← Джавами‘

Джавами‘ · id 1190

مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 828 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

العدد ١٩ فهرس المحتويات ١- تنويه القرآن بعلم داود وسليمان ﵉ ٢- حديث القرآن عن الحج ٣- الآثار المروية في صفة المعية ٤- الأحاديث والآثار الواردة في التسليم في الصلاة ٥- المُسْتَخْرَجات نشأتها وتطورها ٦- أحكام السواك ٧- دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية وصداها في المغرب ٨- السلطة السياسية في النظام الإسلامي مفهومها، وأهميتها، وحكم إيجادها، وخصائصها ٩- حقوق الإنسان في فلسفة الثورة الفرنسية ١٠- مصادر الحافظ ابن الفرضي في كتابه " تاريخ العلماء والرواة " ١١- مختارات من روايات الشعبي التاريخية عن عصر الراشدين من كتابي تاريخ الرسل والملوك ووقعة صفين ١٢- ميزاب الكعبة المشرفة المؤرخ عام ١٢٧٣هـ ١٣- التضامن العربي الأفريقي تجاه القضية الفلسطينية ١٤- إيصال مياه العيون إلى مدينة جدة منذ القرن العاشر حتى نهاية القرن الثالث عشر للهجرة ١٥- صيغة فُعْلَى في العربية ١٦- التداخل في اللغات دراسة لغوية قرآنية ١٧- من النباتات الطبيعية في سراة غامد دراسة لغوية وصفية ١٨- مقتضى الحال مفهومه وزواياه في ضوء أسلوب القرآن الكريم ١٩- ملامح تأثير الثقافة الإسلامية فى بلاد الملايو ٢٠- تهمة الرواة بعض الشعراء الأعراب الذين عاصروا نشأة الإسلام بجفاء الدين ورقته ٢١- المسافة بين الشعر والفكر - أحمد جمال نموذجاً ٢٢- شرح العلاّمة الأمير على نظم العلاّمة السُّجاعيّ في " لاسيَّمَا " ٢٣- لباب الإعراب المانع من اللحن في السنة والكتاب ٢٤- دفاعٌ عن المبني للمجهول في اللغة العربية

стр. 2

تنويه القرآن بعلم داود وسليمان ﵉ د. إبراهيم بن سعيد بن حمد الدوسري قسم القرآن وعلومه، كلية أصول الدين جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ملخص البحث الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد: فهذا بحث في التفسير الموضوعي يتناول دراسة النبيّين الكريمين داود وسليمان ﵉ لإبراز هدايات القرآن الكريم ودلالته من خلال علمهما الذي نوّه الله به في مواضع متعددة من القرآن الكريم، وقد عني هذا البحث بربط قصصهما بموضوعات السور التي ورد فيها ذكرهما ﵉ مع التركيز على محور العلم، ومن ثم ألقي الضوء على علومهما من خلال القرآن الكريم وصلة ذلك بشخصيتهما في دراسة تأصيلية تحليلية تعتمد على تدبر كلام الله تعالى والاطلاع على كتب التفاسير القديمة والحديثة والدراسات العلمية، دون التفات إلى الإسرائيليات وما شابهها، ثم انتهت هذه الدراسة - بحمد الله وتوفيقه - إلى نتائج قيمة تتصل بعلم الله تعالى، وتبرز أهمية العلم ومكانة هذين النبيين الكريمين وشرفهما، كما تضمنت الرد على اليهود وكل من طعن في نبوة داود وسليمان ﵉ أو تنقّص من قدرهما أو أطراهما، كما أكد البحث أن العلم من أبلغ المعجزات التي أُويدا بها، وغير ذلك من النتائج التي تضمنها هذا البحث، فهو يعتبر دراسة جديدة في موضوعه، إذ لم أقف على مؤلف خاص يعني بجانب علمهما مع ما حظيا به ﵉ من إشادة في ذلك، حتى أصبح العلم هو الصبغة الغالبة في قصصهما. والله أعلم. (( (( (( الحمد لله عالم الغيب والشهادة، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، أما بعد:

стр. 3

فيقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ (١) ويقول تعالى ذكرُه عنهما ﵉: ﴿وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (٢) فنوّه الله بعلمهم في كتابه الكريم في تضاعيف قصصهم، وصرّف في مثانيه أنواع علومهم، ولقد انتدبنا الله في سياق قصصهما إلى التدبر والادّكار، فقال جلّ شأنه: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ (٣) ، وعن مجاهد قال: قلت لابن عباس أنسجد في ص؟ ، فقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ (٤) حتى أتى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ (٥) ، فقال: ((نبيكم (ممن أمر أن يُقتدى بهم)) (٦) . ولا جرم أن ما اشتمل عليه قصصهما في مجال العلم يعتبر سمة بارزة، فهو حقيق بالدراسة لتأصيل بعض الموضوعات الأساسية وإبراز هدايات القرآن الكريم في هذا الجانب المهم، وذلك ضرب من التفسير الموضوعي. مواطن ورود قصصهما: يسوق الله تعالى ذكره القصص في السور حسب موضوعها ومقاصدها، ويعتبر العلم من المحاور التي تدور عليها بعض السور، ومن الأغراض والقضايا التي تحفّل بها القرآن الكريم. وقد ورد ذكر داود وسليمان ﵉ في تسع سور في المواضع التالية: أرقام الآيات التي في سليمان ﵇ أرقام الآيات التي في داود ﵇ نوعها اسم السورة م ١٠٢ ٢٥١ مدنية البقرة ١ ١٦٣ ١٦٣ مدنية النساء ٢ - ٧٨ مدنية المائدة ٣ ٨٤ ٨٤ مكية الأنعام ٤ - ٥٥ مكية الإسراء ٥ ٧٨-٨٢ ٧٨-٧٩ مكية الأنبياء ٦ ١٥-٤٤ ١٥-١٦ مكية النمل ٧ ١٢-١٤ ١٠-١١ مكية سبأ ٨ ٣٠-٤٠ ١٧-٣٠ مكية ص ٩

стр. 4

وقد وقع ترتيب تلكم السور حسب النزول كالتالي: سورة ص، ثم النمل، ثم الإسراء، ثم الأنعام، ثم سبأ، ثم الأنبياء، ثم البقرة، ثم النساء، ثم المائدة (١) . وهذه السور على أربعة أقسام: سورةٌ العلمُ أحد مقاصدها الأساسي، وأشير فيها إلى علم داود وسليمان ﵉ وهي سورة البقرة. السور التي يعتبر العلم من أهم مقاصدها الأساسية، وفصّل فيها قصصهما أو أحدهما وهي سور الأنبياء والنمل وسبأ. سورةٌ العلمُ ليس من مقاصدها الأساسية، وفصّل فيها قصصهما، وهي سورة ص. السور التي ذُكرا فيها أو أحدهما على وجه الإيجاز ضمن النبيين أو لأغراض أخرى اقتضاها السياق، وهي سور النساء والمائدة والأنعام والإسراء. وسألقي الضوء على الأقسام الثلاثة الأول، أما القسم الرابع فلا يستدعي ذلك؛ لأنه ليس على شرط هذا البحث. القسم الأول/ سورة البقرة:

стр. 5

نصّ شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ) على أنها اشتملت على ((تقرير أصول العلم وقواعد الدين)) (١) ، وبهذا تظهر المناسبة جلية بين السورة والآيتين التي ورد فيهما ذكر داود وسليمان وهما قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ (٢) ، وقوله تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ (٣) ففي الآية الأولى تبرئة من الله تعالى لسليمان من السحر، فإن اليهود كانوا يقولون - افتراءً - ((هذا علم سليمان، وما تم لسليمان ملكه إلا بهذا العلم)) (٤) ، فمعنى الآية: واتبع اليهود ما كانت تتلوه الشياطين من كتب السحر والشعوذة على عهد ملك سليمان، وقوله جلّ وعلا: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ (٥) لأن اليهود نسبته إلى السحر، ((ولكن لما كان السحر كفراً صار بمنزلة من نسبه إلى الكفر)) (٦) . وفي الآية الأخرى يمتن الله على داود بما آتاه وعلّمه، وقد استنبط الفخر الرازي (ت٦٠٤ هـ) من هذه الآية أصلاً من أصول التعلم فقال: ((فإن: قيل إنه تعالى لما ذكر إنه آتاه الحكمة وكان المراد بالحكمة النبوة، فقد دخل العلم في ذلك، فلِم ذكره بعد ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ ؟. قلنا: المقصود منه التنبيه على أن العبد قط لا ينتهي إلى حالة يستغني عن

стр. 6

التعلّم، سواء كان نبياً أو لم يكن، ولهذا السبب قال لمحمد (: ﴿وَقُل رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (١)) ) (٢) ، ولا يخفى أن قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَهُ﴾ يشير إلى أن المصدر الحقيقي للعلم هو من عند الله تعالى. ولما كانت سورة البقرة سورة مدنية فقد تناولت ذكرهما ﵉ في قضايا تشريعية: السحر والقتال، وأيضاً وقع مثل ذلك في سورة المائدة، حيث ذكر داود في سياق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ يقول الله جلّ شأنه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ (٣) . القسم الثاني/ سورة الأنبياء: وهي سورة مكيّة ركزت على الحساب والرسالة وما يتصل بذلك من قضايا العقيدة (٤) ، وقد ورد ذكر العلم صريحاً في أولها ووسطها وآخرها دلالة على علم الله المحيط وقدرته جل وعلا على البعث والجزاء كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٥) ، وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ (٦) ، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾ (٧) ، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ *إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾ (٨) .

стр. 7

وقد ذكر الله فيها جملة من قصص الأنبياء ﵈، فدلّت كل قصة على معنى أو أكثر مما اشتملت عليه السورة (١) ، ((وقد روعي في تخصيصهم بالذكر ما اشتهر به كل فرد منهم من المزية التي أنعم الله بها عليه)) (٢) . قال الله تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ * وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ * وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ * وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ (٣) فافتتح قصصهما بالشهادة والعلم، واختتم بالعلم والحفظ، فلذلك جاء قصصها للدلالة على كمال علم الله، ثم في هذا القصص تنبيه على أن العلم من أفضل النعم وأشرفها حيث زينهما الله بالعلم والفهم (٤) . سورة النمل:

стр. 8

وتسمى سورة سليمان (١) ، لما فيها من تفصيل لقصة سليمان في تسع وعشرين آية من ثلاث وتسعين آية عدد آي السورة، والمتدبر لآي هذه السورة تظهر له بوضوح قضية العلم واتخاذها مسلكاً لإبراز سعة علم الله في الأرض وفي السماء وفي العلن وفي الخفاء وفي الغيب والمستقبل، وما دلت عليه الآيات الكونية وعالم الحيوان من براهين ناطقة بلسان الحال والمقال على علم الله جل وعلا، ولذلك نص برهان الدين البقاعي (ت ٨٨٥هـ) على أن ((المقصود الأعظم منها إظهار العلم والحكمة)) (٢) ، وقد تنبه لذلك سيد قطب (ت ١٣٨٧هـ) فقال: ((والتركيز في هذه السورة على العلم، علم الله المطلق بالظاهر والباطن، وعلمه بالغيب خاصة، وآياته الكونية التي يكشفها للناس، والعلم الذي وهبه لداود وسليمان، وتعليم سليمان منطق الطير وتنويهه بهذا التعليم، ومن ثم يجيء في مقدمة السورة: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ (٣) ، ويجيء في التعقيب: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ * بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ (٤) ، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ* وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٥) ، ويجيء في الختام: ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾ (٦) ، ويجيء في قصة سليمان ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالاَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٧) ، وفي قول سليمان: ﴿يَا أَيُّهَا

стр. 9

النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرَِ﴾ (١) ، وفي قول الهدهد: ﴿أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ (٢) ، وعندما يريد سليمان استحضار عرش الملكة، لا يقدر على إحضاره في غمضة عين عفريت من الجن، إنما يقدر على هذه: ﴿الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ (٣) . وهكذا تبرز صفة العلم في جور السورة تظللها بشتى الظلال في سياقها كلها من المطلع إلى الختام، ويمضي سياق السورة كله في هذه الظل، حسب تتابعه الذي أسلفنا)) (٤) . ومن ثَمَّ جاءت قصة سليمان بن داود ﵉ في هذا السياق، وجميع موضوعاتها تدور في محور العلم ومجالاته المتعددة كما سيتضح خلال هذا البحث. سورة سبأ: قال تعالى في هذه السورة عن داود وسليمان ﵉: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٥) .

стр. 10

تبدو ملامح العلم في هذه الآيات واضحة، حيث أشاد الله بفضله عليهما بما أفاء عليهما من صنوف النعم، نعمة النبوة والحكمة والعلم وغيرها (١) ، ومنها إِلاَنَة الحديد لداود وتعليمه صناعة الدروع، ذلك في المجال العسكري، أما في المجال المدني فقد سخر الله لسليمان النحاس ليصنع منه القدور الراسيات وغيرها (٢) ، ثم ختم قصصهما برد علم الغيب إلى الله تعالى وحده. وقد جاء ذلك منسجماً مع غرض مهم من أغراض هذه السورة، وهو تقرير إحاطة علم الله (٣) ، وهو من أهم مقاصدها، إذ جاء في مطلعها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ * يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٤) كما ورد في آخرها: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ (٥) . والمتدبر لكلام الله تعالى في قصة داود وسليمان في هذه الآيات يلحظ أنها ركزت على الجانب العملي الذي هو الترجمة الحقيقية للعلم، وسيأتي لذلك مزيد بسط عند الكلام على علومهما إن شاء الله تعالى. القسم الثالث / سورة ص:

стр. 11

ويقال لها سورة داود (١) ، حيث استهل به قصص السورة في أنبياء بني إسرائيل، وبُسطت قصته أكثر من غيرها، وقد أشاد الله فيها بداود بما آتاه من الحكمة وفصل الخطاب، إذ يقول الله فيها: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ (٢) وسيقت فيها قصة داود وسليمان لتسلية الرسول (عن تكذيب قومه وأمره بالصبر في قوله تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ﴾ ، واستطراد الثناء عليهما بجميل الصفات (٣) . وبعد هذه الجولة يمكننا أن نرصد أبعاد شخصية هذين النبيين الكريمين وعلمهما ﵉ من خلال آيات القرآن الكريم. داود وسليمان ﵉ وعلمهما: هما من ذرية إبراهيم ﵇، وقد أشار القرآن إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ (٤) والضمير في ﴿ذُرِّيَّتِهِ﴾ جائز أن يعود إلى إبراهيم أو إلى نوح ﵉ (٥) .

стр. 12

وكان داود أحد جنود طالوت، وهو الذي قتل خصمهم جالوت كما قال تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ (١) فاشتملت هذه الآية على ثلاث منح لداود: الملك أي: السلطان، والحكمة أي: النبوة، والعلم في قوله جل شأنه: ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ أي علمه صنع الدروع وغيرها (٢) ، فكان أول نبي جمعت له النبوة والملك في بني إسرائيل (٣) ، مع غزارة علم أشار الله إليها في قوله جلّ شأنه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ (٤) . هذا هو نبي الله داود كما في القرآن الكريم، وكما يعتقده المسلمون خلافاً لليهود إذا لا يعدّونه نبياً، وخلافاً لمن بالغ في تعظيمه حتى فضّله على أولي العزم كالداودة الذين يزعمون أنه أفضل الأنبياء والرسل (٥) . ثم ورث سليمان أباه داود ﵉ في العلم والملك (٦) كما قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ﴾ (٧) ، وقال جلّ شأنه: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ (٨) ، وكان سليمان أعظم ملكاً من أبيه وأقضى منه ﵉ (٩) ، قال تعالى في سليمان ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ (١٠) ، وأما القضاء فسيأتي الحديث عنه قريباً.

стр. 13

فذلكما النبيان - الكريمان -وإن كانا دون درجة أولي العزم الخمسة لكنهما من جملة الأنبياء الذين امتدحهم الله في القرآن الكريم مدحاً عظيماً (١) ، ولا التفات لما رُميا به مما لا يليق بأفناء الناس فكيف بأنبياء الله؟! . لقد امتزجت تلكم الهبات الربانية - النبوة والعلم والملك - فأفرزت بفضل الله شخصيتين مكتملتي المواهب سجلت في القرآن الكريم فحقت أخذ العبرة منها. وفيما يلي ألقي الضوء على علمهما ﵉ وصلته بشخصيتهما الكريمتين: القضاء: قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ (٢) ، الضمير فى ﴿وَآتَيْنَاهُ﴾ راجع إلى داود ﵇، وهو يدل على أن الذي أوتيه من الحكمة وفصل الخطاب من طريق الوحي، وسيأتي الحديث عن الحكمة في آخر البحث، وأما قوله تعالى: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ فالفصل: ((تمييز الشيء من الشيء وإبانته عنه)) (٣) ، ((والخَطب والمخاطبة والتخاطب المراجعة في الكلام)) (٤) ، ومعنى الآية: إصابة القضاء، وهو قول ابن عباس (ت٦٨ هـ) رضى الله عنهما ومجاهد (ت ١٠٤هـ) وغيرهما، ويدخل في ذلك من قال: إن معناه: تكليف المدّعى البينة، واليمين على من أنكر، وإنما كان فصل الخطاب قضاء لأن به يفصل بين الخصومة، والخصام نوع من الخطاب (٥) ، وقال آخرون: معنى الآية فصاحة الكلام، وسيأتي هذا المعنى مفصلاً في المبحث التالي.

стр. 14

واختار ابن العربي القول بأنه علم القضاء، ثم قال: ((فأما علم القضاء - فلعمر إلهك - إنه لنوع من العلم مجرّد، وفصل منه مؤكد غير معرفة الأحكام ... )) (١) ويؤيد القول بأنه علم القضاء سياق الآيات بعدها، حيث أردفها جل شأنه بحادثة من أقضيته، وهي قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنهُمْ قَالُوا لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ * قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ * يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الحِسَابِ﴾ (٢) ، لا خلاف بين أهل التأويل أن هؤلاء الخصم إنما كانوا ملائكة (٣) .

стр. 15

وقوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ يقول: ((دخلوا عليه من غير باب المحراب، والمحراب مقدّم كل مجلس وبيت وأشرفه)) (١) وقوله: ﴿وَلاَ تُشْطِطْ﴾ يقول: ((لا تجر ولا تسرف في حكمك)) (٢) ، وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾ يعني الأخوة في الدين (٣) ، والنعجة هي المرأة (٤) ، ﴿أَكْفِلْنِيهَا﴾ أي ضمها إليّ (٥) ، ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ : ((غلبني في الخصومة أي كان أقوى على الاحتجاج مني)) (٦) ، قوله تعالى ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ : ((يقول: وعلم داود أنما ابتليناه)) (٧) ، وأكثر العلماء على أن الركوع في قوله تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ هو السجود (٨) ، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى﴾ ((يقول: وإن له عندنا للقربة منا يوم القيامة)) (٩) . وقد حكيت في هذه القصة أقاويل وصور مأخوذة من الإسرائيليات لا تليق بنبي الله داود الذي رفع الله مكانته وأذاع فضله ﵇، ومن خلال تدبر كلام الله لهذا النبأ، وتأمل ما صح من الروايات في تفسير هذه القصة ظهر لي أن الله أرسل ملكين لداود ﵇ فاختصموا إليه في نازلة قد وقع هو في نحوها، فحكم بحكم هو واقع عليه في نازلته، ولما شعر وفهم المراد خرّ ساجداً فغفر الله له، وذلك أنه ﵇ سأل رجلاً أن يطلق له امرأته ليتزوجها كما كان ذلك جائزاً في صدر الإسلام، فنبهه الله تعالى على ذلك وعاتبه بهذا المثل يشعره أنه كان الأليق بمقامه ألاّ يتشاغل بهذا الأمر وإن كان مباحاً في دينهم.

стр. 16

هذا خلاصة ما وقفت عليه مما صح ومما اعتمده كبار الأئمة، فأما غير هذا فلا ينبغي الاجتراء عليه (١) والله أعلم. وفيما أخبر الله به عن نبيه داود ﵇ من إيتائه إصابة القضاء تنويه صريح بما أنعم الله عليه من هذا العلم، ومن ثَمَّ صدّقه بما ساقه جل وعز من نبأ الخصم، فلقد أبان عما كان يتمتع به ﵇ من حلم على الخصوم بعد ما تسوّروا المحراب، وقالوا له لا تُجر في الحكم، كما أفصح ذلكم النبأ عن مظهر من مظاهر العدل في قضاء داود ﵇، فقد حكم بينهما بالعدل، ثم حذرهما من الظلم منتهزاً فرص الهداية لئلا يفوت وعظ النفوس وتوجيهها وهي متهيئة للاستجابة فحثهما على أن يكونا من الصالحين، مع ما تضمنه ذلك من تسلية للمظلوم (٢) . أما ما قاله بعض الناس إن داود ﵇ حكم في القضية قبل أن يستمع حجة الخصم الآخر، وأن هذه كانت خطيئته فإنه قول ضعيف لا يعوّل عليه، وذلك مما لا يجوز عند أحد ولا في ملة من الملل، فكيف بمن امتدحه الله بإصابة القضاء؟! (٣) .

стр. 17

وتبرز هذه الصفة - وهي سمة العدل والإنصاف - عند سليمان بن داود ﵉ في قضية الهدهد حينما توعده في قوله: ﴿لأَعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ (١) فلم يقض في شأنه قضاءً نهائياً قبل أن يستمع منه ويستبين عذره، وحينما أخبره بنبأ سبأ لم يتسرّع أيضاً بل: ﴿قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (٢) .

стр. 18

ومن أبرز الأقضية التي أبانت عن مظهر مشرق من مظاهر حكم كل من داود وسليمان ﵉ ما قصه جل شأنه في قوله تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (١) فتضمنت هاتان الآيتان التنويه بعلم داود وسليمان ﵉ والإشادة بقضائهما واجتهادهما من خلال حكمهما في الحرث وهو الزرع، وقيل الكَرْم، حين دخلت فيه غنم القوم الآخرين من غير أهل الحرث ليلاً - وذلك معنى النفش: وهو الرعي ليلاً - فرعته وأفسدته، فرأى داود ﵇ أن يدفع الغنم إلى أصحاب الحرث لسبب اقتضى عنده ترجيح ذلك، ولعلّه أن ثمن ذلك الغنم يساوي ثمن ما أتلف من ذلك الحرث، فكان ذلك عدلاً في تعويض ما أتلف، وأما حكم سليمان فرأى أن تدفع الغنم لأصحاب الحرث عاماً كاملاً كيما ينتفعوا من ألبانها وأصوافها ونسلها، ويدفع الحرث إلى أصحاب الغنم ليقوموا بعمارته، فإذا كَمُل الحرث وعاد إلى حالته الأولى رُدّ إلى كل فريق ماله، فرجع داود إلى حكم سليمان لأنه أرفق، وإن كان قضاء داود متوجهاً، إذ الأصل في الغُرْم أن يكون تعويضاً ناجزاً، وفي قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ دليل على أن الأصوب كان مع سليمان، إذ أحرز أن يبقي ملك كل فريق على متاعه، كما تضمن مع العدل والتعويض البناء والتعمير، وفي قوله تعالى: ﴿وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ دليل أن اجتهاد كل منهم كان على الصواب، فهو احتراس من أن يفهم أن حكم داود ﵇ كان جوراً (٢)

стр. 19

وفي هذه القصة إشارة إلى لون من ألوان اجتهادهما على أساس من العدل ودقة بالغة في فقه القضاء، كما دلت على تعدد طريق القضاء بالحق والتفاضل بين مراتب الاجتهاد (١) . ((قال جمهور الأمة: أن حكمهما كان باجتهاد)) (٢) ، ولذلك جوّز المحققون ذلك على الأنبياء (٣) ، والفرق بينهم وبين غيرهم من المجتهدين أنهم معصومون عن الغلط مؤيدون من الله ،والوحي من ورائهم تأييدا وتصويبا (٤) ، فلهذا عُدّ من علوم داود وسليمان العلم بطريق الاجتهاد، وهو نوع من العلوم المكتسبة غير العلم اللدني (٥) . وفي هذه القصة دلالة على أن الفطنة والفهم موهبة من الله لا تتوقف على كبر سن ولا صغره (٦) وقريب من هذه الحكومة ما جاء في الصحيحين أن رسول الله (قال: ((كانت امرأتان معهما ابنهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت لصاحبتها إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى إنما ذهب بابنك، فتحاكما إلى داود ﵇، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود ﵉ فأخبرتاه، فقال ائتوني بالسكين أشقه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله، هو ابنها، فقضى به للصغرى)) (٧) . الفصاحة:

стр. 20

قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ (١) ، سبقت الإشارة إلى هذه الآية في المبحث السابق، والمعنى الآخر في ﴿َفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ أن الله آتى داود ﵇ بلاغة القول، فكان كلامه فصلاً يعبر عن المعنى بأوضح عبارة، لا يأخذه في ذلك حصر ولا ضعف، ولا يحتاج سامعه إلى زيادة تبيان، وهذا القول هو الذي يعطيه لفظ الآية، ويدخل فيه من قال إنه علم القضاء، فكلامه ﵇ في القضايا والخصومات والمحاورة والمخاطبة والمشورات كله من فصل الخطاب، واختار هذا القول جماعة من المحققين (٢) . وتلكم البلاغة التي أوتيها ﵇ كانت على اللغة العبرية، ويدخل فيها الزبور ((المسمى عند اليهود بالمزامير فهو مَثَلٌ في بلاغة القول في لغتهم)) (٣) . وروى ابن جرير بإسناد صحيح عن الشَّعبي أن فصل الخطاب قوله: ((أما بعد)) (٤) ، وينبغي أن يحمل ذلك على أنه قالها بلسانه بمعناها في اللغة العبرية (٥) ، وذلك داخل في القول المذكور آنفاً، فمن فصل الخطاب قوله: ((أما بعد)) (٦) .

стр. 21

وورث سليمان داود ﵉ في فصاحته، ومن أبلغ كلامه تلكم الوثيقة التي أرسلها إلى ملكة سبأ، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (١) قال ابن كثير (ت٧٧٤ هـ) : ((وهذا الكتاب في غاية البلاغة والوجازة والفصاحة، فإنه حصّل المعنى بأيسر عبارة وأحسنها)) (٢) ، وبنحو ذلك وصفه غير واحد من المفسرين (٣) ، ولهذا وصفته الملكة بأنه كتاب كريم لحسن مضمونه وبلاغته وإصابته المعنى (٤) إذ يقول الله تعالى عنها: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ (٥) واستظهر غير واحد من المفسرين أن الكتاب هو ما نص الله عليه باللغة العربية وبهذا الترتيب (٦) ، وحينئذ يكون اسمه ﵇ عنواناً للكتاب بأعلاه أو جانبه أو بظاهره على حسب طريقة الرسائل الملكية في ذلك العهد (٧) . وقيل إنه كُتب على لغة سليمان، فيكون هذا النص الكريم ترجمة إلى اللغة العربية الفصحى بتضمين دقيق لما اشتملت عليه اللغة التي أنشئ بها من بلاغة (٨) . والله أعلم. صنائع الحديد والنحاس وغيرهما:

стр. 22

قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ (١) ، وقال جلّ شأنه: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ (٢) . الضمير في ﴿وَعَلَّمْنَاهُ﴾ ، ﴿وَأَلَنَّا لَهُ﴾ راجع إلى داود ﵇، والمراد باللبوس في الآية: الدروع (٣) ، وسميت لبوساً لأنها تلبس كالثوب (٤) ، والدرع ((يلبس عادة على ثوب من النسيج المبطن يشبه الوسادة تحت حلقات المعدن أو صفحات رقيقة)) (٥) ، والبأس: القتال (٦) . وتضمنت الآيتان الأخريان مادة الدروع وهي الحديد، ووصفها بأنها سابغات: ((وهي التوامّ الكوامل من الدروع)) (٧) ، قال قتادة (ت ١١٨هـ) : ((كانت الدروع قبل داود صفائح، وهو أول من سردها وحلّقها)) (٨) ، ((والسرد خرز ما يخشن ويغلظ كنسيج الدروع)) (٩) والتقدير: الإحكام (١٠) ، والمعنى: أحْكَم نسجها فيما يجمع بين الخفة والحصانة، لأنها لمّا كانت صفائح كانت ثقالاً تعيق المقاتل عن سرعة الحركة، وأمر بالتقدير لئلا يؤدي سردها إلى أن تكون ضعيفة لا تقوى على الدفاع (١١) .

стр. 23

وهذا الفضل الذي أنعم الله به على داود سماه الله علماً وزاده شرفاً بأن تولى الله جلّ وعلا تعليمه، وفي ذلك ((دليل على تعلم أهل الفصل الصنائع، وأن التحرف بها لا ينقص من مناصبهم؛ بل ذلك زيادة في فضلهم وفضائلهم، إذ يحصل لهم التواضع في أنفسهم والاستغناء عن غيرهم، وكسب الحلال الخلي عن الامتنان)) (١) ، كما تدل الآيات على أن العلم وفضله وما يتصل به لا يقتصر على الجانب الشرعي فحسب، المهم أن يكون لله جلّ وعلا، وأن يورث صاحبه الإنابة لله تعالى ويتضح ذلك في سورة سبأ من مناسبة قصة داود ﵇ للآية التي قُبيلها وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ (٢) ، وكذلك في ختم قصة داود في سورة سبأ بقوله جلّ شأنه: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٣) ، وكذلك في ختم آية الأنبياء: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ (٤) ، وذلك بتوظيف هذه النعمة فيما يرضي الله ويقتضي شكره، والجهاد في سبيله، ولقد انتفعت البشرية من هذه الدروع وسارت في تطويرها جنباً إلى جنب مع تطور الأسلحة حتى العصر الحديث (٥) لكنه لم يكن متصلاً بالله، فلذلك انحرف من مساره الصحيح حتى أدى به إلى أن يكون البشر أنفسهم دروعاً للمنشآت العسكرية وغيرها!! فأين ذلك من الحكمة الإلهية: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ (٦) ؟ .

стр. 24

ولئن نوّه الله بعلم داود في هذا المجال فإنه قد أشاد بعمله، فقال جلّ وعلا: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ (١) ، ووصفه في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ﴾ (٢) قال ابن كثير (ت٧٧٤ هـ) : ((الأيد القوة في العلم والعمل)) (٣) ، وقد دلت الآيات والأحاديث على أنه كان موصوفاً بخلال لم يشغله مُلك ولا علم ولا صنعة عن التحلي بها، ومنها ما يلي: أنه كان موصوفاً بفرط شجاعته (٤) ، فهو الذي قتل الطاغية جالوت كما سبق، وكان ((لا يفر إذا لاقى)) (٥) . ورعه وعفّته، فكان: ((لا يأكل إلا من عمل يده)) (٦) ، قال ابن حجر (ت٨٥٢ هـ) : ((والذي يظهر أن الذي كان يعمله داود بيده هو نسج الدروع، وأَلاَن الله له الحديد فكان ينسج الدروع ويبيعها ولا يأكل إلا من ثمن ذلك مع كونه كان من كبار الملوك)) (٧) . نسكه وعبادته، فقد روى مسلم (ت٢٦١ هـ) عن الرسول (أنه قال في داود ﵇: ((كان أعبد الناس)) (٨) ، وروى البخاري (ت٢٥٦ هـ) مرفوعاً: ((أحب الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه)) (٩) . وثمة صفات أخرى تضمنها البحث، فالتوازن والاعتدال في العلم والعبادة والعمل سنة الأنبياء وسمة العلماء.

стр. 25

وإذا كان داود ﵇ أُلين له الحديد، وطوّعه في الصناعة الحربية فإن ابنه نبي الله سليمان ﵇ قد أسال الله له عين النحاس، واتجة إلى الصناعة المدنية، ((وسُخر له أهل الصنائع والإبداع)) (١) ، قال تعالى: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ (٢) ، ﴿أَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ ، ((يقول: وأذبنا له عين النحاس، وأجريناها له)) (٣) ، وقيل: القطر: الفلزّ كله: النحاس والحديد وغيرهما، وعلى الأول جمهور المفسرين واللغويين، وقيل أذبنا له معدن النحاس على نحو ما كان الحديد يلين لداود، فلذلك سماه عين القطر باسم ما آله إليه، فالعين على هذا القول ليست حقيقة ولكنها مستعارة، والذي تشهد به الآثار أنه على الحقيقة كعيون الماء معجزة لنبيه ﵇ (٤) .

стр. 26

وفي قوله جلّ شأنه: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ معجزة أخرى، حيث سخر له الجن استجابةً لدعائه، وذلك في قوله تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ﴾ (١) ، وقال جلّ شأنه: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ (٢) ، فهذه خِصِّيصة لسليمان ﵇، فقد روى البخاري (ت٢٥٦هـ) عن النبي (قال: ((إن عفريتاً من الجن تفلّت البارحة ليقطع عليّ صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته فأردت أن أربطه على سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فرددته خاسئاً..)) (٣) ، فهذا التسخير من الله وحده وله المنّة، وليس كما يعتقده اليهود أن هذا التسخير ما تم له إلا بعلم السحر (٤) . ثم أخبر الله تعالى ذكره عن بعض ما يعمله الجن لسليمان ﵇، فقال جلّ ذكره: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ ، المحاريب: القصور، هذا هو الراجح في الآية (٥) .

стр. 27

التماثيل: الصّور من النحاس وغيره، وكان هذا من الجائز في ذلك الشرع، ثم نسخ بعض أنواعه بشرع سيدنا محمد (على تفصيل من حيث الحرمة والكراهية والإباحة في أنواعها (١) . والجِفَان: جمع جَفنة، وهي القَصعة العظيمة، شبهت بالجابية، وهي البِركة التي يجبى إليها الماء (٢) . والقِدْر: اسم لما يطبخ فيه، والراسيات: الثابتات، لا يُزَلن عن أماكنهن لعظمهن ولتداول الطبخ فيهن صباح مساء (٣) . إن الله سخر لنبيه الكريم تلكم البدائع من الحضارة والصنائع فسخرها ﵇ في الدعوة إلى الله وتعظيمه، وقد تجلّى ذلك في القصر الذي أمر ملكة بلقيس أن تدخله ((ليزيدها استعظاماً لأمره وتحقيقاً لنبوته وثباتاً على الدين)) (٤) ، حيث يقول الله تعالى: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥) .

стр. 28

فبنى هذا القصر من زجاج مُمَلّس، وأجرى من تحته الماء، وجعل الزجاج شفافاً يُرى ما وراءه (١) ، فتحقق لسليمان ﵇ ما أراده من هدايتها وإعلان إسلامها: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . وبعد؛ فما أبلغ قول الله في سليمان وداود ﵉،حيث يقول جلّ شأنه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالاَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) ، فلم يعطف ﴿وَقَالاَ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ بالفاء ولكن عطفه بالواو، ((إشعار بأن ما قالاه بعض ما أحدث فيهما إيتاء العلم وشيء من مواجبه، فأضمر ذلك ثم عطف عليه التحميد، كأنه قال: ولقد آتيناهما علماً فعملا به وعلّماه وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة وقالا: الحمد لله)) (٣) . حُسْن الصوت:

стр. 29

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ (١) ، اختلف المفسرون في المراد بالفضل المذكور في هذه الآية على أقوال كثيرة، فمنهم من عمّم ذلك على مجموع ما آتاه الله من النبوة والملك والصوت الحسن والعلم وعمل الدروع.. وغير ذلك (٢) ، ومنهم من خصّه بنوع من هذه الأنواع (٣) ، ومنهم من خصّه بالصوت الحسن وبذلك قطع ابن العربي (٤) (ت٥٤٣ هـ) ، ولعله اختار هذا القول نظراً إلى السياق، لأن الله تعالى أتبعه بقوله: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ ، قال الزجّاج (ت٣١١ هـ) : ((المعنى فقلنا يا جبال أوبي معه)) (٥) ، وقال العُكبري (ت٦١٦هـ) : ((أي وقلنا يا جبال، ويجوز أن يكون تفسيراً للفضل)) (٦) ، أوّبي: أي رجّعي معه التسبيح (٧) ، قال كثير من العلماء إن داود كان ذا صوتٍ حسن، فكان إذا رجع التسبيح والزبور بصوته الشجيّ رجّعت الجبال والطير مثل تسبيحه طرباً لصوته (٨) ، وفي الصحيحين أن رسول الله (سمع صوت أبي موسى الأشعري يقرأ من الليل، فوقف فاستمع لقراءته، ثم قال: ((لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود)) (٩) ، والمراد بالمزمار: الصوت

стр. 30

الحسن، وأصله الآلة المعروفة، وأطلق اسمها على الصوت للمشابهة، ونص غير واحد على أن المقصود بآل داود: داود نفسه، وإليه المنتهى في حسن الصوت، ولم يعرف من أقاربه أنه كان أعطي من حسن الصوت ما أعطي، ف (آل) هنا مقحمة (١) ، ولا يبعد أن يكون آل داود قد أورثوا هذه الهبة، وإنما خُصّ داود ﵇ من بينهم بتسبيح الجبال معه والطير، كما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾ (٢) ، وقال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ (٣) ، وهذا التسخير معجزة من الله لنبيه داود ﵇، وتسبيح الجبال والطير معه تسبيح حقيقي مسموع، لا يجوز صرفه عن ظاهره إلا بدليل يعوّل عليه (٤) ، وقد أشارت الآيات إلى أمرين: أولاهما: أن وقت التسبيح بالعشي والإشراق، والعشي: من وقت العصر إلى الليل، والإشراق بالغداة وقت الضحى (٥) . ثانيهما: أن ذلك مقصور على الجبال والطير فقط، فكان ((إذا سّبح أجابته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه، واجتماعها إليه كأن حشرها)) (٦) . وكذلك الصوت الحسن الذي امتن الله به على داود موهبة كريمة من الله تعالى، ونص بعض المفسرين على أنه من العلم الذي أشار الله إليه في قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ (٧) ، وأطلق بعضهم عليه علم الألحان (٨) .

стр. 31

قال ابن العربي (ت٥٤٣ هـ) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً﴾ (١) : ((والأصوات الحسنة نعمة من الله تعالى وزيادة في الخلق ومنّة، وأحق ما لبست هذه الحُلّة النفيسة والموهبة الكريمة كتاب الله، فنعم الله إذا صرفت في الطاعة فقد قضى بها حق النعمة)) (٢) ، وتحسين الصوت بالقراءة أمر متفق على استحبابه، وأما الألحان فوقع بين السلف اختلاف في جواز القراءة بها، قال ابن حجر (ت٨٥٢ هـ) : ((والذي يتحصل من الأدلة أن حسن الصوت بالقرآن مطلوب، فإن لم يكن حسناً فليحسنه ما استطاع ... ومن جملة تحسينه أن يُراعى فيه قوانين النغم، فإن الحسن الصوت يزداد حسناً بذلك وإن خرج منها أثّر ذلك في حسنه، وغير الحسن ربما انجبر بمراعاتها ما لم يخرج عن شرط الأداء المعتبر عند أهل القراءات، فإن خرج عنها لم يف تحسين الصوت بقبح الأداء، ولعل هذا مستند من كره القراءة بالأنغام؛ لأن الغالب على من راعى الأنغام أن لا يراعي الأداء، فإن وجد من يراعيهما معاً فلا شك في أنه أرجح من غيره؛ لأنه يأتي بالمطلوب مع تحسين الصوت، ويجتنب الممنوع من حرمة الأداء)) (٣) .

стр. 32

وعلماء التجويد والقراءات لا يعتدون بعلم الألحان، وإنما يشتغل به من يتخذون القرآن الكريم حرفة لإحياء الليالي والمآتم ونحوها، وما ذكره ابن حجر (ت٨٥٢ هـ) وغيره من الأئمة المعتبرين من الجواز في ذلك إنما مرادهم التلحين البسيط الذي لا يؤثر على الأداء الصحيح، وهذا هو محل الخلاف، وما حرره ابن حجر لا مزيد عليه – ﵀، أم التلحين الموسيقي الذي ابتلي به بعض الناس ممن لا يُعتبرون من علماء التجويد ولا القراءات فلا يختلف في تحريمه؛ لأن الأداء الصحيح متوقف على مقدار معين في الحركات ومقادير الغنن والمدود، وكذلك التلحين يتعين له مقدار من الصوت لا يتم إلا به، فلا يمكن اجتماعهما في القرآن الكريم المنزل للإعجاز (١) . وقد ذُكر أن داود ﵇ له معرفة بالنغم والعزف، وأن المزامير ما صنعت إلا على صوته، ولم يثبت في ذلك نقل صحيح يُعوّل عليه (٢) ، والصواب تنزيهه عن ذلك، بل آتاه الله تعالى الصوت الحسن هبة إلهية إذ يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً﴾ (٣) . منطق الطير: قال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ (٤) ، منطق الطير: معرفة دلالات أصوات الطيور من صفير ونعيق وغيرهما على ما في إدراكها وإرادتها (٥) .

стр. 33

وقوله جل وعزّ عن سليمان ﵇ ﴿عُلّمْنَا﴾ يدل على أن هذا العلم أوتيه سليمان من طريق الوحي معجزة له ودلالة على صدق نبوته ﵇، وهذا شيء لم يعطه أحد من البشر قبله (١) . وذهب بعض العلماء إلى أن الضمير في ﴿عُلّمْنَا﴾ راجع إلى داود وسليمان، ومن ثَم عدّوا ذلك من علم داود أيضاً، والأولى الاقتصار على ظاهر القرآن، وأن ذلك مما خص به سليمان وحده (٢) . وذهبت فرقة إلى أن هذا العلم لسليمان كان في جميع الحيوان، والصواب أنه لم يثبت من ذلك إلا منطق الطير، وأما ما ذكره الله عن النملة في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ (٣) فليس فيه ما يدل على الاطراد كفَهْمِ منطق الطير، فالوقوف على ما جاء به النص الكريم أسلم (٤) ، والله أعلم.

стр. 34

ولئن اختلف العلماء في الطيور وسائر الحيوانات والحشرات هل لها لغات وأفهام وعقول (١) ؟ فقد أثبتت الدراسات الحديثة في القرنين الأخيرين أن لكل جماعة لغة يتفاهم بها أفرادها حسب مراداتهم ومدركاتهم، وذلك مظهر حي ووجه من وجوه الإعجاز العلمي للقرآن الكريم، لكن يجب التنبه إلى أن ما توصل إليه بعض العلماء في هذا المجال يظل معتمداً على المراقبة والاجتهاد، وحبيس الظن والحدس، ولا يمكن أن يرتقي إلى العلم اللدني الذي تفضل الله به على نبيه سليمان ﵇ على وجه الخارقة والمعجزة (٢) خلافاً للمتفلسفة الذين ((لم يُقرّوا بأن الأنبياء يعلمون ما يعلمونه بخبر يأتيهم من الله، لا بخبر ملك ولا غيره، بل زعموا أنهم يعلمونه بقوة عقلية، لكونهم أكمل من غيرهم في قوة الحدس، ويسمون ذلك القوة القدسية)) (٣) .

стр. 35

لا ريب أن قصة سليمان ﵇ مع هذه الكائنات تنويه صريح بعلمه وقد تضمنت أنموذجاً فريداً للعالم الشاكر المتواضع في شخصية سليمان ﵇: أما شكره فقد تمثل في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ (١) ، وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ (٢) ، وقوله بعد أن سمع كلام النملة: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ (٣) ، فهذه الجمل متضمنة شكر الله على ما وهبه من العلم، ومعنى ﴿أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ : وفقني لملازمة شكر نعمتك (٤) . وقد وقع منه مثل ذلك لما رأى عرش ملكة بلقيس مستقراً عنده، ((جعل يشكر نعمة ربه بعبارة فيها تعليم للناس، وهي عرضة للاقتداء بها والاقتباس منها)) (٥) ، ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (٦) ، ((يقول: ليختبرني ويمتحنني أأشكر ذلك من فعله عليّ، أم أكفر نعمته عليّ بترك الشكر له)) (٧) . وأما تواضعه فقد جاء في مطلع القصة في قوله وقول أبيه ﵉: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٨) فقد أشار قولهما إلى اعتقادهما أن في عباد الله من يفضلهم في العلم (٩) .

стр. 36

كما جاء فيما ذكره الله عن الهدهد في قوله: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ ، قال الزمخشري (ت٥٣٨ هـ) : ((ألهم الله الهدهد فكافح سليمان بهذا الكلام على ما أُوتي من فضل النبوة والحكمة والعلوم الجمّة والإحاطة بالمعلومات الكثيرة ابتلاء له في علمه وتنبيهاً على أن في أدنى خلقه وأضعفه من أحاط علماً بما لم يحط به لتتحاقر إليه نفسه، ويتصاغر إليه علمه، ويكون لطفاً له في ترك الإعجاب الذي هو فتنة العلماء وأعظم بها فتنة)) (١) . وفي هاتين الخصلتين تنويه بشرف العلم؛ لأنه استدعى الشكر الذي هو من أجلّ الطاعات، وأورث أهله التواضع.

стр. 37

وثمة صفات أخرى وأمور مهمة في العلم اشتمل عليها منطق النملة والهدهد في قول الله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ * وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لأَُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ * أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ* قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (١) .

стр. 38

لقد دلت تلكم الآيات على أن علم نبي الله سليمان ﵇ يظل محدوداً بالنسبة لعلم الله الذي أحصى كل شيء علماً، فقد جاء عن كل من النملة والهدهد ما يفيد ذلك، وهما من أضعف الخلق، ومعنى ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرونَ﴾ : ((وهم لا يعلمون)) (١) ، ومعنى ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ : ((أحطت بعلم ما لم تحط به أنت يا سليمان)) (٢) ، ومن ثَمَّ أخبر الهدهد - فيما ذكره الله عنه - بعلم الله بكل شيء ما خفي وما ظهر وهو عال على خلقه مستو على عرشه، لهذا كان ((إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى، ويعلم كل شيء في أسفل الأرض السابعة وفي قعور البحار ورؤوس الآكام وبطون الأودية وفي كل موضع، كما يعلم علم ما في السموات السبع وما فوق العرش، أحاط بكل شيء علماً، فلا تسقط ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات البر والبحر ولا رطب ولا يابس إلا قد عرف ذلك كله وأحصاه، فلا تعجزه معرفة شيء عن معرفة غيره)) (٣) .

стр. 39

وفيما ذكره الله عن الهدهد ((رد على من قال إن الأنبياء تعلم الغيب)) (١) ، وفيه إبطال لمن زعم أن الجن تعلم الغيب، ففي الآيات السابقة أشار الله إلى الجن وأنهم ضمن جنود سليمان ﵇، ومع هذا غاب عنهم خبر الهدهد والنملة، وقد كان فشا أن الجن تعلم الغيب فكذبهم الله ببرهان عملي في سليمان نفسه ﵇، وذلك في قوله الله جلّ شأنه: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ (٢) فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ (٣) المعنى لأنهم لو كانوا يعلمون ما غاب عنهم ما عملوا مسخرين، إنما عملوا وهم يظنون أنه حي يقف على عملهم)) (٤) . هذا وقد تضمنت آيات سورة النمل السابقة آداب جمة، منها: الدلالة على شرف العلم وفخره وأناقة محله، وذلك في قول الله تعالى:: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ ، وفي ((هذا دليل على أن الصغير يقول للكبير والمتعلم للعالم عندي ما ليس عندك إذا تحقق ذلك وتيقنه)) (٥) .

стр. 40

كما تضمن قوله ﴿أَلاَّ يَسْجُدُوا﴾ على قراءة الكسائي (١) - تقديرها ألا يا هؤلاء اسجدوا (٢) - أسلوباً تعليمياً في استغلال المواقف في الحث على التوجيه، فهو أدعى للقبول والاستجابة، قال برهان الدين البقاعي (ت٨٨٥ هـ) : ((بدئ بأداة الاستفتاح تنبيهاً لهم على عظم المقام لئلا يفوت الوعظ أحداً منهم بمصادفته غافلاً، ثم نادى لمثل ذلك وحذف المنادى إيذانا بالاكتفاء بالإشارة لضيق الحال خوفاً من المبادرة بالنكال عن استيفاء العبارة التي كان حقها ألا يا هؤلاء اسجدوا لله، أي لتخلصوا من أسر الشيطان، فإن السجود مرضاة للرحمن ... )) (٣) . وثمة أحكام وآداب اشتملت عليها الآيات سبق الحديث عنها في مواضعها من هذا البحث. حكمة داود وسليمان ﵉: وهي مما أفاض الله على جميع أنبيائه ﵈، إذ يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ (٤) ، وقال تعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (٥) ، كما خصّ بالذكر بعض أنبيائه، ومنهم داود ﵇، إذ يقول الله تعالى فيه: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (٦) ، ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ (٧) .
следующие страницы →