← Акыда

Акыда · id 1193

نهج الوصول الي حقيقة محبة الرسول صلى الله عليه وسلم

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (335 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة المعتني بالكتاب إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وبعد: [فقد كان الناس قبل مبعث محمد ﷺ في جاهلية جهلاء يعيشون في ظلمات من الشرك والجهل، وتسيطر عليهم الخرافات، ويتطاحنون في نزاعات وصراعات قبلية، يسبي بعضهم بعضًا، ويقتل بعضهم بعضًا، يعيشون في تخلف وهمجية وفرقة، شعارهم:

стр. 2

ومَن لَمْ يَذُدْ عَنْ حَوْضِهِ بسلاحِهِ … يُهدَّمْ ومَنْ لا يَظلمِ النَّاسَ يُظْلَمِ حتى إذا أذن الله لشمس الإسلام أن تشرق، بعث محمدا ﷺ ليعلن للبشرية أنه: "لا إله إلا الله، ولا معبود بحق سواه". لقد جاء بالتوحيد الذي هو حق الله على العبيد، والغاية العظمى من الخلق، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات]، به بُعث الرسل وأنزلت الكتب، ورفع من أجله علم الجهاد. ثلاث عشرة سنةً في مكة والنبي ﷺ يدعو إليه، ويغرس جذوره في أعماق النفوس، ويبني أسسه ودعائمه في سويداء القلوب، ويثبت أركانه في الوجدان؛ حتى اتضحت سبيله للسالكين، وبانت معالمه للراغبين، فأظهر الله الحق وأزهق الباطل، وأضاءت القلوب أنوار التوحيد الخالص، فجلته من أوضار الشرك، وصقلته من أدران التنديد. لقد جاء النبي ﷺ والقلوب أرض جرداء، فسقاها من نمير التوحيد، وأرواها من سلسبيل الإخلاص، وساقها إلى الله دليل المتابعة، فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، فعزت الأمة بعد ذلتها، واجتمعت بعد فرقتها، وصارت غالبة بعد أن كانت مغلوبة. بقيت العقيدة على صفائها ونقائها وطهرها؛ حتى إذا قضى الله أمرًا كان مفعولا، ودخل في دين الله من لم يتشرب قلبه التوحيد الخالص، حدث في الناس الخلل، وتفرقت بهم السبل، وراجت المذاهب المنحرفة، والأفكار الهدامة، وأطلت الفتن برأسها، وفشت البدع ببؤسها، حتى إذا زاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، وابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا؛ قيض الله من أئمة الهدى، وأعلام الدجى من يعيد الناس إلى مشكاة النبوة وقلعة الإيمان، ويكشف لهم زيوف الباطل، ويدحض شبه المبطلين، ويردهم إلى منهج السلف الصَّالح.

стр. 3

إن المتبصر في تاريخ الأمة الإسلامية؛ ليرى أن عزتها وعلوها وغلبتها ودينونة الأمم لها مرتبطة بصفاء عقيدتها، وصدق توجهها إلى الله، واتباعها لأثر النبي ﷺ ، وسيرها على منهج السلف الصالح، واجتماعها على أئمتها، وعدم منازعتهم في ذلك، وأن ذلها وضعفها وانخذالها، وتسلط الأمم عليها مرتبط بانتشار البدع والمحدثات في الدين، واتخاذ الأنداد والشركاء مع الله، وظهور الفرق الضالة، ونزع يد الطاعة، والخروج على الأئمة. إن الانحرافات العقدية، والحيدة عن منهج السلف الصالح، والانخداع بزخرف قول أرباب المذاهب المنحرفة هو الذي فرق الأمة، وأضعف قوتها، وكسر شوكتها، والواقع شاهد على ذلك، ولا مخرج لها من ذلك إلا بالرجوع إلى ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه وأئمة الهدى، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. وإن النكوص عن جادة التوحيد، والرغبة عن منهج السلف الصالح، منافاة للعدل، ومجافاة للعقل. قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٠]. وإن أعظم القسط التوحيد، وهو رأس العدل وبه قوامه، وإن أظلم الظلم الشرك، قال تعالى حكاية عن لقمان في وصيته لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، وإن أعظم الفرية أن تشرك بالله وقد خلقك. وإذا كان الله قد أمر بالإصلاح، ونهى عن الفساد والإفساد، كما قال جلت عظمته: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف].

стр. 4

فإن أعظم الإفساد أن تفسد عقائد الناس، وتصوراتهم، وأفكارهم، ويقطع عليهم الطريق في مسيرهم إلى الله، ويحاد بهم عن الفطرة التي فطرهم الله عليها. قال الرسول ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" (١). ويعضده قول النبي ﷺ : "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم، ما علمني يومي هذا: كل ما نحلته عبدًا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا .... " (٢). ولا شك أن هذا أعظم الظلم وأشنعه، كيف لا، وقد صار عاقبة ذلك خسران الدنيا والآخرة. وفي هذه الأزمنة المتأخرة التي حدثت فيها الغير، وتزينت الدنيا لخُطَّابها، كشف أهل الأهواء عن أقنعتهم، وانتشرت بدعهم، وأحييت مذاهب أسلافهم بعد أن كانت بائدة، ونبشت كتب لهم كانت منسية، وظهرت أفكار جديدة، وبرزت جماعات معاصرة متباينة في مقاصدها، مختلفة في توجهاتها، متناقضة في غاياتها ووسائلها، كلما خرجت جماعة أو فرقة لعنت أختها، وتطاول أناس على قامة التوحيد والسنة، ولوثوا أفكار الناس، وأفسدوا عليهم عقائدهم، وهونوا عليهم أمر الشرك، ورفعوا أعلام الفتن، ونازعوا ذوي السلطان في سلطانهم، وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى، واتبعوا غير سبيل المؤمنين. مما يوجب على الغيورين من علماء الأمة ودعاة السنة المقتفين للأثر؛ القيام بواجب الإبانة عن أصول الدِّيانة، وتبيين معالم منهج

стр. 5

السَّلف، وإيضاح سبيله، وتقريب كتب أئمة الهدى، وإبرازها بالتحقيق وشرح عبارات الأئمة، وبيان مقاصدهم والعناية بأمر التوحيد والمنهج في دروسهم وخطبهم ومحاضراتهم ومؤلفاتهم، وإرشاد العباد إلى اتباع خطى النبي ﷺ ولزوم سنته، والسير على أثر أصحابه امتثالا لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران]. وقول النبي: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن كان عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرة؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين؛ تمسكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" (١)، فهذا هو الصراط المستقيم، الموصل إلى رضا رب العالمين. قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْوَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام]. وهو السبيل الذي دعا إليه رسوله محمد ﷺ ، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف]. وهو عقيدة الفرقة الناجية التي أخبر عنها النبي ﷺ بقوله: "لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم؛ حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك" (٢). وهي التي بقيت على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه؛ ففي

стр. 6

الحديث أنه ﷺ قال: " … وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة؛ كلهم في النار إلا ملة واحدة قال - أي: عبد الله بن عمرو راوي الحديث: من هي يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي" (١). ومن هنا تأتي أهمية العناية بهذا الأمر، وتربية الناشئة عليه، وتصحيح مسيرة الصحوة إليه؛ حتى لا تتشعب بها السبل، فتضل في متاهات الأهواء والفتن] (٢). وقد وفَّق الله تعالى عددا من مشايخنا وعلمائنا ونفرًا من طلبة العلم المخلصين إلى الاهتمام بهذا الموضوع العظيم تدريسًا وتحقيقا وتأليفا، وكان منهم: صاحب الفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور محمد بن خليفة بن علي التميمي حفظه الله في كتابه الكبير الماتع: "حقوق النبي ﷺ على أمته في ضوء الكتاب والسنة". وقد انتقيت من هذا الكتاب النفيس البحث الذي يتعلق بمحبة النبي الكريم ﷺ ، رغبة إفراده بالنشر لما حواه من فوائد عظيمة وتحقيق بديع، وسميته: "نهج الوصول إلى حقيقة محبة الرسول ﷺ " رجاء أن ينفع الله به عموم المسلمين؛ لأن من حقه على أمته أن تكون الألسنة رطبة بالثناء على كل ما يتعلق به مع الحذر من الغلو الذي لا يرضاه الله ولا رسوله، وبيان ضرورة الثناء على سنته وإيضاح محاسنها والتمسك بها، لأن التعظيم الحقيقي للنبي ﷺ لا يكون إلا وفق ما أمر به الشارع الحكيم.

стр. 7

وأسأل الله أن يجزي صاحب الفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور محمد بن خليفة التميمي حفظه الله خير الجزاء. وأن يمتعه بالصحة والعافية ويبارك له في عمره وعلمه وعمله. كما أسأله جل ثناؤه أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم مقربًا إليه مباركًا نافعًا لعباده، إنه سبحانه سميع مجيب. كتبه الفقير إلى عفو ربه عبد الجبار بن عبد العظيم بن محمد آل ماجد غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين a.J.majid.hotmail.com

стр. 8

تمهيد (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم) [ينبغي الحذر والتحرُّز من الاشتباه الذي قد يحصل ما بين حق الله تعالى وما للرسول من حق؛ إذ قد يقع التداخل بين الحقين على وجه لا يشعر العبد فيه بالفرق، وقد يتعمد الخلط بين المفهومين ظانًا أنه بذلك يؤدي واجب تجاه النبي ﷺ ، أو قد يكون مدفوعا بفرط محبة النبي ﷺ والمبالغة في تعظيمه؛ فيتجاوز بذلك حدود حق الله تعالى الخالص فيجعله - ظلمًا - من حق الرسول ﷺ ، فيصرف - بذلك - العبادة إليه، فيقع في الشرك المنهي عنه بهذه الأسباب أو بغيرها، فلا يحقق - بالتالي - ركن الشهادة ولا شرطها. والمعلوم أن لله حقًّا خالصًا لا يشرك فيه معه غيره، وهو ما يختص به من الربوبية والألوهية، والأسماء والصفات؛ فإن كل ما دعا إليه الشرع الحكيم من أنواع الطاعات وأعمال الخير والإحسان ما أمر به وحثَّ على فعله ورغَّب فيه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة داخل في مفهوم العبادة وعمومها، لا يجوز صرفه - بحال - لغير الله تعالى، بل حق الله المؤكد على العبيد وجوب صرف كل العبادات له دون غيره؛ لأنه هو المعبود المطاع، ولا معبود بحق سواه، وهي الغاية التي خلق الله الخلق لأجلها، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات]، والمعلوم أن لا نصيب لأحد في الجنة بدون القيام بحق الله تعالى، كما جاء في حديث معاذ بن جبل ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "يا معاذ، أتدري

стр. 9

ما حق الله على العباد؟ " قال: "الله ورسوله أعلم"، قال: "أن يُعْبَدَ اللهُ ولا يشرك به شيئا"، قال: "أتدري ما حقهم عليه إذا فعلوا ذلك؟ " فقال: الله ورسوله أعلم"، قال: "أن لا يعذبهم (١). قال السعدي ﵀: "وهذا النوع - يعني: توحيد الألوهية والعبادة - زبدة رسالة الله لرسله؛ فكل نبي يبعثه الله يدعو قومه يقول: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وهو الذي خلق الله الخلق لأجله، وشرع الجهاد لإقامته، وجعل الثواب الدنيوي والأخروي لمن قام به وحققه، والعقاب لمن تركه، وبه يحصل الفرق بين أهل السعادة القائمين به، وأهل الشقاوة التاركين له" (٢)، وقال ﵀ في موضع آخر: "فجميع الكتب السماوية وجميع الرسل دعوا إلى هذا التوحيد، ونهوا عن ضده من الشرك والتنديد، وخصوصا محمد ﷺ وهذا القرآن الكريم؛ فإنه أمر به وفرضه وقرره أعظم تقرير، وبينه أعظم بيان، وأخبر أنه لا نجاة ولا فلاح ولا سعادة إلا بهذا التوحيد، وأن جميع الأدلة العقلية والنقلية والأفقية والنفسية أدلة وبراهين على هذا الأمر بهذا التوحيد ووجوبه؛ فالتوحيد هو حق الله الواجب على العبيد، وهو أعظم أوامر الدين وأصل الأصول كلها وأساس الأعمال" (٣). وأن للرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم - من جهة أخرى -

стр. 10

حقا خاصا: هو توقيرهم وتبجيلهم وإعانتهم ونصرتهم وتقديرهم بما يستحقون؛ لقوله تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩]، وهذا الحق الخاص للرسل والأنبياء ﵈ يندرج في النصيحة لرسول ﷺ في الحديث المشهور: "الدين النصيحة" قلنا: لمن؟ " قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)) (١)، قال الخطابي ﵀: "وأما النصيحة لرسوله ﷺ فإنما هي في تصديقه على الرسالة، وقبول ما جاء به ودعا إليه، وطاعته فيما سن وشرع وبين من أمر الدين وشرح، والانقياد له فيما أمر ونهى وحكم وأمضى، وترك التقديم بين يديه، وإعظام حقه وتعزيره وتوقيره ومؤازرته ونصرته، وإحياء طريقته في بث الدعوة وإشاعة السنة، ونفي التهمة في جميع ما قاله ونطق به؛ فإنه لكما وصفه ربه وباعثه فقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم]، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء] " (٢). وأما قوله تعالى في سورة الفتح: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ فإن التسبيح من حقوق الله الخاصة به؛ فلا يجوز تسبيح الرسول ﷺ كما يسبح الله تعالى فإن ذلك يعد - بلا شك - شركًا بخلاف الإيمان بالله ورسوله وطاعتهما؛ فإنهما من الحقوق المشتركة بين الله ورسوله؛ لقوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الفتح: ٩]؛ ولقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢؛ التغابن: ١٢]، والإيمان بالله والرسول وطاعته هو - في حقيقة الأمر - إيمان بالله وطاعة له؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، "فذكر الله - في هذه الآية - الحق

стр. 11

المشترك بين الله وبين رسوله وهو: الإيمان بهما، والمختص بالرسول وهو: التعزير والتوقير، والمختص بالله وهو: التسبيح له والتقديس بصلاة أو غيرها" (١). لذلك يحرم مجاوزة الحد المشروع في الأنبياء والرسل ﵈ والغلو فيهم؛ خشية رفعهم من درجة النبوة إلى حيز صفات الربوبية والألوهية: كنسبة علم اللوح والقلم للرسول ﷺ ، أو اعتقاد القدرة فيه على كشف الضر أو جلب النفع والخير، وما ينجر عنه من دعائه والاستغاثة به فيما لا يقدر على تحصيله إلا الله تعالى، والتوكل عليه، ونحو ذلك مما ينافي التوحيد؛ لكونها من الحقوق الخاصة بالله ، سواء وقع التداخل والخلط بين هذه الحقوق من غير تميز بينها - جهلًا - أو بدعوى مزيد محبة النبي ﷺ المفرطة، علما أن محبة الرسول الحقيقية إنما هي متابعته والمسارعة في طاعته فيما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح، ومن دفع ما يبغضه من الكفر والفسوق والعصيان؛ فالمحبة لها علامتان: فهي لا تتم إلا بتجريد المتابعة لشرع الله الذي جاء به النبي ﷺ عن ربه. أولا: لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران]، ومما جاء به عن ربه: إفراد الله بالعبادة بجميع أنواعها ومراتبها وصورها من غير صرف أي شيء منها لأحد كائنا من كان، وهذا معنى كلمة التوحيد. ثانيا: ولا تتم محبة الله - إلا بموالاته تعالى وموافقته فيما يحب ويكره؛ فيحب العبد ما يحبه ربه ويبغض ما يبغضه؛ عملا بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٣٤]، وبقوله ﷺ :

стр. 12

" [فوالذي نفسي بيده]، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده [والناس أجمعين] " (١). ولتثبيت هذه الحقائق والمعاني في نفوس المسلمين وترسيخها أفصح القرآن الكريم أن النبي ﷺ بشر يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له وإلى إقامة دينه مقيدا بما جاء به من سنته، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْإِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف]، وقد بين ابن القيم ﵀ هذا المعنى - بجلاء - بقوله: "والأعمال أربعة: واحد مقبول، وثلاثة مردودة؛ فالمقبول ما كان الله خالصا وللسنة موافقة، والمردود ما فقد منه الوصفان أو أحدهما، وذلك أن العمل المقبول هو ما أحبه الله ورضيه، وهو - سبحانه - إنما يحب ما أمر به وما عمل لوجهه، وما عدا ذلك من الأعمال فإنه لا يحبها، بل يمقتها ويمقت أهلها" (٢). وفصَّل ابن رجب ﵀ مسألة العمل - من حيث ظاهره وباطنه - بما نصه: " .. وإنما يتم ذلك بأمرين: أحدهما: أن يكون العمل - في ظاهره - على موافقة السنة، وهذا هو الذي تضمنه حديث عائشة ﵂: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد" (٣)، والثاني: أن يكون العمل في باطنه يقصد به وجه الله ، كما تضمنه حديث عمر: "الأعمال بالنيات" (٤)

стр. 13

وقال الفضيل ﵀ في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، قال: "أخلصه وأصوبه"، وقال: "إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصًا وصوابًا"، قال: "والخالص إذا كان لله ، والصواب إذا كان على السنة" (١) ولهذا كان الدعاء لجلب الخير والنفع أو لكشف الضر أو دفع السوء والأذى إنما هو موجه للمعبود الحق دون غيره لقوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾، وقد فسر ابن باديس ﵀ هذه الآية بقوله: "فمن دعا غير الله فقد عبده، ومن دعا مخلوقا مع الخالق فقد أشرك، فإذا دعوت فادع ربك ولا تدع معه أحدًا، وكيف تدعو من لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا؟! وإذا توسلت فتوسل بأعمالك: بإيمانك وتوحيدك، وباتباعك لمحمد، ومحبتك له، واعتقادك ما له عند الله من عظيم المنزلة وسمو المقام عليه وعلى آله الصلاة والسلام" (٢)، ولقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ الله﴾ [يونس: ٤٩]. قال الشيخ محمد صديق حسن خان ﵀ في حكم التوجه إلى الرسول بالدعاء والاستغاثة به ما نصه: "وفي هذا أعظم واعظ وأبلغ زاجر لمن صار ديدنه وهجيراه المناداة لرسول الله ﷺ ، والاستغاثة به عند نزول النوازل التي لا يقدر على دفعها إلا الله سبحانه، وذلك من صار يطلب من الرسول ﷺ ما لا يقدر على تحصيله إلا الله سبحانه؛ فإن هذا مقام رب العالمين الذي خلق الأنبياء والصالحين وجميع المخلوقين: رزقهم وأحياهم ويميتهم؛ فكيف يطلب من نبي من الأنبياء أو ملك من

стр. 14

الملائكة أو صالح من الصالحين ما هو عاجز عنه غير قادر عليه، ويترك الطلب لرب الأرباب، القادر على كل شيء، الخالق الرازق المعطي المانع؟ وحسبك - في هذه الآية - موعظة؛ فإن هذا سيد ولد آدم وخاتم الرسل يأمره الله بأن يقول لعباده: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [يونس: ٤٩]؛ فكيف يملكه لغيره؟ وكيف يملكه غيره - ممن رتبته دون رتبته، ومنزلته لا تبلغ إلى منزلته - لنفسه فضلا عن أن يملكه لغيره؟ فيا عجبا القوم يعكفون على قبور الأموات الذين قد صاروا تحت أطباق الثرى، ويطلبون منهم من الحوائج ما لا يقدر عليه إلا الله ، كيف لا يتيقظون لما وقعوا به من الشرك، ولا ينتبهون إما حل بهم من المخالفة لمعنى: (لا إله إلا الله)، ومدلول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؟! وأعجب من هذا اطلاع بعض أهل العلم على ما يقع من هؤلاء ولا ينكرون عليهم ولا يحولون بينهم وبين الرجوع إلى الجاهلية الأولى، بل إلى ما هو أشد منها؛ فإن أولئك يعترفون بأن الله - سبحانه هو الخالق الرازق المحيي المميت الضار النافع، وإنما يجعلون أصنامهم شفعاء لهم عند الله ومقربين إليه، وهؤلاء يجعلون لهم قدرة على الضر والنفع، وينادونهم - تارة - على الاستقلال وتارة مع ذي الجلال، وكفاك من شر سماعه، والله ناصر دينه ومظهر شريعته من أوضار الشرك وأدناس الكفر، ولقد تول الشيطان - أخزاه الله - بهذه الذريعة إلى ما تقر به عينه وينثلج به صدره من كفر كثير من هذه الأمة المباركة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، إنا لله وإنا إليه راجعون" (١). هذا، والقرآن الكريم تضمن العديد من الآيات الناهية عن الدعاء بجلب الخير، والسؤال لكشف الضر أو تحويله، إلا من الله تعالى الذي دعانا إلى طلبه منه والتوجه إليه مباشرة دون واسطة، قال تعالى: ﴿ادْعُونِي

стр. 15

أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. وعليه، فلا وساطة للرسل والأنبياء ﵈ في شيء بين الله تعالى وعباده من طلب الحوائج من الله تعالى، وإنما وساطتهم تتجلى في تبليغ شرع الله ودينه لعباده. وفي بيان هذه الوساطة وإثباتها قال الشيخ عبد العزيز المحمد السلمان ﵀ ما يلي: "إنها على قسمين: - واسطةٌ من تمام الدين والإيمان إثباتها: وهي أن الرسول ﷺ وغيره من الرسل وسائط بين الله وبين عباده في تبليغ دينه وشرعه. * وواسطةٌ شركيةٌ: وهي التقرب إلى أحد من الخلق ليقربه إلى الله، وليجلب له المنافع التي لا يقدر عليها إلا الله، أو يدفع عنه المضار؛ فهذا النوع من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله. فالخلق مضطرون إلى وساطة الرسل في تبليغ الدين، وليس بهم حاجة إلى وساطة أحد في طلب الحوائج من الله؛ فليس بين العبد وبين الله حجاب ولا واسطة" (١). ومنه يعلم أن الله تعالى لم يجعل وساطة الرسل والأنبياء ﵈ ولا مكانتهم وجاههم - فضلا عن الصالحين - طريقة للتقرب منه أو وسيلة موصلة إليه ولا سبأ للزلفى لديه، وإنما جعل القرب منه والوسيلة إليه في تصديقهم فيما أخبروا به، واتباع النور الذي جاءوا به من عبادته وطاعته وامتثال أوامره ونواهيه، والتزام محابه واجتناب مكارهه، والعمل على تقرير شرعه ونشره وتثبيته وإقامته بين الخلق. ولا يخفى أن الأنبياء والرسل ﵈ التي لم يدعوا أن بأيديهم مفاتيح

стр. 16

رزق الله ورحمته، ولا أنهم يملكون التصرف في خزائن الله، ولا أنهم يعلمون الغيب، ولا أنهم ملائكة، وإنما هم بشر ممن خلق، يوحى إليهم منن الله تعالى، شرفهم الله بالوحي الذي يتبعونه ولا يخرجون عنه، وأنعم عليهم بالمكارم والفضائل والكمالات، وعصمهم من الرذائل والنقائص والمعايب، وأكرمهم بالرسالة أو النبوة لهداية الخلق إلى الحق وإقامة الحجة عليهم، وأيدهم بالآيات البينات والمعجزات الباهرات وخوارق العادات الدالة على صدقهم؛ حتى لا يبقى عذر لأحد في تكذيبهم والخروج عن طاعتهم؛ وليس للرسل والأنبياء ﵈ أي تصرف مع الله في الكون؛ لذلك كانوا إذا سئلوا الآيات المعجزات الخارقة للعادة؛ ردوا الأمر إلى الله، ونفوا أن تكون لهم قدرة على الإتيان بها إلا بإذن الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ١١]؛ فيظهر الله - على أيديهم - الآيات تأييد لهم وتخويفا لأقوامهم وقطعة لمشاغبتهم؛ فيخضع لها بعضهم ويستمر الأكثرون على العناد، فما من نبي من الأنبياء إلا وقد أعطاه الله من الآيات والمعجزات ما يمثله - في وضوحه وظهوره والعجز عن معارضته - ما يؤمن عليه العباد ويتفقون عليه لولا ما يصدهم عنه من العناد، وهو معنى قوله: "ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر" (١) (٢)؛ ولهذا أمر الله تعالى نبيه أن يبرأ من دعوى هذه المحاور الثلاثة من العلم والقدرة والغني، التي ترجع إليها المعجزان بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا

стр. 17

يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠]. قال ابن تيمية ﵀ و ما نصه: "فأمره أن يخبر أنه لا يعلم الغيب، ولا يملك خزائن الله، ولا هو ملك غني عن الأكل والمال، إن هو إلا متبع لما أوحي إليه، واتباع ما أوحي إليه هو الدين، وهو طاعة الله وعباده علما وعملا بالباطن والظاهر، وإنما ينال من تلك الثلاثة بقدر ما يعطيه الله تعالى: فيعلم منه ما علمه إياه، ويقدر منه على ما أقدره الله عليه، ويستغني عما أغناه الله عنه من الأمور المخالفة للعادة المطردة أو لعادة غالب الناس" (١). ومن هنا يظهر - جليا - أن حياة أنبياء الله ورسله - صلوات الله وسلامه عليهم - لم تكن مبنية على تغييب حقيقتهم البشرية، أو رفع أنفسهم إلى مقام الربوبية، أو ادعاء خصائص الألوهية، أو إرادة تلبيس بين حق الله الخالص وحق أنبيائه الكرام ﵈، كلا، إنما كانت حياتهم مليئة بالصلة بالله، وعامرة بالعلم النافع، والعمل الصالح، والقوة في العبادة، والمسارعة في الخيرات، والبصيرة النافذة في الدين؛ حتى بلغوا الغاية في العبودية والسمو الروحي، يهدون الناس إلى الله، ويبلغون دينه وشرعه، ويدعون إلى الهدى ودين الحق، ويتنافسون في القرب من ربهم، ويبذلون ما في وسعهم من الأعمال الصالحة المقربة إلى الله بجد واجتهاد، يرجون - بأعمالهم الصالحة ومحبتهم الصادقة - رحمته، ويخافون - بمخالفتهم لأمره - عذابه، ويخشون - بقصورهم عن أداء حقه - عقوبته وانتقامه؛ لعلمهم بقوة الله وعظيم سلطانه، وأن عذابه أليم شديد، شأنه أن يتقى ويُحذر، قال الله تعالى عن أهل اصطفائه واجتبائه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء]، وقال تعالى:

стр. 18

﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء]. فتلك هي العبودية الحقه التي كان الرسل والأنبياء ﵈، والمعلوم أن العبد كلما ازداد في تحقيق العبودية الخالصة ازداد كماله وسمت روحه وعلت درجته، وكلما نقصت عبوديته ازداد بعدا وهبوطا وانحدارًا، والرسل والأنبياء ﵈ وإن تفاوتوا في الفضل والدرجة - إلا أنهم كانوا يتنافسون في القرب من ربهم، ويتسابقون في تحقيق العبودية، ويسارعون في الخيرات كما تقدمت به الآيات؛ ولهذا وصفهم الله تعالى في كتابه بوصف العبودية التي أساسها المحبة والخوف والرجاء فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص]، وقال: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾ [ص: ٤١]، وذكر نبينا محمد ﷺ بوصف العبودية في أسمى أحواله وأشرف مقاماته: كالإسراء في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]، وفي مقام الإيحاء والتحدي بالذي أنزل عليه، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَاإِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]، وفي مقام القيام بالدعوة، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]، وغيرها من الآيات المخبرة عن فضائل عباده المرسلين وأنبيائه العابدين، المجتهدين في تحقيق العبودية الخالصة لله رب العالمين. وعلينا - أخيرًا - أن نقتدي بهم في تحقيق هذه العبودية الخالصة لله تعالى ونهتدي بهديهم، مع احترام حقهم ومنزلتهم في التوقير والتبجيل

стр. 19

والمحبة والنصرة، من غير غُلُوٍّ في تعظيمهم ولا إطراءٍ مُفْضٍ بمحبتهم إلى امتزاج حقهم بما لله تعالى من حق خالص في العبودية] (١). كيف كان الغلو أول سبب لوقوع الشرك في العالم؟ [ .. كان الناس أمة واحدة على الإسلام، موحدين متفقين على الحق والتوحيد في زمن أبينا آدم ﵇، إلى قبيل زمن نوح ﵈. ثم اختلفوا بسبب مكر الشيطان وحيله الخفية، قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩]. وقال ﷺ فيما يرويه عن ربه: "إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم (٢) عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا" (٣). وعن ابن عباس ﵄ قال: "كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين" (٤).

стр. 20

وبهذا يتضح لنا أن الأمة كانت على شريعة واحدة؛ التي هي التوحيد الخالص، ثم طرأ الشرك عليها (١). وإليك التدرج الذي فعله الشيطان مع بني الإنسان لإخراج الناس من عبادة الله وحده إلى الشرك به وعبادة غيره، وهو مأخوذ من تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح]، حيث إن هؤلاء الخمسة كانوا عبادًا صالحين، فلما ماتوا، أوحى الشيطان إلى قومهم؛ أن انجبوا لهم أنصابًا، وسموها بأسمائهم، واعكفوا عليها لتتذكروهم، وتقتدوا بأعمالهم الصالحة، فلما ذهب هذا الجيل، وأتي من بعدهم، أوحي إليهم الشيطان: إن أسلافكم كانوا يعبدونهم، فافعلوا كما كانوا يفعلون، ففعلوا؛ فوقع الشرك في بني آدم من طريق الغلو في الصالحين، ومن ثم أرسل الله جل وعلا نوح ﵇ ليدعوهم إلى عبادة الله وحده وترك الشرك، فلم يستجيبوا له إلا قليل منهم. ويتضح هذا المعنى بذكر الآثار الواردة في تفسير الآية المتقدم ذكرها من سورة نوح ﵇، وإليك بعضا منها: عن ابن عباس ﵄، قال: "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم، أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسَّخ العلم، عُبدت" (٢). وما روى ابن جرير بإسناده عن محمد بن قيس، قال: كانوا قوم صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدرون بهم، فلما ماتوا

стр. 21

قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم؛ كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون، دب إليهم إبليس، فقال: إنما كان يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم" (١). فهنا قولان: الأول: أنها كانت في قوم نوح. الثاني: أنها كانت أسماء رجال صالحين. ولا فرق بين القولين، فإن كونها أسماء أصنام لا ينافي كون تلك الأصنام لرجال صالحين في الأصل. قال ابن حجر ﵀ بعد حكايته للقولين -: "بل مرجع ذلك إلى قول واحد، وقصة الصالحين كانت مبتدأ عبادة قوم نوح هذه الأصنام، ثم تبعهم من بعدهم على ذلك" (٢). إذا علم ذلك كله، ظهر أن أعظم أسباب الشرك وعبادة الأصنام الغلو في المخلوقين، ورفعهم فوق منازلهم (٣)، فلذلك نهى الله عن الغلو ومشابهة أهل الكتاب الذين غلوا في أنبيائهم وصالحيهم حتى عبدوهم من دون الله؛ فقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]، ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود].

стр. 22

وكذلك اهتم النبي ﷺ بهذا الباب، فحذر أشد التحذير من الغلو، وسد ذرائعه وأبوابه، وحاربه في جميع ميادين ونواحي العبادة (١). ومما ورد عنه في ذلك قوله ﷺ : "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله" (٢). قال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀ بعد إيراده لهذا الحديث ما نصه: "أي: لا تمدحوني فتغلوا في مدحي، كما غالت النصارى في عيسى؛ فادعوا فيه الربوبية، وإنما أنا عبد الله، فصفوني بذلك كما وصفني به ربي، وقولوا: عبد الله ورسوله" (٣). * منها ما جاء عن عائشة ﵂: أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة - رأينها بالحبشة فيها تصاوير - لرسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات، بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة" (٤). قال شيخ الإسلام ﵀: "وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع هي التي أوقعت كثيرًا من الأمم؛ إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك، فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم

стр. 23

الصالحين … فهذه المفسدة - التي هي مفسدة الشرك كبيره وصغيره - هي التي حسم النبي ﷺ مادتها؛ حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقا … (١) (٢). * منها ما جاء عن ابن عباس ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ غداة العقبة وهو على راحلته -: "هات القط لي" فلقط له حصيات هن حصى الخذف (٣)، فلما وضعتهن في يده قال: "بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين" (٤). قال شيخ الإسلام ﵀ بعد إيراده لهذا الحديث -: "إن هذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال" (٥).

стр. 24

* ومنها: أنه ﷺ نهى أن يجصَّص القبرُ، وأن يُقعَد عليه، وأن يبنى عليه (١). * ومنها: أمره ﷺ بتسوية القبور وطمس التماثيل؛ فعن أبي الهياج الأسدي، قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : "ألا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفا إلا سويته" (٢) * ومنها: ما جاء عن أنس بن مالك ﵁ قال: دخل النبي ﷺ فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: "ما هذا الحبل؟ "، قالوا: هذا حبل لزينب، فإذا فترت تعلقت به، فقال النبي ﷺ : "لا، حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر، فليقعد" (٣). قال ابن حجر ﵀ تحت هذا الحديث: "وفيه الحث على الاقتصاد في العبادة، والنهي عن التعمق فيها" (٤). وغيرها كثير من أقواله ﷺ في النهي عن التشدد، والأخذ بالأيسر، والرفق في الأمر كله (٥)؛ كما قال ﷺ : "إن الدين يسر، ولن يشاد الدينَ

стр. 25

أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغَدْوَةِ (١) والرَّوْحَةِ (٢) وشيءٍ من الدُّلْجَةِ (٣) (٤)، والله تعالى أعلم] (٥). * * *

стр. 26

الباب الأول: وجوب محبته ﷺ - وفيه فصلان

стр. 27

الفصل الأول: بيان المعنى الصحيح لمحبته ﷺ والأدلة على وجوبها وفيه مبحثان

стр. 28

المبحث الأول: المعنى الصحيح لمحبته ﷺ - المطلب الأول: تعريف المحبة: أحببت قبل الشروع في بيان المعنى الصحيح لمحبة النبي ﷺ أن أتطرق للمعنى اللغوي والاصطلاحي لكلمة المحبة، وذلك بهدف التعريف بهذه الكلمة وبيان مدلولها: أ - أصل اشتقاق المحبة: قال صاحب لسان العرب: "المحبة: اسم للحب" (١). ويرى ابن القيم أن مادة كلمة "حب" تدور في اللغة على خمسة أشياء: أحدها: الصفاء والبياض، ومنه قولهم لصفاء بياض الأسنان ونضارتها "حبب الأسنان". الثاني: العلو والظهور، ومنه "حبب الماء وحبابه" وهو ما يعلوه عند المطر الشديد، وحبب الكأس منه. الثالث: اللزوم والثبات، ومنه: "حبَّ البعير وأحب، إذا برك ولم يقم.

стр. 29

قال الشاعر: حلت عليه بالفلاة ضربًا … ضرب بعير السوء إذ أحبَّا الرابع: اللب، ومنه: حبة القلب، للبُّه وداخله. ومنه: الحبة لواحدة الحبوب، إذ هي أصل الشيء ومادته وقوامه. الخامس: الحفظ والإمساك، ومنه حب الماء للوعاء الذي يحفظ فيه ويمسكه وفيه معنى الثبوت أيضًا. ثم قال ﵀: ولا ريب أن هذه الخمسة من لوازم المحبة: ١ - فإنها صفاء المودة، وهيجان إرادات القلب للمحبوب. ٢ - وعلوها وظهورها منه لتعلقها بالمحبوب المراد. ٣ - وثبوت إرادة القلب للمحبوب ولزومها لزوما لا تفارقه. ٤ - ولإعطاء المحب محبوبه لبه وأشرف ما عنده، وهو قلبه. ٥ - ولاجتماع عزماته وإراداته وهمومه على محبوبه. فاجتمعت فيها المعاني الخمسة (١). ووضعوا لمعناها حرفين مناسبين للمسمى غاية المناسبة: "الحاء" التي هي من أقصى الحلق. و "الباء" الشفوية التي هي نهايته.

стр. 30

فللحاء الابتداء، وللباء الانتهاء، وهذا شأن المحبة وتعلقها بالمحبوب، فإن ابتداءها منه وانتهاءها إليه. وقالوا في فعلها: حَبْهُ وأحَبَّهُ. ثم اقتصروا على اسم الفاعل من "أحب" فقالوا: "مُحِبٌّ" ولم يقولوا "حاب". واقتصروا على اسم المفعول من "حب" فقالوا: "محبوب" ولم يقولوا "مُحَب" إلا قليلا كما قال الشاعر: ولقد نزلت فلا تظني غيره … مني بمنزلة المُحَب المكرم (١) وأعطوا "الحب" حركة الضم التي هي أشد الحركات وأقواها، مطابقة لشدة حركة مسماه وقوتها. وأعطوا "الحِب" وهو المحبوب: حركة الكسر لخفتها عن الضمة وخفة المحبوب، وخفة ذكره على قلوبهم وألسنتهم … فتأمل هذا اللطف والمطابقة والمناسبة العجيبة بين الألفاظ والمعاني تطلعك على قدر هذه اللغة، وأن لها شأنا ليس لسائر اللغات (٢). ب - الحد الاصطلاحي للمحبة: قال ابن حجر (٣): "وحقيقة المحبة عند أهل المعرفة من المعلومات التي لا تحد، وإنما يعرفها من قامت به وجدانا ولا يمكن التعبير عنها" (٤).

стр. 31

وقال ابن القيم: "لا تحد المحبة بحد أوضح منها، فالحدود لا تزيدها إلا خفاء وجفاء، فحدها وجودها. ولا توصف المحبة بوصف أظهر من المحبة، وإنما يتكلم الناس في أسبابها، وموجباتها، وعلاماتها، وشواهدها، وثمراتها، وأحكامها فحدودهم ورسومهم دارت على هذه الستة، وتنوعت بهم العبارات وكثرت الإشارات، بحسب إدراك الشخص ومقامه وحاله وملكه للعبارة" (١) قلت: وهذا الذي ذكره ابن القيم وابن حجر هو الذي تطمئن له النفس فالمحبة أمر شعوري وجداني يتعرف عليه بواسطة الأمور الستة التي أشار إليها ابن القيم، وذلك لكون هذه الأمور هي العناصر التي يمكن أن يعبر عن المحبة من طريقها. ولذلك فلا داعي لذكر تعريفات العلماء لها فحدها وجودها، والحدود لا تزيدها إلا خفاء وجفاء كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى

стр. 32

المطلب الثاني: أقسام المحبة: أ - أقسام المحبة من حيث العموم: تنقسم المحبة من حيث العموم إلى قسمين: ١ - مشتركة، ٢ - خاصة. القسم الأول: المحبة المشتركة. وهي ثلاثة أنواع: أحدها: محبة طبيعية كمحبة الجائع للطعام، والظمآن للماء ونحو ذلك، وهذه لا تستلزم التعظيم. الثاني: محبة رحمة وإشفاق، كمحبة الوالد لولده الطفل، وهذه أيضا لا تستلزم التعظيم. الثالث: محبة أنس وألف، وهي محبة المشتركين في صناعة أو علم أو مرافقة أو تجارة أو سفر، لبعضهم بعضا، وكمحبة الإخوة بعضهم بعضا. فهذه الأنواع الثلاثة، التي تصلح للخلق، بعضهم من بعض، ووجودها فيهم لا يكون شركا في محبة الله، ولهذا كان رسول الله ﷺ يحب الحلواء والعسل، وكان يحب نساءه، وعائشة أحبهن إليه، وكان يحب أصحابه، وأحبهم إليه الصديق ﵁. القسم الثاني: المحبة الخاصة التي لا تصلح إلا لله. ومتى أحب العبد بها غيره، كان شركًا لا يغفره الله، وهي محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع والتعظيم، وكمال الطاعة، وإيثاره على غيره.

стр. 33

فهذه المحبة لا يجوز تعلقها بغير الله أصلًا (١) بل يجب إفراد الله بهذه المحبة الخاصة التي هي توحيد الإلهية، بل الخلق والأمر والثواب والعقاب، إنما نشأ عن المحبة ولأجلها، فهي الحق الذي خلقت به السموات والأرض، وهي الحق الذي تضمنه الأمر والنهي وهي سر التأله، وتوحيدها هو شهادة أن لا إله إلا الله، وليس كما يزعم المنكرون، أن الإله هو الرب الخالق، فإن المشركين كانوا مقرِّين بأنه لا رب إلا الله ولا خالق سواه، ولم يكونوا مقرين بتوحيد الإلهية الذي هو حقيقة لا إله إلا الله، فإن الإله الذي تألهه القلوب حبا وذلا وخوفا ورجاء وتعظيما وطاعة. وإله بمعنى مألوه؛ أي: محبوب معبود، وأصله من التأله وهو التعبد الذي هو آخر مراتب المحبة، فالمحبة حقيقة العبودية (٢) وسيأتي مزيد تفصيل لهذا القسم. ب - أقسام المحبة باعتبار متعلقها ومحبوبها: تنقسم المحبة باعتبار متعلقها ومحبوبها إلى قسمين: ١ - نافعة محمودة، ٢ - مذمومة ضارة. القسم الأول: المحبة النافعة: وهي التي تجلب لصاحبها ما ينفعه وهو السعادة وهي ثلاثة أنواع: أ - محبة الله. ب - محبة في الله. ج - محبة ما يعين على طاعة الله واجتناب معصيته.

стр. 34

فيحب الله تعالى حبًّا لا يشاركه فيه أحد، ويكون الله هو المحبوب المراد الذي لا يحب لذاته ولا يراد لذاته إلا هو، وهو المحبوب الأعلى الذي لا صلاح للعبد ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا بأن يكون هو محبوبه ومراده وغاية مطلوبه. وتكون هذه المحبة مستلزمة لما يتبعها من عبادته تعالى وخضوعه له، وتعظيمه . والمحبة في الله: بأن يحب المؤمنين لا يحبهم إلا لله ويكون هواه تبعا لحب الله تعالى ورضاه، فلا يحب إلا ما يحب الله تعالى. ومحبة ما يعين على طاعة الله أنواع كثيرة تندرج فيها جميع العبادات. القسم الثاني: المحبة الضارة: وهي المحبة المذمومة التي تجلب لصاحبها ما يضره وهو الشقاء. وهي ثلاثة أنواع أيضا: ١ - المحبة مع الله. ٢ - محبة ما يبغضه الله. ٣ - محبة ما تقطع محبته عن محبة الله تعالى أو تنقصها. فمن النوع الأول: محبة المشركين آلهتهم كحب الله. ومن النوع الثاني: محبة الفواحش والمنكرات التي يبغضها الله. ومن النوع الثالث: عشق النساء الذي يزيد عن حده حتى يضيع الأوامر ويدخل في النواهي، وفي مقدمة ذلك عشق الفاسقات والعاهرات والولدان. فهذه ستة أنواع عليها مدار كتاب الخلق. فأصل المحاب المحمودة محبة الله تعالى؛ وأصل الإيمان والتوحيد والنوعان الآخران تبع لها.

стр. 35

كما أن المحبة مع الله أصل الشرك والمحاب المذمومة، والنوعان الآخران تبع لها (١). فأصل الشرك الذي لا يغفره الله هو الشرك في هذه المحبة، فإن المشركين لم يزعموا أن آلهتهم وأوثانهم شاركت الرب سبحانه في خلق السموات والأرض وإنما كان شركهم بها من جهة محبتها مع الله فوالوا عليها وعادوا عليها وتألهوها وقالوا: هذه آلهة صغار تقربنا إلى الإله الأعظم، قال تعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّه﴾. ففرق بين محبة الله أصلًا، والمحبة له تبعًا، والمحبة معه شركًا، وعليك بتحقيق هذا الموضع فإنه مفرق الطرق بين أهل التوحيد وأهل الشرك (٢).

стр. 36

المطلب الثالث: حقيقة المحبة الشرعية: المقصود بالمحبة الشرعية: محبة الله ومحبة رسوله ﷺ وكل ما يدخل في فلكها ويدور مع محورها. فهذه المحبة من أعظم واجبات الإيمان وأكبر أصوله، بل ومن أوجب العبادات المناطة بقلب المؤمن، ذلك لأنه لابد في إيمان القلب من حب الله ورسوله، وأن يكون الله ورسوله ﷺ إليه مما سواهما. فهي أصل كل عمل من أعمال الإيمان والدين، كما أن التصديق به أصل كل قول من أقوال الإيمان والدين، فإن كل حركة في الوجود إنما تصدر عن محبة: إما محبة محمودة، أو عن محبة مذمومة. فجميع الأعمال الإيمانية الدينية لا تصدر إلا عن المحبة المحمودة، وأصل المحبة المحمودة هي محبة الله ، إذ العمل الصادر عن محبة مذمومة لا يكون عملا صالحا عند الله، بل جميع الأعمال الإيمانية الدينية لا تصدر إلا عن محبة الله، فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه. كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه أنه قال "أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" (١). فإخلاص الدين لله هو الدين الذي لا يقبل الله سواه وهو الذي

стр. 37

بعث به الأولين والآخرين من الرسل، وأنزل به جميع الكتب واتفق عليه أهل الإيمان. وهذا هو خلاصة الدعوة النبوية وهو قطب القرآن الذي تدور عليه رحاه (١). فأصل الدين وقاعدته يتضمن أن يكون الله هو المعبود الذي تحبه القلوب وتخشاه ولا يكون لها إله سواه، والإله ما تألهه القلوب بالمحبة والتعظيم والرجاء والخوف والإجلال والإعظام ونحو ذلك. والله سبحانه أرسل الرسل بأنه لا إله إلا هو فتخلو القلوب عن محبة ما سواه بمحبته، وعن رجاء ما سواه برجائه، وعن سؤال ما سواه بسؤاله، وعن العمل لما سواه بالعمل له، وعن الاستعانة بما سواه بالاستعانة به (٢). فإذا كان أصل العمل الديني هو إخلاص الدين لله، وهو إرادة الله وحده فالشيء المراد لنفسه هو المحبوب لذاته، وهذا كمال المحبة، ولكن أكثر ما جاء المطلوب باسم العبادة كقوله تعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والأِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذرايات]، وقوله: ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ والَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، وأمثال هذا والعبادة تتضمن كمال الحب ونهايته، وكمال الذل ونهايته، فالمحبوب الذي لا يعظم ولا يذل له لا يكون معبودا، والمعظم الذي لا يحب لا يكون معبودا، ولهذا قال تعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. فبين سبحانه أن المشركين بربهم الذين يتخذون من دون الله أندادا، وإن كانوا يحبونهم كما يحبون الله، فالذين آمنوا أشد حبا لله منهم لله ولأوثانهم، لأن المؤمنين أعلم بالله، والحب يتبع العلم، ولأن المؤمنين

стр. 38

جعلوا جميع حبهم لله وحده، وأولئك جعلوا بعض حبهم لغيره وأشركوا بينه وبين الأنداد في الحب، ومعلوم أن ذلك أكمل، قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر]. واسم المحبة فيه إطلاق وعموم فإن المؤمن يحب الله ويحب رسله وأنبياءه وعباده المؤمنين، وإن كان ذلك من محبة الله، وإن كانا المحبة التي لله لا يستحقها غيره. ولهذا جاءت محبة الله مقرونة بما يختص به سبحانه من العبادة والإنابة إليه والتبتل له، ونحو ذلك. فكل هذه الأسماء تتضمن محبة الله . وكما أن محبته هي أصل الدين، فكذلك كمال الدين يكون بكمالها ونقصه بنقصها (١) وكمال هذه المحبة هو بالعبودية والذل والخضوع والطاعة للمحبوب فالحق الذي خلق به ولأجله الخلق هو عبادة الله وحده التي هي كمال محبته والخضوع والذل له، ولوازم عبوديته من الأمر والنهي والثواب والعقاب، ولأجل ذلك أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وخلق الجنة والنار (٢). قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أيُّكُمْ أحْسَنُ عَمَلًا﴾ وقال تعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أيُّهُمْ أحْسَنُ عَمَلًا﴾، وقال تعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ فِي سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أيُّكُمْ أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]. فأخبر سبحانه في هذه الآيات أن خلق العالم والموت والحياة وتزين الأرض بما عليها أنه للابتلاء والامتحان ليختبر خلقه أيهم أحسن عملا، فيكون عمله موافقًا لمحاب الرب تعالى، فيوافق الغاية التي خلق

стр. 39

هو لها وخُلق لأجلها العالم، وهي عبوديته المتضمنة لمحبته وطاعته، وهي العمل الأحسن وهو مواقع محبته ورضاه، وقدر سبحانه مقادير تخالفها بحكمته في تقديرها، وامتحن خلقه بين أمره وقدره ليبلوهم أيهم أحسن عملا. فانقسم الخلق في هذا الابتلاء فريقين: فريقًا داروا مع أوامره ومحابه، ووقفوا حيث وقف بهم الأمر، وتحركوا حيث حركهم الأمر، واستعملوا الأمر في القدر، وركبوا سفينة الأمر في بحر القدر، وحكموا الأمر على القدر، ونازعوا القدر بالقدر امتثالا لأمره واتباعا لمرضاته فهؤلاء هم الناجون. والفريق الثاني: عارضوا بين الأمر والقدر، وبين ما يحبه ويرضاه وبين ما قدره وقضاه، فهؤلاء هم المفرطون (١). وحقيقة المحبة: حركة نفس المحب إلى محبوبه، فالمحبة حركة بلا سكون (٢) فالحب يوجب حركة النفس وشدة طلبها، والنفس خلقت متحركة بالطبع كحركة النار، فالحب حركتها الطبيعية، فكل من أجل شيئا من الأشياء وجد في حبه لذة وروحا، فإذا خلا عن الحب مطلقا تعطلت النفس عن حركتها وثقلت وكسلت وفارقها خفة النشاط، ولهذا تجد الكسالى أكثر الناس هما وغما وحزنا، ليس لهم فرح ولا سرور، بخلاف أرباب النشاط والجد في العمل أي عمل كان، فإن كان النشاط في عمل هم عالمون بحسن عواقبه وحلاوة غايته كان التذاذهم بحبه ونشاطهم فيه أقوى. وإنه ليس للقلب والروح ألذ ولا أطيب ولا أحلى ولا أنعم من محبة الله والإقبال عليه وعبادته وحده وقرة العين به، والأنس بقربه،

стр. 40

والشوق إلى لقائه ورؤيته، وإن مثقال ذرة من هذه اللذة لا يعدل بأمثال الجبال من لذات الدنيا ولذلك كان مثقال ذرة من إيمان بالله ورسوله يخلِّص من الخلود في دار الآلام فكيف بالإيمان الذي يمنع من دخولها (١). ولهذا كان أعظم صلاح العبد أن يصرف قوى حبه كلها لله تعالى وحده بحيث يحب الله بكل قلبه وروحه وجوارحه فليس لقلب العبد صلاح ولا نعيم إلا بأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن تكون محبته لغير الله تابعة لمحبة الله، فلا يحب إلا لله. كما في الحديث الصحيح: "ثلاث من كن فيه، وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار" (٢)، فأخبر أن العبد لا يجد حلاوة الإيمان إلا بأن يكون الله أحب إليه مما سواه، ومحبة الرسول هي من محبته، ومحبة المرء إن كانت لله فهي من محبة الله، وإن كانت لغير الله فهي منقصة لمحبة الله مضعفة لها، وتصدق هذه المحبة بأن يكون كراهته لأبغض الأشياء إلى محبوبه - وهو الكفر - بمنزلة كراهته لإلقائه في النار أو أشد. ولا ريب أن هذا من أعظم المحبة، فإن الإنسان لا يقدم على محبة نفسه وحياته شيئا، فإذا قدم محبة الإيمان بالله على نفسه بحيث لو خير بين الكفر وإلقائه في النار لاختار أن يلقى في النار ولا يكفر كان الله
следующие страницы →