وقد ذكر الجوهريّ ((لعلّ)) في الأصلين: (ع ل ل) و (ل ع ل) ١ وتابعه ابن منظو٢.
وسار ابن منظور في نحو ذلك على المنهج السّليم حينما ذكر اسم الإشارة ((هذا)) في (? ذ ا) من أجل الإحالة؛ فذكر أنّ الهاء فيه للتّنبيه٣، وأعاده في باب الألف اللّيّنة في ذيل معجم ٤.
وأورد الجوهريّ الضّمائر التّالية: ((أنا)) و ((أنت)) و ((أنتما)) و ((أنتم)) في (أن ن) ٥ مع أنّه ليس فيها سوى نون واحدة؛ فكان حقّها أن تذكر بحسب نطقها؛ لأنّها غير متصرّفة؛ فتذكر ((أنا)) في (أن و) أو في باب الألف اللّيّنة في ذيل المعجم، وتذكر ((أنت)) في (أن ت) وهكذا. أو توضع في أصلها (أن) على مذهب من يرى أنّ الضّمير هو ((أَنْ)) وهذه اللّواحق زوائد يتبيّن بها المراد من هذه الضّمائر٦.
وشاع في معاجم القافية وضع الحروف الثّنائيّة مثل ((أنْ)) و ((بَلْ)) و ((عَنْ)) و ((قَدْ)) و ((كَمْ)) و ((لَمْ)) و ((لَنْ)) و ((مَدْ)) و ((مُذْ)) و ((مَعْ)) و ((هَلْ)) في أصول ثلاثيّة؛ وهي على التّوالي: (أن ن) و (ب ل ل) و (ع ن ن) و (ق
стр. 667
د د) و (ك م م) و (ل م م) و (ل ن ن) و (م ذ ذ) و (م ع ع) و (? ل ل) .
وأرى أنّ حقّها أن توضع في مدخل ثنائيّ مستقلّ يناسبها؛ لأنّها لا تُمتُّ للأصول الثّلاثيّة بصلة؛ فمثلاً توضع ((قَدْ)) في (ق د) ويأتي بعدها الأصل الثّلاثيّ (ق د د) وتوضع ((لَمْ)) في (ل م) ويأتي بعدها الأصل الثّلاثيّ (ل م م) مستقلاًّ بنفسه؛ وهكذا في الباقي.
(ك) الإدغام:
الإدغام في اللّغة: إدخال شيء في شيء، ومنه إدخال اللّجام في أفواه الدّواب ١.
وهو في الاصطلاح: إدخال حرف في حرف بعد تسكين الأوّل منهما؛ ولا يكون ذلك إلاّ في مثلين، أو متقاربين بعد قلب أحدهما٢؛ نحو ((شَدّ)) و ((سَلَّمَ)) و ((ادَّكَرَ)) و ((الرَّجُلُ)) .
ويعدّ الإدغام وسيلة من وسائل تيسير النّطق، والاقتصاد في الجهد العضلي٣.
وقد تقدّم أنّ بعض المتأخّرين يعدّ المدغم حرفاً واحداً أُطيل صوته؛ وهو- عند علماء العربيّة القدامى - حرفان. وقد رجّح البحث مذهبهم بالأدلّة٤.
стр. 668
والأصل في الإدغام أن يكون الحرفان مثلين؛ نحو ((شَدّ)) و ((كَسَّرَ)) ويحمل عليه إدغام المتقاربين بعد قلب أحدهما للإدغام؛ نحو ((ادّكَرَ)) وهو في الأصل ((ادْتَكَرَ)) و ((اتّصَلَ)) وهو - في الأصل ((اوْتَصَلَ)) على زنة (افْتَعَلَ) . ولذلك فإنّه إن وجد حرف مضعّف ينبغي أن يكون من إدغام المثلين، إلاّ أن يقوم دليلٌ على أنّه من إدغام المتقاربين؛ لأنّه لا يجوز إدغام الحرف في مقاربه في كلمة واحدة؛ لئلاّ يلتبس بإدغام المثلين؛ فلا يجوز- مثلاً - الإدغام في ((أنْمُلَةٍ)) فيقال: ((أُمُّلَةٍ)) لأنّ ذلك يؤدّي إلى اللّبس؛ فلا يدري هل هو في الأصل ((أنْمُلَةٍ)) أو ((أمْمُلَة)) فيتداخل الأصلان (ن م ل) و (م م ل) .
فإن كان في الكلمة ما يدلّ على إدغام المتقاربين جاز الإدغام؛ نحو ((امّحَى الخطُّ)) وأصله ((انْمَحَى)) لأنّ هذا لا يمكن أن يكون من إدعام المثلين؛ إذ لو كان كذلك لكان على وزن (افَّعَلَ) وهو بناء مفقود في كلام العرب؛ فتبيّن بذلك أنّ الأصل ((انْمَحَى)) لوجود (انْفَعَلَ) ١.
ومن الممكن أن يكون الإدغام سبباً لتداخل الأصول؛ ولا سيّما في مثل هذا النّوع؛ أعني: إدغام المتقاربين بعد القلب (الإبدال) لأنّهم ربّما اختلفوا في ذلك؛ فيتداخل الأصلان؛ كما حدث في ((هَمَّرِشٍ)) بسبب الإدغام، واختلافهم في توجيهه، فمن عدّه من باب إدغام المتقاربين كان عنده رباعيّاً من (? م ر ش) ومن عدّه من باب إدغام المتقاربين كان عنده - خماسيّاً من (? ن م ر ش) . وقد تقدّم تفصيل التّداخل فيه.
стр. 669
ومن ذلك تداخل (وت د) و (ود د) في ((الوُّدِّ)) وهو: ما رزّ في الحائط أو الأرض من خشبٍ ونحوه١؛ ففيه إبدال المتقاربين؛ لأنّ أصله ((وَتِدٌ)) .
قال سيبويه: ((وإنّما أصله: وَتِدٌ؛ وهي الحجازيّة الجيّدة، ولكنّ بني تميم أسكنوا التّاء، كما قالوا في فَخِذٍ: فَخْذٌ فأدغموا)) ٢ وذكر أنّه غير مطّرد؛ لأنّه يؤدّي إلى التباس الأصول، فيظنّ أنّه من إدغام المثلين؛ فيكون أصله (ود د) ومن هنا وُضع في بعض المعاجم في الأصلين٣.
ومثله ((عِدَّانٌ)) جمع: عَتُود من أولاد المَعْز وأصله ((عِتْدَانٌ)) إلاّ أنّ التّاء قلبت دالاً للإدغام٤.
ومن ذلك تداخل (س د س) و (س ت ت) في قولهم ((سِتٌّ)) في العدد؛ وأصلها ((سِدْسٌ)) لقولهم: التّسْدِيسُ؛ ولذا قالوا في التّصغير: سُدَيْسَةٌ، وفي الجمع: أَسْدَاسٌ. والإدغام في ((سِتٍّ)) مسبوق بمرحلتين من الإبدال:
أولاهما: قلب السّين الأخيرة تاءً؛ لتقرّب من الدّال الّتي قبلها؛
стр. 670
فصارت ((سِدْتاً)) وقد سوّغ الإبدالَ بينهما تقارب مخرجيهما واتّحادهما في الهمس.
وثانيهما: إبدال الدّال تاءً؛ لاتّحادهما في المخرج؛ وهو طرق اللّسان وأصول الثّنايا - كما قال سيبويه١.
وبعد ذلك أدغمت التّاء الّتي هي - في الأصل - دالٌ في التّاء الّتي هي - في الأصل - سين؛ فقالوا: ((سِتٌّ) ٢.
وأدّى ذلك إلى وضع الكلمة في موضعين في بعض المعاجم؛ كما فعل الجوهريّ٣، وابن منظور٤، والفيروز آباديّ٥، والزّبيديّ (٦) .
стр. 671
(ل) الجَمْعُ:
قد يكون الجمع سبباً من أسباب تداخل الأصول؛ لا سيّما جمع التّكسير، لأنّ الخلاف في أحاد الجموع شائع بين العلماء؛ مطّرد في مذاهبهم؛ لأنّ مثال جمع التّكسير تفقد فيه صيغة الواحد؛ فيحتمل الأمرين أو الثّلاثة؛ وليس كذلك مثال جمع السّلامة؛ فمن سمع قولهم: ((زَيْدُونَ)) و ((خَالِدُونَ)) و ((مُسْلِمُونَ)) ونحوها لم يعرض له شكّ في الواحد منها؛ لسلامة بنائه من التّغيير.
وربّما ترتّب على خفاء المفرد في بعض جموع التّكسير خفاءَ الأصل؛ فيكون عرضة لتداخل الأصول؛ كما وقع في ((الشَّاءِ)) جمع ((شَاةٍ)) ولا خلاف بينهم في أنّ أصل ((شَاةٍ)) : ((شَاهَةٌ)) وهي قبل الإعلال ((شَوْهَةٌ)) لقولهم في التّصغير: ((شُوَيْهَةٌ)) وفي الجمع - أيضاً: (شِيَاهٌ)) (١) ولكنّهم اختلفوا في جمعه على ((شَاءٍ)) .
ذهب سيبويه إلى أنّ ((الشَّاءِ)) ليس من لفظ: شَاةٍ، وأنّه اسم للجمع؛ وأصله (ش وي) أو (ش وو) واستدلّ بقول العرب في التّصغير: شُوَيّ (٢) ؛ حملاً على التّصغير؛ وهو يحتمله؛ لأنّ سيبويه أورده فيه، ويجوز - أيضاً - أن يكون ((شَوِيّاً)) بفتح الشّين وكسر الواو؛ وهو اسم جمع للشّاة؛ كما في قول الرّاجز:
стр. 672
إِذَا الشَّوِيُّ كَثُرَتْ نَوَاتِجُهُ ... َانَ مِنْ تَحْتِ الكُلَى مَنَاتِجُهُ١
وقيل: إنّ ((شَوِيّاً)) جمع الشّاءِ؛ فكأنّه جمع الجمع٢.
و ((شَاءٌ)) عند سيبويه من باب ((سَوَاسِيَةٍ)) إذ هو جمع سَواءٍ؛ وليس من لفظه٣؛ وإن كان فيه بعض حروفه؛ لأنّ تركيب سواءٍ من (س وي) أمّا ((سَوَاسِيَة)) فمن مضاعف الرّباعيّ (س وس و) لقول بعضهم: ((سَوَاسِوَةٌ)) فأخرج الواوَ على أصلها٤. وهو عنده من غير لفظه، ومثّل له بامْرَأَةٍ ونِسْوَةٍ، ورَجَلٍ ونَفَرٍ٥. والّذي حمله على أن يقول بهذا الأصل أنّ ((شَاءً)) لو كان جمع ((شاةٍ)) من لفظه لكان قياسه في الجمع ((شِيَاهٌ)) لأنّ المحذوف هاء٦، ونظيره: مياهٌ.
وعلى هذا فإن أصل ((شَاء)) عند سيبويه ((شَوَيٌ)) أو ((شَوَوٌ)) فقلبت عين الفعل منه ألفاً لتحرّكها وانفتاح ما قبلها؛ فصار في التّقدير: شَاياً أو
стр. 673
شَاواً؛ فقلبت اللاّم منه همزة شذوذاً؛ لأنّ الألف أصليّة، وفيه - أيضاً - اجتماع إعلالين؛ لأنّه أعلّ اللاّم والعين جميعاً١.
وذهب المبرّد إلى أنّ أصله (ش و ?) فـ ((الشَّاء)) عنده جمع ((شاة)) على لفظه بمنْزلة ((الماء)) والهمزة فيه مبدلة من الهاء؛ لأنّ أصل مفرده ((شَاهَةٌ)) فَجُمِعَ بإسقاط تاءَ التّانيث؛ كقولهم في جمع تَمْرَةٍ وشَعِيرَةٍ: تَمْرٌ وشَعِيرٌ؛ فكان تقديره في الجمع: ((شَاه)) وألفه منقلبة عن الواو؛ وهي العين، والهاء هي اللاّم، ثمّ أبدلوا من الهاء همزةً لقرب المخرجين؛ فقالوا ((شَاءٌ)) على حدّ قولهم - في الإبدال - أرَقْتُ وهَرَقْتُ، وإيّاكَ وهِيَّاكَ؛ وهو أشبه بقولهم ((ماءٌ)) إذ كان قبل الإبدال: ((مَاه)) ٢.
وكان ابن جنّي يميل إلى مذهب المبرّد، ويوجّه عودة اللاّم المحذوفة في المفرد؛ وهي الهاء، ويقول: ((فلمّا أردت جمع: شاةٍ على حدّ قولك: بَقَرَةٌ وبَقَرٌ؛ وجب حذف هاء التّانيث، فلزم أن يبقى الاسم على: شين وألف؛ وهما الفاءُ والعينُ؛ فلم يجز تركه على ذلك كراهة أن يُذْهِبَ التّنوينُ - لسكونه - الألفَ؛ كما يُذْهِبُها من قولك: هذه عَصاً؛ فيبقى الاسم الظّاهر على حرفٍ واحد؛ وهذا محال؛ فوجب أن يضمّ إلى الكلمة ما يؤمن معه حذف الألف؛ فكان ردّ الهاء الأصليّة الّتي هي لام الفعل أولى؛ لأنّها أحقّ من الأجنبيّ الغريب؛ فَرُدَّتْ فصار التّقدير: شاه٣ في
стр. 674
وزن: جاهٍ ... إلاّ أنّ العرب أبدلت الهاء همزةً)) ١.
وعلى هذا الرّأي - أيضاً - يجتمع إعلالان؛ وهما:
الأوّل: قلب العين ألفاً.
الثّاني: قلب اللاّم همزةً٢. واجتماع الإعلالين قليل؛ وهو في الثّلاتيّ من الاسم والفعل نادر؛ لأنّه لا يحتمل - لخفّته - إعلالاً كثيراً - كما قال الرّضيّ٣.
ويؤدّي التباس نون الجمع في آخر الكلمة الّتي تأتي على وزن (فِعْلان) بلام الكلمة في مصدر الرّباعيّ على وزن (فِعْلال) لتساوي البناءين في الحروف والحركات فـ ((سِلْعَان)) مثلاً - يحتمل الأصلين؛ فيجوز أن يكون جمعاً من الثّلاثيّ (س ل ع) وهو - حينئذ - جمع ((السَّلْعِ)) : شجر مرٌّ، ووزنه على هذا الأصل (فِعْلان) نحو: غِزْلانٍ وجِيرَانٍ وقِيعَانٍ.
ويجوز أن يكون مصدراً من (س ل ع ن) من قولهم: سَلْعَنَ في عَدْوِهِ؛ أي: عدا عدواً شديداً، فوزنه - حينئذ (فِعْلال) على حدّ قولك: سَرْهَفْتُ الصّبيّ سِرْهَافاً؛ أي: أحسنت غذاءه.
وقد أشار بعض العلماء إلى هذا التّداخل، ونبّه عليه؛ كأبي العلاء المعرّيّ في قوله: ((فأمّا (فِعْلان) فينبغي أن يتوقف عن الحكم في نونه، أكثر من التّوقف في نون (فُعْلان) وإن كانت تكثر زائدة في هذا الموضع؛
стр. 675
وقد نصّ الأزهريّ على الأصلين بقوله: ((من جعل العَيْدَان (فَيْعَالاً) جعل النّون أصليّة، والياء زائدةً. ودليله على ذلك قولهم: عَيْدَنَتِ النّخلةُ. ومن جعله (فَعْلان) مثل: سَيْحَان من سَاحَ يَسِيحُ جعل الياء أصليّة والنّون زائدةً. ومثله: هَيْمَان وعَيْلان)) ١.
وإلى مثل هذا أشار الجوهري في مادّة (ع ود) من ((الصِّحاح)) ٢ وذكره ابن منظور في الأصلين٣.
وثمّة نوع في الجمع يكثر في التّداخل؛ وهو ما جمع على توهّم أصالة الحرف؛ كقولهم: مَسِيلٌ ومُسْلانٌ، وموضع الحديث فيه ما يلي من أسباب التّداخل؛ وهو: التّوهّم.
стр. 676
(م) توهُّمُ أصالةِ الحرفِ:
للتّوهّم في اللّغة معانٍ؛ منها: التَّخيّل، والسّهو، والغلط، والظّن١.
والتّوهّم - في الاصطلاح اللّغويّ - مأخوذ من معانيه اللّغويّة؛ فهو توهّم أصالة الحرف الزّائد، أو توهّم زيادة الحرف الأصليّ، والأوّل أكثر؛ وهو يكثر في الجمع، واشتقاق الأفعال؛ نحو: مُسْلاَنٍ، جمع مَسِيْلٍ، ومَيَاسِمَ جمع مَيْسَمٍ، واشتقاقهم مِنْ: المِسْكِين والمِدْرَعَةِ: تَمَسْكَنَ وتَمَدْرَعَ.
والحديث عن ((التّوهّم)) مفرّقٌ في كتب اللّغة والصّرف، وأكثر وروده فيها عارض؛ وهم يطلقون عليه مسمّيات مختلفة؛ كـ ((الغَلطِ)) ٢ و ((المشابهة)) و ((المشاكلة)) و ((كأنّه كذا)) و ((إلحاق هذا بذاك)) وكلّ هذا عند التّنبيه على الشّذوذ أو مخالفة القياس.
ومن أقدم ما ورد من الإشارات الصّريحة عن ((التّوهّم)) ما عزاه سيبويه للخليل في جمع ((مُصِيَبةٍ)) قال: ((فأمّا قولهم: مَصَائِب فإنّه غلط منهم، وذلك أنّهم توهّموا أنّ مُصِيبَةً فَعِيلَةٌ، وإنّما هي مُفْعِلَةٌ)) ٣.
ثمّ نجد كلمة ((التّوهّم)) ترد كثيراً بهذا المعنى عند بعض اللّغويّين فيما
стр. 677
بعد؛ كالأزهريّ١، وابن جنّي٢، والجوهريّ٣، والصّغاني٤.
وتوهّم أصالة الحرف من أهمّ الأسباب المؤدّية إلى تداخل الأصول، ومن أخطرها أثراً. وكثيراً ما يترتّب على التّوهّم خلاف بين العلماء؛ لأنّه الوجه الآخر للتّصريف؛ الّذي يعدّ من أهمّ المقاييس الّتي تميّز بها الأصول؛ فإذا حمل ما جاء على هذا المقياس على التّوهّم سقط الاستدلال به في كثير من أمثلة التّداخل؛ الّتي كان للتّوهّم فيها نصيب.
فمن ذلك كلمة ((مَسِيلٍ)) وهي اسم مكان على وزن (مَفْعِل) من: سَالَ يَسِيلُ، وأصلها (س ي ل) وقياس جمعها: مَسَايِل؛ فلمّا شاعت الكلمة توهّموا أصالة ميمها؛ فحملوها على راء (رَغِيفٍ) فقالوا في الجمع: أمْسِلَة ومُسْلاَن؛ كقولهم: أَرْغِفَةٌ ورُغْفَان.
وكان الأزهريّ يحملها على التّوهّم، ويرى زيادة الميم؛ كما توهّموا أصالة الميم في المكان؛ فقالوا في جمعه: أمْكِنَةٌ، وأصله (مَفْعَل) من: كان٥.
بيد أنّ ابن جنّي كان يرى خلاف ذلك؛ ويقول: ((وأمّا مَسِيلٌ فذهب بعضهم في قولهم في جمعه: أمْسِلَةٌ - إلى أنّه من باب الغلط؛ وذلك لأنّه أخذه من: سَالَ يِسِيل؛ فهو عندهم على مَفْعَل، كالمَسِيرِ والمَحِيضِ؛
стр. 678
وهو - عندنا - غير غلط؛ لأنّهم قد قالوا فيه: مُسُلٌ؛ وهذا يشهد بكون الميم فاء)) ١.
وقد تقدّم تفصيل التّداخل فيه.
ومن ذلك قولهم: ((مَيَاسِمُ)) في جمع: مِيسَمٍ؛ وهي آلة الوسم أو أثر الوسم؛ فأصله (وس م) ولكنّهم قالوا في جمعه: ((مِيَاسِمُ)) على توهم أصالة الياء؛ وهو الكثير في جمعه، وربّما قالوا: ((مَوَاسِمٌ)) قليلاً؛ وهو القياس٢.
وحمل قولهم: رِيْحٌ وأَرْيَاحٌ - على توهّم أصالة الياء؛ لأنّ أصل رِيْحٍ (روح) فقياس الجمع منه ((أرْوَاحٌ)) .
وقد حكى أبو الفرج الأصبهاني ما وقع في شعر عُمارة بن عقيل الخطفيّ، واعتراضَ أبي حاتم السّجستاني عليه؛ فقال: ((أنشد عُمارة قصيدة له؛ فقال فيها: الأرْيَاحُ والأمطارُ؛ فقال له أبو حاتم السّجستاني: هذا لا يجوز، وإنّما هو الأرْوَاحُ؛ فقال: لقد جذبني إليها طبعي، فقال له أبو حاتم: قد اعترضه علمي؛ فقال: أما تسمع قولهم: رِياَحٌ؟ فقال له أبو حاتم: هذا خلاف ذلك، قال: صدقتَ ورجع)) ٣.
ومثل هذا قول العرب في جمع ((عِيْدٍ)) : أعْيَادٌ؛ فهو - عند بعض العلماء - على توهّم أصالة الياء؛ لأنّ ((عِيْداً)) في الأصل: ((عِوْدٌ)) قال ابن سيده: ((واشتقاقه من: عَادَ يَعُودُ؛ كأنّهم عادوا إليه. وقيل: اشتقاقه من
стр. 679
العَادَة؛ لأنّهم اعتادوه. والجمع أعْيَاد؛ لزم البدل، ولو لم يلزم لقيل: أعْوَاد؛ كرِيحٍ وأرْوَاحٍ؛ لأنّه من: عَادَ يَعُودُ)) ١ وقيل: جمعوه بالياء ليفرّقوا بينه وبين ((أعْوَادِ الخشبِ)) .
ومن توهّم أصالة الحرف في الأفعال قولهم: ((تَمَسْكَنَ)) و ((تَمَنْطَقَ)) و ((تَمَدْرَعَ)) و ((تَمَخْرَقَ)) فقد حملوه على الرّباعيّ (فَعْلَل) فجعلوا الميم في هذه الأفعال فاء الرّباعيّ؛ بإزاء دال ((تَدَحْرَجَ)) والاشتقاق خير دليل على زيادتها، ووقوع التّوهّم فيها.
ومن ذلك توهّم أصالة النّون في ((الضَّيْفَنِ)) وهو الّذي يأتي مع الضّيف من غير دعوة؛ فاشتقّوا منه فعلاً؛ فقالوا: ضَفَنَ الرَّجلُ يَضْفِنُ، إذا جاء مع الضّيف٢.
وأدّى ذلك إلى اختلافهم؛ فجعل بعضهم النّون زائدة على التّوهّم؛ وهو عند أبي زيد الأنصاريّ (فَيْعَل) بأصالة النّون٣.
ومنه قولهم: ((تَشَيْطَنَ)) فقد استدلّ به بعض العلماء على أصالة النّون؛ فجعلوه من (ش ط ن) وحمله بعضهم على التّوهّم بأصلالة الياء وزيادة النّون؛ وهو عندهم من (ش ي ط) وقد تقدّم تفصيل التّداخل فيه.
стр. 680
(ن) اختلاف الحركات
ثمّة كلمات اختلفت حركاتها؛ لاختلاف الرّواية فيها أو اللّغات.
واختلاف الحركة في الكلمة يؤدّي - أحياناً - إلى تغيير الأصل، فـ ((الثَّنْدُوَة)) بفتح الثّاء - من (ث ن د) على بناء (فَعْلُوَة) مثل: تَرْقُوَةٍ وعَرْقُوَةٍ. وإذا ضمّ أولها همزت الواو، فيقال: ((الثُّندُؤَة)) فتكون: (فُعْلُلَة) من الأصل الرّباعيّ: (ث ن د أ) ١.
وإنّما حملت - على رواية الضّمّ - على الرّباعيّ؛ لوجود (فُعْلُل) ولم تحمل عليه - أعني: الرّباعيّ في رواية الفتح لفقد (فَعْلُل) .
ومن ذلك ((بُرْهُوتٌ)) وهو وادٍ أو بئر بحضرموت. وفيه رواية أخرى؛ وهي ((بَرَهُوت)) وأصله على رواية الفتح (ب ر ?) لأنّ القياس في تائه الزّيادة؛ لكونها مزيدة في أمثاله ممّا عرف اشتقاقه؛ كالتَّرَبُوت والخَرَبُوت ٢.
وأصله على الضّمّ (ب ر ? ت) ٣ لأنّ القياس في تائه - حينئذ - أن تكون أصليّة؛ ووزنه (فُعْلُول) كعُنْقُودٍ وعُصْفُورٍ.
ومن طريف التّداخل بسبب اختلاف الحركات ما جاء في حديث حُذيفة أنّه أقيمت الصّلاة؛ فتدافعوها وأبوا إلاّ تقديم حُذيفة؛ فلمّا سلّم
стр. 681
قال: ((لَتُبَتِّلُنَّ لها إماماً، أو لَتُصَلُّنَّ وُحداناً)) (١) وربّما رُوي: ((لَتَبْتِلُنّ)) ٢ ورُوي - أيضاً - برواية ثالثة مختلفة؛ وهي: ((لتَبْتَلُنّ)) ٣ فاحتملت الكلمة أصلين:
أحدهما: (ب ت ل) على الرّوايتين الأوليين: (لَتُبَتِّلُنَّ) و (لَتَبْتِلُنّ) والمعنى: لتُنَصِّبُنّ إماماً، ولَتَقْطَعُنّ الأمر بإمامته. وأصل البتل: القطع يقال: بَتَلَهُ يَبْتِله، ومنه قيل لمريم: البَتُوْلُ؛ لانقطاعها عن النّاس ٤؛ فيكون وزنهما (لَتُفَعِّلُنّ) و (لَتَفْعِلُنّ) .
والآخر: (ب ل و) من الابتلاء، وهو الامتحان، والمعنى لتختارُنّ أو لتَمْتَحِنُنّ لها إماماً من بَلَوْتُ وابْتَلَيْتُ٥. وعلى هذه حمله شَمِرٌ؛ وفسّره بقول: ((أي: لتختارنّ، وأصله: التّجربة والخبرة؛ يقال: اللهم لا تَبْلُنَا إلاّ بالّتي هي أحسن؛ أي لا تمتحنّا)) ٦.
والوزن على هذا الأصل (لَتَفْتَعُنّ) بحذف لام الكلمة؛ لأنّ الأصل (تَفْتَعِلُون) على تقدير: تَبْتَلِيُون؛ فحذفت لامه - وهو حرف العلّة -
стр. 682
لإسناده إلى واو الجماعة، وضُمّت للدّلالة على المحذوف؛ وهو الواو؛ فقالوا: لَتَبْتِلُونَ، ثمّ حذفت واو الجماعة؛ لتوكيد الفعل بالنّون.
ومن طريف التّداخل - أيضاً - ما حدث في ((المِسْطَار)) وهو ضرب من الشّراب فيه حموضة، ويروى - أيضاً - بالصّاد؛ فيحتمل (س ط ر) أو (ص ط ر) بالإبدال؛ ووزنه (مِفْعَال) وكسر الميم فيه رواية الجوهريّ له ١.
وفيه رواية أخرى بضمّ الميم؛ وبها رواه الأزهريّ ٢؛ وهي اختيار الصّغانيّ٣، وتحتمل رواية الضّمّ ثلاثة أصول، وهي: (ص ور) و (ط ي ر) و (س ور) .
أمّا الأول: (ص ور) فهو مذهب الصّغانيّ؛ إذ كان يرى أنّ ((المُسْطَارَ)) على وزن (مُفْتَعَل) من صَار؛ كالمُخْتارِ - اسم مفعول، واستدلّ بأنّ الكسائيّ كان يشدّد الرّاء، ويقول: ((مُسْطَارٌّ)) فهو - حينئذ - من ((اسْطَارَّ يَسْطَارُّ، مثل ادْهَامَّ يَدْهَامُّ)) ٤ وعلى هذا فموضع ذكره - كما قال - مادّة (ص ور) من فصل الصّاد.
أمّا الثّاني: (ط ي ر) فهو على تقدير أنّ ((المُسْطَارَ)) في الأصل: ((المُسْتَطَار)) على وزن (المُسْتَفْعَل) .
стр. 683
قال الأزهريّ: ((المُسْطَار: هو الغُبَار المرتفع في السّماء، وقيل كان في الأصل: مُسْتَطَاراً؛ فحذفت التّاء؛ كما قالوا: اسْطَاعَ في موضع: استَطَاع، وقال عديّ بن الرّقاع:
مُسْطَارَةٌ ذَهَبَتْ فِي الرَّأسِ سَوْرَتُهَا
كَأَنّ شَارِبَهَا مِمّا بِهِ لَمُمُ ١
ويقوّي هذا أنّ الخمر تثب إلى الرّأس، وتنتشر انتشار الغُبار المرتفع؛ فتحجب عقل شاربها كما يحجب الغُبارُ الأشياءَ المحسوسةَ.
أمّا الثّالث (س ور) فهو على تقدير أنّ الطّاء في ((المُسْطَارِ)) مبدّلة من التّاء في ((المُسْتَار)) ووزنه (المُفْتَعَل) ثمّ قلبت تاء الافتعال طاءً؛ فقالوا: ((المُسْطَار)) فلعلّه مشتقّ من ((سَوْرَةِ الخمر)) وهو: حدّتها، ووُثوبها في الرّأس٢؛ فيكون الأصل قبل الإعلال: ((المُسْتَوَرَ)) .
ولا ترد هذه الأصول المحتملة إلاّ على رواية ضمّ الميم. أمّا رواية الكسر الّتي ذكرها الجوهريّ، فلا تحتمل إلا أصلين (س ط ر) على رواية السّين و (ص ور) على رواية الصّاد، وكأنّهما من الإبدال.
وممّا تداخلت أصوله بسبب اختلاف الحركة ((مَقْتَوِين)) في قول عمرو بن كلثوم:
مَتَى كُنَّا لأُمِّكَ مَقْتَوِينَا٣
стр. 684
وقد روي - أيضاً - بضمّ الميم: ((مُقْتَوِينَا)) ١ فاحتمل أصلين: (ق ت و) و (ق وو) فمن رواه بالفتح فهو من الأصل الأوّل؛ واشتقاقه من ((القَتْوِ)) وهو: الخِدْمَة، وقيل حسنُ خدمة الملوك؛ من قَتَوْتُ أَقْتُو قَتْواً. والمعنى: متى كنّا لأمّك خادمين؟
وفي الواو والنّون فيه آراء مختلفة، لا تخرجه من هذا الأصل؛ فصّلها عبد القادر البغداديّ في ((الخزانة)) ٢.
ومن رواه بضمّ الميم فهو يحتمل الأصلين معاً. وقد تقدّم الحديث عن الأول (ق ت و) وأمّا الثّاني فهو (ق وو) من ((الاِقْتِوَاءِ)) بمعنى: الاشتراء. وقد ذكروا أنّه لا يكون إلاّ ممّن يشتري من الشّركاء، والّذي يُباع من العبيد والجواري أو الدّوابّ، من اللّذين تقاويا، وأصله من القُوَّةِ؛ لأنّه بلوغ بالسّلعة أقوى ثمنها، ويقال: اقْتَوَى الشّيءَ إذا اختصّه لنفسه٣؛ فيكون المعنى على هذا الأصل: متى اقْتَوَتْنَا أمُّك فَاشْتَرَتْنَا٤.
ومن ذلك قولهم: ((أزَبُّ العَقَبَةِ)) وهو: شيطانها، أو حيّة سُمّيت بهذا الاسم.
وقد رويت الكلمة بكسر الهمزة، وسكون الزّاي، فاحتملت بذلك
стр. 685
أصلين: (أز ب) و (ز ب ب) كما ذكر الزّبيديّ١.
واختلفوا في ضبط ((المتيَخَةِ)) وهي: العصا أو جريدة النّخل. فمن رواها بكسر الميم وتضعيف التّاء كان تقديرها عنده (فِعِّيلَة) من (م ت خ) .
ومن رواها بكسر الميم وسكون التّاء وفتح الياء، فتقديرها (مِفْعَلَة) من (ت وخ) ٢.
стр. 686
(س) التّصحيف والتّحريف:
يدلّ الأصل (ص ح ف) على انبساط في شيء وسَعَةٍ، ومنه الصَّحِيفُ، وهو: وجه الأرض، والصّحيفة؛ وهي الَّتي يكتب فيها ١.
ويدلّ الأصل (ح ر ف) على معانٍ؛ منها: الانحراف عن الشّيء، والعدول عنه ٢.
ولا يكاد يفرِّق كثير من القدامى بين مفهومي التَّصحيف والتَّحريف في الاصطلاح؛ فيجعلونهما مترادفين٣؛ فالتَّصحيف: ((الخطأ في الصَّحيفة بأشباه الحروف)) ٤ وأصله كما قال المعرّيّ: ((أن يأخذ الرّجل اللّفظ في قراءته في صحيفة؛ ولم يكن سمعه من الرّجال؛ فيغيّره عن الصّواب)) .٥
وثَمَّةَ من فرَّق بين التّصحيف والتَّحريف، ولعلّ أوّل من نصّ عليه ابن حجرٍ حين قال: ((إن كانت المخالفة بتغيير حرف أو حروف مع بقاء صورة الخطِّ في السِّياق؛ فإن كان ذلك بالنّسبة إلى النّقط فالمصحَّف، وإن كان بالنّسبة إلى الشّكل فالمحرَّف)) ٦.
وقد استقرّ الرّأي عند جمهرة العلماء المتأخّرين على هذا المفهوم؛
стр. 687
فالتّصحيف - عندهم - خاصّ بالتّغيير في النَّقْطِ في الحروف المتشابهة، كالياء والتّاء والثّاء، والجيم والحاء والخاء، والدّال والذّال، والرّاء والزّاي.
وأمّا التّحريف فهو خاصٌّ بتغيير شكل الحروف المتقاربة، كالدّال والرّاء، والدّال واللاّم، والنّون والزّاي (١) .
وقد وقع في التّصحيف والتّحريف جماعة من الأجلاّء من أئمّة اللّغة، وأئمّة الحديث، حتّى قال الإمام أحمد بن حنبل: ومن يعرى من الخطأ والتّصحيف؟ ٢ وقد تصدّى فريق من العلماء إلى ما وقع من تصحيف في بعض المعاجم اللّغويّة؛ ومن أهمّها ((العين)) للخليل و ((الجمهرة)) لابن دريد، و ((الصِّحاح)) للجوهريّ. وقد تعقّب الأخيرَ بعض العلماء؛ كابنِ برّيّ، والصّغاني، والفيروز آباديّ.
وممّا لا شكّ فيه أنّ التّصحيف والتّحريف يؤدّيان إلى تغيير أصل الكلمة. وقد يؤدّي هذا التّغيير إلى تداخل الأصول؛ ولا سيّما فيما وقع فيه خلاف بين العلماء؛ ممّا يحتمل الوجهين؛ كخلافهم في ((الجَرَجَةِ)) وهي: جَادَّةُ الطَّريق؛ فقال بعضهم: هي ((الخَرَجَةُ)) وقال بعضهم الآخر: ((الجَرَجَةُ))
وقد نقل ابن برّي الخلاف بينهم، وذكر أنّ ثعلباً وابن خالويه وأبا عبيد وغيرهم كانوا يقولون: ((الجَرَحَةُ)) ويجعلون الخاء تصحيفاً. وذكر أنّ الصّمعيّ وابن السِّكَّيت وأبا سهل الهرويّ وغيرهم كانوا يقولون:
стр. 688
((الخَرَجَةُ)) ويجعلون الجيم تصحيفاً١.
وذكر ابن برّي أنّ أبا الطّيّب اللّغويّ سُئِل عنها؛ فقال: ((حكى لي بعض العلماء عن أبي زيد أنّه قال: هي: الجَرَجَةُ - بجيمين – فلقيت أعرابياً، فسألته عنها؛ فقال: هي: الجَرَجَةُ - بجيمين - وهو - عندي - من: جَرَجَ الخاتَمُ في إصبعي، وعند الأصمعيّ أنّه من: الطّريق الأخْرَجِ؛ أي الواضح))
وكان الوزير ابن المغربي٣ يسأل عن هذه الكلمة على سبيل الامتحان، ويقول: ما الصّواب من القولين؟ ولم يفسّره - كما ذكر ابن برّي٤.
ومنه ما وقع في كلمة (مَخَانَةٍ) في قول لبيبد:
يَتَحَدَّثُونَ مَخَانَةً وَمَلاَذَةً ... ويُعَابُ قَائِلُهُمْ وَإنْ لَمْ يَشْغَبِ٥
فالمَخَانَةُ مصدر ميميّ من: الخِيَانة، والميم زائدة، والأصل (خ ون) ووزنه (مَفْعَلَة) وقد رواه أبو موسى الأصبهاني بالجيم على أنّه (مَجَانَة) من: المُجُونِ٦.
стр. 689
والماجِنُ: الّذي لا يبالي بما يقول أو يفعل، وأصله (م ج ن) والميم أصليّة، ووزنه (فَعَالَة) مثل: حَمَاقَةٌ.
وقد ذكره ابن الأثير في الموضعي١، وتابعه ابن منظور٢.
ومن التّحريف أنّ الجوهريّ ذكر (مَاطِرُونَ) وهو: موضع بالشّام - في (ن ط ر) ٣ لأنّه رواه بالنّون (نَاطِرُون) وهو مخالف لما عليه الجمهور، ومن ثمّ ردّ عليه الفيروز آباديّ٤.
ومن ذلك تداخل (ود ن) و (د ي ن) في قول الطِّرِمَّاحِ:
عَقَائِلُ رَمْلَةٍ نَازَعْنَ مِنْهَا ... دُفُوفَ أَقَاحِ مَعْهُودٍ وَدِينِ٥
وقد ذكر الأزهريّ أنّ اللّيث أنشده:
... ... ... مَعْهُودٍ وَدِينِ
على أنّ الواو حرف العطف، وأنّ الكلمة ((دِينٌ)) وهو من الأمطار ما تعاهد موضعاً لا يزال يُرِبّ٦ به ويصيبه.
стр. 690
وذكر الأزهريّ أنّ هذا تحريف صوابه: ((وَدِينٌ)) وأنّ الواو فاء الكلمة؛ وليست حرف عطف؛ وهو على وزن (فَعِيل) أراد الشّاعر: دُفُوف رَمْلٍ، أو كُثُب أقَاحٍ أصابها المطر؛ فهو ((وَدِينٌ)) أي: ((مَوْدُونٌ)) مَبْلُولٌ، من وَدَنْتُهُ أَدنُه وَدْناً؛ إذا بللته١. ومنه قولهم: وَدَنتُ الجلد؛ إذا دفنته تحت الثّرى ليلتين؛ فهو مودون. وكلّ شيء بللتَه فقد ودنتَه ٢.
على أنّ ما في ((العين)) مخالف لما نقله الأزهريّ؛ إذ جاء على الصّواب من غير تحريف؛ ونصّه: ((الوَدِينُ من الأمطار: ما يتعاهد موضوعه لا يزال يُرِبُّ به ويصيبه، قال الطِّرِمَّاح:
دُفُوفَ أقَاحِ مَعْهُودٍ وَدِينِ
وَوَدَنْتُ فلاناً، أي: بللته. وقول الطِّرِمَّاح: مَعْهُودٍ وَدِينِ إنّما هو: وَدِينٌ مَبْلُولٌ، والواو من نفس الكلمة)) (٣) ولعلّ النّص محرّفٌ في نسخة الأزهريّ من ((العين)) .
وممّا نتج عن هذا التّحريف إثبات معنىً في (د ي ن) لا حقيقة له في اللّغة؛ فقد أخذ بعض المعجميّين حكاية الأزهريّ نصّ ((العين)) المحرّف في ((التّهذيب)) بالقبول على أنّه حقيقة لغويّة.
ومنهم الفيروز آباديّ الّذي ذكر من معاني الدّين: ((المواظبَ من
стр. 691
الأمطار أو اللّيّنَ منها)) ١.
وقال الزّبيديّ: ((وَالدِّينُ: المواظب من الأمطار، أو اللَّيِّن منها وقال اللّيث: الدِّين من الأمطار ما تعاهد موضعاً لا يزال يصيبه)) ٢.
وكذا في ((محيط المحيط)) ٣ للبستانيّ.
وقد أثبتوا هذا المعنى الّذي أثاره الأزهريّ؛ على الرّغم من أنّه نصّ على بطلانه في تعقيبه بقوله: ((ولا يعرف الدّين في باب الأمطار؛ وهذا تصحيف قبيح من اللّيث، أو ممّن زاده في كتابه)) ٤.
ويؤيّد بطلان هذا المعنى في ((الدّين)) أنّ ما في ((العين)) موافق لما عليه الجمهور من أنّ المعنى المشار إليه موجود في (ود ن) وليس في (د ي ن) وأنّه ((الوَدِينُ)) وليس ((الدّين)) ٥.
стр. 692
(ع) متابعةُ مدرسةِ التَّقليبات:
تقدّم في التّمهيد لهذا البحث أنّ لمدرسة التّقليبات المعجميّة خصائصها الّتي تميّزها عن مدرسة القافية، ولا سيّما في بناء المعجم؛ إذ اتّبعت طريقة خاصّة في التّقسيم والتّنظيم؛ لا يظهر فيها أثر تداخل الأصول؛ وبخاصّة في بعض الأبواب؛ كالثّنائي.
بَيد أنّ لمعاجم التّقليبات درواً غير مباشر في موضع تداخل الأصول أيضاً؛ وذاك أنّ بعض معاجم القافية سارت على أثرها في بعض الأصول؛ فثمّة كلمات وضعت في أصول وافقت أبوابها في مدرسة التّقليبات؛ على الرّغم من الاختلاف بين الأصل والباب؛ كأن توضع كلمة ثلاثيّة في أصل رباعيّ في بعض معاجم القافية، لأنّها جاءت في باب الرّباعيّ في بعض معجم التّقليبات، أو توضع كلمة في أصل خماسيّ؛ لأنّها جاءت في باب الخماسيّ في بعض معاجم التّقليبات.
وأكثر ما يظهر هذا في ((اللّسان)) لمتابعته ((التّهذيب)) أو ((المحكم)) لأنّهما من مصادره الخمسة الّتي عوّل عليها.
ومن ذلك أنّ الأزهريّ ذكر في باب الرّباعيّ: ((العَوْهَجَ)) ١ وهي: النّاقة الفتيّة، أو النّعامة الطّويلة الرّجلين؛ فتابعه بعض المعجميّين، وعلى رأسهم ابن منظور الّذي جعلها في (ع و ? ج) ٢ وكذلك فعل
стр. 693
الفيروزآباديّ١ والزّبيديّ٢. والكلمة ثلاثيّة على وزن (فَوْعَل) مثل ((كَوْثَر)) بزيادة الواو؛ وقد أصاب الصّغانيّ حينما وضعها في (ع ? ج) ٣.
على أنّ ابن منظور أعادها - أيضاً - في الثّلاثيّ على الصّواب٤.
وجعل ابن منظور ((التّعضُوض)) وهو ضرب من التّمر - في (ت ع ض) ٥متابعة للأزهريّ؛ إذ ذكرها في (ت ع ض) من الثّلاثيّ؛ على الرّغم من أنّه نصّ على زيادة التّاء فيها٦.
ومكانها الصّحيح في (ع ض ض) كما فعل الفيروز آباديّ٧، واستدركها عليه الزّبيديّ في (ت ع ض) بقوله: ((وممّا يستدرك عليه: التّعْضُوضُ بالفتح. هنا أورده صاحب اللّسان، وابن الأثير٨، وسيأتي للمصنّف في (ع ض ض) على أنّ التّاء زائدة، وسيأتي الكلام عليه هنالك)) ٩. وبذلك فإنّ استدراك الزّبيديّ ليس له ما يبرّره؛ لأنّ التّاء
стр. 694
زائدة؛ كما قال سيبويه١، والأزهريّ٢، وابن عصفور٣؛ ووزنها عندهم - (تَفْعُول) .
وذكر ابن منظور في الخماسيّ قولهم: ما فيه حَبَرْبَرٌ ولا حَبَنْبَرٌ؛ أي: ما أصبتُ منه شيئاً، وجعله من (ح ب ن ب ر) ٤ متابعاً في ذلك الأزهريّ الّذي ذكره في باب الخماسيّ٥.
والكلمتان ثلاثيّتان على وزن (فعلعل) و (فَعَنْعَل) من (ح ب ر) مثل ((صمحمح)) و ((عَقَنْقَل)) من (صمح) و (ع ق ل) .
وذكر ابن منظور في الرّباعيّ قولهم: رجلٌ ضَفَنْدَدٌ، وامرأةٌ ضَفَنْدَدَةٌ؛ وهو صفة للرّخاوة أو الحُمقِ. وجعل أصله (ض ف ن د) متابعاً في ذلك الخليل٦ والأزهريّ في وضعهما الكلمة في باب الرّباعيّ٧.
وقد تابعهما - أيضا - الفيروز آباديّ ٨، والزّبيديّ٩.
والكلمة ثلاثيّة من (ض ف د) والنّون فيها زائدة؛ لتوسّطها بين
стр. 695
أربعة أحرف مع سكونها، أمّا الدّال الثّانية فقد زيدت للإلحاق بـ ((سَفَرْجَلٍ)) ووزنها (فَعَنْلَل) . وقد أصاب الصّغاني حين وضعها في (ض ف د) ١.
وربّما صرّح ابن منظور بتأثّره بالأزهريّ، ومتابته إيّاه؛ كقوله بعد أن ذكر ((العَنْدَلِيبَ)) في (ع ن د ل ب) : ((وسنذكره في ترجمة (ع ن د ل) لأنّه رباعيّ عند الأزهريّ)) ٢ مع أنّ ذكره في الخماسيّ هو الوجه؛ كما تقدّم.
وثمّة نوع من الرّباعيّ؛ وهو المضاعف؛ نحو: ((زَلْزَلَ)) وهو باب واسع كان من أسباب وضعه في الثّلاثيّ في معجم القافية: اقتفاؤها أثر معاجم التّقليبات في قرنه بالثّلاثيّ المضعف، ووضعهما في باب الثّنائي؛ فـ ((زَلْزَلَ)) و ((حَثْحَثَ)) و ((بَلْبَلَ)) في معاجم التّقليبات في: ((زَلّ)) و ((حَثّ)) و ((بَلّ)) من باب الثّنائي؛ وهي أصول ثلاثيّة مضعّفة، وفيها أيضاً - وضعت في معاجم القافية، ومكانها - على مذهب البصريّين - في الرّباعيّ.
стр. 696
الفصل الثاني: أثر التداخل في بناء معاجم القافية
(تمهيد) التداخل الذي لا يضر ببناء معاجم القافية
...
(تمهيد) التّداخل الّذي لا يضرّ ببناء معاجم القافية:
لتداخل الأصول اللّغويّة أثر بالغ في بناء معاجم القافية؛ وليس غريباً أن يكون الأثر غير محمود؛ لأنّ معاجم القافية تقوم - في ترتيبها - على الأصول.
ويأخذ هذا الأثر ثلاث صور:
الأولى: وضع الكلمة في غير موضعها.
الثّانية: وضع الكلمة في موضعين أو أكثر.
الثّالثة: تضخيم حجم معاجم القافية.
ويجدر بنا - في هذا التّمهيد - التّنبيه على أنّ ثمّة نوعاً من التّداخل لا يضرّ ببناء معجم القافية. ولعلّ السّبب الرّئيس في ذلك أنّ هذا النّوع من التّداخل لا يعدو أن يكون تداخلاً بين الأوزان فحسب؛ فلا يترتّب عليه تداخل في الأصول؛ وهو - بتعبير آخر - أن تحتمل الكلمة غير وزنٍ؛ مع بقائها على أصل واحدٍ؛ لا يتأثّر بتعدّد الأوزان أو تداخلها.
ومن ذلك تداخل (فَعَوْعَل) و (فَعَلْعَل) في ((المَرَوْرَاة)) وهي: الأرض، أو المفازة؛ الّتي لا شيء فيها؛ وهي - عند سيبويه - من باب (فَعَلْعَل) بمنْزلة ((صَمَحْمَحٍ)) ولم يحملها على ((عَثَوْثَلٍ)) لأن مثل ((صَمَحْمَحٍ)) أكثر١.
وحملها الجوهريّ على (فَعَوْعَلَة) ٢ فهي - عنده - من باب ((عَثَوْثَلٍ)) .
стр. 697
ولا يؤثّر هذا التّداخل في أصل الكلمة فهو (م ر و) على الوزنين. والفرق بينهما أنّ الواو الوسطى على مذهب سيبويه هي اللاّم، والرّاء والألف المنقلبة عن الواو هما تكرير للعين واللاّم؛ بينما تكون الواو الوسطى زائدة على مذهب الجوهريّ، والتّكرير في العين وحدها؛ وهي الرّاء، ولا تكرير في لام الكلمة؛ وهي الألف المنقلبة عن الواو.
وقريب من هذا ما ذكره ابن جنّي من أنّه لو جاء شيء مثل ((فَزَنْزَنٍ وفَدَنْدَنٍ)) جاز فيه أمران:
أحدهما: أن تكون النّون المتوسّطة زائدةً، والحرف الّذي يليها عين مكرّرة ويليه اللاّم، وهي النّون الأخيرة؛ فيكون من باب ((عَقَنْقَلٌ)) و ((سَجَنْجَلٍ)) على وزن (فَعَنْعَلٍ) .
الثّاني: أن تكون النّون المتوسّطة لامَ الكلمة، والحرفان بعدها تكراراً للعين واللاّمِ؛ كالحرفين الرّابع والخامس في ((صَمَحْمَحٍ)) و ((دَمَكْمَكٍ)) .
والوجهان متساويان عند ابن جنّي ((لأنّ بإزاء كثرة باب صَمَحْمَحٍ ودَمَكْمَكٍ، وزيادته على باب عَقَنْقَلٍ وعَصَنْصَرٍ أنّ النّون ثالثة ساكنة والكلمة [على] خمسة أحرف، فقام أحد السّببين بإزاء الآخر، وإذا كان الأمر كذلك لم يكن لتغليب أحدهما على الآخر موجب، فإن جاء الاشتقاق بشيء عمل عليه، وترك القياس)) ١.
والمهمّ في هذا - هنا - أن نقول: إنّ الأصل في كلّ من الكلمتين لم يتغيّر بتغيّر الوزن؛ فهو (ف ز ن) في الأولى، و (ف د ن) في الثّانية
стр. 698
ويحتمل قولهم: امرأةٌ مَيَّادَةٌ – إذا تمايلت مهتَزَّةً من ترفٍ أو غرّة – ثلاثة أوجه؛ وهي (فَعَّالة) و (فَيْعَالة) و (فَوْعَالة) واشتقاقه من: مَادَ يَمِيدُ١؛ فالأصل واحدٌ؛ وهو (م ي د) .
ومثل ذلك ((جَيَّارٌ)) وهو: حَرٌّ في الحلق والصّدر من الجوع أو الجََهدِ قال المُتَنَخّل اليشكريّ:
كَأَنَّما بَينَ لَحَيَيْهِ وَلَبَّتِهِ ... مِنْ جُلْبَةِ الجُوعِ جَيَّارٌ وإرْزِيزُ٢
قال ابن سيد: ((الظّاهر في جيّار أن يكون (فَعَّالاً) كالكَلاَّء، والجَبَّان، ويحتمل أن يكون (فَيْعَالاً) كخَيْتَامٍ، وأن يكون (فَوْعَالاً) كتَوْرَابٍ)) ٣ وفي الأحوال الثّلاثة يكون الأصل واحداً؛ وهو (ج ي ر) .
ويحتمل ((الحانُوتُ)) وزنين (فَاعُولُُ) و (فَلَعُوت) الأوّل من: حَنَوْتُ تشبيهاً بالحَنِيَّة من البناء، وتاؤه بدل من واو؛ حكاه الفارسي في ((البَصْرِيَّاتِ)) ٤ ويحتمل الوزن الثّاني - أي: فَلَعُوت - أن يكون من ((حَانَ)) أيضاً٥ - مقلوباً من ((حَنَا)) كطاغوت من ((طاغ)) والأصل على الوزنين واحد؛ وهو (ح ن و) .
стр. 699
ويحتمل ما في آخره نون مسبوقة بألف زائدة قبلها نون مضعّفة؛ نحو: ((المَنَّانِ)) و ((الضَّنَّانِ)) وزنين، وهما: (فَعَّال) و (فَعْلان) والأصل واحد؛ وهو: (م ن ن) للأوّل، و (ض ن ن) للثّاني.
ويتداخل الوزنان (افْتَعَل) و (اسْتَفْعَل) ١ في قولهم: اسْتَخَذَ فلانٌ أرضاً؛ ففيه قولان:
أحدهما: أنّ الأصل ((اتَّخَذَ)) ووزنه (افْتَعَل) من قوله تعالى: ﴿لَتَخِذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ (٢) ثمّ أبدلت التّاء الأولى سيناً؛ وهي فاء الكلمة؛ على حدّ إبدالهم السّين تاء في ((سِدْسٍ)) فقالوا: سِتٌّ، فدلّ ذلك على أنّ السّين والتّاء يتبادلان. وقرّب ذلك أنّهما مهموسان؛ وهو مذهب سيبويه٣.
والآخر: أنّ الأصل ((اسْتَتْخَذَ)) على وزن (اسْتَفْعَل) من ((تَخِذَ)) أيضاً - فحذفت فاء الكلمة للتّخفيف؛ وهي التّاء الثّانية، على حدّ حذف التّاء في ((تَقِيَ يَتْقَى)) وأصله: ((اتّقَى يَتّقِي)) قال الشّاعر:
تَقُوهُ أيُّهَا الفِتْيَانُ إنِّي ... رَأَيْتُ اللهَ قَدْ غَلَبَ الجُدُودَا٤
يريد ((اتَّقُوهُ)) . وإلى هذا مال ابن عصفور؛ ((لأنّه قد ثبت حذف إحدى التّاءين؛ لاجتماع المثلين في: تقي، وباطّراد إذا كانت المحذوفة
стр. 700
زائدة؛ في مثل: تَذَكَّرُ وتَفَكّرُ؛ تريد: تَتَذَكّرُ وتَتَفَكّرُ؛ ولم يثبت إبدال السّين من تاء؛ بل ثبت عكسه، والبدل- في مثل هذا- ليس بقياس؛ فيقال به حيث لم يسمع؛ فلذلك كان الوجه الثّاني أحسن الوجهين ... لأنّ فيه الحملَ على ما سُمع مثله)) ١.
على أنّ الأصل على الوزنين واحد؛ وهو (ت خ ذ) .
ومن ذلك تداخل (فَوْعَلَة) و (تَفْعَلَة) في ((التَّوْرَاة)) وقد اختلفوا فيها:
ذهب البصريّون٢ إلى أنّها اسم على وزن (فَوْعَلَة) واشتقاقها من ((وَرِيَ)) الزَّنْد؛ إذا قدح بالنّار، وأصلها ((وَوْرَيَة)) فأبدلت الواو الأولى تاء، على حدّ إبدالها في ((تَوْلَجٍ)) وهو (فَوْعَلٍ) من وَلَجَ يَلِجُ؛ وذلك أنّهم لو لم يبدّلوا الواو تاءً لوجب أن يبدّلوها همزةً لاجتماع الواوين في أوّل الكلمة٣؛ فأصبحت في التّقدير: ((تَوْرَيَة)) فأعلّت الياء بقلبها ألفاً لتحرّكها وانفتاح ما قبلها.
وقد حملهم على هذا أنّ (فَوْعَلَة) في الكلام أكثر من (تَفْعَلَة) كالحَوْصَلَة والجَوْهَرَة والدَّوْخَلَةِ.
وذهب الكوفيّون، ووافقهم المبرّد، إلى أنّها (تَفْعِلة) كأنّها أخذت من أَوْرَيْتُ الزِّنَادَ ووَرَّيْتُهَا، وتقديرها في الأصل ((تَوْرِيَة)) فقالوا فيها: ((تَوْرَاة)) حملاً على لغة طيِّء؛ لأنّهم يقولون في التّوصِيّة والجارِيَة والنّاصِيَة: تَوْصَاةٌ وجَارَاةٌ ونَاصَاةٌ (٤) .
стр. 701
وربّما قالوا: إنّها (تَفْعَلَة) بفتح العين ابتداءً، من وَرَيتُ بك زِنَادي، وقد ردّ الزّجاج على هذا بأنّ (تَفْعَلَة) لا تكاد توجد في كلام العرب، وعلى الأوّل بأنّ القلب من وزنٍ إلى وزنٍ لم يثبت في عموم كلامهم؛ فلم يقولوا في تَوْقِيَةٍ: تَوْقَاةٌ١.
و ((التَّوْرَاة)) على الوزنين من أصل واحد؛ وهو (وري) .
ومن ذلك اختلافهم في وزن ((سَيِّدٍ)) و ((مَيِّتٍ)) و ((هَيِّن)) وما شابهها؛ ولهم فيها ثلاثة مذاهب٢:
ذهب البصريّون إلى أنّه (فَيْعِل) على ظاهر اللّفظ والأصل عندهم ((سَيْوِدٌ)) و ((مَيْوِتٌ)) و ((هَيْوِنٌ)) فقلبت الواو ياءً لأجل الياء الساكنة قبلها ثمّ أدغمت٣.
وذهب الكوفيّون إلى أنّ وزنها في الأصل (فَعِيل) وتقديرها: ((سَوِيدٌ)) و ((مَوِيتٌ)) و ((هَوِينٌ)) وحداهم على ذلك أنّهم وجدوا (فَعِيْلاً) في كلام العرب؛ ولم يجدوا (فَيْعِلا) .
стр. 702
ولمّا كان هذا هو الأصل - على مذهبهم - قالوا: إنّ العين أعلّت فيه؛ كما أعلّت في ((سَادَ يَسُودُ)) و ((مَاتَ يَمُوتُ)) فقدّمت الياء السّاكنة على الواو؛ فانقلبت الواو ياء؛ وأدغمت؛ على القاعدة المشهورة في باب الإعلال١.
وذهب البغداديّون٢ إلى أنّ وزنها (فَيْعَل) على قياس الاسم الصّحيح من ذلك، ثمّ كسرت العين؛ على حدّ قولهم في بَصريّ: بِصْريّ.
ورُدّ عليهم بأنّه لو كان (فَيْعَلا) لقيل: ((سَيَّدٌ)) ٣ و ((مَيَّتٌ)) و ((هَيَّنٌ)) .
ومذهب البصريّين أقوى المذاهب الثّلاثة؛ لقربه لظاهر اللّفظ، وبعده عن التكلّف؛ ولأنّه لا يعدل عن الظّاهر إلاّ بدليل. ولا يطعن في مذهبهم انعدام النّظير؛ لأنّ ((المعتلّ يختصّ بأبنية ليست للصّحيح؛ فمنها (فُعَلَةٌ) في جمع فَاعِلٍ؛ نحو: قاضٍ وقُضاةٍ)) ٤.
وعلى الرّغم من الاختلاف بينهم في الوزن فإنّ الأصل في هذه الكلمات واحد؛ وهو: (س ي د) و (م وت) و (? ون) وليس ثمّة تداخل أصول.
стр. 703
واختلفوا في وزن بعض المصادر؛نحو "كينونة" و"قيدودة" و " صيرورة" فهي (فيلولة) ، والأصل (فَيْعَلُوْلَة) عند البصريين، "كيونو نة" و" قيودودة" و"صيورورة" ثم قلبت الواو ياء؛ لاجتماعهما مع الياء وسكون الأولى، وأدغمت الياء الأولى في الثانية؛ فقالوا: " كَيِّنونة" و "قَيَّدُودَة" و " صيَّرورة " ثم خففت الياء الثانية؛ التي هي عين الفعل، على حد تخفيف الياء في: ميِّت وهَيِّن وطَيِّب في قولهم: مَيْتٌ وهَيْنٌ وطَيْبٌ.
ولما كانت " كينونة " وأخواتها على ستة أحرف طالت بذلك فألزموها الحذف؛ خلافا لنحو ميَّت ومَيْت، وهَيِّن وهَيْن، وطيَّب وطَيْب، خيروا فيها؛ لأنها على أربعة أحرف؛ فلم تطل بذلك (١) .
وكان الفراء - من الكوفيين- يرى أن " كينونة" وأخواتها على وزن (فَعْلُولَة) وأصلها الياء فيها الواو، وجاءت هذهذ المصادر على أمثلة مصادر بنات الباء في صار صيرورة وسار سيرورة؛ فقيلت " كينونة" وأخواتها بالياء حملا على بنات الياء على حد قولهم: شكوته شِكاية، فقلبوا الواو ياء؛ لأن البناء جاء على مثال مصادر بنات الياء كالرماية والسعاية.
وأصل (فَعْلُولَة) عند الفراء (فُعْلُولَة) بضم الفاء وقد فتحت؛ لأنهم كرهوا أن تنقلب الياء واوا.
وقد ضعف ابن جني هذا المذهب؛ لأنّه لا ضرورة تدعو إلى فتح
стр. 704
الفاء لتصح العين، واستدل بقولهم: "عُوْطَطُ" وهي - في الأصل: " عُيْطَطٌ" فقلبت الياء واوا؛ لانضمام ما قبلها مع سكونها؛ ولم يقولول: " عَيْطَطٌ" بفتح العين لتصح الياء (١) .
ويتضح من خلال الأمثلة المتقدمة بفاء الأصل على حاله؛ على الرغم من تداخل الأوزان، وأن هذا النوع من التداخل ليس له أثر يذكر في بناء معاجم القافية.
стр. 705
المبحث الأوّل: وضع الكلمة في غير موضعها
أدّى تداخل الأصول إلى وضع كثير من الكلمات في غير مواضعها في معاجم القافية؛ وهي نتيجة طبعيّة للتّداخل؛ لأنّ الأصول هي الأساس في بناء معاجم القافية؛ فإذا تغيّر حرف واحد في الأصل تغيّر موضعه؛ فلا جرم أن يعدّ هذا الأثر من أهمِّ نتائج التّداخل ضرراً على نظام المعاجم في التّرتيب، ومن أعمقها أثراً على القارئ؛ لأنّه قد يؤدّي به إلى الحكم على الكلمة بأنّها مهملة.
ويجدر التّنبيه - هنا - على أنّ المراد ممَّا وضع في غير موضعه في هذا المبحث: ما جاء في المعجم الواحد من معاجم القافية في أصل واحدٍ؛ لا وجه له، أو له وجه بعيد؛ لا يوصل إليه إلاّ بالتّكلّف، أو له وجه يخالف ما عليه أكثر علماء اللّغة.
وفيما يلي عرض لبعض الأمثلة، ممَّا جاء في غير موضعه في بعض معاجم القافية:
أ - (الصِّحاح) للجوهريّ:
جاء في مادّة (أن ض) : "وأناضَ النَّخْلُ يُنِيضُ إِنَاضَةً؛ أي: أَيْنَعَ، ومنه قول لبيد:
فَاخِرَاتٌ فُرُوعُهَا فِي ذُرَاهَا ... وأَنَاضَ العَيْدَانُ والجَبَّارُ ١"
وقد تبعه ابن منظور٢ من غير تنبيه٣؛ فليست هذه المادّ من (أن