Полный текст (6 264 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
مشايخ الطريقة، وأحد العلماء الأعلام فيها. سلك فى المجاهدة طريقا صعبا بعيدا.
وكان القطب محيى الدين عبد القادر ينوّه بذكره ويثنى عليه كثيرا، وشهد له بالسلطنة (يعنى على الأولياء) ، وقال: لو كانت النبوّة تنال بالمجاهدة لنا لها الشيخ عدىّ ابن مسافر. وكان فى أوّل أمره فى الجبال والصحارى مجرّدا يأخذ نفسه بأنواع المجاهدات مدّة سنين، وكانت الحيّات والسباع تألفه، ثم عاد وسكن بزاويته.
وتلمذ له خلق كثير من الأولياء، وتخرّج بصحبته غير واحد من ذوى الأحوال.
وكان له كلام على لسان أهل الطريقة فى توحيد البارئ عظيم. ومناقبه كثيرة يضيق هذا المحلّ عن استيعابها، ﵀.
الذي ذكرهم الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو يعلى حمزة بن أحمد [بن فارس «١» ] بن كروّس السلمىّ الدمشقىّ. والشيخ عدىّ بن مسافر الهكّارىّ الزاهد العارف، يوم عاشوراء. وأبو المظفّر هبة الله بن أحمد الشّبلىّ القصّار فى سلخ العام.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وعشر أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وأربع أصابع.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٥٨]
السنة الثالثة من ولاية العاضد على مصر وهى سنة ثمان وخمسين وخمسمائة.
فيها سار الملك العادل نور الدين محمود بن زنكى المعروف بالشهيد إلى قتال قليج «٢» أرسلان ابن السلطان مسعود صاحب بلاد الروم، ووقع له معه أمور وحروب.
стр. 1717
وفيها ظهر شاور بن مجير السعدىّ وجمع جمعا كثيرا وقتل وزير العاضد صاحب الترجمة رزّيك بن طلائع بن رزّيك، وتولّى الوزارة عوضه.
وفيها توفّى عبد المؤمن بن علىّ أبو محمد القيسىّ الكومىّ الذي قام بأمره محمد بن تومرت المعروف بالمهدىّ. قال ابن خلّكان: رأيت فى بعض تواريخ الغرب أن ابن تومرت كان قد ظفر بكتاب يقال له الجفر، وفيه ما يكون على يده. فأقام ابن تومرت مدّه يتطلّبه حتى وجده وصحبه وهو إذ ذاك غلام، وكان يتفرّس فيه النجابة، وينشد إذا أبصره:
[البسيط]
تكاملت فيك أوصاف خصصت بها ... فكلّنا بك مسرور ومغتبط
السنّ ضاحكة والكفّ مانحة ... والنفس واسعة والوجه منبسط
وكان يقول ابن تومرت لأصحابه: صاحبكم هذا غلّاب الدّول. ولم يصح عنه أنّه استخلفه، بل راعى أصحابه فى تقديمه [إشارته «١» ] ، فتمّ له الأمر. وأوّل ما أخذ من البلاد وهران ثم تلمسان ثم فاس ثم مرّاكش بعد أن حاصرها أحد عشر شهرا، وذلك فى سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، واستوثق له الأمر وامتدّ ملكه إلى الغرب الأقصى والأدنى وبلاد إفريقيّة، وتسمّى أمير المؤمنين. وقصدته الشعراء وامتدحته.
ذكر العماد الكاتب الأصبهانىّ فى «كتاب الخريدة» أنّ الفقيه أبا عبد الله محمد بن أبى العبّاس لمّا أنشده:
[البسيط]
ما هزّ عطفيه بين البيض والأسل ... مثل الخليفة عبد المؤمن بن على
أشار إليه بأن يقتصر على هذا البيت، وأمر له بألف دينار. وكانت وفاة عبد المؤمن المذكور فى العشر الأخير من جمادى الآخرة، وكانت مدّة ولايته ثلاثا وثلاثين سنة
стр. 1718
وأشهرا. والكومىّ المنسوب إليها هى كومية «١» قبيلة صغيرة نازلة بساحل البحر من أعمال تلمسان.
وفيها توفّى محمد بن عبد الكريم أبو عبد الله سديد الدولة بن الأنبارى كاتب الإنشاء بديوان الخليفة. أقام كاتبا به نيّفا وخمسين سنة، وناب فى الوزارة. وكان بينه وبين الحريرىّ صاحب المقامات مكاتبات ومراسلات.
وفيها توفّى يحيى بن سعيد النصرانىّ البغدادىّ أوحد زمانه فى الطّبّ والأدب، له ستون مقامة ضاهى بها مقامات الحريرىّ، وله شعر جيّد. من ذلك فى الشيب:
[الخفيف]
نفرت هند من طلائع شيبى ... واعترتها سآمة من وجوم
هكذا عادة الشياطين ينفر ... ن إذا ما بدت رجوم النجوم
الذين ذكرهم الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة؛ قال: وفيها توفّى الزاهد أبو العبّاس أحمد بن محمد بن قدامة. وأبو منصور شهردار بن شيرويه الديلمىّ بهمذان. وصاحب الغرب عبد المؤمن بن علىّ بن علوىّ القيسىّ التلمسانىّ فى جمادى الآخرة بمدينة سلا «٢» .
والصاحب جمال الدين محمد بن علىّ الأصبهانىّ الملقّب بالجواد وزير الموصل.
أمر النيل فى هذه السنة الماء القديم خمس أذرع وثلاث عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثمانى أصابع.
стр. 1719
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٥٩]
السنة الرابعة من ولاية العاضد على مصر وهى سنة تسع وخمسين وخمسمائة.
فيها توفّى الحسن بن محمد بن الحسن الشيخ أبو المعالى الوزكانىّ الفقيه الشافعىّ- ووركان: بلد بنواحى قاشان- كان إماما فى فنون العلوم، عاش نيّفا وثمانين سنة.
وفيها توفّى محمد «١» بن علىّ بن [أبى «٢» ] المنصور الوزير أبو جعفر جمال الدين الأصبهانىّ وزير الأتابك زنكى وسيف الدين غازى وقطب الدين مودود، وكان هو الحاكم على الدولة. وكان بينه وبين زين الدين كوجك مصافاة وعهود ومواثيق.
وكانت الموصل فى أيامه ملجأ لكلّ ملهوف. ولم يكن فى زمانه من يضاهيه ولا يقاربه فى الجود والنّوال؛ وكان كثير الصّلات والصدقات، بنى مسجد الخيف بمنى وغرم عليه أموالا عظيمة، وجدّد الحجر إلى جانب الكعبة، وزخرف البيت بالذهب، وبنى أبواب الحرم وشيّدها ورفع أعتابها صيانة للحرم؛ وبنى المسجد الذي على عرفة والدرج الذي فيها، وأجرى الماء إلى عرفات، وعمل البرك والمصانع؛ وبنى على مدينة النّبيّ ﷺ سورا، وكانت الأعراب تنهبها، وكان الخطيب يقول على المنبر: اللهمّ «٣» صن من صان حرم حريم نبيّك محمد ﷺ . وكانت صدقاته تسير إلى المشرق والمغرب، رحمه الله تعالى.
وفيها توفّى أبو الفرج عبد الله بن أسعد بن علىّ بن عيسى الموصلىّ المعروف بابن الدهّان وبالحمصىّ أيضا، الفقيه الشافعى المنعوت بالمهذّب الشاعر المشهور.
стр. 1720
كان فصيحا فقيها فاضلا أديبا شاعرا، غلب عليه الشعر واشتهر به، وله ديوان صغير وكلّه جيّد، ورحل البلاد ومدح بمصر الوزير الصالح طلائع بن رزّيك وغيره. ومن شعره فى غلام لسبته نحلة فى شفته:
[الرمل]
بأبى من لسبته نحلة ... آلمت أكرم شىء وأجلّ
أثّرت لسبتها فى شفة ... ما براها الله إلّا للقبل
حسبت أنّ بفيه بيتها ... إذ رأت ريقته مثل العسل
ومن شعره أيضا:
[الكامل]
قالوا سلا، صدقوا، عن السّ ... لّوان ليس عن الحبيب
قالوا فلم ترك الزيا ... رة قلت من خوف الرقيب
قالوا فكيف يعيش مع ... هذا فقلت من العجيب
الذين ذكرهم الذهبىّ [وفاتهم] فى هذه السنة، قال: فيها توفّى أبو سعد «١» عبد الوهاب بن الحسن الكرمانىّ آخر من روى عن ابن خلف وغيره. والسيد أبو الحسن علىّ بن حمزة العلوىّ الموسوىّ بهراة، وكان مسندها وله إحدى وتسعون سنة. وأبو الخير محمد بن أحمد بن محمد الباغبان «٢» .
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ثمانى أذرع وثمانى أصابع. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وعشر أصابع. وزاد بعد طلوع السّماك «٣» بعدّة أيام.
стр. 1721
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٦٠]
السنة الخامسة من ولاية العاضد على مصر وهى سنة ستين وخمسمائة.
فيها فتح الملك العادل نور الدين محمود بن زنكى الشهيد بانياس عنوة، وكان معه أخوه نصرة «١» الدين، فأصابه سهم فأذهب إحدى عينيه؛ فقال له أخوه نور الدين:
لو كشف عما أعدّ لك من الأجر لتمنّيت ذهاب الأخرى، فحمد الله على ذلك.
وفيها فوّض الملك العادل شحنجية «٢» دمشق إلى صلاح الدين يوسف بن أيوب، فأظهر صلاح الدين السياسة وهذّب الأمور، وذلك فى حياة والده وعمّه أسد الدين شيركوه.
وفيها توفّى أمير أميران نصرة الدين بن زنكى بن آق سنقر التركىّ أخو الملك العادل نور الدين المقدّم ذكره فى ذهاب عينه فى فتح بانياس. وكان أميرا شجاعا مقداما عزيزا على أخيه نور الدين محمود، وعظم مصابه عليه؛ ﵀.
وفيها توفّى حسّان بن تميم بن نصر الشيخ أبو الندى الدمشقىّ المحدّث، سمع الحديث وحجّ ومات فى شهر رجب، ودفن بمقبرة باب الفراديس.
وفيها توفّى الشيخ المعتقد محمد بن إبراهيم الكيزانىّ «٣» أبو عبد الله الواعظ المصرىّ.
قيل إنه كان يقول: إنّ أفعال العباد قديمة. ولمّا مات دفن عند قبر الإمام الشافعىّ بالقرافة الصغرى، واستمرّ هناك إلى أن نبشه الشيخ نجم الدين الخبوشانىّ فى أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب وأخرجه، فدفن بمكان آخر فى القرافة.
стр. 1722
وقبره معروف يقصد للزيارة. قيل إنّ الخبوشانىّ لمّا أراد نبشه قال: لا يتّفق مجاورة زنديق إلى صدّيق. ثم نبشه قال صاحب المرآة وغيره: كان (يعنى الكيزانىّ) زاهدا عابدا قنوعا من الدنيا باليسير. وله شعر جيّد، وديوانه مشهور. ومن شعره:
[الرمل]
اصرفوا عنّى طبيبى ... ودعونى وحبيبى
عللّوا قلبى بذكرا ... هـ فقد زاد لهيبى
طاب هتكى فى هواه ... بين واش ورقيب
ما أبالى بفوات النّ ... فس ما دام نصيبى
ليس من لام وإن أط ... نب فيه بمصيب (١)
جسدى راض بسقمى ... وجفونى بنحيبى
ومن شعره أيضا قوله من أبيات:
[الكامل]
يا من يتيه على الزمان بحسنه ... اعطف على الصّبّ المشوق التائه
أضحى يخاف على احتراق فؤاده ... أسفا لأنّك منه فى سودائه
قلت: وللكيزانىّ كلام فى علم الطريق ولسان حلو فى الوعظ، وكان للناس فيه محبّة ولكلامه تأثير فى القلوب؛ ولا يلتفت لقول الخبوشانىّ فيه؛ لأنّهما أهل عصر واحد، وتهوّر الخبوشانىّ معروف، كما سيأتى ذكره فى وفاته إن شاء الله تعالى.
وفيها توفّى محمد بن عبد الله بن عبّاس الشيخ أبو عبد الله الحرّانىّ. كان شهد عند القاضى أبى الحسن الدامغانىّ الحنفىّ، وعاش حتّى لم يبق من شهوده غيره. وسمع الحديث، وصنّف كتابا سمّاه «روض الأدباء» . قال الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن
стр. 1723
ابن الجوزىّ فى تاريخه: زرته يوما وأطلت الجلوس عنده؛ فقلت له: ثقّلت عليك. فأنشدتى- ﵀:
[الوافر]
لئن سمّيت «١» إبراما وثقلا ... زيارات رفعت بهنّ قدرى
فما أبرمت إلّا حبل ودّى ... ولا ثقّلت إلّا ظهر شكرى
وكانت وفاته فى جمادى الاخرة.
وفيها توفّى يحيى بن محمد بن هبيرة بن سعيد «٢» بن حسن الشيبانىّ- قد رفع نسبه صاحب مرآة الزمان إلى عدنان- هو الوزير عون الدين أبو المظفّر بن هبيرة.
ولد سنة تسع وتسعين وأربعمائة بقرية الدّور «٣» من أعمال العراق، وقرأ بالروايات وسمع الحديث الكثير، وقرأ النحو واللغة والعروض، وتفقّه على مذهب الإمام أحمد ابن حنبل رضى الله عنه، وصنّف الكتب الحسان. وكان قبل وزارته فقيرا؛ فلما أضرّ الفقر بحاله تعرّض للخدمة، فجعله الخليفة المقتفى مشرفا فى المخزن، ثم صار صاحب الديوان ثم استوزره، فسار فى الوزارة أجمل سيرة. وكان دينّا جوادا كريما. دخل عليه الحيص بيص الشاعر مرّة؛ فقال له ابن هبيرة: قد نظمت بيتين، تقدر أن تعزّزهما بثالث؟ قال: وما هما؟ قال:
[البسيط]
زار الخيال بخيلا مثل مرسله ... ما شاقنى منه إلّا الضّمّ والقبل
ما زارنى قطّ إلّا كى يوافقنى ... على الرّقاد فينفيه ويرتحل
فقال الحيص بيص من غير رويّة:
وما درى أنّ نومى حيلة نصبت ... لوصله حين أعيا اليقظة الحيل
стр. 1724
فأعجبه وأجازه. وكانت وفاة ابن هبيرة فى جمادى الأولى فجأة، وله إحدى وستون سنة.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو العبّاس أحمد ابن عبد الله [بن أحمد «١» بن هشام] بن الحطيئة الفاسىّ الناسخ المقرئ بمصر.
وأبو النّدى حسّان بن تميم الزيّات. والوزير أبو المظفّر سعيد بن سهل الفلكىّ فى شوّال. وأبو الحسن «٢» علىّ بن أحمد اللّبّاد بأصبهان. وعلىّ بن أحمد بن مقاتل السّوسىّ الشّاغورىّ «٣» . وأبو القاسم عمر بن محمد بن البزرىّ الشافعىّ فقيه الجزيرة.
وأبو عبد الله محمد بن عبد الله بن العبّاس الحرّانىّ العدل ببغداد. والقاضى أبو يعلى الصغير شيخ الحنابلة محمد بن أبى خازم ابن القاضى أبى يعلى بن الفرّاء. والشريف أبو طالب «٤» محمد بن محمد بن أبى زيد العلوىّ البصرىّ النقيب. والوزير عون الدّين يحيى بن محمد بن هبيرة الشيبانىّ فى جمادى الأولى فجأة وله إحدى وستون سنة.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وخمس عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثمانى عشرة إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٦١]
السنة السادسة من ولاية العاضد على مصر وهى سنة إحدى وستين وخمسمائة.
стр. 1725
فيها هرب عزّ الدين محمد بن الوزير عون الدّين بن هبيرة من دار الخلافة، وكان صودر بعد موت والده.
وفيها توفّى عبد العزيز بن الحسين بن الحبّاب أبو المعالى القاضى الجليس السعدىّ، كان يجالس خلفاء مصر من بنى عبيد فسمّى الجليس. وكان أديبا مترسّلا شاعرا. ومن شعره وأبدع:
[الطويل]
ومن عجيب أنّ الصوارم فى الوغى ... تحيض بأيدى القوم وهى ذكور
وأعجب من ذا أنّها فى أكفّهم ... تأجّج نارا والأكفّ بحور
وفيها توفّى شيخ الإسلام تاج العارفين محيى الدين أبو محمد عبد القادر بن أبى صالح موسى بن عبد الله بن يحيى الزاهد بن محمد بن داود بن موسى بن عبد الله ابن موسى الجون بن عبد الله المحض بن الحسن أبى محمد المثنّى بن الحسن بن علىّ ابن أبى طالب الهاشمىّ القرشىّ العلوىّ الجيلىّ الحنبلىّ السيد الشريف الصالح المشهور المعروف بسبط أبى عبد الله الصّومعىّ الزاهد. وكان يعرف بجيلان «١» . وأمّه أمّ الخير أمة الجبّار فاطمة بنت أبى عبد الله الصّومعىّ. مولده بجيلان فى سنة إحدى وسبعين وأربعمائة. كان شيخ العراق صاحب حال ومقال، عالما عاملا قطب الوجود، إمام أهل الطريقة، قدوة المشايخ فى زمانه بلا مدافعة. ومناقبه وشهرته أشهر من أن تذكر. كان ممّن جمع بين العلم والعمل، أفتى ودرّس ووعظ سنين، ونظم ونثر؛ وكان محقّقا، صاحب لسان فى التحقيق، وبيان فى الطريق. وهو أحد المشايخ الذين طنّ ذكرهم فى الشرق والغرب. أعاد الله علينا من بركاته وبركات أسلافه الطاهرين.
стр. 1726
وفيها توفّى محمد بن حيدر بن عبد الله الشيخ أبو طاهر البغدادىّ الأديب الشاعر المعروف بابن شعبان. ومن شعره من أوّل قصيدة:
[الطويل]
خليلىّ هذا آخر العهد منكما ... ومنّى فهل من موعذ نستجدّه
وفيها توفّى محمد بن يحيى بن محمد بن هبيرة أبو عبد الله عزّ الدّين ابن الوزير عون الدين. كان فاضلا كبير الشأن عظيم القدر. ناب عن أبيه فى الوزارة مدّة، ثم قبض عليه بعد موت أبيه وصودر وحبس، ثم هرب من محبسه خوفا على نفسه فلم يستتر أمره؛ وأخذ وقتل خنقا. وكان من بيت علم وفضل ورياسة.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو طاهر إبراهيم ابن الحسن بن الحصين الشافعىّ بدمشق. وأبو عبد الله الحسن بن العبّاس الرّستمىّ الشافعىّ فى صفر وله ثلاث وتسعون سنة. وأبو محمد عبد الله بن رفاعة بن غدير السّعدىّ الفرضىّ فى ذى القعدة وله أربع وتسعون سنة. والحافظ أبو محمد عبد الله ابن محمد الأشيرىّ- وأشير «١» : بين حمص وبعلبكّ- وأبو طالب عبد الرحمن بن الحسن بن العجمىّ بحلب. والقدوة الشيخ عبد القادر الجيلى شيخ العراق وله تسعون سنة.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ست أذرع وإحدى عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثلاث وعشرون إصبعا.
стр. 1727
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٦٢]
السنة السابعة من ولاية العاضد على مصر وهى سنة اثنتين وستين وخمسمائة.
فيها تزوّج الخليفة المستنجد بالله بابنة عمّه أبى نصر بن المستظهر، ودخل بها فى شهر رجب ليلة الدعوة التى كان يعملها فى كلّ سنة للصوفيّة وغيرهم؛ وغنّى المغنّى:
[الطويل]
يقول رجال الحىّ تطمع أن ترى ... محاسن ليلى مت بداء المطامع
وكيف ترى ليلى بعين ترى بها ... سواها وما طهّرتها بالمدامع
وتلتذّ منها بالحديث وقد جرى ... حديث سواها فى خروق المسامع
وكان مع الصوفية رجل من أهل أصبهان، فقام قائما وجعل يقول للمغنّى:
«أى خواجا كفت «١» » وهو يكرّر ذلك، والمغنّى يعيد الأبيات حتى وقع الرجل ميتا؛ فصار ذلك الفرح مأتما؛ وبكى الخليفة والصوفيّة ولا زالوا يتراقصون حوله إلى الصباح، فحملوه إلى الشّونيزيّة فدفنوه بها، وكان له مشهد عظيم.
وفيها عاد الأمير أسد الدين شيركوه بعساكر دمشق إلى مصر، وهى المرّة الثانية. وقد تقدّم ذلك كلّه فى ترجمة العاضد.
وفيها احترقت اللّبّادون «٢» وباب الساعات بدمشق حريقا عظيما صار تاريخا.
وسببه أنّ بعض الطبّاخين أو قد نارا عظيمة تحت قدر هريسة ونام، فاحترقت دكّانه ولعبت النار فى اللّبّادين وغيرها إلى أن عظم الأمر.
وفيها توفّى أحمد بن علىّ بن الزّبير القاضى الرشيد. كان أصله من أسوان وسكن مصر، وكان من شعراء شاور بن مجير السّعدىّ، وله فيه مدائح، إلّا أنّه لم ينج من شرّ
стр. 1728
شاور، اتّهمه بمكاتبة أسد الدين شيركوه فقتله. وكان فاضلا شاعرا، وله التصانيف المفيدة، من ذلك كتاب «جنّات «١» الحنان ورياض الأذهان» ذيّل به على اليتيمة.
ومن شعره:
[الطويل]
تواطا على ظلمى الأنام بأسرهم ... وأظلم من لاقيت أهلى وجيرانى
لكل امرئ شيطان جنّ يكيده ... بسوء ولى دون الورى ألف شيطان
وفيها توفّى يحيى بن عبد الله بن القاسم القاضى تاج الدين الشّهرز ورىّ. كان إماما فاضلا شاعرا فصيحا، مات بالموصل. ومن شعره يوازن «٢» قصيدة مهيار التى يقول فيها:
[المتقارب]
وعطّل «٣» كئوسك إلّا الكبار ... تجد للصغار أناسا صغارا
وفيها توفّى محمد بن الحسن [بن محمد «٤» ] بن على العلّامة أبو المعالى بن حمدون الكاتب، الملقّب كافى الكفاة، بهاء الدين البغدادىّ. كان فاضلا ذا معرفة تامّة بالأدب والكتابة من بيت مشهور بالرياسة والفضل هو وأبوه وأخواه أبو نصر وأبو المظفّر. وأبو المعالى هذا هو مصنّف كتاب «التذكرة «٥» » وهو من أحسن التصانيف، يشتمل على التاريخ
стр. 1729
والأدب والأشعار، وقفت عليه وهو فى غاية الحسن. وكان ابن حمدون المذكور صاحب ديوان الخليفة المستنجد العباسىّ، وروى عن المستنجد قول أبى حفص «١» الشّطرنجىّ فى جارية حولاء، وهو:
[الطويل]
حمدت إلهى إذ بليت بحبّها ... وبى «٢» حول يغنى عن النظر الشّزر
نظرت إليها والرقيب يخالنى ... نظرت إليه فاسترحت من العذر
وقال ابن خلّكان: إنّه توفّى ببغداد فى يوم الأربعاء من شهر رجب سنة خمس «٣» وسبعين وخمسمائة، بخلاف ما ذكرناه من قول أبى المظفّر.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: فيها توفّى أبو البركات الخضر ابن شبل بن الحسين «٤» بن عبد الواحد خطيب دمشق. والحافظ أبو سعد «٥» عبد الكريم [بن محمد «٦» ] بن منصور التميمىّ السّمعانىّ تاج»
الإسلام محدّث خراسان فى شهر ربيع الأوّل وله ست وخمسون سنة. وأبو عروبة عبد الهادى بن محمد بن عبد الله بن عمر بن مأمون السجستانىّ الزاهد. وجمال الأئمة بن الماسح أبو القاسم علىّ بن الحسن الكلابىّ الدمشقىّ فى ذى الحجّة. وأبو الحسن علىّ بن مهدىّ بن
стр. 1730
الهلال الطبيب. والعلّامة أبو شجاع عمر بن محمد البسطامىّ ثم البلخىّ. وأبو عاصم قيس بن محمد السّويقىّ المؤذّن. وأبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن ثابت المصرىّ الكيزانىّ «١» الواعظ فى المحرّم. وأبو المعالى محمد بن محمد بن محمد فى شهر ربيع الآخر.
والمبارك بن المبارك بن صدقة السمسار. وأبو طالب المبارك بن خضير الصيرفىّ.
وأبو الفرج مسعود بن الحسن الثقفىّ فى رجب وله مائة سنة. وأبو القاسم هبة الله ابن الحسن الدقّاق «٢» فى المحرّم.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وأربع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وثلاث وعشرون إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٦٣]
السنة الثامنة من ولاية العاضد على مصر وهى سنة ثلاث وستين وخمسمائة.
فيها أبيع الورد ببغداد مائة رطل بقيراط وحبّة.
وفيها زاد ظلم أبى جعفر بن البلدىّ وزير الخليفة، واستغاث أهل بغداد منه.
وفيها توفّى ظافر بن القاسم الأديب أبو منصور الجذامىّ الإسكندرىّ المعروف بالحدّاد الشاعر المشهور. كان فصيحا فاضلا بليغا. وشعره فى غاية الحسن. وهو صاحب القصيدة الذالية التى أوّلها:
[الكامل]
لو كان بالصبر الجميل ملاذه ... ما سحّ وابل دمعه ورذاذه
ما زال جيش الحبّ يغزو قلبه ... حتّى وهى وتقطّعت أفلاذه
لم يبق فيه من الغرام بقيّة ... إلّا رسيس يحتويه جذاذه
стр. 1731
من كان يرغب فى السلامة فليكن ... أبدا من الحدق المراض عياذه
لا تخدعنّك بالفتور فإنّه ... نظر يضرّ بقلبك استلذاذه
يأيّها الرّشأ الذي من طرفه ... سهم إلى حبّ القلوب نفاذه
درّ يلوح بفيك من نظّامه ... خمر يجول عليه من نبّاذه
وقناة ذاك القدّ كيف تقوّمت ... وسنان ذاك اللّحظ ما فولاذه
رفقا بجسمك لا يذوب فإنّنى ... أخشى بأن يجفو عليه لاذه «١»
هاروت يعجز عن مواقع سحره ... وهو الإمام فمن ترى أستاذه
تالله ما علقت محاسنك امرأ ... إلّا وعزّ على الورى استنقاذه
أغربت حبّك بالقلوب فأذعنت ... طوعا وقد أودى بها استحواذه
مالى أتيت الحبّ «٢» من أبوابه ... جهدى فدام نفاره ولواذه
إيّاك من طمع المنى فعزيزه ... كذليله وغنّيه شحّاذه
ومنها:
دالّية ابن دربد استهوى بها ... قوما غداة نبت به بغداذه
دانوا لزخرف قوله فتفرّقت ... طمعا بهم صرعاه أو جذاذه
ويحكى أنّ ابن ظفر أمير الإسكندريّة أحضره مرّة ليبرد له خاتما قد ضاق فى خنصره؛ فقال ظافر المذكور:
[السريع]
قصّر عن أوصافك العالم ... فاعترف «٣» الناثر والناظم
من يكن البحر له راحة ... يضيق عن خنصره الخاتم
стр. 1732
وكانت وفاته فى هذه السنة. وقال ابن خلّكان: فى سنة تسع وعشرين وخمسمائة.
وفيها توفّى عبد الكريم «١» بن محمد بن منصور بن محمد بن عبد الجبّار الإمام الحافظ أبو سعيد بن السّمعانىّ «٢» التميمىّ، مولده بمرو. وكان إماما فاضلا محدّثا فقيها. ذيّل على تاريخ أبى بكر الخطيب، ورحل إلى دمشق. قال ابن عساكر: ثمّ عاد من دمشق إلى بغداد فسمّع تاريخ الخطيب وذيّله، وعاد إلى خراسان وعبر النهر «٣» ، وحدّث ببلخ وهراة. وصنّف كتابا سماه «فرط الغرام إلى ساكنى الشام» وأرسل به إلى دمشق وهو بخطّه فى ثمانية أجزاء تشتمل على أخبار وحكايات. ومات بمرو فى شهر ربيع الأوّل.
وفيها توفّى الأمير زين الدّين علىّ بن بكتكين بن مظفّر الدّين كوكبورى «٤» ، المعروف كوجك «٥» ، التركىّ. كان حاكما على الموصل وغيرها، وكان حسن السّيرة عادلا فى الرعيّة.
وكان أوّلا بخيلا مسيكا، ثمّ إنّه جاد فى آخر عمره، وبنى المدارس والقناطر والجسور.
وحكى أنّ بعض الجند جاءه بذنب فرس وقال له: مات فرسى، فأغطاه عوضه؛ وأخذ ذلك الذنب آخر وجاءه به وقال له: مات فرسى، فأعطاه عوضه؛ ولا زال يتداول الذنب اثنا عشر رجلا، وهو يعلم أنّه الأوّل ويعطيهم الخيل. فلمّا أعجزوه أنشد:
[الكامل]
ليس الغبىّ بسيّد فى قومه ... لكنّ سيّد قومه المتغابى
فعلموا أنّه علم فتركوه. ولما كبر سنّه سلّم البلاد إلى قطب الدين مودود، وقال له:.
إنّك لا تنتفع بى، فقد كبرت وضعفت قوّتى وخاننى سمعى وبصرى. وكان الأتابك
стр. 1733
زنكى قد أعطاه إربل «١» ، فمضى إليها وأقام بها حتّى مات فى ذى الحجّة. وكانت أيّامه على الموصل إحدى وعشرين سنة ونصفا. وملك بعده ابنه زين الدّين يوسف ابن علىّ بن مظفّر الدّين كوكبورى.
وفيها توفّى محمد بن عبد «٢» الحميد أبو الفتح علاء الدّين الرازىّ «٣» السّمرقندىّ صاحب «التعليقة» و «المعترض والمختلف» على مذهب الإمام الأعظم أبى حنيفة، رضى الله عنه. وكان إماما بارعا مفتنّا، كان من فرسان الكلام؛ قدم بغداد وناظر وبرع وفاق أهلها. وكان شحيحا بكلامه؛ فكانوا يوردون عليه أسئلة وهو عالم بأخوبتها، فيكاد ينقطع ولا يذكرها لشحّه ولئلّا تستفاد منه؛ وعلم ذلك منه علماء عصره. وقيل: إنّه تنسّك وترك المناظرة مع شهادة أهل عصره من العلماء له بالسّبق والفضيلة.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو المعالى أحمد ابن عبد الغنى الباجسرائىّ «٤» . والقاضى الرشيد أبو الحسين «٥» [أحمد بن] علىّ بن الزّبير الأسوانى الكاتب بمصر. وأبو المظفّر أحمد بن محمد بن علىّ الكاغدىّ فى رجب ببغداد. وأبو بكر أحمد بن المقرّب الكرخىّ فى ذى الحجّة. وأبو المناقب حيدرة بن عمر بن إبراهيم العلوىّ الزّيدىّ فى ذى الحجّة بالكوفة. وأبو طاهر الخضر بن الفضل
стр. 1734
الصّفّار، ويعرف بزحل، فى جمادى الأولى، وله إجازة عالية. وأبو الفضل شاكر ابن علىّ الأسوارىّ «١» . وأبو محمد عبد الله بن علىّ الطّامذىّ «٢» المقرئ بأصبهان فى شعبان. والشيخ العلّامة أبو النجيب عبد القاهر بن عبد الله السهروردىّ «٣» عن ثلاث وسبعين سنة. وأبو الحسن علىّ بن عبد الرحمن الطّوسىّ بن تاج القرّاء.
وعمرو بن سمّان البغدادىّ. وأبو الحسن محمد بن إسحاق بن محمد بن الصابئ.
والشريف الخطيب أبو الفتوح ناصر بن الحسن «٤» الحسينىّ المقرئ بمصر. وأبو بكر محمد ابن علىّ [بن عبد الله «٥» ] بن ياسر الجيّانىّ «٦» الأندلسىّ. ونفيسة بنت محمد بن علىّ البزّازة «٧» .
والصائن هبة الله بن الحسن بن هبة الله بن عساكر فى شعبان وله خمس وسبعون سنة. وأبو المظفّر هبة الله بن عبد الله بن أحمد بن السّمرقندىّ. وأبو الغنائم هبة الله بن محفوظ بن صصرى. ومدرّس النّظاميّة أبو الحسن يوسف بن عبد الله ابن بندار الدمشقىّ.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وأربع عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثلاث وعشرون إصبعا.
стр. 1735
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٦٤]
السنة التاسعة من ولاية العاضد على مصر وهى سنة أربع وستين وخمسمائة.
فيها ملك السلطان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكى الشّهيد قلعة جعبر «١» من صاحبها «٢» ابن مالك العقيلىّ.
وفيها قدم أسد الدين شيركوه إلى الديار المصريّة ومعه ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيّوب لقتال الفرنج. وهذه قدمته إلى مصر الثالثة التى ملك فيها مصر، حسب ما تقدّم ذكره فى ترجمة العاضد: من قتله لشاور، وتوليته الوزر للعاضد، ووفاته بديار مصر، وتولية صلاح الدين يوسف بعده.
وفيها توفّى حميد بن مالك بن مغيث بن نصر بن منقذ الأمير أبو الغنائم الكنانىّ.
مولده بشيزر «٣» ، ثمّ انتقل منها وسكن دمشق، ثم رحل إلى حلب ومات بها فى شعبان.
وكان أديبا فاضلا شاعرا.
وفيها توفّى عبد الخالق بن أسد بن ثابت الإمام أبو محمد الدّمشقىّ الحنفىّ. كان فقيها مفتنّا عارفا بالحديث وفنون العلوم، ودرس بالصادريّة «٤» بدمشق ومات بها.
ومن شعره:
[الكامل]
قال العواذل ما اسم من ... أضنى فؤادك قلت أحمد
قالوا أتحمده وقد ... أضنى فؤادك قلت أحمد
الذي ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى الأمير مجير الدّين [آبق «٥» بن محمد] بن بورى بن طغتكين الذي أخذ منه نور الدين دمشق، ثم صار
стр. 1736
أميرا ببغداد. والملك أبو شجاع شاور بن مجير بن نزار السعدىّ، وزير العاضد، قتله جرديك النّورىّ. والملك المنصور أسد الدين شيركوه بن شادى فجأة بعد شاور بشهرين. وأبو محمد عبد الخالق بن أسد الحنفىّ الحافظ فى المحرّم. وأبو الحسن علىّ ابن محمد بن علىّ البلنسىّ «١» المقرئ فى رجب وله أربع وتسعون سنة. وقاضى القضاة زكىّ الدّين علىّ بن المنتخب [محمد بن «٢» ] يحيى القرشىّ الدمشقىّ فى شوّال غريبا ببغداد وله سبع وخمسون سنة. وأبو الفتح محمد بن عبد الباقى بن البطّىّ الحاجب مسند العراق فى جمادى الأولى وله سبع وثمانون سنة. والحافظ أبو أحمد معمر ابن عبد الواحد القرشىّ بن الفاخر الأصبهانىّ فى ذى القعدة بطريق الحجاز وله سبعون سنة.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع وثمانى أصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا واثنتا عشرة إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٦٥]
السنة العاشرة من ولاية العاضد على مصر، وقد وزر له الملك الناصر صلاح الدّين يوسف بن أيّوب، ولم يكن له مع صلاح الدين إلّا مجرّد الاسم فقط، وهى سنة خمس وستين وخمسمائة.
فيها نزل الفرنج على دمياط يوم الجمعة فى ثالث صفر، وجدّوا فى القتال، وأقاموا عليها ثلاثة وخمسين يوما يحاصرونها ليلا ونهارا. ونذكر هذه الواقعة بأوسع من هذا فى أوّل ترجمة صلاح الدّين إن شاء الله.
стр. 1737
وفيها توفّى حمّاد بن منصور البزاعىّ «١» الحلبىّ ويعرف بالخرّاط. كان أديبا شاعرا فصيحا. ومن شعره فى كريم:
[الخفيف]
ما «٢» نوال الغمام وقت ربيع ... كنوال الأمير وقت سخاء
فنوال الأمير بدرة مال ... ونوال الغمام قطرة ماء
قلت: ومن الغاية فى هذا المعنى قول الشيخ علاء الدين علىّ الوداعىّ «٣» .
[البسيط]
من زار بابك لم تبرح جوارحه ... تروى أحاديث ما أوليت من منن
فالعين عن قرّة والكفّ عن صلة ... والقلب عن جابر والسمع عن حسن
وفيها توفّى محمد بن إبراهيم بن هانىء أبو القاسم المغربىّ. كان من شعراء الخلفاء الفاطميّين. ومن شعره من أوّل قصيدة مدح بها بعض خلفاء مصر:
[الرمل]
امسحوا عن ناظرى كخل السّهاد ... وانفضوا عن مضجعى شوك القتاد
أو خذوا منّى الذي أبقيتم ... ما أحبّ الجسم مسلوب الفؤاد
وفيها توفّى مودود بن زنكى بن آق سنقر الملك قطب الدّين صاحب الموصل وأخو السلطان الملك العادل نور الدين محمود الشهيد. ولمّا احتضر مودود هذا
стр. 1738
أوصى بالملك لولده عماد الدين زنكى، وكان أكبرهم «١» وأعزّهم عليه. وكان الحاكم على الموصل فخر الدين عبد المسيح، وكان يكره عماد الدّين زنكى هذا؛ وكان عماد الدين قد أقام عند عمّه نور الدين محمود بحلب مدّة وتزوّج بابنته، فلا زال فخر الدين المذكور بقطب الدين مودود حتّى جعل العهد من بعده لولده سيف الدين غازى وعزل عماد الدين زنكى؛ فعزّ ذلك على نور الدين وقصد الموصل وقال: أنا أحقّ بتدبير ملك أولاد أخى.
الذين ذكرهم الذهبىّ فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو بكر عبد الله ابن محمد بن أحمد بن النّقور البزّاز فى شعبان عن إحدى وثمانين سنة. وأبو المكارم عبد الواحد بن محمد بن المسلّم بن الحسن بن هلال الأزدىّ العدل فى جمادى الآخرة.
وأبو القاسم محمود بن عبد الكريم الأصبهانىّ التاجر. وصاحب الموصل قطب الدين مودود ابن أتابك زنكى.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وثمانى عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وأربع عشرة إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٦٦]
السنة الحادية عشرة من ولاية العاضد على مصر، وتحكّم وزيره الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيّوب، وهى سنة ست وستين وخمسمائة.
فيها سار الملك العادل نور الدين محمود من دمشق إلى الموصل وسلّمها لابن أخيه عماد الدين زنكى بعد أمور وقعت بينه وبين فخر الدين عبد المسيح المقدّم ذكره فى الماضية.
стр. 1739
وفيها بنى الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيّوب مدرسة للشافعيّة «١» ، وكان موضعها حبس المعونة، وبنى بها أيضا مدرسة للمالكيّة تعرف بدار الغزل «٢» . وولّى صدر الدّين عبد الملك بن درباس «٣» الكردىّ القضاء بالقاهرة.
وفيها فى جمادى الآخرة خرج صلاح الدّين يوسف بن أيّوب بعساكر العاضد إلى الشام فأغار على غزّة وعسقلان والرملة ومضى إلى أيلة، وكان بها قلعة فيها
стр. 1740
جماعة من الفرنج، والتقاه الأسطول فى البحر؛ فافتتحها وقتل من فيها وشحنها بالرجال والعدد؛ وكان على درب الحجاز منها خطر عظيم. ثم عاد صلاح الدين إلى مضر فى جمادى الآخرة.
وفيها فى شعبان اشترى تقىّ الدين عمر بن شاهنشاه منازل «١» العزّ بمصر، وعملها مدرسة للشافعيّة.
وفيها توفّى الخليفة المستنجد بالله أمير المؤمنين أبو المظفر يوسف بن المقتفى لأمر الله محمد بن المستظهر بالله أحمد بن المقتدى بأمر الله عبد الله الهاشمىّ العباسىّ البغدادىّ. استخلف يوم مات أبوه فى شهر ربيع الآخر سنة خمس وخمسين وخمسمائة.
ومولده فى سنة ثمانى عشرة وخمسمائة. وأمّه أمّ ولد تسمى «طاوس» كرجيّة، أدركت خلافته. وكان المستنجد أسمر طويل اللّحية معتدل القامة شجاعا مهيبا عادلا فى الرعيّة ذكيّا فصيحا فطنا، أزال المظالم والمكوس. وكانت وفاته فى يوم السبت ثامن شهر ربيع الآخر، ودفن بداره. وكانت خلافته إحدى عشرة سنة وشهرا.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم سبع أذرع سواء. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وإحدى وعشرون إصبعا.
стр. 1741
ذكر ولاية أسد الدين شيركوه على مصر
وقد اختلف المؤرّخون فى أمر ولايته على مصر، فمنهم من عدّه من الأمراء، ومنهم من ذكره من الوزراء. ولهذا أخّرنا ترجمته إلى هذه السنة، ولم نسلك فيها طريق أمراء مصر. وقد ذكرنا من تردّده إلى مصر وقتله لشاور وتوليته الوزارة من قبل العاضد نبذة كبيرة فى ترجمة العاضد المذكور. ونذكر ترجمته الآن على هيئة تراجم أمراء مصر؛ ففى مساق هذه الترجمة وفى سياق تلك الترجمة جمع بين القولين، وللناظر فيهما الاختيار، فمن شاء يجعله وزيرا، ومن شاء يجعله أميرا.
هو الملك المنصور أسد الدّين شيركوه بن شادى بن مروان عمّ السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب. يأتى بقيّة نسبه وما قيل فى أصله فى ترجمة ابن أخيه صلاح الدين المذكور، من أقوال كثيرة. وقد تقدّم من حديثه نبذة كبيرة. ونسوق ذلك كلّه هنا على سبيل الاختصار، فنقول:
كان شاور قد توجّه إلى الشام يستنجد نور الدين فى سنة تسع وخمسين وخمسمائة؛ فنجده بأسد الدين شيركوه هذا بالعساكر، ووصلوا إلى مصر فى الثانى من جمادى الآخرة من سنة تسع وخمسين، وغدر بهم شاور ولم يف بما وعدهم به؛ فعادوا إلى دمشق وعرّفوا نور الدين بذلك. ثم إنّ شاور ألجأته الضرورة لطلبهم ثانيا «١» خوفا من الفرنج؛ فعاد أسد الدين ثانيا إلى مصر فى شهر ربيع الأول سنة اثنتين وستين؛ وسلك
стр. 1742
طريق وادى الغزلان «١» وخرج عند وادى إطفيح، فكانت بينه وبينهم وقعة هائلة.
وتوجّه صلاح الدين إلى الإسكندرية واحتمى بها وحاصره شاور؛ لأنّه كان قد وقّع بينهم وبينه أيضا، واصطلح عليهم مع الفرنج. ثم رجع أسد الدين من الصعيد نجدة لابن أخيه صلاح الدين، وأخذه وسار إلى بلبيس حتّى وقع الصلح بينه وبين المصريّين؛ وعاد إلى الشام. فحنق نور الدين لذلك ولم يمكنه الكلام لاشتغاله بفتح السواحل، ودام ذلك إلى أن وصل الفرنج إلى مصر وملكوها فى سنة أربع وستين وقتلوا أهلها. أرسل العاضد يطلب النجدة من نور الدين فنجدهم بأسد الدين شيركوه، وهى ثالث مرّة، فمضى إليهم أسد الدين وطرد الفرنج عنهم، وملك مصر فى شهر ربيع الأوّل من سنة أربع وستين وخمسمائة. وعزم شاور على قتل أسد الدين وقتل أصحابه أكابر أمراء نور الدين معه؛ ففطن أسد الدين لذلك فاحترز على نفسه. وعلم ذلك صلاح الدين يوسف بن أيوب أيضا، فاتّفق صلاح الدين يوسف مع الأمير جرديك النّورىّ على مسك شاور وقتله؛ واتّفق ركوب أسد الدين إلى زيارة قبر الإمام الشافعىّ- رضى الله عنه- وكان شاور يركب فى كلّ يوم إلى أسد الدين؛ فلمّا توجّه إليه فى هذا اليوم المذكور قيل له: إنّه توجّه إلى الزيارة.
فطلب العود؛ فلم يمكنه صلاح الدين وقال: انزل، الساعة يحضر عمّى. فامتنع فجذبه هو وجرديك فأنزلوه عن فرسه وقبضوا عليه وقتلوه بعد حضور أسد الدين. وقد تقدم ذكر ذلك كلّه مفصلا فى ترجمة العاضد.
وخلع العاضد على الأمير أسد الدين شيركوه المذكور بالوزارة، ولقّبه بالملك المنصور. فلم تطل مدّته ومات بعد شهرين فجأة فى يوم السبت ثانى عشر جمادى
стр. 1743
الآخرة- وقيل: يوم الأحد ثالث عشرينه- سنة أربع وستين وخمسمائة، ودفن بالقاهرة ثم نقل إلى المدينة. وقال ابن شدّاد «١» : «كان أسد الدين شيركوه كثير الأكل، كثير المواظبة على أكل اللحوم الغليظة، فتواتر عليه التّخم والخوانيق وهو ينجو منها بعد مقاساة شدّة عظيمة، ثم اعترضه بعد ذلك مرض شديد واعتراه خانوق فقتله فى التاريخ المقدّم ذكره» .
قلت: ولمّا مات تولّى ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيّوب الوزارة من بعده. وكان أسد الدين أميرا عاقلا شجاعا مدبّرا عارفا فطنا وقورا. كان هو وأخوه أيّوب من أكابر أمراء نور الدين محمود الشهيد، وهو الذي أنشأهم حتى صار منهم ما صار. رحمهم الله تعالى.
*** انتهى الجزء الخامس من النجوم الزاهرة، ويليه الجزء السادس، وأوّله:
ذكر ولاية السلطان الناصر صلاح الدين على مصر
стр. 1744
[الجزء السادس]
[تتمة ما وقع من الحوادث سنة ٥٦٦]
بسم الله الرّحمن الرّحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحابته والمسلمين الجزء السادس من النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة
ذكر ولاية السلطان صلاح الدين على مصر
هو السلطان الملك الناصر أبو المظفّر صلاح الدين يوسف ابن الأمير نجم الدين أيّوب بن شادى بن مروان، ويقال: إنّ مروان من أولاد خلفاء بنى أميّة، وقال ابن القادسى «١» : كان شادى مملوك بهروز الخادم. قال صاحب مرآة الزمان:
«وهذا من غلطات «٢» ابن القادسى، ما كان شادى مملوكا قطّ، ولا جرى على أحد من بنى أيّوب رقّ، وإنّما شادى خدم بهروز الخادم، فاستنابه بقلعة تكريت» . انتهى.
قلت: كان بداية أمر بنى أيّوب أنّ نجم الدين أيّوب والد صلاح الدين هذا، وأخاه أسد الدين شيركوه- ونجم الدين هو الأكبر- كان أصلهم من
стр. 1745
دوين: بلدة صغيرة فى العجم، وقيل: هو من الأكراد الرّواديّة، وهو الأصحّ.
فقدم نجم الدين أيّوب وأخوه أسد الدين شيركوه إلى العراق وخدما مجاهد الدين بهروز الخادم شحنة بغداد، فرأى بهروز من نجم الدين رأيا وعقلا، فولّاه دزدارا بتكريت «١» ، وكانت تكريت لبهروز، أعطاها له السلطان مسعود بن غياث الدين محمد ابن ملكشاه- المقدّم ذكره- السّلجوقىّ. وبهروز كان يلقّب مجاهد الدين.
وكان خادما روميّا أبيض، ولّاه السلطان مسعود شحنة العراق. وبهروز (بكسر الباء الموحدة وسكون الهاء وضم الراء وسكون الواو وبعدها زاى) ، وهو لفظ عجمىّ معناه: يوم جيّد. فأقام نجم الدين بتكريت ومعه أخوه أسد الدين إلى أن انهزم الأتابك زنكى بن آق سنقر من الخليفة المسترشد فى سنة ستّ وعشرين وخمسمائة، ووصل إلى تكريت وبه نجم الدين أيّوب، فأقام له المعابر فعبر زنكى بن آق سنقر [دجلة «٢» ] من هناك، وبالغ نجم الدين فى إكرامه؛ فرأى له زنكى ذلك. وأقام نجم الدين بعد ذلك بتكريت إلى أن خرج منها بغير إذن بهروز. وسببه أنّ نجم الدين كان يرمى يوما بالنشاب فوقعت نشّابة فى مملوك بهروز فقتلته من غير قصد، فاستحى نجم الدين من بهروز فخرج هو وأخوه إلى الموصل. وقيل غير ذلك: إنّ بهروز أخرجهما لمعنى من المعانى، وقيل فى خروجهما غير ذلك أيضا.
ولمّا خرجا من تكريت قصدا الأتابك زنكى بن آق سنقر- المقدّم ذكره- وهو والد الملك العادل نور الدين محمود بن زنكى المعروف بالشّهيد، فأحسن إليهما زنكى وأقطعهما إقطاعات كثيرة، وصارا من جملة أجناده إلى أن فتح زنكى مدينة
стр. 1746
بعلبكّ «١» ، وولّى نجم الدين أيّوب دزدارا بقلعتها، والدّزدار (بضمّ الدال المهملة وسكون الزاى وفتح الدال المهملة وبعدها ألف وراء مهملة) ومعناها بالعجمى: ماسك القلعة. ودام نجم الدين ببعلبكّ إلى أن قتل زنكى على قلعة «٢» جعبر. وتوجّه صاحب دمشق [يومئذ مجير الدين «٣» ] وحصر نجم الدين المذكور فى بعلبكّ وضايقه، فكتب نجم الدين إلى نور الدين الشهيد بن زنكى وسيف الدين غازى يطلب منهما نجدة، فاشتغلا عنه بملك جديد «٤» ؛ واشتدّ الحصار على بعلبكّ، فخاف نجم الدين من فتحها عنوة وتسليم أهلها، فصالح مجير الدّين صاحب دمشق على مال؛ وانتقل هو وأخوه أسد الدين شيركوه إلى دمشق وصارا من كبار أمرائها. ولا زال بها أسد الدين شيركوه حتّى اتّصل بخدمة الملك العادل نور الدين محمود بن زنكى [صاحب حلب «٥» ] وصار من أكابر دولته. فرأى منه محمود نجابة وشجاعة فأعطاه حمص والرّحبة، وجعله مقدّم عساكره. فلمّا صرف نور الدين همّته لأخذ دمشق أمر أسد الدين أن يكاتب أخاه نجم الدين أيّوب على المساعدة على فتحها، فكتب أسد الدين إلى أخيه، وقال له: هذا يجب عليك؛ فإنّ مجير الدين قد أعطى الفرنج بانياس «٦» وربما سلّم إليهم دمشق بعد ذلك؛ فأجابه نجم الدين، وطلبا من نور الدين إقطاعا وأملاكا فأعطاهما، وحلف لهما ووفّى بيمينه. وأمّا مجير الدين المذكور صاحب دمشق، فكان
стр. 1747
اسمه ابق بن محمد بن بورى بن الأتابك ظهير الدين طغتكين. وطغتكين مولى تتش ابن ألب أرسلان أخى ملكشاه السّلجوقىّ.
ولمّا ملك نور الدين محمود دمشق وفّى لهما بما وعدهما، وصارا من أكابر أمرائه خصوصا نجم الدين؛ فإنّ جميع الأمراء كانوا إذا دخلوا على نور الدين لا يقعد أحد حتّى يأمره نور الدين بالقعود إلّا نجم الدين هذا، فإنّه كان إذا دخل قعد من غير إذن. وداما عند نور الدين فى أعلى المنازل إلى أن وقع من أمر شاور وزير مصر ما وقع- وقد حكيناه فى ترجمة العاضد العبيدىّ- ودخول أسد الدين شيركوه إلى الديار المصريّة ثلاث مرّات، ومعه ابن أخيه صلاح الدين يوسف هذا، حتّى ملك أسد الدين الديار المصريّة فى الثالثة، وقتل شاور؛ وولى أسد الدين وزارة مصر، ولقّب بالمنصور، ومات بعد شهرين؛ فولّى العاضد الخليفة صلاح الدين هذا الوزارة، ولقّبه الملك الناصر؛ وذلك فى العشر الأخير من جمادى الآخرة سنة أربع وستين وخمسمائة. واستولى على الديار المصريّة ومهّد أمورها. وصار يدعى للعاضد، ثمّ من بعده للملك العادل نور الدين محمود، ثمّ من بعدهما لصلاح الدين هذا. ونذكر ولايته إن شاء الله بأوسع من هذا من كلام ابن خلّكان، بعد أن نذكر نبذة من أموره.
واستمرّ صلاح الدين بمصر وأرسل يطلب أباه نجم الدين أيّوب من الملك العادل نور الدين محمود الشهيد، فأرسله إليه معظّما مبجّلا؛ وكان وصوله (أعنى نجم الدين) إلى القاهرة فى شهر رجب سنة خمس وستين وخمسمائة؛ فلمّا قرب نجم الدين إلى الديار المصريّة خرج ابنه السلطان صلاح الدين بجميع أمراء مصر إلى ملاقاته، وترجّل صلاح الدين وجميع الأمراء ومشوا فى ركابه؛ ثمّ قال له ابنه صلاح الدين: هذا الأمر لك (يعنى الوزارة) وهى السلطنة الآن، وتدبير ملك مصر، ونحن بين يديك؛
стр. 1748
فقال له نجم الدين: يا بنىّ، ما اختارك الله لهذا الأمر إلّا وأنت أهل له، وأبى نجم الدين عن قبول السلطنة، غير أنّه حكّمه ابنه صلاح الدين فى الخزائن، فكان يطلق منها ما يختار من غير مراجعة صلاح الدين. وكانت الفرنج تولّت على دمياط فى ثالث صفر من السنة المذكورة وجدّوا فى قتالها، وأقاموا عليها نحو الشهرين يحاصرونها بالمجانيق ويزحفون عليها ليلا ونهارا، وصلاح الدين يوجّه إليها العساكر مع خاله شهاب الدين وتقىّ الدين، وطلب من العاضد مالا فبعث إليه شيئا كثيرا، حتّى قال صلاح الدين: ما رأيت أكرم من العاضد! جهّز إلىّ فى حصار الفرنج لدمياط ألف ألف دينار سوى الثياب وغيرها.
ولمّا سمع نور الدين بما وقع لدمياط أخذ فى غزو الفرنج بالغارات عليهم.
ثم وقع فيهم الوباء والفناء فرحلوا عن دمياط بعد أن مات منهم خلق كثير. كلّ ذلك فى حياة العاضد فى أوائل أمر صلاح الدين، ثمّ أخذ السلطان صلاح الدين فى إصلاح أحوال مصر وعمارة البلاد وبينا هو فى ذلك ورد عليه كتاب الملك العادل نور الدين محمود بن زنكى من دمشق، فأمره فيه بقطع خطبة العاضد وإقامتها لبنى العبّاس خلفاء بغداد، فخاف صلاح الدين من أهل مصر ألّا يجيبوه إلى ذلك، وربّما وقعت فتنة؛ فعاد الجواب لنور الدين يخبره بذلك، فلم يسمع له نور الدين؛ وأرسل إليه وخشّن له فى القول، وألزمه بذلك إلزاما كلّيّا إلى أن وقع ذلك؛ وقطعت خطبة العاضد فى أوّل المحرّم سنة سبع وستين وخمسمائة. وكان العاضد مريضا فأخفى عنه أهله ذلك حتّى مات يوم عاشوراء، فندم صلاح الدين على قطع خطبته، وقال:
ليتنى صبرت حتّى مات. وقد ذكرنا ذلك كلّه مفصّلا فى ترجمة العاضد السابقة لهذه الترجمة. ومن هنا نذكر- إن شاء الله تعالى- أقوال المؤرّخين فى أحوال السلطان صلاح الدين هذا وغزواته وأموره، كلّ مؤرّخ على حدته. ومن يوم مات العاضد
стр. 1749
عظم أمر صلاح الدين واستولى على خزائن مصر واستبدّ بأمورها من غير منازع.
غير أنّه كان من تحت أوامر الملك العادل نور الدين محمود بن زنكى المعروف بالشهيد صاحب دمشق على ما سنّبينه فى هذا المحلّ. وكان يدعو له الخطيب بمصر وأعمالها بعد نور الدين المذكور ويدعو لنور الدين بعد الخليفة.
وكان مولد صلاح الدين بتكريت فى سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، ونشأ فى حجر أبيه نجم الدين أيّوب فى الدولة النّوريّة، وترقّى فيها؛ وكان ولّاه نور الدين قبل خروجه مع عمّه أسد الدين شيركوه الثالثة إلى ديار مصر، شحنجية «١» دمشق، فخرج عنها غضبا على ما سنذكره إن شاء الله.
قال العلّامة أبو المظفّر شمس الدين يوسف بن قزأوغلى فى تاريخه مرآة الزمان:
«كان السلطان صلاح الدين شجاعا شهما مجاهدا فى سبيل الله، وكان مغرما بالإنفاق فى سبيل الله، وحسب ما أطلقه ووهبه مدّة مقامه على عكّا مرابطا للفرنج، من شهر رجب سنة خمس وثمانين، إلى يوم انفصاله عنها فى شعبان سنة ثمان وثمانين، فكان اثنى عشر ألف رأس من الخيل العراب «٢» والأكاديش الجياد للحاضرين معه للجهاد، غير ما أطلقه من الأموال. قال العماد الكاتب: لم يكن له فرس يركب إلّا وهو موهوب، ولا جاءه «٣» قود إلّا وهو مطلوب؛ وما كان يلبس إلّا ما يحلّ لبسه، كالكتّان والقطن والصوف؛ وكانت مجالسه منزّهة عن الهزء والهزل؛ ومحافله حافلة بأهل العلم والفضل؛ ويؤثر سماع الحديث وكان من جالسه لا يعلم
стр. 1750
أنه جالس سلطانا لتواضعه. قال: ورأى معى يوما دواة محلّاة بفضّة فأنكر علىّ وقال: ما هذا! فلم أكتب بها عنده بعدها. وكان محافظا على الصلوات فى أوقاتها لا يصلّى إلّا فى جماعة، وكان لا يلتفت إلى قول منجّم، وإذا عزم على أمر توكّل على الله. انتهى كلام العماد باختصار.
وذكره القاضى ابن شدّاد فى السّيرة فقال: كان حسن العقيدة، كثير الذكر لله تعالى؛ وإذا جاء وقت صلاة وهو راكب نزل فصلّى، وما قطعها إلّا فى مرضه الذي مات فيه ثلاثة أيّام اختلط ذهنه فيها. وكان قد قرأ عقيدة القطب «١» النّيسابورىّ.
وعلّمها أولاده الصغار لترسخ فى أذهانهم، وكان يأخذها عليهم. وأمّا الزكاة فإنّه مات ولم تجب عليه قطّ. وأمّا صدقة النوافل فاستنفدت أمواله كلّها فيها. وكان يحبّ سماع القرآن؛ واجتاز يوما على صبىّ صغير بين يدى أبيه وهو يقرأ القرآن فاستحسن قراءته، فوقف عليه وعلى أبيه مزرعة. وكان شديد الحياء خاشع الطّرف، رقيق القلب، سريع الدمعة، شديد الرغبة فى سماع الحديث. وإذا بلغه عن شيخ رواية عالية وكان ممّن يحضر عنده، استحضره «٢» وسمع عليه وأسمع أولاده ومماليكه، ويأمرهم بالقعود عند سماع الحديث إجلالا له، وإن لم يكن ممن يحضر عنده، ولا يطرق أبواب الملوك سعى إليه. وكان مبغضا لكتب الفلاسفة وأرباب المنطق ومن يعاند الشريعة. ولمّا بلغه عن السّهروردىّ «٣» ما بلغه أمر ولده الملك
стр. 1751
الظاهر بقتله. وكان محبّا للعدل يجلس فى كلّ يوم اثنين وخميس [فى «١» ] مجلس عام يحضره القضاة والفقهاء، ويصل إليه الكبير والصغير والشيخ والعجوز، وما استغاث إليه أحد إلّا أجابه وكشف ظلامته؛ واستغاث اليه ابن زهير الدّمشقىّ على تقىّ الدين عمر [ابن أخيه «٢» ] وقال: ما يحضر معى مجلس الشرع، فأمر تقىّ الدين بالحضور معه.
وادّعى رجل على السلطان صلاح الدين المذكور بأنّ سنقر الخلاطىّ مملوكه ومات على ملكه. قال ابن شدّاد: فأخبرته فأحضر الرجل، وقد خرج عن طرّاحته وساواه فى الجلوس، فادّعى الرجل؛ فرفع السلطان رأسه إلى جماعة الأمراء والشيوخ الأخيار، وهم وقوف على رأسه، فقال: أتعرفون سنقر الخلاطىّ؟ قالوا: نشهد أنّه مملوكك، وأنّه مات على ملكك. ولم يكن للرجل المدّعىّ بيّنة، فأسقط فى يده.
فقلت: يا مولانا، رجل غريب، وقد جاء من خلاط فى طمع، ونفدت نفقته، وما يحسن أن يرجع خائبا؛ فقال: يا قاضى، هذا إنّما يكون على غير هذا الوجه، ووهب له نفقة وخلعة وبغلة وأحسن إليه.
قال: وفتح آمد، ووهبها لابن قرا أرسلان. واجتمع عنده وفود بالقدس ولم يكن عنده مال، فباع ضيعة وفرّق ثمنها فيهم. قال ابن شدّاد: وسألت باليان بن بارزان «٣» يوم انعقاد الصلح عن عدّة الفرنج الذين كانوا على عكّا، وهو جالس بين يدى السلطان، فقال للتّركمان: قل له كانوا من خمسمائة ألف إلى ستّمائة ألف، قتل منهم أكثر من مائة ألف وغرق معظمهم. قال: وكان يوم المضاف يدور على الأطلاب ويقول: وهل أنا إلا واحد منكم! وكان
стр. 1752
فى الشتاء يعطى العساكر دستورا وهو نازل على برج عكّا، ويقيم طول الشتاء فى نفر يسير. وكان على الرّملة «١» فجاءه كتاب بوفاة تقىّ الدين [ابن أخيه «٢» ] ، فقال وقد خنقته العبرة: مات تقىّ الدين! اكتموا خبره مخافة العدوّ. قال: ولقد واجهه الجناح «٣» على يافا بذلك الكلام القبيح «٤» ، فما قال له كلمة، واستدعاه فأيقن بالهلاك؛ وارتقب الناس أن يضرب رقبته فأطعمه فاكهة قدمت من دمشق وسقاه ماء وثلجا. قال: وكان للمسلمين لصوص يدخلون خيام الفرنج بالليل ويسرقونهم، فسرقوا ليلة صبيّا رضيعا فباتت أمّه تبكى طول الليل، فقال لها الفرنج: إنّ سلطانهم رحيم القلب فاذهبى إليه، فجاءته وهو على تلّ الخرّوبة «٥» راكب، فعفرت وجهها وبكت، فسأل عنها فأخبر بقصّتها، فرقّ لها ودمعت عيناه، وتقدّم إلى مقدّم اللصوص بإحضار الطفل، ولم يزل واقفا حتّى أحضروه؛ فلمّا رأته بكت وشهقت وأخذته وأرضعته ساعة وضمّته إليها، وأشارت إلى ناحية الفرنج؛ فأمر أن تحمل على فرس وتلحق بالفرنج ففعلوا. قال ابن شدّاد: وكان حسن العشرة طيّب الخلق حافظا لأنساب العرب، عارفا بخيولهم، طاهر اللسان والقلم، فما شتم أحدا قطّ ولا كتب بيده ما فيه أذى مسلم. وما حضر بين يديه يتيم إلّا وترحّم على من خلّفه، وجبر قلبه وأعطاه ما يكفيه؛ فإن كان له كافل [سلّمه إليه «٦» ] وإلّا كفله. وسرق «٧» يوما من خزائنه ألفا دينار وجعل فى الكيس فلوس فما قال شيئا. انتهى كلام ابن شدّاد باختصار.
стр. 1753
قال أبو المظفّر: وحكى لى المبارز «١» سنقر الحلبىّ- رحمه الله تعالى- قال: كان الحجّاب يزدحمون على طرّاحته فجاء سنقر الخلاطىّ ومعه قصص فقدّم إليه قصّة، وكان السلطان مدّ يده اليمنى على الأرض ليستريح، فداسها سنقر الخلاطىّ ولم يعلم؛ وقال له: علّم عليها، فلم يجبه، فكرّر عليه القول؛ فقال له: يا طواشى، أعلّم بيدى أم برجلى! فنظر سنقر فرأى يد السلطان تحت رجله فخجل، وتعجّب الحاضرون من هذا الحلم؛ ثم قال السلطان: هات القصّة فعلّم عليها» .
وقال القاضى شمس الدين أحمد بن محمد بن خلّكان- ﵀ فى تاريخه:
«وصلاح الدين كان واسطة العقد، وشهرته أكبر من أن يحتاج إلى التنبيه عليه.
اتّفق أهل التاريخ على أنّ أباه وأهله من دوين (بضم الدال المهملة وكسر الواو وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون) ، وهى بلدة فى آخر عمل أذربيجان من جهة أرّان وبلاد الكرج، وأنّهم أكراد رواديّة (بفتح الراء والواو وبعد الألف دال مهملة [مكسورة «٢» ] ثم ياء مثنّاة من تحتها مشدّدة ثم هاء) . والرّواديّة: بطن من الهذانيّة «٣» (بفتح الهاء والذال المعجمة وبعد الألف نون مكسورة ثم ياء مثنّاة مشدّدة من تحتها وبعدها هاء) وهى قبيلة كبيرة من الأكراد. وقال لى رجل عارف بما يقول، وهو من أهل دوين: إنّ على باب دوين قرية يقال لها:
أجدانقان (بفتح الهمزة وسكون الجيم وفتح الدال المهملة وبعد الألف نون مفتوحة ثم قاف وبعد الألف الثانية نون أخرى) وجميع أهلها أكراد رواديّة؛ ومولد أيّوب والد صلاح الدين بها، وشادى أخذ ولديه، [منها «٤» ] : أسد الدين شيركوه،
стр. 1754
ونجم الدين أيّوب، وخرج بهما إلى بغداد؛ ومن هناك إلى تكريت. ومات شادى بها، وعلى قبره قبة داخل البلد. ولقد تتبّعت نسبهم كثيرا فلم أجد أحدا [ذكر] «١» بعد شادى أبا آخر، حتّى إنى وقفت على كتب كثيرة بأوقاف وأملاك باسم شيركوه وأيّوب فلم أر فيها سوى شيركوه بن شادى [وأيّوب «٢» ] بن شادى لا غير. وقال لى بعض أعوانهم: هو شادى بن مروان، وقد ذكرته فى ترجمة أيوب وشيركوه.
قال: ورأيت مدرجا رتّبه الحسن بن غريب «٣» بن عمران الحرسى يتضمّن أن أيّوب ابن شادى بن مروان بن [أبى «٤» ] على بن عنترة «٥» بن الحسن بن علىّ بن أحمد ابن علىّ «٦» بن عبد العزيز بن هدبة بن الحصين بن الحارث بن سنان بن عمرو بن مرة بن عوف بن أسامة بن بيهس «٧» بن الحارث صاحب الحمالة ابن عوف بن أبى حارثة بن مرّة بن نشبة «٨» بن غيظ بن مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض ابن ريث بن غطفان [بن سعد «٩» ] بن قيس بن عيلان بن الياس بن مضر بن نزار ابن معدّ «١٠» بن عدنان، ثم رفع هذا النسب إلى أن انتهى إلى آدم ﵇. ثم ذكر بعد ذلك أن علىّ بن أحمد بن أبى علىّ فقال: هو ممدوح المتنبىّ، ويعرف بالخراسانىّ.
وفيه يقول من جملة قصيدة:
شرق الجوّ بالغبار إذا سا ... ر علىّ بن أحمد القمقام
стр. 1755
وأمّا الحارث بن عوف بن أبى حارثة صاحب الحمالة فهو الذي حمل الدماء بين عبس وذبيان، وشاركه فى الحمالة خارجة بن سنان أخو هرم بن سنان.
وفيهما قال زهير بن أبى سلمى المزنىّ قصائد كثيرة، منها قوله:
وهل ينبت الخطّىّ إلّا وشيجه ... وتغرس إلّا فى منابتها النخل
هذا آخر ما ذكره فى المدرّج وكان قد قدّمه إلى الملك المعظّم شرف الدين عيسى بن الملك العادل صاحب دمشق، وسمعه عليه هو وولده الملك الناصر صلاح الدين أبو المفاخر داود بن الملك المعظّم، وكتب لهما بسماعهما عليه فى آخر رجب سنة تسع عشرة وستمائة. والله أعلم. انتهى ما ذكرته من المدرّج. ثم قال:
«وأقول ذكر المؤرّخون أنّ أسد الدين شيركوه لمّا مات استقرّت الأمور بعده لصلاح الدين يوسف بن أيّوب وتمهّدت القواعد، ومشى الحال على أحسن الأوضاع، وبذل الأموال وملك قلوب الرجال، وشكر نعمة الله تعالى عليه، فتاب عن الخمر وأعرض عن أسباب اللهو، وتقمّص بقميص الجدّ والاجتهاد، ولا زال على قدم الخير وما يقرّبه إلى الله تعالى إلى أن مات» . قال: «وقال شيخنا ابن شدّاد- ﵀: [سمعته «١» ] يقول قال صلاح الدين- ﵀: لمّا يسّر الله تعالى بملك الديار المصرية علمت أنّ الله أراد فتح الساحل لأنه أوقع ذلك فى نفسى. قال:
ومن حين استقام له الأمر ما زال صلاح الدين يشنّ الغارات على الفرنج إلى أن ملك الكرك «٢» والشّوبك «٣» وغيرهما من البلاد «٤» ، وغشى الناس من سحائب الإفضال والإنعام [ما لم «٥» يؤرّخ غير تلك الأيام. و] هذا كلّه وهو وزير متابع للقوم، ولكنّه يقول
следующие страницы →