ووصف الحيوانات والطيور يكثر دورانه في الشعر الجاهلي خاصة، وليس من المتيسر أن نلم بالموضوع، ويكفي أنني اتخذت من وصف الناقة نموذجًا؛ لارتباطها الوثيق بالصحراء، واعتماد العرب عليها في التنقل والترحال عبر مسالك جزيرتهم.
ووصف الحيوانات والطيور امتد عبر مسيرة الشعر العربي إلى العصر الحديث (١) .
ومن الأوصاف التي أوحت بها الصحراء إلى الشعراء وصف البرق والرعد والسحاب والمطر والسيل والرياح، ويمثل ذلك قول أوس بن حجر (٢) :
١-قد نِمْتَ عني وَباتَ البرقُ يُسْهِرُنِي
٢- يَا مَنْ لبرقٍ أبيتُ الليلَ أرْقُبُهُ
٣- دانٍ مُسِفٍّ فُوَيْقَ الأرضِ هَيْدَبُهُ
٤- كأن رَيِّقُهُ لما علا شَطِبًا
٥- هَبَّتْ جنوبٌ بأعلاهُ ومَالَ به
٦- فالْتَجَّ أعْلاهُ ثم ارتجَّ أسفَلُهُ
٧- كأنما بين أعلاه وأسفلِهِ
٨- يَنْزَعُ جِلْدَ الحَصَى أجَشُّ مُبْتَرِكٌ
٩- كأنّ فيه عِشَارًا جِلَّةً شُرُفًا
١٠- هُدْلاً مَشَافِرُها بُحًّا حَناَجِرُهَا
١١-فأصبحَ الروضُ والقيعَان مُمْرِعَةً
كما اسْتَضَاءَ يهودِيٌّ بِمصْبَاحِ
في عَارِضٍ كَمُضيءِ الصُّبْحِ لّماحِ (٣)
يكاد يَدْفَعُهُ مَنْ قام بالرَّاحِ (٤)
شُعْثًا لهَامِيمَ قد همَّتْ بِإِرْشَاحِ (١)
تُزْجِي مرابيعَها في صَحْصَحٍ ضَاحِي (٢)
من بينِ مُرْتَفِقٍ منها ومن طَاحِي (٣)
ذكر أوس أنه بات ليله سَهِرًا يرقب البرق الذي بدا يلوح في عارض السحاب كفلق الصبح، وانتقل إلى وصف السحاب، فأشار في البيت الثالث إلى أنه يحمل ماء غزيرًا لدنوه من الأرض، وتدلي ذيوله وهماليله حتى ليكاد المرء أن يلمسه بيده، فهو سحاب مثقل بالماء. ثم وصف هطول المطر وأثره في الأرض، وذكر أنه لغزارته وقوة جريانه يكاد ينزع جلد الحصى ووجه الأرض، ولم يُغْفِلْ وصف الرعد الذي صحب تدفق المطر من السحب، فقد شبهه بصوت حنين نياق مسنة تهدلت مشافرها، وبحت أصواتها كِبَرًا، تسوق أولادها في قاع ممتد.
والبيت الثالث من الأبيات المشهورة.
ولامرئ القيس أبيات فائية عدتها ثلاثة عشر بيتًا وصف فيها السحاب والرعد والمطر والسيل أفضى فيها إلى الغاية (٤) .
стр. 5604
واختصت الصحراء بأشجار ونباتات معينة، بعضها يتحمل البيئة القاسية من شدة حرارة وبرودة وقلة مطر، وبعضها ينبت إبان الربيع بعد هطول الأمطار. وشاع في الشعر العربي ذكر لكثير من هذه الأشجار والنباتات التي عرفها سكان الصحراء، واستعانوا بها في حياتهم وأعمالهم ورعي أنعامهم، واستخدموا ثمار بعضها في غذائهم كالنخيل والزروع التي تنتج القمح والشعير والدُّخْن، ووظفوا أغصانها في صنع الرماح والقسي والسهام والعصي، وخشبها في صنع الرحال والأقتاب والهوادج، ولوقود النار، وغير ذلك من المنافع التي أحسن العرب صنعها واستخدامها. ومن حسن الحظ أن كثيرًا من أسماء الأشجار والنباتات لا تزال تحتفظ بأسمائها التي عرفت بها في الشعر الجاهلي، وانتقلت عبر هذه القرون الكثيرة من السلف إلى الخلف مشافهة حتى وصلت إلينا.
غير أن جميع أنواع الأشجار والنباتات الصحراوية لم ترد في شعر العرب في موضوعات مستقلة، بل وردت أسماؤها متناثرة في أبيات متفرقة في دواوين الشعر ومجاميعه، والذين عرضوا لتحقيق الدواوين وجمع الأشعار لم يعنوا بوضع فهرس للنباتات والأشجار التي تضمنتها إلاّ قليلاً منهم، على الرغم من أهمية هذا الفهرس وضرورته، وكان عملهم في الفهارس منصبًا على التقليدي منها، كفهرس الأشعار، والأعلام، والقبائل والطوائف، والمواضع والأمكنة؛ ولذلك فإن الدارس المعني بالموضوع مضطر إلى قراءة الدواوين والمجموعات الشعرية وتصفحها؛ حتى يعثر على بغيته. ومن هنا تأتي أهمية الفهارس الشاملة المفصلة؛ لأنها تضع أمام الباحث مفاتيح الدراسة، وتوفر له جهدًا ووقتًا من الممكن أن يستغلها في جوانب مهمة من دراسته.
стр. 5605
ولذلك ستكون نماذج الاستشهاد أبياتًا مفردة؛ لتعذر العثور على نصوص شعرية متكاملة. والأسماء التي وضعها العرب للأشجار والنباتات هي من وحي بيئة الصحراء وتأثيرها، فحق أن ينسب ذلك كله إلى أثرها في الشعر. وليس من المستطاع أن ألم بجميع ما ورد في الشعر العربي، أو الشعر الجاهلي بخاصة من الأسماء، فحسبي ذلك بعض النماذج والأمثلة التي تثري الموضوع وتدل عليه، ويقاس عليها ما سواها مما تحفل به دواوين الشعر ومجاميعه. وسأذكر فيما يلي اسم الشجرة أو النبتة، وأعرف بها، ثم أذكر شاهدها الشعري.
١- النخلة، قال أوس بن حجر (١) :
وقتلى كَمِثْلِ جُذُوعِ النَّخِيلِ *** تَغَشَّاهُمُ مُسْبِلٌ مُنْهَمِرْ (٢)
والمعنى والتشبيه واضحان.
٢ – الشَّرْيُ: وهو شجر صحراوي يفترش الأرض، يشبه شجر البطيخ الأحمر (الحبحب) أو (الرّقي) كما يُسَمَّى في العراق، وله حَدَجٌ في مثل حجم البرتقال، وبعضه في مثل حجم البطيخ، شديد المرارة، تأكله بعض الحيوانات، ويقال له الحنظل أيضًا، وله حب صغير يسمى الهبيد، الواحدة شَرْية (٣) . وهبيده يُعَالج حتى تذهب مرارته، ثم يؤكل لبه، وهو لذيذ خفيف على المعدة. قال أوس (٤) :
ألم تَرَيَا إذْ جئتُمَا أنَّ لحمَها ** به طَعْمُ شَرْيٍ لم يُهَذَّبْ وحَنْظَلُ؟! (٥)
وكان العرب في الجاهلية يأكلون لب الهبيد. قال امرؤ القيس (٦) :
стр. 5606
كأني غداةَ البَيْنِ يوم تحمَّلوا ... ** لدى سَمُرَاتِ الحيِّ ناقِفُ حَنْظَلِ (١)
وكان لبُّ الهبيد يؤكل في نجد إلى وقت قريب.
٣ – الخزامى: نبت ربيعي طيب الرائحة واحدته خُزَاماة. قال أبو حنيفة الدينوري:)) الخزامى عشبة طويلة العيدان، صغيرة الورق، حمراء الزهرة، طيبة الريح، لها نَوْرٌ كَنَوْرِ البَنَفْسَج (( (٢) . قال امرؤ القيس (٣) :
كأنَّ المُدَامَ وصَوْبَ الغمامِ
يُعَلُّ به بَرْدُ أنيابِهَا
وريحَ الخُزَامى ونَشْرَ القُطُرْ (٤)
إذا طَرَّبَ الطائرُ المُسْتَحِرْ (٥)
وقال عبيد بن الأبرص (٦) :
وريحِ الخُزَامى في مذانِبِ رَوْضَةٍ ** جَلاَ دِمْنَهَا سَارٍ من المُزْنِ هَطَّالِ (٧)
ولا يزال الخزامى معروفًا بهذا الاسم والصفة في جزيرة العرب، ويكثر نبته إبان الربيع.
стр. 5607
٤ – العَرْفَج: نبات صحراوي ينمو في السهول وعلى ضفاف الأودية، له عيدان دقاق كثيرة، وزهره أصفر، وورقه صغير، ورائحته طيبة، ولون أغبر يميل إلى الخضرة ما دام غضًّا، ويبيض إذا يبس، تأكله الإبل والغنم رطبًا ويابسًا، ولهبه شديد الحمرة، واحدته عرفجة (١) ، ولا يزال يعرف بهذا الاسم. قال الراعي النميري (٢) :
كَدُخَانِ مُرْتَجِلٍ بأعلى تَلْعَةٍ ... غَرْثَانَ ضَرَّمَ عَرْفَجًا مَبْلُولا (٣)
٥ – العَوْسَج: شجر ذو شوكٍ من العِضَاه، ينمو في صحارى نجد، ويتحمل العطش، له ثمرٌ أحمرُ صغير مدوّر، كأنه خرز العقيق (٤) ، يستطاب أكله، ويقال له في نجد: النبق. وقد أكلناه ونحن صغار، وهو لذيذ الطعم. قال الشماخ (٥) :
مُنَعَّمَةٌ لم تَدْرِ ما عَيْشُ شِقْوَةٍ ... ولم تَغْتَزِلْ يومًا على عُودِ عَوْسَجِ (٦)
стр. 5608
٦ – الأُقْحُوَان: من نبات الربيع مُفَرَّض (مُحَزَّز) الورق، دقيق العيدان، له نَوْرٌ أبيض كأنه ثَغْرُ جارية حديثة السن، طيب الرائحة، تشبه به الأسنان، ويجمع على أقَاحٍ (١) ، وهو معروف بهذا الاسم في صحراء نجد. قال ذو الرمة (٢) :
إذا أخذَتْ مِسْوَاكَها صَقَلَتْ به ** عِذَابًا كنَوْرِ الأُقْحُوَانِ المُهَطَّلِ (٣)
٧ – الخِمْخمُ: نباتٌ تُعْلَفُ حَبَّهُ الإبلُ، ويروى بالحاء المهملة الحِمْحِم، وهو الشُّقَارى (٤) ، وبهذا الاسم يعرف في نجد. قال عنترة (٥) :
ما رَاعَنِي إلا حمولةُ أهلِها ... وَسْطَ الديارِ تَسَفُّ حَبَّ الخِمْخِمِ (٦)
٨ – الجَثْجَاثُ: نبات ينمو في القيعان والرياض، له زهرة صفراء، تشبه زهرة العَرْفَجة طيبة الرائحة، يشبه القيصوم، تأكله الإبل والغنم إذا لم تجد غيره، وهو مرّ الطعم، تستطيبه العرب، وتكثر ذكره في أشعارها، واحدته جَثْجَاثة (٧) . ويعرف بهذا الاسم في إقليم نجد، ويستعمل هو والقيصوم كمامًا للنخل حماية لثمره من الجراد. قال كثير عزة (٨) :
فما رَوْضَةٌ بالحَزْنِ طيبةُ الثرى
بأطيبَ من فيها إذا جِئْتَ طارقًا
يَمُجُّ الندى جَثْجَاثُهَا وعَرَارُهَا (٩)
وقد أُوقِدَتْ بالمِجْمَرِ اللَّدْنِ نَارُهَا
стр. 5609
٩ – العرار نبت طيب الرائحة، يسمى بهار البرّ، وقال ابن بري: هو النَّرْجِسُ البري، واحداته: عرارة (١) .
قال الصِّمَّةُ القشيري (٢) :
تَمَتَّعْ من شَمِيمِ عَرَارِ نَجْدٍ
ألا يا حبذا نَفَحَاتُ نجدٍ
فما بعد العَشِيَّةِ من عَرَارِ
وريَّا رَوْضِه بعد القِطَارِ (٣)
وقال الأعشى (٤) :
بَيْضَاءُ غُدْوَتُهَا وصَ ... *** فْرَاءُ العَشِيَّةِ كالعَرَارَهْ (٥)
١٠ – القيصوم: ينبت في القيعان والرياض وضفاف الأودية كالجثجاث، طيب الرائحة، وورقه هَدَبٌ، يعد من رياحين الصحراء، له نَوْر أصفر، ينهض على ساقٍ تطول (٦) ، ويكم به النخل كالَجثْجَاثِ، وهو معروف بهذا الاسم في ديار نجد حتى الآن، وينمو كالجَثْجَاثِ كثيرًا. قال جرير (٧) :
نَبتَتْ بمَنْبِتِهِ فَطَابَ لِشَمِّها *** ونأتْ عن الجَثْجَاثِ والقَيْصُومِ
وقال الشاعر (٨) :
بلادٌ بها القَيْصُومُ والشِّيحُ والغَضَى
١١ – الشِّيح: نبات سهلي ينبت في القيعان والرياض، وهو من الأمرار، له رائحة طيبة، وطعم مُرّ، وهو مرعى للخيل والنعم، كان العرب يتخذون منه المكانس (٩) . قال الشاعر (١٠) :
في زاهرِ الروضِ يُغَطِّي الشِّيحَا
стр. 5610
١٢ – الغضى: من نبات الرمل، له هَدَبٌ كهدَبِ الأرطى، وهو من أجودِ الوقودِ عند العرب، واحدته غَضَاةٌ (١) . قال سُحيم عبد بني الحَسْحَاس (٢) :
كأن الثُّرَيَّا عُلِّقَتْ فوق نَحْرِها ... وجَمْرَ غضىً هبَّتْ له الريحُ ذاكِيا
وأهل الغضى أهل نجد لكثرته في بلادهم (٣) .قالتْ أم خالد الخثعمية (٤) :
فإنْ كُنْتَ من أهْلِ الحجازِ فلا تَلِجْ
رأيتُ لهم سِيمَاءَ قَوْمٍ كرِهْتُهُمْ
وإن كُنُتَ نجديًّا فَلِجْ بِسَلاَمِ
وأهلُ الغَضَى قومٌ عليّ كرامُ
١٣- السَّلَم: شجر من العِضَاه، ليس له خشب، وله شوْك دُقَاق طُوال حادٌ إذا أصاب رجل الإنسان، وله زهرة صفراء فيها حبة خضراء طيبة الرائحة، وفيها شيءٌ من مرارة، واحدته سَلَمَة (٥) . قال الشاعر (٦) :
стр. 5611
كُِلي سَلَمَ الجرْدَاءِ في كُلِّ صَيْفَةٍ *** فإنْ سألوني عَنْكِ كُلَّ غَرِيمِ (١)
وقال الراجز (٢) :
إنَّكَ لن تَرْوِيَهَا فاذهَبْ ونَمْ *** إنَّ لها رَيَّا كمِعْصَالِ السَّلَمْ (٣)
١٤ – الحرْمَل: شجر دائم الخضرة، صحراوي، ينبت في السهول، مُرّ الطعم، تعافه الدواب ما عدا المِعْزَى، وفي امتناعه عن الأكلة (٤) قال طرفةُ يذم قومًا (٥) :
هُمُ حَرْمَلٌ أعيا على كُلِّ آكِلٍ ... مَبيتًا، ولو أمْسَى سَوَامُهُمُ دَثْرَا (٦)
وسميت حرملاء بهذا الاسم لكثرة نبات الحَرْمَلِ في أرضها (٧) ؛ وهي المعروفة الآن بحريملاء، وتقع شمالي الرياض بنحو مئة كيلٍ. قال أوس (٨) :
تَجَلَّلَ غَدْرًا حَرْمَلاءَ وأقْلَعَتْ ... سَحَائِبُهُ لما رأى أهْلَ مَلْهَمَا (٩)
стр. 5612
١٥- القَرَظ: شجر يُدْبغ به. قال أبو حنيفة الدينوري: القرَظ أجود ما تدبغ به الأهُبُ (الجلود) في أرض العرب، وهي تدبغ بورقه وثمره، واحدته قَرَظَةٌ (١) . وأغصانه طويلة لدنة، وهو معروف باسمه حتى الآن في جزيرة العرب، ورأيناه تدبغ به الجلود ونحن صغار. قال أبو ذؤيب الهذلي (٢) :
وحتى يؤوبَ القارظانِ كلاهُمَا *** ويُنْشَرَ في القَتْلَى كُليبُ بنُ وائلِ (٣)
١٦- السَّبَطُ: نبات صحراوي رملي سَلِبٌ (٤) طُوال دقيق العيدان، تأكله الإبل والغنم والبقر، وليس له زهر ولا شوك، وله ورق دُقَاق على قدر الكُرَّاث، يشبه نبات الدُّخْن، الواحدة سَبَطَة، وأرضٌ مَسْبَطَةٌ كثيرةُ السَّبط (٥) .
قال ذو الرمة يصف رملاً (٦) :
بين النهارِ وبين الليلِ من عَقِدٍ *** على جوانبهِ الأسباطُ والهَدَبُ (٧)
стр. 5613
وأسماء النباتات والأشجار الصحراوية التي حملها إلينا الشعر العربي كثيرة، وهي لا تزال معروفة حتى الآن بأسمائها وصفاتها في جزيرة العرب، ويصعب تعدادها والإحاطة بها في هذا البحث، من ذلك الأرْطى (١) ، والصَّمْعَاءُ (٢) ، والنَّصِيُّ (٣) ، والحَمْضُ (٤) والرِّمْثُ (٥) ، والبَسْبَاسُ (٦) ، والثُّمَامُ (٧) ، والرَّبْل (٨) ، واحدته رَبْلَة، وهي أسماء متعددة تحتاج إلى بحث مستقل.
أثر الصحراء في معاني الشعر:
стр. 5614
لحظنا في الصفحات السابقة أن للصحراء أثرًا واضحًا في توجيه موضوعات الشعر التي عبرت عن بيئة الصحراء، وما زاوله سكانها من نشاط وأعمال، ووصلت إلينا حاملة طابع الصحراء في شكلها ومضمونها؛ فالألفاظ التي تضمنتها الموضوعات المنبثقة عن الصحراء غزيرة تمثل معجمًا ضخمًا، وما يندرج تحتها من معانٍ أضاف إلى الشعر ثروة وامتدادًا؛ فوصف الرحلة عبر الصحراء، ووصف طبيعتها وسهولها وحزونها وحيوانها ونباتها، وما يتصل بذلك من نشاط تضمن معاني كثيرة، أغنت الشعر العربي، وزودته بمضامين وأفكار جديدة، ما كان ليظفر بها لو وجد في بيئة أخرى؛ فجميع الشعراء الجاهليين والإسلاميين والأمويين الذين أتيح لهم أن يعيشوا في الصحراء اقتصروا في معاني شعرهم على ما أوحت به إليهم بيئتها وأجواؤها، فحينما نقرأ شعر امرئ القيس، أو أوس بن حجر، أو زهير بن أبي سلمى نلحظ أن طوابع الصحراء ماثلة في شعرهم، والمعاني التي طرقوها تتجسد فيها إيحاءات الصحراء؛ فالشعر العربي، وشعر كل أمة ابن بيئته، ولا يمكن أن يحمل مضامين بيئة أخرى غريبة عنه، إلا إذا انسلخ الشاعر عن جلدته، واستعار جلدة أخرى، وحتى الموضوعات التقليدية من مدح وغزل، وهجاء وعتاب واعتذار يستحيل أن تتنصّل عن تأثير الصحراء؛ ولذلك نجد بعض الدارسين اتجهوا في بحوثهم ودراساتهم إلى استنباط حياة العرب من شعرهم، وكان نجاحهم في هذا الاتجاه بارزًا؛ لأنهم وصلوا إلى معلومات ثمينة نادرة عن حياة العرب في صحرائهم. ولعل في هذا ردًا على مقولة إن الشعر الجاهلي أكثره موضوع، وكيف يتسنى أن يكون موضوعًا أو منحولاً وهو يمثل بيئتهم الصحراوية في جزيرة العرب بأماكنها ومواضعها ومسالكها وحيواناتها ونباتاتها أصدق تمثيل؟ وكيف يتاح لواضع هذا الشعر أن يتمثل هذه البيئة كلها في شعر ينظمه ثم ينحله الجاهليين؟ وتبين لي من خلال الشواهد الشعرية التي أثبتها في البحث صدق الشاعر الجاهلي ودقته في تحديد الأماكن وصحة
стр. 5615
الأسماء والأوصاف التي أطلقها على الحيوان والنبات، والدليل على ذلك أن كثيرًا من أسماء المواضع والأماكن لا تزال تحتفظ بأسمائها التي عرفناها في الشعر الجاهلي، وقد أشرت إلى ذلك في مواضعه من البحث، ولذلك ينبغي أن نستنبط ردودنا على من ينكر صحة الشعر الجاهلي من الشعر نفسه، ونطبق ما ورد فيه من أسماء الأماكن والمواضع والحيوان والنبات على واقع الحال المشاهد، ونستدل من الأوصاف ومظاهر الحياة الاجتماعية التي دونها الشعر على نظائرها التي احتفظت ببقائها إلى وقت قريب، ويعود السبب في ذلك إلى أن الصحراء بقيت إلى عقود قريبة محافظة على خصائصها وسماتها وبيئتها التي قرأناها في الشعر الجاهلي والأموي، وكان سكانها قبل توطينهم وتحضرهم يمارسون الأعمال نفسها التي كان يمارسها عرب الجاهلية، ومن أظهرها الاعتماد في حياتهم على إنتاج الصحراء من حيوان ونبات، والتنقل في مسالكها بحثًا عن المياه والمراعي، أو شن الغارات على الخصوم، وغير ذلك من المهمات التي نسمعها عن عرب البادية في شكل قصص وأخبار، ولا نجد في مضمونها اختلافًا عما كنا نقرؤه عن عرب الصحراء في عهود سحيقة، ووجه الاختلاف الوحيد وسيلة النقل، نقرأ أخبار العرب وقصصهم في الجاهلية والإسلام، وما يصحبها من أشعار باللغة الفصحى، أما أحفادهم عرب البادية فنسمع أخبارهم وقصصهم وأشعارهم من أفواه الرواة باللهجة العامية، ولابد من الإشارة إلى أنه سقط الكثير من أخبار العرب في الجاهلية والإسلام وقصصهم وأشعارهم، وما وصل إلينا من ذلك لا يمثل إلا القليل مما فقد، والسبب في ذلك واضح، وهو أن التدوين الكتابي الفعلي لم يبدأ إلا في القرن الثاني الهجري، كذلك لم يدون من أخبار عرب الصحراء في جزيرة العرب وقصصهم إلا القليل جدًا، ولم يبدأ التدوين إلا منذ عهد قريب، ممثلاً في الكتب التي تعنى بالأدب الشعبي شعرًا ونثرًا.
стр. 5616
أما قبل ذلك فكانت الأخبار والقصص والأشعار في حوافظ الرواة وذواكرهم، فذهب معظم ما كان معهم بذهابهم عن الدنيا.
وما ذكرته أعده مدخلاً لمعاني الشعر المرتبطة بالصحراء، وهي معانٍ كثيرة، ليس في الإمكان أن ألم بها أو ببضعها في هذا البحث، ولكن الدارس يجدها ماثلة في دواوين الشعراء الذين عاشوا في جزيرة العرب، وفي دواوين الشعراء الذين تأثروا بهم.
ومن أبرز الصفات المعنوية التي كونتها الصحراء في نفوس ساكنيها، ودونوها شعرًا يفوح منه عبق الصحراء، ما نلحظه من خصائص المجتمع الجاهلي، وكل مجتمع صحراوي، وهي خصائص تتمثل في الشجاعة والجرأة، والميل إلى المخاطرة، والاستهانة بالموت، والصبر على المكاره، وتحمل الأعباء، والحمل على النفس، والكرم، والنجدة، والإيثار، والتآزر في الملمات، والعفة، والحلم، والعفو عند المقدرة، والوفاء، وإباء الضيم، والميل إلى الحرية، والوضوح في المنطق، والصراحة التي تبلغ أحيانًا حد الإثارة والاستفزاز، والغلظة التي تصل في بعض المواقف إلى الجفاء المعهود في الأعراب، والتكتم، والتمويه الذي يمكن عده نوعًا من المراوغة والخداع، كما كان يحدث في الحروب، والولاء للقبيلة، والتعصب لها، والقيافة. وغير ذلك من الخلال والصفات التي حملها الشعر الذي يصدق عليه وصف شعر الصحراء، سواء أكان شعرًا جاهليًا أم إسلاميًَا، ولا يجد الدارس صعوبة في التمثيل لها من النصوص الشعرية الكثيرة (١) .
أثر الصحراء في الصور الفنية:
стр. 5617
يحفل الشعر العربي بالصور الفنية التي أوحت بها الصحراء، واستقاها الشعراء من بيئتها، وطبيعة الحياة فيها، وكيف يتسنى لشاعر عاش حياته كلها في الصحراء أن يستعير صورًا من خارج البيئة التي خبرها وأمضى ما تصرم من حياته في ربوعها؟! بيئة خبر دروبها وسهولها وحزونها وقيعانها وجبالها ووهادها وأوديتها ورياضها. ولذلك فإن الشعر الذي نصفه بالصحراوي من الطبيعي أن ينتزع صوره من تشبيهات واستعارات من الصحراء، فحينما نأتي إلى وصف الفرس أو الناقة في شعر الشعراء الجاهليين والإسلاميين والأمويين نجدهم لا يخرجون في تصويرهم عما عهد في بيئتهم وشاهدوه وهم يتنقلون في فضاء الصحراء، فامرؤ القيس حينما أراد أن يجسد صلابة فرسه وسرعة كره على العدو وإدباره عنه حيث لا مجال للكر لم يجد ما يشبهه به سوى قطعة صلبة من الصخر دحرجها سيل قوي من مكان مرتفع، وذلك في قوله:
مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مدبرٍ معًا **كجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ من عَلِ (١)
وصورة التشبيه انتزعها من مشاهدته لما يحدث في الصحراء حينما تتدافع حجارة الجبل، وتنصب في حركة سريعة متتابعة لها دويٌّ وصوت، والتشبيه غير دقيق؛ لأن حركة الكر والفر والإقبال والإدبار لا تطابق كل المطابقة تهدي الحجر من مكانٍ عالٍ.
وفي قوله:
له أيطلا ظبيٍ وسَاقَا نَعَامةٍ ... ** وإرخاءُ سِرْحَانٍ وتَقْرِيبُ تَتْفُلِ (٢)
شبه خاصرتي فرسه في الضمور بخاصرتي ظبي، وساقيها بساقيْ نعامة في الصلابة والقصر وطول الفخذين، وهي صفات محمودة في الفرس، وشبه عدوه بإرخاء الذئب (٣) وتقريب الثعلب (٤) ، والمشبه به منتزع من حيوانات صحراوية شاهدها امرؤ القيس في جزيرة العرب كثيرًا.
стр. 5618
وشبه كَفَل فَرَسِه بدِعْصِ الرمل الذي لبَّدَهُ الندى فثَبتَ وتماسك، وذلك في قوله (١) :
له كَفَلٌ كالدِّعْصِ لبَّدَهُ الندى ... ** إلى حَارِكٍ مِثْلِ الغَبيطِ المُذَأَّبِ (٢)
والدعص الكثيب الصغير من الرمل، وهو مما يشاهد في الصحراء.
وشبه عمرو بن كلثوم غضون الدروع بطرائق الغدير إذا هبت عليه الريح، وذلك في قوله (٣) :
كأن مُتُونَهُنَّ متونُ غُدْرٍ ** تُصَفِّقُها الرياحُ إذا جَرَيْنَا
والمشبه به منتزع من الصحراء، فتكسر سطح الغدير إثر هبوب الرياح عليه منظر ألفه ساكن الصحراء العربية، وشاهده كثيرًا.
وفي بيت الأعشى (٤) :
تَسْمَعُ لِلْحَلْي وَسْوَاسًا إذا انْصَرَفَتْ **كما استعانَ بريحٍ عِشْرِقٌ (٥) زَجِلُ
صورة فنية صحراوية، فالعِشْرِق نبات صحراوي، ولا يزال ينبت فيها، ويعرف بهذا الاسم منذ العصر الجاهلي، وهو يفترش الأرض، وله عناقيد يكون فيها الحب، فإذا يبست، وهبت عليها الريح سمع لها صوت، شبه به الأعشى صوت حُلَيِّ محبوبته هريرةَ إذا انصرفت، وهو تشبيهٌ دقيقٌ مصيب.
وفي بيت زهير (٦) :
تَبَصَّرْ خَلِيلي هل تَرَى من ظَعَائِنٍ *كما زَالَ في الصَّبْحِ الأشَاءُ (٧) الحَوَامِلُ
стр. 5619
صورة أخذها من الصحراء، شبه مراكب النساء على الإبل وهي تسير بالنخل الصغار الحوامل إذا حركتها الريح، وركنا التشبيه من مشاهد الصحراء البارزة.
ومن صور الصحراء المألوفة أثر الدَّبا – وهو صغار الجراد – في الأرض السهلة المنحدرة، واستغل أوس بن حجر هذه الصورة فشبه بها الشطوب التي ترى على صفحة السيف، فقال (١) :
وأخرج منه القَيْنُ أثْرًَا كأنَّهُ ** مَدَبُّ دَبًا سُودٍ سَرَى وهو مُسْهِلُ (٢)
وشبه نصل السيف في بياضه ولمعانه بتلؤلؤ البرق في سحب ركامية (٣) في قوله (٤) :
وأبيضَ هِنْديًّا كأنَّ غِرَارَهُ ** تلألؤُ بَرْقٍ في حَبِيٍّ تَكَلَّلاَ (٥)
ونهر المجرة (٦) الذي يُرَى في السماء يشاهده ساكن الصحراء في ليالي الصحو كثيرًا، فنقل زهير بن أبي سلمى هذا المشهد، وشبه به الطريق الواضح في قوله (٧) :
стр. 5620
على لاحِبٍ مِثْلِ المجرَّةِ خِلْتَهُ ... إذا ما علا نَشْزًا من الأرضِ مُهْرَقُ (١)
والمطر الغزير من خصائص الصحراء، ولاسيما في العشايا، ووظف علقمة ابن عبدة الفحل هذه الخاصية، فشبه به جري الفرس السريع وهو يعدو خلف قطيع من البقر الوحشي فقال (٢) :
فَأَتْبَعَ آثارَ الشِّيَاهِ بصَادِقٍ ** حثَيثٍ كغيثِ الرَّائِحِ المُتَحَلِّبِ (٣)
ومنظر الغنم منتشرة والرعاة خلفها يسوقونها إلى المرعى دون أن تبدي مقاومة من مناظر الصحراء المتكررة، وأخذ علقمة هذا المنظر وشبه به قبيلة زيد مناة بن تميم فيما يراه من ضعفهم وانعدام شخصيتهم، فقال (٤) :
كأنَّ زيدَ مَنَاةٍ بَعْدَهُمْ غَنَمٌ ** صَاحَ الرِّعَاءُ بها أن تَهْبِطَ القَاعَا (٥)
وتشبيه النياق أو الجمال وهن يَغْذُذْن السير في الفلاة بسرب القطا الذي أمضه العطش في صبح يوم شديد الحرارة صورة واقعية من صور الصحراء، قال عبيد بن الأبرص (٦) :
وكُنَّ كأَسْرَابِ القَطَا هَاجَ وِرْدَهَا ** مع الصُّبْحِ في يومِ الحَرُورِ رَمِيضُ (٧)
стр. 5621
ومن الصور المألوفة المأخوذة من مشاهدات الصحراء تشبيه عبيد ناقته في قوتها وسرعتها بالحمار الوحشي في قوله (١) :
ومَهْمَهٍ مُقْفِرِ الأعلامِ مُنْجَرِدٍ
أجَزْتُهُ بِعَلَنْدَاةٍ مُذَكَّرَةٍ
نائي المناهِلِ جَدْبِ القاعِ مُنْسَاحِ (٢)
كالعَيْرِ مَوَّارَةِ الضَّبْعَيْنِ مِمْرَاحِ (٣)
والصور الفنية المتأثرة ببيئة الصحراء المنتزعة من طبيعتها غزيرة من السهل تتبعها واستخراجها من ديوان الشعر العربي.
الخاتمة
стр. 5622
للبيئة أثر لا ينكر في توجيه النشاط الإنساني، ومجموع العادات والتقاليد الاجتماعية والسلوكية وفي الأعمال الأدبية، وفي إطار تأثير البيئة كان هذا المبحث الأدبي الموجز الذي درس أثر الصحراء في نشأة الشعر العربي وتطوره، وتضمن البحث مقدمة، ثم تمهيدًا تحدثت فيه عن بيئة الصحراء وساكن الصحراء، وعن امتزاج العربي بها حتى أصبحت جزءًا من كيانه، ثم تطرقت إلى محاولة تلمس البدايات الأولى لنشأة الشعر العربي على أديم جزيرة العرب وتطوره حتى وصل إلينا قصائد طويلة، تمتاز بالنضج الشعري شكلاً ومضمونًا على ألسنة الرعيل الأول الذي عرفناه من شعراء العصر الجاهلي. وتناول البحث بعد ذلك أثر الصحراء في اللغة، ولحظت أن بيئة الصحراء أمدت قاموس اللغة العربية بفيض زاخر من الأسماء والصفات التي اكتسبت صفة الاسمية مع كثرة الاستعمال ومرور الزمن، وأحصيت من أسماء الصحراء نحوًا من ثلاثين اسمًا دللتُ على معظمها بشواهد شعرية، ثم تحدثت عن أثر الصحراء في موضوعات الشعر مثل وصف المظاهر الطبيعية والكونية، ووصف الحيوانات التي كانت تجد لها ملاذًا آمنًا في جزيرة العرب، وخصصت بالحديث الناقة؛ لأنها أظهر حيوان صحراوي، ولها ذكر ووصف في معظم دواوين شعراء الصحراء، ثم وصف الأشجار والنباتات التي امتازت بها صحراء جزيرة العرب مستدلاً بالنماذج والشواهد الشعرية، ثم تحدثت بعد ذلك عن أثر الصحراء في مضمون الشعر ومعانيه، فأثرها في الصور الفنية، وهو أثر ملحوظ؛ لأن الشعراء الذين عاشوا في الصحراء استقوا منها معظم صورهم الشعرية.
стр. 5623
وأعد هذا البحث مدخلاً أو توطئة لبحوث أو دراسات موسعة تتناول أثر الصحراء في توجيه مسيرة الشعر العربي، وتفصل في أبواب نقاط البحث التي درستها في إيجاز، وتلم بالقضايا الشعرية التي تتصل بالموضوع اتصالاً قريبًا أو بعيدًا؛ وبناء على ما تقدم فمن الممكن أن نطلق على الأدب في العصر الجاهلي والإسلامي أدب الصحراء؛ وأذكر من هؤلاء جريرًا والفرزدق والأخطل، وبشارًا وأبا نواس ومسلم بن الوليد، والمتنبي، وأضرابهم من شعراء الدولة الأموية والعباسية. وأدب الصحراء يمتاز في معظمه بالقوة والمتانة والجزالة والفصاحة في اللغة والأسلوب، إذ هو بمنأى عن رقة المدن التي ربما تفضي إلى ضعف في اللغة والأسلوب، وهذا أمر ملحوظ بين أدب الصحراء وأدب الحاضرة أو المدن، ولهذا السبب لا يستشهد علماء اللغة والنحو بالشعراء الجاهليين الذين قضوا أعمارهم في الحواضر والمدن؛ كعدي بن زيد العِبَادي؛ لأنه نشأ في الحيرة، ولم يأخذوا اللغة عن الحضر، ولا عن القبائل التي كانت تجاور في منازلها أممًا غير عربية (١)
стр. 5624
الحواشي والتعليقات
стр. 5625
القصة القصيرة عند شيخة الناخي
رائدة القصة الإماراتية
د. زينب بيره جكلي
أستاذ مساعد في جامعة الشارقة
ملخص البحث
القصة القصيرة عند شيخة الناخي رائدة القصة الإماراتية
بقلم الباحثة: د. زينب بيره جكلي
يتحدث بحث " القصة القصيرة عند شيخة الناخي " عن العصر الذي عاشت فيه الأديبة وهو عهد التحول الاجتماعي في الإمارات العربية المتحدة من مرحلة ما قبل النفط إلى ما بعده، والتقدم الاجتماعي والثقافي الذي حصل في هذه الدولة وعن فن القصة في الإمارات وريادة شيخة الناخي لهذا الفن إذ كانت قد نشرت أولى قصصها " الرحيل " منذ ١٩٧٠.
وقد ترجم البحث لهذه الأديبة التي تعمل حالياً مديرة لأكبر ثانوية في الشارقة فضلاً عن نشاطها الثقافي في أندية فتيات الشارقة وفي غيرها.
ثم انتقل الحديث إلى مجموعتين قصصيتين وهما " الرحيل " و " رياح الشمال "، وكانت تتحدثان
مضموناً عن الأوضاع الاجتماعية في الإمارات خاصة ولا سيما في موضوع الحياة الزوجية والتغيرات
الحضارية والاجتماعية والثقافية في البلاد، أما القصص السياسية فقد أبانت عن أوضاع داخلية لبلد
ما، وتحدثت عن الاغتراب السياسي وعن الحروب بين الأقطار العربية.
ثم انتقلت الباحثة إلى الحديث عن بناء القصة، حوادثها ومعناها وشخصياتها فأبانت عن سماتها العامة مبينة استخدامها أساليب شتى في عرض حوادثها، كما تحدثت عن الشخصيات وطرق عرضها وعن نسيج القصة لغوياً، ودرست لغة القصة الفصحى وردت على من شجع على كتابة هذا اللون
الأدبي باللغة العامية، ثم انتقلت إلى الوصف وطريقة السرد والتقرير وانتهت إلى الخاتمة التي لخصت دورها القصصي وهو أن الأديبة كانت مصلحة اجتماعية، وكانت عفة القلم، وقد نبهت الأجيال إلى الهفوات الاجتماعية دون أن ينحدر أدبها وبذلك وضعت لبنة في كتابة القصة كتابة هادفة وأغنت المكتبة الأدبية عامة والخليجية خاصة بآداب رفيعة شكلاً ومضموناً.
***
стр. 5626
مخطط بحث القصة القصيرة عند شيخة الناخي
رائدة القصة في الإمارات
مقدمة:
تمهيد:
عصر الأديبة.
لمحة عن القصة القصيرة في الإمارات.
لمحة عن حياة الأديبة.
دراسة القصة القصيرة عند شيخة الناخي
أولاً: مضمون القصص:
القصص الاجتماعي:
أ - الحياة الزوجية.
ب- التغيرات الحضارية، وآثارها.
٢- القصص السياسي:
أ. قصص الأوضاع الداخلية.
ب. قصص الاغتراب السياسي
ج. قصص الحروب العربية.
د. قصص عن الاستعمار.
ثانيا: الدراسة الفنية للقصص:
١- بناء القصة:
أ - الحوادث.
المعنى ولحظة التنوير.
ج - شخصيات القصة.
٢-نسيج القصة
أ- التشكيل اللغوي.
ب- الوصف.
ج – الحوار.
د- السرد
المقدمة
باسم الله أبدأ، وعلى نهجه أسير، وأسوتي في ذلك رسوله الكريم ﷺ .
فالله ربي جعل القصة عبرة للقارئين، ورسوله العظيم اتخذها مطية للدعوة إلى الله، وإلى الخلق النبيل.
وهاهي ذي شيخة الناخي ابنة الإمارات العربية المتحدة ترى الوضع المتردي للقيم الاجتماعية، وانحرافها عن نهج الله، فيهولها هذا، ويقض مضجعها أن ترى في القصص نأيا عن الصراط السوي حين تصور المرأة متعة للرجل في دنيا بعيدة عن أعراف البلاد وعقيدتها، كما ترى الوضع السياسي المتدهور للأمتين العربية والإسلامية فتكتب مجموعتين قصصيتين هما " الرحيل، ورياح الشمال " وكانت في الأولى رائدة القصة الإماراتية، وبها تبدو وقد خطت في مدارج هذا الفن، وألقت فيه أولى إشعاعات الخير والإصلاح، ولكنها كانت في الثانية، وبعد اطلاعها على أصول هذا الفن الأدبي إبان دراستها الجامعية، أقدر على كتابة هذا اللون الأدبي، وأكثر وعيا لقضايا الأمة، ففي " الرحيل " كانت مصلحة اجتماعية، وفي " رياح الشمال " شاركت أمتها في قضاياها السياسية والاجتماعية دون أن تسمي غالبا قطرا أو معركة، لتبقى القصة رمزا لكل حين وحال مشابهة.
стр. 5627
وقد درست في هذا البحث هاتين المجموعتين، وبدأت بتمهيد أوجز الحديث عن العصر الذي عاشته الأديبة، وعن حياتها، لقلة ما نشر في هذين المجالين ثم أتبعته بالحديث عن مضمون القصة الناخية، ودرستها فنيا، مضمونا وشكلا، وكان اهتمامي بالشكل يفوق اهتمامي بالمضمون بعد أن رأيت الدراسات المعاصرة تصب اهتمامهاعلى الثاني، حتى غدت القصة كبحث عن الدراسات الاجتماعية والسياسية لاعلاقة لها باللغة خاصة، وبالفن عامة إلا لمما.
القصة القصيرة عند شيخة الناخي رائدة القصة الإماراتية
كتاب القصة ورواتها مصلحون لا تستغني عنهم الحضارة الإنسانية فهم يصورون العالم ويخططون حدوده وأشكاله في الأذهان
التمهيد:
سأتحدث فيه عن عصر الأديبة والنشاط القصصي في الإمارات، وعن حياة شيخة الناخي بإيجاز يناسب البحث، ويتعلق به.
١- عصر الأديبة:
عاشت شيخة الناخي على أرض الإمارات العربية المتحدة، وغذت من معين ثقافاتها، وعاداتها، وشهدت تحولات مجتمعها بعد اكتشاف النفط خاصة، وانفتاحها على العالم اجتماعيا وسياسيا، ونشاط الحركة التعليمية فيها، وتحولها من الكتاتيب إلى التعليم الرسمي، ورأت بأم عينها الاتساع الثقافي، ودور المرأة فيه، ودخول أجهزة الإعلام التي أطلعت الشعب على ما يجري في الساحتين العربية والإسلامية في كفاحهما ضد الاستعمار والصهيونية، كما اطلعت على الوعي السياسي والديني الذي كان قد بدأ بتأثيرالحركة الوهابية، ثم اتسع فقضى على البدع والخرافات ونشر الوعي الديني السديد.
стр. 5628
وقد تسربت في الربع الأخير من القرن العشرين تيارات فكرية وفنية جديدة أدت إلى تغير البنى الاجتماعية، وقلب معايير العلاقات بين الناس، وتضاءلت فكرة الانتماء القبلي، وساعدت الصحافة التي ظهرت في البلاد منذ ١٩٦٩ م على نشرالثقافات المتعددة والتطلعات الجديدة، وعلى تقديم القصص للقراء، وكانت جريدتا الخليج والاتحاد تستقبلان نتاج الأدباء وكذلك فعلت المجلات كالرافد والآداب والمنتدى.
وفي عام ١٩٧٦م أنشئت جامعة الإمارات قي مدينة العين فكان لها دورها الثقافي الكبير، وانتسبت الأديبة إلى قسم اللغة العربية فيها، كما عملت البعثات التعليميةعلى تنشيط الثقافة إضافة إلى النوادي الأدبية والجمعيات الثقافية، وكان للمرأة دورها المبكر في هذين المجالين، وكانت "شيخة الناخي " من مؤسسات نادي فتيات الشارقة، ورئيسة القسم الثقافي فيه، وذلك يشير إلى أن المرأة الإماراتية قد حصلت على كثير من حقوقها الثقافية والاجتماعية ٠
وقد عمل " اتحاد كتاب وأدباء الإمارات " على تنشيط الفن القصصي في الإمارات وكان يضم أربع عشرة قاصة، وهذه ظاهرة مثيرة للإعجاب في مجتمع محافظ ناشئ كالإمارات (١) .
٢- لمحة عن القصة القصيرة في الإمارات:
مع ولادة الحركة الأدبية الحديثة في الإمارات برزت القصة كلون أدبي مؤثر، ذلك لأنها من أقدر الفنون الأدبية على تمثيل الأخلاق وتصوير العادات، ورسم خلجات النفوس، وحث القراء على المثل العليا وكريم الخلال ٠
وكان للقصة جذورها في أدبنا العربي القديم ولكن الإمارات المعزولة عن العالم بصحرائها الشاسعة لم تعرف الرواية والقصة كجنس أدبي له شروط فنية جديدة إلا بعد ظهور النفط، واحتكاكها بالعالم ثقافيا وتجاريا، ولهذا برز في القصص الإماراتي التفاعل الثقافي، واصطبغ في كثير منه بالصبغة الإماراتية٠
стр. 5629
وكانت القصص الأولى ودراسات اتحاد كتاب وأدباء الإمارات التي بدأت في لقائه الأول ١٩٨٥م (٢) تهتم بالمضمون لا بالشكل الفني، وكان للمرأة مشاركات في هذا المضمار، إذ تحدثت بنبرة واقعية عن حياة مجتمعها، والتغيرات الحضارية التي ظهرت على الساحة، وما صاحبها من قلق روحي ونفسي، ووجدت في القصة القصيرة بغيتها مما أدى إلى نموها كما وكيفا بصورة تلفت النظر، وكان صوت المرأة ينم عن سخطها على التقاليد ورفضها للأعراف القديمة, ولا سيما سطوة الآباء، وكان في نبرة بعضهن نزعة إنسانية تخطت الحدود المحلية الضيقة وإن لم تتضح فيها تسمية أماكن أو أزمنة محددة، إذ جاءت على شكل تداعيات عن واقع مؤلم أحسسن به، وهو يمثل شريحة في مجتمع ما (٣) كما بدا في القصص أيضا التأثر الواضح بالقصص العربية التي سادت في أجواء العصر الحديث، ولا سيما في مصر والشام إذ ركزت هذه على الفقر، والعلاقة بين الجنسين (٤) فقلدها قصاص الإمارات وصوروا الطبقية وجعلوا العلاقة بين الرجل والمرأة قائمة على الخيانة أو على سوء الفهم (٥) ، حتى بدت كأنها تحكي مجتمعا كمجتمع الغرب لا تحكمه قيم ولا دين، ولا تؤثر فيه أخلاق البداوة وعفتها ونقاؤها.
فالكاتب " عبد الله صقر " تحدث في مجموعته القصصية " الخشبة " في جرأة تخدش الحياء مما أدى إلى حرقها لمنعها من الانتشار (٦) ، والأديبة " سارة الجروان " صورت الرجل أنانيا وقاسيا وزير نساء، مما دعا الكاتب " عزت عمر" أن ينتقدها ويبين أن قصصها لا تصور الرجل على حقيقته إذ جعلته سلبيا، وانحازت إلى صف الأنثى، أو أنها تأثرت بالفكر الاستشراقي في رؤيتها عنهما، وأوضح أن الخلافات الزوجية موجودة في المجتمعات كافة، وعلى المرأة ألا تكون عاطفية في تصويرها للرجل لئلا تنسب إليه أسوأ الصفات (٧) .
стр. 5630
أما " أمينة عبد الله " فقد صورت المرأة خرقة مهترئة ترمى لحي البغاء وتسعى إلى الدعارة، والرجل خبيث الطوية لا مزية إنسانية فيه، وفي قلبه ثعلب شرير، وهو يسخر من الفقراء، ويغري الأطفال بالمال، ونواياه شيطانية، وهو يكره أهل البلد وهم يكرهونه إلا أنهم يزوجونه بناتهم لغناه، والفتيات يكرهنه إلا أنهن يرغمن على الزواج منه ثم يخضعن لسطوته (٨) .
وقصص "سلمى مطر سيف " تمثل المرأة التي لا تحتمل حياة التقاليد فتنحرف إلى الدعارة، وتجعل الرجل لا يصمد أمام إغرائها، وهي تسعى للانتقام منه ولا سيما إن كان غنيا بطريقتها الخاصة القائمة على السكر والعربدة (٩) ٠٠٠
وتهتم " مريم جمعة فرج " بالعمالة الوافدة وبالناس البسطاء أما " شيخة الناخي " فعفة القلم تنأى عن القصص الجنسي المنحرف، وتهتم بوصف المجتمع النسوي البعيد عن الشبهات، تصف أغوار النفس الأنثوية، وتبين ضعف المرأة أمام تسلط الرجل أباً كان أم زوجاً، وكأنها أرادت أن تنبه الوعي إلى أنها إنسانة هدرت كرامتها بتقاليد ما أنزل الله بها من سلطان، وعلى المجتمع أن يتخلى عن هذه التقاليد المنحرفة القاهرة ٠
وسألقي الضوء على قصص هذه الأديبة بعد أن أعرف بها تعريفا موجزا ٠
٣- ... حياة الأديبة:
стр. 5631
في سنة ١٩٥٢ولدت شيخة الناخي في إمارة الشارقة، وتعد هذه ثالث إمارات الدولة في اتساعها وأهميتها، وفي نشاطها الثقافي والتجاري، كما عرفت بوقوفها أمام العدوان الإنجليزي. وكانت أسرتها أسرة علم وأدب، فوالدها مبارك الناخي شاعر يكتب بالفصيح في وقت قل فيه شعراء الفصحى إذ كان الشعرالنبطي هو السائد، وقد تلقت تعليمها الأولي في مدارس مدينتها، ثم انتسبت إلى جامعة الإمارات، وحازت على شهادة الليسانس في الآداب سنة ١٩٨٥ وعلى الدبلوم العام في التربية سنة ١٩٨٧ من الجامعة نفسها، ثم عملت في التدريس، وشغلت منصب مديرة أكبر ثانوية في الشارقة هي ثانوية الغبيبة، ولا تزال على رأس عملها.
تعد شيخة الناخي من أوائل المثقفات النشطات في الدولة اللواتي ساهمن في إثراء الثقافة كما أنها رائدة فن القصة القصيرة، فقد نشرت قصتها الأولى " الرحيل" في١٩٧٠ (١٠) ثم نشطت القصص بعد ذلك، فدل ذلك على بداية مرحلة اجتماعية وثقافية جديدة.
عرفت الأديبة بين زميلاتها بحسن العشرة والأحدوثة، وبالتزامها بالإسلام في تصرفاتها الشخصية والمهنية، ولا سيما الحجاب وعدم الاختلاط، وهي مخلصة في عملها، هادئة، وقور، تقول الكلمة فتسمع، وتعاشر من تعاشره باحترام وهذا ما أكسبها محبة القلوب.
والأديبة عضو في " اتحاد كتاب وأدباء الإمارات " الذي كان يساهم منذ ١٩٨٥في تنشيط الفن القصصي كما أنها رئيسة رابطة أديبات الإمارات في " أندية فتيات الشارقة، ودورها فيه بارز إلى الآن.
ولها مجموعتان قصصيتان هما الرحيل، ورياح الشمال، وتضم الأولى تسع قصص هي حسب تسلسلها: (الرحيل، خيوط من الوهم، أنامل على الأسلاك، وكان ذلك اليوم، حصار، رحلة الضياع، القرار الأخير، الصمت الصاخب، من زوايا الذاكرة، وهي جميعاً أقاصيص اجتماعية تصور قطاعاً من الحياة، وقد التقطت الأديبة مواقفها من المجتمع.
стр. 5632
أما رياح الشمال فتحوي عشر قصص سبع منها سياسية وهي حسب تسلسلها: " رماد، أحزان ليل، إعصار، للجدران آذان، لا تكن جلاداً، حطام المخاوف، انكسارات روح، حزمة الألوان، هواجس، رياح الشمال ".
وسأدرس قصص هاتين المجموعتين مبينة مضامينها وفنيتها.
القصة القصيرة عند شيخة الناخي
القصة القصيرة أكثر الفنون الأدبية انتشارا في العصر الحديث، وهي تقوم على عناصرعدة يجمعها بناء يحوي حادثة يسلط الضوء فيها على جانب معين أو محدد من الحياة، وتتحرك الشخصيات لأدائه في زمن محدد ومكان ضيق، ويتماسك هذا البناء مع نسيج القصة: " الحوار والوصف والسرد " لأداء هدف يتضح في لحظة التنوير، وبها يتجلى المعنى (١١) .
وسأدرس قصص شيخة الناخي بادئة بتعريف القارئ على مضامينها ثم أنتقل إلى دراستها فنيا، بناء ونسيجا.
أولا: مضمون القصة:
مع تغير المجتمع الإماراتي من عصر البحر إلى عصر النفط، ومن الانتماء القبلي إلى الانتماء الدولي برزت تغيرات اجتماعية عديدة رصدها الأدباء وحكوا عنها، وكانت شيخة الناخي قد عايشت هذه التبدلات فراح قلمها يسطر ذلك بأسلوب فني، وقد أولت اهتمامها القضايا الاجتماعية في الإمارات، والسياسية للأمتين العربية والإسلامية اللتين تعانيان في عصرنا هذا من تكالب الاستعمار والصهيونية عليهما.
وسأبين هذين الاتجاهين في مجموعتيها الرحيل ورياح الشمال:
١- القصص الاجتماعي:
стр. 5633
صورت الأديبة الواقع الاجتماعي في الإمارات العربية المتحدة ولا سيما أوضاع المرأة، ومن الجدير بالذكر أن هذه الكاتبة امتازت بعفة قلمها، إذ ربأت بالمرأة أن تجعلها تعيش في بؤرة فساد أو تقلد نساء مجتمع بعيد عن عاداتها وتقاليدها، ولهذا راحت ترصد واقع المرأة الإماراتية في أسرتها، مع زوجها وأبيها ... وتتأمل بفكر ثاقب ما تعاني منه في مجتمعها، ثم تقدم قصصاً إصلاحية تنظر إلى الحياة من وجهة نظر إسلامية وتظهر الصراع على القيم والسلوكيات في نبرة غلبت فيها سلبية المرأة.
ولعل أبرز الموضوعات التي عالجتها هي:
الحياة الزوجية.
التغيرات الحضارية وآثارها الاجتماعية والثقافية المباشرة وغير المباشرة.
الحياة الزوجية:
تحدثت الأديبة، ولا سيما في مجموعتها الأولى " الرحيل " عن ظواهر اجتماعية بدت في مجتمعها الجديد، كظاهرة غلاء المهور، والزواج من المسنين والأغنياء، ومن النساء الأجنبيات، كما حكت انحراف الشباب وأخطاره على الحياة الأسرية.
ففي قصتها " الرحيل " (١٢) وهي أول قصة نشرتها نراها تتحدث عن الزواج من الأغنياء، وغلاء المهور من خلال مأساة علياء التي تفتح قلبها منذ صغرها على حب بريء لابن جيرانها دون أن تتكلم معه، وكذلك كان هو، فلما شبا صارت خالته رسولاً بينهما، وكان يمني نفسه بخطبتها، ولكن والدها رفض لأنه فقير، وهو يريد لابنته زوجاً ثرياً، وباءت المحاولات كلها بالإخفاق، بل طرد من البيت ولهذا قرر الرحيل بعد أن خلف رسالة يخبر بسفره، فدهشت للنبأ غير المتوقع (١٣) .
стр. 5634
وفي قصة " رحلة الضياع " (١٤) تبين لنا أضرار الزواج من الكبار، وتحكم الأب بمصير البنات، وذلك من خلال حديثها عن فتاة توفيت والدتها، فتزوج أبوها من أخرى كانت قاسية جافية فتحولت حياة الصغيرة إلى جحيم ملتهب، ورفض أبوها أن يستمع إلىشكواها، ثم أجبرت على الزواج من رجل مسنّ مريض، وحاولت عبثاً رده عن فكرته، وكانت ليلة الزفاف أليمة، بكت كثيراً، وتذكرت أمها ... وحاولت أن تخلص لزوجها، ولكن نوبات المرض كانت تفقده أعصابه فيضربها بكل ما يقع تحت يده، ويقذفها، ثم ينكر ما اقترفت يداه حين يصحو، ويتهمها بالجنون ... وأحست المسكينة أن السعادة سراب ووهم، ولا سيما بعدما فوجئت بورقة الطلاق ولما أفاقت من الصدمة تطلعت إلى ما حولها في ذهول، وحملت حقيبتها وعادت من حيث أتت.
أما قضية الزواج من الأجنبيات فقد ألمحت إليها الكاتبة إلماحاً من خلال نقدها لعادة تسمية الزواج منذ الصغر في قصتها " خيوط من الوهم " (١٥) ، إذ تحدثت عن فتاة كانت منذ نعومة أظفارها تسمع أنها ستكون زوجاً لعلي، وشغل هذا تفكيرها، ونسجت حوله أحلامها، ولكن ابن عمها هذا لم يفاتح أهلها بالقضية عندما جاء ليودعهم قبيل سفره، بل لم يلق نظرة وداع أو تحية عليها فأدركت الفتاة أنها كانت تعيش في حلم وهمي، وسرعان ما تكشفت لها الحقيقة في رسالة أخبرها فيها أنه أكمل نصف دينه بزواجه من أجنبية.
стр. 5635
وظاهرة انحراف الشباب وإهمالهم لأسرهم، ولهوهم مع رفاق سوء جاءت في قصة " حصار " (١٦) ؛ وتصف لنا شيخة الناخي بإسهاب معاناة الزوجة وسهرها في انتظار قرينها حتى ساعة متأخرة من الليل، وحين يقدم ثملاً لا يعي من حديثها شيئاً، فتضيق من هذه الحياة ... ويصحوان صباح العيد ليذهب إلى صحبه، ويأتي أبوها فترجو منه المرحمة، فيحزن أمضّ الحزن على واقع فلذة كبده، ولكنهما يفاجأان بهاتف من المستشفى يخبرها أن الزوج في حالة خطرة من حادث سيارة، فتهوي السماعة من يدها، وتروح تدور حول نفسها وهي تصرخ " لا.. لا يمكن، إن حياتنا لم تبدأ بعد ".
لم تقف شيخة عند سلبيات المجتمع وإنما أبانت عن إيجابياته أيضاً لتحث الرجال على الحفاظ على الروابط الأسرية، ففي قصتها " أنامل على الأسلاك " (١٧) تطالعنا بحديثها عن امرأة تربي صغيرتها على هم قاتل نتج من إهمال زوجها، ولكن هذا عاد إلى الأسرة بعدما حرك شغاف قلبه حديث ابنته ببراءتها ووداعتها.
وفي " القرار الأخير " (١٨) يبدو جاسم بطل القصة موزع اللب، قد خيم الظلام عليه وهو يقطع أرض الشاطئ جيئة وذهاباً، بعد أن أمضه مطلب زوجته الثانية إذ خيرته بينها وبين الأولى، وكانت هذه قد أصيبت بالعجز، فأصرت عليه أن يقترن بأخرى ليعيش كغيره من الرجال ... وراحت ذكريات فاطمة تنثال على مخيلته، ونسيم البحر يداعب صفحة محياه، ثم اتخذ قراره الأخير وعزم على صرم الثانية إن أصرت على موقفها.
التغيرات الحضارية:
ولهذه أثرها في القصص الإماراتي، وقد بدت في نواح اجتماعية وأخرى ثقافية، وبصورة مباشرة تارة، وغير مباشرة أخرى.
стр. 5636
فمن التغيرات الاجتماعية ما تحدثت به الأديبة في قصتها " هواجس " (١٩) عن ضيق الإماراتي بالمعطيات الحضارية الجديدة التي أدت إلى ازدحام الشوارع بالوافدين من ذوي الوجوه المتعددة الذين لوّثوا نقاء البلد مادياً ومعنوياً، وهم يتكلمون لغة عربية مكسرة، ويحاولون أن ينشروا لغتهم، وعاداتهم وتقاليدهم المغايرة لعادات الإمارات، حتى بات الصغار يطلبون الأفلام المكسيكية، ووجبات الطعام الأمريكية، ولكن ذوي الوعي من أبناء البلد ضاقوا بهذه الحضارة التي جلبت لهم الشر، وحاولوا توجيه الشعب نحو الإفادة من معطياتها الثقافية الجديدة.
وهذه القصة التي سطرتها الأديبة في سنة ١٩٩٥ تمثل أخطار العمالة الوافدة التي باتت مشكلة تتطلب حلاً ناجعاً يحمي الدولة من أخطارها، بعد أن ازدادت نسبة الوافدين أضعاف ما كانت عليه، وكانت الأمم المتحدة في السنة المذكورة تطالب بإعطاء الكثيرين منهم جنسيات إماراتية، وقد تنبه الشعب الإماراتي إلى هذا الخطر الذي يحكم قبضته عليهم، وكان للأدباء دورهم في التحذير من مخاطر سيطرة الغرباء، ولا سيما الهنود على مقدرات الدولة إن أعطيت لهم الهوية الإماراتية، لئلا تصير الإمارات فلسطيناً ثانية (٢٠) ، وشاركت الأديبة الناخي بذلك وحذرت من ذلك، وجاء في قصتها " ما بال الوجوه الغريبة تقتحم عليه كل الأمكنة " (٢١) و " لم تعد المدينة نقية، أصابها التلوث " (٢٢) ، و " حرك كلامه في نفسه مشاعر حزينة، ورغبة في التمرد على الواقع، وعلى كل الأصوات الغريبة التي تحكم حصارها من حوله، غير أن الحياة تجري لاهثة تصادر هويته، وتتحفز للحظة الانقضاض " (٢٣) .
ومن التغيرات الثقافية قضية انتشار التعليم الرسمي في المدارس، والتخلي عن الكتاتيب، مما عرّض معلميها أو المُطَوِّعين فيها كما يسمون للحاجة المادية.
стр. 5637
وتحكي لنا الأديبة في قصتها " من زوايا الذاكرة " (٢٤) هذا التغيير فتصور لنا امرأة لفت نظرها وهي تقود سيارتها مبكراً في طريقها إلى مدرسة ابنتها – شيخاً ينكب على صندوق القمامة، ويبحث في مخلفاته بحذر، ولما رأته تذكرته وذكرت تعليمه والخميسية التي كان يحصل عليها كل أسبوع، والتربية الناجعة التي كان يربي عليها الأولاد إضافة إلى تعليمهم، وكانت كلماته المؤثرة في حياتها لا تبرح مخيلتها فأسفت على ما آل إليه وضعه بعد التغير الثقافي في البلاد.
أما قصة " حزمة الألوان " (٢٥) فتشير إلى عناية الدولة بالمكفوفين وتعليمهم والمتاعب النفسية التي يعاني منها هؤلاء، وهي ترمز بقصة " الوعد الحق " موضوعاً للدرس إلى حياة صاحبها " طه حسين " الذي ثقف وكان أعمى، وكأن هذه القصة الإصلاحية نداء إنساني ليتابع المسؤولون رعايتهم لهؤلاء المبتلين.
وهناك قصص عرضت التغيرات الحضارية بشكل غير مباشر، فقصة " حطام المخاوف " (٢٦) تتحدث عن العلاج الطبي خارج الإمارات، وعن السفر للنزهة صيفاً بعيداً عن حر البلاد، وقصة " الصمت الصاخب " (٢٧) تتحدث عن السفر إلى خارج الدولة عن طريق البر، والمخاطر التي قد تتعرض لها الأسر، ولا سيما إن اعتمدت على سائق غريب لا يدرك أخطار البحر.
من خلال استعراضي لهذه القصص الاجتماعية تبين لي أن الأديبة رسمت المشاكل الاجتماعية التي ينوء المجتمع تحت وطأتها، وكان الكثير منها يتحدث عن الحياة الزوجية، والمرأة أقدر على تصوير عواطف أختها وقضاياها؛ كما حكى لنا بعض آخر الآثار الإيجابية والسلبية للحضارة الجديدة في الإمارات، وأثرها على نفوس الأبناء كباراً وصغاراً، مثقفين وغير مثقفين.
القصص السياسية:
стр. 5638
شيخة الناخي أديبة تتمتع بوعي سياسي واضح يجعلها تعيش مع أوضاع الأمة سياسياً كما عايشتها اجتماعياً، ولذلك لم تدع جانباً من الجوانب السياسية إلا أولته عنايتها، ولا سيما أن الفترة التي كتبت فيها " رياح الشمال "، وهي التي احتوت قصصها السياسي، كانت الإمارات فيها تحتضن شعوباً إسلامية عديدة تعاني الاضطهاد السياسي هنا أو هناك، وقد وعت مخيلتها صور مآسيها وأحاديث معذبيها، ثم كانت حرب البوسنة والهرسك وكوسوفو وأذربيجان، وكشمير والشيشان، والهجوم العراقي على الكويت، وحرب اليمن ... وهذه الحروب والأجواء المكفهرة تركت بصماتها على أدبها قصصاً تحكي المآسي والحروب دون أن تسمي بلداً أو تشير – غالباً – إلى دولة، لتكون المأساة عامة تصلح لكل حرب ضد الطغيان كما صرحت لي (٢٨) ....
وسأدرس قصصها السياسية مقسمة إياها (٢٩) إلى: -
أ - قصص تتحدث عن أوضاع داخلية لبلد ما.
ب - قصص تتحدث عن الاغتراب السياسي.
ج - قصص تتحدث عن الحروب العربية.
د - قصص تتحدث عن الاستعمار.
أ - قصص الأوضاع الداخلية:
وتحكي هذه معاناة شعب من السجون الداخلية، وقد ابتغت القاصة من ذلك تحريك الرأي العام ضد من ينتهك حرمات شعبه، ويحكم عليه أحكاماً جائرة لمجرد الشبهة أو الظنة، لأن ذلك يخلف في نفوسهم معاناة مادية ومعنوية، ولاسيما إن كانوا أبرياء، كبطل قصة " للجدران آذان " (٣٠) ، إذ جرى حديث بينه وبين سجّانه أبان عن الظلم الذي وقع عليه، كما كشف عن أجهزة التصنت التي يستخدمها الطغاة ضد شعوبهم، وقد عبرت الأديبة عنها بكلمة " للجدران آذان ".
ب - أما قصص الاغتراب السياسي:
стр. 5639
فقد تابعت فيها الناخي رسمها للأجواء السياسية التي يعاني منها العرب والمسلمون، ففي لا تكن جلاداً (٣١) يتمكن البطل من الفرار من وطنه واللجوء السياسي إلى دولة ما، وهي ظاهرة كثر أمثالها في عصرنا هذا، وتصوره القاصة يناجي طائراً فيكشف بذلك عن مكنونات نفسه المعذبة، ومن توارد الأفكار على مخيلته ندرك مدى الشقاء الذي يحس به، فهو يجوع طويلاً، وإن أكل فكسرة خبز يطفئ بها هياج أمعائه الخاوية، وهو يعاني الذل والهوان ويحس كأن الناس يطؤونه بأقدامهم، ويفتقر وسط هذه الحضارة المادية إلى الأخوة الإنسانية، وأنى له هذا في مجتمع الغرباء الذي ازدحم فيه الناس، وغدا كلٌّ يفكر بنفسه وسط ضجيج الحياة، وضجيج الكنائس الذي يمقته ويجعله يحن إلى صوت المآذن.. ويتخيل البطل وهو شارد الذهن أن الطغاة يلاحقونه فيتلفت هنا وهناك.. ثم تنقله أفكاره إلى أهله وأولاده، فيتصور نفسه بينهم، ولكن هؤلاء ينصحونه بالعودة إلى مغتربه ... ويظل الرجل يذكر الوطن والمعذبين حتى تأتيه رسالة تخبره أن العدو اعتقل ابنه الذي لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، وبذلك تكتمل صورة الإجرام الوحشي للمستعمر الذي يجثم على صدر الوطن، وينكل بأبناء البلاد كبارهم وصغارهم.
هذه القصة حسب تقديري (٣٢) تمثل واقع الإنسان الفلسطيني الذي يلاقي العنت من الاحتلال الإسرائيلي، إذ يعذب من يناوئه أشد العذاب حتى إن الكثيرين يلاقون حتفهم على أيديه وهم لا يزالون في عمر الورود.
стр. 5640
أما القصص التي تتحدث عن الحروب العربية التي جرت بين الأشقاء فقد صورتها الكاتبة في قصتين هما: " إعصار " (٣٣) و " رياح الشمال " (٣٤) ، وصرحت لي أنها تعني في الأولى ما جرى بين العراق والكويت، وقد كشفت عن التوتر النفسي الذي أصاب الناس يومذاك ممثلاً بجاسم بطل القصة إذ أحس أن النبأ كان كقذائف حارقة، وتهاوى متهالكاً بعدما اتصل بصديقه لينقذه، وعبثاً حاول هذا أن يهدئ روعه ليفكرا بهدوء فيما سيفعلانه، ولكن الرجل فارق الحياة بعد أن أوصى صديقه بالعمل الدؤوب لتحرير الوطن.
أما " رياح الشمال " فتحدثت عن قلق فتاة وأمها من الحرب الدائرة بين اليمن الشمالي والجنوبي، ورفض أب تزويج ابنته من شاب ينتمي إلى الشمال، وعدّه غريباً بسبب الحرب القائمة بين الجزأين، وكأن الأديبة أرادت أن تنبه الرأي إلى أن هذه الخلافات والمجازر بين الأخوة تقطع الأواصر وتدع الشعوب في قلق قد يودي بمستقبل أولادهم.
أما قصص الاستعمار الذي جثم على الأراضي الإسلامية الأخرى بوصفها أرض أخوة لنا تجمعنا وإياهم رابطة العقيدة، فقد صورتها قصة " انكسارات روح " (٣٥) حيث التقطت صوراً من صور التعذيب الوحشي الذي تعرضت له هذه المناطق على أيدي الصرب وقدمت ذلك في أسلوب رمزي يشف عن المعنى (٣٦) ، ويشير إلى الممارسات الجنونية والانزلاق في حفر الهاوية الجهنمية، وإلى الوحش الذي يغرز أنيابه القذرة في أعناق الفتيات العاجية، وأشارت إلى ضرورة الثورة على هؤلاء المجرمين لمقاومة عبثهم الجنوني بنفحات الإيمان، ولئن تطايرت بها الأشلاء فإنها ستكون زهوراً تعبق بشذا رياحين الجنة حتى تزول الأرواح الشريرة وتنكسر حدتها.
وهكذا كانت قصص شيخة الناخي معبرة عن آلامها مما يعاني منه العرب والمسلمون في هذا العصر، سواء في الداخل أم في الخارج، وكانت غالباً لا تعين للحدث زماناً ولا مكاناً ليكون أشمل للواقع المحسوس في كل أرض يسودها طغيان.