمره بالبيع وأراد رد المبيع لم تقبل بينته" للتناقض في الدعوى، إذ الإقدام على الشراء إقرار منه بصحته، والبينة مبنية على صحة الدعوى "وإن أقر البائع بذلك عند القاضي بطل البيع" إن طلب المشتري ذلك، لأن التناقض لا يمنع صحة الإقرار، وللمشتري أن يساعده

стр. 648

على ذلك فيتحقق الاتفاق بينهما، فلهذا شرط طلب المشتري. قال ﵀: وذكر في الزيادات أن المشتري إذا صدق مدعيه ثم أقام البينة على إقرار البائع أنه للمستحق تقبل. وفرقوا أن العبد في هذه المسألة في يد المشتري. وفي تلك المسألة في يد غيره وهو المستحق، وشرط الرجوع بالثمن أن لا يكون العين سالما للمشتري. قال: "ومن باع دارا لرجل وأدخلها المشتري في بنائه لم يضمن البائع" عند أبي حنيفة ﵀ وهو قول أبي يوسف ﵀ آخرا، وكان يقول أولا: يضمن البائع، وهو قول محمد ﵀ وهي مسألة غصب العقار وسنبينه إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 649

باب السلم السلم: عقد مشروع بالكتاب وهو آية المداينة، فقد قال ابن عباس ﵄: أشهد أن الله تعالى أحل السلف المضمون وأنزل فيها أطول آية في كتابه، وتلا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وبالسنة وهو ما روي "أنه ﵊ نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السلم"، والقياس وإن كان يأباه ولكنا تركناه بما رويناه. ووجه القياس أنه بيع المعدوم إذ المبيع هو المسلم فيه. قال: "وهو جائز في المكيلات والموزونات" لقوله ﵊: "من أسلم منكم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" والمراد بالموزونات غير الدراهم والدنانير لأنهما أثمان، والمسلم فيه لا بد أن يكون مثمنا فلا يصح السلم فيهما ثم قيل يكون باطلا، وقيل ينعقد بيعا بثمن مؤجل تحصيلا لمقصود المتعاقدين بحسب الإمكان، والعبرة في العقود للمعاني والأول أصح لأن التصحيح إنما يجب في محل أوجبا العقد فيه ولا يمكن ذلك. قال: "وكذا في المذروعات" لأنه يمكن ضبطها بذكر الذرع والصفة والصنعة، ولا بد منها لترتفع الجهالة فيتحقق شرط صحة السلم، وكذا في المعدودات التي لا تتفاوت كالجوز والبيض، لأن العددي المتقارب معلوم القدر مضبوط الوصف مقدور التسليم فيجوز السلم فيه، والصغير والكبير فيه سواء لاصطلاح الناس على إهدار التفاوت، بخلاف البطيخ والرمان لأنه يتفاوت آحاده تفاوتا فاحشا، وبتفاوت الآحاد في المالية يعرف العددي

стр. 650

المتقارب. وعن أبي حنيفة ﵀ أنه لا يجوز في بيض النعامة لأنه يتفاوت آحاده في المالية، ثم كما يجوز السلم فيها عددا يجوز كيلا. وقال زفر ﵀: لا يجوز كيلا لأنه عددي وليس بمكيل. وعنه أنه لا يجوز عددا أيضا للتفاوت. ولنا أن المقدار مرة يعرف بالعدد وتارة بالكيل، وإنما صار معدودا بالاصطلاح فيصير مكيلا باصطلاحهما وكذا في الفلوس عددا. وقيل هذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف ﵀. وعند محمد ﵀ لا يجوز لأنها أثمان. ولهما أن الثمنية في حقهما باصطلاحهما فتبطل باصطلاحهما ولا تعود وزنيا وقد ذكرناه من قبل. "ولا يجوز السلم في الحيوان" وقال الشافعي ﵀: يجوز لأنه يصير معلوما ببيان الجنس والسن والنوع والصفة، والتفاوت بعد ذلك يسير فأشبه الثياب. ولنا أنه بعد ذكر ما ذكر يبقى فيه تفاوت فاحش في المالية باعتبار المعاني الباطنة فيفضي إلى المنازعة، بخلاف الثياب لأنه مصنوع العباد فقلما يتفاوت الثوبان إذا نسجا على منوال واحد. وقد صح "أن النبي ﵊ نهى عن السلم في الحيوان" ويدخل فيه جميع أجناسه حتى العصافير. قال: "ولا في أطرافه كالرءوس والأكارع" للتفاوت فيها إذ هو عددي متفاوت لا مقدر لها. قال: "ولا في الجلود عددا ولا في الحطب حزما ولا في الرطبة جرزا" للتفاوت فيها، إلا إذا عرف ذلك بأن بين له طول ما يشد به الحزمة أنه شبر أو ذراع فحينئذ يجوز إذا كان على وجه لا يتفاوت. قال: "ولا يجوز السلم حتى يكون المسلم فيه موجودا من حين العقد إلى حين المحل، حتى لو كان منقطعا عند العقد موجودا عند المحل أو على العكس أو منقطعا فيما بين ذلك لا يجوز" وقال الشافعي ﵀: يجوز إذا كان موجودا وقت المحل لوجود القدرة على التسليم حال وجوبه. ولنا قوله ﵊: "لا تسلفوا في الثمار حتى يبدو صلاحها" ولأن القدرة على التسليم بالتحصيل فلا بد من استمرار الوجود في مدة الأجل ليتمكن من التحصيل. "ولو انقطع بعد المحل فرب السلم بالخيار، إن شاء فسخ السلم، وإن شاء انتظر وجوده" لأن السلم قد صح والعجز الطارئ على شرف الزوال فصار كإباق المبيع قبل القبض. قال: "ويجوز السلم في السمك المالح وزنا معلوما وضربا معلوما" لأنه معلوم القدر

стр. 651

مضبوط الوصف مقدور التسليم إذ هو غير منقطع "ولا يجوز السلم فيه عددا" للتفاوت. قال: "ولا خير في السلم في السمك الطري إلا في حينه وزنا معلوما وضربا معلوما" لأنه ينقطع في زمان الشتاء، حتى لو كان في بلد لا ينقطع يجوز مطلقا، وإنما يجوز وزنا لا عددا لما ذكرنا. وعن أبي حنيفة ﵀ أنه لا يجوز في لحم الكبار منها وهي التي تقطع اعتبارا بالسلم في اللحم عنده. قال: "ولا خير في السلم في اللحم عند أبي حنيفة ﵀. وقالا: إذا وصف من اللحم موضعا معلوما بصفة معلومة جاز" لأنه موزون مضبوط الوصف ولهذا يضمن بالمثل. ويجوز استقراضه وزنا ويجري فيه ربا الفضل، بخلاف لحم الطيور لأنه لا يمكن وصف موضع منه. وله أنه مجهول للتفاوت في قلة العظم وكثرته أو في سمنه وهزاله على اختلاف فصول السنة، وهذه الجهالة مفضية إلى المنازعة. وفي مخلوع العظم لا يجوز على الوجه الثاني وهو الأصح، والتضمين بالمثل ممنوع. وكذا الاستقراض، وبعد التسليم فالمثل أعدل من القيمة، ولأن القبض يعاين فيعرف مثل المقبوض به في وقته، أما الوصف فلا يكتفى به. قال: "ولا يجوز السلم إلا مؤجلا" وقال الشافعي ﵀: يجوز حالا لإطلاق الحديث ورخص في السلم. ولنا قوله ﵊: "إلى أجل معلوم" فيما روينا، ولأنه شرع رخصة دفعا لحاجة المفاليس فلا بد من الأجل ليقدر على التحصيل فيه فيسلم، ولو كان قادرا على التسليم لم يوجد المرخص فبقي على النافي. قال: "ولا يجوز إلا بأجل معلوم" لما روينا، ولأن الجهالة فيه مفضية إلى المنازعة كما في البيع، والأجل أدناه شهر وقيل ثلاثة أيام، وقيل أكثر من نصف يوم. والأول أصح "ولا يجوز السلم بمكيال رجل بعينه ولا بذراع رجل بعينه" معناه إذا لم يعرف مقداره لأنه تأخر فيه التسليم فربما يضيع فيؤدي إلى المنازعة وقد مر من قبل، ولا بد أن يكون المكيال مما لا ينقبض ولا ينبسط كالقصاع مثلا، فإن كان مما ينكبس بالكبس كالزنبيل والجراب لا يجوز للمنازعة إلا في قرب الماء للتعامل فيه، كذا روي عن أبي يوسف ﵀. قال: "ولا في طعام قرية بعينها" أو ثمرة نخلة بعينها لأنه قد يعتريه آفة فلا يقدر على التسليم وإليه أشار ﵊ حيث قال "أرأيت لو أذهب الله تعالى الثمر بم يستحل أحدكم مال أخيه؟ " ولو كانت النسبة إلى قرية لبيان الصفة لا بأس به على ما قالوا كالخشمراني ببخارى والبساخي بفرغانة.

стр. 652

قال: "ولا يصح السلم عند أبي حنيفة ﵀ إلا بسبع شرائط: جنس معلوم" كقولنا حنطة أو شعير "ونوع معلوم" كقولنا سقية أو بخسية "وصفة معلومة" كقولنا جيد أو رديء "ومقدار معلوم" كقولنا كذا كيلا بمكيال معروف وكذا وزنا "وأجل معلوم" والأصل فيه ما روينا والفقه فيه ما بينا "ومعرفة مقدار رأس المال إذا كان يتعلق العقد على مقداره" كالمكيل والموزون والمعدود "وتسمية المكان الذي يوفيه فيه إذا كان له حمل ومؤنة" وقالا: لا يحتاج إلى تسمية رأس المال إذا كان معينا ولا إلى مكان التسليم ويسلمه في موضع العقد، فهاتان مسألتان. ولهما في الأولى أن المقصود يحصل بالإشارة فأشبه الثمن والأجرة وصار كالثوب. ولأبي حنيفة أنه ربما يوجد بعضها زيوفا ولا يستبدل في المجلس، فلو لم يعلم قدره لا يدري في كم بقي أو ربما لا يقدر على تحصيل المسلم فيه فيحتاج إلى رد رأس المال، والموهوم في هذا العقد كالمتحقق لشرعه مع المنافي، بخلاف ما إذا كان رأس المال ثوبا لأن الذرع وصف فيه لا يتعلق العقد على مقداره. ومن فروعه إذا أسلم في جنسين ولم يبين رأس مال كل واحد منهما، أو أسلم جنسين ولم يبين مقدار أحدهما. ولهما في الثانية أن مكان العقد يتعين لوجود العقد الموجب للتسليم، ولأنه لا يزاحمه مكان آخر فيه فيصير نظير أول أوقات الإمكان في الأوامر فصار كالقرض والغصب. ولأبي حنيفة ﵀ أن التسليم غير واجب في الحال فلا يتعين، بخلاف القرض والغصب، وإذا لم يتعين فالجهالة فيه تفضي إلى المنازعة، لأن قيم الأشياء تختلف باختلاف المكان فلا بد من البيان، وصار كجهالة الصفة، وعن هذا قال من قال من المشايخ ﵏ إن الاختلاف فيه عنده يوجب التخالف كما في الصفة. وقيل على عكسه لأن تعين المكان قضية العقد عندهما، وعلى هذا الخلاف الثمن والأجرة والقسمة. وصورتها: إذا اقتسما دارا وجعلا مع نصيب أحدهما شيئا له حمل ومؤنة. وقيل لا يشترط ذلك في الثمن. والصحيح أنه يشترط إذا كان مؤجلا، وهو اختيار شمس الأئمة السرخسي ﵀. وعندهما يتعين مكان الدار ومكان تسليم الدابة للإيفاء. قال: "وما لم يكن له حمل ومؤنة لا يحتاج فيه إلى بيان مكان الإيفاء بالإجماع" لأنه لا تختلف قيمته "ويوفيه في المكان الذي أسلم فيه" قال ﵁: وهذه رواية الجامع الصغير والبيوع. وذكر في الإجارات أنه يوفيه في أي مكان شاء، وهو الأصح لأن الأماكن كلها سواء، ولا وجوب في الحال. ولو عينا مكانا، قيل لا يتعين لأنه لا يفيد، وقيل يتعين لأنه يفيد سقوط خطر الطريق، ولو عين المصر فيما له حمل ومؤنة يكتفى به لأنه مع تباين أطرافه كبقعة واحدة فيما ذكرنا.

стр. 653

قال: "ولا يصح السلم حتى يقبض رأس المال قبل أن يفارقه فيه" أما إذا كان من النقود فلأنه افتراق عن دين بدين، وقد "نهى النبي ﷺ عن الكالئ بالكالئ وإن كان عينا"، فلأن السلم أخذ عاجل بآجل، إذ الإسلام والإسلاف ينبئان عن التعجيل فلا بد من قبض أحد العوضين ليتحقق معنى الاسم، ولأنه لا بد من تسليم رأس المال ليتقلب المسلم إليه فيه فيقدر على التسليم، ولهذا قلنا: لا يصح السلم إذا كان فيه خيار الشرط لهما أو لأحدهما لأنه يمنع تمام القبض لكونه مانعا من الانعقاد في حق الحكم، وكذا لا يثبت فيه خيار الرؤية لأنه غير مفيد، بخلاف خيار العيب لأنه لا يمنع تمام القبض ولو أسقط خيار الشرط قبل الافتراق ورأس المال قائم جاز خلافا لزفر، وقد مر نظيره "وجملة الشروط جمعوها في قولهم إعلام رأس المال وتعجيله وإعلام المسلم فيه وتأجيله وبيان مكان الإيفاء والقدرة على تحصيله، فإن أسلم مائتي درهم في كر حنطة مائة منها دين على المسلم إليه ومائة نقد فالسلم في حصة الدين باطل" لفوات القبض "ويجوز في حصة النقد" لاستجماع شرائطه ولا يشيع الفساد لأن الفساد طارئ، إذ السلم وقع صحيحا، ولهذا لو نقد رأس المال قبل الافتراق صح إلا أنه يبطل بالافتراق لما بينا، وهذا لأن الدين لا يتعين في البيع، ألا ترى أنهما لو تبايعا عينا بدين ثم تصادقا أن لا دين لا يبطل البيع فينعقد صحيحا. قال: "ولا يجوز التصرف في رأس مال السلم والمسلم فيه قبل القبض" أما الأول فلما فيه من تفويت القبض المستحق بالعقد. وأما الثاني فلأن المسلم فيه مبيع والتصرف في المبيع قبل القبض لا يجوز. قال: "ولا تجوز الشركة والتولية في المسلم فيه" لأنه تصرف فيه "فإن تقايلا السلم لم يكن له أن يشتري من المسلم إليه برأس المال شيئا حتى يقبضه كله" لقوله ﵊: "لا تأخذ إلا سلمك أو رأس مالك" أي عند الفسخ، ولأنه أخذ شبها بالمبيع فلا يحل التصرف فيه قبل قبضه، وهذا لأن الإقالة بيع جديد في حق ثالث، ولا يمكن جعل المسلم فيه مبيعا لسقوطه فجعل رأس المال مبيعا لأنه دين مثله، إلا أنه لا يجب قبضه في المجلس لأنه ليس في حكم الابتداء من كل وجه، وفيه خلاف زفر ﵀، والحجة عليه ما ذكرناه. قال: "ومن أسلم في كر حنطة فلما حل الأجل اشترى المسلم إليه من رجل كرا وأمر رب السلم بقبضه قضاء لم يكن قضاء، وإن أمره أن يقبضه له ثم يقبضه لنفسه فاكتاله له ثم اكتاله لنفسه جاز" لأنه اجتمعت الصفقتان بشرط الكيل فلا بد من الكيل مرتين لنهي النبي

стр. 654

﵊ عن بيع الطعام حتى يجري فيه صاعان، وهذا هو محمل الحديث على ما مر والسلم وإن كان سابقا لكن قبض المسلم فيه لاحق وأنه بمنزلة ابتداء البيع لأن العين غير الدين حقيقة. وإن جعل عينه في حق حكم خاص وهو حرمة الاستبدال فيتحقق البيع بعد الشراء، وإن لم يكن سلما وكان قرضا فأمره بقبض الكر جاز لأن القرض إعارة ولهذا ينعقد بلفظ الإعارة فكان المردود عين المأخوذ مطلقا حكما فلا تجتمع الصفقتان. قال: "ومن أسلم في كر فأمر رب السلم أن يكيله المسلم إليه في غرائر رب السلم ففعل وهو غائب لم يكن قضاء" لأن الأمر بالكيل لم يصح لأنه لم يصادف ملك الآمر، [لأن] حقه في الدين دون العين فصار المسلم إليه مستعيرا للغرائر منه وقد جعل ملك نفسه فيها فصار كما لو كان عليه دراهم دين فدفع إليه كيسا ليزنها المديون فيه لم يصر قابضا. ولو كانت الحنطة مشتراة والمسألة بحالها صار قابضا لأن الأمر قد صح حيث صادف ملكه لأنه ملك العين بالبيع، ألا ترى أنه لو أمره بالطحن كان الطحين في السلم للمسلم إليه وفي الشراء للمشتري لصحة الأمر، وكذا إذا أمره أن يصبه في البحر في السلم يهلك من مال المسلم إليه وفي الشراء من مال المشتري، ويتقرر الثمن عليه لما قلنا، ولهذا يكتفى بذلك الكيل في الشراء في الصحيح لأنه نائب عنه في الكيل والقبض بالوقوع في غرائر المشتري، ولو أمره في الشراء أن يكيله في غرائر البائع ففعل لم يصر قابضا لأنه استعار غرائره ولم يقبضها فلا تصير الغرائر في يده، فكذا ما يقع فيها، وصار كما لو أمره أن يكيله ويعزله في ناحية من بيت البائع لأن البيت بنواحيه في يده فلم يصر المشتري قابضا. ولو اجتمع الدين والعين والغرائر للمشتري، إن بدأ بالعين صار قابضا، أما العين فلصحة الأمر فيه، وأما الدين فلاتصاله بملكه وبمثله يصير قابضا، كمن استقرض حنطة وأمره أن يزرعها في أرضه، وكمن دفع إلى صائغ خاتما وأمره أن يزيده من عنده نصف دينار، وإن بدأ بالدين لم يصر قابضا، أما الدين فلعدم صحة الأمر، وأما العين فلأنه خلطه بملكه قبل التسليم فصار مستهلكا عند أبي حنيفة ﵀ فينتقض البيع، وهذا الخلط غير مرضي به من جهته لجواز أن يكون مراده البداءة بالعين وعندهما هو بالخيار إن شاء نقض البيع وإن شاء شاركه في المخلوط لأن الخلط ليس باستهلاك عندهما. قال: "ومن أسلم جارية في كر حنطة وقبضها المسلم إليه ثم تقايلا فماتت في يد المشتري فعليه قيمتها يوم قبضها، ولو تقايلا بعد هلاك الجارية جاز" لأن صحة الإقالة تعتمد بقاء العقد وذلك بقيام المعقود عليه، وفي السلم المعقود عليه إنما هو المسلم فيه فصحت الإقالة حال بقائه، وإذا جاز ابتداء فأولى أن يبقى انتهاء، لأن البقاء أسهل، وإذا انفسخ العقد

стр. 655

في المسلم فيه انفسخ في الجارية تبعا فيجب عليه ردها وقد عجز فيجب عليه رد قيمتها "ولو اشترى جارية بألف درهم ثم تقايلا فماتت في يد المشتري بطلت الإقالة، ولو تقايلا بعد موتها فالإقالة باطلة" لأن المعقود عليه في البيع إنما هو الجارية فلا يبقى العقد بعد هلاكها فلا تصح الإقالة ابتداء ولا تبقى انتهاء لانعدام محله، وهذا بخلاف بيع المقايضة حيث تصح الإقالة وتبقى بعد هلاك أحد العوضين لأن كل واحد منهما مبيع فيه. قال: "ومن أسلم إلى رجل دراهم في كر حنطة فقال المسلم إليه شرطت رديئا وقال رب السلم لم تشترط شيئا فالقول قول المسلم إليه" لأن رب السلم متعنت في إنكاره الصحة لأن المسلم فيه يربو على رأس المال في العادة، وفي عكسه قالوا: يجب أن يكون القول لرب السلم عند أبي حنيفة ﵀ لأنه يدعي الصحة وإن كان صاحبه منكرا. وعندهما القول للمسلم إليه لأنه منكر وإن أنكر الصحة، وسنقرره من بعد إن شاء الله تعالى "ولو قال المسلم إليه لم يكن له أجل وقال رب السلم بل كان له أجل فالقول قول رب السلم" لأن المسلم إليه متعنت في إنكاره حقا له وهو الأجل، والفساد لعدم الأجل غير متيقن لمكان الاجتهاد فلا يعتبر النفع في رد رأس المال، بخلاف عدم الوصف، وفي عكسه القول لرب السلم عندهما لأنه ينكر حقا له عليه فيكون القول قوله وإن أنكر الصحة كرب المال إذا قال للمضارب شرطت لك نصف الربح إلا عشرة وقال المضارب لا بل شرطت لي نصف الربح فالقول لرب المال لأنه ينكر استحقاق الربح وإن أنكر الصحة. وعند أبي حنيفة ﵀ القول للمسلم إليه لأنه يدعي الصحة وقد اتفقا على عقد واحد فكانا متفقين على الصحة ظاهرا، بخلاف مسألة المضاربة لأنه ليس بلازم فلا يعتبر الاختلاف فيه فيبقى مجرد دعوى استحقاق الربح، أما السلم فلازم فصار الأصل أن من خرج كلامه تعنتا فالقول لصاحبه بالاتفاق، وإن خرج خصومة ووقع الاتفاق على عقد واحد فالقول لمدعي الصحة عنده، وعندهما للمنكر وإن أنكر الصحة. قال: "ويجوز السلم في الثياب إذا بين طولا وعرضا ورقعة" لأنه أسلم في معلوم مقدور التسليم على ما ذكرنا، وإن كان ثوب حرير لا بد من بيان وزنه أيضا لأنه مقصود فيه. "ولا يجوز السلم في الجواهر ولا في الخرز" لأن آحادها متفاوتة تفاوتا فاحشا وفي صغار اللؤلؤ التي تباع وزنا يجوز السلم لأنه مما يعلم بالوزن "ولا بأس بالسلم في اللبن والآجر إذا سمى ملبنا معلوما" لأنه عددي متقارب لا سيما إذا سمي الملبن. قال: "وكل ما أمكن ضبط صفته ومعرفة مقداره جاز السلم فيه" لأنه لا يفضي إلى المنازعة "وما لا يضبط صفته ولا يعرف مقداره لا يجوز السلم فيه" لأنه دين، وبدون الوصف

стр. 656

يبقى مجهولا جهالة تفضي إلى المنازعة "ولا بأس بالسلم في طست أو قمقمة أو خفين أو نحو ذلك إذا كان يعرف" لاستجماع شرائط السلم "وإن كان لا يعرف فلا خير فيه" لأنه دين مجهول. قال: "وإن استصنع شيئا من ذلك بغير أجل جاز استحسانا" للإجماع الثابت بالتعامل. وفي القياس لا يجوز لأنه بيع المعدوم، والصحيح أنه يجوز بيعا لا عدة، والمعدوم قد يعتبر موجودا حكما، والمعقود عليه العين دون العمل، حتى لو جاء به مفروغا لا من صنعته أو من صنعته قبل العقد فأخذه جاز، ولا يتعين إلا بالاختيار، حتى لو باعه الصانع قبل أن يراه المستصنع جاز، وهذا كله هو الصحيح. قال: "وهو بالخيار إذا رآه، إن شاء أخذه، وإن شاء تركه" لأنه اشترى شيئا لم يره ولا خيار للصانع، كذا ذكره في المبسوط وهو الأصح، لأنه باع ما لم يره. وعن أبي حنيفة ﵀ أن له الخيار أيضا لأنه لا يمكنه تسليم المعقود عليه إلا بضرر وهو قطع الصرم وغيره. وعن أبي يوسف أنه لا خيار لهما. أما الصانع فلما ذكرنا. وأما المستصنع فلأن في إثبات الخيار له إضرارا بالصانع لأنه ربما لا يشتريه غيره بمثله ولا يجوز فيما لا تعامل فيه للناس كالثياب لعدم المجوز وفيما فيه تعامل إنما يجوز إذا أمكن إعلامه بالوصف ليمكن التسليم، وإنما قال بغير أجل لأنه لو ضرب الأجل فيما فيه تعامل يصير سلما عند أبي حنيفة خلافا لهما، ولو ضربه فيما لا تعامل فيه يصير سلما بالاتفاق. لهما أن اللفظ حقيقة للاستصناع فيحافظ على قضيته ويحمل الأجل على التعجيل، بخلاف ما لا تعامل فيه لأنه استصناع فاسد فيحمل على السلم الصحيح. ولأبي حنيفة أنه دين يحتمل السلم، وجواز السلم بإجماع لا شبهة فيه وفي تعاملهم الاستصناع نوع شبهة فكان الحمل على السلم أولى، والله أعلم.

стр. 657

مسائل منثورة قال: "ويجوز بيع الكلب والفهد والسباع، المعلم وغير المعلم في ذلك سواء" وعن أبي يوسف أنه لا يجوز بيع الكلب العقور لأنه غير منتفع به. وقال الشافعي: لا يجوز بيع الكلب، لقوله ﵊: "إن من السحت مهر البغي وثمن الكلب" ولأنه نجس العين والنجاسة تشعر بهوان المحل وجواز البيع يشعر بإعزازه فكان منتفيا. ولنا "أنه ﵊ نهى عن بيع الكلب إلا كلب صيد أو ماشية" ولأنه منتفع به حراسة واصطيادا فكان ما لا يجوز بيعه، بخلاف الهوام المؤذية؛ لأنه لا ينتفع بها، والحديث محمول

стр. 658

على الابتداء قلعا لهم عن الاقتناء ولا نسلم نجاسة العين، ولو سلم فيحرم التناول دون البيع. وقال: "ولا يجوز بيع الخمر والخنزير" لقوله ﵊: "إن الذي حرم شربها حرم بيعها وأكل ثمنها" ولأنه ليس بمال في حقنا، وقد ذكرناه. قال: "وأهل الذمة في البياعات كالمسلمين" لقوله ﵊ في ذلك الحديث: "فأعلمهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين" ولأنهم مكلفون محتاجون كالمسلمين. قال: "إلا في الخمر والخنزير خاصة" فإن عقدهم على الخمر كعقد المسلم على العصير، وعقدهم على الخنزير كعقد المسلم على الشاة؛ لأنها أموال في اعتقادهم، ونحن أمرنا بأن نتركهم وما يعتقدون. دل عليه قول عمر: ولوهم بيعها وخذوا العشر من أثمانها. قال: "ومن قال لغيره بع عبدك من فلان بألف درهم على أني ضامن لك خمسمائة من الثمن سوى الألف ففعل فهو جائز ويأخذ الألف من المشتري والخمسمائة من الضامن، وإن كان لم يقل من الثمن جاز البيع بألف ولا شيء على الضمين" وأصله أن الزيادة في الثمن والمثمن جائز عندنا، وتلتحق بأصل العقد خلافا لزفر والشافعي لأنه تغيير للعقد من وصف مشروع إلى وصف مشروع وهو كونه عدلا أو خاسرا أو رابحا، ثم قد لا يستفيد المشتري بها شيئا بأن زاد في الثمن وهو يساوي المبيع بدونها فيصح اشتراطها على الأجنبي كبدل الخلع لكن من شرطها المقابلة تسمية وصورة، فإذا قال من الثمن وجد شرطها فيصح، وإذا لم يقل لم يوجد فلم يصح. قال: "ومن اشترى جارية ولم يقبضها حتى زوجها فوطئها الزوج فالنكاح جائز" لوجود سبب الولاية، وهو الملك في الرقبة على الكمال وعليه المهر. "وهذا قبض" لأن وطء الزوج حصل بتسليط من جهته فصار فعله كفعله "إن لم يطأها فليس بقبض" والقياس أن يصير قابضا؛ لأنه تعييب حكمي فيعتبر بالتعييب الحقيقي. وجه الاستحسان أن في الحقيقي استيلاء على المحل وبه يصير قابضا ولا كذلك الحكمي فافترقا. قال: "ومن اشترى عبدا فغاب فأقام البائع البينة أنه باعها إياه، فإن كانت غيبته معروفة لم يبع في دين البائع" لأنه يمكن إيصال البائع إلى حقه بدون البيع، وفيه إبطال حق المشتري "وإن لم يدر أين هو بيع العبد وأوفى الثمن" لأن ملك المشتري ظهر بإقراره

стр. 659

فيظهر على الوجه الذي أقر به مشغولا بحقه، وإذا تعذر استيفاؤه من المشتري يبيعه القاضي فيه كالراهن إذا مات والمشتري إذا مات مفلسا والمبيع لم يقبض، بخلاف ما بعد القبض؛ لأن حقه لم يبق متعلقا به، ثم إن فضل شيء يمسك للمشتري؛ لأنه بدل حقه وإن نقص يتبع هو أيضا. قال: "فإن كان المشتري اثنين فغاب أحدهما فللحاضر أن يدفع الثمن كله ويقبضه، وإذا حضر الآخر لم يأخذ نصيبه حتى ينقد شريكه الثمن كله وهو قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: إذا دفع الحاضر الثمن كله لم يقبض إلا نصيبه وكان متطوعا بما أدى عن صاحبه" لأنه قضى دين غيره بغير أمره فلا يرجع عليه وهو أجنبي عن نصيب صاحبه فلا يقبضه. ولهما أنه مضطر فيه لأنه لا يمكنه الانتفاع بنصيبه إلا بأداء جميع الثمن؛ لأن البيع صفقة واحدة، وله حق الحبس ما بقي شيء منه، والمضطر يرجع كمعير الرهن، وإذا كان له أن يرجع عليه كان له حق الحبس عنه إلى أن يستوفي حقه كالوكيل بالشراء إذا قضى الثمن من مال نفسه. قال: "ومن اشترى جارية بألف مثقال ذهب وفضة فهما نصفان" لأنه أضاف المثقال إليهما على السواء فيجب من كل واحد منهما خمسمائة مثقال لعدم الأولوية، وبمثله لو اشترى جارية بألف من الذهب والفضة يجب من الذهب مثاقيل ومن الفضة دراهم وزن سبعة لأنه أضاف الألف إليهما فينصرف إلى الوزن المعهود في كل واحد منهما. قال: "ومن له على آخر عشرة دراهم جياد فقضاه زيوفا وهو لا يعلم فأنفقها أو هلكت فهو قضاء عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله. وقال أبو يوسف: يرد مثل زيوفه ويرجع بدراهمه" لأن حقه في الوصف مرعي كهو في الأصل، ولا يمكن رعايته بإيجاب ضمان الوصف لأنه لا قيمة له عند المقابلة بجنسه فوجب المصير إلى ما قلنا. ولهما أنه من جنس حقه. حتى لو تجوز به فيما لا يجوز الاستبدال جاز فيقع به الاستيفاء ولا يبقى حقه إلا في الجودة، ولا يمكن تداركها بإيجاب ضمانها لما ذكرنا، وكذا بإيجاب ضمان الأصل لأنه إيجاب له عليه ولا نظير له. قال: "وإذا أفرخ طير في أرض رجل فهو لمن أخذه" وكذا إذا باض فيها "وكذا إذا تكنس فيها ظبي" لأنه مباح سبقت يده إليه ولأنه صيد وإن كان يؤخذ بغير حيلة والصيد لمن أخذه، وكذا البيض؛ لأنه أصل الصيد ولهذا يجب الجزاء على المحرم بكسره أو شيه، وصاحب الأرض لم يعد أرضه فصار كنصب شبكة للجفاف وكذا إذا دخل الصيد داره

стр. 660

أو وقع ما نثر من السكر والدراهم في ثيابه ما لم يكفه أو كان مستعدا له، بخلاف ما إذا عسل النحل في أرضه لأنه عد من أنزاله فيملكه تبعا لأرضه كالشجر النابت فيها والتراب المجتمع في أرضه بجريان الماء، والله أعلم.

стр. 661

كتاب الصرف قال: "الصرف هو البيع إذا كان كل واحد من عوضيه من جنس الأثمان" سمي به للحاجة إلى النقل في بدليه من يد إلى يد. والصرف هو النقل والرد لغة، أو لأنه لا يطلب منه إلا الزيادة إذ لا ينتفع بعينه، والصرف هو الزيادة لغة كذا قاله الخليل ومنه سميت العبادة النافلة صرفا. قال: "فإن باع فضة بفضة أو ذهبا بذهب لا يجوز إلا مثلا بمثل وإن اختلفا في الجودة والصياغة" لقوله ﵊: "الذهب بالذهب مثلا بمثل وزنا بوزن يدا بيد والفضل ربا" الحديث. وقال ﵊: "جيدها ورديئها سواء" وقد ذكرناه في البيوع. قال: "ولا بد من قبض العوضين قبل الافتراق" لما روينا، ولقول عمر ﵁: وإن استنظرك أن يدخل بيته فلا تنظره، ولأنه لا بد من قبض أحدهما ليخرج العقد عن الكالئ بالكالئ ثم لا بد من قبض الآخر تحقيقا للمساواة فلا يتحقق الربا، ولأن أحدهما ليس بأولى من الآخر فوجب قبضهما سواء كانا يتعينان كالمصوغ أو لا يتعينان كالمضروب أو يتعين أحدهما ولا يتعين الآخر لإطلاق ما روينا، ولأنه إن كان يتعين ففيه شبهة عدم التعيين لكونه ثمنا خلقة فيشترط قبضه اعتبارا للشبهة في الربا، والمراد منه الافتراق بالأبدان، حتى لو ذهبا عن المجلس يمشيان معا في جهة واحدة أو ناما في المجلس أو أغمي عليهما لا يبطل الصرف لقول ابن عمر ﵁ وإن وثب من سطح فثب معه، وكذا المعتبر ما ذكرناه في قبض رأس مال السلم، بخلاف خيار المخيرة لأنه يبطل بالإعراض فيه. "وإن باع الذهب بالفضة جاز التفاضل" لعدم المجانسة "ووجب التقابض" لقوله ﵊: "الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء" "فإن افترقا في الصرف قبل قبض العوضين أو أحدهما بطل العقد" لفوات الشرط وهو القبض ولهذا لا يصح شرط الخيار فيه ولا الأجل لأن بأحدهما لا يبقى القبض مستحقا وبالثاني يفوت القبض المستحق، إلا إذا أسقط الخيار في المجلس فيعود إلى الجواز لارتفاعه قبل تقرره وفيه خلاف زفر ﵀.

стр. 662

قال: "ولا يجوز التصرف في ثمن الصرف قبل قبضه، حتى لو باع دينارا بعشرة دراهم ولم يقبض العشرة حتى اشترى بها ثوبا فالبيع في الثوب فاسد" لأن القبض مستحق بالعقد حقا لله تعالى، وفي تجويزه فواته، وكان ينبغي أن يجوز العقد في الثوب كما نقل عن زفر، لأن الدراهم لا تتعين فينصرف العقد إلى مطلقها، ولكنا نقول: الثمن في باب الصرف مبيع لأن البيع لا بد له منه ولا شيء سوى الثمنين فيجعل كل واحد منهما مبيعا لعدم الأولوية وبيع المبيع قبل القبض لا يجوز، وليس من ضرورة كونه مبيعا أن يكون متعينا كما في المسلم فيه. قال: "ويجوز بيع الذهب بالفضة مجازفة" لأن المساواة غير مشروطة فيه ولكن يشترط القبض في المجلس لما ذكرنا، بخلاف بيعه بجنسه مجازفة لما فيه من احتمال الربا. قال: "ومن باع جارية قيمتها ألف مثقال فضة وفي عنقها طوق فضة قيمته ألف مثقال بألفي مثقال فضة ونقد من الثمن ألف مثقال ثم افترقا فالذي نقد ثمن الفضة" لأن قبض حصة الطوق واجب في المجلس لكونه بدل الصرف، والظاهر منه الإتيان بالواجب "وكذا لو اشتراها بألفي مثقال ألف نسيئة وألف نقدا فالنقد ثمن الطوق" لأن الأجل باطل في الصرف جائز في بيع الجارية، والمباشرة على وجه الجواز وهو الظاهر منهما "وكذلك إن باع سيفا محلى بمائة درهم وحليته خمسون فدفع من الثمن خمسين جاز البيع وكان المقبوض حصة الفضة وإن لم يبين ذلك لما بينا، وكذلك إن قال: خذ هذه الخمسين من ثمنهما" لأن الاثنين قد يراد بذكرهما الواحد، قال الله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] والمراد أحدهما فيحمل عليه لظاهر حاله "فإن لم يتقابضا حتى افترقا بطل العقد في الحلية" لأنه صرف فيها "وكذا في السيف إن كان لا يتخلص إلا بضرر" لأنه لا يمكن تسليمه بدون الضرر ولهذا لا يجوز إفراده بالبيع كالجذع في السقف "وإن كان يتخلص بغير ضرر جاز البيع في السيف وبطل في الحلية" لأنه أمكن إفراده بالبيع فصار كالطوق والجارية، وهذا إذا كانت الفضة المفردة أزيد مما فيه، فإن كانت مثله أو أقل منه أو لا يدري لا يجوز البيع للربا أو لاحتماله، وجهة الصحة من وجه وجهة الفساد من وجهين فترجحت. قال: "ومن باع إناء فضة ثم افترقا وقد قبض بعض ثمنه بطل البيع فيما لم يقبض وصح فيما قبض وكان الإناء مشتركا بينهما" لأنه صرف كله فصح فيما وجد شرطه وبطل فيما لم يوجد والفساد طارئ لأنه يصح ثم يبطل بالافتراق فلا يشيع. قال: "ولو استحق بعض الإناء فالمشتري بالخيار إن شاء أخذ الباقي بحصته وإن شاء

стр. 663

رده" لأن الشركة عيب في الإناء. "ومن باع قطعة نقرة ثم استحق بعضها أخذ ما بقي بحصتها ولا خيار له" لأنه لا يضره التبعيض. قال: "ومن باع درهمين ودينارا بدرهم ودينارين جاز البيع وجعل كل جنس بخلافه" وقال زفر والشافعي رحمهما الله: لا يجوز وعلى هذا الخلاف إذا باع كر شعير وكر حنطة بكري شعير وكري حنطة: ولهما أن في الصرف إلى خلاف الجنس تغيير تصرفه لأنه قابل الجملة بالجملة، ومن قضيته الانقسام على الشيوع لا على التعيين، والتغيير لا يجوز وإن كان فيه تصحيح التصرف، كما إذا اشترى قلبا بعشرة وثوبا بعشرة ثم باعهما مرابحة لا يجوز وإن أمكن صرف الربح إلى الثوب، وكذا إذا اشترى عبدا بألف درهم ثم باعه قبل نقد الثمن من البائع مع عبد آخر بألف وخمسمائة لا يجوز في المشترى بألف وإن أمكن تصحيحه بصرف الألف إليه. وكذا إذا جمع بين عبده وعبد غيره وقال بعتك أحدهما لا يجوز وإن أمكن تصحيحه بصرفه إلى عبده. وكذا إذا باع درهما وثوبا بدرهم وثوب وافترقا من غير قبض فسد العقد في الدرهمين ولا يصرف الدرهم إلى الثوب لما ذكرنا. ولنا أن المقابلة المطلقة تحتمل مقابلة الفرد بالفرد كما في مقابلة الجنس بالجنس، وأنه طريق متعين لتصحيحه فيحمل عليه تصحيحا لتصرفه، وفيه تغيير وصفه لا أصله لأنه يبقى موجبه الأصلي وهو ثبوت الملك في الكل بمقابلة الكل، وصار هذا كما إذا باع نصف عبد مشترك بينه وبين غيره ينصرف إلى نصيبه تصحيحا لتصرفه بخلاف ما عد من المسائل. أما مسألة المرابحة فلأنه يصير تولية في القلب بصرف الربح كله إلى الثوب. والطريق في المسألة الثانية غير متعين لأنه يمكن صرف الزيادة على الألف إلى المشتري. وفي الثالثة أضيف البيع إلى المنكر وهو ليس بمحل للبيع والمعين ضده. وفي الأخيرة العقد انعقد صحيحا والفساد في حالة البقاء وكلامنا في الابتداء. قال: "ومن باع أحد عشر درهما بعشرة دراهم ودينار جاز البيع وتكون العشرة بمثلها والدينار بدرهم" لأن شرط البيع في الدراهم التماثل على ما روينا، فالظاهر أنه أراد به ذلك فبقي الدرهم بالدينار وهما جنسان ولا يعتبر التساوي فيهما. "ولو تبايعا فضة بفضة أو ذهبا بذهب وأحدهما أقل ومع أقلهما شيء آخر تبلغ قيمته باقي الفضة جاز البيع من غير كراهية، وإن لم تبلغ فمع الكراهة، وإن لم يكن له قيمة كالتراب لا يجوز البيع" لتحقق الربا إذ الزيادة لا يقابلها عوض فيكون ربا. قال: "ومن كان له على آخر عشرة دراهم فباعه الذي عليه العشرة دينارا بعشرة دراهم

стр. 664

ودفع الدينار وتقاصا العشرة بالعشرة فهو جائز" ومعنى المسألة إذا باع بعشرة مطلقة. ووجهه أنه يجب بهذا العقد ثمن يجب عليه تعيينه بالقبض لما ذكرنا، والدين ليس بهذه الصفة فلا تقع المقاصة بنفس المبيع لعدم المجانسة، فإذا تقاصا يتضمن ذلك فسخ الأول والإضافة إلى الدين، إذ لولا ذلك يكون استبدالا ببدل الصرف، وفي الإضافة إلى الدين تقع المقاصة بنفس العقد على ما نبينه، والفسخ قد يثبت بطريق الاقتضاء كما إذا تبايعا بألف ثم بألف وخمسمائة، وزفر يخالفنا فيه لأنه لا يقول بالاقتضاء، وهذا إذا كان الدين سابقا. فإن كان لاحقا فكذلك في أصح الروايتين لتضمنه انفساخ الأول والإضافة إلى دين قائم وقت تحويل العقد فكفى ذلك للجواز. قال: "ويجوز بيع درهم صحيح ودرهمي غلة بدرهمين صحيحين ودرهم غلة" والغلة ما يرده بيت المال ويأخذه التجار. ووجهه تحقق المساواة في الوزن وما عرف من سقوط اعتبار الجودة. قال: "وإذا كان الغالب على الدراهم الفضة فهي فضة، وإذا كان الغالب على الدنانير الذهب فهي ذهب، ويعتبر فيهما من تحريم التفاضل ما يعتبر في الجياد حتى لا يجوز بيع الخالصة بها ولا بيع بعضها ببعض إلا متساويا في الوزن. وكذا لا يجوز الاستقراض بها إلا وزنا" لأن النقود لا تخلو عن قليل غش عادة لأنها لا تنطبع إلا مع الغش، وقد يكون الغش خلقيا كما في الرديء منه فيلحق القليل بالرداءة، والجيد والرديء سواء "وإن كان الغالب عليهما الغش فليسا في حكم الدراهم والدنانير" اعتبارا للغالب، فإن اشترى بها فضة خالصة فهو على الوجوه التي ذكرناها في حلية السيف. "وإن بيعت بجنسها متفاضلا جاز صرفا للجنس إلى خلاف الجنس" فهي في حكم شيئين فضة وصفر ولكنه صرف حتى يشترط القبض في المجلس لوجود الفضة من الجانبين، فإذا شرط القبض في الفضة يشترط في الصفر لأنه لا يتميز عنه إلا بضرر. قال ﵁: ومشايخنا ﵏ لم يفتوا بجواز ذلك في العدالى والغطارفة لأنها أعز الأموال في ديارنا، فلو أبيح التفاضل فيه ينفتح باب الربا، ثم إن كانت تروج بالوزن فالتبايع والاستقراض فيها بالوزن، وإن كانت تروج بالعد فبالعد، وإن كانت تروج بهما فبكل واحد منهما لأن المعتبر هو المعتاد فيهما إذا لم يكن فيهما نص، ثم هي ما دامت تروج تكون أثمانا لا تتعين بالتعيين، وإذا كانت لا تروج فهي سلعة تتعين بالتعيين، وإذا كانت يتقبلها البعض دون البعض فهي كالزيوف لا يتعلق العقد بعينها بل بجنسها زيوفا إن كان البائع يعلم بحالها لتحقق الرضا منه، وبجنسها من الجياد إن كان لا يعلم لعدم الرضا منه.

стр. 665

"وإذا اشترى بها سلعة فكسدت وترك الناس المعاملة بها بطل البيع عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف رحمهما الله: عليه قيمتها يوم البيع. وقال محمد ﵀: قيمتها آخر ما تعامل الناس بها" لهما أن العقد قد صح إلا أنه تعذر التسليم بالكساد وأنه لا يوجب الفساد، كما إذا اشترى بالرطب فانقطع أوانه. وإذا بقي العقد وجبت القيمة، لكن عند أبي يوسف ﵀ وقت البيع لأنه مضمون به، وعند محمد ﵀ يوم الانقطاع لأنه أوان الانتقال إلى القيمة. ولأبي حنيفة ﵀ أن الثمن يهلك بالكساد؛ لأن الثمنية بالاصطلاح وما بقي فيبقى بيعا بلا ثمن فيبطل، وإذا بطل البيع يجب رد المبيع إن كان قائما وقيمته إن كان هالكا كما في البيع الفاسد. قال: "ويجوز البيع بالفلوس" لأنها مال معلوم، فإن كانت نافقة جاز البيع بها وإن لم تتعين لأنها أثمان بالاصطلاح، وإن كانت كاسدة لم يجز البيع بها حتى يعينها لأنها سلع فلا بد من تعيينها "وإذا باع بالفلوس النافقة ثم كسدت بطل البيع عند أبي حنيفة ﵀ خلافا لهما" وهو نظير الاختلاف الذي بيناه. "ولو استقرض فلوسا نافقة فكسدت عند أبي حنيفة ﵀ يجب عليه مثلها" لأنه إعارة، وموجبه رد العين معنى والثمنية فضل فيه إذ القرض لا يختص به. وعندهما تجب قيمتها لأنه لما بطل وصف الثمنية تعذر ردها كما قبض فيجب رد قيمتها، كما إذا استقرض مثليا فانقطع، لكن عند أبي يوسف ﵀ يوم القبض، وعند محمد ﵀ يوم الكساد على ما مر من قبل، وأصل الاختلاف فيمن غصب مثليا فانقطع، وقول محمد ﵀ أنظر للجانبين، وقول أبي يوسف أيسر. قال: "ومن اشترى شيئا بنصف درهم فلوس جاز وعليه ما يباع بنصف درهم من الفلوس وكذا إذا قال بدانق فلوس أو بقيراط فلوس جاز". وقال زفر: لا يجوز في جميع ذلك لأنه اشترى بالفلوس وأنها تقدر بالعدد لا بالدانق والدرهم فلا بد من بيان عددها، ونحن نقول: ما يباع بالدانق ونصف الدرهم من الفلوس معلوم عند الناس والكلام فيه فأغنى عن بيان العدد. ولو قال بدرهم فلوس أو بدرهمي فلوس فكذا عند أبي يوسف ﵀ لأن ما يباع بالدرهم من الفلوس معلوم وهو المراد لا وزن الدرهم من الفلوس. وعن محمد ﵀ أنه لا يجوز بالدرهم ويجوز فيما دون الدرهم، لأن في العادة المبايعة بالفلوس فيما دون الدرهم فصار معلوما بحكم العادة، ولا كذلك الدرهم قالوا: وقول أبي يوسف ﵀ أصح لا سيما في ديارنا. قال: "ومن أعطى صيرفيا درهما وقال أعطني بنصفه فلوسا وبنصفه نصفا إلا حبة جاز البيع في الفلوس وبطل فيما بقي عندهما" لأن بيع نصف درهم بالفلوس جائز وبيع النصف

стр. 666

بنصف إلا حبة ربا فلا يجوز "وعلى قياس قول أبي حنيفة ﵀ بطل في الكل" لأن الصفقة متحدة والفساد قوي فيشيع وقد مر نظيره، ولو كرر لفظ الإعطاء كان جوابه كجوابهما هو الصحيح لأنهما بيعان "ولو قال أعطني نصف درهم فلوسا ونصفا إلا حبة جاز" لأنه قابل الدرهم بما يباع من الفلوس بنصف درهم وبنصف درهم إلا حبة فيكون نصف درهم إلا حبة بمثله وما وراءه بإزاء الفلوس. قال ﵁: وفي أكثر نسخ المختصر ذكر المسألة الثانية، والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 667

كتاب الكفالة الكفالة: هي الضم لغة، قال الله تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧] ثم قيل: هي ضم الذمة إلى الذمة في المطالبة، وقيل في الدين، والأول أصح. قال: "الكفالة ضربان: كفالة بالنفس، وكفالة بالمال. فالكفالة بالنفس جائزة والمضمون بها إحضار المكفول به" وقال الشافعي ﵀: لا يجوز لأنه كفل بما لا يقدر على تسليمه، إذ لا قدرة له على نفس المكفول به، بخلاف الكفالة بالمال لأن له ولاية على مال نفسه. ولنا قوله ﵊: "الزعيم غارم" وهذا يفيد مشروعية الكفالة بنوعيه، ولأنه يقدر على تسليمه بطريقه بأن يعلم الطالب مكانه فيخلي بينه وبينه أو يستعين بأعوان القاضي في ذلك والحاجة ماسة إليه، وقد أمكن تحقق معنى الكفالة وهو الضم في المطالبة فيه. قال: "وتنعقد إذا قال تكفلت بنفس فلان أو برقبته أو بروحه أو بجسده أو برأسه وكذا ببدنه وبوجهه" لأن هذه الألفاظ يعبر بها عن البدن إما حقيقة أو عرفا على ما مر في الطلاق، كذا إذا قال بنصفه أو بثلثه أو بجزء منه لأن النفس الواحدة في حق الكفالة لا تتجزأ فكان ذكر بعضها شائعا كذكر كلها، بخلاف ما إذا قال تكفلت بيد فلان أو برجله لأنه لا يعبر بهما عن البدن حتى لا تصح إضافة الطلاق إليهما وفيما تقدم تصح "وكذا إذا قال ضمنته" لأنه تصريح بموجبه "أو قال" هو "علي" لأنه صيغة الالتزام "أو قال إلي" لأنه في معنى علي في هذا المقام. قال ﵊: "ومن ترك مالا فلورثته، ومن ترك كلا أو عيالا فإلي" "وكذا إذا قال أنا زعيم به أو قبيل به" لأن الزعامة هي الكفالة وقد روينا فيه. والقبيل هو الكفيل، ولهذا سمي الصك قبالة، بخلاف ما إذا قال أنا ضامن لمعرفته لأنه التزم المعرفة دون المطالبة. قال: "فإن شرط في الكفالة بالنفس تسليم المكفول به في وقت بعينه لزمه إحضاره إذا طالبه في ذلك الوقت" وفاء بما التزمه، "فإن أحضره وإلا حبسه الحاكم"، لامتناعه عن إيفاء حق مستحق عليه، ولكن لا يحبسه أول مرة لعله ما درى لماذا يدعي. ولو غاب المكفول

стр. 668

بنفسه أمهله الحاكم مدة ذهابه ومجيئه، فإن مضت ولم يحضره يحبسه لتحقق امتناعه عن إيفاء الحق. قال: "وكذا إذا ارتد والعياذ بالله ولحق بدار الحرب" وهذا لأنه عاجز في المدة فينظر كالذي أعسر، ولو سلمه قبل ذلك برئ لأن الأجل حقه فيملك إسقاطه كما في الدين المؤجل. قال: "وإذا أحضره وسلمه في مكان يقدر المكفول له أن يخاصمه فيه مثل أن يكون في مصر برئ الكفيل من الكفالة" لأنه أتى بما التزمه وحصل المقصود به، وهذا لأنه ما التزم التسليم إلا مرة. قال: "وإذا كفل على أن يسلمه في مجلس القاضي فسلمه في السوق برئ" لحصول المقصود، وقيل في زماننا: لا يبرأ لأن الظاهر المعاونة على الامتناع لا على الإحضار فكان التقييد مفيدا "وإن سلمه في برية لم يبرأ" لأنه لا يقدر على المخاصمة فيها فلم يحصل المقصود، وكذا إذا سلمه في سواد لعدم قاض يفصل الحكم فيه، ولو سلم في مصر آخر غير المصر الذي كفل فيه برئ عند أبي حنيفة للقدرة على المخاصمة فيه. وعندهما لا يبرأ لأنه قد تكون شهوده فيما عينه. ولو سلمه في السجن وقد حبسه غير الطالب لا يبرأ لأنه لا يقدر على المخاصمة فيه. قال: "وإذا مات المكفول به برئ الكفيل بالنفس من الكفالة" لأنه عجز عن إحضاره، ولأنه سقط الحضور عن الأصيل فيسقط الإحضار عن الكفيل، وكذا إذا مات الكفيل لأنه لم يبق قادرا على تسليم المكفول بنفسه وماله لا يصلح لإيفاء هذا الواجب بخلاف الكفيل بالمال. ولو مات المكفول له فللوصي أن يطالب الكفيل، فإن لم يكن فلوارثه لقيامه مقام الميت. قال: "ومن كفل بنفس آخر ولم يقل إذا دفعت إليك فأنا بريء فدفعه إليه فهو بريء" لأنه موجب التصرف فيثبت بدون التنصيص عليه، ولا يشترط قبول الطالب التسليم كما في قضاء الدين، ولو سلم المكفول به نفسه من كفالته صح لأنه مطالب بالخصومة فكان له ولاية الدفع، وكذا إذا سلمه إليه وكيل الكفيل أو رسوله لقيامهما مقامه. قال: "فإن تكفل بنفسه على أنه إن لم يواف به إلى وقت كذا فهو ضامن لما عليه وهو ألف فلم يحضره إلى ذلك الوقت لزمه ضمان المال" لأن الكفالة بالمال معلقة بشرط عدم الموافاة، وهذا التعليق صحيح، فإذا وجد الشرط لزمه المال "ولا يبرأ عن الكفالة بالنفس" لأن

стр. 669

وجوب المال عليه بالكفالة لا ينافي الكفالة بنفسه إذ كل واحد منهما للتوثق. وقال الشافعي: لا تصح هذه الكفالة لأنه تعليق سبب وجوب المال بالخطر فأشبه البيع. ولنا أنه يشبه البيع ويشبه النذر من حيث إنه التزام. فقلنا: لا يصح تعليقه بمطلق الشرط كهبوب الريح ونحوه. ويصح بشرط متعارف عملا بالشبهين والتعليق بعدم الموافاة متعارف. قال: "ومن كفل بنفس رجل وقال إن لم يواف به غدا فعليه المال، فإن مات المكفول عنه ضمن المال" لتحقق الشرط وهو عدم الموافاة. قال: "ومن ادعى على آخر مائة دينار بينها أو لم يبينها حتى تكفل بنفسه رجل على أنه إن لم يواف به غدا فعليه المائة فلم يواف به غدا فعليه المائة عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، وقال محمد ﵀: إن لم يبينها حتى تكفل به رجل ثم ادعى بعد ذلك لم يلتفت إلى دعواه" لأنه علق مالا مطلقا بخطر؛ ألا يرى أنه لم ينسبه إلى ما عليه، ولا تصح الكفالة على هذا الوجه وإن بينها ولأنه لم تصح الدعوى من غير بيان فلا يجب إحضار النفس، وإذا لم يجب لا تصح الكفالة بالنفس فلا تصح بالمال لأنه بناء عليه، بخلاف ما إذا بين. ولهما أن المال ذكر معرفا فينصرف إلى ما عليه، والعادة جرت بالإجمال في الدعاوى فتصح الدعوى على اعتبار البيان، فإذا بين التحق البيان بأصل الدعوى فتبين صحة الكفالة الأولى فيترتب عليها الثانية. قال: "ولا تجوز الكفالة بالنفس في الحدود والقصاص عند أبي حنيفة ﵀" معناه: لا يجبر عليها عنده، وقالا: يجبر في حد القذف لأن فيه حق العبد وفي القصاص لأنه خالص حق العبد فيليق بهما الاستيثاق كما في التعزير، بخلاف الحدود الخالصة لله تعالى. ولأبي حنيفة ﵀ قوله ﵊: "لا كفالة في حد من غير فصل" ولأن مبنى الكل على الدرء فلا يجب فيها الاستيثاق، بخلاف سائر الحقوق لأنها لا تندرئ بالشبهات فيليق بها الاستيثاق كما في التعزير "ولو سمحت نفسه به يصح بالإجماع" لأنه أمكن ترتيب موجبه عليه لأن تسليم النفس فيها واجب فيطالب به الكفيل فيتحقق الضم. قال: "ولا يحبس فيها حتى يشهد شاهدان مستوران أو شاهد عدل يعرفه القاضي" لأن الحبس للتهمة هاهنا، والتهمة تثبت بأحد شطري الشهادة: إما العدد أو العدالة، بخلاف الحبس في باب الأموال لأنه أقصى عقوبة فيه فلا يثبت إلا بحجة كاملة. وذكر في كتاب

стр. 670

أدب القاضي أن على قولهما لا يحبس في الحدود والقصاص بشهادة الواحد لحصول الاستيثاق بالكفالة. قال: "والرهن والكفالة جائزان في الخراج" لأنه دين مطالب به ممكن الاستيفاء فيمكن ترتيب موجب العقد عليه فيهما. قال: "ومن أخذ من رجل كفيلا بنفسه ثم ذهب فأخذ منه كفيلا آخر فهما كفيلان" لأن موجبه التزام المطالبة وهي متعددة والمقصود التوثق، وبالثانية يزداد التوثق فلا يتنافيان "وأما الكفالة بالمال فجائزة معلوما كان المكفول به أو مجهولا إذا كان دينا صحيحا مثل أن يقول تكفلت عنه بألف أو بما لك عليه أو بما يدركك في هذا البيع" لأن مبنى الكفالة على التوسع فيتحمل فيها الجهالة، وعلى الكفالة بالدرك إجماع وكفى به حجة، وصار كما إذا كفل لشجة صحت الكفالة وإن احتملت السراية والاقتصار، وشرط أن يكون دينا صحيحا ومراده أن لا يكون بدل الكتابة، وسيأتيك في موضعه إن شاء الله تعالى. قال: "والمكفول له بالخيار إن شاء طالب الذي عليه الأصل وإن شاء طالب كفيله" لأن الكفالة ضم الذمة إلى الذمة في المطالبة وذلك يقتضي قيام الأول لا البراءة عنه، إلا إذا شرط فيه البراءة فحينئذ تنعقد حوالة اعتبارا للمعنى، كما أن الحوالة بشرط أن لا يبرأ بها المحيل تكون كفالة "ولو طالب أحدهما له أن يطالب الآخر وله أن يطالبهما" لأن مقتضاه الضم، بخلاف المالك إذا اختار تضمين أحد الغاصبين لأن اختياره أحدهما يتضمن التمليك منه فلا يمكنه التمليك من الثاني، أما المطالبة بالكفالة لا تتضمن التمليك فوضح الفرق. قال: "ويجوز تعليق الكفالة بالشروط" مثل أن يقول ما بايعت فلانا فعلي أو ما ذاب لك عليه فعلي أو ما غصبك فعلي. والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] والإجماع منعقد على صحة ضمان الدرك، ثم الأصل أنه يصح تعليقها بشرط ملائم لها مثل أن يكون شرطا لوجوب الحق كقوله إذا استحق المبيع، أو لإمكان الاستيفاء مثل قوله إذا قدم زيد وهو مكفول عنه، أو لتعذر الاستيفاء مثل قوله إذا غاب عن البلدة، وما ذكر من الشروط في معنى ما ذكرناه، فأما لا يصح التعليق بمجرد الشرط كقوله إن هبت الريح أو جاء المطر وكذا إذا جعل واحد منهما أجلا، إلا أنه تصح الكفالة ويجب المال حالا لأن الكفالة لما صح تعليقها بالشرط لا تبطل بالشروط الفاسدة كالطلاق والعتاق. "فإن قال تكفلت بما لك عليه فقامت البينة بألف عليه ضمنه الكفيل" لأن الثابت بالبينة كالثابت معاينة فيتحقق ما عليه فيصح الضمان به "وإن لم تقم البينة فالقول قول
следующие страницы →