Полный текст (171 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين المقدمة لا أرانى في حاجة إلى التأكيد على من يطالع هذا الكتاب أننى أعددته رغبة منى في إثبات إعجاز القرآن بأى وجه من الوجوه، لان إعجازه حقيقة ثابتة وقضية واضحة وضوح الشمس منذ أن نزل القرآن على النبي معجزة كبرى تحدى بها البلغاء والحكماء وأهل الكتب السماوية فعجزوا عن تحديها وأقروا بصدقها وتساميها، ويكفى للدلاله على علو شأنها قوله تعالى: (وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) وقوله تعالى: (قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) ، وها هي القرون تلو القرون تمر، وها هي العلوم قد إزدهرت والفنون قد أينعت؟ ولم يقدر أحد أن يأتي بمثل هذا الكتاب في أسلوبه أو منهجه أو هديه.
وغاية قصدي من وضع هذا الكتاب أو قصد غيرى مما كتبوا على نسقه وفى موضوعه من العلماء الاجلاء في إعجاز القرآن إنما كان أولا وقبل كل شئ للتشرف والاستمتاع بالنظر في كتاب الله بعين الاجلال والاعظام والايمان بقداسته، ثم للاشادة بسموه وروعته والتذكير بعلو مكانته بين الكتب السماوية
стр. 2
الاخرى فقد حفظه الله من أي تبديل أو تغيير في نصه أو رسمه تحقيقا لقول الله ﵎: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) بل إنه جل شأنه كرم هذا الكتاب فقال: (لا يمسه إلا المطهرون) فليس بعد ذلك غاية لتكريم أو تعظيم هذا القرآن المجيد.
واعتقادى أن أي محاولة من البشر لاظهار عظمة القرآن وقدسيته إنما هي وليدة رغبة إيمانية مخلصة فيها ما يشبه التأسي بموقف نبى الله إبراهيم ﵇ وهو خليل الله عندما قال بروح الواثق من قدرة الله تعالى: (رب أرنى كيف تحيى الموتى، قال: أولم تؤمن؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبى) .
والقرآن المجيد حافل بالكثير من الآيات الدالة على علم الله المحيط بكل ما في الكون من مخلوقات وكائنات وما فيه من نواميس وسنن وقوانين أوجدها سبحانه خاضعة لارادته وأمره، وقد نزلت هذه الآيات الكونية وغيرها من آيات الاعجاز العلمي في وقت لم يكن أهل الجزيرة العربية ومن حولها من الاقطار على علم بأسرارها فلما تقدم الانسان وازدادت علومه ومعارفه بدأت آيات القرآن تظهر أمام بصيرته بمعانيها العلمية الباهرة، وتكشف عن إعجازها الرائع.
والمسلمون يعيشون الآن في عصر زاهر بالعلم وقد بهرهم فيه ما وصل إليه أهل أوروبا وأمريكا من تفوق ظاهر في العلوم والفنون والآداب وبخاصة علم التكنولوجيا وقد سبقوا فيها الدول الاسلامية بأشواط بعيدة الامر الذى جعل
ضعاف العقول يسيئون الظن بالاسلام ويحسبون أنه سبب قصورهم وتخلفهم في ذلك المضمار، وهم في ذلك الوهم نسوا أو تناسوا أن الدين الاسلامي بقرآنه المجيد وسنته المطهرة هو الذى خلق من العرب أهل البادية خير أمة أخرجت للناس وأسسوا أعظم الدول وأرقى الحضارات وأكثر الاصول العلمية التى اقتبس أهل الغرب منها علومهم وفنونهم.
стр. 3
وواجب كل مسلم ألا يختلط عليه الامر في حقيقة كل من الدين والعلم، أو أن ينظر إليهما على اعتبار أن كلا منهما مستقل عن الآخر، إذ الواقع أنهما صنوان متكاملان أصلا ومتحدان غاية ومنهجا لخدمة البشرية، فلا الدين يجافى العلم ولا العلم يعارض الدين، بل إن الدين بدوره يحض على طلب العلم والاستزادة منه، كما أن نور العلم يظهر لنا ما في الدين من جلال وبهاء وسمو روحي.
والقرآن كتاب الله المجيد الذى يجب على المسلمين أن يحرصوا على حفظه كله أو بعضه عن ظهر قلب والعمل به بحيث يكلف الآباء أبناءهم منذ نعومة أظفارهم باستظهار قصار سوره، ويكلف الشباب بتلاوته دائما وفهمه، كما يجب ألا يتوانى الكهول عن دراسته وتطبيقه في حياتهم قولا وعملا، لان القرآن هو الكتاب الجامع لكنوز العلم النافع وهو الدستور الهادى إلى الطريق المستقيم وأن اتباعه نصا وروحا هو الوسيلة العملية الموصلة إلى سعادة الدارين.
وقد نشط علماء الدين على مر العصور واجتهدوا في فهم القرآن والتدبر في آياته وتفسيرها وألفوا في ذلك كتبهم القيمة التى تعتبر من أجل وأبرك ما تركه السلف للخلف، ولكن أغلب ما صدر عنهم من التفسير يدل على أنهم نظروا إلى للقرآن على أنه كتاب دين وهداية وتهذيب وترغيب وترهيب دون تعمق فيما انطوى عليه من معاني علمية أخرى أبعد غاية وأجل شأنا، وقد عنيت الاجيال
التالية للسلف الصالح بإعادة النظر في القرآن في ضوء ما كان يجد في مجال العلم الحديث من تطور وتقدم في كل عصر.
وفى عصرنا الحديث أخذت دولة العلم تزداد إتساعا وعمقا في أبحاثها وتنوعا في موضوعاتها، وذلك بفضل الطرق التى استحدثها الانسان في الكشف عن الحقائق بالمشاهدة والملاحظة والمقارنة واستعمال الاجهزة والمجاهر والمختبرات وإجراء
стр. 4
التجارب حتى تمكن بذلك من الوصول إلى نظريات وقوانين وعلوم وفنون لم تكن موجودة من قبل في معارف من سبقوه من العلماء والباحثين.
وعندما جدد العلماء النظر في القرآن الكريم وحاولوا فهمه فهما عصريا وتفسيره في ضوء هذه العلوم الحديثة ظهر بوضوح أن آيات القرآن الكريم لها معان أوسع وأشمل مما فهم العلماء السابقون منها، وتبين بجلاء أن القرآن الكريم جاء بكثير من حقائق الكون ونواميسه وأصول العلوم الحديثة قبل أن يهتدى الانسان إلى معرفتها بمئات السنين وهذا هو الاعجاز كل الاعجاز الكامن في القرآن وأسرار آياته.
وهكذا يتجلى لنا الدين الاسلامي بقرآنه المجيد وسنة المطهرة وكأنه كنز العلوم والمعارف لانه متصل أشد الاتصال بالعلم قديمه وحديثه، وأنه ليس بمعزل عن الحياة ومشاكلها وتطوراتها، وأنه ما جاء ليعادى العلم وأهله وإنما جاء ليقدم للبشرية منتهى العلم وأنفعه ويقودها إلى طريق الحق واليقين في كل أمر من أمور ديننا ودنيانا، وهو بذلك يؤكد ويحقق قول الله تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شئ) .
(سورة الانعام آية ٣٨) وتحدثا بنعم الله علي أذكر أننى بعد أن قمت بعون من الله بتأليف كتابي (معجم الالفاظ والاعلام القرآنية) وجدتني راغبا بل مشدودا ومساقا إلى خدمة
كتاب الله مرة أخرى في محاولة ترادونى أن أكتب في إعجاز القرآن العلمي على قدر بضاعتي الضئيلة في هذا المجال وقد عزمت وتوكلت مستعينا بحول الله وقوته وبما ألفه العلماء في ذلك، أملا في أن يكون في عملي هذا ما يزيد القارئ للقرآن علما بجلال حقائقه وروعة أسراره وأن يمحو الله به الغشاوة عن أعين الذين عميت أبصارهم عن أنواره، وطمعا في أن بزيل به ظلمات الشكوك والريب
стр. 5
من قلوب الذين كفروا بما جاء في هذا الكتاب من الحق ويهديهم إلى سواء السبيل.
ومما يشجعني على تأليف هذا الكتاب أنى آنست في كثير من شبابنا المثقف رغبة ملحة في استجلاء معاني الآيات القرآنية بفهم عصرى وميلا إلى الاستزادة من أسرارها ومراميها، وهذه ظاهرة تدعو إلى الاستجابة لها والحث على دوامها وتشجيعها وأرجو أن يقابلها العلماء ورجال الدين من ائمة الدعوة إلى الله تعالى بكل ترحيب وإهتمام وأن يرووا ظمأ الظامئين من فيوض القرآن العذبة وأرجو الله أن يجعل من كتابي هذا منهلا سائغا رويا لمن يطالعه بوعى سديد.
وإنه من المفيد لمن يقرأ هذا الكتاب أن يتعرف على محتوياته واتجاهاته فهو يشمل الابواب الثلاثة الآتية: الباب الاول: وفيه تمهيد لزيادة التعريف بالقرآن والتأكيد على أنه كتاب الله الذى لا ريب فيه والذى يأمر الشرع بتلاوته.
إظهار موقف العرب من القرآن وقت نزوله وتصديهم له بالتكذيب والحجود.
الباب الثاني: وفيه بيان عن سبب نزول القرآن معجزة معنوية دون غيرها.
من المعجزات الحسية التى كانت لغيره من الانبياء.
عرض لعلم تفسير القرآن والادوار التى مر بها في مختلف العصور.
الباب الثالث: وفيه طائفة من الآيات التى تدل على إعجازها العلمي مع تفسيرها الدينى أولا ثم شرحها في ضوء العلوم الحديثة بفهم عصرى لها.
стр. 6
وقد إقتضى هذا الباب الاخير الاهتمام بعرض موجز لبعض مبادئ العلوم الحديثة في أبسط أسلوب ومن غير تعمق في تفصيلاتها لبيان توافقها وتطابقها مع منهج القرآن إذا إقتضى الامر زيادة الايضاح.
ولا يسعنى وأنا أختم هذه المقدمة إلا أن أحمد الله حمدا كثيرا، وأثنى على فضله ثناء جميلا على ما أو لانى من إتاحة الفرصة لتحقيق أمنية عزيزة على نفسي كنت أتمناها لاعداد هذا الكتاب وطبعه ونشره عسى أن يكون لى من وراء ذلك ما أنشده وهو إظهار أقباس من نور القرآن في إعجازه العلمي الذى أعتقد أن كثيرا من المتعلمين المتقين يتطلعون إلى استجلاء أسراره العليا لكى يحققوا لانفسهم مزيدا من العلم والايمان ومزيدا من التمكن والعرفان ببعض ما جاء في آيات القرآن من إعجاز علمي غاية في الروعة والبيان، ولعل في مطالعة غير المسلمين لها ما يحملهم على الايمان بالقرآن وأنه كتاب الاسلام حقا وصدقا.
ولابد لى وأنا أقدم كتابي هذا أن أقول وحق أن ليس لى فيه من فضل يذكر في تأليفه أكثر من أنى تتبعت آيات الاعجاز العلمي: بالبحث والتنقيب عنها ثم جمعها والتنسيق لها، ثم عرض ما قطفته من ثمرات العلماء الاجلاء وآراء الخبراء النجباء الذين كان لهم فضل السبق في فهم القرآن وتفسير آياته في ضوء العلوم الحديثة التى هدى الله عباده إلى وضع قواعدها وهى العلوم التى أصبحت حقائق لا يعتورها شك لان العلماء كرسوا حياتهم في بحثها ودارستها بالفحص والتجريب حتى صارت لهم حصيلة تزداد نماء ورسوخا وتنوعا وتفرعا، وصارت
لها مع آيات الله توافق عجيب وتطابق رائع حقا.
وهناك حقيقة أخرى في هذا الاعجاز العلمي المشهود في قرءاننا وهو أن هذا الاعجاز لم ينته بعد بل هو قائم وممتد على طول العصور القادمة، وسوف تشهد
стр. 7
القرون المقبلة من إعجاز القرآن آفاقا جديدة لان الشواهد دلت على أنه كلما تقدم العلم وتعمق الانسان في بحوره يجد مع كل ظاهرة علمية كانت في طى الخفاء أن لها أصولا في القرآن سابقة عليها، وسوف يبقى هذا السبق سمة ملازمة للقرآن ومستوعبة لكل ما سوف تأتى به العلوم على مدى الازمان، وفى هذا ما يؤكد ويحقق قول الله ﵎: سنريهم آياتنا في الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) .
وإنى أدعو الله الكريم أن يقبل عملي هذا قبولا حسنا وأن يجعل منه كتابا ينطق بالصدق ويدعو إلى ذكر الله والتذكير بجلاله وعظمته وأن يحيى به قلوب من قرأه بوعى وانتفع به في دينه ودنياه، وتأكد أن كل ما يدعوا إليه هو التدبر في ملك الله بقلب سليم.
والله الهادى إلى سواء السبيل؟ المؤلف محمد اسماعيل ابراهيم ٢٢ شارع المنتزه بالزمالك بالقاهرة
стр. 8
الباب الأول: بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ (سورة البروج آية ٢١)
стр. 9
القرآن القرآن الكريم هو كلام رب العالمين نزل به الروح الامين على خاتم الانبياء والمرسلين سيدنا محمد لهداية الناس أجمعين، وقد جاء معجزة خالدة تحدى بها الاسلام العرب فعجزوا عن مجاراتها فيما حوت من إعجاز في نظمها وأسلوبها وما اشتملت عليه من روائع الشرائع والحكم والعلوم والامثال، وإن أفضل استهلال لموضوع هذا الكتاب هو أن نبدأ بذكر بعض ما ورد من وصف للقرآن في كتاب الله الكريم وما جاء في سنة رسوله العظيم عنه، وما نطق به لسان الحق من الخلق أجمعين تمهيدا للتعريف بجلال القرآن وحقيقة قدسيته، ثم نشفع ذلك بما يجب معرفته بالضرورة من أنه معجزة الاسلام الكبرى: آيات من كتاب الله تعالى في وصف القرآن: يقول الله ﵎ في أول سورة البقرة تعريفا بالقرآن: (ألم، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) .
ويقول في أول سورة الكهف: (الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا) .
ويقول جل من قائل في سورة المائدة آية - ١٦:
стр. 10
(قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدى به الله من أتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم) .
وقال تعالى في سورة الانعام آية - ١٥٥: (وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه وأتقوا لعلكم ترحمون) .
وقال تعالى في سورة فصلت آية (١ - ٤) : حم، تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون) .
ما جاء في أحاديث الرسول ﷺ عن القرآن: (أفضل عبادة أمتى تلاوة القرآن) (القرآن مأدبة الله فتعلموا من مأدبته ما استطعتم) (نوروا منازلكم بالصلاة وتلاوة القرآن) (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) (أهل القرآن أهل الله وخاصته) (وهم الحافظون له والعاملون بما فيه) (إن القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد، فقيل يا رسول الله وما جلاؤها؟ فقال: (تلاوة القرآن وذكر الموت) (ما من أحد يعلم ولده القرآن إلا نوج يوم القيامة بتاج في الجنة) وفى حديث طويل للرسول صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: (ستكون فتن كقطع الليل المظلم، قيل يا رسول الله وما المخرج منها؟ قال: كتاب الله
стр. 11
تبارك وتعالى، فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن أتبع الهدى من غيره أضله الله فهو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذى لا تزيغ به الاهواء، ولا تلتبس به الالسنة، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يمله الاتقياء، ولا يخلق على كثرة التكرار،
ولا تنقضي عجائبه، وهو الذى لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا: (إنا سمعنا قرآنا عجبا) من علم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم) .
وفى خطبة من خطبه ﷺ أنه قال: (إن أصدق الحديث كتاب الله وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم، وخير السنة سنة محمد، وأشرف الحديث ذكر الله، وأحسن القصص هذا القرآن) .
وعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: (قال لى رسول الله ﷺ : اقرأ القرآن) قال: (فقلت يا رسول الله أقرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟ قال: (إنى أشتهى أن أسمعه من غيرى) .
أقوال بعض العلماء في القرآن: ذكر السيوطي في تعريف القرآن: إن القرآن إنما صار معجزا لانه جاء بأفصح الالفاظ في أحسن نظم التأليف متضمنا أصح المعاني من توحيد الله تعالى وتنزيهه في صفاته، ودعائه إلى طاعته، وبيان لطريق عبادته من تحليل وتحريم؟ وحظر وإباحة، ومن وعظ وتقويم، وأمر بمعروف ونهى عن منكر وإرشاد إلى محاسن الاخلاق وزجر عن مساويها، واضعا كل شئ منها موضعه الذى
стр. 12
لا يرى شئ أولى منه، ولا يتوهم في صورة العقل أمر أليق به منه، مودعا أخبار القرون الاولى الماضية، وما نزل من مثلات الله بمن مضى، وعائد منهم منبئا عن الكوائن المستقبلة والاعصار الآتية من ذلك، جامعا في ذلك بين الحجة والمحتج له، والدليل والمدلول عليه ليكون ذلك أكد اللزوم ما دعا إليه وأنبأ عن وجوب ما أمر به ونهى عنه.
وقال بعض العلماء عن مضمون القرآن أنه اشتمل على أنواع من الاعمال
كلف الله بها عبادة للقيام بأدائها وهى: أولا: معاملة بين الله والعبد وهى العبادات التى لا تصح إلا بالنية، ومنها عبادات محضة وهى الصلاة والصوم، وعبادة مالية اجتماعية وهى الزكاة، وعبادة بدنية اجتماعية وهى الحج وقد اعتبرت هذه العبادات بعد الايمان أساس الاسلام.
ثانيا: معاملة بين العباد بعضهم مع بعض وهى أقسام منها: (ا) مشروعات لتأمين الدعوة بالجهاد بالنفس والمال في سبيل الله.
(ب) مشروعات للاسرة وهى ما يتعلق بالزواج والطلاق والمواريث.
(ج) مشروعات لبيان المعاملة بين الناس من بيع وإجارة وهى بالمعاملات.
(د) مشروعات لبيان العقوبات على الجرائم وهى القصاص والحدود.
وقد عرف الاستاذ فريد وجدى مقاصد القرآن بقوله: (القرآن وحى إلهى نزل به الروح الامين جبريل على قلب رسول الله محمد ﷺ ليكون للعاملين نذيرا وبشيرا، وعقيدتنا معشر المسلمين أنه الكتاب الجامع لاشتات الحكم ومتفرقات الاصول، وأنه فيه خلاصة سائر الكتب السماوية المتقدمة وأنه
стр. 13
جاء بالناموس الاعظم لكمال الحياتين الدنيوية والاخروية، وأنه آخى بين طبيعتي الانسان الجسدية والروحية، وأنه أنزل للعالمين أجمعين وروعيت فيه مصالحهم على قسطاس مستقيم، ولا جرم أن كتابا هذا شأنه لابد أن يكون راميا إلى قصد ومتوخيا في تعاليمه دستورا، ولابد أن يكون قد وعد وأوعد، وبشر وأنذر، ورغب ونفر، وبنى وهدم، وقوى ووهن، ووصل وقطع، وسلك لكل ذلك مسالك خاصة أدته إلى المكانة التى بلغها في نفوس الآخذين به قديما وحديثا.
القرآن آخر الكتب السماوية:
جاء في بعض الآثار عن عدد الصحف السماوية المنزلة ما روى عن أبى ذر الغفاري قال: (قلت يا رسول الله كم كتابا أنزل على أنبيائه؟ قال الرسول: مائة صحيفة وأربعة كتب، فقد أنزل على آدم عشر صحائف وعلى شيث خمسين صحيفة وعلى إدريس ثلاثين صحيفة وعلى إبراهيم عشر صحائف وأنزل التوراة والانجيل والزبور والفرقان (وهو القرآن) وقد نزلت الكتب المقدسة جميعها دفعة واحدة إلا القرآن فقد نزل منجما أي مفرقا.
فالقرآن آخر الكتب السماوية أنزله رب العزة ﷻ على خاتم أنبيائه ورسله محمد ﷺ ، وقد ثبت نزوله بكل من الدليلين العقلي والنقلى، أما الدليل العقلي فهو ما تضمنه هذا الكتاب من وجوه الاعجاز الذى تحدى الانس والجن أن يأتوا بمثله فعجزوا عجزا مطلقا وما يزال التحدي قائما إلى يوم القيامة.
وأما الدليل النقلي فهو ما نقله إلينا السلف الصالح الذين عاشوا في زمن النبي وعاصروه، فقد ثبت بالتواتر الذى لا يرقى إليه شك أن القرآن كلام الله الذى
стр. 14
كان ينزل على النبي ويوحى إليه به بمرأى ومسمع من عشيرته وصحابته المعاصرين والملازمين له، وكان النبي يأمر كتاب الوحى أن يسجلوا آياته فور نزولها على رقاع من العظم أو الجلد أو الجريد أو الحجارة وعلى كل ما كان ميسورا وصالحا للكتابة عليه وقتئذ.
موقف العرب إزاء الدعوة الاسلامية والقرآن: لم يجد النبي من العرب عامة ومن قريش خاصة عندما أعلن دعوته بدين الاسلام سوى الصد والتكذيب والسخرية والاستهزاء والايذاء، فقد رموه بالكهانة تارة وبالجنون تارة أخرى، كما أعلنوا التنكر للقرآن وقالوا عنه إنه سحر
مفترى، وقد تعرض النبي وكل أتباعه من المؤمنين لاشد ألوان الاذى والاعتداء ولم يثنه ذلك عن مواصلة جهاده وإعلان دعوته للتوحيد والحط شأن معبوداتهم من الاصنام والاوثان، وقد حاولوا أن يصرفوه عن دعوته بكل وسائل الارهاب وبالوعد والوعيد فكان يرد عليهم قائلا: (إن الله بعثنى رسولا وأنزل علي كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا فبلغتكم رسالات ربى ونصحت لكم فإن تقبلوا منى ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه على أصبر لامر ربى حتى يحكم بينى وبينكم) .
استعانة قريش باليهود في معارضة النبي وتحدى القرآن: استعان القرشيون في معارضة الدعوة الاسلامية وقرآنها بأحبار اليهود لانهم أهل كتاب يدعو للتوحيد لعلهم يجدوا لديهم أدلة يدحضون بها ما أنزل من الوحى على النبي، وكان اليهود يومئذ من ألد أعداء الاسلام ورسوله لانهم
стр. 15
يعتقدون أن النبي المنتظر سيكون من بنى إسرائيل لا من العرب، فأوعز اليهود لقريش أن يسألوا النبي عن ثلاثة أشياء فإن أخبرهم بهن فهو نبى مرسل، وإن لم يجب عنها فهو مدع منتحل للنبوة، وقالوا سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الاول، وعن رجل طواف، وعن الروح، وقد نزل الوحى بالاجابة عن هذه الاسئلة بأن الفتية الذين ذهبوا في الدهر هم أهل الكهف، وقد ذكر القرآن قصتهم، وأن الرجل الطواف هو ذوالقرنين المذكورة قصته أيضا في القرآن، أما عن الروح فكانت الاجابة عليها قوله تعالى: (الروح من أمر ربى وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) .
عناد قريش وتخبطهم في تكذيب القرآن: لقد كانت قريش أحرص الناس على إطفاء نور القرآن والطعن في إعجازه
والسعى في إخفاء حقائقه وإبعاد تأثيره القوى في نفوس من يسمعه عن القبائل وذلك بالدعايات الكاذبة، ولو كان في مقدروهم معارضة القرآن والاتيان بشئ من مثلة لفعلوا، ولكنهم قالوا عن القرآن إنه سحر كما جاء ذلك في قوله تعالى: (وإذا تلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين) (سورة الاحقاف آية - ٧) ثم قالوا عن القرآن إنه شعر شاعر فرد القرآن عليهم بقوله تعالى: وما علمناه الشعر وما ينبغى له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين (سورة يس آية - ٦٩) ثم عادوا فقالوا أنه أساطير الاولين علمها له غيره من العارفين بها فيرد عليهم الحق بقوله: (وقالوا أساطير الاولين اكتتبها فهى تملى عليه بكرة وأصيلا) (سورة الفرقان آية - ٥) وقد اتهمه بعضهم بالجنون فرد القرآن عليهم بقوله تعالى: (ويقولون أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون، بل جاء بالحق وصدق المرسلين) : (سورة الصافات آية - ٣٦، ٣٧) .
стр. 16
شهادة الوليد بن المغيرة أبلغ فصحاء العرب في القرآن: أعيت الحيل القرشيين في محاربة القرآن بتكذبيه وإطفاء نوره والحد من تأثيره في قلوب سامعيه فاجتمعوا عند الوليد بن المغيرة أحد بلغاء العرب يتشاورون فيما يمكن عمله لابطال سحر البيان في هذا القرآن العجز الذى كانت وفود القبائل الآتية إلى مكة للحج تستمع إلى النبي ﷺ وهو يرتله فيبلغ تأثير القرآن أعماق نفوسهم ويروعهم أسلوبه ومعناه، وحارت قريش في أمرها وكيف يصدون هذه القبائل عن الاجتماع بمحمد والاستماع لرسالته فكانوا يقولون لهم مرة إنه كاهن، ومرة أخرى يقولون عنه أنه ساحر ومرة ثالثة يقولون عنه إنه شاعر ولكن عقلاء القبائل ما كانت في قرارة نفسها تصدق هذا الكلام المناقض
لجلال ما يسمعون من آيات القرآن والذكر الحكيم.
وأخيرا استقر رأى قريش أن يوزعوا أنفسهم عند مفارق الطريق الموصلة إلى مكة ويجلسون عند مداخلها لمقابلة القادمين وتحذيرهم من مقابلة محمد أو الاستماع إلى حديثه وقرآنه، ولما كانت قريش مسموعة الكلمة في العرب فكان كثير من هؤلاء الوافدين ينقادون لرأيهم، وكان الوليد بن المغيرة أشد المؤمنين بأن ما يتلوه محمد من القرآن حق لا ريب فيه، وكان يقول لقومه عن القرآن: (إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وإنه يعلو ولا يعلى عليه، وكان ينصح قومه أن يتركوا محمدا وشأنه لانه توسم مجسه المرهف أن دعوة محمد ستكون لها شأن وأى شأن.
معجزة النبي الكبرى هي القرآن: إن كلمة القرآن لفظ مشتق من مادة قرأ وهى أول كلمة نزل بها الوحى على النبي في غار حراء إشارة إلى مكانة القراءة التى هي السبيل إلى العلم وسر التقدم
стр. 17
والارتقاء في الحياة وكانت معجزة النبي هي القرآن الذى كان يتلوه المسلمون في حياته والذى سوف يتلوه من بعده ألوف مؤلفة لا حصر لها إلى يوم القيامة ولم تكن معجزته معجزة مادية محسوسة كمعجزات الانبياء السابقين وقد طالبه قومه بإلحاح بمعجزة حسية ملموسة حتى يؤمنوا برسالته، والقرآن يقص علينا ذلك في قوله تعالى في سورة الاسراء - آية ٩٢.
(لن تؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا، أو يكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الانهار خلالها تفجيرا، أو تسقط السماء علينا كما زعمت كسفا، أو تأتى بالله والملائكة قبيلا، أو يكون لك بيت من زخرف، أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا تقرأه) فكان الجواب على هذا التحدي أن قال الرسول بأمر الله (قيل
سبحان ربى! هل كنت إلا بشرا رسولا؟) وكان هذا هو الجواب المفحم بالحق والصدق أمام تعنت المتعنتين المطالبين بالبراهين المادية.
لماذا كانت معجزة محمد ﷺ هي القرآن؟ إن السر في أن يكون القرآن هو معجزة النبي الكبرى تتجلى في أنها المعجزة المعنوية القدسية ذات الاسرار الروحية المتصلة بالملا الاعلى، وأن فيه علوما وفيوضات آلهية جعلته الكنز الربانى الخالد على الدهر وأن له البقاء والنماء المعنوي والروحى ما دامت الالسنة ترتل آياته والقلوب تخشع عند سماعها والجلود والجوارح تلين وقت التأثر بها، ولم تشأ إرادة الله الحكيم العليم أن يجعل معجزة النبي معجزة مادية حسية كما كانت معجزات الانبياء من قبل عندما ظهرت للعيان ثم اختفت لانها عاشت في ذاكرة الناس مع حياة أنبيائها فقط، فلما ذهبوا ذهبت وانطوت بموتهم، وإنما أرادها الله لنبيه محمد أن تكون معجزته قرآنا خالدا على الدهر، وتبقى معجزة حية ما دام النبي حيا وأن تظل كذلك حية بعد موته
стр. 18
وإلى أن يرث الله الارض ومن عليها، وذلك لانها خاتمة الرسالات للناس أجمعين وليست بعدها رسالات ولا معجزات أخرى، ويكفى في تفوقها أنها جمعت فأوعت كل ما تحتاج إليه البشرية من أصح العقائد الحقة وأسمى المبادئ القويمة وأرقى المناهج للصلاح والاصلاح والفلاح، وأخلص العبادات الموصلة قولا وعملا إلى رضوان الله تعالى وسعادة الدارين.
وكل الذين هداهم الله ووفقهم إلى قراءة القرآن وتدبر آياته من يوم أن نزل على النبي ﷺ وإلى ما شاء الله يؤمنون بقدسيته ويقرون بروعته البيانية ويشعرون بلمساته الروحية ويأنسون بنفحاته السماوية، ويرجع ذلك إلى حقيقة ذاتية في القرآن تتمثل في كيانه القائم على الحق وفى أسراره العلوية التى
تكمن وراء ألفاظه ومعافيه والتى تتجلى في جاذبيته الآلهية التى تأخذ بقلوب مرتليه وسامعيه، وليس أدل على ذلك من أن أبلغ بلغاء العرب من قريش كانوا إذا سمعوا آيات الله تتلى عليهم يستولى على مشاعرهم سحر بلاغتها، وقد بلغ من افتتان بعضهم بها أنهم كانوا يتسللون فرادى في دجى الليل على مقربة من دار النبي ينصتون إلى تلاوة القرآن فتملاهم تلاوته إعجابا وتقديرا واستمتاعا بما فيه من حلاوة وطلاوة وسمو روحي يأخذ بألبابهم، ومن عجيب أمر هؤلاء العرب الذين أنكروا القرآن وإعجازه في الاداء والبيان هم أبناء الامة التى كان لها غرام بالبلاغة والفصاحة حتى أنهم كانوا يعقدون الاسواق الادبية كل عام ليعرض فيها الادباء والشعراء إنتاج مواهبهم ويدعون الحكام للحكم بين الشعراء والادباء لتكريمهم والاحتفال بالنوابغ منهم.
دلائل إعجاز القرآن: اشتمل القرآن الكريم على عدة دلائل قوية وبراهين دامغة على أنه المعجزة الكبرى وأنه آية من آيات الله العظمى الخالدة على الدهر ومن ذلك:
стр. 19
أولا: بلاغته الفريدة في نظمه ولفظه وأسلوبه ومخالفته لمناهج العرب في فصاحتهم وبلاغتهم التى كانوا يعتزون بنبوغهم فيها، إذا لم يكن شعرا موزونا ولا نثرا مرسلا ولا سجعا مقفى وإنما هو نهج مستقل قائم بذاته في جمال عباراته العذبة وصياغة معانيه السامية التى لم يكن للعرب عهد بمثلها من قبل حتى أن بلغاءهم ما كانوا لا يدرون من أي ناحية من نواحيه يتملك مشاعرهم ويستولى على عقولهم وكانوا من فرط حيرتهم في وصفه يقولون عنه إنه السحر وما هو بالسحر.
ثانيا: حفل القرآن بالكثير من قصص الانبياء والرسل وأخبار الامم السابقة وأحوالهم بما يطابق الصادق المؤكد مما جاء في كتب أهل الكتاب من اليهود
والنصارى، مع أن النبي صلوات الله وسلامه عليه نشأ أميا لا يقرأ ولا يكتب وقومه يعلمون أنه لم يدرس ولم يتعلم على يد أحد شيئا من العلم، فمن أين له هذه الانباء والمعلومات عن الرسل والانبياء وعن التاريخ القديم للامم والشعوب؟ إنه لا شئ سوى الوحى الذى يوحى إليه من ربه الذى يقول في كتابه العزيز في سورة العنكبوت - آية ٤٨: (وما كنت تتلو قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذن لارتاب المبطلون) ، ولما تملكتهم الحيرة في شأن القرآن وروعته افتروا على الله الكذب وأدعوا أن أحد فتيان الروم علمه سرا هذه الاخبار كلها وهذا كذب صراح لان هذا الرومي المزعوم كان أعجميا لا يحسن العربية، ويكذب القرآن افتراءهم هذا بقوله تعالى في سورة النحل آية - ١٠٣: (ولقد نعلم أنهم يقولون أنما يعلمه بشر لسان الذى يلحدون إليه أعجمى وهذا لسان عربي مبين) .
ثالثا: لم يقتصر القرآن على ذكر أخبار أحوال الامم الماضية وأنبيائهم ورسلهم وما جرى من الحوادث التى مضى عليها زمن طويل بل أخبر كذلك عن أمور سوف تقع في المستقبل وقد تحقق فعلا وقوعها، ومن ذلك ما أخبر به
стр. 20
القرآن عن دولة الروم المسيحية التى غلبتها دولة الفرس الوثنية أولا، ثم أخبر القرآن بأن دولة الروم المغلوبة سوف تنتصر بعد بضع سنين كما جاء ذلك في قوله تعالى في سورة الروم آية ١ - ٤: (ألم، غلبت الروم في أدنى الارض وهم من بعد عليهم سيغلبون في بضع سنين لله الامر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون) .
ومن ذلك أيضا ما أخبر به القرآن عن وعد الله لرسوله بأنه سوف يفتح مكة ويدخل المسجد الحرام، وقد تحقق ذلك فعلا بعد فترة وجيزة من الزمن فقال تعالى في سورة الفتح آية - ٢٧: (لقد صدق الله رسوله الرؤبا بالحق لتدخلن
المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا) .
رابعا: ما تضمنه القرآن من أمور دينية ما كان العرب يعرفون عنها شيئا مثل عقيدة التوحيد وإلايمان بالغيب وبيوم القيامة والحساب والجزاء والجنة والنار والملائكة وغيرها من المسائل الاخرى الخاصة بالتشريع ومعرفة الحلال والحرام والحقوق والواجبات للاسرة والوطن ثم بيان ما يجب على الانسان من مكارم الاخلاق وروح الاخوة والتعاون والبر والتقوى مما يؤدى إلى سعادة الدارين.
وكان النبي صلوات الله وسلامه عليه يتلو على الناس ما أنزل إليه بلسان عربي مبين في موضوعات أخرى شتى وهو الامي الذى لم يدرس من أمور التشريع ولا من أمور الغيب ولا من أصول الاخلاق أو علم النفس أو علم الاجتماع شيئا، فمن أين له هذا الكنز الفياض بهذه العلوم والمعارف في دقة وروعة وإحكام؟ أنه النبوة الموحية إليه بهذا كله من عند الله تعالى.
стр. 21
خامسا: لقد انطوى الكريم على آيات بينات كثيرة فيها حقائق علمية غاية في الاصالة والموضوعية فيما يتعلق بالكون والسماوات والارض والنجوم والكواكب التى تجرى في أفلاكها وتعاقب الليل والنهار ثم ما جاء عن خلق الانسان وتطوره جسما وعقلا وروحا ثم ما ذكره عن النبات والحيوان والحشرات كما أن القرآن تكلم عن السحب والامطار والعواصف والجبال والاشجار والانهار والبحار وغير ذلك من الكائنات والمخلوقات كبيرها وصغيرها وكل ذلك لم يكن الانسان قبل نزول القرآن ولا بعد نزوله بزمن طويل يعلم عن حقائقه شيئا ولا يدرى من أسبابه وأسراره أي شئ بل ظل ذلك كله سرا مطويا عن العقل البشرى إلى أن جاءت عصور النهضة العلمية التى أخذ الانسان خلالها يدرس ويبحث
وينقب بحثا عن الحقائق الكونية والكشف عن أسرارها ونواميسها شيئا فشيئا حتى صارت لديه حصيلة قيمة من العلوم والمعارف والقوانين والنظريات التى عن طريقها بدأ الانسان يعرف ما جاء به القرآن منها وذلك قبل نهضته العلمية الحديثة بزمن بعيد.
سادسا: أن القرآن الكريم وقد مضى على نزوله حتى الآن نحو أربعة عشر قرنا لم يظهر في نصوصه ولا في معانيه أو مراميه أي خلل أو تناقض أو اضطراب أو قصور فيما عبر به عن الحياة الدنيا وأحوالها أو ما جاء به من حقائق ومبادئ وتشريع وأحكام ونظام وقد حاول أعداء الاسلام خلال هذه القرون وبعد أن قرأوا القران مرارا ونخلوه وغربلوه.
تكرارا لكى يجدوا فيه أي ثغرة من خطأ أو نقص أو ضعف في أي شئ فما وجدوا فيه غير الحق الصراح والعقائد القويمة والهداية الشاملة في أروع ظواهرها وبواطنها ويقول الله تعالى في سورة النساء آية - ٨٢: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا.
стр. 22
ويتجلي إعجاز القرآن بصفة خاصة في وجهين هامين من إعجازه: أولهما ما يتعلق بمنهاجه البيانى وثانيهما منهاجه العلمي.
أما منهاجه البيانى فقد لمسه العرب لانهم كانوا أول من خوطبوا به وأدركوا ما في آياته من بلاغة وفصاحة وجزالة في ألفاظه ومعانيه، وقد أقروا بعجزهم عن تحديه، وظل إعجازه البيانى قائما في الجزيرة العربية طيلة عصر النبوة وما بعده إلى ما شاء الله تعالى.
وأما منهاجه العلمي فقد كان إعجازا ممتدا على مدى العصور وإلى أن يرث الله الارض ومن عليها، وذلك لما اشتمل عليه القرآن من علوم كونية وحقائق علمية وتشريعية لم تكن معروفة في عصر النبي ﷺ ، وسيظل هذا
المنهاج العلمي هو معجزة الاجيال كلها بما يظهر منها تباعا.
ومنهج الاعجاز البيانى يتمثل في تأليف كلماته وتآخيها، وتلاقيها في عباراته المنسجمة وفى نظمها المحكم ورنينها الموسيقى، وقد جاءت المعاني القرآنية مؤاخية للالفاط وكأن الالفاظ قطعت لها وسويت على حجمها، ومن أمثلة التناسق بين الالفاظ ومعانيها قوله تعالى: (والصبح إذا تنقس) فإن استعمال لفظ تنفس لا يمكن أن يوضع مكانه لفظ آخر ليؤدي معناها، وذلك لان التنفس يندرج فيه ثلاثة معان تتصل بالحياة الدائمة المستمرة أولها التنفس بمعنى الحياة وثانيها حركتها واستمرارها وثالثها تدرجها في الظهور شيئا فشيئا، فلو وضعت كلمة أشرق بدل تنفس أو أصبح أو أنار أو أضاء لا تقوم مقام تنفس ولا تغنى غناءها.
ومثل آخر للعبارات التى ترد في القرآن ولها معان لا يحل محلها أي تعبير آخر
стр. 23
كما في قوله تعالى: (واتل عليهم نبأ الذى آتيناه آياتنا فانسلخ منها، فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين، ولو شئنا لرفعناه بها، ولكنه أخلد إلى الارض وأتبع هواه، فمثله كمثل الكلب، إن تحمل عليه يلهث، أو تتركه يلهث ذلك مثل، الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون) (الاعراف ١٧٥ - ١٧٦) .
وتصور هذه الآيات رجلا أتاه الله العلم بالآيات الموجبة للتصديق بالحق، وأن هذه الآيات أحاطت بقلبه ونفسه كما يحيط الاهاب أي الجلد بالجسم ولكنه ترك الاخذ بالهدى استجابة لداعى الشيطان، وصار من الضالين الذين أغواهم إبليس اللعين فكان مثله كمثل الكلب يلهث دائما، إن ترك يلهث، وإن حمل عليه يلهث، فكل كلمة في هذة الآيات تؤدى معنى لا تعنى عنه كلمة أخرى مهما حاول الانسان
ذلك، والعبارات صادقة ومطابقة للحال في تصوريها.
وأما المنهج العلمي من الاعجاز فهو موضوع هذا الكتاب بالذات وسوف فعرض له مجموعة من الآيات التى تبين كيف حفل القرآن بأصول العلوم المتصلة بنشأة الكون وخلق الانسان والكائنات كلها، وكيف أنه طلب منا التفكر والتدبر في أسرارها وحكمتها.
القرآن والعلم: فليس غريبا ولا عجيبا أن يأتي القرآن وهو المعجزة الكبرى بكل الموافقات والمطابقات لكل ما وصلت إليه العلوم الحديثة من نتائج ووصل إليها العلماء بعد مئات السنين من الدراسة والبحث والتأمل لانه كلام الله العليم بالسر وأخفى في ملكه العظيم وإن كثيرا من القضايا الاجتماعية والسياسية والحربية والتشريعية
стр. 24
والاخلاقية وغيرها جاء بها القرآن قبل أن تكون شيئا مذكورا في معارف الانسان وقت نزول القرآن ثم ظهرت معالمها واضحة بعد موت النبي ﷺ بزمن طويل، بل أن في القرآن ما هو أكثر من الاعجاز العلمي ألا وهو ما أخبر به القرآن في عدة آيات بأمور لم يكن أحد يعلم أسرارها الغيبية مثل ما حدث في الملاء الاعلى قبل ظهور الانسان عندما خلق الله آدم ﵇ وما كان من سجود الملائكة له وهبوطه إلى الارض وخلافته فيها، فهل ذلك كله من علم محمد رسول الله حتى يذكره لنا مفصلا؟ كلا أنه كتاب الله الذى يتحدث عن علم الله المحيط يكل شئ.
المصحف كيف توحد وانتشر: إن كلام الله المنزل على محمد ﷺ سورا أو آيات متفرقة في في مدى ثلاث وعشرين سنة والمنقول تواترا صحيحا والمتعبد به تلاوة وعملا
والمجموع كله بين دفتى المصاحف من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس، كان في أول الامر وعلى عهد النبي مكتوبا على رقاع متفرقة من الجلد أو العظم أو جريد النخل أو قطع الحجارة كما كان محفوظا في صدور الصحابة الذين حفظوه عن ظهر قلب، فلما قامت حروب الردة في خلافة أبى بكر الصديق وقتل فيها أكثر الصحابة المجيدين لحفظ القرآن، هال هذا الامر عمر بن الخطاب وأشار على أبى بكر بجمع الرقاع ونسخها، فستجاب أبو بكر لذلك وأمر زيدا بن ثابت وهو من أبرز كتاب الوحى أن يقوم بجمع القرآن من الرقاع المكتوب عليها ومن صدور الحفاظ فنسخه وحفظت هذه الاصول المنسوخة عند أبى بكر فلما مات حفظتها السيدة حفصة إبنة عمر عندها، وفى عهد سيدنا عثمان بن عفان ظهرت بعض اختلافات في القراءات بين المسلمين فرأى عثمان منعا لهذه الاختلافات أن
стр. 25
يدون مصحفا واحدا مأخوذا من الاصول المحفوظة عند حفصة وأن ينسخ منها عدة مصاحف أعدها وأرسلها إلى الامصار الاسلامية ثم أحرق جميع الرقاع الاخرى كما أعدم كل ما سوى المصحف الموحد حتى لا يفتح باب الزيادة أو النقص أو التحريف في كتاب الله وخاصة بعد اختلاط العرب بأهالى البلاد غير العربية التى فتحوها وبذلك تحقق قول الله تعالى: إنا أنزلنا الذكر وإنا له لحافظون) .
وسوف يبقى القرآن إلى ما شاء الله المعجزة الآلهية الخالدة وسوف يبقى كلام الله عزيزا بقدسيته غنيا بنفسه متلالا بآياته التى كلما مضى عليها الزمن إزدادت إشراقا وبهاء لانها أنوار آلهية وضاءة وطاقة علوية خلاقة وقوة روحية وثابة تدفع كل من يؤمن بها إلى العمل والجهاد والرقى حسا ومعنى، ولا يغيب عن البال أن كتاب الله حليف العلم والعلماء، وعدو الجهل والجهلاء وداعية الهدى والاهتداء ثم هو كتاب الله الذى لا يرضى مطلقا عن الجمود والركود والاستخذاء وما كان
في أي حال أو في أي عهد من عهود الزمان متعارضا أو متناقضا مع أصول العلم ومناهج الحكمة ونواميس الكون بل إنه كلما اكتشف العلماء جديدا من كليات العلوم وأصولها أو أي شئ من كنوز الحكمة وجدوا لها في كتاب الله مواضع وإشارات تنم عليها وتدل عليها.
إن هذا القرآن هو كلام الله الحق وقد وعد المسلمين فيه بالتمكن في الارض والاستخلاف فيها بقوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنكم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بى شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) فماذا جرى ونحن المسلمون المخاطبون بهذه الآيات وقد تخطانا هذا الوعد بأن يستخلفنا الله في الارض؟ أما آن لنا معاشر
стр. 26
المسلمين ونحن في كثرة من العدد ووفرة من الموارد أن نتحد ونتعاون ونستعيد أمجادنا بأن نتعلم كل ما هيأ الله في الارض من علم، وما يلهم به من عمل وصناعة ورقى مادى واختراع لكي نعد أنفسنا لحياتنا العصرية التى لا تتفوق فيها الامم إلا بالايمان وبالعلم وتطبيقاته، ولدينا من الحوافز القوية من كتاب الله وسنة رسوله ما يجعلنا خير أمة أخرجت الناس.
وفى ختام هذا الباب يطيب لى أن أسجل ما سبق لى أن كتبته ونشرته في كتابي (مع الله) في باب كلام الله وهو القرآن ما يأتي بأسلوب الشعر الحر: كلام الله يتلوه أهل الذكر على مكث فيحدون هديه أجمل ما يكون.
وهم يرددون تلاوته آناء اليل وأطراف النهار ما استطاعوا ولا يسأمون.
وكل الذين يرتلونه بفهم يحسون قدسيته فتقشعر منهم الجلود ثم تلين.
وكل الذين يتدبرون آياته يلهمون من أسراره وأهدافه أكثر وأمتنع مما يعلمون.
وكل الذين يتفرغون لدراسته تنكشف لهم كنوز قيمة من العلوم والفنون وهكذا كل من يقرأ القرآن بفهم يجد فيه ينابيع من التقى تروى قلوب المؤمين.
فتعلق يا أخي بحبل القرآن وأحرص على تلاوته وفهمه ولا تكن عنه من الغافلين لقد أنزل الله كتابه وقال له: كن لقرائك الابرار شفاء لما في الصدور.
وكن نورا يهتدى به من يتعلمه ويحفظه ويتلوه خاشعا في مساء وبكور.
وكن أيها القن آن مذكرا بالغيب وبحقيقة الحساب يوم البعث والنشور.
وكن أيها القرآن معلما ومرشدا للناس بأن الآخرة هي دار القرار والمصير وأن هذه الحياة الدنيا متاع قليل، فلا يلههم الامل عن مآلهم بالغفلة والغرور.
وأن الله سبحانه حسيب رقيب لا يغفل عن صغير من عملهم أو كبير.
وهكذا القرآن على منوال الهدى ينسج الوعظ وعلى محور التقوى يدور.
стр. 27
والقرآن معجزة الله الباقية من المعجزات التى جاءت وأنتهى أمرها بزمانها.
ومعجزة القرآن جاءت كاملة خالدة لندوم إلى ما شاء الله تعالى لدوامها.
وكل الكتب السماوية السابقة حرفت ولم يبق غير الاطلال من جلال أصولها.
أما القرآن الكريم فهو باق على الدهر لا يتغير وآياته حافظة لرسمها ونصوصها.
أليس في ذلك ما يقنع أهل الشك بالدليل القاطع على صدق آياته وإعجازها.
وكم من جاجدين حاقدين يتمنون لو يعثرون على تناقص أو نقص في كمالها.
وقد مضت القرون وما وجد المنقبون في آيات القرآن غير الحق في طياتها.
стр. 28
الباب الثاني: قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين
стр. 29
القرآن روح الدعوة الاسلامية ومحور ثقافتها إن القرآن الكريم منذ نزل على محمد ﷺ إلى يومنا هذاو هو ركيزة التوحيد الخالص وكنز العقائد الايمانية ومصدر الاحكام الشرعية ودليل الحقائق الكونية كما أنه الملهم بالفتوحات الالهية والباعث على الجهاد والاجتهاد في العبادة والطاعات، والحافز للعقول إلى التفكر في خلق السماوات والارض وغير ذلك من المجالات المتعلقة بالحسيات والمعنويات، فهو بحق مدار لكل حركات فكرية أو نهضات إصلاحية أو أعمال عمرانية وتقدمية على مدى الزمن.
الله هو الخلاق العظيم: خلق الله الاكوان كلها من العدم، وأبدع صنعها وأتقن كل شئ من ظواهرها وخوافيها وجلائها ودقائقها، ولا تخفى عليه ذرة من مقوماتها وسننها ونواميسها فإذا ذكر سبحانه عنها شيئا في قرآنه فهو قول العليم الخبير الذى لا يعزب عن علمه شئ منها في الارض ولا في السماء، والقرآن بهذه المزايا الربانية هو المرجع الجامع لكل علم نافع أو نهج قويم يوصل إلى سعادة الدارين، والرسول صلوات الله وسلامه عليه يقول في حديث له: (من ابتغى الهدى في غير القرآن أضله الله) .
ولا يتاح للبشرية إن تنتفع بالقرآن وتهتدى بنوره إلا إذا فهمت نصوصه لفظا ومعنى عن طريق تفسير واضح قائم على حقائقه المؤكدة التى تبين مقاصده ومراميه بغير تأويل له يراد به غايات دنيوية أو منافع ذاتية، ولهذا عنى المسلمون بتفسير القرآن واهتموا بفهم حقائقه اهتماما عظيما على مدى العصور، ولابد لنا قبل
стр. 30
الكلام عن موضوع الاعجاز العلمي للقرآن أن نمهد بنبذة موجزة عن التفسير ووسائله وأهدافه اتجاهاته المختلفة المنازع.
القرآن كتاب الله المبين: يقول الله ﵎ في وصف القرآن بأنه كتاب مبين في عدة آيات منها: (ألم، تلك آيات الكتاب المبين) (يوسف آية - ١) (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين) (المائدة آية - ١٥) (ولقد أنزلنا إليكم آيات بينات) (النور آية - ٣٤) (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) (النحل آية - ٤٤) .
وهذه الآيات ومثيلاتها تبين بكل وضوح أن القرآن بين ولا يحتاج إلى تبيين وقد نزل على العرب بلغتهم التى يعرفون ألفاظها وأساليبها وبلاغتها، وإذا كان في القرآن شئ مجمل أو شئ غامض المعنى فكان الرسول صلوات الله وسلامه عليه يفسره، هذا مع العلم بأن كثيرا من الآيات القرآنية يفسر بعضه بعضا.
تفسير القرآن: التفسير علم من العلوم الدينية التى يقصد به إيضاح القرآن وتبيانه للكشف عن مراميه وأسراره، وقد وضع المفسرون له قديما وحديثا المؤلفات الكثيرة للشرح ألفاظه بما يتفق مع سياق المنهج القرآني وإظهار المعاني التى وراء الالفاظ سواء في ذلك المعاني الحقيقية أو المعاني المجازية، وفى ذلك يقول الله تعالى في سورة الفرقان آية ٣٣: (ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا) ،
стр. 31
وكان النبي صلوات الله وسلامه عليه أول مفسرا للقرآن لاصحابه فيما يتعلق بالآيات التى تحتاج إلى تفصيل لما أجمل فيها من أحكام أو إيضاح لما غمض فيها من معان دقيقة.
ومع مرور الزمن صار التفسير علما ضروريا لفهم كتاب الله فهما صحيحا، وهو علم قائم ومدون منذ عهد التابعين للصحابة، ولا ريب أن القرآن مقصود
بذاته لكل مسلم لوجوب تلاوته والتعبد به والاستماع إليه والتفقه فيه ما استطاع إلى ذلك سبيلا، مع الاجتهاد في فهم الروابط التى تربط معاني القرآن بما ورد في السنة النبوية من أحاديث توضحها.
وقد تجمعت من مجهودات المفسرين للقرآن قديما وحديثا حصيلة ضخمة من شروح قيمة تدعو للاعجاب التقدير لهؤلاء العلماء الاجلاء الذين خدموا كتاب الله بما لم يخدم به أي كتاب عرفه الناس في هذه الدنيا، فقد خدموه ظبطا وشرحا واستنباطا وتقديرا وإعزازا وإكبارا على مدى أربعة عشر قرنا سوف تتلوها إن شاء الله قرون أخرى حتى يرث الله الارض ومن عليها، ومع كل هذه لدراسات والتفسيرات والشروح المستفيضة للقرآن فإنه ما يزال كنزا لا ينفد من العلوم الربانية المنطوية في ثناياه، والتى سوف تظهر رويدا رويدا مع التعمق في بحاره والغوص وراء جواهره ولآلئة المكتونة فيه، ويقول الله تعالى في سورة فصلت آية ٥٣: سنريهم آياتنا في الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق.
مراحل التفسير ومناهجه: يمكن القول بأن علم التفسير مر بعدة مراحل كان لكل مرحلة منهاجها العلمي الموافق لاحوال الزمان والمكان للانسان وعلى مبلغ تفتح القلوب واستنارة
стр. 32
العقول التى استجابت لدولة العلم في تطورها واتساع آفاقها وازدهار ثمارها، وهذه المراحل هي: أولا: مرحلة التفسير المأثور عن النبي ﷺ .
ثانيا: مرحلة التفسير المأثور عن أقوال الصحابة وتلاميذهم من التابعين.
ثالثا: مرحلة التفسير المعتمد على اللغة لانها أداة التعبير.
رابعا: مرحلة التفسير المعتمد على رأى التابعين وتأويلاتهم واجتهاداتهم.
خامسا: مرحلة التفسير العصرى لبعض الآيات ذات المفاهيم العلمية أو التشريعية.
في ضوء العلوم الحديثة التى اتسع مجال أبحاثها وما زال يتسع يوما بعد يوم.
وإليك توضيحا لكل مرحلة منها: التفسير المأثور عن النبي ﷺ : كان النبي صلوات الله وسلامه عليه هو المفسر الاول للقرآن وكان تفسيره شاملا لكل ما جاء فيه من عبادات ومعاملات ومعتقدات وكل ما يتعلق بالمجتمع الانساني، ابتداء من الاسرة إلى الجماعة إلى الامة وعلاقة الحاكم بالمحكوم وعلاقة المسلمين بغيرهم من الامم في الحرب والسلم، وقد وردت عن النبي أحاديث صحيحة توضح وتفسر ما جاء في القرآن زيادة في الايضاح والبيان وهى الاحايث المتواترة بالسند الصحيح ولذلك كانت السنة النبوية خير مفسر للقرآن الكريم.
التفسير المأثور عن أقوال الصحابة وتلاميذهم والتابعين لهم: يعتمد هذا التفسير أولا وقبل كل شئ على ما سمعه الصحابة من مفسره الاول وهو النبي ﷺ ، وقد حفظوا هذا التفسير ووعوه لانهم كانوا
стр. 33
أول من سمع القرآن عقب نزوله والنبى يتلوه عليهم، وكانوا أول من علموا أسباب نزول كل آية ومناسباتها، وكان ذلك خير معين لهم على فهم المقصود من كل آية فهما صحيحا، وكانوا يعنون كل العناية بتفسير كل ما يتعلق بالامور الدينية من حيث العقائد والعبادات وأركان الاسلام وأصوله وأحكامه لان هذا في نظرهم هو جوهر الدين، وما كانوا يشغلون عقولهم بالحقائق الكونية وأسرارها ونواميسها ولا يفكرون في أمرها إلى بقدر ما تدل عليه في نظرهم من قدرة الله تعالى وعظمته، وما كانوا يهتمون بالقصص القرآني ولا الخوض في شئ من أخباره إلا بقدر ما أتى به القرآن ولا يتعدون نطاقه ولا يلتفتون إلى ما يقوله
القصاص الذين زادوا فيه كلاما دخيلا عليه من الاسرائيليات وخلافها.
التفسير القائم على اللغة ومعاجمها اللغوية: إن معرفة اللغة العربية هي بلا شك الاساس في فهم القرآن لان الالفاظ القرآنية في ذاتها هي الوعاء له وهى أداة التعبير عن معاني القرآن وأهدافه ولا يمكن الاستغناء عن معرفتها، ومعلوم أن القبائل العربية وقت نزول القرآن لم تكن موحدة اللغة أو اللهجة بل كانت لكل قبيلة ألفاظها وتعابيرها الخاصة بها في إطار اللغة العربية العام، وقد امتازت قبيلة قريش بأنها وسط بين هذه اللغات واللهجات ولذا أنزل القرآن بها لانها أقومها لسانا، وأعذبها بيانا، ولذلك كانت لغة القرآن هي أصح وأدق الاصول اللغوية والبيانية وصارت هي المقياس والميزان لكل ما يراد الاستشهاد على صحة عربيته.
وقد اتجهت عناية المسلمين وغيرهم من المستشرقين إلى دراسة مفردات القرآن الكريم وشرحها ووضع المعاجم والفهارس لالفاظه الغريب منها وغير الغريب للدلالة على معانيها لان القرآن أتى بألفاظ جديدة لم تكن معروفة ولا مألوفة قبل
стр. 34
الاسلام ولها مدلولات خاصة مثل كلمات الشرك والنفاق والصور والحشر والاعراف والصراط والعرش والكرسي وغيرها مما لا عهد للعرب بها، وقد وضح النبي معانيها بجلاء للصحابة وغيرهم، وقد استعمل القرآن ألفاظا من لغات أخرى مثل كلمات الجبت وحصب وأرائك وهى ألفاظ حبشية، وكلمات السجل والسرادق وزنجبيل وهى ألفاظ معربة من الفارسية، وكلمات قسط والرقيم والدراهم وفردوس وهى كلمات رومية الاصل، وكلمات صلوات ولينا وفوم وهى من أصل عبرى، وأمثال هذه الكلمات الغربية أصلا والدخيلة على اللغة العربية لابد لها من معاجم تبين المقصود منها، هذا مع ملاحظة أن أمما كثيرة غير عربية دخلت
الاسلام وهى لا تعرف العربية كما أن عامة المسلمين الذين لم ينالوا قسطا كافيا من الثقافة بحاجة شديدة إلى فهم معاني الالفاظ القرآنية من المعاجم اللغوية التى هي خير وسيلة لشرحها.
مرحلة التفسير بالرأى: وهو التفسير القائم على اجتهاد التابعين للصحابة ومن جاء بعدهم من العلماء الاتقياء ذوى الفطن وهم الذين اتخذوا من سعة علومهم باللغة وإلمامهم بأصول الشريعة وفهمهم لروح الدعوة الاسلامية اتخذوا من ذلك وسيلة للتمحيص والتخريج واستنباط آراء وشروح مفصلة لقضايا وردت في القرآن بطريق الاشارة إليها أو الاجمال لها، وقد فتح ذلك باب التفكر والتدبر في آيات الله وعدم الاقتصار على ظواهرها وعلى آراء السلف فقط في تفسيرها بل حاولوا الاجتهاد والتعمق في فهمها واستخراج المعاني الدقيقة المنطوية عليها بحيث لا يخالف هذا الاجتهاد روح الشريعة وأهدافها.
وكان أول من استعمل رأية في التفسير الامام بن جرير الطبري وذلك بعد
стр. 35
استعراضه لمختلف التفاسير في زمنه وتمحيصها وترجيح بعضها على بعض وإيداء رأيه الخاص مستعينا في ذلك باللغة وأسرارها وبمعرفته لتقاليد العرب وآدابهم وثقافته الواسعة في فهم طبائع الاشياء، وقد سلك مسلكه الامام الزمخشري ومن جاء بعده ممن استعملوا عقولهم وخبراتهم وعلومهم في تفسيرهم القرآن، وكذلك فعل أئمة المذاهب الاربعة في تمحيص القرآن وفهمه واستنباط الاحكام منه.
وقد أجاز هذا التفسير بالرأى الامام الغزالي وغيره ما دام الرأى لا يخالف القرآن ولا يعارض السنة النبوية ويحقق ما أمر به الله في قوله تعالى في سورة
محمد آية ٢٤: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها؟) وفى هذا تحريض على التدبر والتفكر في القرآن بقلوب مفتوحة وعقول مستنيرة غير مغلقة.
وأنه على الرغم من الدعوة إلى تعقل آيات الله والتعمق في معانيها إلا أن هناك من المحاذير ما يمنع بل يحرم تحريما باتا استعمال الرأى إذا كان هذا الرأى نابعا عن هوى شخصي في نفس المفسر ما يتنافى مع الشرع ويأباه العرف، أو كان رأيا صادرا عن تحميل الآيات ما لا تتحمله لاقرار مذهب معين يتعصب له المفسر ويقحمه إقحاما لا مبرر له أصلا في نصوص الآيات لان ذلك يفتح أمام القلوب المريضة المجالات للتهجم على القرآن بما لم ينزل به الله سلطانا.
ولئن كان بعض العلماء أجاز التفسير بالرأى والتأويل استنادا إلى دعاء النبي ﷺ لابن عباس بأن يفقههه الله في الدين ويعلمه التأويل إلا أن ذلك التوسع في التأويل قد فتح باب الشطط في التخيل والتصور وأوقع الكثير من المؤولين في مزالق خطيرة في فهم الآيات وتحميلها معاني بعيدة عنها ومن ذلك
стр. 36
ما يفسر به الشيعة بعض الآيات على هواهم لاعتقادهم بأن للقرآن ظاهرا وباطنا وأن الباطن له عدة بواطن لا يعرفها حق المعرفة إلا الامام المعصوم الذى يعتقدون أنه يوحى إليه وأنه يسمع الكلام الموحى به ولكنه لا يرى من يكلمه.
ومن أمثلة تفاسيرهم وتأويلاتهم ما ورد مرويا عن الامام الباقر في شرح قوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون، ومن جاء بالسيئة فكبت وجوهم في النار) أنه فسر الحسنة بأنها هي معرفة الامام وحب آل البيت وأن السيئة هي إنكار الامام وبغض آل البيت، وكذلك ما روى عن جعفر الصادق في قوله: (فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) أنه فسرها
بأن أعمال الناس تعرض على الائمة من آل البيت.
وقد كان هناك فريق من علماء المسلمين يستمعون إلى ما يقوله أهل الكتاب من اليهود والنصارى نقلا عن كتبهم المقدسة فيصدقونها ويعتمدون عليها في تفسيرهم للقرآن، والحقيقة أن كتب أهل الكتاب وتفسيرها قد دخلها التحريف والتغيير على يد رجال الدين السابقين الذين حرفوها ودسوا فيها ما ليس منها طعما في حطام الدنيا أو إرضاء للحكام كما أنها عندما ترجمت من لغاتها الاصلية إلى اللغات الاخرى فقدت الكثير من حقائقها ومعانيها الاصلية، وذلك علاوة على ما خالط تفسير هذه الكتب من أساطير وخرافات وإسرائيليات كان خليقا بعلماء المسلمين الذين اعتمدوا عليها ألا يركنوا إليها ويحشروها في تفاسيرهم وفاتهم أن المقصود من هذه الاسرائيليات هو الافتراء على الدين الاسلامي بما هو براء منه ونتج عن ذلك تحقيق ما أراده أعداء الاسلام من البلبلة والتضليل، ومن أمثلة ذلك ما جاء في تفسر الثعالبي وغيره.
وكان الاحرى بالعلماء القدامى الذين عاشوا في العصور المضطربة إجتماعيا والمتأخرة عقليا أن يتنبهوا إلى ما جاء في كتاب الله من الحض على فهم القرآن
стр. 37
والتدبر في الآيات ومعانيها بفكر قويم وعقل سليم غير متأثر بترهات أو فلسفات دخيلة على الاسلام من معتقدات الامم التى دخلت في الاسلام وخلطوا عقائدهم ومبادئهم الخاطئة ومفاهيمهم المنكرة في ساحة الاسلام النقية الخالية من الخرافات.
لماذا تتفاوت تفاسير القرآن: إن تراث التفاسير الذى خلفه السلف يختلف بعضه عن بعض في اتجاهاتها ومشاربها إختلافا واضحا، ومنشأ ذلك هو إختلاف مصادر الثقافة التى تأثر بها أصحاب هذه التفاسير، فمن غلبت عليه النزعة الدينية توسع في شرح العقيدة
وأركان الاسلام، ومنهم من غلبت عليه الناحية اللغوية من بلاغة وبيان فأولى هذه الابحاث اهتمامه في تفسيره منهم من غلبت عليه النزعة الفقهية التشريعية فانصرف إلى استنباط الاحكام والقوانين الدينية في المعاملات والحقوق والواجبات ومنهم من تعلقت نفسه بالعبادة والتصوف والنظر إلى الحياة الدنيا يعين الزهد فيها والتأمل في تقلباتها والاعتبار بصرفها فاجتهد في تفسير الآيات على منهج الوعظ والتذكير بخشية الله والعمل على مرضاته والاخلاص في طاعته.
وبعض التفاسير القديمة مليئة بالكثير من الآراء التى لا تخلو من الخطأ والصواب والراجح منها والمرجوح والقوى والضعيف، كما أن بعض المفسرين قديمهم حديثهم لهم في تفسير الآيات آراء متعددة ومتشعبة، وقد تكون للآية الواحدة في نظرهم عدة وجوه مختلفة، وواجب المفسر في العصر الحديث أن يمحص ويقارن بين هذه الآراء ويكشف عن الآراء الضعيفة منها ليبين عوامل الضعف والخطأ فيها، وقد يقتضى الامر البحث عن رأى آخر أقرب للحق والصواب دون مجافاة أو معارضة لنصوص الدين ومنهجه ولا بأس من الاستعانة بكل ما هو صحيح تماما من القوانين العلمية.
стр. 38
وبدهى أن القرآن لم ينزل ليكون كتاب طبيعة أو كيمياء أو فلك أو طب أو تاريخ أو غير ذلك من مختلف العلوم بل هو كتاب هداية، لانه لو نزل مفصلا للنظريات العلمية الحديثة لما فهمه العرب الاميون وقتئذ، ولم يؤد القرآن رسالته التى نزل من أجلها وهى نزع الشرك والجهالة والضلال والشرور والمفاسد المتأصلة في النفوس، وقد كانت أكثر الآيات الملكية التى نزلت خلال ثلاث عشرة سنة تدعو بصفة عامة إلى التوحيد ومحاربة الشرك بأساليب الوعد والوعيد والترغيب والترهيب والتفقه في أصول الدين، ثم نزلت الآيات المدنية بعد ذلك
لكى تمكن الايمان في القلوب وتدعو إلى أهداف أخرى تقوم على التشريع وتنظيم المجتمع وبث روح الاخوة والتعاون والحض على الجهاد في سبيل الله وغير ذلك من سياسة الجماعات والدول الرشيدة.
وكان النبي ﷺ إذا وجه إليه أحد سؤالا عن أمور كونية أو مسائل طبيعية أو غير ذلك مما يستلزم الاجابة عليه الدخول في تفاصيل علمية فوق مستوى ثقافة عصره فإن الله سبحانه يوحى إلى رسوله بإجابات سديدة مبسطة تقبلها العقول قبولا حسنا، فمن ذلك مثلا قوله تعالى في سورة البقرة آية ١٨٩: يسألونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج) وهكذا يأتي الجواب سهل الفهم كافيا للاقناع بأن اختلاف أوجه القمر هي لحكمة معرفة الاوقات وبخاصة مواقيت الشهور ومواعيد الحج التى تهم السائلين.
وقد جاءت في بعض التفاسير القديمة آراء غير صحيحة وتأويلات خاطئة لا تقبلها العقول السليمة فكان لابد من معارضتها ودحضها بإعادة النظر في تفسيرها على وجهها الصحيح لان السكوت على ذلك وترك القديم على قدمه وخطأه هو نوع من الجمود والتخلف وحجر على العقول والقلوب المتفتحة لرؤية حقائق القرآن بنور العلم والايمان.
стр. 39
الاعجاز العلمي في آيات القرآن: يجب على المسلم ألا يختلط عليه الامر بين رسالتي الدين والعلم وألا ينظر إليهما على أنهما أمران مختلفان تجب المقارنة والمفاضلة بينهما بل هما في حقيقة أمرهما رسالتان متكاملتان، وكلاهما يساعدان على تثبيت الايمان في القلوب، لان العلم نور يهدى إلى الحق ما دام علما نافعا، والدين في جوهره هداية ربانية للعقول والقلوب ونفحات سماوية للارواح والنفوس.
ويجب على المسلم ألا تخدعه مظاهر التقدم العلمي المادى الذى برع فيه أهل أوروبا وأمريكا وبخاصة في علوم الذرة والتكنولوجية وغزو الفضاء فهذه كلها ليست كل شئ لاسعاد البشرية وشقاء عللها، وإنما العلوم الدينية المستمدة من القرآن والسنة وأنباع هديها إلى جانب العلوم الدنيوية هي البلسم الواقى من العلل والشافي من أمراض النفوس.
والقرآن الكريم هو كلام الله ، وكلامه ﷻ صفة من صفاته التى تجلى بها على نبيه محمد ﷺ فكانت تلك الآيات التى بهرت العقول بروعتها وأدخلت الايمان في القلوب بقدسيتها وروحانيتها، وبصدق حقائقها المطلق الذى لا يأنيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وإن صدق اليقين الذى نزل به القرآن جعل لكلماته تأثيرا قويا لا تنال منه الايام، وبهذا يظل هدى القرآن على الدهر شبابا ناضرا دائما، وإعجازا متجددا لا ينقطع مدده وإلهامه للمؤمنين العاملين به.
ويكفى للدلالة على حيوية القرآن وقوة تأثيره أن من يسمعه بوعى أو يقرأه بتدبر لمبانيه ومعانيه أو يدرسه للوقوف على أسراره يؤمن إيمانا عميقا أنه وحى السماء،
стр. 40
وليس من كلام بشر، فها هو عمر بن الخطاب رضى الله عنه بعد ما قرأ بعض آيات من القرآن في بيت أخته التى ذهب للانتقام منها لاسلامها نراه يتحول من مشرك عنيد وعدو لدود للاسلام والمسلمين يتحول إلى مؤمن قوى، ويسارع إلى مقابلة النبي حيث كان مجتمعا مع أتباعه المسلمين يعلمهم ويزكيهم في دار الارقم بن الارقم ويعلن له إسلامه وانضمامه إلى جماعة المسلمين بمكة، أسلم وهو يعلم ما سوف يلقاه من عشيرته وقومه من معارضة وإيذاء.
مفهوم العلم والعلماء قديما وحديثا:
لقد صارت كلمة العلم مع تطور الزمن ذات مدلولين، فقديما كان مدلولها العلم القائم على العلوم الدينية وما يتفرع عنها من علوم التوحيد وعلم الفقه وعلم التفسير وعلم اللغة والبلاغة وعلم الحديث إلى غير ذلك من العلوم المتصلة بالدعوة الاسلامية وتاريخها وقرآنها وأحاديثها النبوية، وكان الدارسون لهذه العلوم هم العلماء والفقهاء وأهل العلم وقتئذ، وكانوا هم قادة الفكر والرأى والعلم قبل عصرنا هذا، ويقول الامام الغزالي في هذا الموضوع: إن العلم المقصود هو العلم بالله وصفاته وملائكته ورسله وملكوت السماوات والارض وعجائب النفوس الانسانية والحيوانية من حيث أنها مرتبة بقدرة الله لا من حيث ذواتها لان المقصود الاقصى هو العلم بالله، وأما العمل فمقصود به أساسا مجاهدة الهوى حتى تزول الحوائل التى ربما أعاقت الانسان عن العلم بالله تعالى.
أما مدلول العلم حديثا فإنه يختلف عن المعنى القديم المشار إليه سابقا، إذ ظهر من وقت قريب جماعة تقول عن عصرنا الحاضر إنه عصر العلم والعمل ويقصدون بذلك أن العلم بمفهوم عصرنا هو العلم الطبيعي القائم على دراسة ما في الكون من مواد وعناصر وكائنات لها خصائصها الذاتية ونواميسها التى تحكمها من كيمياء
следующие страницы →