← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وسبع أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثلاث أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٦٢٠] السنة الخامسة من ولاية الملك الكامل محمد بن العادل أبى بكر بن أيّوب على مصر، وهى سنة عشرين وستمائة. قال أبو شامة: ففيها عاد الملك الأشرف موسى من مصر [إلى الشام قاصدا «١» بلاده بالشرق] ، فالتقاه أخوه المعظّم عيسى وعرض عليه النزول [بالقلعة «٢» ] فامتنع، ونزل بجوسق والده العادل، وبدت الوحشة بين الإخوة الثلاثة (يعنى الكامل «٣» محمدا صاحب الترجمة، والمعظّم عيسى صاحب دمشق، والأشرف موسى صاحب خلاط وغيرها) . قال: ثم رحل الأشرف سحرا على ضمير «٤» ثم سار إلى حرّان، وكان [الأشرف «٥» ] قد استناب أخاه شهاب الدين غاز يا صاحب ميّافارقين على خلاط، [لمّا سافر «٦» إلى مصر] وجعله ولىّ عهده، ومكّنه من بلاده؛ فسوّلت له نفسه العصيان، وحسّن له ذلك الملك المعظّم وكاتبه وأعانه، وكذا كاتبه صاحب إربل [والمشارقة «٧» ] ، فأرسل الأشرف إلى غازى المذكور يطلبه فامتنع، فأرسل إليه: يا أخى لا تفعل، أنت ولىّ عهدى والبلاد فى حكمك فأبى؛ فجمع الأشرف عساكره وقصده، ووقع له معه أمور حتّى هزمه، ثم رضى عنه الأشرف حسب ما نذكره فى السنة الآتية. وفيها كانت بين التّتار الذين جاءوا إلى الدّربند «٨» وبين القبجاق «٩» والروس «١٠» وقعة هائلة، وصبر الفريقان أيّاما، ثم انهزم القبجاق والروس، ولم يسلم منهم إلّا اليسير.

стр. 1997

وفيها توفّىّ عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر شيخ الإسلام موفّق الدين أبو محمد المقدسىّ الجمّاعيلىّ الدمشقىّ الصالحىّ الحنبلى صاحب التصانيف. ولد بجمّاعيل فى شعبان سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وقرأ القراءات واشتغل فى صغره وسمع من أبيه سنة نيّف وخمسين، ورحل إلى البلاد وسمع الكثير، وكتب وصنّف وبرع فى الفقه والحديث، وأفتى ودرّس وشاع ذكره وبعد صيته. وكانت وفاته فى يوم عيد الفطر، وله ثمانون سنة. وفيها توفّى عبد الرحمن بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين الإمام المفتى فخر الدين أبو منصور الدّمشقىّ الشافعىّ المعروف بابن عساكر شيخ الشافعيّة بالشام. ولد فى سنة خمسين وخمسمائة، وسمع من عميّه: [الصائن «١» ] هبة الله، والحافظ أبى القاسم وجماعة أخر، وتفقّه على حميه قطب الدين «٢» النّيسابورىّ، وكان بارعا مفتنّا مدرّسا فقيها عالما محدّثا، وكانت وفاته فى شهر رجب. وفيها توفّى ملك الغرب يوسف بن محمد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ابن علىّ السلطان المستنصر بالله الملقّب بأمير المؤمنين المكنى أبا يعقوب القيسىّ المغربىّ صاحب بلاد المغرب، لم يكن فى بنى عبد المؤمن أحسن صورة منه، ولا أبلغ خطابا، ولكنّه كان مشغولا باللّذات؛ ومات وهو شابّ فى هذه السنة، ولم يخلّف ولدا؛ فاتفق أهل دولته على تولية الأمر لأبى محمد عبد الواحد بن يوسف ابن عبد المؤمن بن علىّ، فولى ولم يحسن التدبير ولا المداراة. وكان مولد يوسف صاحب الترجمة فى سنة أربع وتسعين وخمسمائة، وأمّه أم ولد روميّة اسمها قمر، وكانت دولته عشر «٣» سنين وشهرين.

стр. 1998

الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو سعد عبد السلام ابن المبارك [بن «١» عبد الجبّار بن محمد بن عبد السلام] بن البرد «٢» عول فى المحرّم، وله تسع وثمانون سنة. والعلّامة فخر الدين أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن ابن عساكر الشافعىّ فى رجب، وله سبعون سنة. والعلامة موفّق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسىّ شيخ الحنابلة فى يوم الفطر، وله ثمانون سنة. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع ونصف إصبع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا سواء. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٦٢١] السنة السادسة من ولاية الملك الكامل محمد بن العادل أبى بكر بن أيّوب على مصر، وهى سنة إحدى وعشرين وستمائة. فيها استردّ الملك الأشرف موسى مدينة خلاط من أخيه شهاب الدين غازى، وأبقى عليه ميّافارقين، ورضى عنه بعد أمور وقعت بينهما، وقد تقدّم ذكر ذلك أيضا. وفيها ظهر السلطان جلال الدين بن خوارزم شاه بعد ما انفصل عن بلاد الهند وكرمان، واستولى على أذربيجان وحكم عليها. وراسله الملك المعظّم عيسى ليعينه على قتال أخيه الملك الأشرف موسى؛ ثم كتب المعظّم أيضا لصاحب إربل فى هذا المعنى، وبعث ولده الملك الناصر داود إليه رهينة. وفيها استولى بدر الدين لؤلؤ على الموصل وأظهر أنّ الملك محمود «٣» بن القاهر قد توفّى، وكان قد أمر بخنقه.

стр. 1999

وفيها بنى الملك الكامل صاحب الترجمة دار «١» الحديث الكامليّة بالقاهرة فى بين القصرين، وجعل أبا «٢» الخطّاب بن دحية شيخها. وفيها قدم الملك مسعود أضسيس «٣» (المشهور بأقسيس) على أبيه الملك الكامل من اليمن طائعك، وعزمه أخذ الشام من عمّه الملك المعظّم عيسى، وقدّم لأبيه أشياء «٤» عظيمة، منها مائتا خادم. قال ابن الأثير: وفيها عادت التتار من بلاد القبجاق ووصلت إلى الرّىّ، وكان من سلم من أهلها قد عمّروها، فلم يشعروا إلّا بقدوم التتار بغتة، فوضعوا فيهم السيف، ثم فعلوا بعدّة بلاد أخر كذلك، فما شاء الله كان. وفيها حدثت واقعه قبيحة من الكرج، وهو أنّ الكرج- لعنهم الله- لم يبق فيهم من بيت الملك أحد سوى امرأة فملّكوها عليهم. قال ابن الأثير: ثم طلبوا لها زوجا يتزوّجها وينوب عنها فى الملك، ويكون من بيت مملكة. وكان صاحب أرزن الروم مغيث الدين طغرل شاه بن قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان وهو من الملوك السّلجوقيّة وله ولد، فأرسل إلى الكرج يخطب الملكة لولده فامتنعوا، وقالوا: لا يملكنا مسلم، فقال لهم: إنّ ابنى يتنصّر ويتزوّجها، فأجابوه فتنصّر وتزوّج بها، وأقام عندها حاكما فى بلادهم، فنعوذ بالله من الخذلان! وكانت الملكة تهوى مملوكا، فكان هذا الزوج يسمع عنها من القبائح أشياء ولا يمكنه الكلام لعجزه، فدخل يوما فرآها مع المملوك، فأنكر ذلك، فقالت: إن رضيت بذا وإلّا

стр. 2000

أنت أخبر بما أفعله معك!. [فقال: إنّنى لا «١» أرضى بهذا] فنقلته إلى بلد [آخر «٢» ] ووكّلت به من يحفظه وحجرت عليه؛ وأحضرت لها رجلين وصفا لها بحسن الصورة فتزوّجت بأحدهما، وبقى معها ذاك يسيرا، ثمّ فارقته وأحضرت آخر من كنجة «٣» وهو مسلم، فطلبت منه أن يتنصّر ويتزوّجها فلم يفعل، فأرادت أن تتزوّجه [وهو مسلم «٤» ] فقام عليها الأمراء ومعهم إبوانى «٥» مقدّمهم؛ وقالوا لها: فضحتينا بين الملوك بما تفعلين! [ثم «٦» تريد بن أن يتزوّجك مسلم، وهذا لا نمكّنك منه أبدا] ، والأمر بينهم متردّد، والرجل الكنجىّ عندهم [لم يجبهم إلى «٧» الدخول فى النّصرانيّة] ، وهى تهواه. انتهى كلام ابن الأثير. وفيها توفّى فخر الدين أبو المعالى محمد بن أبى الفرج الموصلىّ المقرئ ببغداد فى شهر رمضان. وكان إماما فاضلا بارعا فى فنون. ومن شعره «مواليا» : ساق قمر بكفّه شمس ضحا ... قد أسكرنى من راحتيه وصحا لو أمكننى والراح فى راحته ... فى الحان شربت كفّه والقدحا قلت: ويعجبنى فى هذا المعنى قول أبى الحسن علىّ بن عبد الغنىّ الفهرىّ القيروانىّ الضّرير المعروف بالحصرىّ الشاعر المشهور، ووفاته سنة ثمان [وثمانين «٨» ] وأربعمائة، وهما: أقول له وقد حيّا بكأس ... لها من مسك ريقته ختام أمن خدّيك يعصر قال كلّا ... متى عصرت من الورد المدام وفيها توفّى القاضى أبو البركات عبد القوىّ بن عبد العزيز بن الجبّاب السّعدىّ فى شوّال، وله خمس وثمانون سنة. وكان عالما بارعا ديّنا عفيفا أفتى ودرّس سنين.

стр. 2001

الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفىّ أبو جعفر محمد بن هبة الله بن مكرّم الصوفىّ ببغداد فى المحرّم. وأبو طالب عبد الرحمن بن محمد بن عبد السميع الهاشمىّ المقرئ بواسط. وأبو العبّاس أحمد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن صرمى «١» الأزجىّ فى شعبان. وفخر الدين أبو المعالى محمد بن أبى الفرج الموصلىّ البغدادىّ المقرئ فى رمضان. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع سواء. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وثلاث وعشرون إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٦٢٢] السنة السابعة من ولاية الملك الكامل محمد بن العادل أبى بكر بن أيّوب على مصر، وهى سنة اثنتين وعشرين وستمائة. فيها فى شهر ربيع الأول وصل السلطان جلال الدين بن خوارزم شاه إلى دقوقا «٢» فافتتحها بالسيف، وأحرق البلد ونهب أهلها، وفعل فيها ما لا تفعله الكفّار لكونهم شتموه ولعنوه على الأسوار؛ ثم عزم على قصد بغداد، فانزعج الخليفة الناصر لدين الله واستعدّ لقتاله وأنفق ألف ألف دينار فى هذا المعنى. قال أبو المظفّر: «قال لى الملك المعظّم عيسى: كتب إلىّ جلال الدين يقول: تحضر أنت ومن عاهدنى فنتّفق حتّى نقصد الخليفة، فإنّه كان السبب فى هلاك المسلمين، وفى هلاك أبى، وفى مجىء الكفّار إلى البلاد؛ ووجدنا كتبه إلى الخطا

стр. 2002

وتواقيعه لهم بالبلاد والخلع والخيل؛ فقال المعظّم: فكتبت إليه: أنا معك على كلّ أحد» إلّا على الخليفة فإنّه إمام المسلمين!» . انتهى. قلت: ثم وقع لجلال الدين المذكور فى هذه السنة أمور ووقائع مع غير الخليفة من الملوك يطول شرحها. يأتى ذكر بعضها إن شاء الله. وفيها توفّى الخليفة الناصر لدين الله أمير المؤمنين أبو العبّاس أحمد ابن الخليفة المستضىء بالله أبى محمد الحسن ابن الخليفة المستنجد بالله أبى المظفر يوسف ابن الخليفة المقتفى بأمر الله أبى عبد الله محمد ابن الخليفة المستظهر بالله أحمد الهاشمىّ العباسىّ البغدادىّ. ولد يوم الاثنين عاشر شهر رجب سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، وبويع بالخلافة بعد موت أبيه المستضىء فى أوّل ذى القعدة سنة خمس وسبعين وخمسمائة. وأمّه أمّ ولد تركيّة. قال الشيخ شمس الدين: «وكان أبيض اللّون تركىّ الوجه مليح العينين، أنور الجبهة، أقنى الأنف، خفيف العارضين، أشقر اللّحية رقيق المحاسن. كان نقش خاتمه: «رجائى من الله عفوه» . لم يل الخلافة قبله أحد من بنى العبّاس أطول مدّة منه، إلّا ما ذكرنا من خلفاء العبيديّة المستنصر معدّ» انتهى. وفى أيّام الناصر لدين الله ظهرت الفتوّة ببغداد ورمى البندق ولعب الحمام [المناسيب «٢» ] ، وافتنّ الناس فى ذلك، ودخل فيه الأجلّاء ثم الملوك؛ فألبسوا الملك العادل ثم أولاده سراويل الفتوّة، ولبسها أيضا الملك شهاب الدين صاحب غزنة والهند من الخليفة الناصر لدين الله، ولبسها جماعة أخر من الملوك. وأمّا لعب الحمام فخرج فيه عن الحدّ، يحكى عنه أنّه لمّا دخلت التّتار البلاد وملكوا من [ما] وراء النهر إلى العراق، وقتلوا تلك المقتلة

стр. 2003

من المسلمين، التى ما نكب المسلمون بأعظم منها، دخل عليه الوزير فقال له: آه يا مولانا، إنّ التّتار قد ملكت البلاد وقتلت المسلمين! فقال له الناصر لدين الله: دعنى أنا فى شىء أهمّ من ذلك! طيرتى البلقاء، لى ثلاثة أيام ما رأيتها! وفى هذه الحكاية كفاية إن صحّت عنه. وكانت وفاته فى سلخ شهر رمضان «١» ، وكانت خلافته سبعا وأربعين سنة. وبويع بعده لولده أبى نصر ولقّب بالظاهر بأمر الله، فكانت خلافة الظاهر المذكور تسعة أشهر ومات. حسب ما يأتى ذكره. وفيها توفّى السلطان الملك الأفضل علىّ ابن السلطان صلاح الدين يوسف ابن الأمير نجم الدين أيّوب فى يوم الجمعة من شهر ربيع الأوّل من السنة، وهو الذي كان ملك الشام فى حياة أبيه ثمّ من بعده، ووقع له تلك الأمور مع أخيه وعمّه العادل، وقد تقدّم ذكر ذلك كلّه؛ وتنقّلت به الأحوال إلى أن صار صاحب سميساط، وبقى بها إلى أن مات فى هذه السنة. وكان مولده بمصر فى سلطنة والده سنة خمس وستين وخمسمائة. وكان فاضلا شاعرا حسن الخطّ قليل الحظّ غير مسعود فى حركاته- رحمه الله تعالى- ومن شعره- ممّا كتبه إلى الخليفة لمّا خرج من دمشق، واتّفق عليه الملك العادل عمّه والعزيز أخوه-: مولاى إنّ أبا بكر وصاحبه ... عثمان قد غصبا بالسيف حقّ على فانظر إلى حظّ هذا الاسم كيف لقى ... من الأواخر ما لاقى من الأول الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى الواعظ أبو إسحاق إبراهيم بن المظفّر [بن إبراهيم «٢» ] بن البرنىّ «٣» بالموصل فى المحرّم. والخطيب المفسّر فخر

стр. 2004

الدين محمد بن الخضر بن محمد [بن الخضر بن علىّ «١» بن عبد الله] بن تيميّة الحرّانى فى صفر. والملك الأفضل علىّ بن السلطان صلاح الدين بسميساط فى صفر، وله سبع وخمسون سنة. وأبو الحسن علىّ بن أبى الكرم [نصر بن «٢» المبارك] الجلال بن البنّاء بمكّة فى شهر ربيع الأوّل. وعبد المحسن خطيب الموصل ابن عبد الله بن أحمد الطّوسى فى شهر ربيع الأوّل. وقاضى القضاة بالقاهرة زين الدين علىّ ابن العلّامة يوسف بن عبد الله بن بندار الدّمشقىّ. والوزير الكبير صفىّ الدين عبد الله بن علىّ الشّيبىّ «٣» ابن شكر بالقاهرة فى شعبان. ومجد الدين أبو المجد محمد بن الحسين القزوينى الصوفىّ بالموصل فى شعبان. والناصر لدين الله أبو العبّاس أحمد بن المستضىء بالله حسن بن المستنجد فى سلخ شهر رمضان، وله سبعون سنة، وكانت خلافته سبعا وأربعين سنة. وفخر الدين محمد بن إبراهيم بن أحمد الفارسىّ الخبرىّ «٤» الصوفىّ بمصر فى ذى الحجّة، وله أربع وتسعون سنة. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع ونصف إصبع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وتسع عشرة إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٦٢٣] السنة الثامنة من ولاية الملك الكامل محمد بن العادل أبى بكر بن أيّوب على مصر، وهى سنة ثلاث وعشرين وستمائة. فيها قدم الشيخ محيى الدين «٥» بن الجوزىّ إلى دمشق رسولا إلى الملك المعظّم عيسى صاحب دمشق، ومعه الخلع له ولإخوته أولاد العادل من الخليفة الظاهر

стр. 2005

بأمر الله أبى نصر محمد العبّاسىّ المتولّى الخلافة بعد وفاة والده الناصر لدين الله. [ومضمون «١» رسالته طلب رجوع المعظّم عن موالاة ابن الخوارزمىّ] . قال أبو المظفّر سبط ابن الجوزىّ، قال لى الملك المعظّم، قال خالك: المصلحة رجوعك عن هذا الخارجىّ (يعنى جلال الدين [بن] الخوارزمىّ وترجع إلى إخوتك ونصلح بينكم؛ قال: فقلت لخالك: إذا رجعت عن [ابن] الخوارزمىّ وقصدنى إخوتى تنجدوننى؟ قال: نعم؛ فقلت: مالكم عادة تنجدون أحدا! هذه كتب الخليفة الناصر لدين الله عندنا، ونحن على دمياط نكتب ونستصرخ به، فيجىء الجواب بأنّا قد كتبنا إلى ملوك الجزيرة ولم يفعلوا. قال: قلت: مثلى معكم كمثل رجل كان يخرج إلى الصلاة وبيده عكّاز خوفا من الكلاب، فقال له بعض أصدقائه: أنت شيخ كبير، وهذا العكّاز يثقلك، وأنا أدلك على شىء يغنيك عن حمله، قال: وما هو؟ قال: تقرأ سورة يس عند خروجك من الدار، وما يقربك كلب، وأقام مدّة فرأى الشيخ حامل العكّاز، فقال له: أما قد علّمتك ما يغنيك عن حمله؟ فقال: هذا العكّاز لكلب لا يعرف القرآن. وقد اتّفق إخوتى علىّ، وقد أنزلت [ابن] الخوارزمىّ على خلاط، إن قصدنى أخى الأشرف «٢» منعه؛ وإن قصدنى أخى الكامل (يعنى صاحب الترجمة) فأنا له. ثم اصطلح الإخوة بعد ذلك فى السنة. وفيها توفّى كافور بن عبد الله شبل الدولة الحسامىّ «٣» خادم ستّ الشام بنت أيّوب. كان عاقلا ديّنا صالحا، بنى مدرسته على نهر ثورا بدمشق لأصحاب أبى حنيفة- رضى الله عنه- والخانقاه إلى جانب مدرسته. وكانت وفاته بدمشق فى شهر رجب.

стр. 2006

وفيها توفّى الخليفة أمير المؤمنين الظاهر بأمر الله أبو نصر محمد ابن الخليفة الناصر لدين الله أبى العباس أحمد الهاشمىّ العباسىّ البغدادىّ. ولى الخلافة بعد وفاة أبيه فى السنة الماضية فلم تطل مدّته فيها، ووقع له شدائد إلى أن مات فى شهر رجب؛ وامّه أمّ ولد. وكانت خلافته تسعة أشهر وأيّاما، وكان مولده فى المحرّم سنة «١» سبعين وخمسمائة، وكان جميل الصورة أبيض مشربا بحمرة حلو الشمائل شديد القوى. أفضت الخلافة إليه، وله اثنتان وخمسون سنة إلا أشهرا، فقيل له: ألا تنفسح؟ فقال: قد فات الزرع! فقيل له: يبارك الله فى عمرك، فقال: من فتح دكّانا بعد العصر إيش يكسب!. وكان خيّرا عادلا قطع الظّلامات والمكوس، حتّى قيل: إنّ جملة ما قطع من الظّلامات والمكوس ثمانية آلاف دينار فى كلّ سنة، وتصدّق فى ليلة العبد بمائة ألف دينار. وسببه أنّه لمّا ولى الخلافة ولّى الشيخ عماد «٢» الدين ابن الشيخ عبد القادر الجيلىّ القضاء، فما قبل عماد الدين إلّا بشرط أن يورّث ذوى الأرحام، فقال له الخليفة: أعط كلّ ذى حقّ حقّه واتّق الله ولا لتثق بسواه؛ فكلّمه القاضى أيضا فى الأوراق التى ترفع إلى الخليفة؛ وهو أنّ حرّاس الدروب كانت ترفع إلى الخليفة فى صبيحة كلّ يوم ما يكون عندهم من أحوال الناس الصالحة والطالحة، فأمر الظاهر بتبطيل ذلك، وقال: أىّ فائدة فى كشف أحوال الناس! فقيل له: إن تركت ذلك فسدت أحوال الرعيّة، فقال: نحن ندعو لهم بالإصلاح. ثم أعطى القاضى المذكور عشرة آلاف دينار يفى بها ديون من فى السجون من الفقراء، ثم فرّق بقيّة المائة الألف الدينار فى العلماء والفقراء. ولمّا مات الظاهر تولّى الخلافة بعده ولده المستنصر بالله أبو جعفر.

стр. 2007

الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو المحاسن محمد بن السيد بن أبى لقمة الأنصارىّ الصفّار فى شهر ربيع الأوّل عن أربع وتسعين سنة. وقاضى الشام جمال الدين يونس بن بدران القرشىّ المصرىّ الشافعىّ فى شهر ربيع الأوّل، ودفن بقرب الصليحيّة «١» . وشمس الدين أحمد بن عبد الواحد المقدسىّ الملقّب بالبخارىّ الفقيه المناظر فى جمادى الآخرة، وله تسع وخمسون سنة. والتقىّ خزعل «٢» ابن عسكر المصرىّ النحوىّ اللغوىّ بدمشق. والمحارى «٣» الزاهد أبو محمد عبد الرحمن ابن عبد الله بن علوان بحلب فى جمادى الآخرة، وله تسعون سنة. والعلّامة إمام الدين عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم بن الفضل الرافعىّ القزوينىّ صاحب الشرح «٤» . والظاهر بأمر الله أبو نصر محمد بن الناصر لدين الله فى رجب، وله ثلاث وخمسون سنة، وكانت خلافته عشرة أشهر. وبويع بعده ابنه المستنصر. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وإصبع واحدة. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٦٢٤] السنة التاسعة من ولاية الملك الكامل محمد بن العادل أبى بكر بن أيّوب على مصر، وهى سنة أربع وعشرين وستمائة. فيها عاد الملك الأشرف موسى ابن الملك العادل إلى بلاده بعد أن صالح أخاه الملك المعظّم عيسى ابن الملك العادل، وكلاهما أخو الملك الكامل هذا.

стр. 2008

وفيها حجّ بالناس من الشام الشجاع [علىّ «١» ] بن السلّار، ومن ميافارقين الشهاب غازى ابن الملك العادل. وفيها توفّى السلطان الملك المعظّم شرف الدين عيسى ابن الملك العادل أبى بكر ابن أيّوب بن شادى الأيّوبىّ صاحب الشام. قال أبو المظفّر: وفيها توفّى الملك المعظّم العالم الفقيه المجاهد فى سبيل الله الغازى النحوىّ اللغوىّ. ولد بالقاهرة سنة ستّ وسبعين وخمسمائة، ونشأ بالشام وقرأ القرآن وتفقّه على مذهب أبى حنيفة بجمال «٢» الدين الحصيرىّ، وحفظ المسعودىّ، واعتنى «بالجامع «٣» الكبير» ، وقرأ الأدب [والنحو «٤» ] على تاج الدين «٥» الكندىّ، فأخذ عنه «كتاب سيبويه» وشرحه الكبير للسيرافىّ، «والحجّة فى القراءات» لأبى علىّ الفارسىّ «والحماسة» ، وقرأ عليه «الإيضاح» لأبى علىّ حفظا؛ ثمّ ذكر مسموعاته فى الحديث وغيره إلى أن قال: وشرح الجامع الكبير، وصنّف الردّ «٦» على الخطيب، والعروض، وله «ديوان شعر» . قال: وكان شجاعا مقداما كثيرا لحياء متواضعا مليح الصورة ضحوكا غيورا جوادا حسن السّيرة. وأطلق أبو المظفّر عنان القلم فى ميدان محاسنه حتّى إنّه ساق ترجمته فى عدّة أوراق فى مرآة الزمان.

стр. 2009

قلت: ويحقّ له ذلك، فإنّ المعظّم كان فى غاية ما يكون من الكمال فى عدّة علوم وفنون، وهو رجل بنى أيّوب وعالمهم بلا مدافعة، ومحاسنه أشهر من أن تذكر. وكانت وفاته- ﵀ فى ثالث ساعة من نهار الجمعة أوّل يوم من ذى الحجّة، ودفن بقلعة دمشق، ثم نقل بعد ذلك من قلعة دمشق ودفن مع والدته «١» فى القبّة عند «٢» الباب. وخلّف عدّة أولاد: الملك الناصر داود، والملك المغيث عبد العزيز، والملك القاهر عبد الملك؛ ومن البنات تسعا، وقيل إحدى عشرة. وتولّى ابنه الناصر داود دمشق بعده إلى أن أخذها منه عمّه الملك الكامل صاحب الترجمة. وفيها توفّى الملك چنكز خان التركىّ، طاغية التّتار وملكهم الأوّل الذي خرّب البلاد وأباد العباد، وليس للتتار ذكر قبله. قلت: هو صاحب «التورا» «واليسق» ، وقد أوضحنا أمره فى غير هذا الكتاب، وذكرنا أصله واعتقاد التتار فيه وأشياء كثيرة. والتورا باللغة التركية هو المذهب، واليسق هو الترتيب، وأصل كلمة اليسق سى يسا، وهو لفظ مركّب من أعجمىّ وتركىّ، ومعناه: التراتيب الثلاث، لأنّ سى بالعجمى فى العدد ثلاثة، ويسا بالتركى: الترتيب؛ وعلى هذا مشت التتار من يومه إلى يومنا هذا، وانتشر ذلك فى سائر الممالك حتّى ممالك مصر والشام، وصاروا يقولون: «سى يسا» فثقلت عليهم فقالوا: «سياسة «٣» » على تحاريف أولاد العرب فى اللغات الأعجمية. ولمّا أن تسلطن الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البند قدارىّ أحبّ أن يسلك فى ملكه بالديار المصريّة طريقة چنكزخان هذا وأموره، ففعل ما أمكنه، ورتّب فى سلطنته

стр. 2010

أشياء كثيرة؛ لم تكن قبله بديار مصر: مثل ضرب البوقات، وتجديد الوظائف، على ما نذكره- إن شاء الله تعالى- فى ترجمته. واستمرّ أولاد چنكزخان فى ممالكه التى قسمها عليهم فى حياته، ولم يختلف منهم واحد على واحد، ومشوا على ما أوصاهم به، وعلى طريقته «التورا» و «اليسق» إلى يومنا هذا. انتهى. الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى داود بن معمّر بن عبد الواحد بن الفاخر القرشىّ فى رجب أو فى شعبان، وله تسعون سنة. وطاغية التتار چنكزخان فى شهر رمضان. وقاضى القضاة بحرّان أبو بكر عبد الله بن نصر الحنبلىّ، وله خمس وسبعون سنة. وأبو محمد عبد البرّ «١» ابن الحافظ ابن العلاء الهمذانىّ بروذراور «٢» فى شعبان. والبهاء عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسىّ الحنبلىّ الفقيه المحدّث فى ذى الحجّة، وله تسع وستون سنة. والملك المعظّم شرف الدين عيسى بن العادل فى ذى القعدة، وله ثمان وأربعون سنة. وأبو الفرج الفتح بن عبد الله [بن محمد «٣» ابن علىّ بن هبة الله] بن عبد السلام الكاتب فى المحرّم، وله سبع وثمانون سنة. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع أذرع «٤» واثنتا عشرة إصبعا. هكذا وجدته مكتوبا، ولعلّه وهم من الكاتب. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٦٢٥] السنة العاشرة من ولاية الملك الكامل محمد بن العادل أبى بكر بن أيّوب على مصر، وهى سنة خمس وعشرين وستمائة.

стр. 2011

فيها نزل جلال الدين بن خوارزم شاه على خلاط مرّة ثانية، وهجم عليه الشتاء فرحل عنها إلى أذربيجان، وخرج الحاجب «١» علىّ من خلاط بالعسكر، فاستولى على خوىّ «٢» وسلماس «٣» وتلك النواحى، وأخذ خزائن جلال الدين المذكور وعاد إلى خلاط، فقيل له: بئس ما فعلت! وهذا يكون سببا لهلاك العباد والبلاد، فلم يلتفت. وفيها كان فراغ مدرسة ركن الدين الفلكى بقاسيون دمشق. وفيها توفّى عبد الرحيم بن علىّ بن إسحاق سبط القاضى جمال الدين القرشىّ. كان إماما عالما فاضلا غزير المروءة كثير الإحسان شاعرا مترسّلا، وكانت وفاته بدمشق فى سابع المحرّم. ومن شعره قوله فى مليح بالحمّام: تجرّد للحمّام عن قشر لؤلؤ ... وألبس من ثوب المحاسن ملبوسا وقد زيّن الموسى لتزيين رأسه ... فقلت لقد أوتيت سؤلك يا موسى الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو المعالى أحمد ابن الخضر بن هبة الله بن طاوس الصوفىّ فى رمضان. والمحدّث محبّ «٤» الدين أحمد ابن تميم اللّبلىّ «٥» . وأبو منصور أحمد بن يحيى بن البرّاج «٦» الصوفىّ الوكيل فى المحرّم. والعلامة أبو القاسم أحمد بن يزيد القرطبىّ آخر من روى بالإجازة عن شريح

стр. 2012

فى رمضان. وأبو علىّ الحسن بن إسحاق بن موهوب بن [أحمد «١» ] الجواليقىّ فى شعبان، وله إحدى وثمانون سنة. ونفيس الدين الحسن بن علىّ [بن أبى القاسم الحسين «٢» ] بن الحسن بن البنّ الأسدىّ فى شعبان، وله ثمان وثمانون سنة. والرئيس المنشئ جمال الدين عبد الرحيم بن علىّ «٣» بن إسحاق بن شيث القرشىّ الفرضىّ بدمشق فى المحرّم، وكان كاتب المعظّم. وأبو منصور محمد بن عبد الله بن المبارك البندنيجىّ. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وتسع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وخمس أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٦٢٦] السنة الحادية عشرة من ولاية الملك الكامل محمد بن العادل أبى بكر بن أيّوب على مصر، وهى سنة ستّ وعشرين وستمائة. فيها أعطى الملك الكامل صاحب الترجمة بيت المقدس لملك الفرنج الأنبرور «٤» . وفيها خرج الملك الكامل فى صفر من مصر، ونزل تل العجول «٥» ، وكان الملك الناصر داود ابن الملك المعظّم عيسى صاحب دمشق كاتب عمّه الملك الأشرف موسى بالحضور إلى دمشق، فوصل إليها ونزل بالنّيرب «٦» ؛ وكان عزّ الدين أيبك قد أشار على الملك الناصر داود بمداراة عمّه الملك الكامل محمد صاحب مصر

стр. 2013

فخالفه؛ وقال الناصر «١» لعمّه الأشرف فى قتال عمّه الكامل، فلم يلتفت الأشرف إلى كلامه؛ واجتمع الأشرف مع أخيه الملك الكامل واتّفقا على حصار دمشق. ووصلت الأخبار بتسليم القدس إلى الأنبرور، فقامت قيامة الناس لذلك ووقع أمور، وتسلّم الأنبرور القدس؛ والكامل والأشرف على حصار دمشق، فلم يقم الأنبرور بالقدس سوى ليلتين، وعاد إلى يافا بعد أن أحسن إلى أهل القدس، ولم يغيّر من شعائر الإسلام شيئا. وفيها سلّم الملك الناصر داود إلى عمّه الملك الكامل دمشق وعوّضه عمّه الكامل الشّوبك، وذلك فى شهر ربيع الآخر من السنة. وفيها توفى أضسيس المعروف بأقسيس المنعوت بالملك المسعود بن الملك الكامل صاحب الترجمة، مرض بعد خروجه من اليمن مرضا مزمنا، ومات بمكّة ودفن بالمعلى فى حياة والده الملك الكامل، وكان معه من الأموال شىء كثير. وكان ظالما جبّارا سفّا كاللدماء قتل باليمن خلائق لا تدخل تحت حصر، واستولى على أموالهم. وكان أبوه الملك الكامل يكرهه ويخافه. ودام باليمن حتى سمع بموت عمّه الملك المعظّم عيسى، فخرج من اليمن بطمع دمشق، فمرض ومات. فلمّا سمع أبوه الملك الكامل بموته سرّ بذلك، واستولى على جميع أمواله. وفيها توفّى الحسن بن هبة الله بن محفوظ بن صصرّى الشيخ الإمام أبو القاسم الدمشقىّ التّغلبىّ. سمع الحافظ ابن عساكر وغيره، وروى الكثير، وكان صالحا ثقة- ﵀.

стр. 2014

الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو القاسم [الحسن «١» ] ابن هبة الله بن محفوظ بن صصرّى التّغلبىّ فى المحرّم، وقد قارب التسعين. وتوفّيت أمة الله بنت أحمد بن عبد الله بن علىّ الآبنوسىّ. وأبو الحسن محمد بن محمد بن أبى حرب النّرسىّ الشاعر. والمهذّب بن علىّ بن قنيدة «٢» أبو نصر الأزجىّ. والملك المسعود أقسيس صاحب اليمن ابن الملك الكامل فى جمادى الآخرة. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وثلاث أصابع. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وإحدى عشرة إصبعا. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٦٢٧] السنة الثانية عشرة من ولاية الملك الكامل محمد بن العادل أبى بكر بن أيّوب على مصر، وهى سنة سبع وعشرين وستمائة. فيها أخذ السلطان جلال الدين بن خوارزم شاه مدينة خلاط بعد حصار طويل «٣» أقام عليها عشرة أشهر، ولمّا بلغ صاحبها الملك الأشرف ذلك استنجد بملك الروم وغيره من الملوك، وواقع جلال الدين الخوارزمىّ المذكور وكسره بعد أمور، وقتل معظم عسكره، وامتلأت الجبال والأودية منهم، وشبعت الوحوش والطيور من رممهم، وعظم الملك الأشرف فى النفوس. وفيها توفّى الحسن بن محمد بن الحسن بن هبة الله الشيخ أبو البركات زين الأمناء المعروف بابن عساكر فى ليلة الجمعة سابع عشر صفر، ودفن عند أخيه «٤» فخر الدين، وكان فاضلا محدّثا، سمع الكثير وروى تاريخ الحافظ ابن عساكر.

стр. 2015

وفيها توفّى فتيان بن علىّ بن فتيان الأسدىّ الحريمىّ «١» المعروف بالشّاغورىّ المعلّم الشاعر المشهور، كان فاضلا شاعرا خدم الملوك ومدحهم وعلّم أولادهم، وله ديوان شعر مشهور. قال الإسعردىّ «٢» : إنّه مات فى هذه السنة. وقال ابن خلّكان: إنّه توفّى سحر الثانى والعشرين من المحرّم سنة خمس «٣» عشرة وستمائة بالشّاغور، «٤» ودفن [بمقابر «٥» ] الباب الصغير، وقول ابن خلّكان هو الأرجح. انتهى. ومن شعر الشاغورىّ فى مدح أرض الزّبدانى «٦» من دمشق: قد أجمد الخمر كانون بكلّ قدح ... وأخمد الجمر فى الكانون حين قدح يا جنّة الزّبدانى أنت مسفرة ... بحسن وجه إذا وجه الزمان كلح فالثلج قطن عليه السحب تندفه ... والجو يحلجه والقوس قوس قزح وله وقد دخل الحمّام وماؤها شديد الحرارة، وكان قد شاخ، فقال: أرى ماء حمّامكم كالحميم ... نكابد منه عناء وبوسا وعهدى بكم تسمطون الجداء ... فما بالكم تسمطون التّيوسا ومثل هذا قول بعضهم: حمّامكم هذه حمام ... وقودها الناس والحجاره أعجب شىء رأيت فيها ... طهورها ينقض الطّهاره ومن أحسن لغز سمعناه فى الحمّام:

стр. 2016

وما ليل يخالطه نهار ... وأقمار تصدّ عن الشموس وأنهار على النّيران تجرى ... وأسلحة تسلّ على الرءوس الذين ذكر الذّهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى زين الأمناء الحسن ابن محمد بن الحسن بن عساكر فى صفر، وله ثلاث وثمانون سنة. والشرف راجح ابن إسماعيل الحلىّ الشاعر. وعبد الرحمن بن عتيق [بن عبد العزيز «١» ] بن صيلا المؤدّب. وعبد السلام بن عبد الرحمن [ابن الأمين «٢» ] علىّ [بن علىّ «٣» ] بن سكينة. وأبو المعالى محمد [بن أحمد «٤» ] بن صالح الحنبلىّ ببغداد. وفخر الدين محمد بن عبد الوهاب الأنصارىّ يوم عيد الأضحى. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ذراعان سواء. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وثلاث أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٦٢٨] السنة الثالثة عشرة من ولاية الملك الكامل محمد بن العادل أبى بكر بن أيّوب على مصر، وهى سنة ثمان وعشرين وستمائة. فيها ساق التّتار خلف السلطان جلال الدين بن خوارزم شاه بعد أن واقعهم عدّة وقائع من بلاد تبريز، فانهزم بين أيديهم إلى ديار بكر، فقتل فى قرية من أعمال ميّافارقين. وفيها توفى بهرام شاه بن فرخشاه بن شاهنشاه بن أيّوب، الملك الأمجد صاحب بعلبكّ. كان السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب أعطاه بعلبكّ عند وفاة أبيه

стр. 2017

سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، فأقام فيها خمسين سنة حتّى حصره الملك الأشرف موسى بن العادل أبى بكر بن أيّوب وأخرجه منها، وساعده عليه ابن عمّه أسد الدين شيركوه صاحب حمص؛ فانتقل الملك الأمجد إلى الشام وسكنها حتّى قتله بعض مماليكه غيلة؛ وكان فاضلا شاعرا فصيحا كاتبا، وله ديوان شعر كبير. ومن شعره «دو بيت» : كم يذهب هذا العمر فى الخسران ... يا غفلتى فيه وما أنسانى ضيّعت زمانى كلّه فى لعب ... يا عمر فهل بعدك عمر ثان قلت: وما أحسن قول قاضى القضاة شهاب «١» الدين أحمد بن حجر- ﵀ فى هذا المعنى، وهو ممّا أنشدنى من لفظه لنفسه- عفا الله عنه-: خليلىّ ولىّ العمر منا ولم نتب ... وننوى فعال الصالحات ولكنّا فحتّى متى نبنى بيوتا مشيدة ... وأعمارنا منا تهدّ وما تبنى وما ألطف قول السّراج «٢» الورّاق- ﵀ وهو قريب ممّا نحن فيه: يا خجلتى وصحائفى سودا غدت ... وصحائف الأبرار فى إشراق وفضيحتى «٣» لمعنّف لى قائل ... أكذا تكون صحائف الورّاق وفيها قتل السلطان جلال الدين بن خوارزم شاه، واسمه تكش «٤» ، وقيل محمود ابن السلطان علاء الدين خوارزم شاه؛ واسمه محمد بن تكش، وهو من نسل

стр. 2018

عبد الله بن طاهر بن الحسين، وجدّه تكش هو الذي أزال ملك السّلجوقيّة. قتل بديار بكر، كما ذكرناه فى أوّل هذه السنة. ولمّا قتل دخل جماعة على الملك الأشرف موسى فهنّئوه بموته؛ فقال: تهنّونى به وتفرحون! سوف ترون غبّه! والله لتكوننّ هذه الكسرة سببا لدخول التتار إلى بلاد الإسلام، ما كان الخوارزمىّ إلّا مثل [السدّ «١» ] الذي بيننا وبين يأجوج ومأجوج؛ فكان كما قال الأشرف. كان الخوارزمىّ يقاتل التتار عشرة أيّام بلياليها بعساكره، يترجّلون عن خيولهم ويلتقون بالسيوف، ويبقى الرجل منهم يأكل ويبول وهو يقاتل. وفيها توفّى المهذّب بن الدّخوار الطبيب، كان فاضلا حاذقا بعلم الطبّ أستاذ عصره، تقدّم على جميع أطبّاء زمانه، ومع هذا مات بستة أمراض مختلفة، ووقف داره وكتبه على الأطبّاء. الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو نصر أحمد بن الحسين بن عبد الله بن النّرسىّ البيّع فى رجب، وله ثلاث وثمانون سنة. والملك الأمجد مجد الدين بهرام شاه بن فرخشاه صاحب بعلبكّ. ومحمد بن عمر بن حسين «٢» المقرئ الكردىّ بدمشق. والمهذّب عبد الرجيم بن علىّ رئيس الطبّ، ويعرف بالدّخوار فى صفر. وأبو الفضل عبد السلام بن عبد الله «٣» الدّاهرىّ الخفّاف فى شهر ربيع الأوّل عن ثنتين وثمانين سنة. وأبو الرضا محمد بن أبى الفتح المبارك [ابن عبد الرحمن «٤» ] ابن عصيّة الحربىّ فى المحرّم، وله ثلاث وثمانون سنة.

стр. 2019

والعلّامة زين الدين يحيى «١» بن عبد المعطى بن عبد النّور الزّواوىّ النحوىّ فى ذى القعدة بمصر. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ذراع واحدة ونصف إصبع. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا سواء. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٦٢٩] السنة الرابعة عشرة من ولاية الملك الكامل محمد بن العادل أبى بكر بن أيّوب على مصر، وهى سنة تسع وعشرين وستمائة. فيها عاد التّتار إلى الجزيرة وحرّان وقتلوا وأسروا وسبوا، وخرج الملك الكامل صاحب الترجمة من مصر إلى أن وصل إلى ديار بكر واجتمع مع أخيه الأشرف موسى، واجتمعوا على دفع التّتار؛ وكان أهل حرّان قد خرجوا لقتال التّتار، فما رجع منهم إلّا القليل. وعاد التّتار إلى بلادهم بعد أمور صدرت منهم فى حقّ المسلمين. فلمّا بلغ الكامل عود التّتار نزل على مدينة آمد ومعه أخوه الأشرف، وحاصرها حتّى استولى عليها وعلى عدّة قلاع. وفيها توفّى إسماعيل بن إبراهيم الشيخ شرف الدين الفقيه الحنفىّ وهو ابن خالة شمس الدين ابن الشّيرازىّ. كان فقيها فاضلا زاهدا عابدا ورعا وله تصانيف حسان، منها «مقدمة فى الفرائض» ، وكان بعث إليه الملك المعظّم عيسى صاحب دمشق يقول: أفت بإباحة الأنبذة، وما يعمل من ماء الرمّان ونحوه، فقال: لا أفتح هذا الباب على أبى حنيفة! إنّما هى رواية النوادر، وقد صحّ عن أبى حنيفة أنّه

стр. 2020

ما شربه قطّ، وحديث ابن مسعود لا يصحّ، وكذا ما يروى عن «١» عمر فى إباحة شربه لا يثبت عنه. فغضب المعظّم وأخرجه من مدرسة طرخان. الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو القاسم أحمد بن أحمد بن السّمّذىّ «٢» الكاتب. والحافظ أبو موسى عبد الله ابن الحافظ عبد الغنى بن عبد الواحد المقدسىّ فى رمضان، وله ثمان وأربعون سنة. وعبد اللطيف بن عبد الوهاب بن الطّبرىّ فى شعبان. والعلّامة موفّق الدين عبد اللطيف بن يوسف ابن محمد البغدادىّ النحوىّ الطبيب فى المحرّم عن اثنتين وسبعين سنة. والزاهد الشيخ عمر بن عبد الملك الدّينورىّ بقاسيون. وأبو حفص عمر بن كرم بن أبى الحسن الدّينورىّ الحمّامى فى رجب، وله تسعون سنة. وأبو القاسم عيسى بن عبد العزيز بن عيسى المقرئ بالإسكندريّة. والحافظ معين الدين أبو بكر محمد بن عبد الغنى بن نقطة الحنبلىّ فى صفر كهلا. *** أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وثمانى أصابع. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وثلاث أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٦٣٠] السنة الخامسة عشرة من ولاية الملك الكامل محمد بن العادل أبى بكر بن أيّوب على مصر، وهى سنة ثلاثين وستمائة. فيها فتح الملك الكامل محمد صاحب الترجمة آمد، وأخرج منها صاحبها الملك المسعود بن مودود بعد حصار طويل؛ وتسلّم منه جميع القلاع التى كانت بيده،

стр. 2021

وبقى حصن كيفا عاصيا؛ فبعث الكامل أخاه الأشرف، وأخاه شهاب الدين غازيا، ومعهما صاحب آمد تحت الحوطة؛ فسألهم صاحب آمد فى تسليم الحصن فلم يسلّموا البلد، فعذّبه الأشرف عذابا عظيما، وكان يبغضه؛ ولا زال الأشرف يحاصر حصن كيفا حتّى تسلّمها بعد أمور فى صفر من السنة، ووجد عند مسعود المذكور خمسمائة بنت من بنات الناس للفراش. وفيها فتحت دار الحديث الأشرفيّة المجاورة لقلعة دمشق التى بناها الملك الأشرف موسى، وأملى بها ابن الصلاح «١» الحديث، وذلك فى ليلة النصف من شعبان، ووقف عليها الأشرف الأوقاف، وجعل بها نعل النّبيّ ﷺ . وفيها توفّى الوزير «٢» صفىّ الدين عبد الله بن علىّ بن شكر، وزير الملك العادل؛ وأصله من الدّميرة «٣» ، وهى قرية بالوجه البحرى من أعمال مصر. وكان صفىّ الدين المذكور وزيرا مهيبا عالما فاضلا له معرفة بقوانين الوزارة، وكانت عنايته مصروفة إلى العلماء والفقهاء والادباء، وكان مالكىّ المذهب. ومات بالقاهرة وهو على حرمته، وله بالقاهرة مدرسة «٤» معروفة به.

стр. 2022

وفيها توفّى الملك العزيز عثمان ابن السلطان الملك العادل أبى بكر بن أيّوب أخو الملك الكامل هذا، وكان شقيق المعظّم عيسى، وهو صاحب بانياس وتبنين «١» والحصون، وهو الذي بنى الصّبيبة «٢» ؛ ودام مالكا لهذه القلاع إلى أن مات فى يوم الاثنين عاشر شهر رمضان ببستانه ببيت «٣» لهيا، وحمل تابوته فدفن بقاسيون عند أخيه الملك المعظّم عيسى، وقد تقدّم أنّه كان شقيقه. الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى بهاء الدين إبراهيم ابن أبى اليسر شاكر بن عبد الله التّنوخىّ الشافعىّ فى المحرّم، ولى قضاء المعرّة خمسة أعوام. وأبو الحسن علىّ بن أحمد بن يوسف الأزجىّ بالقدس فى صفر. وأبو محمد الحسن ابن الأمير السيد علىّ بن المرتضى العلوىّ الحسينىّ فى شعبان. وصفىّ الدين أبو بكر «٤» عبد العزيز بن أحمد [بن عمر بن سالم «٥» بن محمد] بن باقا التاجر فى رمضان، وله خمس وسبعون سنة. وصاحب الصّبيبة الملك العزيز عثمان بن العادل- ﵀ والعلّامة عزّ الدين أبو الحسن علىّ بن الأثير بن محمد بن محمد بن عبد الكريم

стр. 2023

الشّيبانىّ الجزرىّ المؤرّخ فى شعبان، وقد قارب ستّا وسبعين «١» سنة. وصاحب إربل مظفّر الدّين كوكبورى «٢» ابن صاحب إربل أيضا زين الدين «٣» علىّ بن بكتكين التّركمانىّ فى رمضان. والوزير «٤» مؤيّد الدّين محمد بن محمد بن القمّىّ ببغداد. وشرف «٥» الدين محمد بن نصر الله بن مكارم الدّمشقىّ الشاعر الكاتب فى شهر ربيع الأوّل. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وعشر أصابع. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وستّ أصابع، وطال مكثه على الأراضى. والله أعلم. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٦٣١] السنة السادسة عشرة من ولاية الملك الكامل محمد بن العادل أبى بكر بن أيّوب على مصر، وهى سنة إحدى وثلاثين وستمائة. فيها اجتمع الملك الكامل صاحب الترجمة وإخوته وأسد الدين شيركوه صاحب حمص، وساروا ليدخلوا بلاد الروم من عند النهر الأزرق «٦» ، فوجدوا الروم قد حفظوا الدّربند، ووقفوا على رءوس الجبال وسدّوا الطرق، فامتنعت العساكر من الدخول؛ وكان الملك الأشرف صاحب دمشق يومئذ ضيّق الصدر من أخيه الملك الكامل هذا، لأنّه طلب منه الرّقّة فامتنع؛ وقال له: ما يكفيك كرسىّ بنى أميّة! فاجتمع أسد الدين شيركوه صاحب حمص بالأشرف وقال له: إن

стр. 2024

حكم الكامل على الروم أخذ جميع ما بأيدينا فوقع التقاعد، فلمّا رأى الكامل ذلك عبر الفرات ونزل السّويداء «١» ، وجاءه صاحب خرتبرت «٢» ، وهو من بنى أرتق، وقال له: عندنا طريق سهلة تدخل منها إلى الروم. فجهّر الملك الكامل بين يديه ولده الملك الصالح نجم الدين أيّوب، وابن أخيه الملك الناصر داود بن المعظّم، والخادم صوابا، فجاءتهم عساكر الروم؛ وكان الناصر تأخّر وتقدّم صواب فى خمسة آلاف فارس، ومعه الملك المظفّر صاحب حماة، وقاتلوا الروم وانهزموا؛ فعاد الملك الكامل إلى آمد. وكان أسر صواب وجماعة من الأمراء فأطلقهم الروم بعد أن أحسنوا إليهم. وفيها قدم رسول الأنبرور الفرنجىّ على الملك الكامل «٣» بهدايا فيها دبّ أبيض، وشعره مثل شعر السّبع، ينزل البحر فيصعد بالسمك فيأكله ومعه أيضا طاوس أبيض. وفيها توفّى الشيخ العارف المسلّك الزاهد شهاب الدين أبو حفص- وقيل أبو عبد الله- عمر بن محمد بن عبد الله بن [محمد بن عبد الله «٤» ] بن عمّويه القرشىّ التّيمىّ البكرىّ السّهروردىّ الصّوفىّ. وذكر الذهبىّ وفاته فى سنة اثنتين وثلاثين وهو الأشهر. قلت: ومولده فى شهر رجب سنة تسع وثلاثين وخمسمائة بسهرورد، وقدم بغداد وهو أمرد، فصحب عمّه الشيخ أبا النّجيب «٥» عبد القاهر وأخذ عنه التصوّف والوعظ

стр. 2025

وصحب أيضا الشيخ عبد القادر «١» الجيلى، وسمع الحديث من عمّه المذكور وغيره، وروى عنه البرزالى «٢» وجماعة كثيرة؛ وكان له فى الطريقة قدم ثابتة ولسان ناطق، وولى عدّة ربط للصّوفيّة، ونفّذه الخليفة إلى عدّة جهات رسولا؛ وكان فقيها عالما واعظا مفتنّا مصنّفا، وهو صاحب التصانيف المشهورة، واشتهر اسمه وقصد من الأقطار، وظهرت بركات أنفاسه على خلق من العصاة فتابوا، ووصل به خلق إلى الله تعالى، وكفّ بصره قبل موته. قال أبو المظفّر سبط بن الجوزىّ: رأيته فى سنة تسعين وخمسمائة يعظ برباط درب المقير «٣» على منبر طين، وعلى رأسه مئزر صوف؛ قال: وصنّف كتابا للصوفيّة وسمّاه «عوارف المعارف» . قال: وجلس يوما ببغداد وذكر أحوال القوم وأنشد- رحمه الله تعالى وعفا عنه-: ما فى الصّحاب أخو وجد نطارحه ... حديث نجد ولا صبّ نجاريه وجعل يردّد البيت ويطرب، فصاح به شابّ من أطراف المجلس، وعليه قباء وكلوتة «٤» ؛ وقال: يا شيخ، لم تسطح وتنتقص القوم! والله إنّ فيهم من لا يرضى أن يجاريك، ولا يصل فهمك إلى ما يقول، هلّا أنشدت: ما فى الصّحاب وقد سارت حمولهم ... إلّا محبّ له فى الرّكب محبوب كأنّه يوسف فى كلّ راحلة ... والحىّ فى كلّ بيت منه يعقوب!

стр. 2026

فصاح الشيخ ونزل من على المنبر وقصده فلم يجده، ووجد موضعه حفرة بها دم ممّا فحص برجلية عند إنشاد الشيخ البيت. انتهى كلام أبى المظفّر باختصار. وفيها توفّى الشيخ طىّ «١» المصرىّ مويد الشيخ محمد الفزارىّ، قدم الشام وأقام مدّة بزاويته، وكان يغشاه الأكابر، وانتفع بصحبته جماعة، وكان زاهدا عابدا، ودفن بزاويته بدمشق. وفيها توفّى الشيخ عبد الله الارمنى الزاهد العابد الورع، كان رحّالا سافر إلى البلاد ولقى الأبدال وأخذ عنهم، وكان له مجاهدات ورياضات وعبادات وسياحات، وكان فى بداية أمره لا يأوى إلّا البرارى القفار ويتناول المباحات؛ قرأ القرآن وكتاب القدورى فى الفقه، وصحب رجالا من الأولياء، وكان معدودا من فقهاء الحنفية؛ وله حكايات ومناقب كثيرة. ومات فى يوم الجمعة تاسع عشرين ذى القعدة، ودفن بسفح قاسيون، وقد جاوز سبعين سنة. وفيها توفّى العلّامة سيف الدّين علىّ بن أبى علىّ بن محمد بن سالم المعروف بالسيف الآمدىّ، كان إماما بارعا لم يكن فى زمانه من يجاريه فى علم الكلام. قال أبو المظفّر: وكان يرمى بأشياء ظاهرها أنّه كان بريئا منها، لأنّه كان سريع الدّمعة، رقيق القلب سليم الصدر، وكان مقيما بحماة وسكن دمشق، وكان بنو العادل: المعظّم والأشرف والكامل يكرهونه لما اشتهر عنه من الاشتغال بالمنطق وعلوم الأوائل. ثم قال أبو المظفّر بعد كلام آخر: وأقام السيف خاملا فى بيته إلى أن توفّى فى صفر، ودفن بقاسيون فى تربته.

стр. 2027

وفيها توفّى كريم الدين الخلاطىّ الأمير، كان أديبا لطيفا حسن اللّقاء ذا مروءة خدم الأشرف والمعظّم والكامل، وحجّ بالناس أميرا من الشام، وتوفّى بدمشق ودفن بقاسيون عند مغارة الجوع. وفيها توفّى الصلاح «١» الإربلىّ، كان أديبا فاضلا شاعرا، خدم مظفّر الدّين صاحب إربل، ثمّ انتقل إلى خدمة الملك المغيث بن العادل، ثمّ خدم الكامل وتقدّم فى دولته وصار نديمه؛ ثم سخط عليه، لأنّه بعثه رسولا إلى أخيه المعظّم فنقل عنه أنّ المعظّم استماله، فحبسه الكامل فى الجبّ «٢» مدّة سنتين، ثم رضى عنه وأخرجه. ومن شعره من قصيدة: من يوم فراقنا على التحقيق ... هذى كبدى أحقّ بالتمزيق لو دام لنا الوصال ألفى سنة ... ما كان يفى بساعة التفريق الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفى إسماعيل بن علىّ بن إسماعيل ابن ماتكين الجوهرىّ فى ذى القعدة، وله ثمانون سنة. ونجم الدين ثابت بن بادان «٣» التّفليسى الصّوفىّ شيخ الأسديّة. وسراج الدين الحسين بن أبى بكر المبارك بن محمد الزّبيدىّ الحنبلىّ فى صفر، وله خمس وثمانون سنة. وزكريّا بن علىّ بن حسّان العلبىّ فى شهر ربيع الأوّل. والخادم طغريل أتابك الملك العزيز «٤» ومدبّر دولته. والشيخ القدوة عبد الله بن يونس الأرمنىّ «٥» . والسيف الآمدىّ علىّ بن أبى علىّ بن محمد بن سالم الثّعلبى فى صفر، وله ثمانون سنة. والمحدّث أبو رشيد محمد بن أبى بكر

стр. 2028

الأصبهانىّ الغزالىّ المقرئ. وأبو عبد الله محمد بن عمر بن يوسف القرطبىّ فى صفر بالمدينة. وأبو الغنائم المسلم بن أحمد المازنى النّصيبىّ فى شهر ربيع الأوّل. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع سواء. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وثلاث أصابع. *** [ما وقع من الحوادث سنة ٦٣٢] السنة السابعة عشرة من ولاية الملك الكامل محمد بن العادل أبى بكر بن أيّوب على مصر، وهى سنة اثنتين وثلاثين وستمائة. فيها خرجت عساكر الروم نحو آمد وحاصروها وأقامو عليها أياما، ثم نازلوا السّويداء «١» فأخذوها. وفيها كان الوباء العظيم بمصر حيث إنّه مات فى شهر نيّف وثلاثون ألف إنسان. وفيها توفّى عبد السلام بن المطهّر بن عبد الله بن محمد بن [أبى «٢» ] عصرون. كان فقيها فاضلا زاهدا إلّا أنّه كان مغزى بالنكاح، كان عنده نيّف وعشرون جارية للفراش. ومات بدمشق ودفن بقاسيون، وهو والد قطب «٣» الدين وتاج «٤» الدين. وفيها توفّى صواب العادلى مقدّم عسكر الملك الكامل الذي كانت الروم أسرته فى عام أوّل، وكان خادما عاقلا شجاعا، وكان العادل والكامل يعتمدان عليه، وكان حاكما على الشرق كلّه من قبل الكامل.

стр. 2029

وفيها توفّى الشيخ شرف الدين أبو حفص «١» عمر بن أبى الحسن علىّ بن المرشد ابن علىّ المعروف بابن الفارض الحموىّ الأصل، المصرىّ [المولد و «٢» ] الدار والوفاة الصالح الشاعر المشهور، أحد البلغاء الفصحاء الأدباء. مولده فى رابع ذى القعدة سنة ستّ وسبعين وخمسمائة، وتوفّى بالقاهرة فى يوم الثلاثاء الثانى من جمادى الأولى «٣» ، ودفن من الغد بسفح المقطم، وقبره معروف به يقصد للزيارة. والفارض (بفتح الفاء وبعدها ألف وراء مكسورة «٤» وضاد معجمة) . وهو الذي مكتب الفروض على النساء والرجال. وهو صاحب النظم الرائق والشعر الفائق الغرامىّ. وديوان شعره مشهور كثير الوجود بأيدى الناس، وشعره أشهر من أن يذكر. فمن مقطّعات شعره قوله: وحياة أشواقى إلي ... ك وحرمة «٥» الصبر الجميل لا أبصرت «٦» عينى سوا ... ك ولا صبوت إلى خليل ومن قصائده المشهورة- ﵀ وعفا عنه-: سائق الأظعان يطوى البيد طىّ ... منعما عرّج على كثبان طىّ وبذات الشّيح عنّى إن مرر ... ت بحىّ من عريب الجزع حىّ وتلطّف واجر ذكرى عندهم ... علّهم أن ينظروا عطفا إلىّ قل تركت الصّبّ فيكم شبحا ... ماله ممّا براه الشّوق فىّ

стр. 2030

خافيا عن عائد لاح كما ... لاح فى برديه بعد النّشر طىّ صار وصف الضّرّ ذاتيّا له ... عن عناء والكلام الحىّ لىّ كهلال الشّكّ لولا أنّه ... أنّ عينى عينه لم تتأىّ مثل مسلوب حياة مثلا ... صار فى حبّكم ملسوب حىّ مسبلا للنّأى طرفا جاد إن ... ضنّ نوء الطّرف إذ يسقط خىّ بين أهليه غريبا نازحا ... وعلى الأوطان لم يعطفه لىّ جامحا إن سيم صبرا عنكم ... وعليكم جانحا لم يتأىّ نشر الكاشح ما كان له ... طاوى الكشح قبيل النأى طىّ فى هواكم رمضان عمره ... ينقضى ما بين إحياء وطىّ صاديا شوقا لصدّى طيفكم ... جدّ ملتاح إلى رؤيا ورىّ حائرا فيما إليه أمره ... حائر والمرء فى المحنة عىّ فكأيّن من أسى أعيا الأسى ... نال لو يغنيه قولى وكأىّ رائيا إنكار ضرّ مسّه ... حذر التعنيف فى تعريف رىّ والذي أرويه عن ظاهر ما ... باطنى يزويه عن علمى زىّ يا أهيل الودّ أنّى تنكرو ... نى كهلا بعد عرفانى فتىّ وهوى الغادة عمرى عادة ... يجلب الشّيب إلى الشابّ الأحىّ نصبا أكسبنى الشوق كما ... تكسب الأفعال نصبا لام كئّ [ومتى أشكو جراحا بالحشى ... زيد بالشّكوى إليها الجرح كىّ] عين حسّادى عليها لى كوت ... لا تعدّاها أليم الكىّ كىّ عجبا فى الحرب أدعى باسلا ... ولها مستبسلا فى الحبّ كىّ هل سمعتم أو رأيتم أسدا ... صاده لحظ مهاة أو ظبىّ

стр. 2031

سهم شهم القوم أشوى وشوى ... سهم ألحاظكم أحشايى شىّ وضع الآسى بصدرى كفّه ... قال مالى حيلة فى ذا الهوىّ أىّ شىء مبرد حرّا شوى ... للشّوى حشو حشاى أىّ شىّ سقمى من سقم أجفانكم ... وبمعسول الثّنايا لى دوىّ أوعدونى أوعدونى وامطلوا ... حكم دين الحبّ دين الحبّ لىّ رجع اللّاحى عليكم آيسا ... من رشادى وكذاك العشق غىّ أبعينيه عمّى عنكم كما ... صمم عن عذله فى أذنىّ أو لم ينه النّهى عن عذله ... زوايا وجه قبول النّصح زى ظلّ يهدى لى هدى فى زعمه ... ضلّ كم يهذى ولا أصغى لغىّ ولما يعذل عن لمياء طو ... ع هوى فى العذل أعصى من عصىّ لومه صبّا لدى الحجر صبا ... بكم دلّ على حجر صبىّ عاذلى عن صبوة عذريّة ... هى بى لا فتئت هىّ بن بىّ ذابت الرّوح اشتياقا فهى بع ... د نفاد الدمع أجرى عبرتىّ فهبوا عينىّ ما أجدى البكا ... عين ماء فهى إحدى منيتىّ أو حشا سال ولا أختارها ... إن تروا ذاك بها منّا علىّ بل أسيئوا فى الهوى أو أحسنوا ... كلّ شىء حسن منكم لدىّ وفيها توفّى عيسى بن سنجر بن بهرام بن جبريل بن خمارتكين «١» الشيخ الإمام الأديب البارع حسام الدين أبو يحيى- وقيل: أبو الفضل- الإربلىّ المعروف بالحاجرىّ الشاعر المشهور. كان جنديّا من أولاد الأتراك. وكان أديبا فاضلا ظريفا فصيحا، وله ديوان شعر مشهور، يغلب على شعره الرّقة والانسجام.

стр. 2032

قال ابن خلّكان- ﵀: وكان صاحبى وأنشدنى كثيرا من شعره، فمن ذلك وهو معنى جيّد فى نهاية الجودة: ما زال يحلف لى بكلّ أليّة ... ألّا يزال مدى الزمان مصاحبى لمّا جفا نزل العذار بخدّه ... فتعجّبوا لسواد وجه الكاذب قال وأنشدنى لنفسه أيضا: لك خال من فوق عر ... ش شقيق قد استوى بعث الصّدع مرسلا ... يأمر الناس بالهوى انتهى. قلت: ومن شعره أيضا: لك «١» أن تشوّقنى إلى الأوطان ... وعلىّ أن أبكى بدمعى القانى إنّ الألى «٢» رحلوا غداة محجّر ... ملئوا القلوب لواعج الأحزان فلأبعثنّ مع النسيم إليهم ... شكوى تميل لها غصون البان نزلوا برامة قاطنين فلا تسل ... ما حلّ بالأغصان والغزلان وكانت وفاته فى يوم الخميس ثانى شوّال، وتقدير عمره خمسون سنة. والحاجرىّ (بفتح الحاء المهملة وبعد الألف جيم مكسورة وبعدها راء) وهذه النسبة إلى حاجر، وكانت بليدة بالحجاز. وسبب تسميته بذلك لأنّه كان يكثر من ذكر الحاجر فى شعره فسمّى بذلك.

стр. 2033

الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى الحسن «١» بن صباح بن حسام المخزومىّ الكاتب فى رجب، وله إحدى وتسعون سنة، وتقي الدين علىّ بن أبى الفتح [المبارك بن «٢» الحسن بن أحمد] بن ماسويه الواسطىّ فى شعبان، وله ست وسبعون سنة. والأديب شرف الدّين عمر بن علىّ بن المرشد الحموىّ بن الفارض بمصر فى جمادى الأولى. والزاهد العارف أبو حفص «٣» عمر بن محمد بن عبد الله التّيمىّ السّهروردىّ فى أوّل السنة، وله ثلاث وتسعون سنة. وأبو عبد الله محمد بن عماد ابن محمد الحرّانىّ التاجر فى صفر بالإسكندرية، وله تسعون سنة. والقدوة الزاهد غانم بن علىّ [بن «٤» إبراهيم بن عساكر] المقدسىّ. والقاضى العلّامة بهاء «٥» الدين يوسف ابن رافع بن تميم الشافعىّ ابن شدّاد بحلب فى صفر. وسيف الدولة محمد بن غسّان الحمصى فى شعبان. وأبو الوفا محمود [بن إبراهيم «٦» بن سفيان] بن مندة التاجر بأصفهان شهيدا فى خلق لا يحصون بسيف التتار فى شوّال. وأبو سعد «٧» محمد بن عبد الواحد المدينى. وحسام الدين عيسى بن سنجر بن بهرام الإربلىّ المعروف بالحاجرىّ الشاعر المشهور، قتله شخص فى شوّال، وله خمسون سنة. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع سواء. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وثلاث عشرة إصبعا.

стр. 2034

*** [ما وقع من الحوادث سنة ٦٣٣] السنة الثامنة عشرة من ولاية الملك الكامل محمد بن العادل أبى بكر بن أيّوب، على مصر، وهى سنة ثلاث وثلاثين وستمائة. فيها استعاد الكامل من الروم حرّان والرّها وغيرهما، وأخرب قلعة الرّها ونزل على دنيسر فأخربها ومعه أخوه الأشرف، وبينما هم فى ذلك جاء كتاب بدر الدين لؤلؤ إلى الأشرف يقول: قد قطع التّتار دجلة فى مائة طلب كلّ طلب خمسمائة فارس، ووصلوا إلى سنجار، فخرج إليهم معين الدين بن كمال الدين بن مهاجر فقتلوه على باب سنجار، ثم رجع التتار ثم عادت. فأمّنهم الأشرف للتوجّه إلى جهة الشرق. وفى هذه السنة كان الطاعون العظيم بمصر وقراها، مات فيه خلق كثير من أهلها وغيرها حتى تجاوز الحدّ. وفيها جاءت الخوارزميّة إلى صاحب ماردين فنزل إليهم وقاتلهم، ثم نزلوا نصيبين وأحرقوها، وفعلوا فيها أعظم ما فعل الكامل بدنيسر. وفيها توفّى الحسن بن محمد القاضى القيلوىّ «١» ، وقيلويّة: قرية من قرى بغداد. كان فاضلا كاتبا، ولد بالعراق سنة أربع وستين وخمسمائة، وكان كثير الأدب مليح الخطّ عارفا بالتواريخ حسن العبارة متواضعا، وكانت وفاته فى ذى القعدة ودفن بمقابر الصوفيّة عند المنيبع. وفيها توفّى أبو المحاسن «٢» محمد بن نصر [الدين بن نصر بن «٣» الحسين] بن عتين الزرعى، أصله من حوران.

стр. 2035

قال أبو المظفّر: «كان خبيث اللّسان هجّاء فاسقا متهتّكا، عمل قصيدة سمّاها: «مقراض الأعراض» خمسمائة بيت، لم يفلت أحد من أهل دمشق منها بأقبح هجو. ونفاه السلطان صلاح الدين إلى الهند، فمضى ومدح ملوكها واكتسب مالا، وعاد إلى دمشق. ومن هجوه فى السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب- رحمه الله تعالى- قوله: سلطاننا أعرج وكاتبه ... ذو عمش والوزير منحدب وصاحب الأمر خلقه شرس ... وعارض الجيش داؤه عجب والدّولعىّ الخطيب معتكف ... وهو على قشر بيضة يثب ولابن باقا وعظ يغرّ به الن ... اس وعبد اللطيف محتسب ولمّا نفى كتب من الهند إلى دمشق: فعلام أبعدتم أخا ثقة ... لم يجترم ذنبا ولا سرقا انفوا المؤذّن من بلادكم ... إن كان ينفى كلّ من صدقا ولمّا عاد إلى دمشق هجا الملك العادل سيف الدين أبا بكر بن أيّوب بقوله: إن سلطاننا الذي نرتجيه ... واسع المال ضيّق الإنفاق هو سيف كما يقال ولكن ... قاطع للرّسوم والأرزاق قال: واستكتبه الملك المعظّم، وكان من أكبر سيّئات المعظّم. ومات عن إحدى وثمانين سنة» . انتهى كلام أبى المظفّر باختصار. وقال ابن خلّكان: «كان خاتمة الشعراء، لم يأت بعده مثله، ولا كان فى أواخر عصره من يقاس به، ولم يكن شعره مع جودته مقصورا على أسلوب واحد. ثم نعته بأشياء إلى أن قال: ولمّا ملك الملك العادل دمشق كتب إليه قصيدته الرائيّة
следующие страницы →