← Акыда

Акыда · id 1193

نهج الوصول الي حقيقة محبة الرسول صلى الله عليه وسلم

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (335 стр.). Показаны 316–335 · переход к 321.

стр. 316

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما أولئك الضلال أشباه المشركين والنصارى فعمدتهم: إما أحاديث ضعيفة أو موضوعة، أو منقولات عمن لا يحتج بقوله إما أن يكون كذبا عليه وإما أن يكون غلطا منه إذ هي نقل غير مصدق عن قائل غير معصوم، وإن اعتصموا بشيء مما ثبت عن الرسول ﷺ حرفوا الكلم عن مواضعه وتمسكوا بمتشابهه وتركوا محكمه كما يفعل النصارى" (١). والمقام هنا لا يتسع لعرض تلك الشبه والرد عليها، فمن أراد الاستزادة في هذا الشأن فعليه بمظان ذلك في كتب علماء السلف (٢).

стр. 317

المبحث الثالث حكم ما يفعل عند حجرته التي دفن فيها من الأمور المبتدعة ومن ذلك سؤاله الاستغفار والشفاعة والتوسل والاستغاثة والسجود إلى حجرته والطواف بها والتمسح بالجدران المحيطة بها وإلصاق البطن بها. وجميع هذه الأمور وما شاكلها هي أمور مبتدعة أحدثها بعض المتأخرين ولم يفعلها أحد من سلف الأمة وأئمتها، بل هي منهي عنها. وقد سبق بيان حكم دعائه واستغاثته والاستشفاع والتوسل به وأما السجود للحجرة والطواف بها فهو محرم أو كفر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وزاد بعض جهال العامة ما هو محرم أو كفر بإجماع المسلمين كالسجود للحجرة والطواف بها وأمثال ذلك" (١). "فلا يجوز لأحد أن يطوف بحجرة النبي ﷺ ، وليس في مسجد النبي ﷺ شيء يطاف به، ولا فيه ما يتمسح به، ولا ما يقبَّل. بل ليس في الأرض مكان يطاف به إلا الكعبة، ومن اعتقد أن الطواف بغيرها مشروع فهو شر ممن يعتقد جواز الصلاة إلى غير الكعبة" (٢).

стр. 318

وقال أيضا: "وقد اتفق المسلمون على أنه لا يشرع الطواف إلا بالبيت المعمور، فلا يجوز الطواف بصخرة بيت المقدس ولا بحجرة النبي ﷺ ولا غير ذلك. وكذلك اتفق المسلمون على أنه لا يشرع الاستسلام ولا التقبيل إلا للركنين اليمانيين، فالحجر الأسود يستلم ويقبل، واليماني يستلم. وقد قيل إنه: يقبَّل وهو ضعيف. وأما غير ذلك فلا يشرع استلامه ولا تقبيله، كجوانب البيت، والركنين الشاميين، ومقام إبراهيم، والصخرة والحجرة النبوية وسائر قبور الأنبياء والصالحين (١). فالطواف بغير الكعبة لم يشرعه الله بحال (٢) ولا يفعل في مسجد النبي ﷺ إلا ما يفعل في سائر المساجد (٣). وكذا الحال بالنسبة للسجود للحجرة، فلقد نهي النبي ﷺ عن السجود له في حياته. فعن عبد الله بن أبي أوفى قال: قدم معاذ اليمن أو قال الشام فرأى النصارى تسجد لبطارقتها وأساقفتها فرأى في نفسه أن رسول الله ﷺ أحق أن يعظم فلما قدم قال يا رسول الله رأيت النصارى تسجد لبطارقتها وأساقفتها فرأيت في نفسي أنك أحق أن تعظم. فقال: "لو كنت آمرا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها … " الحديث. وفي رواية: "فقلت لأي شيء تصنعون هذا؟ قالوا هذا كان تحية الأنبياء قبلنا. فقلت: نحن أحق أن نصنع هذا بنبينا. فقال نبي الله ﷺ : "إنهم كذبوا على أنبيائهم كما حرفوا كتابهم إن الله أبدلنا خيرًا من ذلك السلام تحية أهل الجنة" (٤).

стр. 319

وعن قيس بن سعد (١) قال: أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم. فقلت: رسول الله أحق أن يسجد له، قال: فأتيت النبي ﷺ فقلت: إني أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فأنت يا رسول الله أحق أن نسجد لك. قال: "أرأيت لو مررت بقبري أكنت نسجد له؟ " قال: قلت: لا. قال: "فلا تفعلوا، لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن، لما جعل الله لهم عليهن من الحق" (٢). فتأمل وجوب الصحابي عندما قال له النبي ﷺ : "أرأيت لو مررت بقبري أكنت تسجد له؟ فقال: لا فالسجود حق لله تعالى، وما كان حقا خالصا لله لم يكن لغيره فيه نصيب" (٣). ونبينا ﷺ نهى عن الشرك دقِّه وجلِّه وحقيرة وكبيره فالسجود حق للواحد المعبود خالق السماوات والأرض . وكذا الحال بالنسبة للتمسح بالجدران المحيطة بالحجرة وإلصاق البطن بها فليس شيء من هذا من الدين الذي بعث الله به محمدًا ﷺ باتفاق المسلمين. ومن اعتقد أن هذا من الدين وفعله وجب أن ينهى عنه، ولم يستحب هذا أحد من الأئمة الأربعة، ولا فعله أحد من

стр. 320

الصحابة والتابعين لهم بإحسان. والأجر والثواب إنما يكون على الأعمال الصالحة، والأعمال الصالحة هي ما أوجبه الشارع أو استحبه، وهذه الأمور من جملة ما نهي عنه من أسباب الشرك ودواعيه وأجزائه (١) وقد قال ﷺ : "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" (٢) وقال ﷺ : "لا تتخذوا قبري عيدا" (٣). فالتمسح بالقبر - أي قبر كان - وتقبيله وتمريغ الخد عليه منهي عنه باتفاق المسلمين، ولو كان ذلك من قبور الأنبياء؛ ولم يفعل هذا أحد من سلف الأمة وأئمتها بل هذا شرك" (٤). فإن كان هذا حكم من تمسح بالقبر فمن تمسح بالجدران المحيطة من باب أولى.

стр. 321

المبحث الرابع حكم الحلف بالنبي ﷺ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " تنازع الناس هل يحلف بالنبي ﷺ ؟ مع اتفاقهم بأنه لا يحلف بشيء من المخلوقات المعظمة كالعرش والكرسي والكعبة والملائكة. فذهب جمهور العلماء كمالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد في أحد قوليه إلى أنه لا يحلف بالنبي ﷺ ، ولا تنعقد اليمين، كما لا يحلف بشيء من المخلوقات، ولا تجب الكفارة على من حلف بشيء من ذلك وحنث. فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت" (١). وفي رواية: "ألا من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله" (٢). وقال: "من حلف بغير الله فقد أشرك" (٣). وفي رواية: "فقد كفر".

стр. 322

وعن أحمد بن حنبل رواية: أنه يحلف بالنبي ﷺ لأنه يجب الإيمان به خصوصًا، ويجب ذكره في الشهادتين والأذان فالإيمان به اختصاص لا يشركه فيه غيره، واختار هذا طائفة من أصحاب الإمام أحمد كالقاضي أبي يعلى (١) وغيره خصوا ذلك بالنبي ﷺ . وقال ابن عقيل (٢): بل هذا كونه نبيًا وطرد ذلك في سائر الأنبياء. والصواب: قول الجمهور وأنه لا تنعقد اليمين بمخلوق لا بنبي ولا غيره، بل ينهى عن الحلف به. وإيجاب الكفارة بالحف بمخلوق وإن كان نبيًا قول ضعيف في الغاية مخالف للأصول والنصوص. فالذي عليه عامة علماء المسلمين سلفهم وخلفهم أنه لا يحلف بمخلوق، لا نبي ولا غير نبي، ولا ملك من الملائكة، ولا ملك من الملوك، ولا شيخ من الشيوخ. والنهي عن ذلك نهي تحريم عند أكثرهم. وروي عن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر: لئن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أحلف بغير الله صادقًا (٣) وذلك لأن الحلف بغير الله شرك، والشرك أظلم من الكذب (٤).

стр. 323

المبحث الخامس حكم الاحتفال بمولده وفيه مطلبان: المطلب الأول حكم فعل المولد إن من جملة ما نهي النبي ﷺ أمته عنه، وحذرهم منه: ١ - الابتداع في الدين. ٢ - التشبه باليهود والنصارى. والمقيم للمولد والمشارك فيه واقع في المحظورين معًا. فإقامة المولد من الأمور المحدثة المبتدعة التي لم يشرعها النبي ﷺ لأمته، ولم يفعله أصحابه من بعده، بل ولا أهل القرون المفضلة. فما ظنك بعمل لم يأمرنا النبي ﷺ بفعله، ولا حث عليه ولا رغب فيه، وهو المشهود له بأنه ما ترك أمر خير إلا وحث الأمة عليه ورغبهم فيه. وما ظنك بعمل لم يفعله سلف الأمة، "ولو كان خيرًا محضًا، أو راجحًا لكانوا رضوان الله عليهم أحق منا به، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله ﷺ وتعطشا له منا، وهم على الخير أحرص" (١).

стр. 324

وما أحسن أن يستشهد المرء هنا بقول الإمام مالك رحمه الله تعالى: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا ﷺ خان الرسالة، لأن الله يقول ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فما لم يكن يومئذ دينًا، فلا يكون اليوم دينًا" (١). وقال أيضا: "قُبض رسول الله ﷺ وقد تم هذا الأمر واستكمل فإنما ينبغي أن نتبع آثار رسول الله ﷺ ولا نتبع الرأي" (٢). هذا وإن أصل الاحتفال بالمولد يرجع إلى العُبيدين (٣) الذين يتسمون (بالفاطميين) فهم أول من أحدث هذه البدعة في الأمة وما كانت الموالد تعرف في دولة سلام قبل هؤلاء. فقد جاء في كتاب "الخطط" المسمى كتاب "المواعظ والاعتبار والآثار" تحت عنوان (ذكر الأيام التي كان الخلفاء الفاطميون يتخذونها أعيادًا ومواسم … ). قال: "كان للخلفاء في طول السنة أعيادًا ومواسم: رأس السنة، وموسم أول العام، ويوم عاشوراء، ومولد النبي ﷺ " (٤). فكانت الموالد من الآثار التي خلفها هؤلاء العبيديون الباطنيون مع غيرها من البدع والمنكرات التي ما أنزل الله بها من سلطان. قد حمل راية هذه البدعة من بعدهم المتصوفة، الذين وجدوا في

стр. 325

إحياء هذه البدعة متنفسًا لنشر باطلهم وبدعهم، وما الطقوس التي تعمل أثناء إقامة المولد إلا أكبر شاهد على حمل الصوفية لراية هذه البدعة. فقد وجدوا في هذه البدعة مرتعًا خصبًا لنشر غلوهم ورقصهم وطقوسهم وشطحهم وذلك تحت ستار ما يدعونه من محبة النبي ﷺ ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهُمْ مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة]. وقد كان أول تأكد رسمي ناله المتصوفة لإحياء هذه البدعة على يد الملك المظفر ملك إربل، الذي كان يحتفل بالمولد احتفالا هائلًا ينفق فيه ثلاثمائة ألف دينار، ويعمل فيه للصوفية سماعًا من الظهر إلى الفجر، ويرقص بنفسه معهم (١). وفد استمرت هذه الاحتفالات بهذه البدعة إلى زماننا هذا وحسبك ببدعة أنشأها ملاحدة باطنيون معروفون بالبدع والمنكرات، وتولاها من بعدهم متصوفة ضالون مضلون لم يتركوا شيئا من باطلهم وبدعهم إلا وأدخلوه فيما يسمى بالمولد النبوي. ولا عجب في اتفاق الطائفتين على هذا الأمر فهم يجمعهم مشرب واحد إذ الكل يزعم أن الشريعة لها ظاهر وباطن. فمما لا شك فيه أن فعل ما يسمى بالمولد بدعة من البدع التي لا أساس لها في القرآن ولا في السنة ولا في عمل السلف الصالح وهي بالإضافة إلى ذلك لا تحقق المراد من حب الرسول ﷺ فتحقيق محبته وتعظيمه كما سبق وأن بيَّنَّا، هو في متابعته وطاعته واتباع أمره وإحياء سنته باطنا وظاهرا ونشر ما بعث به والجهاد في ذلك بالقلب واليد واللسان، فهذه هي طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان.

стр. 326

ويضاف إلى كون فعل هذا الأمر من البدع التي نهى الشارع عنها: ما فيه كذلك من مضاهاة ومشابهة للنصارى في ميلاد عيسى ﵇ فإن النصارى تحتفل بيوم مولد عيسى ويتخذونه عيدا وذلك بإيقاد الشموع وصنع الطعام وارتكاب المحرمات وفعل الموبقات من شرب للخمور وفعل الفواحش وغير ذلك من المهازل والقبائح، وفي هذا يقول بعضهم معللا مشروعية الاحتفال بفعل المولد "إذا كان أهل الصليب اتخذوا ليلة مولد نبيهم عيدًا أكبر فأهل الإسلام أولى بالتكريم وأجدر" (١). ونسى هذا القائل أو تناسى تحذير النبي ﷺ من مشابهة اليهود والنصارى فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا شبرًا وذراعًا ذراعًا حتى لو دخلوا حجر ضب تبعتموهم". قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: "فمن" (٢) أي فمن هم غير أولئك.

стр. 327

المطلب الثاني بيان ما يفعل في الموالد من الغلو والمنكرات لقد اتخذ أصحاب الطرق الصوفية من المولد ستارًا لترويج باطلهم ونشر بدعتهم عند الجهلة من عوام الناس. فهم باسم محبة الرسول ﷺ يقيمون مثل هذه الاحتفلات، وبذكر شيء من سيرته يفتتحونها، ولكن سرعان ما يظهر الباطل وتنجلي الغشاوة فيرى صاحب البصيرة ألوانًا وأشكالًا من الغلو والبدع المنكرة تظهر من خلال ما يتلفظ به من أقوال، وما ينشد فيه من أشعار، وما يقام من حركات وأفعال، مبدية بذلك الوجه الحقيقي والهدف الرئيسي من إقامة مثل هذه الموالد. ومن عجيب حال هؤلاء أنهم سموا كل اجتماعاتهم التي تقام فيها هذه الأباطيل مولدا مع أن التسمية لا تساعدهم على هذا الإطلاق، وما ذاك إلا أنهم عرفوا أن رواج باطلهم لا يتحقق إلا تحت هذا الستار ليروج أمرهم على خفافيش الأبصار أتباع كل ناعق. فمن البدع والمنكرات التي تقام في هذه الموالد - وما أكثرها - ما يحصل من الغلو في حق النبي ﷺ وذلك من خلال القصائد التي يطلقون عليها اسم المدائح النبوية، والتي لا تخلوا من ألفاظ الغلو في شخص الرسول ﷺ والتجاوز عما حدده الشارع مما يليق بمقامه الكريم من الإجلال والتقدير. فالمتأمل لتلك القصائد يجدها مرصوفة بعبارات التوسل والاستشفاع والاستغاثة، وجعل النبي ﷺ هو المتصرف في هذا الكون وجعله أول الموجودات والقطب الذي تدور عليه الأفلاك، وجعله

стр. 328

الغاية التي من أجلها هذا الكون، إلى غير ذلك الافتراءات والأباطيل التي شحنت بها تلك القصائد. وهذه مقتطفات من بُردة البوصيري (١) تمثل جانبا من مظاهر الغلو التي يتردد في عبارات ما يسمونه بالمدائح النبوية: وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من … لولاه لم تخرج الدنيا إلى العدم دع ما ادعته النصارى في نبيهم … واحكم بما شئت مدحًا فيه واحتكم لو ناسبت قدره آياته عظمًا … أحيا اسمه حين يدعى دارس الرم وكل آي أتى الرسل الكرام بها … فإنما اتصلت من نوره بهم وكلهم من رسول الله ملتمس … غَرفًا من البحر أو رشفًا من الدِّيم لا طيب يعدل تُربًا ضم أعظمه … طوبى لمنتشق منه وملتئم أقسمت بالقمر المنشق أن له … من قلبه نسبة مبرورة القسم ما سامني الدهر ضيمًا واستجرت به … إلا ونلت جوارا منه لم يُضم ولا التمست غني الدارين من يده … إلا استلمت الندى من خير مستلم يا خير من يمَّم العافون ساحته … سعيًا وفوق متون الأينق الرسم خدمته بمديح استقيل به … ذنوب عمر مضى في الشعر والخدم إن آت ذنبا فما عهدي بمنتقض … من النبي ولا حبلي بمنصرم فإن لي ذمة منه بتسميتي … محمدًا وهو أوفى الخلق بالذم إن لم تكن في معادى آخذا بيدي … فضلًا وإلا فقل يا زلة القدم

стр. 329

حاشاه أن يحرم الراجي مكارمه … أو يرجع الجار منه غير محترم ومنذ ألزمت أفكاري مدائحه … وجدته لخلاصي خير ملتزم ولن يفوت الغني منه يدًا تربت … إن الحيا ينبت الأزهار في الأكم يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به … سواك عند حدوث الحادث العمم ولن يضيق رسول الله جاهك بي … إذا الكريم تجلَّى باسم منتقم فإن من جودك الدنيا وضرتها … ومن علومك علم اللوح والقلم (١). فتأمل هذه الأبيات وما فيها من غلو وإطراء ومظاهر شركية تجاوز فيها الشاعر كل الحدود. حيث جعل الرسول ﷺ هو الغاية في خلق الدنيا وعلة وجودها "وجعله بمنزلة الإله فهو يغني ويفقر ويغفر الذنوب ويقيل العثرات وهو الملاذ والملجأ في الدنيا والآخر بل انتهى به الأمر إلى أن جعل تصريف الكون كله بيد رسول الله ﷺ " (٢). فماذا أبقى للخالق وخاصة عند قوله: فإن من جودك الدنيا وضرتها … ومن علومك علم اللوح والقلم "فإذا كانت الدنيا وضرتها من جود الرسول ﷺ ومن بعض علومه علم اللوح والقلم؛ لأن "من" للتبغيض، فماذا للخالق جل وعلا" (٣). فهذا هو بعينه الغلو والإطراء الذي حذر النبي ﷺ أمته منه. وبالإضافة إلى ألفاظ الشرك وعبارات الغلو التي تحملها جل القصائد والمدائح، "فإن الاحتفال عادة ما يختم بدعوات تحمل ألفاظ

стр. 330

التوسلات المنكرة والكلمات الشركية المحرمة، لأن جل الحاضرين عوام أو غلاة في حب التوسلات الباطلة التي نهى عنها الشارع" (١). أضف إلى ذلك ما يدعونه من أن النبي ﷺ يحضر هذه الموالد إما بجسده كما يدعيه بعضهم أو بروحه كما يدعيه البعض الآخر منهم، وسوف أتعرض لهذه النقطة في المبحث القادم بإذن الله. هذا فيما يتعلق بما يحصل في هذه الموالد من غلو في حق ﷺ . ويضاف إلى هذا الأمر ما قد يحصل في بعض الموالد من منكرات وبدع أخرى كالرقص الصوفي، والذكر البدعي، وضرب الدفوف، والتزمير بالمزامير (٢). وقد يحصل فيها اختلاط الرجال بالنساء وشيء من الفجور وشرب الخمور ولكن لا يطَّرد لا في كل البلاد ولا في كل الموالد (٣). فنعوذ بالله من حال أهل الزيغ والضلال. * * *

стр. 331

المبحث السادس حكم القول بحضوره في مجالس المحتفلين ورؤيته بالعين الباصرة إن من يتأمل في كلام الصوفية فيما يتعلق بشأن غلوهم في حق النبي ﷺ بما في ذلك التوسل والاستشفاع والاستغاثة وطلب تفريج الكروب ومغفرة الذنوب وغير ذلك مما تقدم الإشارة إليه يجد أن محور دعواهم يقوم على دعوى أن النبي ﷺ حي بجسده وروحه (١) وأنه يتصرف ويسير حيث شاء في أقطار الأرض وفي الملكوت، وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته لم يتبدل منه شيء، وأنه مغيب عن الأبصار كما في بيت الملائكة - مع كونهم أحياء بأجسادهم - فإذا أراد الله تعالى رفع الحجاب عمن أراد إكرامه برؤيته رآه على هيئته التي هو عليها، لا مانع من ذلك (٢). والصوفية ليسوا على رأي واحد في هذا الأمر بل هم مختلفون مضطربون وفي حالهم هذا يتذكر المرء قول الله تعالى: ﴿ولَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء]. فهم مختلفون في حقيقة المرئي:

стр. 332

فقال بعضهم المرئي ذات المصطفى بجسمه وروحه كما تقدم في النقل السابق. وبعضهم يقول ليس المراد أنه يرى جسمه وبدنه، بل مثالا له، وصار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذي في نفسه. وقالوا: والآلة تارة تكون حقيقة، وتارة تكون خيالية، والنفس غير المثال المتخيل، فما رآه في الشكل ليس هو روح المصطفى ﷺ ولا شخصه، بل هو مثال له على التحقيق. وفصل بعضهم فقال: رؤية (١) النبي ﷺ بصفته المعلومة إدراك له على الحقيقة. ورؤيته على غير صفته إدراك للمثال (٢). وقال بعضهم: ومنهم من يرى روحه في اليقظة متشكلة بصورته الشريفة. ومنهم من يرى حقيقة ذاته الشريفة وكأنه معه في حياته ﷺ ، وهؤلاء هم أهل المقام الأعلى في رؤيته ﷺ (٣). وأعجب من ذلك كله ما ذُكر عن بعضهم من أنه رأى السماء والأرض والعرش والكرسي مملوءة من رسول الله ﷺ . وزعم من زعم أن السؤال عن كيفية رؤية المتعددين له عليه والسلام في زمن واحد في أقطار متباعدة ينحل به، ولا يحتاج معه إلى ما أشار إليه بعضهم وقد سئل عن ذلك فأنشد: كالشمس في كبد السماء وضوؤها … يغشى البلاد مشارقًا ومغاربًا (٤)

стр. 333

فانظر إلى هذا الغلو عندهم، نعوذ بالله من حال أهل الزيغ والضلال. ويحسن قبل الشروع في تفنيد هذا الباطل وكان فساده أن أشير إلى الوجه الآخر لهذه الدعوى. فهذه الطائفة لم تكن لتدَّعي هذه الدعوى إلا لما فيها من المكاسب والأهداف والغايات التي يتحصلون عليها كل من وراء ذلك. فمنهم من يستغل هذه الدعوى ليحصل على إجازة من الرسول ﷺ للطريقة التي ابتدعها والأذكار والأوراد التي اخترعها لتصبح بعد ذلك شرعا لأتباعه. ومنهم من يستغل ذلك لإيهام الناس بأن ذلك من كراماته ليحظى لديهم بالمنزلة والمكانة إلى غير ذلك من الغايات والمأرب. هذا وإن لموضوع رؤية النبي ﷺ جوانب متعددة يخصُّنا منها ما يتعلق بعنوان المبحث وهو دعوى رؤيته يقظة بعيني الرأس. فهذه الدعوى مخالفة للشرع والعقل. أما من جهة الشرع فليس هناك دليل شرعي يثبت حصول ذلك وغاية ما دلت عليه النصوص إمكانية الرؤيا المنامية، فحملها أهل الباطل على الرؤية البصرية، ومما يؤكد فساد هذا التأويل للرؤيا واقع القرون المفضلة المشهود لهم بالخيرية من المصطفى ﷺ ، فلم ينقل عن أحد من أهل هذه القرون الثلاثة أنه رأى النبي ﷺ يقظة بعد موته. مع أنه قد حدثت في أزمانهم حوادث كان الحاجة إلى ظهوره شديدة جدا لو كان ذلك ممكنًا. فالصحابة قد وقع بينهم اختلاف في عدد من المسائل الدينية والدنيوية وفيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ولم يبلغنا أنا أحدا منهم ادعى أنه رأى في اليقظة رسول الله ﷺ وأخذ عنه ما أخذ، وكذا لم

стр. 334

يبلغنا أنه ﷺ ظهر لمتحير في أمر من أولئك الصحابة الكرام فأرشده وأزال تحيره. "وقد قال ابن عبد البر لمن ظن أن الرسول ﷺ قد كلم بعض الناس بعد وفاته عند حجرته. فقال له ابن عبد البر: ويحك هذا أفضل من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار؟ فهل من هؤلاء من سأل النبي ﷺ فأجابه؟ وقد تنازع الصحابة في أشياء، فهلَّا سألوا النبي ﷺ فأجابهم، وهذه بنته فاطمة تنازع في ميراثه فهلَّا سألته فأجابها؟ (١). وأما من جهة العقل: فلما يترتب على هذه الدعوى من اللوازم الباطلة فليزم منها: ١ - أن يخلو قبره من جسده فلا يبقى في قبره منه شيء فيكون من يزوره في ذلك الوقت يزور مجرد القبر ويسلم على الغائب. ٢ - أن يحيا الآن ويخرج من قبره ويمشي في الأسواق ويخاطب الناس ويخاطبوه. ٣ - أن يكون الشخص الذي رأه يقظة له حكم الصحابة رضوان الله عليهم. ٤ - أن يكون الكلام الذي تكلم به النبي ﷺ تشريعًا جديدًا لهذه الأمة وهذا لا شك فيه، طعن في كمال هذا الدين وكونه عرضة للتبديل والتغيير. وهذه الجهالات لا يلتزم بها من كان له أدنى مسكة عقل. ومن ظن أن جسد رسول الله ﷺ المودع في المدينة خرج من القبر وحضر في المكان الذي رآه فيه فهذا جهل لا جهل يشبهه.

стр. 335

فقد يراه في وقت واحد ألف شخص في ألف مكان على صور مختلفة. فكيف يتصور هذا في شخص واحد؟ " (١). هذا وأن الذي يعتقده علماء السلف هو أن الأنبياء أحياء في قبورهم حياة برزخية الله أعلم بكيفيتها، وقد حرم الله على الأرض أن تأكل أجسادهم، وأن هذه الأجساد لا تخرج من القبور حتى يبعث الله الخلائق كما في الحديث عنه ﷺ "فإن الناس يصعقون فأكون أول من تنشق عنه الأرض" (٢). وعنه ﷺ أنه قال: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر" الحديث (٣). فالرسول ﷺ لا يخرج من قبره قبل يوم القيامة ولا يتصل بأحد من الناس. بل هو منعَّم في قبره وروحه في أعلى عليين عند ربه في دار الكرامة. والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل. * * *