← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

بنى الحنبلىّ: الناصح وأخاه شهاب الدين وغيرهما، وكان الأفضل قد وعد الناصح بقضاء دمشق، والشهاب بالحسبة، فقال لهم العادل: ما الذي دعاكم إلى كسر باب الفراديس، ومظاهرة أعدائى علىّ، وسفك دمى؟ فقال له الناصح: أخطأنا وما ثمّ إلّا عفو السلطان. - ثم ساق أبو المظفّر كلاما طويلا محصوله العفو عن الحنابلة، إلى أن قال-: وأمّا الأفضل فإنّه سار إلى مصر، فأرسل العادل وراءه «١» [أبا محمد] نجيب الدين إليه بالزّبدانىّ «٢» يقول [له] : ترفّق، فأنا لك مثل الوالد، وعندى كلّ ما تريد. فقال الأفضل: قل له: إن صحّت مقالتك فأبعد عنك أعدائى الصّلاحيّة. وبلغ ذلك الصلاحيّة، فقالوا للعادل: إيش قعودنا هنا؟ قم بنا، وساروا خلف الأفضل مرحلة مرحلة؛ فنزل الأفضل بلبيس ونزل العادل السائح «٣» ؛ فرجع الأفضل وضرب معهم المصافّ، وتقاتلوا فانكسر الأفضل وتفرّق عنه أصحابه؛ ورحل إلى القاهرة وأغلق أبوابها. وجاء العادل فنزل البركة «٤» ، ودخل سيف الدين أزكش بين العادل والأفضل، واتّفقوا أن يعطيه العادل ميّافارقين وجبل «٥» جور وديار بكر، ويأخذ منه مصر؛ فاتّفق الأمر على ذلك. ورحل الأفضل من مصر فى شهر ربيع الآخر، ودخل العادل إلى القاهرة، وأحسن إلى أزكش، وقال للأفضل: جميع من كان معك كاتبنى إلّا سيف الدين أزكش. ثمّ قدّم العادل أزكش المذكور وحكّمه فى البلاد، وردّ القضاء

стр. 1892

إلى صدر الدين عبد الملك بن درباس الكردىّ، وولىّ شيخ الشيوخ ابن حمّويه «١» التدريس بالشافعىّ ومشهد الحسين والنّظر فى خانقاه «٢» الصّوفيّة، وجلس الوزير صفىّ الدين عبد الله بن علىّ بن شكر فى دار السلطنة فى حجرة القاضى الفاضل، ونظر فى الدواوين. وسار الأفضل إلى ميّافارقين. واستدعى العادل ولده الكامل إلى مصر فخرج من دمشق فى ثالث «٣» عشرين شعبان وودّعه أخوه الملك المعظّم عيسى إلى رأس الماء «٤» . قال العماد الكاتب: وسرت معه إلى مصر وأنشدته: دعتك مصر إلى سلطانها فأجب ... دعاءها فهو حقّ غير مكذوب قد كان يهضمنى «٥» دهرى فأدركنى ... محمد بن أبى بكر بن أيّوب ووصل الكامل إلى مصر فى عاشر شهر رمضان، والتقاه أبوه العادل من العبّاسة «٦» ، وأنزله فى دار الوزارة. وكان قد زوّجه بنت أخيه صلاح الدين فدخل بها. ولم يقطع العادل الخطبة لولد العزيز. قلت: وهذا ممّا يدلّ أيضا على أنّ الأفضل كان عند الملك المنصور محمد ابن العزيز عثمان بمنزلة الأتابك. والظاهر أنّه كان ظنّ الأفضل إذا تمّ أمره مع عمّه العادل هذا استقلّ بالملك، فلم يقع له ذلك؛ ولهذا لم نذكره فى ملوك مصر، وما «٧» ذكرناه هنا إلّا فى ضمن ترجمة المنصور صاحب الترجمة.

стр. 1893

قال: ثم إنّه جمع الفقهاء (يعنى الملك العادل) وقال لهم: هل يجوز ولاية الصغير على الكبير؟ فقالوا: الصغير «١» مولّى عليه. قال: فهل يجوز للكبير أن ينوب عن الصغير؟ قالوا: لا، لأنّ الولاية من الأصل إذا كانت غير صحيحة فكيف تصحّ النيابة! فعند ذلك قطع خطبة ابن العزيز (يعنى عن المنصور صاحب الترجمة) وخطب لنفسه ولولده الكامل من بعده. ونقص النيل فى هذه السنة ولم يبلغ ثلاث عشرة ذراعا. ووقع الغلاء بديار مصر» . قلت: وعلى هذا يكون أوّل سلطنة العادل على مصر فى يوم خطب له بمصر؛ وهو يوم الجمعة الحادى والعشرين من شوّال سنة ست وتسعين وخمسمائة. قال ابن المستوفى «٢» فى تاريخ إربل «٣» : فتكون أوّل سلطنة الملك العادل من هذا اليوم، ولا عبرة باستيلائه على مصر قبل ذلك. وعلى هذا أيضا تكون مدّة الملك المنصور محمد صاحب الترجمة على سلطنة مصر سنة واحدة وتسعة أشهر سواء، فإنّ والده العزيز عثمان مات فى عشرين المحرّم من سنة خمس وتسعين وخمسمائة فتسلطن من يوم موت أبيه، وخلع فى العشرين من شوّال سنة ست وتسعين وخمسمائة. انتهى. ولم أقف على وفاته الآن.

стр. 1894

*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٩٥] السنة الأولى من ولاية الملك المنصور محمد ابن الملك العزيز عثمان ابن الملك الناصر يوسف على مصر، وهى سنة خمس وتسعين وخمسمائة، على أنّ الملك العزيز والده حكم منها نحو العشرين يوما من المحرّم كما تقدّم ذكره. فيها حجّ بالناس من بغداد مظفّر الدين وجه السّبع. وفيها كانت وفاة الملك العزيز عثمان حسب ما تقدّم ذكره فى ترجمته. وفيها توفّى يحيى بن علىّ بن الفضل أبو القاسم بن فضلان مدرّس النّظاميّة، كان فقيها بارعا، قدم بغداد وناظر وأفتى ودرّس، وكان مقطوع اليد، وقع من الجمل فعملت عليه يده فحيف عليه فقطعت. وكانت وفاته فى شعبان. ومن شعره: - رحمه الله تعالى-: وإذا أردت منازل الأشراف ... فعليك بالإسعاف والإنصاف وإذا بغى باغ عليك فخلّه ... والدهر فهو له مكاف كاف وفيها توفّى يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن الملك المنصور أبو يوسف صاحب المغرب. كان ملكا مغازيا مجاهدا، وهو الذي كسر ألفنش ملك الفرنج المقدّم ذكره على الزّلّاقة، وهو أعظم ملوك المغرب وأحسنهم سيرة لما كان جمع من المحاسن: الدّين والصلاح والشجاعة والكرم والحزم والعزم، ودام فى ملكه إلى أن مات فى شهر ربيع «١» الأوّل بعد أن أوصى بالملك إلى ولده أبى عبد الله محمد. وكانت مدّة أيامه خمس عشرة سنة. وفيه يقول شاعره أبو بكر «٢» يحيى بن عبد الجليل

стр. 1895

ابن عبد الرحمن بن مجير الأندلسىّ المرسىّ قصيدته المطوّلة، وعدّة أبياتها مائة وسبعة أبيات. أوّلها: أتراه يترك الغزلا ... وعليه شبّ واكتهلا ومدحه أيضا «١» إبراهيم بن يعقوب الشاعر المشهور بقصيدة طنّانة أوّلها: أزال حجابه عنى وعينى ... تراه من المهابة فى حجاب وقرّ بنى تفضّله ولكن ... بعدت مهابة عند اقترابى الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفى الملك العزيز عثمان ابن صلاح الدين يوسف بن أيّوب صاحب مصر فى المحرّم، وله ثمان وعشرون سنة. والحفيد ابن رشد العلّامة أبو الوليد «٢» محمد بن أحمد بن أبى الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبىّ المتكلّم. وأبو جعفر محمد بن إسماعيل الطّرسوسىّ بأصبهان فى جمادى الآخرة. وأبو الحسن مسعود بن أبى مسعود «٣» الأصبهانىّ الخيّاط الجمّال فى شوّال. وأبو الفضل منصور بن أبى الحسن الطّبرىّ الصوفىّ الواعظ. والعلّامة جمال الدّين يحيى بن علىّ بن فضلان البغدادىّ الشافعىّ فى شعبان. وصاحب المغرب المنصور أبو يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن القيسىّ. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وأربع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وستّ عشرة إصبعا.

стр. 1896

*** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٩٦] السنة الثانية من ولاية الملك المنصور محمد ابن الملك العزيز عثمان على مصر، على أنّه حكم فى آخرها من شهر رمضان إلى آخر السنة عمّ أبيه الملك العادل أبو بكر ابن أيّوب، وهى سنة ستّ وتسعين وخمسمائة. فيها توفّى تكش بن أرسلان شاه بن أتسز «١» الملك علاء الدّين خوارزم شاه، هو من ولد طاهر بن الحسين. كان شجاعا مقداما جودا، ملك الدنيا من الصّين والهند وما وراء النهر إلى خراسان إلى باب بغداد، وكان نوّابه فى حلوان «٢» ، وكان فى ديوانه مائة ألف مقاتل، وهو الذي أزال دولة بنى سلجوق، وكان عارفا بعلم الموسيقى؛ ولم يكن فى زمانه أعرف منه بضرب العود، وكان يباشر الحروب بنفسه حتّى ذهبت إحدى عينيه فى الحرب، وكان قد عزم على أخذ بغداد وسار إليها؛ فلمّا وصل إلى دهستان «٣» توفّى بها فى شهر رمضان. ووقع له فى مسيره إلى أخذ بغداد فى هذه المرّة طريفة: وهو أنّ الباطنيّة جهّزوا إليه رجلا ليقتله، وكان قوىّ الاحتراس، فجلس تلك الليلة يلعب بالعود، وقد شرّع الخيمة وغنّى بيتا بالعجميّة، وفيه «ببيتم» ومعناه بالعجمىّ: أبصرتك «٤» ؛ وكرّر هذه اللفظة؛ فلمّا سمع الباطنىّ ذلك خاف وظنّ أنه رآه فهرب، فأخذ وحمل إليه فعزّره وأمر بقتله. فكان ذلك من الطرائف.

стр. 1897

وفيها توفّى إمام عصره ووحيد دهره، القاضى الفاضل عبد الرحيم ابن القاضى الأشرف أبى المجد «١» علىّ [ابن «٢» القاضى السعيد أبى محمد محمد] بن الحسن بن الحسين ابن أحمد [بن المفرّج «٣» بن أحمد] اللّخمىّ العسقلانىّ المولد، المصعرىّ [الدار «٤» ] ، المعروف بالقاضى الفاضل الملقّب محيى الدين «٥» ؛ وزير السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب. قال ابن خلّكان- ﵀: [و «٦» ] تمكّن منه غاية التمكّن (يعنى من صلاح الدين) وبرز فى صناعة الإنشاء وفاق المتقدّمين، وله فيه الغرائب مع الإكثار. أخبرنى أحد الفضلاء الثّقات المطّلعين على حقيقة أمره: أنّ مسودات رسائله فى المجلّدات، والتعليقات فى الأوراق إذا جمعت ما تقصر عن مائة مجلد، وهو مجيد فى أكثرها. قال العماد الكاتب الأصبهانىّ فى كتاب الخريدة فى حقّه: «ربّ القلم والبيان، واللّسن واللّسان؛ والقريحة الوقّادة، والبصيرة النقّادة؛ والبديهة المعجزة، والبديعة المطرّزة؛ والفضل الذي ما سمع فى الأوائل ممّن «٧» لو عاش فى زمانه لتعلّق فى غباره، أو جرى فى مضماره؛ فهو كالشريعة المحمديّة التى نسخت الشرائع، ورسخت بها الصنائع؛ يخترع الأفكار، ويفترع الأبكار، ويطلع الأنوار، ويبدع الأزهار؛ وهو ضابط الملك بآرائه، ورابط السلك بلألائه «٨» ؛ إن شاء أنشأ فى اليوم الواحد بل فى الساعة، ما لو دوّن لكان لأهل الصناعة، [خير] بضاعة «٩» » انتهى كلام العماد باختصار.

стр. 1898

وقال غيره: وكان مع فضله كثير العبادة تاليا للقرآن العزيز دينّا خيّرا، وكان السلطان صلاح الدين يقول: لا تظنّوا أنّى ملكت البلاد بسيوفكم، بل بقلم الفاضل. وكان بين الفاضل وبين الملك العادل أبى بكر بن أيّوب وحشة «١» ، فلمّا بلغ الفاضل مجىء العادل إلى مصر دعا الله على نفسه بالموت، فمات قبل دخوله. وقيل: إنّ العادل كان داخلا من باب النصر، وجنازة الفاضل خارجة من باب زويلة «٢» . انتهى. قلت: وفضل الفاضل وبلاغته وفصاحته أشهر من أن يذكر. ومن شعره: قوله: وإذا السعادة لاحظتك «٣» عيونها ... نم فالمخاوف كلّهنّ أمان واصطد «٤» بها العنقاء فهى حبائل ... واقتد بها الجوزاء فهى عنان وقد استشهد علماء البديع بكثير من شعره فى أنواع كثيرة، فممّا ذكره الشيخ تقىّ «٥» الدين أبو بكر [بن علىّ «٦» ] بن حجّة فى شرح بديعيّته فى نوع «تجاهل العارف» قوله من قصيدة: أهذى كفّه أم غوث غيث ... ولا بلغ السحاب ولا كرامه وهذا بشره أم لمع برق ... ومن للبرق فينا بالإقامه وهذا الجيش أم صرف اللّيالى ... ولا سبقت حوادثها زحامه

стр. 1899

وهذا الدهر أم عبد لديه ... يصرّف عن عزيمته زمامه وهذا «١» نصل غمد أم هلال ... إذا أمسى كنون أم قلامه وهذا التّرب أم خدّ لثمنا ... فآثار الشّفاه عليه شامه ومنها وهو غير تجاهل العارف [ولكنّه من «٢» المرقص والمطرب] : وهذا الدرّ منثور ولكن ... أرونى غير أقلامى نظامه وهذى روضة تندى وسطرى ... بها غصن وقافيتى حمامه وهذا الكأس روّق من بنانى ... وذكرك كان من مسك ختامه وذكر أيضا فى «تجاهل العارف» قوله من قصيدة: أهذه سير فى المجد أم سور ... وهذه أنجم فى السعد أم غرر وأنمل أم بحار والسيوف لها ... موج وإفرندها فى لجّها درر وأنت فى الأرض أم فوق السماء وفى ... يمينك البحر أم فى وجهك القمر وفيها توفّى علىّ بن نصر بن عقيل المعروف بالهمام البغدادىّ العبدىّ الشاعر المشهور، قدم الشام ومدح الملك العادل، والملك الأمجد صاحب بعلبك. ومن شعره: وما الناس إلّا كامل الحظّ ناقص ... وآخر منهم ناقص الحظّ كامل وإنّى لمثر من حياء وعفّة ... وإن لم يكن عندى من المال طائل الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو جعفر أحمد ابن علىّ القرطبىّ المقرئ إمام الكلّاسة. وإسماعيل بن صالح بن يس بمصر فى ذى الحجّة. وأبو سعيد خليل بن أبى الرجاء الرّارانىّ «٣» الصوفىّ فى شهر ربيع الآخر،

стр. 1900

وله ست وتسعون سنة. والسلطان علاء الدين خوارزم شاه تكش بن خوارزم شاه أرسلان بن أتسز بن محمد فى رمضان بالخوانيق، وتملّك بعده ابنه علاء الدين محمد. والقاضى الفاضل أبو علىّ عبد الرحيم بن علىّ [بن محمد «١» ] بن حسن اللّخمىّ البيسانىّ «٢» الوزير فى شهر ربيع الآخر، وله سبع وستون سنة. وأبو الحسن عبد اللطيف بن إسماعيل ابن [أبى «٣» ] سعد الصّوفىّ فى ذى الحجّة بدمشق. وأبو الفرج عبد المنعم بن عبد الوهاب [بن سعد «٤» بن صدقة بن الحضر] بن كليب فى شهر ربيع الأول، وله ست وتسعون سنة وشهر. والأثير أبو الفضل «٥» محمد بن محمد بن بيان الأنبارىّ ثم المصرىّ الكاتب فى شهر ربيع الآخر. والعلّامة شهاب الدين محمد بن محمود الطّوسىّ بمصر. وأبو جعفر المبارك بن المبارك بن أحمد بن زريق الواسطىّ الحدّاد «٦» المقرئ. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم لم يذكر لقلّته. وكان مبلغ الزيادة فى هذه السنة اثنتى عشرة ذراعا وإحدى وعشرين إصبعا. وشرقت الأراضى، وعمّ البلاء والغلاء الديار المصريّة وأعمالها.

стр. 1901

ذكر ولاية الملك العادل على مصر هو السلطان الملك العادل سيف الدين أبو بكر محمد ابن الأمير أبى الشكر نجم الدين أيّوب بن شادى بن مروان الدّوينىّ التّكريتىّ ثم الدمشقىّ. وقد تقدّم ذكر نسبه وأصله فى ترجمة أخيه السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب. وقد ذكرنا أيضا من أحوال العادل هذا نبذة كبيرة فى ترجمة أخيه صلاح الدين المذكور، وأيضا فى ترجمة أولاده، ثم فى ترجمة حفيده الملك المنصور محمد ابن الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف، الذي خلعه العادل هذا وتسلطن مكانه فى العشرين من شوّال سنة ستّ وتسعين وخمسمائة. وقد تقدّم ذلك كلّه فى ترجمة المنصور محمد المخلوع عن السلطنة. ولا بدّ من ذكر شىء من أحوال العادل هنا على حدته، وإيراد قطعة جيّدة من أقوال الناس فى ترجمته- إن شاء الله تعالى-. قال الحافظ أبو عبد الله شمس الدين محمد الذهبىّ فى تاريخة: «ولد ببعلبكّ فى سنة أربع «١» وثلاثين، وأبوه نائب عليها للأتابك زنكى والد نور الدين محمود، وهو أصغر من أخيه صلاح الدين بسنتين؛ وقيل: ولد فى سنة ثمان «٢» وثلاثين؛ وقيل: ولد فى أوائل سنة أربعين. قال أبو شامة: توفّىّ الملك العادل سيف الدين أبو بكر محمد، وهو بكنيته أشهر. ومولده ببعلبكّ، وعاش ستّا وسبعين سنة. ونشأ فى خدمة نور الدين مع أبيه وإخوته؛ [وحضر «٣» مع أخيه صلاح الدين فتوحاته وقام أحسن قيام فى الهدنة مع الأنكلتير ملك الفرنج بعد أخذهم عكّا] ، وكان

стр. 1902

صلاح الدين يعوّل عليه كثيرا، واستنابه بمصر مدّة، ثم أعطاه حلب، ثم أخذها منه وأعطاها لولده الظاهر، وأعطاه الكرك عوضها، ثم حرّان» . انتهى كلام الذهبىّ. وقال الشيخ شمس الدين أحمد بن خلّكان- ﵀ فى وفيات الأعيان: «كان الملك العادل قد وصل إلى مصر صحبة أخيه وعمّه أسد الدين شيركوه المقدّم ذكره. وكان يقول: لمّا عزمنا على المسير إلى مصر احتجت الى چرمدان «١» فطلبته من والدى فأعطانى، وقال يا أبا بكر: إذا ملكتم مصر أعطونى ملأه ذهبا. فلمّا جاء إلى مصر، قال يا أبا بكر: [أين «٢» ] الجرمدان؟ فرحت وملأته له من الدّراهم السّود، وجعلت على أعلاها شيئا من الذهب وأحضرته إليه، فلمّا رآه اعتقده ذهبا، فقلبه فظهرت الفضّة السوداء، فقال يا أبا بكر: تعلمت زغل المصريّين! قال: ولمّا ملك السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب مصر كان ينوب عنه فى حال غيبته بالشام، ويستدعى منه الأموال للإنفاق فى الجند وغيرهم. قال: ورأيت فى بعض رسائل القاضى الفاضل أنّ الحمول تأخّرت مدّة فتقدّم السلطان صلاح الدين إلى العماد الأصبهانىّ أن يكتب إلى أخيه العادل يستحثّه على إنفاذها حتّى قال: يسير [لنا «٣» ] الحمل من مالنا أو من ماله! فلمّا وصل الكتاب إليه، ووقف على هذا الفصل شقّ عليه، وكتب إلى القاضى الفاضل يشكو من السلطان لأجل ذلك. فكتب القاضى الفاضل جوابه، وفى جملته: «وأمّا ما ذكره المولى من قوله: يسير لنا الحمل من مالنا أو من ماله، فتلك لفظة ما المقصود منها من الملك النّجعة، وإنّما المقصود من الكاتب السّجعة. وكم من لفظة فظّة، وكلمة فيها غلظة؛ حيّرت عيىّ الأقلام، فسدّت خلل الكلام. وعلى المملوك الضمان فى هذه

стр. 1903

النّكتة، وقد فات لسان القلم منها أىّ سكتة» . قال: ولمّا ملك السلطان (يعنى صلاح الدين) مدينة حلب فى صفر سنة تسع وسبعين وخمسمائة كما تقدّم ذكره، [أعطاها «١» لولده الملك الظاهر غازى ثم أخذها منه و] أعطاها للملك العادل فانتقل إليها [وقصد «٢» قلعتها يوم الجمعة الثانى والعشرين] من شهر رمضان من السنة المذكورة؛ ثم نزل عنها للملك الظاهر غازى ابن السلطان صلاح الدين؛ ثم أعطاه السلطان قلعة الكرك، وتنقّل فى الممالك فى حياة السلطان صلاح الدين وبعد وفاته. وقضاياه مشهورة مع الملك الأفضل والملك العزيز والملك المنصور فلا حاجة إلى الإطالة فى شرحها. وآخر الأمر أنّه استقلّ بملكة الديار المصريّة. وكان دخوله إلى القاهرة لثلاث عشرة ليلة خلت «٣» من شهر ربيع الآخر سنة ست وتسعين وخمسمائة، واستقرّت له القواعد. وقال أبو البركات بن المستوفى فى تاريخ إربل: فى ترجمة ضياء الدين أبى الفتح نصر الله المعروف بابن الأثير [الوزير «٤» ] الجزرىّ ما مثاله- وجدت بخطّه-: خطب للملك العادل أبى بكر بن أيّوب بالقاهرة ومصر يوم الجمعة الحادى والعشرين من شوّال سنة ست وتسعين وخمسمائة، وخطب له بحلب يوم الجمعة حادى عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين وخمسمائة- والله أعلم بالصواب- هذا ما ذكره ابن خلّكان وهو بخلاف ما ذكرناه من أنّه خطب «٥» له فى عاشر شهر رمضان من السنة، ويمكن الجمع بين القولين، لأنّنا قلنا فى شهر رمضان تخمينا، لأنّ الاتّفاق كان فى شهر رمضان، ولعلّ الخطبة كانت فى شوّال- انتهى. قال: «وملك مع ذلك البلاد الشاميّة والمشرقيّة، وصفت له الدنيا، ثم ملك بلاد اليمن فى سنة اثنتى عشرة وستمائة [و «٦» ] سيّر إليها ولد ولده الملك المسعود صلاح الدين

стр. 1904

أبا المظفر يوسف ابن الملك الكامل محمد الآتى ذكره. وكان ولده الملك الأوحد نجم الدين أيّوب ينوب عنه فى ميّافارقين وتلك النواحى، فاستولى «١» على مدينة خلاط و [بلاد «٢» ] أرمينية، واتّسعت مملكته، وذلك فى سنة أربع وستمائة. ولمّا تمهدت له البلاد قسمها بين أولاده، فأعطى الملك الكامل محمدا الديار المصريّة، وأعطى الملك المعظّم عيسى البلاد الشاميّة، وأعطى الملك الأشرف موسى البلاد الشرقية، والأوحد فى المواضع التى ذكرناها. وكان ملكا عظيما ذا رأى ومعرفة تأمّة قد حنّكته التجارب، حسن السّيرة جميل الطويّة وافر العقل، حازما فى الأمور صالحا محافظا على الصلوات فى أوقاتها، متتبّعا لأرباب السّنّة مائلا إلى العلماء. صنّف له فخر الدين «٣» الرازىّ «كتاب تأسيس التقديس» ، وذكر اسمه فى خطبته، وسيره إليه من بلاد خراسان. وبالجملة فإنّه كان رجلا مسعودا، ومن سعادته أنّه كان خلّف أولادا لم يخلّف أحد من الملوك أمثالهم؛ فى نجابتهم [وبسالتهم «٤» ] ومعرفتهم وعلوّ همّتهم، ودان لهم العباد وملكوا البلاد. ولمّا مدحه ابن عنين «٥» بقصيدته الرائية ذكر منها فى مديح أولاده المذكورين، فقال: وله البنون بكلّ أرض منهم ... ملك يقود إلى الأعادى عسكرا من كلّ وضّاح الجبين تخاله ... بدرا وإن شهد الوغى فغضنفرا

стр. 1905

متقدّم حتّى إذا النّقع انجلى ... بالبيض عن سبى الحريم تأخّرا قوم زكوا أصلا وطابوا محتدا ... وتدفّقوا جودا وراقوا منظرا قال ومن جملة هذه القصيدة فى مدح الملك العادل هذا قوله، ولقد أحسن فيها، [العادل «١» الملك الذي أسماؤه ... فى كلّ ناحية تشرّف منبرا] وبكلّ أرض جنّة من عدله الصّ ... افى أسال [نداه «٢» ] فيها كوثرا عدل يبيت الذئب منه على الطّوى ... غرثان وهو يرى الغزال الأعفرا ما فى أبى بكر لمعتقد الهدى ... شكّ مريب أنّه خير الورى سيف صقال المتن أخلص متنه ... وأبان طيب الأصل منه الجوهرا ما مدحه بالمستعار له ولا ... آيات سؤدده حديث يفترى بين الملوك الغابرين وبينه ... فى الفضل ما بين الثّريّا والثّرى نسخت خلائقه الحميدة ما أتى ... فى الكتب عن كسرى الملوك وقيصرا «٣» ملك إذا خفّت حلوم ذوى النّهى ... فى الرّوع زاد رصانة وتوقّرا ثبت الجنان تراع من وثباته ... وثباته يوم الوغى أسد الشّرى يقظ يكاد يقول عمّا فى غد ... ببديهة أغنته أن يتفكّرا حلم تخفّ له الحلوم وراءه ... رأى وعزم يخفر الإسكندرا يعفو عن الذنب العظيم تكرّما ... ويصدّ عن قيل الخنا متكبّرا لا تسمعنّ حديث ملك غيره ... يروى فكلّ الصّيد فى جوف الفرا قال: ولمّا قسم البلاد بين أولاده كان يتردّد بينهم، ويتنقّل من مملكة إلى أخرى، وكان يصيف بالشام لأجل الفواكه والمياه الباردة، ويشتّى بالديار المصريّة لاعتدال

стр. 1906

الوقت فيها وقلّة البرودة؛ وعاش فى أرغد عيش. وكان يأكل كثيرا خارجا عن المعتاد، حتّى يقال إنّه كان يأكل وحده خروفا لطيفا مشويّا، وكان له فى النكاح نصيب وافر. وحاصل الأمر أنّه كان ممتّعا فى دنياه. وكانت ولادته بدمشق فى المحرّم سنة أربعين؛ وقيل: ثمان وثلاثين وخمسمائة. قلت: وافق الذهبىّ فى مولده فى السنة، مع خلاف ذكره الذهبىّ فيه، وخالفه فى المكان الذي ولد فيه، فإنّ الذهبىّ قال: كانت ولادته ببعلبكّ كما تقدّم ذكره. قال: وتوفّى فى سابع جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وستمائة بعالقين. ونقل إلى دمشق، ودفن بالقلعة ثانى يوم وفاته، ثمّ نقل إلى مدرسته المعروفة به، ودفن بالتّربة التى بها؛ [وقبره «١» ] على الطريق يراه المجتاز من الشّبّاك المركّب هناك. وعالقين (بفتح العين المهملة وبعد الألف لام مكسورة وقاف مكسورة أيضا وياء مثناة من تحتها ساكنة وبعدها نون) وهى قرية بظاهر دمشق» . انتهى كلام ابن خلّكان- رحمه الله تعالى- بتمامه. وقال غيره: ولمّا افتتح ولده الكامل إقليم أرمينية فرح العادل فرحا شديدا، وسيّر أستاداره [شمس الدين «٢» ] إيلدكز وقاضى العسكر نجم الدين خليل إلى الخليفة يطلب التقليد بمصر والشام وخلاط وبلاد الجزيرة، فأكرمهما الخليفة وأرسل إليه الشيخ شهاب الدين أبا حفص عمر بن محمد السّهروردىّ بالتشريف، ومرّ بحلب ووعظ بها؛ واحترمه الظاهر غازى صاحب حلب، وبعث معه بهاء الدّين ابن شدّاد بثلاثة آلاف دينار لينثرها على عمّه العادل، إذا لبس خلعة الخليفة. ولمّا وصل السّهروردىّ إلى دمشق «٣» فرح العادل وتلقّاه من القصير «٤» ، وكان يوما مشهودا،

стр. 1907

ثمّ من الغد أفيضت عليه الخلع؛ وهى: جبّة سوداء بطراز ذهب، وعمامة سوداء بطراز ذهب، وطوق ذهب فيه جوهر، وقلّد سيفا محلّى جميع قرابه بالذهب، وحصان أشهب بمركب ذهب، وعلم أسود مكتوب فيه بالبياض ألقاب الناصر لدين الله. ثمّ خلع السّهروردىّ على ولدى العادل: المعظّم عيسى والأشرف موسى، لكلّ واحد عمامة سوداء، وثوبا أسود واسع الكمّ؛ وخلع على الصاحب ابن شكر كذلك. ونثر الذهب على رأس العادل من رسل صاحب حلب وحماة وحمص وغيرهم. وركب الأربعة (أعنى العادل وولديه وابن شكر الوزير) بالخلع، ثمّ عادوا إلى القلعة؛ وقرأ ابن شكر التقليد على كرسىّ، وخوطب العادل: بشاهنشاه «١» ملك الملوك خليل أمير المؤمنين. ثمّ قدم السّهروردىّ إلى مصر وخلع على الملك الكامل بن العادل. وهو يوم ذاك صاحب مصر نيابة عن أبيه العادل كما تقدّم ذكره. وقال الموفّق «٢» عبد اللّطيف فى سيرة الملك العادل: «كان أصغر الإخوة وأطولهم عمرا وأعمقهم فكرا وأبصرهم فى العواقب وأشدّهم إمساكا وأحبّهم للدرهم؛ وكان فيه حلم «٣» وأناة وصبر على الشدائد، وكان سعيد الجدّ عالى الكعب مظفّرا بالأعداء من قبل السماء، وكان نهمّا أكولا يحبّ الطعام واختلاف ألوانه، وكان أكثر أكله باللّيل كالخيل، وله عند ما ينام رضيع، ويأكل رطلا بالدّمشقىّ خبيص السّكّر، يجعل هذا كالجوارش «٤» ؛ وكان كثير الصلاة ويصوم الخميس؛ وله صدقات فى كثير من الأوقات، وخاصّة عندما تنزل به الآفات، وكان كريما على الطعام يحب من يؤاكله، وكان قليل الأمراض. قال لى طبيبه بمصر: إنّى آكل خير هذا السلطان

стр. 1908

سنين كثيرة ولم يحتج إلىّ سوى يوم واحد، أحضر إليه من البطّيخ أربعون حملا فكسر الجميع بيده، وبالغ فى الأكل منه ومن الفواكه والأطعمة، فعرض له تخمة فأصبح، فأشرت عليه بشرب الماء الحارّ، وأن يركب طويلا ففعل، وآخر النهار تعشّى وعاد إلى صحّته. وكان نكّاحا يكثر من اقتناء السّرارىّ، وكان غيورا لا يدخل فى داره خصىّ إلّا دون البلوغ، وكان يحبّ أن يطبخ لنفسه مع أنّ فى كلّ دار من دور حظاياه مطبخا [دائرا «١» ] ، وكان عفيف الفرج لا يعرف له نظر إلى غير حلائله. نجب له أولاد من الذكور والإناث، سلطن الذكور وزوّج البنات بملوك الأطراف. وكان العادل قد أوقع الله تعالى بغضته فى قلوب رعاياه، والمخامرة عليه فى قلوب جنده؛ وعملوا فى قتله أصنافا من الحيل الدقيقة مرّات كثيرة، وعند ما يقال إنّ الحيلة تمّت تنفسخ وتنكشف وتحسم موادّها، ولولا أولاده يتولّون بلاده لما ثبت ملكه؛ بخلاف أخيه صلاح الدين فإنّه إنّما «٢» حفظ ملكه بالمحبّة له وحسن الطاعة، ولم يكن- ﵀ بالمنزلة المكروهة؛ وإنّما كان الناس قد ألفوا دولة صلاح الدين وأولاده، فتغيرت عليهم العادة دفعة واحدة. ثم إن وزيره ابن شكر بالغ فى الظّلم. قال: وكان العادل يواظب على خدمة أخيه صلاح الدين، يكون أوّل داخل وآخر خارج، وبهذا جلبه، وكان يشاوره فى أمور الدولة، لما جرّب من نفوذ رأيه. ولمّا تسلطن الأفضل بدمشق والعزيز بمصر قصد العزيز دمشق، ووقع له ما حكيناه إلى أن ملكها. قال: ثم أخذ العادل يدبّر الحيلة حتى يستنيبه «٣» العزيز على مصر، ويقيم العزيز بدمشق، ففطن بعض أصحاب العزيز فرمى قلنسوتا

стр. 1909

بين يديه، وقال: ألم يكفك أنّك أعطيته دمشق حتّى تعطيه مصر! فنهض العزيز لوقته على غرّة ولحق بمصر. قال الموفّق: ومات الملك الظاهر غازى قبله بسنتين فلم يتهنّ العادل بالملك من بعده، وكان كلّ واحد منهما ينتظر موت الآخر، فلم يصف للعادل العيش بعد موته، لأمراض لزمته بعد طول الصّحّة، والخوف من الفرنج بعد طول الأمن. وخرجوا (يعنى الفرنج) إلى عكّا وتجمّعوا على الغور «١» ، فنزل العادل قبالتهم على بيسان «٢» ، وخفى عليه أن ينزل على عقبة أفيق «٣» ، وكانوا قد هدموا قلعة كوكب، وكانت ظهرهم، ولم يقبل من الجواسيس ما أخبروه بما عزم عليه الفرنج من الغارة، فاغترّ بما عوّدته المقادير من طول السلامة، فغشيت الفرنج عسكره على غرّة، وكان قد آوى إليه خلق من البلاد يعتصمون به، فركب مجدّا؛ وماج الفرنج فى أثره حتّى وصل دمشق على شفا وهمّ؛ فدخل إليها فمنعه المعتمد وشجّعه، وقال له: المصلحة أن تقيم بظاهر دمشق. وأمّا الفرنج فاعتقدوا أنّ هزيمته مكيدة فرجعوا من قرب دمشق بعد ما عاثوا فى البلاد قتلا وأسرا وعادوا إلى بلادهم، وقصدوا دمياط فى البحر فنازلوها. وكان قد عرض له قبل ذلك ضعف وصار يعتريه ورم الأنثيين. فلمّا هزّته «٤» الحيل على خلاف العادة ودخله الرّعب، لم يبق إلّا مدّة يسيرة ومات بظاهر دمشق. وكان مع حرصه يهين المال عند الشدائد غاية الإهانة ببذله. وشرع فى بناء قلعة

стр. 1910

دمشق فقسم أرضها على أمرائه وأولاده، وكان الحفّارون يحفرون الخندق ويقطعون الحجارة، فخرج من تحته خرزة بئر فيها ماء معين. قال: ودعا مرة فقال: اللهمّ حاسبنى حسابا يسيرا؛ فقال له رجل ماجن من خواصّة: يا مولانا، إنّ الله قد يسّر حسابك؛ قال: ويلك! وكيف ذلك؟ قال: إذا حاسبك قل له: المال كلّه فى قلعة جعبر لم أفرّط فيه فى قليل ولا كثير. وكانت خزائنه بالكرك ثمّ نقلها إلى قلعة جعبر وبها ولده الملك الحافظ، فسوّل له بعض أصحابه الطمع فيها، فأتاها الملك العادل ونقل ما فيها إلى قلعة دمشق، فحصلت فى قبضة ولده الملك المعظّم عيسى، فلم ينازعه فيها إخوته؛ وقيل: إنّ الذي سوّل للحافظ الطمع والعصيان هو المعظّم ففعل ذلك الحافظ، وكانت مكيدة من المعظّم حتّى رجع إليه المال» . انتهى كلام الموفّق باختصار. وقال أبو المظفّر شمس الدين يوسف بن قزاوغلى فى تاريخه: «سألته عن مولده فقال: فتوح الرّها (يعنى سنة تسع وثلاثين وخمسمائة) - وهذا نقل آخر فى مولده- قال: وقد ذكرنا أحواله «١» فى السنين إلى أن استقرّ له الملك وامتدّ من بلاد الكرخ «٢» إلى همذان والجزيرة والشام ومصر والحجاز ومكّة والمدينة واليمن إلى حضر موت، وكان ثبتا خليقا بالملك حسن «٣» التدبير، حليما صفوحا مدبّرا للملك على وجه الرضا، عادلا مجاهدا دينا عفيفا متصدّقا، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، طهّر جميع ولاياته من الخمور والخواطىء والقمار والمكوس والمظالم. وكان الحاصل من هذه الجهات بدمشق على الخصوص مائة ألف دينار، فأبطل الجميع لله تعالى.

стр. 1911

وكان واليه على دمشق المبارز والمعتمد «١» ، أعانه المبارز على ذلك، أقام رجالا على عقاب قاسيون «٢» وجبل الثّلج وحوالى دمشق بالجامكيّة «٣» والجراية يحرمون أحدا يدخل دمشق بمنكر. بلغنى أنّ بعض المغانى دخلت على العادل فى عرس فقال لها: أين كنت؟ فقالت: ما قدرت أجىء حتّى وفيت ما علىّ للضامن. فقال: وأىّ ضامن؟ قالت ضامن القيان، فقامت عليه القيامة، وطلب المعتمد [وعمل «٤» به ما لا يليق] ، وقال: والله لئن عاد بلغنى مثل هذا لأفعلنّ ولأصنعنّ. ولقد فعل العادل فى غلاء مصر عقيب موت العزيز ما لم يفعله غيره؛ كان يخرج فى الليل بنفسه ويفرّق الأموال فى ذوى البيوتات والمساكين، وكفّن تلك الأيام من ماله ثلثمائة ألف من الغرباء، وكان إذا مرض أو تشوّش مزاجه خلع جميع ما عليه وباعه حتى فرسه وتصدّق به. قال أبو المظفّر: وقد ذكرنا وصول شيخ الشيوخ إليه بخبر برج دمياط «٥» ، وأنّه انزعج وأقام مريضا إلى يوم الجمعة سابع أو ثامن جمادى الآخرة وتوفّى بعالقين. وكان المعظّم قد كسر الفرنج على القيمون «٦» يوم الخميس خامس جمادى الآخرة، وقيل يوم الأربعاء. ولمّا توفّى العادل لم يعلم بموته غير كريم الدّين الخلاطىّ، فأرسل الطير إلى نابلس إلى المعظم، فجاء يوم السبت إلى عالقين فاحتاط على الخزائن،

стр. 1912

وصبّر العادل وجعله فى محفّة وعنده خادم يروّح عليه وقد رفع طرف سجافها وأظهر أنّه مريض، ودخلوا به دمشق يوم الأحد والناس يسلّمون على الخادم، وهو يومئ إلى ناحية العادل ويردّ السلام؛ ودخلوا به القلعة وكتموا موته؛ و [من «١» العجائب أنهم] طلبوا له كفنا فلم يقدروا عليه، فأخذوا عمامة الفقيه ابن فارس فكفّنوه بها، وأخرجوا قطنا من مخدّة فلفّوه به، وصلّى عليه [وزيره «٢» ] ابن فارس ودفنوه فى القلعة. قال أبو المظفّر: وكنت قاعدا إلى جانب المعظّم عند باب الدار التى فيها الإيوان وهو واجم ولم أعلم بحاله؛ فلمّا دفن أبوه قام قائما وشقّ ثيابه ولطم رأسه ووجهه، وكان يوما عظيما، وعمل له العزاء ثلاثة أيام بالإيوان الشمالى، وعمل له العزاء فى الدنيا كلّها، ونودى ببغداد من أراد الصلاة على الملك العادل الغازى المجاهد فى سبيل الله فليحضر إلى جامع القصر، فحضر الناس ولم يتخلّف سوى الخليفة، وصلّوا عليه صلاة الغائب وترحّموا عليه، وتقدّموا إلى خطباء الجوامع بأسرهم، ففعلوا ذلك بعد صلاة الجمعة. وبقى العادل بالقلعة إلى سنة تسع عشرة وستمائة، [ثم] نقل إلى تربته التى أنشأها عند دار العقيقىّ «٣» ومدرسته. - قلت: لا أعلم ما كان السبب فى عدم وجود الكفن القطن للملك العادل مع همة ولده الملك المعظّم عيسى وأخذه من عالقين ميتا فى محفّة ولم يفطن به أحد. وهذا أعظم وأكثر كلفة وأصعب من شراء ثوب بعلبكّىّ، وما يحتاج إليه الميت من الحنوط والقطن وغيره فلعلّ لها «٤» عذرا وأنت تلوم-.

стр. 1913

قال: وكان له عدّة أولاد: منهم شمس الدين مودود «١» والد الملك الجواد [يونس «٢» ] . والكامل «٣» محمد. والأشرف «٤» موسى. والمعظّم «٥» عيسى. والأوحد «٦» أيّوب. والفائز إبراهيم [ويلقّب «٧» بسابق الدين] . وشهاب «٨» الدّين غازى. والعزيز «٩» عثمان. والأمجد «١٠» حسن. والحافظ «١١» أرسلان. والصالح «١٢» إسماعيل. والمغيث «١٣» عمر. ومجير «١٤» الدين يعقوب. وتقىّ «١٥» الدين عبّاس. وقطب «١٦» الدين أحمد. والقاهر «١٧» إسحاق. وخليل «١٨» أصغرهم «١٩» .

стр. 1914

وكان له عدّة بنات أفضلهنّ صفيّة خاتون صاحبة حلب أم الملك العزيز «١» » . انتهت ترجمة الملك العادل- رحمه الله تعالى-. ولمّا مات العادل استقرّ كلّ واحد من أولاده فى مملكته، فإنه كان قسم ممالكه فى أولاده حسب ما تقدّم ذكر ذلك كلّه فى صدر هذه الترجمة، فالذى كان بمصر الملك الكامل محمد، وبالشام المعظّم عيسى، وبالشرق الأشرف شاه أرمن، وباقى أولاده كلّ واحد فى مملكة، أو فى خدمة أخ من إخوته. انتهى. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٩٧] السنة الأولى من ولاية الملك العادل أبى بكر بن أيّوب على مصر، وهى سنة سبع وتسعين وخمسمائة. فيها كان هبوط النيل، ولم يعهد ذلك فى الإسلام إلّا مرّة واحدة فى دولة الفاطميّين، ولم يبق منه إلّا شىء يسير؛ واشتدّ الغلاء والوباء بمصر، فهرب الناس إلى المغرب والحجاز واليمن والشام وتفرّقوا وتمزّقوا كلّ ممزّق. قال أبو المظفّر: «كان الرجل يذبح ولده الصغير وتساعده أمّه على طبخه وشيّه؛ وأحرق السلطان جماعة فعلوا ذلك ولم ينتهوا. وكان الرجل يدعو صديقه وأحبّ الناس إليه إلى منزله ليضيفه فيذبحه ويأكله، وفعلوا بالأطبّاء كذلك، [فكانوا «٢» يدعونهم ليبصروا المرضى فيقتلونهم ويأكلونهم] وفقدت الميتات والجيف [من كثرة «٣» ما أكلوها] . وكانوا يختطفون الصّبيان من الشوارع فيأكلونهم. وكفّن السلطان فى مدّة يسيرة مائتى ألف وعشرين ألفا؛ وامتلأت طرقات المغرب والمشرق والحجاز

стр. 1915

والشام برمم الناس، وصلّى إمام جامع الإسكندريّة فى يوم على سبعمائة جنازة. وقال العماد الكاتب الأصبهانىّ: « [و «١» ] فى سنة سبع وتسعين وخمسمائة: اشتدّ الغلاء، وامتدّ البلاء؛ وتحقّقت المجاعة، وتفرّقت الجماعة؛ وهلك القوىّ فكيف الضعيف! ونحف السمين فكيف العجيف! وخرج الناس حذر الموت من الديار، وتفرّق فريق مصر فى الأمصار؛ ولقد رأيت الأرامل على الرمال، والجمال باركة تحت الأحمال، ومراكب الفرنج واقفة بساحل البحر على اللّقم «٢» ، تسترقّ الجياع باللّقم» . انتهى. قال: وجاءت [فى شعبان «٣» ] زلزلة هائلة من الصّعيد هدمت بنيان مصر، فمات تحت الهدم خلق كثير، ثم امتدّت إلى الشام والساحل فهدمت مدينة نابلس، فلم تبق فيها جدارا قائما إلّا حارة السّمرة «٤» ؛ ومات تحت الهدم ثلاثون ألفا، وهدمت عكّا وصور وجميع قلاع الساحل؛ وامتدّت إلى دمشق فرمت بعض المنارة الشرقيّة بجامع دمشق، وأكثر الكلّاسة والبيمارستان النّورىّ، وعامّة دور دمشق إلّا القليل؛ فهرب الناس إلى الميادين، وسقط من الجامع ستّ عشرة شرفة، وتشقّقت قبّة النّسر «٥» » . انتهى كلام صاحب المرآة باختصار، فإنّه أمعن وذكر أشياء مهولة من هذا النّموذج. وفيها توفّى عبد الرحمن بن علىّ بن محمد بن علىّ بن عبيد الله بن عبد الله بن حمّادى ابن أحمد بن محمد بن جعفر الجوزىّ بن عبد الله بن القاسم بن النضر بن القاسم

стр. 1916

ابن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق عبد الله ابن أبى قحافة، الشيخ الإمام الحافظ الواعظ المفسّر العلّامة جمال الدين أبو الفرج القرشى «١» التّيمى البكرىّ البغدادىّ الحنبلىّ المعروف بابن الجوزىّ «٢» ؛ صاحب التصانيف المشهورة فى أنواع العلوم: كالتفسير والحديث والفقه والوعظ والزّهد والتاريخ والطبّ وغير ذلك. مولده ببغداد سنة عشر وخمسمائة تقريبا بدرب حبيب. وتوفى أبوه وله ثلاث سنين. قلت: وفضل الشيخ جمال الدين وحفظه وغزير علمه أشهر من أن يذكر هنا، والمقصود أنّ وفاته كانت فى ليلة الجمعة بين العشاءين فى داره «٣» بقطفتا» ودفن من الغد، وكانت جنازته مشهودة، وكثر أسف الناس عليه، ولم يخلّف بعده مثله. قال ابن خلّكان: «وبالجملة فكتبه أكثر من أن تعدّ، وكتب بخطّه كثيرا، والناس يغالون فى ذلك حتّى يقولوا إنّه جمعت الكراريس الّتى كتبها، وحسبت مدّة عمره وقسمت الكراريس على المدّة، فكان ما خصّ كلّ يوم تسع كراريس؛ وهذا شىء عظيم لا يكاد يقبله العقل. ويقال: إنّه جمعت براية أقلامه التى كتب بها حديث رسول الله ﷺ فحصل منها شىء كثير، وأوصى أن يسخّن بها الماء الذي يغسل به بعد موته ففعل ذلك [فكفت «٥» ] » . انتهى كلام ابن خلّكان باختصار.

стр. 1917

ومن شعره: يا صاحبى إن كنت لى أو معى ... فعج إلى وادى الحمى «١» نرتع وسل عن الوادى وسكّانه ... وانشد فؤادى فى ربا المجمع حىّ كثيب الرّمل رمل الحمى ... وقف وسلّم لى على لعلع «٢» واسمع حديثا قد روته الصّبا ... تسنده عن بانة الأجرع وابك فما فى العين من فضلة ... ونب فدتك النفس عن مدمعى وله: رأيت خيال الظّلّ أعظم عبرة ... لمن كان فى أوج الحقيقة راق شخوص وأشكال تمرّ وتنقضى ... وتفنى جميعا والمحرّك باق وفيها توفّى الأمير بهاء الدين قراقوش «٣» [بن عبد الله «٤» ] الأسدىّ الخادم الخصىّ المنسوب إليه حارة «٥» بهاء الدّين بالقاهرة داخل باب الفتوح، وهو الذي بنى قلعة «٦» الجبل بالقاهرة، والسّور [على «٧» مصر والقاهرة]

стр. 1918

والقنطرة «١» التى عند الأهرام وغير ذلك؛ وكان من أكابر الخدّام، من خدّام القصر، وقيل إنّ أصله من خدّام العاضد، وقيل إنّه من خدّام أسد الدين شيركوه وهو الأصحّ. واتّصل بخدمة السلطان صلاح الدين، وكان صلاح الدّين يثق به ويعوّل

стр. 1919

عليه فى مهمّاته. ولمّا افتتح عكّا من الفرنج سلّمها إليه؛ ثم لمّا استولوا عليها أخذ أسيرا، ففداه صلاح الدين بعشرة آلاف دينار؛ وقيل: بستين ألف دينار. قال ابن خلّكان: «والناس ينسبون إليه أحكاما عجيبة فى ولايته نيابة مصر عن صلاح الدين، حتّى إنّ الأسعد «١» بن ممّاتى له فيه كتاب لطيف سماه: «الفاشوش فى أحكام قراقوش» . وفيه أشياء يبعد وقوع مثلها منه، والظاهر أنّها موضوعة؛ فإنّ صلاح الدين كان يعتمد فى أحوال المملكة عليه، ولولا وثوقه بمعرفته وكفايته ما فوّضها إليه. وكانت وفاته فى مستهلّ رجب» . وفيها توفّى محمد بن محمد بن حامد بن محمد بن عبد الله بن علىّ بن محمود بن هبة الله أبو عبد الله الإمام العلّامة عماد الدّين الأصبهانىّ المنشئ المعروف بالعماد الكاتب، وبآبن أخى العزيز. ولد بأصبهان سنة تسع عشرة وخمسمائة وبها نشأ. وقدم بغداد مع أبيه وبها تفقّه، واشتغل بالأدب وبرع فى الإنشاء، وخدم الوزير يحيى [بن محمد «٢» ] بن هبيرة، وكان أحد كتّابه. ثم قدم دمشق أيّام نور الدين الشهيد واتّصل به وخدمه. وكان فاضلا حافظا لدواوين العرب، وله عدّة مصنّفات، منها: «خريدة القصر فى شعراء «٣» العصر» وغير ذلك وكان القاضى الفاضل يقول: العماد الكاتب. كالزناد الوقّاد (يعنى أنّ النّار فى باطنه كامنة، وظاهره فيه فترة) . وكانت وفاة العماد بدمشق فى يوم الاثنين غرّة شهر رمضان. ودفن عند مقابر الصوفية

стр. 1920

عند المنيبع «١» . وقيل إنّ العماد اجتمع بالقاضى الفاضل يوما فى موكب السلطان فسارا جميعا، وقد انتشر الغبار لكثرة الفرسان ما سدّ الفضاء فتعجّبا من ذلك، فأنشد العماد فى الحال: أمّا الغبار فإنّه ... ممّا أثارته السّنابك والجوّ منه مظلم ... لكن أنار به السّنابك يا دهر لى عبد الرح ... يم فلست أخشى مسّ نابك ومن شعره: دار غير اللّبيب إن كنت ذا لبّ ... ولا طفه حين يأتى بحذق فأخو السّكر لا يخاطبه الصّا ... حى إلى أن يفيق إلّا برفق وفيها توفّى محمد «٢» بن المبارك بن محمد الطّهير أبو غالب المصرىّ، كان فاضلا أديبا. ولد سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة؛ ومن شعره- رحمه الله تعالى- قوله: تقنّع بالقليل وعش عزيزا ... خفيف الظّهر من كلف وإثم وإلّا هىّ نفسك للبلايا ... وهمّ وارد فى إثر همّ الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفى القاضى أبو المكارم أحمد بن محمد بن محمد التّميمىّ «٣» الأصبهانىّ المعروف بابن اللّبان العدل فى ذى الحجّة.

стр. 1921

ومفيد بغداد تميم بن أحمد البندنيجىّ «١» فى جمادى الآخرة، أدرك ابن الزّاغونىّ «٢» . والإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن علىّ بن الجوزىّ، وقد ناهز التسعين. وأبو محمد عبد المنعم ابن محمد المالكىّ فقيه الأندلس. والأمير بهاء الدين قراقوش الأسدىّ الخادم الأبيض. ومحمد بن أبى زيد الكرّانىّ «٣» الخبّاز بأصبهان فى شوّال، وقد كمّل المائة. والعماد الكاتب العلّامة محمد بن محمد بن حامد الأصبهانىّ فى [شهر] رمضان، وله سبع وسبعون سنة. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ذراعان سواء. مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا وستّ عشرة إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٩٨] السنة الثانية من ولاية الملك العادل أبى بكر بن أيّوب على مصر، وهى سنة ثمان وتسعين وخمسمائة. فيها برز العادل المذكور من ديار مصر طالبا حلب، وكان الملك الأفضل بحمص عند شيركوه، فجاء إلى العادل فأكرمه العادل وعوّضه عن ميّافارقين سميساط «٤» وسروج «٥» ، ثم سار العادل ونزل على حماة، وصالحه الملك الظاهر صاحب حلب، وعاد الملك العادل إلى حمص.

стр. 1922

وفيها توفّى عبد الملك بن زيد بن يس التّغلبىّ الدّولعىّ خطيب دمشق؛ والدّولعيّة: قرية من قرى الموصل. قدم دمشق واستوطنها وصار خطيبها، ودرّس بالزاوية «١» الغربيّة من جامع دمشق؛ وكان منزّها حسن الأثر حميد الطريقة. مات فى شهر ربيع الأوّل. وفيها توفّى هبة الله بن الحسن بن المظفّر الهمذانىّ، محدّث ابن محدّث ابن محدّث. كانت وفاته بباب المراتب «٢» ببغداد فى المحرّم. قال أبو المظفّر أنشدنا لغيره: إذا الفتى ذمّ عيشا فى شبيبته ... فما يقول إذا عصر الشباب مضى وقد تعوّضت عن كلّ بمشبهه ... فما وجدت لأيّام الصّبا عوضا الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى الملك المعزّ إسماعيل ابن سيف الإسلام [طغتكين «٣» ] صاحب اليمن. وأبو طاهر بركات بن إبراهيم الخشوعىّ. والمحدّث حمّاد بن هبة الله الحرّانىّ التاجر فى ذى الحجّة. وعبد الله [بن أحمد «٤» ] بن أبى المجد الحربىّ الإسكاف فى المحرّم بالموصل. وزين القضاة أبو بكر عبد الرحمن بن سلطان ابن يحيى القرشىّ الزّكوىّ «٥» فى ذى الحجّة، سمع من جدّه. وأبو الحسن عبد الرحيم ابن أبى القاسم [عبد الرحمن «٦» ] الشّعرى، أخو زينب «٧» فى المحرّم. وخطيب دمشق الضّياء عبد الملك بن زيد بن يس الدّولعىّ فى شهر ربيع الأول، وله إحدى وتسعون سنة. وقاضى القضاة محيى الدين أبو المعالى محمد ابن القاضى الزّكى علىّ بن محمد القرشىّ «٨» ،

стр. 1923

وله ثمان وأربعون سنة، توفّى فى شعبان. وأبو القاسم «١» هبة الله بن علىّ بن مسعود الأنصارىّ البوصيرىّ فى صفر، وله اثنتان وتسعون سنة. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ذراع واحدة وأربع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا وثلاث وعشرون إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٥٩٩] السنة الثالثة من ولاية الملك العادل أبى بكر بن أيّوب على مصر، وهى سنة تسع وتسعين وخمسمائة. فيها فى ليلة السبت سلخ المحرّم ماجت النجوم فى السماء شرقا وغربا، وتطايرت كالجراد المنتشر يمينا وشمالا؛ ولم ير هذا إلّا عند مبعث النبي ﷺ ؛ وفى سنة إحدى وأربعين ومائتين، وكانت هذه السنة أعظم. وفيها توفّى إبراهيم بن أحمد «٢» بن محمد أبو إسحاق الموفّق الفقيه بن الصّقال الحنبلى. ولد سنة خمس وعشرين وخمسمائة. وتفقّه على أبى يعلى «٣» الفرّاء، وسمع الحديث الكثير، وكان شيخا ظريفا صالحا زاهدا. مات فى ذى الحجّة، ودفن بباب حرب ببغداد. وفيها توفّيت زمرّد خاتون امّ الخليفة الناصر لدين الله العباسىّ ببغداد. كانت صالحة كثيرة البرّ والصدقات، وحجّت مرّة فأنفقت ثلثمائة ألف دينار، وكان معها نحو ألفى جمل، وتصدّقت على أهل الحرمين، وأصلحت البرك والمصانع؛ وعمرّت التّربة عند قبر معروف الكرخىّ والمدرسة إلى جانبها. وماتت فى جمادى الأولى.

стр. 1924

وفيها توفّى علىّ بن الحسن بن إسماعيل أبو الحسن [العبدىّ «١» ] من عبد القيس، كان فاضلا بارعا فى الأذب وغيره، وله شعر جيّد؛ من ذلك قوله- رحمه الله تعالى-: لا تسلك الطّرق إذا أخطرت ... لو أنها تفضى إلى المملكه قد أنزل الله تعالى ولا ... تلقوا بأيديكم إلى التّهلكه وفيها توفّى القاسم بن يحيى بن عبد الله بن القاسم أبو الفضائل ضياء الدين الشّهرزورىّ، وهو ابن أخى القاضى كمال الدين [محمد «٢» ] الشّهرزورىّ. كان فقيها فاضلا جوادا كريما أديبا شاعرا. ومن شعره أوّل قصيدة: فى كلّ يوم ترى للبين آثار ... وماله فى التئام الشّمل آثار يسطو علينا بتفريق فواعجبا ... هل كان للبين فيما بيننا ثار وفيها توفّى «٣» يحيى بن طاهر بن محمد أبو زكرياء الواعظ، ويعرف بابن النجار البغدادىّ. كان فاضلا فصيحا. وكان ينشد فى مجلسه- رحمه الله تعالى- عاشر من الناس من تبقى مودّته ... فأكثر الناس جمع غير مؤتلف منهم صديق بلا قاف ومعرفة ... بغير فاء وإخوان بلا ألف الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى السنة، قال: وفيها توفّى أبو القاسم عبد الرحمن ابن مكّىّ بن حمزة بن «٤» موقا الأنصارىّ الإسكندرانىّ التاجر فى شهر ربيع الآخر، وله أربع وتسعون سنة. وزين الدين أبو الحسن علىّ بن إبراهيم بن نجا «٥» الدمشقىّ

стр. 1925

الحنبلىّ الواعظ بمصر فى رمضان، وله إحدى وتسعون سنة. وأبو الحسن علىّ بن حمزة بن علىّ بن طلحة البغدادىّ الكاتب بمصر فى شعبان. وسلطان غزنة غياث «١» الدين. وقاضى القضاة ضياء الدين القاسم بن يحيى بن عبد الله بن القاسم الشّهرزورى [أبو الفضائل «٢» ] الشافعىّ، وله خمس وستون سنة، ولى القضاء بدمشق بعد عمّه «٣» ، ثم استعفى لأمر ما، ثمّ بعد مدّة ولى قضاء العراق، ثم استعفى وخاف [العواقب «٤» ] ثمّ سكن حماة؛ وولى قضاءها؛ وبها مات فى رجب. والزاهد أبو عبد الله محمد بن أحمد القرشىّ الهاشمىّ الأندلسىّ ببيت المقدس. والشهاب أبو الفضل محمد بن يوسف الغزنوىّ الحنفىّ المقرئ بمصر. وأبو طاهر المبارك بن المبارك [بن هبة الله «٥» ] ابن المعطوش فى جمادى الأولى عن اثنتين وتسعين سنة ببغداد. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ذراعان وست وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٦٠٠] السنة الرابعة من ولاية الملك العادل أبى بكر بن أيّوب على مصر، وهى سنة ستمائة. فيها وصل إلى بغداد أبو الفتح «٦» بن أبى نصر الغزنوىّ رسولا من صاحب غزنة وجلس بباب بدر «٧» ، وقال: هنيئا لكم يأهل بغداد، أنتم تحظون بأمير المؤمنين، ونحن محرومون! وأنشد- ﵀:

стр. 1926

ألا قل لسكّان وادى العقيق ... هنيئا لكم [فى «١» ] الجنان الخلود أفيضوا علينا من الماء فيضا ... فنحن عطاش وأنتم ورود وفيها توفّى الحافظ عبد الغنىّ بن عبد الواحد [بن «٢» علىّ] بن سرور أبو محمد المقدسىّ. ولد بجمّاعيل، وهى قرية من أعمال نابلس فى شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وكان أكبر من الشيخ موفّق «٣» الدين بأربعة أشهر [وهما «٤» ابنا خالة] وكان إماما حافظا متقنا مصنّفا ثقة، سمع الكثير ورحل إلى البلاد وكتب الكثير، وهو أحد أكابر أهل الحديث وأعيان حفّاظهم، ووقع له محن ذكرها صاحب مرآة الزمان، ونجّاه الله منها. ومات فى يوم الاثنين ثالث عشرين شهر ربيع الأوّل، ودفن بالقرافة «٥» عند الشيخ أبى عمرو بن مرزوق، وكان إماما عابدا زاهدا ورعا. قال تاج الدين الكندىّ: هو أعلم من الدّارقطنىّ «٦» والحافظ أبى «٧» موسى. قال أبو المظفّر: وفى هذه السنة سافرت من بغداد إلى الشام، وهى أوّل رحلتى، فاجتزت بدقوقا «٨» وجلست بها (يعنى للموعظة) ثم قدمت إربل واجتمعت بمحيى الدين الساعاتىّ «٩» ، وأنشدنى مقطعات لغيره. منها- ﵀:

стр. 1927

رحمت أسود هذا الخال حين بدا ... فى جمرة الخدّ مرميّا بأبصار كأنّه بعض عبّاد المجوس وقد ... ألقى بمهجته فى لجّة النار الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى منتخب «١» الدين أبو الفتح «٢» أسعد بن أبى الفضائل محمود بن خلف العجلىّ الأصبهانىّ شيخ الشافعيّة ببلده فى صفر، وله خمس وثمانون سنة. وأبو سعد عبد الله بن عمر بن أحمد النيسابورىّ الصفّار فى رمضان، وله اثنتان وتسعون سنة. والحافظ تقىّ الدين عبد الغنى بن عبد الواحد بن علىّ الجمّاعيلىّ المقدسىّ فى شهر ربيع الأوّل، وله تسع وخمسون سنة. وفاطمة بنت سعد الخير الأنصاريّة فى شهر ربيع الأوّل، ولها ثمان وسبعون سنة. وبهاء الدين أبو محمد القاسم ابن الحافظ علىّ بن الحسن بن هبة الله ابن عساكر فى صفر، وله ثلاث وسبعون سنة. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وست أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وإحدى وعشرون إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٦٠١] السنة الخامسة من ولاية الملك العادل أبى بكر بن أيّوب على مصر، وهى سنة إحدى وستمائة. فيها جاءت الفرنج حماة بغتة وأخذوا النساء الغسّالات من باب البلد على العاصى «٣» ، وخرج إليهم الملك المنصور «٤» بن تقىّ الدين وقاتلهم وثبت وأبلى بلاء حسناء

стр. 1928

وكسر الفرنج عسكره، فوقف على الساقة «١» ، ولولا وقوفه ما أبقوا من المسلمين أحدا. وفيها حجّ بالناس من العراق وجه السبع، ومن الشام صارم الدين برغش العادلى وزين الدين قراجا صاحب صرخد. وفيها توفّى عبد المنعم بن علىّ [بن نصر «٢» ] بن الصّيقلىّ أبو محمد نجم الدين الحرّانىّ، قدم بغداد وتفقّه بها؛ وسمع الحديث؛ ثم عاد إلى حرّان ووعظ بها وحصل له القبول التام، ثم عاد إلى بغداد واستوطنها. قال أبو المظفّر سبط ابن الجوزىّ فى تاريخه: سمعته ينشد: وأشتاقكم يا أهل ودّى وبيننا ... كما زعم «٣» البين المشتّ فراسخ فأمّا الكرى عن ناظرى فمشرّد ... وأما هواكم فى فؤادى فراسخ وفيها توفّى محمد بن سعد «٤» الله بن نصر أبو نصر بن الدّجاجىّ الواعظ الحنبلىّ. ولد سنة أربع وعشرين وخمسمائة، ومات فى شهر ربيع الأوّل، ودفن بباب حرب. ومن شعره- ﵀: نفس الفتى إن أصلحت أحوالها ... كان إلى نيل المنى «٥» أحوى لها وإن تراها سدّدت أقوالها ... كان على حمل العلا أقوى لها

стр. 1929

وفيها توفّى ملك خلاط سيف الدين بكتمر «١» . كان من أحسن الشباب؛ ولم يبلغ عشرين سنة من العمر، قتله الهزار «٢» دينارى؛ قيل: إنّه غرّقه فى بحر خلاط، وقتل الهزار دينارى بعده بمدّة يسيرة. الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى المحدّث أحمد بن سليمان «٣» الحربىّ الملقب بالسّكّر. وأبو الفضل «٤» محمد بن الحسين «٥» بن الخصيب «٦» بدمشق. ويوسف بن المبارك بن كامل الخفّاف. وعبد الله بن عبد الرحمن بن أيّوب الحربى البقلىّ. وشميم الحلّىّ أبو الحسن علىّ بن الحسن بن عنتر «٧» الأديب. ومحمد بن أحمد بن حامد أبو عبد الله الأرتاحىّ «٨» الحنبلىّ بمصر، وله بضع وتسعون سنة.

стр. 1930

أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وست أصابع. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وثمانى أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٦٠٢] السنة السادسة من ولاية الملك العادل أبى بكر بن أيّوب على مصر، وهى سنه اثنتين وستمائة. فيها توجّه ناصر «١» الدين صاحب ماردين إلى خلاط بمكاتبة أهلها وملكها «٢» ، فجاء الملك الأشرف موسى شاه أرمن ابن الملك العادل هذا فنزل على دنيسر، وأقطع بلاد ماردين؛ فلمّا بلغ ذلك ناصر الدين عاد إلى ماردين بعد أن غرم مائة ألف دينار، ولم تسلّم له خلاط. وفيها أغار [ابن «٣» ] لاون على حلب وأخذ الجشار «٤» من نواحى حارم، فبعث إليه الملك الظاهر غازى ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب- وهو يوم ذاك صاحب حلب- فارس الدين ميمونا القصرىّ، وأيبك فطيس، والأمير حسام الدين [بن أمير تركمان «٥» ] فتقاتلا قتالا شديدا، وكان ميمون تقدّم ولولا هما لأخذ ميمون؛ فلمّا بلغ ذلك الملك الظاهر خرج من حلب ونزل مرج «٦» دابق، ثمّ جاء إلى حارم،
следующие страницы →