Полный текст (1 246 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
فصل: في كيفية القسمة
قال: "وينبغي للقاسم أن يصور ما يقسمه" ليمكنه حفظه "ويعدله" يعني يسويه على سهام القسمة ويروى يعزله: أي يقطعه بالقسمة عن غيره "ويذرعه" ليعرف قدره "ويقوم البناء" لحاجته إليه في الآخرة "ويفرز كل نصيب عن الباقي بطريقه وشربه حتى لا يكون لنصيب بعضهم بنصيب الآخر تعلق" فتنقطع المنازعة ويتحقق معنى القسمة على التمام "ثم
стр. 982
يلقب نصيبا بالأول، والذي يليه بالثاني والثالث على هذا ثم يخرج القرعة، فمن خرج اسمه أولا فله السهم الأول، ومن خرج ثانيا فله السهم الثاني".
والأصل أن ينظر في ذلك إلى أقل الأنصباء، حتى إذا كان الأقل ثلثا جعلها أثلاثا، وإن كان سدسا جعلها أسداسا لتمكن القسمة، وقد شرحناه مشبعا في كفاية المنتهى بتوفيق الله تعالى وقوله في الكتاب: ويفرز كل نصيب بطريقه وشربه بيان الأفضل، فإن لم يفعل أو لم يمكن جاز على ما نذكره بتفصيله إن شاء الله تعالى. والقرعة لتطييب القلوب وإزاحة تهمة الميل، حتى لو عين لكل منهم نصيبا من غير إقراع جاز لأنه في معنى القضاء فيملك الإلزام.
قال: "ولا يدخل في القسمة الدراهم والدنانير إلا بتراضيهم" لأنه لا شركة في الدراهم والقسمة من حقوق الاشتراك، ولأنه يفوت به التعديل في القسمة لأن أحدهما يصل إلى عين العقار ودراهم الآخر في ذمته ولعلها لا تسلم له "وإذا كان أرض وبناء؛ فعن أبي يوسف أنه يقسم كل ذلك على اعتبار القيمة" لأنه لا يمكن اعتبار المعادلة إلا بالتقويم.
وعن أبي حنيفة أنه يقسم الأرض بالمساحة لأنه هو الأصل في الممسوحات، ثم يرد من وقع البناء في نصيبه أو من كان نصيبه أجود دراهم على الآخر حتى يساويه فتدخل الدراهم في القسمة ضرورة كالأخ لا ولاية له في المال، ثم يملك تسمية الصداق ضرورة التزويج وعن محمد أنه يرد على شريكه بمقابلة البناء ما يساويه من العرصة، وإذا بقي فضل ولم يمكن تحقيق التسوية بأن كان لا تفي العرصة بقيمة البناء فحينئذ يرد للفضل دراهم، لأن الضرورة في هذا القدر فلا يترك الأصل إلا بها. وهذا يوافق رواية الأصل.
قال: "فإن قسم بينهم ولأحدهم مسيل في نصيب الآخر أو طريق لم يشترط في القسمة، فإن أمكن صرف الطريق والمسيل عنه ليس له أن يستطرق في نصيب الآخر" لأنه أمكن تحقيق معنى القسمة من غير ضرر "وإن لم يمكن فسخت القسمة" لأن القسمة مختلة لبقاء الاختلاط فتستأنف بخلاف البيع حيث لا يفسد في هذه الصورة، لأن المقصود منه تملك العين، وأنه يجامع تعذر الانتفاع في الحال، أما القسمة لتكميل المنفعة ولا يتم ذلك إلا بالطريق، ولو ذكر الحقوق في الوجه الأول كذلك الجواب، لأن معنى القسمة الإفراز والتمييز، وتمام ذلك بأن لا يبقى لكل واحد تعلق بنصيب الآخر وقد أمكن تحقيقه بصرف الطريق والمسيل إلى غيره من غير ضرر فيصار إليه، بخلاف البيع إذا ذكر فيه الحقوق حيث يدخل فيه ما كان له من الطريق والمسيل، لأنه أمكن تحقيق معنى البيع وهو التمليك مع بقاء هذا التعلق بملك غيره وفي الوجه الثاني يدخل فيها لأن القسمة لتكميل المنفعة،
стр. 983
وذلك بالطريق والمسيل فيدخل عند التنصيص باعتباره، وفيها معنى الإفراز وذلك بانقطاع التعلق على ما ذكرنا، فباعتباره لا يدخل من غير تنصيص، بخلاف الإجارة حيث يدخل فيها بدون التنصيص، لأن كل المقصود الانتفاع وذلك لا يحصل إلا بإدخال الشرب والطريق فيدخل من غير ذكر.
"ولو اختلفوا في رفع الطريق بينهم في القسمة، إن كان يستقيم لكل واحد طريق يفتحه في نصيبه قسم الحاكم من غير طريق يرفع لجماعتهم" لتحقق الإفراز بالكلية دونه. "وإن كان لا يستقيم ذلك رفع طريقا بين جماعتهم" ليتحقق تكميل المنفعة فيما وراء الطريق "ولو اختلفوا في مقداره جعل على عرض باب الدار وطوله" لأن الحاجة تندفع به "والطريق على سهامهم كما كان قبل القسمة" لأن القسمة فيما وراء الطريق لا فيه "ولو شرطوا أن يكون الطريق بينهما أثلاثا جاز وإن كان أصل الدار نصفين" لأن القسمة على التفاضل جائزة بالتراضي.
قال: "وإذا كان سفل لا علو عليه وعلو لا سفل له وسفل له علو قوم كل واحد على حدته وقسم بالقيمة ولا معتبر بغير ذلك" قال ﵁: هذا عند محمد ﵀.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله: يقسم بالذرع؛ لمحمد أن السفل يصلح لما لا يصلح له العلو من اتخاذه بئر ماء أو سردابا أو إصطبلا أو غير ذلك فلا يتحقق التعديل إلا بالقيمة، وهما يقولان إن القسمة بالذرع هي الأصل، لأن الشركة في المذروع لا في القيمة فيصار إليه ما أمكن، والمراعى التسوية في السكنى لا في المرافق ثم اختلفا فيما بينهما في كيفية القسمة بالذرع فقال أبو حنيفة ﵀: ذراع من سفل بذراعين من علو وقال أبو يوسف ﵀: ذراع بذراع.
قيل: أجاب كل واحد منهم على عادة أهل عصره أو أهل بلده في تفضيل السفل على العلو واستوائهما وتفضيل السفل مرة والعلو أخرى. وقيل هو اختلاف معنى ووجه قول أبي حنيفة ﵀ أن منفعة السفل تربو على منفعة العلو بضعفه لأنها تبقى بعد فوات العلو، ومنفعة العلو لا تبقى بعد فناء السفل، وكذا السفل فيه منفعة البناء والسكنى، وفي العلو السكنى لا غير إذ لا يمكنه البناء على علوه إلا برضا صاحب السفل، فيعتبر ذراعان منه بذراع من السفل ولأبي يوسف أن المقصود أصل السكنى وهما يتساويان فيه، والمنفعتان متماثلتان لأن لكل واحد منهما أن يفعل ما لا يضر بالآخر على أصله ولمحمد أن المنفعة تختلف باختلاف الحر والبرد بالإضافة إليهما فلا يمكن التعديل إلا بالقيمة، والفتوى اليوم
стр. 984
على قول محمد ﵀ وقوله لا يفتقر إلى التفسير.
وتفسير قول أبي حنيفة ﵀ في مسألة الكتاب أن يجعل بمقابلة مائة ذراع من العلو المجرد ثلاثة وثلاثون وثلث ذراع من البيت الكامل لأن العلو مثل نصف السفل فثلاثة وثلاثون وثلث من السفل ستة وستون وثلثان من العلو المجرد ومعه ثلاثة وثلاثون وثلث ذراع من العلو فبلغت مائة ذراع تساوي مائة من العلو المجرد، ويجعل بمقابلة مائة ذراع من السفل المجرد من البيت الكامل ستة وستون وثلثا ذراع، لأن علوه مثل نصف سفله فبلغت مائة ذراع كما ذكرنا، والسفل المجرد ستة وستون وثلثان لأنه ضعف العلو فيجعل بمقابلة مثله وتفسير قول أبي يوسف أن يجعل بإزاء خمسين ذراعا من البيت الكامل مائة ذراع من السفل المجرد، ومائة ذراع من العلو المجرد، لأن السفل والعلو عنده سواء، فخمسون ذراعا من البيت الكامل بمنزلة مائة ذراع خمسون منها سفل وخمسون منها علو.
قال: "وإذا اختلف المتقاسمون وشهد القاسمان قبلت شهادتهما" قال ﵁: هذا الذي ذكره قول أبي حنيفة وأبي يوسف وقال محمد: لا تقبل، وهو قول أبي يوسف أولا، وبه قال الشافعي. وذكر الخصاف قول محمد مع قولهما وقاسما القاضي وغيرهما سواء، لمحمد أنهما شهدا على فعل أنفسهما فلا تقبل، كمن علق عتق عبده بفعل غيره فشهد ذلك الغير على فعله ولهما أنهما شهدا على فعل غيرهما وهو الاستيفاء والقبض لا على فعل أنفسهما، لأن فعلهما التمييز ولا حاجة إلى الشهادة عليه، أو لأنه لا يصلح مشهودا به لما أنه غير لازم، وإنما يلزمه بالقبض والاستيفاء وهو فعل الغير فتقبل الشهادة عليه وقال الطحاوي: إذا قسما بأجر لا تقبل الشهادة بالإجماع، وإليه مال بعض المشايخ لأنهما يدعيان إيفاء عمل استؤجرا عليه فكانت شهادة صورة ودعوى معنى فلا تقبل إلا أنا نقول: هما لا يجران بهذه الشهادة إلى أنفسهما مغنما لاتفاق الخصوم على إيفائهما العمل المستأجر عليه وهو التمييز، وإنما الاختلاف في الاستيفاء فانتفت التهمة "ولو شهد قاسم واحد لا تقبل" لأن شهادة الفرد غير مقبولة على الغير، ولو أمر القاضي أمينه بدفع المال إلى آخر يقبل قول الأمين في دفع الضمان عن نفسه ولا يقبل في إلزام الآخر إذا كان منكرا، والله أعلم.
стр. 985
باب دعوى الغلط في القسمة والاستحقاق فيها
قال: "وإذا ادعى أحدهم الغلط وزعم أن مما أصابه شيئا في يد صاحبه وقد أشهد على نفسه بالاستيفاء لم يصدق على ذلك إلا ببينة" لأنه يدعي فسخ القسمة بعد وقوعها،
стр. 986
فلا يصدق إلا بحجة "فإن لم يكن له بينة استحلف الشركاء فمن نكل منهم جمع بين نصيب الناكل والمدعي فيقسم بينهما على قدر أنصبائهما"، لأن النكول حجة في حقه خاصة فيعاملان على زعمهما.
قال ﵁: ينبغي أن لا تقبل دعواه أصلا لتناقضه، وإليه أشار من بعد "وإن قال قد استوفيت حقي وأخذت بعضه فالقول قول خصمه مع يمينه" لأنه يدعي عليه الغصب وهو منكر "وإن قال أصابني إلى موضع كذا فلم يسلمه إلي ولم يشهد على نفسه بالاستيفاء وكذبه شريكه تحالفا وفسخت القسمة" لأن الاختلاف في مقدار ما حصل له بالقسمة فصار نظير الاختلاف في مقدار المبيع على ما ذكرنا من أحكام التحالف فيما تقدم "ولو اختلفا في التقويم لم يلتفت إليه" لأنه دعوى الغبن ولا معتبر به في البيع فكذا في القسمة لوجود التراضي، "إلا إذا كانت القسمة بقضاء القاضي والغبن فاحش" لأن تصرفه مقيد بالعدل "ولو اقتسما دارا وأصاب كل واحد طائفة فادعى أحدهم بيتا في يد الآخر أنه مما أصابه بالقسمة وأنكر الآخر فعليه إقامة البينة" لما قلنا "وإن أقاما البينة يؤخذ ببينة المدعي" لأنه خارج، وبينة الخارج تترجح على بينة ذي اليد "وإن كان قبل الإشهاد على القبض تحالفا وترادا، وكذا إذا اختلفا في الحدود وأقاما البينة يقضى لكل واحد بالجزء الذي هو في يد صاحبه" لما بينا "وإن قامت لأحدهما بينة قضي له، وإن لم تقم لواحد منهما تحالفا" كما في البيع.
стр. 987
فصل: قال: "وإذا استحق بعض نصيب أحدهما بعينه لم تفسخ القسمة عند أبي حنيفة ورجع بحصة ذلك في نصيب صاحبه. وقال أبو يوسف: تفسخ القسمة".
قال ﵁: ذكر الاختلاف في استحقاق بعض بعينه، وهكذا ذكر في الأسرار. والصحيح أن الاختلاف في استحقاق بعض شائع من نصيب أحدهما، فأما في استحقاق بعض معين لا تفسخ القسمة بالإجماع، ولو استحق بعض شائع في الكل تفسخ بالاتفاق، فهذه ثلاثة أوجه. ولم يذكر قول محمد، وذكره أبو سليمان مع أبي يوسف وأبو حفص مع أبي حنيفة وهو الأصح. لأبي يوسف أن باستحقاق بعض شائع ظهر شريك ثالث لهما، والقسمة بدون رضاه باطلة، كما إذا استحق بعض شائع في النصيبين، وهذا لأن باستحقاق جزء شائع ينعدم معنى القسمة وهو الإفراز لأنه يوجب الرجوع بحصته في نصيب الآخر شائعا، بخلاف المعين. ولهما أن معنى الإفراز لا ينعدم باستحقاق جزء
стр. 988
شائع في نصيب أحدهما ولهذا جازت القسمة على هذا الوجه في الابتداء بأن كان النصف المقدم مشتركا بينهما وبين ثالث والنصف المؤخر بينهما لا شركة لغيرهما فيه فاقتسما على أن لأحدهما ما لهما من المقدم وربع المؤخر يجوز فكذا في الانتهاء وصار كاستحقاق شيء معين، بخلاف الشائع في النصيبين لأنه لو بقيت القسمة لتضرر الثالث بتفرق نصيبه في النصيبين، أما هاهنا لا ضرر بالمستحق فافترقا، وصور المسألة: إذا أخذ أحدهما الثلث المقدم من الدار والآخر الثلثين من المؤخر وقيمتهما سواء ثم استحق نصف المقدم، فعندهما إن شاء نقض القسمة دفعا لعيب التشقيص، وإن شاء رجع على صاحبه بربع ما في يده من المؤخر، لأنه لو استحق كل المقدم رجع بنصف ما في يده، فإذا استحق النصف رجع بنصف النصف وهو الربع اعتبارا للجزء بالكل، ولو باع صاحب المقدم نصفه ثم استحق النصف الباقي شائعا رجع بربع ما في يد الآخر عندهما لما ذكرنا وسقط خياره ببيع البعض وعند أبي يوسف: ما في يد صاحبه بينهما نصفان ويضمن قيمة نصف ما باع لصاحبه لأن القسمة تنقلب فاسدة عنده، والمقبوض بالعقد الفاسد مملوك فنفذ البيع فيه وهو مضمون بالقيمة فيضمن نصف نصيب صاحبه.
قال: "ولو وقعت القسمة ثم ظهر في التركة دين محيط ردت القسمة" لأنه يمنع وقوع الملك للوارث، وكذا إذا كان غير محيط لتعلق حق الغرماء بالتركة، إلا إذا بقي من التركة ما يفي بالدين وراء ما قسم لأنه لا حاجة إلى نقض القسمة في إيفاء حقهم، "ولو أبرأه الغرماء بعد القسمة أو أداه الورثة من مالهم والدين محيط أو غير محيط جازت القسمة" لأن المانع قد زال. ولو ادعى أحد المتقاسمين دينا في التركة صح دعواه لأنه لا تناقض، إذ الدين يتعلق بالمعنى والقسمة تصادف الصورة، ولو ادعى عينا بأي سبب كان لم يسمع للتناقض، إذ الإقدام على القسمة اعتراف بكون المقسوم مشتركا.
стр. 989
فصل: في المهايأة
المهايأة جائزة استحسانا للحاجة إليه، إذ قد يتعذر الاجتماع على الانتفاع فأشبه القسمة. ولهذا يجري فيه جبر القاضي كما يجري في القسمة، إلا أن القسمة أقوى منه في استكمال المنفعة لأنه جمع المنافع في زمان واحد، والتهايؤ جمع على التعاقب، ولهذا لو طلب أحد الشريكين القسمة والآخر المهايأة يقسم القاضي لأنه أبلغ في التكميل. ولو وقعت فيما يحتمل القسمة ثم طلب أحدهما القسمة يقسم وتبطل المهايأة لأنه أبلغ
стр. 990
ولا يبطل التهايؤ بموت أحدهما ولا بموتهما لأنه لو انتقض لاستأنفه الحاكم فلا فائدة في النقض ثم الاستئناف.
"ولو تهايأ في دار واحدة على أن يسكن هذا طائفة وهذا طائفة أو هذا علوها وهذا سفلها جاز" لأن القسمة على هذا الوجه جائزة فكذا المهايأة، والتهايؤ في هذا الوجه إفراز لجميع الأنصباء لا مبادلة ولهذه لا يشترط فيه التأقيت "ولكل واحد أن يستغل ما أصابه بالمهايأة شرط ذلك في العقد أو لم يشترط" لحدوث المنافع على ملكه.
"ولو تهايئا في عبد واحد على أن يخدم هذا يوما وهذا يوما جاز"، وكذا هذا في البيت الصغير "لأن المهايأة قد تكون في الزمان، وقد تكون من حيث المكان" والأول متعين هاهنا "ولو اختلفا في التهايؤ من حيث الزمان والمكان في محل يحتملهما يأمرهما القاضي بأن يتفقا" لأن التهايؤ في المكان أعدل وفي الزمان أكمل، فلما اختلفت الجهة لا بد من الاتفاق "فإن اختاراه من حيث الزمان يقرع في البداية" نفيا للتهمة "ولو تهايئا في العبدين على أن يخدم هذا هذا العبد والآخر الآخر جاز عندهما" لأن القسمة على هذا الوجه جائزة عندهما جبرا من القاضي وبالتراضي فكذا المهايأة. وقيل عند أبي حنيفة لا يقسم القاضي. وهكذا روي عنه لأنه لا يجري فيه الجبر عنده. والأصح أنه يقسم القاضي عنده أيضا، لأن المنافع من حيث الخدمة قلما تتفاوت، بخلاف أعيان الرقيق لأنها تتفاوت تفاوتا فاحشا على ما تقدم "ولو تهايئا فيهما على أن نفقة كل عبد على من يأخذه جاز" استحسانا للمسامحة في إطعام المماليك بخلاف شرط الكسوة لا يسامح فيها.
"ولو تهايئا في دارين على أن يسكن كل واحد منهما دارا جاز ويجبر القاضي عليه" وهذا عندهما ظاهر، لأن الدارين عندهما كدار واحدة. وقد قيل لا يجبر عنده اعتبارا بالقسمة. وعن أبي حنيفة أنه لا يجوز التهايؤ فيهما أصلا بالجبر لما قلنا، وبالتراضي لأنه بيع السكنى بالسكنى، بخلاف قسمة رقبتهما لأن بيع بعض أحدهما ببعض الآخر جائز. وجه الظاهر أن التفاوت يقل في المنافع فيجوز بالتراضي ويجري فيه جبر القاضي ويعتبر إفرازا أما يكثر التفاوت في أعيانهما فاعتبر مبادلة "وفي الدابتين لا يجوز التهايؤ على الركوب عند أبي حنيفة وعندهما يجوز" اعتبارا بقسمة الأعيان. وله أن الاستعمال يتفاوت بتفاوت الراكبين فإنهم بين حاذق وأخرق. والتهايؤ في الركوب في دابة واحدة على هذا الخلاف لما قلنا، بخلاف العبد لأنه يخدم باختياره فلا يتحمل زيادة على طاقته والدابة تحملها. وأما التهايؤ في الاستغلال يجوز في الدار الواحدة في ظاهر الرواية وفي العبد الواحد والدابة الواحدة لا يجوز. ووجه الفرق هو أن النصيبين، يتعاقبان في الاستيفاء، والاعتدال ثابت
стр. 991
في الحال. والظاهر بقاؤه في العقار وتغيره في الحيوان لتوالي أسباب التغير عليه فتفوت المعادلة. ولو زادت الغلة في نوبة أحدهما عليها في نوبة الآخر يشتركان في الزيادة ليتحقق التعديل، بخلاف ما إذا كان التهايؤ على المنافع فاستغل أحدهما في نوبته زيادة، لأن التعديل فيما وقع عليه التهايؤ حاصل وهو المنافع فلا تضره زيادة الاستغلال من بعد "والتهايؤ على الاستغلال في الدارين جائز" أيضا في ظاهر الرواية لما بينا، ولو فضل غلة أحدهما لا يشتركان فيه بخلاف الدار الواحدة. والفرق أن في الدارين معنى التمييز، والإفراز راجح لاتحاد زمان الاستيفاء، وفي الدار الواحدة يتعاقب الوصول فاعتبر قرضا وجعل كل واحد في نوبته كالوكيل عن صاحبه فلهذا يرد عليه حصته من الفضل، وكذا يجوز في العبدين عندهما اعتبارا بالتهايؤ في المنافع، ولا يجوز عنده لأن التفاوت في أعيان الرقيق أكثر منه من حيث الزمان في العبد الواحد فأولى أن يمتنع الجواز، والتهايؤ في الخدمة جوز ضرورة، ولا ضرورة في الغلة لإمكان قسمتها لكونها عينا، ولأن الظاهر هو التسامح في الخدمة والاستقصاء في الاستغلال فلا ينقسمان "ولا يجوز في الدابتين عنده خلافا لهما" والوجه ما بيناه في الركوب.
"ولو كان نخل أو شجر أو غنم بين اثنين فتهايئا على أن يأخذ كل واحد منهما طائفة يستثمرها أو يرعاها ويشرب ألبانها لا يجوز" لأن المهايأة في المنافع ضرورة أنها لا تبقى فيتعذر قسمتها، وهذه أعيان باقية ترد عليها القسمة عند حصولها. والحيلة أن يبيع حصته من الآخر ثم يشتري كلها بعد مضي نوبته أو ينتفع باللبن بمقدار معلوم استقراضا لنصيب صاحبه، إذ قرض المشاع جائز والله أعلم بالصواب.
стр. 992
كتاب المزارعة
"قال أبو حنيفة ﵀: المزارعة بالثلث والربع باطلة"
اعلم أن المزارعة لغة: مفاعلة من الزرع. وفي الشريعة: هي عقد على الزرع ببعض الخارج. وهي فاسدة عند أبي حنيفة، وقال: هي جائزة لما روي "أن النبي ﵊ عامل أهل خيبر على نصف ما يخرج من ثمر أو زرع" ولأنه عقد شركة بين المال والعمل فيجوز اعتبارا بالمضاربة والجامع دفع الحاجة، فإن ذا المال قد لا يهتدي إلى العمل والقوي عليه لا يجد المال، فمست الحاجة إلى انعقاد هذا العقد بينهما بخلاف دفع الغنم والدجاج ودود القز معاملة بنصف الزوائد لأنه لا أثر هناك للعمل في تحصيلها فلم تتحقق شركة. وله ما روي "أنه ﵊ نهى عن المخابرة وهي المزارعة" ولأنه استئجار ببعض ما يخرج من عمله فيكون في معنى قفيز الطحان، ولأن الأجر مجهول أو معدوم وكل ذلك مفسد، ومعاملة النبي ﵊ أهل خيبر كان خراج مقاسمة بطريق المن والصلح وهو جائز "وإذا فسدت عنده فإن سقى الأرض وكربها ولم يخرج شيء منه فله أجر مثله" لأنه في معنى إجارة فاسدة، وهذا إذا كان البذر من قبل صاحب الأرض. وإذا كان البذر من قبله فعليه أجر مثل الأرض والخارج في الوجهين لصاحب البذر لأنه نماء ملكه وللآخر الأجر كما فصلنا، إلا أن الفتوى على قولهما لحاجة الناس إليها ولظهور تعامل الأمة بها. والقياس يترك بالتعامل كما في الاستصناع.
"ثم المزارعة لصحتها على قول من يجيزها شروط: أحدها كون الأرض صالحة للزراعة" لأن المقصود لا يحصل بدونه.
"والثاني: أن يكون رب الأرض والمزارع من أهل العقد وهو لا يختص به" لأنه عقد ما لا يصح إلا من الأهل.
"والثالث: بيان المدة" لأنه عقد على منافع الأرض أو منافع العامل والمدة هي المعيار لها ليعلم بها.
стр. 993
"والرابع: بيان من عليه البذر" قطعا للمنازعة وإعلاما للمعقود عليه وهو منافع الأرض أو منافع العمل.
"والخامس: بيان نصيب من لا بذر من قبله" لأنه يستحقه عوضا بالشرط فلا بد أن يكون معلوما، وما لا يعلم لا يستحق شرطا بالعقد.
"والسادس: أن يخلي رب الأرض بينها وبين العامل، حتى لو شرط عمل رب الأرض يفسد العقد" لفوات التخلية.
"والسابع: الشركة في الخارج بعد حصوله" لأنه ينعقد شركة في الانتهاء، فما يقطع هذه الشركة كان مفسدا للعقد.
"والثامن: بيان جنس البذر" ليصير الأجر معلوما.
قال: "وهي عندهما على أربعة أوجه: إن كانت الأرض والبذر لواحد والبقر والعمل لواحد جازت المزارعة" لأن البقر آلة العمل فصار كما إذا استأجر خياطا ليخيط بإبرة الخياط، "وإن كان الأرض لواحد والعمل والبقر والبذر لواحد جازت" لأنه استئجار الأرض ببعض معلوم من الخارج فيجوز كما إذا استأجرها بدراهم معلومة "وإن كانت الأرض والبذر والبقر لواحد والعمل من آخر جازت" لأنه استأجره للعمل بآلة المستأجر فصار كما إذا استأجر خياطا ليخيط ثوبه بإبرته أو طيانا ليطين بمره "وإن كانت الأرض والبقر لواحد والبذر والعمل لآخر فهي باطلة" وهذا الذي ذكره ظاهر الرواية. وعن أبي يوسف أنه يجوز أيضا، لأنه لو شرط البذر والبقر عليه يجوز فكذا إذا شرط وحده وصار كجانب العامل. وجه الظاهر أن منفعة البقر ليست من جنس منفعة الأرض. لأن منفعة الأرض قوة في طبعها يحصل بها النماء، ومنفعة البقر صلاحية يقام بها العمل كل ذلك بخلق الله تعالى فلم يتجانسا فتعذر أن تجعل تابعة لها، بخلاف جانب العامل لأنه تجانست المنفعتان فجعلت تابعة لمنفعة العامل. وهاهنا وجهان آخران لم يذكرهما.
أحدهما: أن يكون البذر لأحدهما والأرض والبقر والعمل لآخر فإنه لا يجوز لأنه يتم شركة بين البذر والعمل ولم يرد به الشرع.
والثاني: أن يجمع بين البذر والبقر. وأنه لا يجوز أيضا لأنه لا يجوز عند الانفراد فكذا عند الاجتماع، والخارج في الوجهين لصاحب البذر في رواية اعتبارا بسائر المزارعات الفاسدة، وفي رواية لصاحب الأرض ويصير مستقرضا للبذر قابضا له لاتصاله بأرضه.
قال: "ولا تصح المزارعة إلا على مدة معلومة" لما بينا "وأن يكون الخارج شائعا
стр. 994
بينهما" تحقيقا لمعنى الشركة "فإن شرطا لأحدهما قفزانا مسماة فهي باطلة" لأن به تنقطع الشركة لأن الأرض عساها لا تخرج إلا هذا القدر، فصار كاشتراط دراهم معدودة لأحدهما في المضاربة، "وكذا إذا شرطا أن يرفع صاحب البذر بذره ويكون الباقي بينهما نصفين"، لأنه يؤدي إلى قطع الشركة في بعض معين أو في جميعه بأن لم يخرج إلا قدر البذر فصار كما إذا شرطا رفع الخراج، والأرض خراجية وأن يكون الباقي بينهما لأنه معين، بخلاف ما إذا شرط صاحب البذر عشر الخارج لنفسه أو للآخر والباقي بينهما لأنه معين مشاع فلا يؤدي إلى قطع الشركة، كما إذا شرطا رفع العشر، وقسمة الباقي بينهما والأرض عشرية.
قال: "وكذا إذا شرطا ما على الماذيانات والسواقي" معناه لأحدهما، لأنه إذا شرط لأحدهما زرع موضع معين أفضى ذلك إلى قطع الشركة، لأنه لعله لا يخرج إلا من ذلك الموضع، وعلى هذا إذا شرط لأحدهما ما يخرج من ناحية معينة ولآخر ما يخرج من ناحية أخرى "وكذا إذا شرط لأحدهما التبن وللآخر الحب" لأنه عسى أن يصيبه آفة فلا ينعقد الحب ولا يخرج إلا التبن "وكذا إذا شرطا التبن نصفين والحب لأحدهما بعينه" لأنه يؤدي إلى قطع الشركة فيما هو المقصود وهو الحب "ولو شرط الحب نصفين ولم يتعرضا للتبن صحت" لاشتراطهما الشركة فيما هو المقصود، "ثم التبن يكون لصاحب البذر" لأنه نماء بذره وفي حقه لا يحتاج إلى الشرط. والمفسد هو الشرط، وهذا سكوت عنه. وقال مشايخ بلخي ﵏: التبن بينهما أيضا اعتبارا للعرف فيما لم ينص عليه المتعاقدان، ولأنه تبع للحب والتبع يقوم بشرط الأصل. "ولو شرطا الحب نصفين والتبن لصاحب البذر صحت" لأنه حكم العقد "وإن شرطا التبن للآخر فسدت" لأنه شرط يؤدي إلى قطع الشركة بأن لا يخرج إلا التبن واستحقاق غير صاحب البذر بالشرط.
قال: "وإذا صحت المزارعة فالخارج على الشرط" لصحة الالتزام "وإن لم تخرج الأرض شيئا فلا شيء للعامل" لأنه يستحقه شركة، ولا شركة في غير الخارج، وإن كانت إجارة فالأجر مسمى فلا يستحق غيره، بخلاف ما إذا فسدت لأن أجر المثل في الذمة ولا تفوت الذمة بعدم الخارج.
قال: "وإذا فسدت فالخارج لصاحب البذر" لأنه نماء ملكه، واستحقاق الأجر بالتسمية وقد فسدت فبقي النماء كله لصاحب البذر.
قال: "ولو كان البذر من قبل رب الأرض فللعامل أجر مثله لا يزاد على مقدار ما شرط له من الخارج" لأنه رضي بسقوط الزيادة، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف
стр. 995
رحمهما الله "وقال محمد: له أجر مثله بالغا ما بلغ، لأنه استوفى منافعه بعقد فاسد فتجب عليه قيمتها إذ لا مثل لها" وقد مر في الإجارات "وإن كان البذر من قبل العامل فلصاحب الأرض أجر مثل أرضه" لأنه استوفى منافع الأرض بعقد فاسد فيجب ردها وقد تعذر. ولا مثل لها فيجب رد قيمتها. وهل يزاد على ما شرط له من الخارج؟ فهو على الخلاف الذي ذكرناه "ولو جمع بين الأرض والبقر حتى فسدت المزارعة فعلى العامل أجر مثل الأرض والبقر" هو الصحيح، لأن له مدخلا في الإجارة وهي إجارة معنى "وإذا استحق رب الأرض الخارج لبذره في المزارعة الفاسدة طاب له جميعه" لأن النماء حصل في أرض مملوكة له "وإن استحقه العامل أخذ قدر بذره وقدر أجر الأرض وتصدق بالفضل" لأن النماء يحصل من البذر ويخرج من الأرض، وفساد الملك في منافع الأرض أوجب خبثا فيه. فما سلم له بعوض طاب له وما لا عوض له تصدق به.
قال: "وإذا عقدت المزارعة فامتنع صاحب البذر من العمل لم يجبر عليه" لأنه لا يمكنه المضي في العقد إلا بضرر يلزمه. فصار كما إذا استأجر أجيرا ليهدم داره "وإن امتنع الذي ليس من قبله البذر أجبره الحاكم على العمل" لأنه لا يلحقه بالوفاء بالعقد ضرر والعقد لازم بمنزلة الإجارة، إلا إذا كان عذر يفسخ به الإجارة فيفسخ به المزارعة.
قال: "ولو امتنع رب الأرض والبذر من قبله وقد كرب المزارع الأرض فلا شيء له في عمل الكراب" قيل هذا في الحكم، فأما فيما بينه وبين الله تعالى يلزمه استرضاء العامل لأنه غره في ذلك.
قال: "وإذا مات أحد المتعاقدين بطلت المزارعة" اعتبارا بالإجارة، وقد مر الوجه في الإجارات، فلو كان دفعها في ثلاث سنين فلما نبت الزرع في السنة الأولى ولم يستحصد الزرع حتى مات رب الأرض ترك الأرض في يد المزارع حتى يستحصد الزرع ويقسم على الشرط، وتنتقض المزارعة فيما بقي من السنتين لأن في إبقاء العقد في السنة الأولى مراعاة للحقين، بخلاف السنة الثانية والثالثة لأنه ليس فيه ضرر بالعامل فيحافظ فيهما على القياس "ولو مات رب الأرض قبل الزراعة بعد ما كرب الأرض وحفر الأنهار انتقضت المزارعة" لأنه ليس فيه إبطال مال على المزارع "ولا شيء للعامل بمقابلة ما عمل" لما نبينه إن شاء الله تعالى. "وإذا فسخت المزارعة بدين فادح لحق صاحب الأرض فاحتاج إلى بيعها جاز" كما في الإجارة "وليس للعامل أن يطالبه بما كرب الأرض وحفر الأنهار بشيء" لأن المنافع إنما تتقوم بالعقد وهو إنما قوم بالخارج فإذا انعدم الخارج لم يجب شيء "ولو نبت الزرع ولم يستحصد لم تبع الأرض في الدين حتى يستحصد الزرع" لأن في البيع إبطال حق
стр. 996
المزارع، والتأخير أهون من الإبطال "ويخرجه القاضي من الحبس إن كان حبسه بالدين" لأنه لما امتنع بيع الأرض لم يكن هو ظالما والحبس جزاء الظلم.
قال: "وإذا انقضت مدة المزارعة والزرع لم يدرك كان على المزارع أجر مثل نصيبه من الأرض إلى أن يستحصد والنفقة على الزرع عليهما على مقدار حقوقهما" معناه حتى يستحصد، لأن في تبقية الزرع بأجر المثل تعديل النظر من الجانبين فيصار إليه، وإنما كان العمل عليهما لأن العقد قد انتهى بانتهاء المدة وهذا عمل في المال المشترك، وهذا بخلاف ما إذا مات رب الأرض والزرع بقل حيث يكون العمل فيه على العامل، لأن هناك أبقينا العقد في مدته والعقد يستدعي العمل على العامل، أما هاهنا العقد قد انتهى فلم يكن هذا إبقاء ذلك العقد فلم يختص العامل بوجوب العمل عليه "فإن أنفق أحدهما بغير إذن صاحبه وأمر القاضي فهو متطوع" لأنه لا ولاية له عليه "ولو أراد رب الأرض أن يأخذ الزرع بقلا لم يكن له ذلك" لأن فيه إضرارا بالمزارع، "ولو أراد المزارع" أن يأخذه بقلا قيل لصاحب الأرض اقلع الزرع فيكون بينكما أو أعطه قيمة نصيبه أو أنفق أنت على الزرع وارجع بما تنفقه في حصته، لأن المزارع لما امتنع من العمل لا يجبر عليه، لأن إبقاء العقد بعد وجود المنهي نظر له وقد ترك النظر لنفسه. ورب الأرض مخير بين هذه الخيارات لأن بكل ذلك يستدفع الضرر "ولو مات المزارع بعد نبات الزرع فقالت ورثته نحن نعمل إلى أن يستحصد الزرع وأبى رب الأرض فلهم ذلك" لأنه لا ضرر على رب الأرض "ولا أجر لهم بما عملوا" لأنا أبقينا العقد نظرا لهم، فإن أرادوا قلع الزرع لم يجبروا على العمل لما بينا، والمالك على الخيارات الثلاث لما بينا.
قال: "وكذلك أجرة الحصاد والرفاع والدياس والتذرية عليهما بالحصص. فإن شرطاه في المزارعة على العامل فسدت" وهذا الحكم ليس بمختص بما ذكر من الصورة وهو انقضاء المدة والزرع لم يدرك بل هو عام في جميع المزارعات. ووجه ذلك أن العقد يتناهى بتناهي الزرع لحصول المقصود فيبقى مال مشترك بينهما ولا عقد فيجب مؤنته عليهما. وإذا شرط في العقد ذلك ولا يقتضيه وفيه منفعة لأحدهما يفسد العقد كشرط الحمل أو الضمن على العامل. وعن أبي يوسف أنه يجوز إذا شرط ذلك على العامل للتعامل اعتبارا بالاستصناع وهو اختيار مشايخ بلخي. قال شمس الأئمة السرخسي: هذا هو الأصح في ديارنا.
فالحاصل: أن ما كان من عمل قبل الإدراك كالسقي والحفظ فهو على العامل، وما كان منه بعد الإدراك قبل القسمة فهو عليهما في ظاهر الرواية كالحصاد والدياس
стр. 997
وأشباههما على ما بيناه، وما كان بعد القسمة فهو عليهما. والمعاملة على قياس هذا ما كان قبل إدراك الثمر من السقي والتلقيح والحفظ فهو على العامل، وما كان بعد الإدراك كالجداد والحفظ فهو عليهما؛ ولو شرط الجداد على العامل لا يجوز بالاتفاق لأنه لا عرف فيه. وما كان بعد القسمة فهو عليهما لأنه مال مشترك ولا عقد، ولو شرط الحصاد في الزرع على رب الأرض لا يجوز بالإجماع لعدم العرف فيه، ولو أرادا فصل القصيل أو جد التمر بسرا أو التقاط الرطب فذلك عليهما لأنهما أنهيا العقد لما عزما على الفصل والجداد بسرا فصار كما بعد الإدراك، والله أعلم.
стр. 998
كتاب المساقاة
"قال أبو حنيفة: المساقاة بجزء من الثمر باطلة، وقالا: جائزة إذا ذكر مدة معلومة وسمى جزءا من الثمر مشاعا" والمساقاة: هي المعاملة والكلام فيها كالكلام في المزارعة. وقال الشافعي ﵀: المعاملة جائزة، ولا تجوز المزارعة إلا تبعا للمعاملة لأن الأصل في هذا المضاربة، والمعاملة أشبه بها لأن فيه شركة في الزيادة دون الأصل. وفي المزارعة لو شرطا الشركة في الربح دون البذر بأن شرطا رفعه من رأس الخارج تفسد، فجعلنا المعاملة أصلا، وجوزنا المزارعة تبعا لها كالشرب في بيع الأرض والمنقول في وقف العقار، وشرط المدة قياس فيها لأنها إجارة معنى كما في المزارعة. وفي الاستحسان: إذا لم يبين المدة يجوز ويقع على أول ثمر يخرج، لأن الثمر لإدراكها وقت معلوم وقلما يتفاوت ويدخل فيما ما هو المتيقن، وإدراك البذر في أصول الرطبة في هذا بمنزلة إدراك الثمار، لأن له نهاية معلومة فلا يشترط بيان المدة، بخلاف الزرع لأن ابتداءه يختلف كثيرا خريفا وصيفا وربيعا، والانتهاء بناء عليه فتدخله الجهالة، وبخلاف ما إذا دفع إليه غرسا قد علق ولم يبلغ الثمر معاملة حيث لا يجوز إلا ببيان المدة لأنه يتفاوت بقوة الأراضي وضعفها تفاوتا فاحشا، وبخلاف ما إذا دفع نخيلا أو أصول رطبة على أن يقوم عليها أو أطلق في الرطبة تفسد المعاملة، لأنه ليس لذلك نهاية معلومة، لأنها تنمو ما تركت في الأرض فجهلت المدة.
قال: "و يشترط تسمية الجزء مشاعا" لما بينا في المزارعة إذ شرط جزء معين يقطع الشركة.
قال: "فإن سميا في المعاملة وقتا يعلم أنه لا يخرج الثمر فيها فسدت المعاملة" لفوات المقصود وهو الشركة في الخارج.
قال: "ولو سميا مدة قد يبلغ الثمر فيها وقد يتأخر عنها جازت" لأنا لا نتيقن بفوات المقصود.
стр. 999
قال: "ثم لو خرج في الوقت المسمى فهو على الشركة" لصحة العقد.
قال: "وإن تأخر فللعامل أجر المثل" لفساد العقد لأنه تبين الخطأ في المدة المسماة فصار كما إذا علم ذلك في الابتداء، بخلاف ما إذا لم يخرج أصلا لأن الذهاب بآفة فلا يتبين فساد المدة فيبقى العقد صحيحا، ولا شيء لكل واحد منهما على صاحبه.
قال: "وتجوز المساقاة في النخل والشجر والكرم والرطاب وأصول الباذنجان" وقال الشافعي في الجديد: لا تجوز إلا في الكرم والنخل، لأن جوازها بالأثر وقد خصهما وهو حديث خيبر. ولنا أن الجواز للحاجة وقد عمت، وأثر خيبر لا يخصهما لأن أهلها كانوا يعملون في الأشجار والرطاب أيضا، ولو كان كما زعم فالأصل في النصوص أن تكون معلولة سيما على أصله.
قال: "وليس لصاحب الكرم أن يخرج العامل من غير عذر" لأنه لا ضرر عليه في الوفاء بالعقد.
قال: "وكذا ليس للعامل أن يترك العمل بغير عذر" بخلاف المزارعة بالإضافة إلى صاحب البذر على ما قدمناه.
قال: "فإن دفع نخلا فيه تمر مساقاة والتمر يزيد بالعمل جاز وإن كانت قد انتهت لم يجز" وكذا على هذا إذا دفع الزرع وهو بقل جاز، ولو استحصد وأدرك لم يجز، لأن العامل إنما يستحق بالعمل، ولا أثر للعمل بعد التناهي والإدراك، فلو جوزناه لكان استحقاقا بغير عمل ولم يرد به الشرع، بخلاف ما قبل ذلك لتحقق الحاجة إلى العمل.
قال: "وإذا فسدت المساقاة فللعامل أجر مثله" لأنه في معنى الإجارة الفاسدة، وصار كالمزارعة إذا فسدت.
قال: "وتبطل المساقاة بالموت" لأنها في معنى الإجارة وقد بيناه فيها، فإن مات رب الأرض والخارج بسر فللعامل أن يقوم عليه كما كان يقوم قبل ذلك إلى أن يدرك الثمر، وإن كره ذلك ورثة رب الأرض استحسانا فيبقى العقد دفعا للضرر عنه، ولا ضرر فيه على الآخر.
قال: "ولو التزم العامل الضرر يتخير ورثة الآخر بين أن يقسموا البسر على الشرط وبين أن يعطوه قيمة نصيبه من البسر وبين أن ينفقوا على البسر حتى يبلغ فيرجعوا بذلك في حصة العامل من الثمر" لأنه ليس له إلحاق الضرر بهم، وقد بينا نظيره في المزارعة.
стр. 1000
قال: "ولو مات العامل فلورثته أن يقوموا عليه وإن كره رب الأرض" لأن فيه النظر من الجانبين.
قال: "فإن أرادوا أن يصرموه بسرا كان صاحب الأرض بين الخيارات الثلاثة" التي بيناها.
قال: "وإن ماتا جميعا فالخيار لورثة العامل" لقيامهم مقامه، وهذا خلافة في حق مالي وهو ترك الثمار على الأشجار إلى وقت الإدراك لا أن يكون وارثه في الخيار قال: "فإن أبى ورثة العامل أن يقوموا عليه كان الخيار في ذلك لورثة رب الأرض" على ما وصفنا.
قال: "وإذا انقضت مدة المعاملة والخارج بسر أخضر فهذا والأول سواء، وللعامل أن يقوم عليها إلى أن يدرك لكن بغير أجر" لأن الشجر لا يجوز استئجاره، بخلاف المزارعة في هذا لأن الأرض يجوز استئجارها، وكذلك العمل كله على العامل هاهنا وفي المزارعة في هذا عليهما، لأنه لما وجب أجر مثل الأرض بعد انتهاء المدة على العامل لا يستحق عليه العمل وهاهنا لا أجر فجاز أن يستحق العمل كما يستحق قبل انتهائها.
قال: "وتفسخ بالأعذار" لما بينا في الإجارات، وقد بينا وجوه العذر فيها. ومن جملتها أن يكون العامل سارقا يخاف عليه سرقة السعف والثمر قبل الإدراك لأنه يلزم صاحب الأرض ضررا لم يلتزمه فتفسخ به. ومنها مرض العامل إذا كان يضعفه عن العمل، لأن في إلزامه استئجار الأجراء زيادة ضرر عليه ولم يلتزمه فيجعل ذلك عذرا، ولو أراد العامل ترك ذلك العمل هل يكون عذرا؟ فيه روايتان. وتأويل إحداهما أن يشترط العمل بيده فيكون عذرا من جهته.
قال: "ومن دفع أرضا بيضاء إلى رجل سنين معلومة يغرس فيها شجرا على أن تكون الأرض والشجر بين رب الأرض والغارس نصفين لم يجز ذلك" لاشتراط الشركة فيما كان حاصلا قبل الشركة لا بعمله.
قال: "وجميع الثمر والغرس لرب الأرض وللغارس قيمة غرسه وأجر مثله فيما عمل" لأنه في معنى قفيز الطحان: إذ هو استئجار ببعض ما يخرج من عمله وهو نصف البستان فيفسد وتعذر رد الغراس لاتصالها بالأرض فيجب قيمتها وأجر مثله لأنه لا يدخل في قيمة الغراس لتقومها بنفسها وفي تخريجها طريق آخر بيناه في كفاية المنتهى، وهذا أصحهما، والله أعلم.
стр. 1001
كتاب الذبائح
قال: "الذكاة شرط حل الذبيحة" لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] ولأن بها يتميز الدم النجس من اللحم الطاهر. وكما يثبت به الحل يثبت به الطهارة في المأكول وغيره، فإنها تنبئ عنها. ومنها قوله ﵊: "ذكاة الأرض يبسها" وهي اختيارية كالجرح فيما بين اللبة واللحيين، واضطرارية وهي الجرح في أي موضع كان من البدن. والثاني كالبدل عن الأول لأنه لا يصار إليه إلا عند العجز عن الأول. وهذا آية البدلية، وهذا لأن الأول أعمل في إخراج الدم والثاني أقصر فيه، فاكتفى به عند العجز عن الأول، إذ التكليف بحسب الوسع. ومن شرطه أن يكون الذابح صاحب ملة التوحيد إما اعتقادا كالمسلم أو دعوى كالكتابي، وأن يكون حلالا خارج الحرم على ما نبينه إن شاء الله تعالى.
قال: "وذبيحة المسلم والكتابي حلال" لما تلونا. و لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ويحل إذا كان يعقل التسمية والذبيحة ويضبط وإن كان صبيا أو مجنونا أو امرأة، أما إذا كان لا يضبط ولا يعقل التسمية والذبيحة لا تحل لأن التسمية على الذبيحة شرط بالنص وذلك بالقصد. وصحة القصد بما ذكرنا. والأقلف والمختون سواء لما ذكرنا، وإطلاق الكتابي ينتظم الكتابي والذمي والحربي والعربي والتغلبي، لأن الشرط قيام الملة على ما مر.
قال: "ولا تؤكل ذبيحة المجوسي" لقوله ﵊: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم" ولأنه لا يدعي التوحيد فانعدمت الملة اعتقادا ودعوى.
قال: "والمرتد" لأنه لا ملة له. فإنه لا يقر على ما انتقل إليه، بخلاف الكتابي إذا تحول إلى غير دينه لأنه يقر عليه عندنا فيعتبر ما هو عليه عند الذبح لا ما قبله.
قال: "والوثني" لأنه لا يعتقد الملة.
قال: "والمحرم" يعني من الصيد "وكذا لا يؤكل ما ذبح في الحرم من الصيد"
стр. 1002
والإطلاق في المحرم ينتظم الحل والحرم، والذبح في الحرم يستوي فيه الحلال والمحرم، وهذا لأن الذكاة فعل مشروع وهذا الصنيع محرم فلم تكن ذكاة، بخلاف ما إذا ذبح المحرم غير الصيد أو ذبح في الحرم غير الصيد صح لأنه فعل مشروع، إذ الحرم لا يؤمن الشاة، وكذا لا يحرم ذبحه على المحرم.
قال: "وإن ترك الذابح التسمية عمدا فالذبيحة ميتة لا تؤكل وإن تركها ناسيا أكل" وقال الشافعي: أكل في الوجهين. وقال مالك: لا يؤكل في الوجهين والمسلم والكتابي في ترك التسمية سواء، وعلى هذا الخلاف إذا ترك التسمية عند إرسال البازي والكلب، وعند الرمي، وهذا القول من الشافعي مخالف للإجماع فإنه لا خلاف فيمن كان قبله في حرمة متروك التسمية عامدا، وإنما الخلاف بينهم في متروك التسمية ناسيا. فمن مذهب ابن عمر ﵄ أنه يحرم، ومن مذهب علي وابن عباس ﵃ أنه يحل، بخلاف متروك التسمية عامدا، ولهذا قال أبو يوسف والمشايخ ﵏: إن متروك التسمية عامدا لا يسع فيه الاجتهاد، ولو قضى القاضي بجواز بيعه لا ينفذ لكونه مخالفا للإجماع، له قوله ﵊: "المسلم يذبح على اسم الله تعالى سمى أو لم يسم" ولأن التسمية لو كانت شرطا للحل لما سقطت بعذر النسيان كالطاهرة في باب الصلاة، ولو كانت شرطا فالملة أقيمت مقامها كما في الناسي، ولنا الكتاب وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] الآية، نهي وهو للتحريم. والإجماع وهو ما بينا. والسنة وهو حديث عدي بن حاتم الطائي ﵁ فإنه ﵊ قال في آخره "فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على كلب غيرك" علل الحرمة بترك التسمية. ومالك يحتج بظاهر ما ذكرنا، إذ لا فصل فيه ولكنا نقول: في اعتبار ذلك من الحرج ما لا يخفى، لأن الإنسان كثير النسيان والحرج مدفوع والسمع غير مجرى على ظاهره، إذ لو أريد به لجرت المحاجة وظهر الانقياد وارتفع الخلاف في الصدر الأول. والإقامة في حق الناسي وهو معذور لا يدل عليها في حق العامد ولا عذر، وما رواه محمول على حالة النسيان ثم التسمية في ذكاة الاختيار تشترط عند الذبح وهي على المذبوح. وفي الصيد تشترط عند الإرسال والرمي وهي على الآلة، لأن المقدور له في الأول الذبح وفي الثاني الرمي والإرسال دون الإصابة فتشترط عند فعل يقدر عليه، حتى إذا أضجع شاة وسمى فذبح غيرها بتلك التسمية لا يجوز. ولو رمى إلى صيد وسمى وأصاب غيره حل، وكذا في الإرسال، ولو أضجع شاة وسمى ثم رمى بالشفرة وذبح بالأخرى أكل، ولو سمى على سهم ثم رمى بغيره صيدا لا يؤكل.
стр. 1003
قال: "ويكره أن يذكر مع اسم الله تعالى شيئا غيره. وأن يقول عند الذبح: اللهم تقبل من فلان" وهذه ثلاث مسائل:
إحداها: أن يذكر موصولا لا معطوفا فيكره ولا تحرم الذبيحة. وهو المراد بما قال. ونظيره أن يقول: باسم الله محمد رسول الله. لأن الشركة لم توجد فلم يكن الذبح واقعا له. إلا أنه يكره لوجود القرآن صورة فيتصور بصورة المحرم.
والثانية: أن يذكر موصولا على وجه العطف والشركة بأن يقول: باسم الله واسم فلان، أو يقول: باسم الله وفلان. أو باسم الله ومحمد رسول الله بكسر الدال فتحرم الذبيحة لأنه أهل به لغير الله.
والثالثة: أن يقول مفصولا عنه صورة ومعنى بأن يقول قبل التسمية وقبل أن يضجع الذبيحة أو بعده، وهذا لا بأس به لما روي عن النبي ﷺ أنه قال بعد الذبح: "اللهم تقبل هذه عن أمة محمد ممن شهد لك بالوحدانية ولي بالبلاغ" والشرط هو الذكر الخالص المجرد على ما قال ابن مسعود ﵁ جردوا التسمية حتى لو قال عند الذبح اللهم اغفر لي لا يحل لأنه دعاء وسؤال، ولو قال الحمد لله أو سبحان الله يريد التسمية حل، ولو عطس عند الذبح فقال الحمد لله لا يحل في أصح الروايتين. لأنه يريد به الحمد على نعمه دون التسمية. وما تداولته الألسن عند الذبح وهو قوله باسم الله والله أكبر منقول عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦].
قال: "والذبح بين الحلق واللبة" وفي الجامع الصغير: لا بأس بالذبح في الحلق كله وسطه وأعلاه وأسفله، والأصل فيه قوله ﵊: "الذكاة ما بين اللبة واللحيين"، ولأنه مجمع المجرى والعروق فيحصل بالفعل فيه إنهار الدم على أبلغ الوجوه فكان حكم الكل سواء.
قال: "والعروق التي تقطع في الذكاة أربعة: الحلقوم، والمريء، والودجان" لقوله ﵊: "أفر الأوداج بما شئت". وهي اسم جمع وأقله الثلاث فيتناول المريء والودجين، وهو حجة على الشافعي في الاكتفاء بالحلقوم والمريء، إلا أنه لا يمكن قطع هذه الثلاثة إلا بقطع الحلقوم فيثبت قطع الحلقوم باقتضائه، وبظاهر ما ذكرنا يحتج مالك ولا يجوز الأكثر منها بل يشترط قطع جميعها "وعندنا إن قطعها حل الأكل، وإن قطع أكثرها فكذلك عند أبي حنيفة ﵀" وقالا: لا بد من قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين. قال
стр. 1004
﵁: هكذا ذكر القدوري الاختلاف في مختصره. والمشهور في كتب مشايخنا ﵏ أن هذا قول أبي يوسف وحده.
وقال في الجامع الصغير: إن قطع نصف الحلقوم ونصف الأوداج لم يؤكل. وإن قطع أكثر الأوداج والحلقوم قبل أن يموت أكل. ولم يحك خلافا فاختلفت الرواية فيه.
والحاصل: أن عند أبي حنيفة إذا قطع الثلاث: أي ثلاث كان يحل، وبه كان يقول أبو يوسف أولا ثم رجع إلى ما ذكرنا. وعن محمد أنه يعتبر أكثر كل فرد وهو رواية عن أبي حنيفة ﵀، لأن كل فرد منها أصل بنفسه لانفصاله عن غيره ولورود الأمر بفريه فيعتبر أكثر كل فرد منها. ولأبي يوسف أن المقصود من قطع الودجين إنهار الدم فينوب أحدهما عن الآخر، إذ كل واحد منهما مجرى الدم.
أما الحلقوم فيخالف المريء فإنه مجرى العلف والماء، والمريء مجرى النفس فلا بد من قطعهما. ولأبي حنيفة أن الأكثر يقوم مقام الكل في كثير من الأحكام، وأي ثلاث قطعها فقد قطع الأكثر منها وما هو المقصود يحصل بها هو إنهار الدم المسفوح والتوحية في إخراج الروح، لأنه لا يحيا بعد قطع مجرى النفس أو الطعام، ويخرج الدم بقطع أحد الودجين فيكتفى به تحرزا عن زيادة التعذيب، بخلاف ما إذا قطع النصف لأن الأكثر باق فكأنه لم يقطع شيئا احتياطا لجانب الحرمة.
قال: "ويجوز الذبح بالظفر والسن والقرن إذا كان منزوعا حتى لا يكون بأكله بأس، إلا أنه يكره هذا الذبح" وقال الشافعي: المذبوح ميتة لقوله ﵊: "كل ما أنهر الدم وأفرى الأوداج ما خلا الظفر والسن فإنهما مدى الحبشة" ولأنه فعل غير مشروع فلا يكون ذكاة كما إذا ذبح بغير المنزوع، ولنا قوله ﵊: "أنهر الدم بما شئت" ويروى "أفر الأوداج بما شئت" وما رواه محمول على غير المنزوع فإن الحبشة كانوا يفعلون ذلك، ولأنه آلة جارحة فيحصل به ما هو المقصود وهو إخراج الدم وصار كالحجر والحديد، بخلاف غير المنزوع لأنه يقتل بالثقل فيكون في معنى المنخنقة، وإنما يكره لأن فيه استعمال جزء الآدمي ولأن فيه إعسارا على الحيوان وقد أمرنا فيه بالإحسان.
قال: "ويجوز الذبح بالليطة والمروة وكل شيء أنهر الدم إلا السن القائم والظفر القائم" فإن المذبوح بهما ميتة لما بينا، ونص محمد ﵀ في الجامع الصغير على أنها ميتة
стр. 1005
لأنه وجد فيه نصا. وما لم يجد فيه نصا يحتاط في ذلك، فيقول في الحل لا بأس به وفي الحرمة يقول يكره أو لم يؤكل.
قال: "ويستحب أن يحد الذابح شفرته" لقوله ﵊: "إن الله تعالى كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته" ويكره أن يضجعها ثم يحد الشفرة لما روي عن النبي ﵊: "أنه رأى رجلا أضجع شاة وهو يحد شفرته فقال: لقد أردت أن تميتها موتات، هلا حددتها قبل أن تضجعها"
قال: "ومن بلغ بالسكين النخاع أو قطع الرأس كره له ذلك وتؤكل ذبيحته" وفي بعض النسخ: قطع مكان بلغ. والنخاع عرق أبيض في عظم الرقبة، أما الكراهة فلما روي عن النبي ﵊: "أنه نهى أن تنخع الشاة إذا ذبحت" وتفسيره ما ذكرناه، وقيل معناه: أن يمد رأسه حتى يظهر مذبحه، وقيل أن يكسر عنقه قبل أن يسكن من الاضطراب، وكل ذلك مكروه، وهذا لأن في جميع ذلك وفي قطع الرأس زيادة تعذيب الحيوان بلا فائدة وهو منهي عنه.
والحاصل: أن ما فيه زيادة إيلام لا يحتاج إليه في الذكاة مكروه. ويكره أن يجر ما يريد ذبحه برجله إلى المذبح، وأن تنخع الشاة قبل أن تبرد: يعني تسكن من الاضطراب، وبعده لا ألم فلا يكره النخع والسلخ، إلا أن الكراهة لمعنى زائد وهو زيادة الألم قبل الذبح أو بعده فلا يوجب التحريم فلهذا قال: تؤكل ذبيحته.
قال: "فإن ذبح الشاة من قفاها فبقيت حية حتى قطع العروق حل" لتحقق الموت بما هو ذكاة، ويكره لأن فيه زيادة الألم من غير حاجة فصار كما إذا جرحها ثم قطع الأوداج "وإن ماتت قبل قطع العروق لم تؤكل" لوجود الموت بما ليس بذكاة فيها.
قال: "وما استأنس من الصيد فذكاته الذبح، وما توحش من النعم فذكاته العقر والجرح" لأن ذكاة الاضطرار إنما يصار إليه عند العجز عن ذكاة الاختيار على ما مر، والعجز متحقق في الوجه الثاني دون الأول "وكذا ما تردى من النعم في بئر ووقع العجز عن ذكاة الاختيار" لما بينا. وقال مالك: لا يحل بذكاة الاضطرار في الوجهين لأن ذلك نادر. ونحن نقول: المعتبر حقيقة العجز وقد تحقق فيصار إلى البدل، كيف وإنا لا نسلم الندرة بل هو غالب. وفي الكتاب أطلق فيما توحش من النعم. وعن محمد أن الشاة إذا ندت في الصحراء فذكاتها العقر، وإن ندت في المصر لا تحل بالعقر لأنها لا تدفع عن
стр. 1006
نفسها فيمكن أخذها في المصر فلا عجز، والمصر وغيره سواء في البقر والبعير لأنهما يدفعان عن أنفسهما فلا يقدر على أخذهما، وإن ندا في المصر فيتحقق العجز، والصيال كالند إذا كان لا يقدر على أخذه، حتى لو قتله المصول عليه وهو يريد الذكاة حل أكله.
قال: "والمستحب في الإبل النحر، فإن ذبحها جاز ويكره. والمستحب في البقر والغنم الذبح فإن نحرهما جاز ويكره" أما الاستحباب فلموافقة السنة المتوارثة ولاجتماع العروق فيها في المنحر وفيهما في المذبح، والكراهة لمخالفة السنة وهي لمعنى في غيره فلا تمنع الجواز والحل خلافا لما يقوله مالك إنه لا يحل.
قال: "ومن نحر ناقة أو ذبح بقرة فوجد في بطنها جنينا ميتا لم يؤكل أشعر أو لم يشعر" وهذا عند أبي حنيفة. وهو قول زفر والحسن بن زياد رحمهما الله. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: إذا تم خلقه أكل وهو قول الشافعي لقوله ﵊: "ذكاة الجنين ذكاة أمه" ولأنه جزء من الأم حقيقة لأنه متصل بها حتى يفصل بالمقراض ويتغذى بغذائها ويتنفس بتنفسها، وكذا حكما حتى يدخل في البيع الوارد على الأم ويعتق بإعتاقها. وإذا كان جزءا منها فالجرح في الأم ذكاة له عند العجز عن ذكاته كما في الصيد. وله أنه أصل في الحياة حتى تتصور حياته بعد موتها وعند ذلك يفرد بالذكاة، ولهذا يفرد بإيجاب الغرة ويعتق بإعتاق مضاف إليه، وتصح الوصية له وبه، وهو حيوان دموي، وما هو المقصود من الذكاة وهو الميز بين الدم واللحم لا يتحصل بجرح الأم، إذ هو ليس بسبب لخروج الدم عنه فلا يجعل تبعا في حقه، بخلاف الجرح في الصيد لأنه سبب لخروجه ناقصا فيقام مقام الكامل فيه عند التعذر. وإنما يدخل في البيع تحريا لجوازه كي لا يفسد باستثنائه، ويعتق بإعتاقها كي لا ينفصل من الحرة ولد رقيق.
стр. 1007
فصل: فيما يحل أكله وما لا يحل
قال: "ولا يجوز أكل ذي ناب من السباع ولا ذي مخلب من الطيور" لأن النبي ﵊: "نهى عن أكل كل ذي مخلب من الطيور وكل ذي ناب من السباع". وقوله من السباع ذكر عقيب النوعين فينصرف إليهما فيتناول سباع الطيور والبهائم لأكل ما له مخلب أو ناب. والسبع كل مختطف منتهب جارح قاتل عاد عادة. ومعنى التحريم والله أعلم كرامة بني آدم كي لا يعدو شيء من هذه الأوصاف الذميمة إليهم بالأكل، ويدخل فيه الضبع والثعلب، فيكون الحديث حجة على الشافعي ﵀ في إباحتهما، والفيل ذو ناب فيكره، واليربوع وابن عرس من السباع الهوام وكرهوا أكل الرخم والبغاث لأنهما يأكلان الجيف.
стр. 1008
قال: "ولا بأس بغراب الزرع" لأنه يأكل الحب ولا يأكل الجيف وليس من سباع الطير.
قال: "ولا يؤكل الأبقع الذي يأكل الجيف، وكذا الغداف" "وقال أبو حنيفة: لا بأس بأكل العقعق" لأنه يخلط فأشبه الدجاجة. وعن أبي يوسف أنه يكره لأن غالب أكله الجيف.
قال: "ويكره أكل الضبع والضب والسلحفاة والزنبور والحشرات كلها" أما الضبع فلما ذكرنا، وأما الضب فلأن النبي ﵊ "نهى عائشة ﵂ حين سألته عن أكله". وهي حجة على الشافعي في إباحته، والزنبور من المؤذيات. والسلحفاة من خبائث الحشرات ولهذا لا يجب على المحرم بقتله شيء، وإنما تكره الحشرات كلها استدلالا بالضب لأنه منها.
قال: "ولا يجوز أكل الحمر الأهلية والبغال" لما روى خالد بن الوليد ﵁ أن النبي ﷺ : "نهى عن لحوم الخيل والبغال والحمير" وعن علي ﵁: "أن النبي ﵊ أهدر المتعة وحرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر"
قال: "ويكره لحم الفرس عند أبي حنيفة" وهو قول مالك. وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي ﵏: لا بأس بأكله لحديث جابر ﵁ أنه قال "نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل يوم خيبر" ولأبي حنيفة قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] خرج مخرج الامتنان والأكل من أعلى منافعها، والحكم لا يترك الامتنان بأعلى النعم ويمتن بأدناها، ولأنه آلة إرهاب العدو فيكره أكله احتراما له ولهذا يضرب له بسهم في الغنيمة، ولأن في إباحته تقليل آلة الجهاد، وحديث. جابر معارض بحديث خالد ﵁، والترجيح للمحرم. ثم قيل: الكراهة عنده كراهة تحريم. وقيل كراهة تنزيه. والأول أصح. وأما لبنه فقد قيل: لا بأس به لأنه ليس في شربه تقليل آلة الجهاد
قال: "ولا بأس بأكل الأرنب" لأن النبي ﵊ أكل منه حين أهدي إليه مشويا وأمر أصحابه ﵃ بالأكل منه، ولأنه ليس من السباع ولا من أكلة الجيف فأشبه الظبي.
قال: "وإذا ذبح ما لا يؤكل لحمه طهر جلده ولحمه إلا الآدمي والخنزير" فإن الذكاة لا تعمل فيهما، أما الآدمي فلحرمته وكرامته والخنزير لنجاسته كما في الدباغ. وقال
стр. 1009
الشافعي: الذكاة لا تؤثر في جميع ذلك لأنه لا يؤثر في إباحة اللحم أصلا. وفي طهارته وطهارة الجلد تبعا ولا تبع بدون الأصل وصار كذبح المجوسي. ولنا أن الذكاة مؤثرة في إزالة الرطوبات والدماء السيالة وهي النجسة دون ذات الجلد واللحم، فإذا زالت طهر كما في الدباغ. وهذا الحكم مقصود في الجلد كالتناول في اللحم وفعل المجوسي إماتة في الشرع فلا بد من الدباغ، وكما يطهر لحمه يطهر شحمه، حتى لو وقع في الماء القليل لا يفسده خلافا له. وهل يجوز الانتفاع به في غير الأكل؟ قيل: لا يجوز اعتبارا بالأكل. وقيل يجوز كالزيت إذا خالطه ودك الميتة. والزيت غالب لا يؤكل وينتفع به في غير الأكل.
قال: "ولا يؤكل من حيوان الماء إلا السمك" وقال مالك وجماعة من أهل العلم بإطلاق جميع ما في البحر. واستثنى بعضهم الخنزير والكلب والإنسان. وعن الشافعي أنه أطلق ذاك كله، والخلاف في الأكل والبيع واحد لهم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] من غير فصل، وقوله ﵊ في البحر "هو الطهور ماؤه والحل ميتته" ولأنه لا دم في هذه الأشياء إذ الدموي لا يسكن الماء والمحرم هو الدم فأشبه السمك. قلنا: قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وما سوى السمك خبيث. "ونهى رسول الله ﵊ عن دواء يتخذ فيه الضفدع"، ونهى عن بيع السرطان والصيد المذكور فيما تلا محمول على الاصطياد وهو مباح فيما لا يحل، والميتة المذكورة فيما روى محمولة على السمك وهو حلال مستثنى من ذلك لقوله ﵊: "أحلت لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان فالسمك والجراد وأما الدمان فالكبد والطحال".
قال: "ويكره أكل الطافي منه" وقال مالك والشافعي رحمهما الله لا بأس به لإطلاق ما روينا، ولأن ميتة البحر موصوفة بالحل بالحديث. ولنا ما روى جابر ﵁ عن. النبي ﵊ أنه قال: "ما نضب عنه الماء فكلوا، وما لفظه الماء فكلوا، وما طفا فلا تأكلوا" وعن جماعة من الصحابة مثل مذهبنا، وميتة البحر ما لفظه البحر ليكون موته مضافا إلى البحر لا ما مات فيه من غير آفة.
قال: "ولا بأس بأكل الجريث والمارماهي وأنواع السمك والجراد بلا ذكاة" وقال مالك: لا يحل الجراد إلا أن يقطع الآخذ رأسه أو يشويه لأنه صيد البر، ولهذا يجب على المحرم بقتله جزاء يليق به فلا يحل إلا بالقتل كما في سائره. والحجة عليه ما روينا. وسئل علي ﵁ عن الجراد يأخذه الرجل من الأرض وفيها الميت وغيره، فقال:
стр. 1010
كله كله. وهذا عد من فصاحته، ودل على إباحته وإن مات حتف أنفه، بخلاف السمك إذا مات من غير آفة لأنا خصصناه بالنص الوارد في الطافي، ثم الأصل في السمك عندنا أنه إذا مات بآفة يحل كالمأخوذ، وإذا مات حتف أنفه من غير آفة لا يحل كالطافي، وتنسحب عليه فروع كثيرة بيناها في كفاية المنتهى. وعند التأمل يقف المبرز عليها: منها إذا قطع بعضها فمات يحل أكل ما أبين وما بقي. لأن موته بآفة وما أبين من الحي وإن كان ميتا فميتته حلال. وفي الموت بالحر والبرد روايتان. والله أعلم بالصواب.
стр. 1011
كتاب الأضحية
قال: "الأضحية واجبة على كل حر مسلم مقيم موسر في يوم الأضحى عن نفسه وعن ولده الصغار" أما الوجوب فقول أبي حنيفة ومحمد وزفر والحسن وإحدى الروايتين عن أبي يوسف ﵏. وعنه أنها سنة، ذكره في الجوامع وهو قول الشافعي. وذكر الطحاوي أن على قول أبي حنيفة واجبة، وعلى قول أبي يوسف ومحمد سنة مؤكدة، وهكذا ذكر بعض المشايخ الاختلاف. وجه السنة قوله ﵊: "من أراد أن يضحي منكم فلا يأخذ من شعره وأظفاره شيئا" والتعليق بالإرادة ينافي الوجوب، ولأنها لو كانت واجبة على المقيم لوجبت على المسافر لأنهما لا يختلفان في الوظائف المالية كالزكاة وصار كالعتيرة. ووجه الوجوب قوله ﵊: "من وجد سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا" ومثل هذا الوعيد لا يلحق بترك غير الواجب، ولأنها قربة يضاف إليها وقتها. يقال يوم الأضحى، وذلك يؤذن بالوجوب لأن الإضافة للاختصاص وهو بالوجود، والوجوب هو المفضي إلى الوجود ظاهرا بالنظر إلى الجنس، غير أن الأداء يختص بأسباب يشق على المسافر استحضارها ويفوت بمضي الوقت فلا تجب عليه بمنزلة الجمعة، والمراد بالإرادة فيما روي والله أعلم ما هو ضد السهو لا التخيير. والعتيرة منسوخة، وهي شاة تقام في رجب على ما قيل، وإنما اختص الوجوب بالحرية لأنها وظيفة مالية لا تتأدى إلا بالملك، والمالك هو الحر؛ وبالإسلام لكونها قربة، وبالإقامة لما بينا، واليسار لما روينا من اشتراط السعة؛ ومقداره ما يجب به صدقة الفطر وقد مر في الصوم، وبالوقت وهو يوم الأضحى لأنها مختصة به، وسنبين مقداره إن شاء الله تعالى. وتجب عن نفسه لأنه أصل في الوجوب عليه على ما بيناه، وعن ولده الصغير لأنه في معنى نفسه فيلحق به كما في صدقة الفطر. وهذه رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله. وروي عنه أنه لا تجب عن ولده وهو ظاهر الرواية، بخلاف صدقة الفطر لأن السبب هناك رأس يمونه ويلي عليه وهما موجودان في الصغير وهذه قربة محضة. والأصل في القرب أن لا تجب على الغير بسبب الغير ولهذا لا تجب عن عبده وإن كان
стр. 1012
يجب عنه صدقة فطره، وإن كان للصغير مال يضحي عنه أبوه أو وصيه من ماله عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
وقال محمد وزفر والشافعي ﵏: يضحي من مال نفسه لا من مال الصغير، فالخلاف في هذا كالخلاف في صدقة الفطر. وقيل لا تجوز التضحية من مال الصغير، في قولهم جميعا، لأن هذه القربة تتأدى بالإراقة والصدقة بعدها تطوع، ولا يجوز ذلك من مال الصغير، ولا يمكنه أن يأكل كله. والأصح أن يضحي من ماله ويأكل منه ما أمكنه ويبتاع بما بقي ما ينتفع بعينه.
قال: "ويذبح عن كل واحد منهم شاة أو يذبح بقرة أو بدنة عن سبعة" والقياس أن لا تجوز إلا عن واحد، لأن الإراقة واحدة وهي القربة، إلا أنا تركناه بالأثر وهو ما روي عن جابر ﵁ أنه قال: "نحرنا مع رسول الله ﷺ البقرة عن سبعة والبدنة عن سبعة". ولا نص في الشاة، فبقي على أصل القياس. وتجوز عن ستة أو خمسة أو ثلاثة، ذكره محمد ﵀ في الأصل، لأنه لما جاز عن السبعة فعمن دونهم أولى، ولا تجوز عن ثمانية أخذا بالقياس فيما لا نص فيه وكذا إذا كان نصيب أحدهم أقل من السبع، ولا تجوز عن الكل لانعدام وصف القربة في البعض، وسنبينه إن شاء الله تعالى. وقال مالك: تجوز عن أهل بيت واحد وإن كانوا أكثر من سبعة، ولا تجوز عن أهل بيتين وإن كانوا أقل منها لقوله ﵊: "على كل أهل بيت في كل عام أضحاة وعتيرة" قلنا: المراد منه والله أعلم قيم أهل البيت لأن اليسار له يؤيده ما يروى "على كل مسلم في كل عام أضحاة وعتيرة" ولو كانت البدنة بين اثنين نصفين تجوز في الأصح، لأنه لما جاز ثلاثة الأسباع جاز نصف السبع تبعا، وإذا جاز على الشركة فقسمة اللحم بالوزن لأنه موزون، ولو اقتسموا جزافا لا يجوز إلا إذا كان معه شيء من الأكارع والجلد اعتبارا بالبيع.
قال: "ولو اشترى بقرة يريد أن يضحي بها عن نفسه ثم اشترك فيها ستة معه جاز استحسانا" وفي القياس لا يجوز، وهو قول زفر لأنه أعدها للقربة فيمنع عن بيعها تمولا والاشتراك هذه صفته. وجه الاستحسان أنه قد يجد بقرة سمينة يشتريها ولا يظفر بالشركاء وقت البيع، وإنما يطلبهم بعده فكانت الحاجة إليه ماسة فجوزناه دفعا للحرج، وقد أمكن لأن بالشراء للتضحية لا يمتنع البيع، والأحسن أن يفعل ذلك قبل الشراء ليكون أبعد عن
стр. 1013
الخلاف، وعن صورة الرجوع في القربة. وعن أبي حنيفة أنه يكره الاشتراك بعد الشراء لما بينا.
قال: "وليس على الفقير والمسافر أضحية" لما بينا. وأبو بكر وعمر كانا لا يضحيان إذا كانا مسافرين، وعن علي: وليس على المسافر جمعة ولا أضحية.
قال: "ووقت الأضحية يدخل بطلوع الفجر من يوم النحر، إلا أنه لا يجوز لأهل الأمصار الذبح حتى يصلي الإمام العيد، فأما أهل السواد فيذبحون بعد الفجر". والأصل فيه قوله ﵊: "من ذبح شاة قبل الصلاة فليعد ذبيحته، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين" وقال ﵊: "إن أول نسكنا في هذا اليوم الصلاة ثم الأضحية" غير أن هذا الشرط في حق من عليه الصلاة وهو المصري دون أهل السواد، لأن التأخير لاحتمال التشاغل به عن الصلاة، ولا معنى للتأخير في حق القروي ولا صلاة عليه، وما رويناه حجة على مالك والشافعي رحمهما الله في نفيهما الجواز بعد الصلاة قبل نحر الإمام، ثم المعتبر في ذلك مكان الأضحية، حتى لو كانت في السواد والمضحي في المصر يجوز كما انشق الفجر، ولو كان على العكس لا يجوز إلا بعد الصلاة. وحيلة المصري إذا أراد التعجيل أن يبعث بها إلى خارج المصر فيضحي بها كما طلع الفجر، لأنها تشبه الزكاة من حيث أنها تسقط بهلاك المال قبل مضي أيام النحر كالزكاة بهلاك النصاب فيعتبر في الصرف مكان المحل لا مكان الفاعل اعتبارا بها، بخلاف صدقة الفطر لأنها لا تسقط بهلاك المال بعدما طلع الفجر من يوم الفطر
ولو ضحى بعدما صلى أهل المسجد ولم يصل أهل الجبانة أجزأه استحسانا لأنها صلاة معتبرة، حتى لو اكتفوا بها أجزأتهم وكذا على عكسه. وقيل هو جائز قياسا واستحسانا.
قال: "وهي جائزة في ثلاثة أيام: يوم النحر ويومان بعده" وقال الشافعي: ثلاثة أيام بعده لقوله ﵊: "أيام التشريق كلها أيام ذبح" ولنا ما روي عن عمر وعلي وابن عباس ﵃ أنهم قالوا: أيام النحر ثلاثة أفضلها أولها وقد قالوه سماعا لأن الرأي لا يهتدي إلى المقادير، وفي الأخبار تعارض فأخذنا بالمتيقن وهو الأقل، وأفضلها أولها كما قالوا ولأن فيه مسارعة إلى أداء القربة وهو الأصل إلا لمعارض. ويجوز الذبح في لياليها إلا أنه يكره لاحتمال الغلط في ظلمة الليل، وأيام النحر ثلاثة، وأيام التشريق ثلاثة، والكل يمضي بأربعة أولها نحر لا غير وآخرها تشريق لا غير، والمتوسطان نحر وتشريق، والتضحية فيها أفضل من التصدق بثمن الأضحية لأنها تقع واجبة أو سنة
стр. 1014
والتصدق تطوع محض فتفضل عليه، لأنها تفوت بفوات وقتها، والصدقة يؤتى بها في الأوقات كلها فنزلت منزلة الطواف والصلاة في حق الآفاقي "ولو لم يضح حتى مضت أيام النحر إن كان أوجب على نفسه أو كان فقيرا وقد اشترى الأضحية تصدق بها حية وإن كان غنيا تصدق بقيمة شاة اشترى أو لم يشتر" لأنها واجبة على الغني. وتجب على الفقير بالشراء بنية التضحية عندنا، فإذا فات الوقت وجب عليه التصدق إخراجا له عن العهدة، كالجمعة تقضى بعد فواتها ظهرا، والصوم بعد العجز فدية.
قال: "ولا يضحي بالعمياء والعوراء والعرجاء التي لا تمشي إلى المنسك ولا العجفاء" لقوله ﵊: "لا تجزئ في الضحايا أربعة: العوراء البين عورها والعرجاء البين عرجها والمريضة البين مرضها، والعجفاء التي لا تنقي"
قال: "ولا تجزئ مقطوعة الأذن والذنب". أما الأذن فلقوله ﵊: "استشرفوا العين والأذن" أي اطلبوا سلامتهما. وأما الذنب فلأنه عضو كامل مقصود فصار كالأذن.
قال: "ولا التي ذهب أكثر أذنها وذنبها، وإن بقي أكثر الأذن والذنب جاز" لأن للأكثر حكم الكل بقاء وذهابا ولأن العيب اليسير لا يمكن التحرز عنه فجعل عفوا.
واختلفت الرواية عن أبي حنيفة في مقدار الأكثر. ففي الجامع الصغير عنه: وإن قطع من الذنب أو الأذن أو العين أو الألية الثلث أو أقل أجزأه، وإن كان أكثر لم يجزه لأن الثلث تنفذ فيه الوصية من غير رضا الورثة فاعتبر قليلا، وفيما زاد لا تنفذ إلا برضاهم فاعتبر كثيرا، ويروى عنه الربع لأنه يحكي حكاية الكمال على ما مر في الصلاة، ويروى الثلث لقوله ﵊ في حديث الوصية "الثلث والثلث كثير" وقال أبو يوسف ومحمد: إذا بقي الأكثر من النصف أجزأه اعتبارا للحقيقة على ما تقدم في الصلاة وهو اختيار الفقيه أبي الليث. وقال أبو يوسف: أخبرت بقولي أبا حنيفة، فقال قولي هو قولك. قيل هو رجوع منه إلى قول أبي يوسف، وقيل معناه قولي قريب من قولك. وفي كون النصف مانعا روايتان عنهما كما في انكشاف العضو عن أبي يوسف، ثم معرفة المقدار في غير العين متيسر، وفي العين قالوا: تشد العين المعيبة بعد أن لا تعتلف الشاة يوما أو يومين ثم يقرب العلف إليها قليلا قليلا، فإذا رأته من موضع أعلم على ذلك المكان ثم تشد عينها الصحيحة وقرب إليها العلف قليلا قليلا حتى إذا رأته من مكان أعلم عليه. ثم ينظر إلى تفاوت ما بينهما، فإن كان ثلثا فالذاهب الثلث، وإن كان نصفا فالنصف.
стр. 1015
قال: "ويجوز أن يضحي بالجماء" وهي التي لا قرن لها لأن القرن لا يتعلق به مقصود، وكذا مكسورة القرن لما قلنا "والخصي" لأن لحمها أطيب وقد صح "أن النبي ﷺ ضحى بكبشين أملحين موجوءين" "والثولاء" وهي المجنونة، وقيل هذا إذا كانت تعتلف لأنه لا يخل بالمقصود، أما إذا كانت لا تعتلف فلا تجزئه. "والجرباء" إن كانت سمينة جاز لأن الجرب في الجلد ولا نقصان في اللحم، وإن كانت مهزولة لا يجوز لأن الجرب في اللحم فانتقص. وأما الهتماء وهي التي لا أسنان لها؛ فعن أبي يوسف أنه يعتبر في الأسنان الكثرة والقلة، وعنه إن بقي ما يمكنه الاعتلاف به أجزأه لحصول المقصود. "والسكاء" وهي التي لا أذن لها خلقة لا تجوز، لأن مقطوع أكثر الأذن إذا كان لا يجوز فعديم الأذن أولى
"وهذا" الذي ذكرنا "إذا كانت هذه العيوب قائمة وقت الشراء، ولو اشتراها سليمة ثم تعيبت بعيب مانع إن كان غنيا عليه غيرها، وإن فقيرا تجزئه هذه" لأن الوجوب على الغني بالشرع ابتداء لا بالشراء فلم تتعين به، وعلى الفقير بشرائه بنية الأضحية فتعينت، ولا يجب عليه ضمان نقصانه كما في نصاب الزكاة، وعن هذا الأصل قالوا: إذا ماتت المشتراة للتضحية؛ على الموسر مكانها أخرى ولا شيء على الفقير، ولو ضلت أو سرقت فاشترى أخرى ثم ظهرت الأولى في أيام النحر على الموسر ذبح إحداهما وعلى الفقير ذبحهما "ولو أضجعها فاضطربت فانكسرت رجلها فذبحها أجزأه استحسانا" عندنا خلافا لزفر والشافعي رحمهما الله، لأن حالة الذبح ومقدماته ملحقة بالذبح فكأنه حصل به اعتبارا وحكما "وكذا لو تعيبت في هذه الحالة فانفلتت ثم أخذت من فوره، وكذا بعد فوره عند محمد خلافا لأبي يوسف" لأنه حصل بمقدمات الذبح.
قال: "والأضحية من الإبل والبقر والغنم" لأنها عرفت شرعا ولم تنقل التضحية بغيرها من النبي ﵊ ولا من الصحابة ﵃.
قال: "ويجزئ من ذلك كله الثني فصاعدا. إلا الضأن فإن الجذع منه يجزئ" لقوله ﵊: "ضحوا بالثنايا إلا أن يعسر على أحدكم فليذبح الجذع من الضأن". وقال ﵊: "نعمت الأضحية الجذع من الضأن".
قالوا: وهذا إذا كانت عظيمة بحيث لو خلطت بالثنيان يشتبه على الناظر من بعيد. والجذع من الضأن ما تمت له ستة أشهر في مذهب الفقهاء، وذكر الزعفراني أنه ابن سبعة أشهر. والثني منها ومن المعز سنة، ومن البقر ابن سنتين، ومن الإبل ابن خمس سنين، ويدخل في البقر الجاموس لأنه من جنسه، والمولود بين الأهلي والوحشي يتبع الأم
стр. 1016
لأنها هي الأصل في التبعية، حتى إذا نزا الذئب على الشاة يضحى بالولد.
قال: "وإذا اشترى سبعة بقرة ليضحوا بها فمات أحدهم قبل النحر وقالت الورثة اذبحوها عنه وعنكم أجزأهم، وإن كان شريك الستة نصرانيا أو رجلا يريد اللحم لم يجز عن واحد منهم" ووجهه أن البقرة تجوز عن سبعة، ولكن من شرطه أن يكون قصد الكل القربة وإن اختلفت جهاتها كالأضحية والقران والمتعة عندنا لاتحاد المقصود وهو القربة، وقد وجد هذا الشرط في الوجه الأول لأن الضحية عن الغير عرفت قربة؛ ألا ترى أن النبي ﵊ ضحى عن أمته على ما روينا من قبل، ولم يوجد في الوجه الثاني لأن النصراني ليس من أهلها، وكذا قصد اللحم ينافيها. وإذا لم يقع البعض قربة والإراقة لا تتجزأ في حق القربة لم يقع الكل أيضا فامتنع الجواز، وهذا الذي ذكره استحسان. والقياس أن لا يجوز وهو رواية عن أبي يوسف، لأنه تبرع بالإتلاف فلا يجوز عن غيره كالإعتاق عن الميت، لكنا نقول: القربة قد تقع عن الميت كالتصدق، بخلاف الإعتاق لأن فيه إلزام الولاء على الميت "فلو ذبحوها عن صغير في الورثة أو أم ولد جاز" لما بينا أنه قربة "ولو مات واحد منهم فذبحها الباقون بغير إذن الورثة لا تجزيهم" لأنه لم يقع بعضها قربة، وفيما تقدم وجد الإذن من الورثة فكان قربة.
قال: "ويأكل من لحم الأضحية ويطعم الأغنياء والفقراء ويدخر" لقوله ﵊: "كنت نهيتكم عن أكل لحوم الأضاحي فكلوا منها وادخروا" ومتى جاز أكله وهو غني جاز أن يؤكله غنيا.
قال: "ويستحب أن لا ينقص الصدقة عن الثلث" لأن الجهات ثلاثة: الأكل والادخار لما روينا، والإطعام لقوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] فانقسم عليهم أثلاثا.
قال: "ويتصدق بجلدها" لأنه جزء منها "أو يعمل منه آلة تستعمل في البيت" كالنطع والجراب والغربال ونحوها، لأن الانتفاع به غير محرم "ولا بأس بأن يشتري به ما ينتفع بعينه في البيت مع بقائه" استحسانا، وذلك مثل ما ذكرنا لأن للبدل حكم المبدل، "ولا يشتري به ما لا ينتفع به إلا بعد استهلاكه كالخل والأبازير" اعتبارا بالبيع بالدراهم. والمعنى فيه أنه تصرف على قصد التمول، واللحم بمنزلة الجلد في الصحيح، فلو باع الجلد أو اللحم بالدراهم أو بما لا ينتفع به إلا بعد استهلاكه تصدق بثمنه، لأن القربة انتقلت إلى بدله، وقوله ﵊: "من باع جلد أضحيته فلا أضحية له" يفيد كراهة البيع.
стр. 1017
أما البيع جائز لقيام الملك والقدرة على التسليم.
قال: "ولا يعطي أجرة الجزار من الأضحية" لقوله ﵊ لعلي ﵁: "تصدق بجلالها وخطامها ولا تعط أجر الجزار منها شيئا" والنهي عنه نهي عن البيع أيضا لأنه في معنى البيع.
قال: "ويكره أن يجز صوف أضحيته وينتفع به قبل أن يذبحها" لأنه التزم إقامة القربة بجميع أجزائها، بخلاف ما بعد الذبح لأنه أقيمت القربة بها كما في الهدي، ويكره أن يحلب لبنها فينتفع به كما في الصوف.
قال: "والأفضل أن يذبح أضحيته بيده إن كان يحسن الذبح" وإن كان لا يحسنه فالأفضل أن يستعين بغيره، وإذا استعان بغيره ينبغي أن يشهدها بنفسه لقوله ﵊ لفاطمة ﵂: "قومي فاشهدي أضحيتك، فإنه يغفر لك بأول قطرة من دمها كل ذنب".
قال: "ويكره أن يذبحها الكتابي" لأنه عمل هو قربة وهو ليس من أهلها، فلو أمره فذبح جاز لأنه من أهل الذكاة، والقربة أقيمت بإنابته ونيته، بخلاف ما إذا أمر المجوسي لأنه ليس من أهل الذكاة فكان إفسادا.
قال: "وإذا غلط رجلان فذبح كل واحد منهما أضحية الآخر أجزأ عنهما ولا ضمان عليهما" وهذا استحسان، وأصل هذا أن من ذبح أضحية غيره بغير إذنه لا يحل له ذلك وهو ضامن لقيمتها، ولا يجزئه عن الأضحية في القياس وهو قول زفر وفي الاستحسان يجوز ولا ضمان على الذابح، وهو قولنا. وجه القياس أنه ذبح شاة غيره بغير أمره فيضمن، كما إذا ذبح شاة اشتراها القصاب. وجه الاستحسان أنها تعينت للذبح لتعينها للأضحية حتى وجب عليه أن يضحي بها بعينها في أيام النحر. ويكره أن يبدل بها غيرها فصار المال مستعينا بكل من يكون أهلا للذبح آذنا له دلالة لأنها تفوت بمضي هذه الأيام، وعساه يعجز عن إقامتها بعوارض فصار كما إذا ذبح شاة شد القصاب رجلها.
فإن قيل: يفوته أمر مستحب وهو أن يذبحها بنفسه أو يشهد الذبح فلا يرضى به.
قلنا: يحصل له به مستحبان آخران، صيرورته مضحيا لما عينه، وكونه معجلا به فيرتضيه.
ولعلمائنا ﵏ من هذا الجنس مسائل استحسانية، وهي أن من طبخ لحم غيره أو طحن حنطته أو رفع جرته فانكسرت أو حمل على دابته فعطبت كل ذلك بغير أمر المالك
стр. 1018
يكون ضامنا، ولو وضع المالك اللحم في القدر والقدر على الكانون والحطب تحته، أو جعل الحنطة في الدورق وربط الدابة عليه، أو رفع الجرة وأمالها إلى نفسه أو حمل على دابته فسقط في الطريق، فأوقد هو النار فيه وطبخه، أو ساق الدابة فطحنها، أو أعانه على رفع الجرة فانكسرت فيما بينهما، أو حمل على دابته ما سقط فعطبت لا يكون ضامنا في هذه الصور كلها استحسانا لوجود الإذن دلالة.
إذا ثبت هذا فنقول في مسألة الكتاب: ذبح كل واحد منهما أضحية غيره بغير إذنه صريحا فهي خلافية زفر بعينها ويتأتى فيها القياس والاستحسان كما ذكرنا، فيأخذ كل واحد منهما مسلوخة من صاحبه، ولا يضمنه لأنه وكيله فيما فعل دلالة، فإذا كانا قد أكلا ثم علما فليحلل كل واحد منهما صاحبه ويجزيهما، لأنه لو أطعمه في الابتداء يجوز، وإن كان غنيا فكذا له أن يحلله في الانتهاء وإن، تشاحا فلكل واحد منهما أن يضمن صاحبه قيمة لحمه ثم يتصدق بتلك القيمة لأنها بدل عن اللحم فصار كما لو باع أضحيته، وهذا لأن التضحية لما وقعت عن صاحبه كان اللحم له ومن أتلف لحم أضحية غيره كان الحكم ما ذكرناه "ومن غصب شاة فضحى بها ضمن قيمتها وجاز عن أضحيته" لأنه ملكها بسابق الغصب، بخلاف ما لو أودع شاة فضحى بها لأنه يضمنه بالذبح فلم يثبت الملك له إلا بعد الذبح، والله أعلم بالصواب.
стр. 1019
كتاب الكراهية
قال ﵁: تكلموا في معنى المكروه. والمروي عن محمد نصا أن كل مكروه حرام، إلا أنه لما لم يجد فيه نصا قاطعا لم يطلق عليه لفظ الحرام. وعن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه إلى الحرام أقرب، وهو يشتمل على فصول منها:
فصل: في الأكل والشرب
"قال أبو حنيفة ﵀: يكره لحوم الأتن وألبانها وأبوال الإبل. وقال أبو يوسف ومحمد: لا بأس بأبوال الإبل" وتأويل قول أبي يوسف أنه لا بأس بها للتداوي، وقد بينا هذه الجملة فيما تقدم في الصلاة والذبائح فلا نعيدها، واللبن متولد من اللحم فأخذ حكمه.
قال: "ولا يجوز الأكل والشرب والادهان والتطيب في آنية الذهب والفضة للرجال والنساء" لقوله ﵊ في الذي يشرب في إناء الذهب والفضة: "إنما يجرجر في بطنه نار جهنم" وأتي أبو هريرة ﵁ بشراب في إناء فضة فلم يقبله وقال: "نهانا عنه رسول الله ﷺ "، وإذا ثبت هذا في الشرب فكذا في الادهان ونحوه؛ لأنه في معناه ولأنه تشبه بزي المشركين وتنعم بنعم المترفين والمسرفين، وقال في الجامع الصغير: يكره ومراده التحريم ويستوي فيه الرجال والنساء لعموم النهي، وكذلك الأكل بملعقة الذهب والفضة والاكتحال بميل الذهب والفضة وكذا ما أشبه ذلك كالمكحلة والمرآة وغيرهما لما ذكرنا.
قال: "ولا بأس باستعمال آنية الرصاص والزجاج والبلور والعقيق" وقال الشافعي: يكره لأنه في معنى الذهب والفضة في التفاخر به. قلنا: ليس كذلك؛ لأنه ما كان من عادتهم التفاخر بغير الذهب والفضة.
قال: "ويجوز الشرب في الإناء المفضض عند أبي حنيفة والركوب على السرج المفضض والجلوس على الكرسي المفضض والسرير المفضض إذا كان يتقي موضع الفضة" ومعناه: يتقي موضع الفم، وقيل هذا وموضع اليد في الأخذ وفي السرير والسرج موضع
стр. 1020
الجلوس. وقال أبو يوسف: يكره ذلك، وقول محمد يروى مع أبي حنيفة ويروى مع أبي يوسف، وعلى هذا الخلاف الإناء المضبب بالذهب والفضة والكرسي المضبب بهما، وكذا إذا جعل ذلك في السيف والمشحذ وحلقة المرأة، أو جعل المصحف مذهبا أو مفضضا، وكذا الاختلاف في اللجام والركاب والثفر إذا كان مفضضا، وكذا الثوب فيه كتابة بذهب أو فضة على هذا، وهذا الاختلاف فيما يخلص، فأما التمويه الذي لا يخلص فلا بأس به بالإجماع. لهما أن مستعمل جزء من الإناء مستعمل جميع الأجزاء فيكره، كما إذا استعمل موضع الذهب والفضة. ولأبي حنيفة ﵀ أن ذلك تابع ولا معتبر بالتوابع فلا يكره. كالجبة المكفوفة بالحرير والعلم في الثوب ومسمار الذهب في الفص.
قال: "ومن أرسل أجيرا له مجوسيا أو خادما فاشترى لحما فقال اشتريته من يهودي أو نصراني أو مسلم وسعه أكله"؛ لأن قول الكافر مقبول في المعاملات؛ لأنه خبر صحيح لصدوره عن عقل ودين يعتقد فيه حرمة الكذب والحاجة ماسة إلى قبوله لكثرة وقوع المعاملات.
قال: "وإن كان غير ذلك لم يسعه أن يأكل منه" معناه: إذا كان ذبيحة غير الكتابي والمسلم؛ لأنه لما قبل قوله في الحل أولى أن يقبل في الحرمة.
قال: "ويجوز أن يقبل في الهدية والإذن قول العبد والجارية والصبي"؛ لأن الهدايا تبعث عادة على أيدي هؤلاء، وكذا لا يمكنهم استصحاب الشهود على الإذن عند الضرب في الأرض والمبايعة في السوق، فلو لم يقبل قولهم يؤدي إلى الحرج. وفي الجامع الصغير: إذا قالت جارية لرجل بعثني مولاي إليك هدية وسعه أن يأخذها؛ لأنه لا فرق بين ما إذا أخبرت بإهداء المولى غيرها أو نفسه لما قلنا.
قال: "ويقبل في المعاملات قول الفاسق، ولا يقبل في الديانات إلا قول العدل". ووجه الفرق أن المعاملات يكثر وجودها فيما بين أجناس الناس، فلو شرطنا شرطا زائدا يؤدي إلى الحرج فيقبل قول الواحد فيها عدلا كان أو فاسقا كافرا أو مسلما عبدا أو حرا ذكرا أو أنثى دفعا للحرج. أما الديانات فلا يكثر وقوعها حسب وقوع المعاملات فجاز أن يشترط فيها زيادة شرط، فلا يقبل فيها إلا قول المسلم العدل؛ لأن الفاسق متهم والكافر لا يلتزم الحكم فليس له أن يلزم المسلم، بخلاف المعاملات؛ لأن الكافر لا يمكنه المقام في ديارنا إلا بالمعاملة. ولا يتهيأ له المعاملة إلا بعد قبول قوله فيها فكان فيه ضرورة، ولا يقبل فيها قول المستور في ظاهر الرواية. وعن أبي حنيفة أنه يقبل قوله فيها
следующие страницы →