← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 11986

تداخل الأصول اللغوية وأثره في بناء المعجم

عبد الرزاق بن فراج الصاعدي

Полный текст (1 028 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

والمجلاَّت ... حتَّى أنَّه لم يخف على أحد؛ بل عُرفنا به لدى الجميع، والنَّاس لنا بين مادحٍ وقادحٍ ... "١. وقد أقام الكرمليُّ حجَّته على أنَّ اللُّغة العربيّة وُضعت في أوَّل أمرها على هجاء واحد متحرِّكٍ فساكنٍ، محاكاة لأصوات الطَّبيعة، ثم زيد فيها حرف أو أكثر تصديراً أو حشواً أو تذييلاً. ويُعدّ تلميذه (مَرْمَرْجِي الدُّومنكيُّ) من أبرز روّاد الثُّنائيّة؛ إن لم يكن أبرزهم على الإطلاق، ومن أشدّهم تحمّساً لتلك النّظريّة، وقد كرّس وقته وجهده للدِّفاع عنها؛ من خلال كتابه (هل العربيّة منطقيّةٌ) و (مُعْجَمِيَّات عربيّة ساميَّة) ومقالاته المتعدّدة الَّتي كان ينشرها في بعض الدَّوريَّات العربيّة. وقد ساعد الدُّومنكيُّ على التعمُّقِ في تلك النظريَّة إلمامه بعدد من اللُّغات السَّاميَّة؛ كالسُّريانيّة، والعبْريَّة، والآراميّة، إلى جانب العربيَّة؛ فقد كان يعقد موازناتٍ بين العربيّة وتلك اللُّغات ملتمساً بعض ما يعدُّه دليلاً لمذهبه. وكان مَرْمَرْجي يرى أنَّ اللُّغة غير منطقيَّةٍ؛ إن عُولجت وَفق نظرة القدماء؛ باعتمادهم الثُّلاثيّ وتكون منطقيَّة إذا دُرست من خلال جذور الثُّنائيَّة٢. وكان يرى أنَّ "طريقة الاشتقاق والتَّوسُّع في السَّاميَّات قائمةٌ على

стр. 142

الارتقاء من الأقلِّ والأنقص إلى الأكثر والأكمل؛ أي: حسب السُّنَّة الطَّبيعيّة؛ سُنَّة الرُّقيِّ"١. ولخَّص الدُّومنكيُّ بعض مبادئ الثُّنائيَّةِ، وذكر أنَّ من نتائجها أنَّ المثال والأجوف والنَّاقص مزيدات، أو توسُّعاتٌ في الرِّسِّ الثُّنائيِّ؛ الَّذي تجري فيه أوّل صور التّوسُّع؛ بتكرار الثُّنائيِّ منه أو بتشديده. ومن أمثلة ذلك - عنده (وَثَبَ) فهي مزيدة؛ وهي من الثُّنائيّ (ثَبَّ) وأنّ (قامَ) هي من الثُّنائيّ (قَمَّ) أشبعت حركة حرفه الأوَّل٢. وكان يحاول جاهداً إقناع القارئ بأنَّ (قَامَ) ونحوه: ثنائيٌّ، ويستدلُّ على زيادة الحرف الأوسط والألف المنقلبة عن الواو؛ وهي عين الكلمة عند الجُمهور أو الألف المشبعة عنده، بإسناد الفعل إلى الضَّمائر في التَّصريف؛ نحو (قُمْ) تُ، و (قُمْ) تَ، و (قُمْ) تِ، و (قُمْ) تُمْ، و (قُمْ) نَا، فما يبقى من الكلمة - حينئذٍ - هو رِسُّها. والحقُّ أنَّه لا دليل فيما ذكره على الثُّنائيّة؛ لأنَّ حذف الحرف الأوسط في الكلمة إنَّما وقع لعلَّةٍ صوتيَّةٍ؛ وهي - عند الجُمهور من القدامى والمُحْدَثِينَ - اجتماع السَّاكنين في الكلمة؛ وهما الألف المنقلبة عن الواو، والميم السَّاكنة؛ للإسناد إلى الضَّمائر المتحرِّكة؛ لأنَّ من قوانين العربيّة ألاَّ يجتمع ساكنان إلاَّ في نحو: شابَّة ودابَّة. وفَسَّرَ الدُّومنكيُّ كيف يردُّ الثُّلاثيُّ النَّاقص نحو (رَمَى) إلى الثُّنائيِّ

стр. 143

بأنَّ حرف العلَّة ما هو إلاَّ إشباع الفتحة السَّابقة في (رَمَ) ١. وثَمَّةَ رأيٌ آخر للدُّومنكيِّ في الثُّنائيَّة؛ وهو أنَّ الثُّلاثيَّ قد يكون غير ناشيء عن ثنائيٍّ واحدٍ فحسب؛ بل عن ثنائيَّين أو ثلاثة، ومثَّل له بكلمة (عَلِمَ) فذهب إلى أنَّها من: (عَلْ) و (لَمْ) وأنَّ (نَهْر) من: (نَهْ) و (نَرْ) و (هَرْ) !! ولا يخفى ما في ذلك من تكلُّفٍ. ومن المنادين بالثُّنائيَّة الدُّكتور أمين فاخر؛ في كتابه (ثُنَائِيَّة الألفَاظِ في المَعَاجِمِ وعلاقَتُهَا بالأصُولِ الثُّلاثِيَّةِ) وقد ذكر أنَّه ينبغي أن يكون أصل الكلمات الثُّلاثيَّة، الَّتي ظهرت فيها العلاقة واضحةًَ بينها وبين الأصل الثُّنائيِّ القريب منها في اللَّفظ والمعنى - من ذلك الأصل الثُّنائيِّ، وأنَّه يقال فيما لم تظهر فيه العلاقة أنَّه ممَّا وُضعَ وضعاً، وعلى علماء اللُّغة أن يُنقِّبوا فيه للكشف عن خفاياه٢. وقد أتى الدُّكتور فاخر على طائفة من الألفاظ؛ تجاوزت المائتين؛ حاول فيها الكشف عن العلاقة المعنويّة بين الأصول الثُّنائيّة المضعّفة والأصول الثُّلاثيّة. ومنهم الدُّكتور توفيق شاهين - أيضاً - إذ انتصر للثُّنائيّة؛ في كتابه (أصول اللُّغة العربيّة بين الثُّنائيّة والثُّلاثيّةِ) وحاول أن يبطل رأي القائلين بالثُّلاثيّة.

стр. 144

وبالجملة فإن عموم مذهبهم في ردّ الثُّلاثيّ إلى الثُّنائيّ لا يكاد يخرج عن أربعة طرق: أحدها: أنّ المضعّف هو أصل الثُّلاثيّ، وتقع الزّيادة في آخره؛ فـ (غَمَّ) أصلٌ لـ (غَمَتَ) و (غَمَرَ) و (غَمَطَ) ونحو ذلك. ثانيها: أنَّ الزِّيادة في الثُّنائيِّ تكون في وسطه فحسب؛ نحو (صَفَرَ) من (صَرَّ) و (زَفَنَ) من (زَنَّ) . ثالثها: أنَّ الثُّنائيَّ قابل للزِّيادة في صدره أو حشوه أو ذيله؛ أي أنَّ الزِّيادة فيه لا تقصر على موضعٍ معيَّنٍ؛ فمثال زيادة التَّصدير: (تَرَمَ) و (جَرَمَ) و (حَرَمَ) و (حَزَمَ) و (صَرَمَ) . ومثال زيادة الحشو: (رَتَمَ) و (رَثَمَ) و (رَجَمَ) و (رَدَمَ) . ومثال زيادة التَّذييل: (نَبَأَ) و (نَبَتَ) و (نَبَجَ) و (نَبَحَ) . رابعها: أنَّ الثُّلاثيَّ مكوَّنٌ من ثنائيِّين أو أكثر بطريق النَّحتِ، فـ (قَطَفَ) من (قَطَّ) و (لَفَّ) و (نَهْرٌ) من: (نَهْ) و (نَرْ) و (هَرْ) . ومهما يكن من أمرٍ، فإنَّ ذلك لا يرتقي بالثُّنائيَّة عند المُحْدَثِينَ إلى درجة التَّعميم والتَّقنين، ولا يكاد يَعْدُو ما قُدِّم فيها أن يكون اجتهاداتٍ ومَنَازِعَ، وأنا لا أنكرها في التأصيل اللغوي الذي يبحث في نشوء الألفاظ أو طفولتها، ولكنني أنكره في الدرس التصريفي للعربية في مرحلة نضجها، وأرى ألاّ نخلط بين هدفين: التأصيل والتصريف، وهذا الثاني هو هدفي في هذا البحث.

стр. 145

ثالثاً- الأُصُولُ الثُّلاثيَّةُ: رأينا - من قبل - كيف أعاد كثير من اللُّغويّين المتأخِّرين الكلامَ؛ ومنه الثُّلاثيُّ؛ إلى أصول ثنائيَّةٍ، وجعلوها حجر الزَّاوية في نشوء اللُّغة وتطوُّرها، وأداروا أبحاثهم عليها. غير أنَّ هذا الرأيَ كان يعبِّر عن اتِّجاه فريقٍ خاصٍّ في الأصول؛ فقد انتهى البحث بفريق آخر من العلماء المتأخِّرين بالإقرار بأصالة الثُّلاثيِّ، وبأنَّه أكثر الأصول غزارةً، وعليه استقرَّت العربيَّة في الثَّروة البالغة عِظَماً واتِّساعاً؛ وهم يوافقون في ذلك ما انتهى إليه علماء العربيَّة القدامى، وهؤلاء كُثُر، وأكتفي بإيراد بعض أقوال المتأخِّرين منهم؛ ممّن كان على صلةٍ وثيقةٍ بالنَّظريَّة الثُّنائيَّة. فقد كان بروكلمان يقول: "ترجع الكثرة العظيمة لأبنية الاسم في اللُّغات السَّامية إلى ثلاثة أصول من الأصوات الصَّامتة "١. وذهب أَنِيس فُرَيْحَة٢ إلى أنَّ الكلمات تُرَدُّ - في جميع اللُّغات السَّامية - إلى جذورٍ ثلاثيَّة. وكان ريمون طحَّان يرى أنَّ "معظم الكلمات في اللُّغة العربيّة ينشأ عن أصول ثلاثيَّة ... وهي حجر الزَّاوية في إقامة التّنظيم الرِّياضيِّ اللُّغويِّ المتكامل"٣.

стр. 146

غير أنَّه كان يستثني من الأصول الثُّلاثيَّة المضعَّفَ والمهموزَ والمعتلَّ، ويدعو إلى معالجتها على ضوء مبادئ علم اللُّغة الحديثِ؛ كما يدعو إلى إهمال بابي الإعلال والإدغام١. واتَّخذ الأستاذ عبد الله أمين موقفاً متأرجحاً بين الفريقين، وهو أنَّه يرى "أنَّ أكثر الكلمات الثُّلاثيَّة والرُّباعيّة والخماسيّة - إن لم يكن كلُّها - أصلها ثنائيّة، ثمّ زيدت من أصل الوضع حرفاً أو حرفين أو ثلاثة، حتَّى صارت ثلاثيّة ورباعيّة وخماسيّة، وصارت الزِّيادات من أصول الكلمات"٢ فهي مجردة لا مزيدة "لأنَّ الزّيادات الَّتي لحقت الكلمات الثُّنائيَّة، زيدت من أصل الوضع "٣. ولم تكن نظريّة ثنائيَّة الأصول مقبولةً عند كثير من اللُّغويّين، ممّن رأوا أصالة الثُّلاثيِّ؛ فقد أعلن بعضهم رفضه لها؛ ومنهم الدَّكتور إبراهيم أنيس٤ الَّذي كان يرى أنَّ كثيراً من الألفاظ العربيّة لم تَعُدْ مستعلمةً في العصر العبَّاسيِّ وما بعده؛ لطول بنيتها؛ كإهمالهم (الشَّرَنبَثَ) بمعنى الرَّجلِ الغليظِ الكفَّين، كما أنَّ أوزاناً مثل (ابْذَعَرَّ) و (اجْلَوَّذَ) و (اذْلَعَبَّ) ونحوها قد اندثرتْ أو كادتْ. وهجرهم الأبنية الطَّويلة إلى الأبنية الأقصر لا يخلو من دليل على أصالة تلك الأبنية الطَّويلة (أي أنَّنا في كلِّ الأمثلة

стр. 147

القليلة، الَّتي رويت لنا، ولكلٍّ منها صورتان؛ إحداهما كبيرة، والأخرى صغيرة من نفس المادَّة، وبنفس المعنى نشعر أنَّ الصُّورة الكبيرة هي الأصل ... في حين أنَّ افتراض الصُّورة الصَّغيرة هي الأصل يوقعنا -دائماً- في مشاكل وصعوباتٍ؛ فلا نكاد ندري العلَّة في زيادة الحرف عليها) ١ أو العلَّةَ في تحديد حرف الزِّيادة دون غيره، أو تحديدِ موضع الزِّيادة دون المواضع الأخرى. ثمَّ أورد اعتراضاً يدلُّ على طول تدبُّرٍ حين قال: "وإذا صحَّ -بعد هذا- ما يقول به بعض الدَّارسين من أنَّ الإنسان الأوَّل بدأ كلامه بألفاظٍ ثنائيَّةِ الحروف، ثمّ تطوَّرت إلى ثلاثيَّة الحروف ... الخ؛ فقد كنَّا نتوقّع - بعد مرور تلك الملايين من السِّنين على النُّطق الإنسانيِّ - أن تصبح كلماته الآن معظمها من رباعيَّات الأصول أو أكثر من عدد الكلمات الثُّلاثيَّة الأصول أو مساويةً لها"٢. وانتهى به البحث إلى أنَّه لا يكاد يُعرفُ شيء محقَّقٌ عن صور الكلمات في نشأتها الأولى. وربط الدُّكتور أنيس بين ظهور الثُّنائيَّة في أصول اللُّغة ونظريَّة دارون في النُّشوء والارتقاء للكائنات الحيَّة، وأنَّ هؤلاءِ افترضوا أنَّ الكلمات نشأت صغيرة الصُّورة، ثم نمت حتَّى صارت إلى ما نشهده الآن.

стр. 148

وممَّن رجَّح القول بالأصل الثُّلاثيِّ، وردَّ الثُّنائيَّة: الدُّكتور صبحي الصَّالح١، فقد ردَّ على العلايليِّ، ورماه بالتَّكلُّف، والبعدِ عن الواقعيَّة، وأنَّ نظريَّته لا تمتُّ إلى الحقيقة التَّاريخيَّة بسببٍ، فكيف لنا أن نردَّ (عَبْد) إلى (عَدَا) و (عَبَثَ) إلى (عَثَا) ونحو ذلك؟ ومنهم الدُّكتور إبراهيم نَجَا، الَّذي كان يرى أن نتَّبع مذهب القدامى في الأصول؛ لأنّها توافق ما هو جارٍ في الاستعمال؛ ولأنّ مرحلة الاشتراك في الحرفين مرحلةٌ تاريخيَّة لم يعدِ البحث فيها مُجْدِياً، إلاَّ ضمن بحثٍ تاريخيٍّ، ولأنَّ الأمثلة الَّتي ذكرها الثُّنائيُّون لا تكفي لإثبات نظريَّتهم٢. نعم، وثَمَّةَ خلاف بين اللُّغويِّين المتأخِّرين في أصل المشدَّدِ نحو (عَدَّ) و (صَدَّ) أثلاثيٌّ هو أم ثُنائيٌّ؟ فقد ذهب فريق إلى أنَّه ثنائيٌّ لا زيادة فيه، وأنَّ الحرف المشدَّد حرفٌ واحدٌ. أمَّا الفريق الآخر فيوافق القدامى في أنَّ ذلك ثلاثيٌّ، وأنَّ الحرف المشدَّد حرفان؛ أوَّلهما ساكن، وثانيهما متحرِّكٌ. ويحتجُّ الفريق الأوَّل بالنَّظرة الوصفيَّة الصَّوتيَّة للأصوات المتحرِّكة والصَّوامت الَّتي تؤكِّد –بزعمهم- أنَّ المشدَّد حرفٌ واحدٌ طويلٌ يساوي

стр. 149

زمنه زمن صوتين١. ومن هنا كان يقول (ماريوباي) : إنَّ "اصطلاح: السَّاكن المضعَّفِ (double consonant) هو اصطلاحٌ مُضَلَّلٌ حقًّا [!] لأنَّه قد استعير من طريقة الكتابة؛ ففي النُّطق يُمَدُّ الصُّوت السَّاكن بتطويل مُدَّة النُّطق به؛ إذا كان هذا المدُّ ممكناً. ويكون هذا ممكناً إذا لم يكن الصُّوت السَّاكن انفجاريًّا. وبما أنَّ الانفجاريَّ لا يمكن مدُّه عند نُقْطَةِ مخرجه، فإنَّ ما يسمَّى تطويلاً بالنِّسبة له يكون عن طريق إطالة مُدَّةِ قفل الطَّريق أمام الصَّوت قبل تفجيره"٢. ومن ثَمَّ قال (فندريس) : "من الخطأ أن يقال بأنَّه يوجد ساكنان في: أَتَّ (atta) وساكنٌ واحدٌ في: أَتَ (ata) فالعناصر المحصورة بين الحركتين في كلتا المجموعتين واحدة، عنصر انحباسيٌّ يتبعه عنصر انفجاريٌّ، ولكن بينما نجد العنصر الانحباسيَّ في: أتَ (ata) يتبع العنصر الإنفجاريَّ مباشرةً، نجده في (atta) ينفصل عنه بإمساكٍ يطيل مدى الإغلاق"٣. ومن هنا رأى (رِينَان) ٤ - أيضاً - أنَّ المضعَّف ثنائيٌّ، ولا يعدُّ

стр. 150

ثلاثيًّا إلاَّ لاعتباراتٍ صرفيَّةٍ. ووافقهم الدُّكتور سلمان العانيُّ في تعريف التَّضعيف بأنَّه "إطالة الأصوات المتمادَّة، وقَفْلٌ أطولُ في الوقفيَّات"١. والحروف المضعَّفة عند (كانتينو) "هي الَّتي يمتدُّ النُّطق بها، فيضاهي مداها مدى حرفين بسيطين تقريباً، وتُرسم هذه الحروف عادةً في الأبجديَّة الأوروبِّيَّة بحرفين متتابعين: ب ب (bb) م م (mm) "٢. وأخذ برأيهم الدُّكتور رمضان عبد التَّوَّاب بقوله: "إنَّ ما نعرفه باسم الحرف المشدَّد، أو الصَّوت المضعَّف ليس –في الحقيقة- صوتين من جنس واحدٍ؛ الأوَّل ساكنٌ، والثَّاني متحرِّكٌ؛ كما يقول نحاة العربيَّة؛ وإنَّما هو في الواقع صوتٌ واحدٌ طويلٌ؛ يساوي زمنه زمن صوتين اثنين"٣. وهذا الَّذي قالوه لم يكن خافياً على القدامى؛ فقد كان ابن جِنِّي يرى أنَّ "الحرف لمَّا كان مُدْغَماً خَفِيَ؛ فنبا اللِّسان عنه وعن الآخر بعده نبوةً واحدةً؛ فجريا لذلك مجرى الحرف الواحد "٤. ورُويَ عن الزَّمخشريِّ٥ وغيره٦ نحوه. وعلى الرّغم من ذلك فإنَّ القدامى كانوا يفرِّقون بين وصف

стр. 151

الظَّاهرة الصَّوتيَّة وحقيقة الأصول؛ فلم يؤثر عنهم أنَّهم يعُدُّون المضعَّف أصلاً وحداً؛ وليس في وضعهم الثُّلاَثِيَّ المضعَّفَ في باب الثُّنائيِّ في معاجم التَّقليبات دليلٌ؛ كما سبق به البيان١، بل كانوا ينصُّون على أنَّ المضعَّف حرفان. ومن أقدم من نبَّه على ذلك الخليل في قوله٢: "اعلم أنَّ الرَّاء في اقْشَعَرَّ واسْبَكَرَّ هما راءان أُدغمتْ واحدةٌ في الأخرى، والتَّشديد علامة الإدغام"٣. ونحو ذلك ما قاله ابنُ يعيش٤ وابنُ الحاجبِ٥. ولعلَّ وراء عَدِّ بعض المتأخِّرين المضَعَّفَ حرفاً واحداً مذهَبَهم في الثُّناءيَّةِ، ومحاولةَ الانتصارِ له؛ لأنَّ الثُّلاثيَّ المضعّف نحو (صَدَّ) هو الأصل الثَّنائيُّ عند كثير من الثُّنائيِّين، ولابُدَّ أن يكون كذلك، لأنَّ الثُّلاثيَّ - عندهم - ليس أصلاً. ومهما يكن من أمرٍ، فإنَّ مذهبهم في عدَّ المشدَّدِ حرفاً واحداً؛ أطيلَ صوته، فيه نظرٌ؛ فالإدغام أن يؤتى بحرفين ساكنٍ فمتحرِّكٍ فيتَّصلان من غير أن يُفَكَّ بينهما، إلاَّ إذا أريد ذلك بالوقوف وقفةً لطيفةً على السَّاكن، ثمَّ الاستئناف بالمتحرِّك.

стр. 152

ويظهر ذلك في الموازنة بين كلمتين متشابهتين في الفاء والعين، ومختلفتين في اللاَّم؛ وإحداهما مضَعَّفةٌ؛ نحو (عَدْلٍ) و (عَدٍّ) فإنَّكَ إذا تأمَّلتَ ذلك، ونطقتَ الكلمتين، ووقفتَ وقفةً لطيفةً على السَّاكن فيهما لن تجد فرقاً بينهما في عدد الحروف والحركات والسَّكنات؛ فالأولى ثلاثيَّةٌ، وكذلك الثَّانية؛ وهي (عَدْ-دٌ) وأصلها (عَدَدٌ) وكذلك (شَرْقٌ) و (شَرٌّ) و (بَرْقٌ) و (بَرٌّ) و (سِلْمٌ) و (سِلٌّ) ونحو ذلك. والفرق بينهما أنَّ اللِّسان انتقل من مخرج الدَّال إلى مخرج اللاَّم في الكلمة الأولى، ولم ينتقل من مخرج الدَّال السَّاكنة في الكلمة الثَّانية؛ لأنَّ ما بعدها دالٌ فبقي في مخرجه. وقد سُكِّنَ الحرفُ الأوَّلُ وأدغمَ فيما بعده طلباً للخفَّةِ؛ فالأصل (عَدَدٌ) و (شَرَرٌ) . ولعلَّ الإدغام مرحلة متأخِّرة في الاستعمال اللُّغويِّ؛ فيكون الأصل عدم الإدغام؛ أي: بنطق السَّاكن بوقفةٍ بسيطةٍ دون إدغامًٍ في المتحرِّك، فلمَّا ثقل ذلك -لاحتياجه لشيء من الأناة- أُدْغِمَ طلباً للخفَّةِ. ويمكن أن يستدلَّ بورود كلمة لم يقع فيها الإدغام؛ وهي (رِيْيَا) ١ بمعنى المنظرِ الحسنِ، وأصلها (رِئْيَا) ٢ فلعلَّ ذلك من بقايا الأصل القديم

стр. 153

في عدم الإدغام. ومذهب القدامى في المضعَّف قويٌّ. ومن اليسير أن يستدلَّ على قوَّته ورجحانه بجملةٍ من الأدلّة؛ وهي تُضْعِفُ - في المقابل - مذهب هؤلاء المتأخِّرين. وأحدُ تلك الأدلّة: جواز تضعيف الحرف الأوسط الصَّحيح قياساً من الفعل الثُّلاثيِّ؛ فيقال في (كَسَرَ) و (قَتَلَ) و (خَرَمَ) : (كَسَّرَ) و (قَتَّلَ) و (خَرَّمَ) . ويقال - أيضاً - في نحو (عَدَّ) و (شَدَّ) و (مَدَّ) : (عَدَّدَ) و (شَدَّدَ) و (مَدَّدَ) فهو كالثُّلاثيِّ الصّحيح. فماذا يقولون في ذلك؟ هل يقولون: إنَّ الحرفَ الواحدَ المشدَّدَ؛ أطيلَ صوته وزمنه حتَّى غدا يماثل ثلاثة أحرفٍ، ثمَّ فُصِلَ ثُلُثُهُ، وهو الحرف الأخير؟ أو يقولون: إنَّ نصف الحرف المشدَّد في نحو (عَدَّ) هو الَّذي أطيل بالتَّشديد؛ فانفصل نصفه الثَّاني المتحرِّك؟ أو يقولون: إنَّ الدَّال الطَّويلةَ (المشدَّدَةَ) في (عَدَّ) بقيت على حالها؛ فاجتُلِبَتِ الدَّالُ الأخيرةُ اجتلاباً؟ أو يقولون: إنَّ (عَدَّ) فعلٌ و (عَدَّدَ) فعلٌ آخر مستقلٌّ بنفسه؛ ولا صلة بينهما؟ فيلزم -حينئذٍ- انتفاءُ العلاقة بين (كَسَرَ) و (كَسَّرَ) ونحوهما، وكُلُّ ذلك بعيدٌ. وثانيها هو: إدغام تاء الافتعال في فاء الكلمة؛ كقولهم (اذَّكَرَ) و (اطَّلَبَ) و (اصَّبَرَ) ونحو ذلك؛ فيلزمهم أن يقولوا: إنَّ الذَّالَ والطَّاءَ والصَّادَ المضعَّفات كلٌّ منها حرف واحد، ولا يجوز ذلك؛ لأنَّ أصل (اذَّكَرَ) و (اطَّلَبَ) و (اصَّبَرَ) : (اذْتَكَرَ) و (اطْتَلَبَ) و (اصْتَبَرَ) قبل إبدال تاء الافتعال.

стр. 154

ومثله: (مُتَّقِدٌ) و (مُتَّعِدٌ) وأصلهما (مُوتَقِدٌ) و (مُوتَعِدٌ) ١. ويَلحقُ بذلك نحو (عُدُّ) فيلزمهم أن يقولوا: إنَّ الدَّال حرف واحد؛ أطيل صوته، وأنَّى يكون ذلك؛ لأنَّ الدَّال الثَّانية هي الفاعل؛ ألا ترى أنَّها مبدلة من التَّاء وأنَّ أصلها (عُدْتُ؟) ومثلها (خَبَطُّ) وأصلها (خَبَطْتُ) . وثالثها: أنَّ نظريَّة المخالفة الصَّوتيَّة٣، الَّتي تبنَّاها الكثير من المتأخِّرين؛ ممَّن قالوا بأنَّ المشدَّد حرف واحد تنقض مذهبهم؛ لأنَّهم يقولون: إنَّ من المخالفة الصَّوتيَّة نوعاً يقوم على فَكِّ الإدغام بالإبدال؛ مثل (القُنْفُذِ) أصلها - عندهم - (القُفُّذُ) . وهذا النَّوع من تخالف الحروف المشدَّدةِ؛ الَّذي يكون بقلب أوِّل الحرفين إلى النُّون هو الأكثر وقوعاً في العربيَّة. وقد يصير الحرف الأوَّل من المشدَّدِ راءً، أو لاماً؛ نحو كلمة (فَرْقَعَ) الَّتي يرى (بر جشتراسر) ٤ أنَّ أصلها (فَقَّعَ) بتشديد القاف، ويرى أنَّ أصل (بَلْطَحَ) : (بَطَّحَ) أي: ضرب بنفسه الأرض. والمخالفة تكون بين صوتين، وتفسيرهم وُقُوعَهَا في المشدَّد على هذا

стр. 155

النَّحو يخالف مذهبهم في أنَّ المشدَّد حرف واحد. ورابع الأدلَّةِ: الإدغام بين حرفين في كلمتين؛ نحو (مَن نّامَ) و (مِن نّعِيم) وكذلك الإدغام بين حرفين من كلمتين؛ بعد قلب أحدهما؛ نحو (مَن يَّشَاءُ) و (مَن رَّامَ) و (هَرَّ أيْتَ) ونحو ذلك من الإدغام المذكور عند القُرَّاء١. وقريب من ذلك إدغام لام التَّعريف٢ في ثلاثة عشر حرفاً؛ وهو ما يعرف بـ (لام التَّعريف الشَّمسيَّة) نحو (الدَّلْوِ) و (الشَّرْقِ) و (الصَّبْرِ) . وقد قلبت اللاَّم فيهنَّ من جنس ما بعدها، ثمَّ أدغمت فيه لسكونها. ولا أحدَ –خلا هؤلاء- يقول: إنَّ المُدْغَمَين حرفٌ واحدٌ. وآخر الأدلَّة من العروض، ودلالته قويَّةٌ؛ لأنّه مبنيٌّ على أساسٍ صوتيٍّ لا وظيفيٍّ - كما يقولون - وذاك الأساس هو: المتحرِّك والسَّاكن؛ فقد أجمع العَرُوضيُّون - منذ زمن الخليل إلى زمننا هذا - على أنَّ الحرف المشدَّدَ حرفان؛ أوَّلهما ساكن. قال الأخفش: "فأمَّا الثَّقيل فحرفان في اللَّفظ؛ الأوَّل منهما ساكن، والثَّاني متحرِّكٌ؛ وهو في الكتاب حرف واحدٌ؛ نحو راء شَرٍّ"٣.

стр. 156

وبمثل ذلك قال الجوهري١، وابن القطَّاع٢. وبه استدلَّ عَلَمُ الدِّين السَّخاوي على أنَّ المدغم حرفان بقوله: "والدَّليل على ما قلته من كون الأوَّل ساكناً أنَّ كلَّ حرفٍ مشدَّدٍ في تقطيع العروض حرفان، الأوَّل ساكنٌ؛ تقول: ... بِسِقْطِلْ لِوَىَ بَيْنَدَ دَخُوْلِ فَحَوْمَلِ ٣ فإن قلتَ: فلِمَ أسكنوا الأوَّل: قلتَ: لو لم يُسكنوه لفصلت الحركة بينهما؛ فلم تحصل الدَّفعة الواحدة"٤. وبالجملة فإنَّ مذهب القدامى في المشدَّدِ هو الصَّحيح، وعليه المعوَّل في الأصول وتداخلها. وأنَّ ما ذهب إليه بعض المتأخِّرين في المشدَّدِ اجتهاد لم يحالفه التَّوفيق. ولعلَّ من أهمِّ دوافعهم في تزعُّمِ ذلك: الانتصار لنظريَّة الثُّنائيَّة في الأصول؛ لعدِّهم المضعَّفَ أصلَ الثُّلاثيِّ. رابعاً- الأصولُ الرُّباعيَّةُ والخماسيَّةُ: امتدَّ خلاف اللُّغويِّين المتأخِّرين في موضوع الأصول –إلى الأصول الرُّباعيَّة والخماسيَّة؛ وهو نتيجة حتميَّةٌ لخلافهم في الأصول الثُّنائيَّة

стр. 157

والثُّلاثيَّة. فمن أقرَّ الأصول الثُّنائيَّة أنكر ما زاد عليها، وجعله مزيداً. ومن أخذ بمذهب القدامى في الأصول، أقرَّ ما أقرُّوا، وأنكر ما أنكروا، وجُلُّهم يسير على مذهب البصريِّين في الأصول؛ فالأصول عندهم ثلاثة؛ ثلاثيَّة، ورباعيَّة، وخماسيَّة. والَّذي يعنينا - هنا - هو الوقوف على أبرز اجتهاداتهم فيما يعتدّه جمهور اللُّغويِّين من المتقدِّمين والمتأخِّرين رباعيًّا أو خماسيًّا. ولعلَّ أوَّل ما يخرج به الباحث في ذلك أنَّ مذهبهم كان صَدَىً لبعض ما جاء عند ابن فارسٍ١، وأنَّهم تفنَّنوا في التَّوسُّع فيه بما يتوافق مع نظريَّة الثُّنائيَّة؛ فيرى كثير منهم أنَّ الخماسيَّ تطوَّرَ عن الرُّباعيِّ، والرُّباعيُّ تطوَّرَ عن الثُّلاثيِّ، والثُّلاثيُّ متطوِّرٌ عن الثُّنائيِّ، كما تقدَّم. وفيما يلي بيان ذلك مع الوقوف على بعض الفروق فيما بينهم: يتشكَّل الفعل الرُّباعيُّ عند (وليام رايت) ٢ بالطُّرق التَّالية: أ- مُضاعفة جَذْرٍ ثنائيٍّ، يحاكي الصَّوتَ أو الحركة؛ مثل (وَسْوَسَ) و (بَأْ بَأْ) . ب- إضافة حرفٍ إلى الثُّلاثيِّ، وعادةً ما يكون من الحروف التَّالية: النَّونِ، واللاَّمِ، والرَّاءِ، والزَّايِ، والسِّينِ، والصَّادِ. وهذه الزِّيادة قد تكون في صدر الثُّلاثيِّ؛ نحو (سَنْبَسَ) من (نَبَسَ)

стр. 158

أو في حشوه؛ نحو (زَحْلَفَ) من (زَحَفَ) أو في آخره؛ نحو (شَمْعَلَ) من (شَمَعَ) . ج- المزجُ بين بعض الأصولِ؛ وهو ما يعرفُ بالنَّحتِ؛ نحو (حَمْدَلَ) و (حَوْلَقَ) ويلْتَقِي (رايت) بذلك مع ابنِ فارسٍ في ردِّه الرُّباعيَّ والخماسيَّ إلى الثُّلاثيِّ؛ بطريق الزِّيادة أو النَّحْتِ. ويبدو أنَّ (جُرْجِي زيدان) متأثِّرٌ بما قاله (رايت) إذ يفصِّل في زيادة الرُّباعيِّ؛ فهي عنده: إمَّا قياسيَّةٌ أو غير قياسيَّةٍ. وتكون الزِّيادة القياسيَّة عند (زيدان) ١ سيناً أو شيناً في أوَّل الكلمة؛ على وزني (سَفْعَلَ) و (شَفْعَلَ) . فمثال الأوَّلِ (سَقْلَبَهُ) أي: صَرَعَهُ، من (قَلَبَهُ) و (سَلْغَفَهُ) بمعنى ابتلَعَهُ، من (لَغَفَهُ) و (سَمْلَجَ) أي: جَرَعَ جرعاً سهلاً؛ وهو من (مَلَجَ) الصَّبِيُّ ضَرَعَ أمِّهِ. ومثال الثَّاني (شَبْرَقَ) من (بَرَقَ) . أمَّا المزيداتُ غير القياسيَّةِ فتأخذ صوراً مختلفةً؛ فقد تكون بمضاعفة حرفٍ أو أكثر، من الحروف الأصليَّة؛ كَجَلْبَبَ وبُلْبُلٍ وقَصْقَصَ، أو أن تكون بزيادة حرفٍ؛ وهو في الغالب أحد حروفٍ أربعةٍ؛ وهي (ل، م، ن، ر) . وربَّما تكون الزِّيادةُ في أوَّل الرُّباعيِّ؛ نحو (نَبْذَرَ) بمعنى (بَذَرَ) و (لَهْذَمَ) بمعنى (هَذَمَ) .

стр. 159

أو في وسطها؛ كـ (سَطْلَحَ) بمعنى (سَطَحَ) أي: اتَّسَعَ، و (سَلْحَفَ) بمعنى (سَحَفَ) أو في آخرها؛ كقولهم (بَعْثَرَ) من (بَعَثَ) . ولا يرضى العلايليُّ١ برأيَي (رايت) و (زيدان) فالرُّباعيُّ أو الخماسيُّ عنده مردودٌ إلى الثُّلاثيِّ بزيادة الحرف الأخير في الرُّباعيِّ، والحرفين الأخيرين في الخماسيِّ. فـ (جُخْدَبٌ) وهو الضَّخم الغليظ يرجع إلى (جَخَدَ) الضَّخمُ. ويرجع هذا إلى (جَدَىَ) الَّذي يظهر معناه في (جَدَّ) كما يقول. و (طُحْلُبٌ) وهو الخُضرة؛ الَّتي تعلو الماءَ الآسنَ يرجع إلى (طَحَلَ) ويرجع هذا إلى (طَلَى) . وكذلك (سَفَرْجَلٌ) و (شَمَرْدَلٌ) يجرَّدان من زوائدهما حتَّى يعودا إلى الثُّلاثيِّ؛ على النَّحو التَّالي: سَفَرْجَل< سَفْرَجَ < سَفَرَ. شَمَرْدَل< شَمْرَدَ < شَمَرَ. ولا يبتعدُ (هنري فلش) ٢ في رأيه، في أصل الرُّباعيِّ أو الخماسيِّ، عن رأي (رايت) و (زيدان) . وممَّا يتفرَّد به أنَّ الرُّباعيَّ يكون تطوُّراً لأصلٍ ثلاثيٍّ عن طريق إدخال واوٍ أو ياءٍ بعد الصَّامت الأوَّلِ؛ نحو (شَوْقَلٍ) و (نَيْسَبَ) .

стр. 160

ويرى (مَكدونالد) ١ أنَّ الرُّباعيَّ قد ينشأ بإضافة الرَّاء أو اللاَّم إلى الثُّلاثيِّ؛ نتيجةً للمخالفة الصَّوتيَّة النَّاتجة عن فكِّ الإدغام؛ كما في (قَرْطَمَ) من (قَطَمَ) و (قَرْطَبَ) من (قَطَبَ) . ويقول بمثل هذا الرأي (برجشتراسر) ٢ و (ديلاسي أو ليري) ٣ وغيرهما. ويُضيف الدُّكتور مصطفى جَوَاد٤ بعض الحروف الصالحة لأن تكون عناصر تعويضٍ من التَّضعيف؛ كالحا والهاء. وبالجملة فإنَّهم يرون أنَّ كثيراً من الكلمات (الكبيرة) أي: من الرُّباعيِّ والخماسيِّ ممَّا فيه راءٌ أو لامٌ أوميمٌ أو نونٌ أو حاءٌ أو هاءٌ - قد تولَّدَ تبعاً لقانون المخالفة المذكور٥. وقد كان كثير من القدامى على وعيٍ بهذا القانون، ولكنَّهم يعبِّرون عنه بالكراهة والاستثقال، أو التَّقريبِ، أو المضارعةِ، أو التَّجنيسِ، أو فَكِّ الإدغامِ. وقد فسَّر بعضهم نشوء الفعل الرُّباعيِّ المضعَّفِ؛ (كَبْكَبَ) و (حَثْحَثَ) كما تقدَّمَ -٦ على نحوٍ قريبٍ ممَّا ارْتآهُ المتأخِّرون.

стр. 161

ومن المنكرين لأصول تعدُّ رباعيَّةً عند القدامى الدُّكتور تمَّام حسَّان الَّذي قال: "وهناك طائفة من الأفعال في اللُّغة العربيَّة تعتبر رباعيَّة أصليَّة الحروف الأربعة في نظر الصَّرفيِّين، ولكنَّنا نرى أنَّ أحد هذه الحروف مزيد، حتَّى ولو لم يكن من حروف: سَأَلْتُمُونِيهَا، فمن ذلك: دَحْرَجَ < دَرَجَ، وبَعْثَرَ < بَثَرَ، وسَقْلَبَ <قَلَبَ، وعَرْبَدَ < عَرَدَ، وشَقْلَبَ < قَلَبَ، وزَغْرَدَ < غَرَدَ "١. ومنهم الدُّكتور محمّد سالم الجَرْح٢ الَّذي جزَمَ بأنَّه لا يوجد جَذْرٌ رباعيٌّ أو خماسيٌّ في العربيَّة وأخواتها السَّاميات، وأنَّ ما جاء على هيئة الرُّباعيِّ من اليسير ردُّه إلى جذورٍ ثنائيِّةِ. ومن أغرب ما وقفتُ عليه في الأصول عند المتأخِّرين رأي لكَرَامتْ حسين الكَنتُوريِّ٣ مُحَصِّلَتهُ أنَّ الرُّباعيَّ قد ينشأ من الثُّلاثيِّ بصيرورة لام التَّعريف مخلوطةً بحروف الكلمة [هكذا] ومثَّل له بكلمة (العَظْلَمِ) وهو اللَّيل؛ لاشتقاقه من الظُّلمة. وهذا غريب!! وثَمَّةَ نوع من الرُّباعيِّ نال شيئاً يسيراً من العناية عند القدامى والمتأخِّرين، وهو الرُّباعيُّ المضاعف٤؛ نحو: زَلْزَلَ، فلهم فيه مذهبان: أنه على وزن (فعفع) .

стр. 162

أنه على وزن (فعفل) . فمن جعله على وزن (فَعْفَعٍ) سار في موكب الثُّنائيَّة. وخيرُ من يمثِّل هذا الرأيَ الدَّومنكيُّ بقوله: "أمَّا المضاعف فهو- بالحقيقة - مركَّبٌ من حرفين، ويرى ذلك في المضاعف الرُّباعيِّ الَّذي ما هو سوى ثنائيَّين مكرَّرين ... وما هذه الأفعال وأسماؤها إلاَّ حكاية أصوات الطَّبيعة والحيوانات المندفعة إلى تَكرار مَقاطع لا حروف، وكلُّ مقطع مركَّبٌ من حرفين، متحرِّكٍ فساكنٍ"١. وعلى ذلك النَّحو فُسِّرَ عند أكثرهم ٢. أمَّا المذهب الثَّاني؛ القائل بأنَّ وزنه (فَعْفَلَ) فممَّن كان يراه، ويقول به: الدُّكتور تمّام حسّان؛ وهو يوافق ما ذهب إليه جماعة من القدامى ٣. وممَّا يحسب للّغويِّين المتأخِّرين: استعانتهم –للكشف عن أصول العربيَّة - بالمنهج المقارن للُّغات السَّامية الَّتي تشترك في كثير من الخصائص٤. وممَّن عوَّل على هذا المنهج مَرْمَرْجِي الدُّومنكيُّ في أكثر كتاباته عن العربيَّة؛ فمن دأبه عرض الأصول على الحبشيَّة والأكَدِيَّةِ والعِبْريَّةِ ١ معجميات٩٧.

стр. 163

والسُّريانيَّةِ والآرامِيَّةِ وغيرها. ومنهم جُرْجِي زيدان، غير أنه كان يَسْتَلْهِمُ ذلك من كتابات المستشرقين. ومن أبرز المستشرقين ممَّن عوَّل على المنهج المقارن في اللُّغات السَّامية، ومنها العربيَّة: لِيتمان، ووليم رايت، ونُولدكه، وجزينيوس، وهوروفتس، وأوليري، وموسكاتي، وهِنرِي فِلِش، وبُروكلمان، وبِرْجِشتراسَر. وقد حذَّر فَندرس١ من التّمادي في الاعتماد على المنهج المقارن بين اللّغات، ورأي أنَّ استعمال عبارة القرابة في مسائل اللّغة ربّما أدّى إلى لَبْسٍ كبيرٍ، وكثيراً ما أوقع في الخطأ. وممَّا يدخل في هذا السياق ما وجَّهه الدُّكتور رمضان عبد التّوّاب إلى مَرْمَرْجي الدُّومنكيّ في مبالغته في التّعويل على المنهج المقارن بين اللّغات السَّاميّة، ومحصوله أنَّ المضعَّفَ العربيَّ؛ الَّذي يقال إنَّه مركَّبٌ من ثلاثة أحرفٍ لا تجد مقابلَه في السُّريانيّة إلاَّ بحرفين اثنين لا أكثر، ومثَّل له بأنَّ (قَصَّ) و (جَمَّ) و (مَسَّ) يقابلها: (قَصْ) و (جَمْ) و (مَسْ) وكذلك كلُّ المضاعفات؛ وهو دليل على أنَّها من الثُّنائيَّات - أيضاً - في العربيَّة على الرَّغم من تضعيفها فيها. فقال الدُّكتور عبد التَّوَّاب: "وقد خدعه ما آل إليه المضعَّف الثُّلاثيُّ في بعض اللُّغات السَّاميَّة، بعد أن سُكِّنت أواخر كلماتها لسقوط

стр. 164

الحركات الإعرابيَّة وغيرها؛ فضاع التَّضعيف منها، وصارت على حرفين، فظنَّ أنَّ هذا هو الأصل فيها...ونسي الأَب مَرْمَرْجي أنَّه عند إسناد المضاعف إلى الضَّمائر في العربيَّة والسُّريانيَّة يظهر التَّضعيف؛ فيقال في العبريَّةِ مثلاً (s?b) بمعنى: أحاطَ، بغير تضعيفٍ، وعند إسنادها إلى المتكلِّم مثلاً يقال (s?bb?ti) فيظهر التَّضعيفُ"١. ولا يعني ذلك أن تُفقدَ الثِّقة في المنهج المقارن؛ بل إنَّ علماء اللّغة يثقون فيه، ويعدُّونه واحداً من وسائل دراسة اللُّغات السَّاميّة، والتَّعرُّف على أدقِّ دقائقها. وعليه اعتمد جماعة في تفسير نوع من الرُّباعيِّ ينتهي بالميم؛ نحو (بُلْعُومٍ) و (خُرْطُومٍ) و (فُسْحُمٍ) و (زُرْقُمٍ) ونحوها؛ فتوصَّلوا إلى أنَّ تلك الميم هي علامة التَّنوين في اللُّغة الحِمْيَرِيَّةِ٢ القديمة، وأنَّ هذا الأصل قد تُنُوسيَ في هذه الكلمات وأمثالها، واستعملتها لهجات الشَّمال على توهُّم الأصالة في (الميم) ٣ وسمُّوا ذلك (تمييماً) واستدلُّوا - أيضا ً- على وجوده في العربيَّة بوجوده في العبريَّة في نحو (صورة ٥) حَرْطَمَ؛ وهو مشتقٌّ من (حَرَطَ) أي: نَحَتَ ونَقَشَ، و (صورة٦) فَدْيُوم أي: فِدْيَةٌ، وهو مشتقٌّ من (فده) أي: افْتَدَىَ ولحظوا أنَّ تلك الميم ١ فصول في فقه اللغة٣٠٠.

стр. 165

تقابل في العربيَّة بالنُّون ١. وهذا الَّذي ذكروه اجتهادٌ حسنٌ؛ قد يفسِّر كثيراً ممَّا نصَّ القدامى على زيادة الميم في آخره ٢ نحو (شَدْقَمٍ) و (سُتْهُمٍ) و (بُلْعُمٍ) وغيره. النَّحْتُ عندَ المُحْدَثِينَ: ما قيل عن النَّحت في المبحث الأوَّل يغني عن إعادة بحثه هنا؛ إذ لا كبير فرقٍ في آراء المتأخِّرين فيه؛ فأغلب الآراء الَّتي قيلت هي صَدَىَ لما جاء به ابن فارسٍ ﵀ ومن السَّهل ردُّها إلى مذهبه؛ وإن كان بعضها أكثر تنظيماً، وأدقَّ عرضاً. ولم يكن النَّحتُ مقبولاً على إطلاقه عند بعض المتأخِّرين؛ فكان بعضهم أكثرَ تحفُّظاً فيه من ابن فارس. ومن هؤلاء: عبد الله العلايليّ٣، والكَرْمِليُّ٤، ومصطفى جَوَاد٥، ولُويس شَيخو٦، وعليّ عبد الواحد وافي٧. وبالغ بعضهم في قبول النَّحت في العربيَّة؛ كجُرجِي زيدان،

стр. 166

ومَرْمَرْجي الدُّومنكيّ، اللّذين بالَغَا في نظرتهما إلى النَّحت؛ حين أعادا بعض الكلمات الثُّلاثيَّة إلى كلمتين ثنائيَّتين، أو ثلاث كلمات ثنائيَّة. فقد كان جُرجي زيدان١ يرى أنَّ (قَطَفَ) الَّتي تفيد القطع والجمع منحوتة من (قَطَّ) و (لَفَّ) فتدلُّ الأولى على القطع، والثَّانية على الجمع، وأهملت اللاَّم لكثرة الاستعمال. وذكر أنَّ (قَمَشَ) بمعنى: جمع ما على الأرض من الفُتات تردُّ إلى أصلين؛ هما (قَمَّ) و (قَشَّ) فالأولى بمعنى (كَنَسَ) والثَّانية بمعنى (جَمَعَ) . وتقدَّم أنَّ الدُّومنكيَّ٢ كان يرى أنَّ كلمة (نَهْرٍ) منحوتة من ثلاث كلمات: وهي (نَهْ) و (نَرْ) و (هَرْ) . وما ذهبا إليه تكلُّفٌ لا دليل على صِحَّتِه، ولم يرضَ عنه كثير من الباحثين؛ ومنهم: الدّكتور صُبحي الصَّالح؛ الَّذي قال: "ولا ينادي بمثل هذا الرأي؛ على ذاك النَّحو من الغلوِّ؛ إلاَّ مُولَعٌ بضروب الاشتقاق؛ مأخوذٌ بما في الألفاظ من دِلالةٍ سحريَّةٍ؛ مؤمنٌ بأنَّ السَّوابق واللَّواحق بقايا كلمات قديمةٍ مستعلمة، ولكنَّ الغلوَّ في الاشتقاق والنَّحتِ لا يأتي بخيرٍ"٣ وبعدُ؛ فالرأي - بعد أن سقنا آراء القدامى والمتأخِّرين - ما ذهب إليه جُمهور اللُّغويِّين البصريِّين؛ كسيبويه، والمازِنِيِّ، والفَارِسِيِّ، وابنِ جِنِّي، وابنِ سِيدَه، ومن تابعهم من القدامى والمتأخِّرين؛ وهم أكثرُ أهل

стр. 167

اللُّغة قديماً وحديثاً؛ وهم أكثرُ درايةً، وأصدقُ لَهْجةً، وأقوى حُجَّةً. ولا يعني هذا أنَّ ما عدا هذا المذهب لا يلتفتُ إليه البتَّةَ، فمن الإنصاف أن ينظر إلى أكثره - قديمِهِ وحديثِهِ - بعين الاحترام؛ فلعلَّ له ما يعضده ممَّا تأتي به الدراسات اللاحقة في مستقبل الأيام. ومهما يكن من أمرٍ فإنَّ للمذهب البصريِّ؛ الَّذي آخذ به في هذا البحث –أكثرَ من وجهٍ يعضده، ويدعو للأخذ به، ويكفي أنَّه مذهب الجمهور من اللُّغويِّين؛ فهو ضاربٌ بجذوره في الفكر اللُّغويِّ العربيِّ، وعليه أُسِّستْ أكثر القواعد في اللُّغة والتصْرِيف والنَّحو، وقامتْ على أُسُسِه جُلُّ المعاجم العربِيَّةِ.

стр. 168

الفصل الثاني: الزوائد المبحث الأول: الزيادات المقيسة: حروفها ومواضعها وأعراضها ... المبحث الأوّل: الزِّياداتُ المَقِيْسَةُ: حروفُها ومواضعُها وأغراضُها لتمييز الزّائد من الأصليّ شأن عظيم في العربيّة؛ فعلى الأصول مدار كثير من مسائل التّصريف؛ كالتّثنية والجمع والتّصغير والنّسب، وعليها –أيضاً-مدار المعجم العربيَّ في بنائه. وإذا عُرفت الزَّوائد عُرفت الأصول، وفُكَّ ما بينها من تداخلٍ. ومن هنا قال ابن دُريد في مقدّمة معجمه: "واعلم أنَّه لا يستغني النّاظر في هذا الكتاب عن معرفة الزَّوائد؛ لأنَّها كثيرة الدّخول في الأبنية، قلَّ ما يمتنع منها الرّباعيّ والخماسيّ والملحق بالسُّداسيِّ من البناء؛ فإذا عُرِفت مواضع الزَّوائد في الأبنية كان ذلك حريّاً ألاَّ تشِذَّ على النَّاظر"١. والزَّوائد هي: ما يضاف إلى أصول الكلمة؛ لغرضٍ معنويًّ أو لفظيًّ؛ ممَّا يسقط تحقيقاً أو تقديراً٢. فممَّا يسقط تحقيقاً: الميم والواو في (مَسْتُورٍ) وهمزةُ (أَكْرَمَ) وتاءُ (قَتَّلَ) . وممَّا يسقط تقديراً: واو (كوكب) ونون (غضنفر) .

стр. 169

وتشترك الأسماء المتمكّنة والأفعال المتصرّفة في قبولها الزَّوائد١. وسمِّيت حروف الزَّوائد زوائدَ؛ لأنَّ الزِّيادة في الاسم أو الفعل لا تقع إلاَّ منها٢. والزِّيادة على ضربين: زيادةٌ لمعنىً؛ كألف (شاربٍ) لدلالته على الفاعلية، وميم (مَشْرُوب) لدلالته على المفعولية، وهمزة (أَكْرَمَ) لدلالتها على التَّعدية. وهذا الضّرب من الزَّوائد ينقسم قسمين؛ أحدهما: ما يقع بحروف الزِّيادة العشرة، والآخر ما يقع بحروف الزِّيادة أو غيرها كراء (كرَّمَ) وباءِ (نَبّأ) ونحو ذلك من التضعيف؛ الَّذي يقع في جميع الحروف إلاَّ الألف. والضّرب الثّاني: أن تكون الزِّيادة لغير معنىً ظاهر؛ بل لأغراضٍ أخرى كما يأتي. وينقسم هذا الضّرب - أيضاً - قسمين: أوَّلهما: ما يقع بحروف الزِّيادة العشرة. وثانيهما: ما يقع بغير حروف الزِّيادة أي بالتّضعيف (التّكرير) . ومن النّوعين الأخيرين الإلحاق؛ فحروفه لا تفيد شيئاً من معنى الكلمة٣ بل تأتي لإلحاق بناءٍ ببناء آخر؛ ليأخذ حكمه في التّصريف -

стр. 170

كما سيأتي تفصيله في المبحث الثاني - إن شاء الله. ويوَضِّحُ الرّسمُ التالي تقسيم الزَّوائد. الزِّيادة (صورة ٧) ويُمَيَّزُ الزائدُ بظهوره في الميزان الصرفيِّ، إن كان الزائد من حروف الزِّيادة؛ فوزنُ: أَكْرَمَ (أَفْعَلَ) واسْتَغْفَرَ (اسْتَفْعَلَ) وانْفَطَرَ (انْفَعَلَ) وهكذا. ويستثنى من ذلك المُبدَل من تاء الافتعال؛ فأنَّه بالتاء، فوزنُ: اصْطَفَى (افْتَعَلَ) وازْدَرَعَ (افْتَعَلَ) وأجاز الرَّضِيُّ١ أن يكونا (افْطَعَلَ) و (افْدَعَلَ) بالتعبير عن كلِّ زّائد مبدل منه بالبدل؛ لا المبدلِ منه. والمكرَّر، نحو: قَطَّعَ، وصَمَحْمَحٍ، ومَرْمَرِيْسٍ؛ فأنَّه (فَعَّلَ) و (فَعَلْعَل) و (فَعْفَعِيل) لا (فَعْطَلَ) و (فَعَلْمَحَ) و (فَعْمَرِيل) وأجاز ذلك عبد القاهر الجرجاني٢. والملحق بالتّكرير فأنَّه يوزن بتكرار الحرف في الميزان؛ فوزنُ:

стр. 171

جَلْبَبَ (فَعْلَلَ) لا (فَعْلَبَ) وذلك للتّنبيه -في الوزن - على أن الزّائد حصل من تكرار حرف أصليٍّ؛ سواء كان التّكرير للإلحاق كـ (جَلْبَبَ) أو لغيره كـ (كَسَّرَ) ٣. أما الملحق بغير التّكرير مثل (كَوْكَبٍ) و (سَيْطَرَ) فوزنهما (فَوْعَل) و (فَيْعَل) . ويجوز في بعض الكلمات أن تُحمل الزِّيادة على التّكرير، وألاَّ تُحمل عليه؛ بشرط أن يكون الحرف من حروف الزِّيادة؛ وذلك نحو: حِلْتِيتٍ فأنَّه فِعْلِيلٌ للإلحاق بـ (قِنْدِيل) ويجوز أن يكون (فِعْلِيتاً) إن لم يقصد تكرير لامه؛ بل قُصد الزِّيادة؛ كما في (عِفْرِيتٍ) ٤. واختلفوا في تعيين الحرف الزّائد في المكرَّر؛ نحو (كَسَّرَ) فجعل الخليل٥ الأوَّل هو الزائدُ؛ لأن الواو والياء والألف يقَعْنَ ثواني في (فَوْعَل) و (فَيْعَل) و (فَاعِل) وكذلك في (فَعلّل) و (فِعَلّ) لأن الواو والياء والألف يقعنَ ثوالث؛ نحو (جَدْوَل) و (عِثْيَرٍ) و (شِمَالٍ) . وكذلك (عَدَبَّسٌ) ٦ فالباء الأولى فيه بمنزلة واوِ (فَدَوْكَسٍ)

стр. 172

وياء (عَمَيْثَلٍ) ١. وجعل يونس بن حبيب٢ الأخيرَ هو الزائد؛ فقاس زيادة (كَسَّرَ) وأخواتها على زيادة (جدولٍ) و (عِثْيَرٍ) و (شِمَالٍ) . وقاس زيادة (مَهْدَدٍ) وأخواتها على ألف (مِعْزًى) وجعل الأخيرةَ في (خِدَبٍّ) بمنزلة النون في (خِلَفْنَةٍ) وجعل زيادة (عَدَبَّسٍ) بمنزلة واوِ (كَنَهْوَرٍ) . وصوَّب سيبويه٣ الوجهين. واختار ابنُ السَّرَّاج٤ مذهبَ سيبويه. وليس لهذا الخلاف أثرٌ في تداخل الأصول؛ لأن الأصول لا تتغير في الرأيين.

стр. 173

حروف الزِّيادة: يكاد اللُّغويُّون١ يُجْمِعون على أن حروف الزِّيادة عشرة؛ وهي: الواو، والياء، والألف، والهمزة، والميم، والنون، والسين، والتاء، واللام، والهاء. وجمعوها في قولهم (أمانٌ وتسهيلٌ) أو (سألتمونيها) أو (اليومَتنساه) ونحو ذلك. ونقلوا عن المبرِّد أنَّه أخرج الهاء٢ من حروف الزِّيادة؛ على الرغم من أنَّه نصَّ صراحةً في (المقتضب) ٣ على أنَّ الهاء من حروف الزِّيادة؛ وهو يبطل ما نُسبَ إليه. وكان ثعلبٌ يعدُّ الباءَ في (زَغْدَبٍ) من حروف الزِّيادة في قول العجَّاج:

стр. 174

يَمُدُّ زَأراً وهَدِيراً زَغْدَباً١ ... وردَّ مذهبَه ابنُ جِنَّي٢ ولم يقتصر أبو الحسن كُرَاعُ النمل في الزَّوائد على حروف الزِّيادة العشرة المُجْمَعِ عليها؛ فقد عقد باباً بعنوان (باب الزَّوائد من غير العشرةِ) ٣ وأضاف فيه عشرة أحرفٍ أخرى وهي: الغين، والقاف، والحاء، والفاء، والرَّاء، والزَّاي، والطَّاء، والدّال، والجيم، والباء. فالغين زائدةٌ في (دَغْفَقْتُ الماءَ) لأنَّه من دَفَقْتُهُ٤. والقاف في (العَسَلَّقِ) وهو الذئب؛ لأنَّه مشتق من العَسَلان٥. والحاء في (الصَّلَنْقَحِ) وهو الصياح، وأصله (الصَّلقُ) ٦. والفاءُ في قولهم: مِخْشَفٌ ومِخَشٌّ، بمعنى: جريءٍ على الليل ٧. والرَّاءُ في قولهم: كَشَمْتُ أنفَه وكَشْمَرْتُهُ، أي: كَسَرْتُهُ، قال: "وإنما زيدت الرَّاء لقربها من اللام، واللاَّم من الزَّوائد"٨. والزَّايُ في قولهم: أَرَمَّ وأرْزَمَ، بمعنى: سكتَ، ويرى أنَّها زيدت؛

стр. 175

لأنَّها أخت السين، والسينُ من الزَّوائد١. والطَّاءُ في قولهم: فَرْشَطَ وفَرَشَ، بمعنى: بَرَكَ، ويرى أنَّها زيدت؛ لأنَّها أخت التاءِ٢. والدَّالُ في قولهم: رِخْوَدٌّ بمعنى رِخْوٍ؛ وهي - أيضاً - أخت التاء٣. والجيمُ في قولهم: دَحْرَجْتُه بمعنى: دَحَرْتُهُ٤. والباءُ في قولهم: شَبْرَقْتُ الثَّوبَ، بمعنى: شَرَّقْتُهُ، أي: مَدَدْتُهُ٥. وكلُّ هذا الَّذي ذكره كُراعٌ ليس من الزَّوائد؛ وإنما هي أصول تشابهت معانيها، وتقاربت ألفاظُها، وهو من المترادفات؛ كما يراه ابن جِنِّي في أمثالها٦. ومَنْحَى كُراعٍ في الزَّوائد ليس غريباً؛ إذا عُرف أنَّه كوفيُّ المذهب٧، وأهل الكوفة يجعلون ما زاد عن ثلاثة أحرفٍ مزيداً، كما تقدَّم٨.

стр. 176

ونحا ابنُ فارسٍ منحى كُراعٍ١، يؤكد ذلك تحليل ما زاد عن الثلاثة في معجمه (مقاييس اللُّغة) ففيه تسع وأربعون ومائتا كلمة رباعية أو خماسية؛ ممَّا جعله مزيداً بحرفٍ أو حرفين من غير حروف الزِّيادة العشرة. فقال بزيادة الرَّاء في خمسٍ وثلاثين كلمةً ٢، وهي أكثر الحروف زيادةً عنده. ويليها العين؛ في عشرين كلمة٣. فالباءُ؛ في تسع عشرة كلمة٤. فالدَّالُ؛ في إحدى عشرة كلمة٥. فالفاءُ؛ في ستِّ كلماتٍ٦. فالحاءُ؛ في خمسِ كلماتٍ٧.

стр. 177

فالجيمُ١؛ والقافُ٢؛ والكافُ٣؛ وكلٌّ منها في أربع كلماتٍ. فالشينُ؛ في ثلاثِ كلماتٍ٤. فالزَّايُ٥؛ والطَّاءُ٦؛ في كلمتين لكٍّ منهما. فالخاءُ، والذَّال، والضَّاد، والغينُ؛ في كلمةٍ لكلٍّ منها٧. وهذا يعني أنَّ ابنَ فارسٍ يرى أنَّ حروف المعجم جميعها٨ قابلة لأن تكون زائدةً؛ باستثناء ثلاثة منها؛ وهي: الثاء، والصاد، والظاء؛ اللائي لم يردن في معجمه زوائد؛ ولعله لا يمتنع عنده زيادتهن -أيضاً. والَّذي يؤخذ به، وعليه المعوَّل في دراسة تداخل الأصول: مذهب الجمهور في الزَّوائد؛ وهو أنَّها لا تقع من غير العشرة؛ الَّتي يجمعها قولهم: (سألتمونيها) أمَّا ما جاء به كُراعٌ، وابنُ فارسٍ، ومن سار على نهجهما، من اللُّغويِّين المتأخرين في زماننا؛ فلا يُعَوّل عليه؛ لأنَّ ما زعموا أنَّه زائد ثبتت أصالته عند جمهور اللّغويّين والصّرفيّين والنّحاة من المتقدّمين

стр. 178

والمتأخرين؛ وهم السواد الأعظم من علماء العربيّة؛ وقد وضعوا قواعدهم على الكثير المستفيض من كلام العرب؛ الَّذي أدّاهم إلى نَوْطِ القواعدِ به. مواضِعُ الزِّيادَاتِ المَقِيسَةِ: تنقسم الزَّوائد قسمين: مَقيسةٌ وغير مَقِيسَةٌ. وأعرضُ فيما يلي للزّيادات المقيسة: أوَّلاً- الهمزة: تقع الهمزة أوّلاً وحشواً وآخراً، وتطّرد زيادتُها أوّلاً وآخراً، إلاّ أنَّها إذا وقعت آخراً بعد ألفٍ زائدةٍ نحو (حَمْرَاءَ) فأنَّها تكون مُبدلةً من ألف التأنيث. وفيما يلي بيان ذلك: أ- إذا وقعت أوّلاً: لا يخلو إن وقعت الهمزة في أوّل الكلمة أن يكون بعدها حرفان، أو أكثر، فإن كان بعدها حرفان فالهمزة أصل؛ نحو (أَكَلَ) و (أَمَرَ) إذ لا بدّ من الفاء والعين واللاّم١، وهي أقلّ الأصول. وإن كان بعدها ثلاثة أحرفٍ أصولٍ فالهمزة زائدةٌ؛ سواء عُرف الاشتقاق في تلك الكلمة أو جُهِلَ ٢؛ نحو (أَحْمَرَ) و (أَصْغَرَ) و (أَكْرَمَ) و (أَشْرَفَ) . وإنّما حُكم عليها بالزِّيادة في هذه المواضع؛ لأنّ كلَّ ما عرف

стр. 179

اشتقاقه من ذلك فالهمزة فيه زائدة؛ فحُمل ما جُهِل اشتقاقه على ما عُلِمَ؛ فحُكِمَ بزيادة الهمزة فيه١. ويُعدّ هذا الموضع أكثرَ مواضع اطِّرادها زائدةً؛ إذ تزاد في سبعة وعشرين بناءً في الأسماء٢. وإن كان بعدها أربعةُ أحرفٍ، فما فوق، مقطوعٌ بأصالتهنّ، فهي أصل٣؛ وذلك نحو (إِصْطَبْلٍ) و (إَبْرَيسَمٍ) . قال ابنُ عصفور: "وإنّما قُطع بأصالة الهمزة في مثل هذا؛ لأنّ بنات الأربعة فصاعداً، لا تلحقها الزّيادات من أوّلها أصلاً، إلاّ الأفعال، نحو: تَدَحْرَجَ، والأسماءَ الجاريةَ عليها، نحو: مُدَحْرِجٍ"٤. وإن كان بعدها ثلاثةُ أحرفٍ، اثنان منها مقطوع بأصالتهما؛ فإمّا أن يكون الآخر مقطوعاً بزيادته، أو محتملاً للأصالة والزِّيادة؛ فالهمزة أصل فيما قُطع بزيادته؛ نحو: (آكِلٍ) و (آمِرٍ) لأنَّه لا بدّ من الفاء والعين واللاّم؛ فوزن ما تقدّم (فَاعِل) . وتكون الهمزة زائدة فيما احتمل الأصالة والزِّيادة؛ نحو: (أَبْيَنَ) اسم رجلٍ، و (أَفْعَى) فإنّ الياءَ في الكلمة الأولى والألفَ المقصورةَ في الثانية محتملتان للأصالة والزِّيادة، وقد قُضيَ على الهمزة في المثالين

стр. 180

بالزِّيادة، وقُضِيَ على الحرفين بالأصالة "لأنّ جميع ما ورد من ذلك ممَّا له اشتقاقٌ الهمزة فيه زائدةٌ، وما عداها أصل، نحو: قولِه: أَغْوَى منه، وأَضْوَأُ منه، وأَيْدَعُ؛ لأنّ أغوى من الغَيِّ، وأضوأ من الضَّوء، ويقولون: يَدَّعْتُهُ"١ فـ (أَيْدَعُ) منه. ويستثنى من ذلك ألفاظ قليلة شذّت من هذا النوع؛ كـ (الأَوْلَقِ) وهو الجنون، و (الأرْطَى) وهو نبات يدبغ به؛ فإنّ الهمزة فيهما أصل؛ لاشتقاق الأوّل من الأَلَقِ. ولقولهم في الثاني: أَدِيمٌ مأْرُوْطٌ؛ أي: مدبوغ؛ ولذلك حمل ما ليس له اشتقاق؛ كـ (أَبْيَنَ) و (أَفْعَى) على الأكثر؛ فقُضِي بزيادة الهمزة. وتطّرد زيادة الهمزة أوّلاً في بعض الأفعال والمصادر؛ لسكون أوائلها؛ فيؤتى بالهمزة للتّوصّل إلى نطق الساكن؛ وهو ما يعرف بـ (همزة الوصل) وتقع في مزيد الماضي من الثُّلاثيّ أو الرّباعيّ؛ ممَّا جاء على خمسة أحرفٍ أو ستّةٍ؛ وهو ما يسمّى بـ (الخماسيّ) أو (السّداسيّ) بالزِّيادة٢، نحو (اكْتَسَبَ) و (انْفَطَرَ) و (اقْشَعَرَّ) و (اعْشَوْشَبَ) و (اسْتَغْفَرَ) وما جرى عليه من المصادر. وتطّرد - أيضاً - في الأمر من تلك الأفعال؛ كما تطّرد في أمر المضارع ساكِنِ الثّاني، ولم تُحذف منه همزةٌ؛ كـ (يُكْرِمُ) ولم يكن
следующие страницы →