Полный текст (6 264 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
الكرك فنزل إليهم [ووافقهم «١» ] . وكانت أمّه [أيضا «٢» ] خوارزميّة وتزوّج منهم، ثم طلع إلى الكرك واستولى حينئذ على القدس ونابلس [وتلك «٣» الناحية] ، وهرب منه نوّاب صاحب مصر، ثم راسلت الخوارزمية الملك الصالح إسماعيل وهو فى بعلبكّ وحلفوا له فسار إليهم، واتّفقت كلمة الجميع على حرب الصالح صاحب مصر، فقلق الصالح لذلك وطلب ركن الدين بيبرس فقدم مصر فاعتقله. وكان آخر العهد به، ثم خرج بعساكره فخيم بالعبّاسة «٤» وكان قد نفذّ رسوله إلى الخليفة المستعصم يطلب تقليدا بمصر والشام [والشرق «٥» ] ، فجاءه التشريف والطّوق الذهب والمركوب، فلبس التشريف الأسود والعمامة والجبّة، وركب الفرس بالحلية الكاملة، وكان يوما مشهودا؛ ثم جاء الصالح إسماعيل والخوارزميّة ونازلوا دمشق وليس بها كبير عسكر، وبالقلعة الطّواشى رشيد، وبالبلد نائبها حسام الدين بن أبى علىّ الهذبانى، فضبطها وقام بحفظها بنفسه ليلا ونهارا، واشتدّ بها الغلاء وهلك أهلها جوعا ووباء.
قال: وبلغنى أنّ رجلا مات فى الحبس فأكلوه؛ كذلك حدّثنى حسام الدين بن أبى علىّ، فعند ذلك اتّفق عسكر حلب والمنصور صاحب حمص على حرب الخوارزميّة وقصدوهم، فتركوا حصار دمشق وساقوا أيضا يقصدونهم فالتقى الجمعان، ووقع المصافّ فى أوّل سنة أربع وأربعين على القصب «٦» ، وهى منزلة بريد من حمص من قبليها، فاشتدّ القتال والصالح إسماعيل مع الخوارزميّة فانكسروا عند ما قتل مقدّمهم حسام الدين بركة خان، وانهزموا ولم تقم لهم بعدها قائمة، وقتل بركة خان مملوك من الحلبيّين وتشتّتت الخوارزميّة، وخدم طائفة منهم بالشام وطائفة بمصر
стр. 2067
وطائفة مع كشلو خان ذهبوا إلى التّتار وخدموا معهم؛ وكفى الله شرّهم. وعلّق رأس بركة خان على قلعة حلب. ووصل الخبر إلى القاهرة فزيّنت، وحصل الصلح التامّ بين السلطان (يعنى الصالح نجم الدين أيّوب) وبين صاحب حمص والحلبيّين.
وأمّا الصالح إسماعيل [فإنّه] التجأ إلى ابن أخته «١» الملك الناصر صلاح الدين صاحب حلب. وأما نائب دمشق حسام الدين فإنّه سار إلى بعلبك وحاصرها وبها أولاد الصالح إسماعيل فسلّموها بالأمان؛ ثم أرسلوا إلى مصر تحت الحوطة هم والوزير أمين الدولة والأستادار ناصر الدين بن يغمور فاعتقلوا بمصر. وصفت البلاد للملك الصالح. وبقى الملك الناصر داود بالكرك فى حكم المحصور، ثم رضى السلطان على فخر الدين ابن الشيخ وأخرجه من الحبس بعد موت أخيه الوزير معين الدين، وسيّره إلى الشام واستولى على جميع بلاد الناصر داود، وخرّب ضياع الكرك ثم نازلها أياما، وقلّ ما عند الناصر من المال والذخائر وقلّ ناصره، فعمل قصيدة يعاتب فيها السلطان فيما له عنده من اليد من الذبّ عنه وتمليكه ديار مصر، وهى:
قل للذى قاسمته ملك اليد ... ونهضت فيه نهضة المستأسد
عاصيت فيه ذوى الحجى من أسرتى ... وأطعت فيه مكارمى وتودّدى
يا قاطع الرّحم التى صلتى بها ... كتبت على الفلك الأثير بعسجد
إن كنت تقدح فى صريح مناسبى ... فأصبر بعزمك للهيب المرصد
عمّى أبوك ووالدى عمّ به ... يعلو انتسابك كلّ ملك أصيد
صالا وجالا كالأسود ضواريا ... فارتدّ تيّار الفرات المزيد
стр. 2068
دع سيف مقولى البليغ يدبّ عن ... أعراضكم بفرنده المتوقّد
فهو الذي قد صاغ تاج فخاركم ... بمفصّل من لؤلؤ وزبرجد
ثم أخذ يصف نفسه [وجوده ومحاسنه «١» وسؤدده] إلى أن قال:
يا محرجى بالقول والله الذي ... خضعت لعزّته جباه السّجّد
لولا مقال الهجر منك لما بدا ... منّى افتخار بالقريض المنشد
إن [كنت] قلت خلاف ما هو شيمتى ... فالحاكمون بمسمع وبمشهد
والله يا بن العمّ لولا خيفتى ... لرميت ثغرك بالعداة المرّد
لكننى ممّن يخاف حرامه ... ندما يجرّعنى سمام الأسود
فأراك ربّك بالهدى ما ترتجى ... لنراك تفعل كلّ فعل مرشد
لتعيد وجه الملك طلقا ضاحكا ... وتردّ شمل البيت غير مبدّد
كى لا ترى الأيام فينا فرصة ... للخارجين وضحكة للحسّد
قال: ثم إنّ السلطان طلب الأمير حسام الدين بن أبى علىّ وولّاه نيابة الديار المصريّة، واستناب على دمشق الصاحب جمال الدين يحيى بن مطروح، ثم قدم الشام وجاء إلى خدمته صاحب حماة الملك المنصور وهو ابن اثنتى عشرة سنة وصاحب حمص [وهو صغير «٢» ] ، فأكرمهما وقرّبهما، ووصل إلى بعلبكّ، ثم ردّ إلى الشام، ثم رجع السلطان ومرض فى الطريق.
قال ابن واصل: حكى لى الأمير حسام الدين قال: لمّا ودّعنى السلطان قال:
إنّى مسافر وأخاف أن يعرض لى موت وأخى العادل بقلعة مصر، فيأخذ البلاد وما يجرى عليكم منه خير، فإن مرضت ولو أنّه حمّى يوم فأعدمه، فإنّه لا خير فيه؛
стр. 2069
وولدى توران شاه لا يصلح للملك، فإن بلغك موتى فلا تسلّم البلاد لأحد من أهلى، بل سلّمها للخليفة. انتهى.
قال: ودخل السلطان مصر، وصرف حسام الدين عن نيابة مصر بجمال الدين ابن يغمور، وبعث الحسام بالمصريّين إلى الشام، فأقاموا [بالصالحيّة «١» ] أربعة أشهر.
قال ابن واصل: وأقمت مع حسام الدين هذه المدّة، وكان السلطان فى هذه المدّة وقبلها مقيما بأشمون «٢» طنّاح، ثم «٣» فى السنة خرج الحلبيّون وعليهم شمس الدين لؤلؤ الأمينىّ، فنازلوا حمص، ومعهم الملك الصالح إسماعيل يرجعون إلى رأيه، فحاصرها شهرين ولم ينجدها صاحب مصر؛ وكان السلطان مشغولا بمرض عرض له فى بيضه ثم فتح، وحصل منه ناسور بعسر بول «٤» ، وحصلت له فى رئته بعض قرحة متلفة، لكنّه عازم على إنجاد صاحب حمص. ولمّا اشتدّ الحصار بالأشرف صاحب حمص اضطرّ إلى أن أذعن بالصلح، وطلب العوض عن حمص تلّ باشر مضافا إلى ما بيده، وهو الرّحبة «٥» وتدمر، فتسلمها الأمير شمس الدين لؤلؤ الأمينىّ، وأقام بها نوّابا لصاحب
стр. 2070
حلب. فلمّا بلغ السلطان أخذ حمص، وهو مريض، غضب وعظم عليه، وترحّل إلى القاهرة فاستناب بها ابن يغمور وبعث الجيوش إلى الشام لاستنقاذ حمص، وسار السلطان فى محفّة، وذلك فى سنة ستّ وأربعين وستمائة؛ فنزل بقلعة دمشق وبعث جيشه فنازلوا حمص ونصبوا عليها المجانيق، منها منجنيق مغربىّ. ذكر الأمير حسام الدين أنّه كان يرمى حجرا زنته مائة وأربعون رطلا بالدمشقىّ؛ ونصب عليها قرابغا اثنى عشر منجنيقا سلطانيّة، وذلك فى الشتاء. وخرج صاحب حلب بعسكره فنزل بأرض كفر طاب، ودام الحصار إلى أن قدم البادرانىّ «١» للصلح بين صاحب حلب والسلطان، على أن تقرّ حمص بيد صاحب حلب، فوقع الاتّفاق على ذلك؛ وترحّل السلطان عن حمص لمرض السلطان ولأنّ الفرنج تحرّكوا [وقصدوا «٢» مصر] ، وترخّل السلطان إلى الديار المصريّة كذلك وهو فى محفّة.
وكان الناصر صاحب الكرك قد بعث شمس الدين الخسرو شاهى إلى السلطان وهو بدمشق يطلب خبزا بمصر والشّوبك وينزل له عن الكرك، فبعث السلطان تاج الدين [بن «٣» ] مهاجر فى إبرام ذلك إلى الناصر، فرجع عن ذلك لمّا سمع حركة الفرنج؛ وطلب السلطان نائب مصر جمال الدين بن يغمور فاستنابه بدمشق وبعث على نيابة مصر حسام الدين بن أبى علىّ فدخلها فى المحرّم سنة سبع وأربعين؛ وسار السلطان فنزل بأشموم طنّاح ليكون فى مقابلة الفرنج إن قصدوا دمياط، وتواترت الأخبار بأنّ ريدا فرنس مقدّم الأفرنسيسيّة قد خرج من بلاده فى جموع عظيمة وشتّى بجزيرة قبرص؛ وكان من أعظم ملوك الفرنج وأشدّهم بأسا. وريدا
стр. 2071
بلسانهم: الملك، فشحنت دمياط بالذخائر وأحكمت الشوانى، ونزل فخر الدين ابن الشيخ بالعساكر على جزيرة دمياط، فأقبلت مراكب الفرنج فأرست فى البحر بازاء المسلمين فى صفر من الستة، ثم شرعوا من الغد فى النزول إلى البرّ الذي فيه المسلمون وضربت خيمة حمراء لريدا فرنس وناوشهم [المسلمون «١» ] القتال، فقتل يومئذ الأمير نجم الدين ابن شيخ الإسلام، والأمير الوزيرىّ- رحمهما الله تعالى- فترحّل فخر الدين ابن الشيخ بالناس، وقطع بهم الجسر إلى البرّ الشرقى الذي فيه دمياط، وتقهقر إلى أشمون طنّاح، ووقع الخذلان على أهل دمياط، فخرجوا منها طول الليل على وجوههم حتّى لم يبق بها أحد؛ وكان هذا من قبيح رأى فخر الدين، فإنّ دمياط كانت فى نوبة سنة خمس عشرة وستمائة أقلّ ذخائر وعددا، وما قدر عليها الفرنج إلّا بعد سنة، وإنّما هرب أهلها لمّا رأوا هرب العسكر وضعف السلطان؛ فلمّا أصبحت الفرنج ملكوها صفوا بما حوت من العدد والأسلحة والذخائر والغلال والمجانيق، وهذه مصيبة لم يجر مثلها! فلمّا وصلت العساكر وأهل دمياط إلى السلطان حنق على الشجعان الذين كانوا بها، [وأمر «٢» بهم] فشنقوا جميعا ثم رحل بالجيش، وسار إلى المنصورة فنزل بها فى المنزلة التى كان أبوه نزلها، وبها قصر بناه أبوه الكامل، ووقع النّفير العامّ فى المسلمين، فاجتمع بالمنصورة أمم لا يحصون من المطّوّعة والعربان؛ وشرعوا فى الإغارة على الفرنج ومناوشتهم وتخطّفهم، واستمرّ ذلك أشهرا، والسلطان يتزايد والأطباء قد آيسته لاستحكام المرض به.
وأمّا صاحب الكرك (يعنى الملك الناصر داود) فإنّه سافر إلى بغداد فاختلف أولاده، فسار أحدهم إلى الملك الصالح نجم الدين أيّوب وسلّم إليه الكرك، ففرح [بها] مع ما فيه من الأمراض، وزيّنت بلاده وبعث إليها بالطواشى بدر الدين الصّوابى
стр. 2072
نائبا، وقدم عليه أولاد الناصر داود، فبالغ الملك الصالح فى إكرامهم وأقطعهم أخبازا جليلة. ولم يزل يتزايد به المرض إلى أن مات، وأخفى موته على ما سيأتى ذكره. إن شاء الله تعالى.
قال ابن واصل فى سيرة الملك الصالح نجم الدين أيّوب هذا: وكان مهيبا عزيز النفس عفيفا طاهر اللّسان والذّيل، لا يرى الهزل ولا العبث، شديد الوقار كثير الصّمت، اشترى من المماليك الترك ما لم يشتره أحد من أهل بيته حتّى صاروا معظم عسكره، ورجّحهم على الأكراد [وأمّرهم «١» ] ، واشترى وهو بمصر خلقا منهم، وجعلهم بطانته والمحيطين بدهليزه، وسمّاهم «البحرية» . حكى لى حسام الدين ابن أبى علىّ: أن هؤلاء المماليك مع فرط جبروتهم وسطوتهم كانوا أبلغ من يعظّم هيبته، كان إذا خرج وشاهدوا صورته يرعدون خوفا منه، وأنّه لم يقع منه فى حال غضبه كلمة قبيحة قطّ، أكثر ما يقول إذا شتم: يا متخلّف، وكان كثير الباه بجواريه فقط، ولم يكن عنده فى آخر وقت غير زوجتين: إحداهما شجرة الدّر، والأخرى بنت العالمة، تزوّجها بعد مملوكه الجوكندار «٢» ؛ وكان إذا سمع الغناء لا يتزعزع ولا يتحرّك، وكذلك الحاضرون يلتزمون حالته كأنّما على رءوسهم الطير؛ وكان لا يستقلّ أحدا من أرباب دولته بأمر بل يراجعون القصص مع الخدّام، فيوقّع عليها بما يعتمده كتّاب الإنشاء؛ وكان يحبّ أهل الفضل والدّين، وما كان له ميل لمطالعة الكتب؛ وكان كثير العزلة والانفراد، وله نهمة باللّعب بالصّوالجة، وفى إنشاء الأبنية العظيمة الفاخرة. انتهى كلام ابن واصل.
стр. 2073
وقال غيره: وكان ملكا مهيبا جبّارا ذا سطوة وجلالة، وكان فصيحا حسن المحاورة عفيفا عن الفواحش، أمّر مماليكه الترك؛ وجرى بينه وبين عمّه الملك الصالح أمور وحروب إلى أن أخذ «١» نقابة دمشق عام ثلاثة وأربعين؛ وذهب إسماعيل إلى بعلبكّ، ثم أخذت من إسماعيل بعلبك، وتعثّر والتجأ إلى ابن أخته الناصر صاحب حلب. ولمّا خرج الملك الصالح هذا من مصر إلى الشام خاف من بقاء أخيه الملك العادل فقتله سرّا ولم يتمتع بعده؛ ووقعت الأكلة فى خدّه «٢» بدمشق.
ونزل الأفرنس ملك الفرنج بجيوشه على دمياط فأخذها، فسار إليه الملك الصالح فى محفّة حتى نزل المنصورة عليلا، ثم عرض له إسهال إلى أن مات فى ليلة النصف من شعبان بالمنصورة، وأخفى موته حتى أحضروا ولده الملك المعظم توران شاه من حصن كيفا وملّكوه.
وقال سعد الدين: إنّ ابن عمّه فخر الدين نائب السلطنة أمر بتحليف الناس لولده الملك المعظم توران شاه، ولولىّ عهده فخر الدين فتقرّر ذلك، وطلبوا الناس فحضروا وحلفوا إلّا أولاد الناصر داود صاحب الكرك توقّفوا، وقالوا: نشتهى [أن] نبصر السلطان، فدخل خادم وخرج وقال: السلطان يسلّم عليكم، وقال: ما يشتهى أن تروه فى هذه الحالة، وقد رسم لكم أن تحلفوا.
فحلفوا؛ وكان للسلطان مدّة من وفاته ولا يعلم به أحد، وزوجته شجرة الدرّ توقّع مثل خطّه على التواقيع- على ما يأتى ذكره- ولمّا حلف أولاد الناصر صاحب الكرك جاءتهم المصيبة من كلّ ناحية، لأنّ الكرك راحت من يدهم، واسودّت وجوههم عند أبيهم، ومات الملك الصالح الذي أمّلوه وأعطوه الكرك؛
стр. 2074
ثم عقيب ذلك نفوهم من مصر. ثم إنّ الأمير فخر الدين نفذ نسخة الأيمان إلى البلاد [ليحلفوا للمعظّم «١» ] ثم كلّ ذلك والسلطان لم يظهر موته. قال: وكانت أمّ ولده شجرة الدرّ ذات رأى وشهامة، فدبّرت أمر الملك الصالح وأخفت موته. وهى التى وليت الملك مدّة شهرين بعد ذلك، وخطب لها على المنابر بمصر وغيرها- على ما يأتى ذكر ذلك فى محلّه إن شاء الله تعالى. ثم ملك بعدها الأتراك إلى يومنا هذا. انتهى.
وقال الشيخ شمس الدين يوسف بن قزأوغلى فى تاريخه مرآة الزمان- بعد ما ذكر اسم الملك الصالح ومولده قال-: «ولما ملك مصر اجتهد فى خلاص ولده المغيث فلم يقدر. قلت (يعنى المغيث الذي كان حبسه الملك الصالح إسماعيل بقلعة دمشق فى مبادئ أمر الملك الصالح) . قال: وكان مهيبا، هيبته عظيمة، جبّارا أباد الأشرفيّة وغيرهم. وقال جماعة من أمرائه: والله ما نقعد على بابه إلّا ونقول من هاهنا نحمل إلى الحبوس، وكان إذا حبس إنسانا نسيه، ولا يتجاسر أحد أن يخاطبه فيه، وكان يحلف أنّه ما قتل نفسا بغير حقّ. قال صاحب المرآة: وهذه مكابرة ظاهرة؛ فإنّ خواص أصحابه حكوا أنّه لا يمكن إحصاء من قتل من الأشرفية وغيرهم، ولو لم يكن إلّا قتل أخيه العادل [لكفى «٢» ] . قال:
وكانت عتيقته شجرة الدرّ تكتب خطّا يشبه خطّه، فكانت تعلّم على التواقيع، وكان قد نسر مخرج السلطان وامتدّ إلى فخذه اليمنى ورجله ونحل جسمه وعملت له محفّة يركب فيها، وكان يتجلّد، ولا يطّلع أحد على حاله؛ ولمّا مات حمل تابوته إلى الجزيرة فعلّق بسلاسل حتّى قبر فى تربته إلى جانب مدرسته بالقاهرة» .
стр. 2075
قلت: وذكر القطب «١» اليونينىّ فى كتابه الذيل على مرآة الزمان، قال فى ترجمة البهاء «٢» زهير كاتب الملك الصالح قال:
فلمّا خرج الملك الصالح بالكرك من الاعتقال وسار إلى الديار المصرية، كان بهاء الدين زهير المذكور فى صحبته، وأقام عنده فى أعلى المنازل وأجلّ المراتب، وهو المشار إليه فى كتّاب الدرج والمقدّم عليهم، وأكثرهم اختصاصا بالملك الصالح واجتماعا به، وسيّره رسولا فى سنة خمس وأربعين وستمائة إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب حلب يطلب منه إنفاذ الملك الصالح عماد الدين إسماعيل إليه فلم يجب إلى ذلك، وأنكر الناصر هذه الرسالة غاية الإنكار، وأعظمها واستصعبها، وقال: كيف يسعنى أن أسيّر عمّه إليه، وهو خال أبى وكبير البيت الأيّوبىّ حتى يقتله، وقد استجار بى! والله هذا شىء لا أفعله أبدا. ورجع البهاء زهير إلى الملك الصالح نجم الدين بهذا الجواب، فعظم عليه وسكت على ما فى نفسه من الحنق.
وقبل موت الملك الصالح نجم الدين أيّوب بمديدة يسيرة- وهو نازل على المنصورة- تغيّر على بهاء الدين زهير وأبعده لأمر لم يطّلع عليه أحد. قال: حكى لى البهاء أن سبب تغيّره عليه أنّه كتب عن الملك الصالح كتابا إلى الملك الناصر داود صاحب الكرك، وأدخل الكتاب إلى الملك الصالح ليعلّم عليه على العادة، فلمّا وقف عليه الملك الصالح كتب بخطّه بين الأسطر: «أنت تعرف قلّة عقل ابن عمّى، وأنّه
стр. 2076
يحبّ من يعظّمه ويعطيه من يده فاكتب له غير هذا الكتاب ما يعجبه» ، وسيّر الكتاب إلى البهاء زهير ليغيّره، والبهاء زهير مشغول، فأعطاه لفخر الدين إبراهيم بن لقمان وأمره بختمه، فختمه وجهّزه إلى الناصر على يد نجّاب، ولم يتأمّله فسافر به النجّاب لوقته؛ واستبطأ الملك الصالح عود الكتاب إليه ليعلّم عليه؛ ثم سأل عنه بهاء الدين زهير بعد ذلك، وقال له: ما وقفت على ما كتبته بخطّى بين الأسطر؟
قال البهاء زهير: ومن يجسر أن يقف على ما كتبه السلطان بخطه إلى ابن عمّه! وأخبره أنّه سيّر الكتاب مع النجّاب، فقامت قيامة السلطان، وسيّروا فى طلب النجّاب فلم يدركوه؛ ووصل الكتاب إلى الملك الناصر بالكرك فعظم عليه وتألّم له، ثم كتب جوابه إلى الملك الصالح، وهو يعتب فيه العتب المؤلم، ويقول له فيه: والله ما بى ما يصدر منك فى حقّى، وإنما بى اطلاع كتّابك على مثل هذا! فعزّ ذلك على الملك الصالح، وغضب على بهاء الدين زهير، وبهاء الدين لكثرة مروءته نسب ذلك إلى نفسه ولم ينسبه لكاتب الكتاب، وهو فخر الدين بن لقمان- رحمه الله تعالى-.
قال: وكان الملك الصالح كثير التخيّل والغضب والمؤاخذة على الذنب الصغير والمعاقبة على الوهم، لا يقيل عثرة ولا يقبل معذرة ولا يرعى سالف خدمة، والسيئة عنده لا تغفر، والتوسّل إليه لا يقبل، والشفائع لديه لا تؤثّر، فلا يزداد بهذه الأمور التى تسلّ سخائم الصدور إلا انتقاما. وكان ملكا جبّارا متكبّرا شديد السطوة كثير التجبّر والتعاظم على أصحابه وندمائه وخواصه، ثقيل الوطأة؛ لا جرم أن الله تعالى قصّر مدّة ملكه وابتلاه بأمراض عدم فيها صبره. وقتل مماليكه ولده توران شاه من بعده؛ لكنه كان عنده سياسة حسنة ومهابة عظيمة وسعة صدر فى إعطاء العساكر والإنفاق فى مهمّات الدولة، لا يتوقّف فيما يخرجه فى هذا الوجه؛ وكانت همّته عالية جدا، وآماله بعيدة، ونفسه تحدّثه بالاستيلاء على الدنيا بأسرها والتغلّب
стр. 2077
عليها، وانتزاعها من يد ملوكها، حتّى لقد حدّثته نفسه بالاستيلاء على بغداد والعراق؛ وكان لا يمكّن القوىّ من الضعيف، وينصف المشروف من الشريف؛ وهو أوّل من استكثر من المماليك من ملوك البيت الأيّوبىّ، ثم اقتدوا به لمّا آل الملك إليهم.
قلت: ومن ولى مصر بعد الصالح من بنى أيّوب حتى اقتنى المماليك! هو آخر ملوك مصر، ولا عبرة بولاية ولده الملك المعظم توران شاه، اللهم إن كان الذي بالبلاد الشاميّة فيمكن، وأمّا بمصر فلا.
وكانت ولايته بمصر تسع سنين وسعة أشهر وعشرين يوما لأنّه ولى السلطنة فى عشرين ذى الحجّة سنة سبع وثلاثين، ومات فى نصف شعبان سنة سبع وأربعين وستمائة. انتهى.
قال: ولمّا مات الملك الصالح نجم الدين لم يحزن لموته إلّا القليل مع ما كان الناس فيه من قصد الفرنج الديار المصرية واستيلائهم على قلعة منها، ومع هذا سرّ معظم الناس بموته حتّى خواصّه، فإنّهم لم يكونوا يأمنون سطوته ولا يقدرون على الاحتراز منه. قال: ولم يكن فى خلقه الميل لأحد من أصحابه ولا أهله ولا أولاده ولا المحبة لهم ولا الحنوّ عليهم على ما جرت به العادة. وكان يلازم فى خلواته ومجالس أنسه من الناموس ما يلازمه إذا كان جالسا فى دست السلطنة.
وكان عفيف الذيل طاهر اللسان قليل الفحش فى حال غضبه، ينتقم بالفعل لا بالقول- رحمه الله تعالى-. انتهى ما أوردناه فى ترجمة الملك الصالح من أقوال جماعة كثيرة من المؤرّخين ممّن عاصره وبعدهم، فمنهم من شكر ومنهم من أنكر.
قلت: وهذا شأن الناس فى أفعال ملوكهم، والحاكم أحد الخصمين غضبان منه إذا حكم بالحقّ، فكيف السلطان! وفى الجملة هو عندى أعظم ملوك بنى أيّوب
стр. 2078
وأجلّهم وأحسنهم رأيا وتدبيرا ومهابة وشجاعة وسؤددا بعد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب، وهو أخو جدّه الملك العادل أبى بكر بن أيّوب؛ ولو لم يكن من محاسنه إلّا تجلّده على مقابلة العدوّ بالمنصورة، وهو بتلك الأمراض المزمنة المذكورة وموته على الجهاد، والذبّ عن المسلمين.- والله يرحمه- ما كان أصبره وأغزر مروءته.
ولمّا مات رثاه الشعراء بعدّة مراث. وأمّا مدائحه فكثيرة من ذلك ما قاله فيه كاتبه وشاعره بهاء الدين زهير من قصيدته التى أوّلها:
وعد الزيارة طرفه المتملّق ... وبلاء قلبى من جفون تنطق
إنّى لأهوى الحسن حيث وجدته ... وأهيم بالقدّ الرشيق وأعشق
يا عاذلى أنا من سمعت حديثه ... فعساك تحنو أو لعلّك ترفق
لو كنت منّا حيث تسمع أو ترى ... لرأيت ثوب الصبر كيف يمزّق
ورأيت ألطف عاشقين تشاكيا ... وعجبت ممّن لا يحبّ ويعشق
أيسومنى العذّال عنه تصبّرا ... وحياته قلبى أرقّ وأشفق
إن عنّفوا أو سوّفوا أو خوّفوا ... لا انتهى لا أنثنى لا أفرق
أبدا أزيد مع الوصال تلهّفا ... كالعقد فى جيد المليحة يقلق
يا قاتلى إنّى عليك لمشفق ... يا هاجرى إنّى اليك لشيّق
وأذاع أنّى قد سلوتك معشر ... يا ربّ لا عاشوا لذاك ولا بقوا
ما أطمع العذّال إلّا أنّنى ... خوفا عليك إليهم أتملّق
وإذا وعدت الطيف منك بهجعة ... فاشهد علىّ بأنّنى لا أصدق
فعلام قلبك ليس بالقلب الذي ... قد كان لى منه المحبّ المشفق
وأظنّ قدّك شامتا لفراقنا ... فلقد نظرت إليه وهو مخلّق
стр. 2079
ولقد سعيت إلى العلا بعزيمة ... فقضى لسعيى أنّه لا يحقق
وسريت فى ليل كأنّ نجومه ... من فرط غيرتها إلىّ تحدّق
حتّى وصلت سرادق الملك الذي ... تقف الملوك ببابه تسترزق
ووقفت من ملك الزمان بموقف ... ألفيت قلب الدهر منه يخفق
فإليك يا نجم السماء فإنّنى ... قد لاح نجم الدين لى يتألّق
الصالح الملك الذي لزمانه ... حسن يتيه به الزمان ورونق
ملك تحدّث عن أبيه وجدّه ... نسب لعمرى فى العلا لا يلحق
سجدت له حتّى العيون مهابة ... أو ما تراها حين يقبل تطرق
والقصيدة أطول من هذا تركتها خوف الإطالة والملل.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٦٣٨]
السنة الأولى من ولاية الملك الصالح نجم الدين أيّوب بن الكامل محمد على مصر، وهى سنة ثمان وثلاثين وستمائة.
فيها سلّم الملك الصالح إسماعيل الشّقيف «١» لصاحب صيداء الفرنجىّ. وعزل عزّ الدين بن عبد السلام عن الخطابة وحبسه، وحبس أيضا أبا «٢» عمرو بن الحاجب لأنّهما أنكرا عليه فعله، فحبسهما مدّة ثم أطلقهما؛ وولّى العماد «٣» ابن خطيب بيت الأبّار الخطابة عوضا عن ابن عبد السلام.
стр. 2080
وفيها ظهر بالروم رجل تركمانىّ يقال له البابا وادّعى النبوّة، وكان يقول قولوا:
لا إله إلا الله البابا ولىّ الله، واجتمع إليه خلق كثير؛ فجهّز إليه صاحب الروم جيشا فالتقوا، فقتل بينهم أربعة آلاف، وقتل البابا المذكور. قال أبو المظفّر:
«وفيها ذكر أنّ بمازندران «١» - وهى مدينة العجم- عين ماء يطلع منها فى كلّ ستّ وثلاثين سنة حيّة عظيمة مثل المنارة، فتقيم طول النهار، فإذا غربت الشمس غاصت الحيّة فى العين فلا ترى إلّا مثل ذلك الوقت؛ وقيل: إنّ بعض ملوك العجم جاء بنفسه إليها فى مثل ذلك اليوم، وربطها بسلاسل حتّى يعوقها، فلمّا غربت الشمس غاصت فى العين، وهى إلى الآن إذا طلعت رأوا السلاسل فى وسطها» .
قلت: ولعلّها لم تتعرّض لأحد بسوء، وإلّا فكان الناس تحيّلوا فى قتلها وقتلوها بأنواع المكايد. وأمر هذه الحيّة مشهور ذكره غير واحد من المؤرّخين.
وفيها وصل الملك الناصر داود من مصر إلى غزّة، وكان بينه وبين الفرنج وقعة، وكسرهم فيها وغنم منهم أشياء كثيرة.
وفيها توفّى أبو بكر «٢» محمد بن علىّ بن محمد الشيخ الإمام محى الدين العالم المشهور بابن عربى الطائىّ [الأندلسىّ «٣» ] الحاتمىّ فى شهر ربيع الآخر «٤» ، وله بمان وسبعون سنة.
وكان إماما فى علوم الحقائق، وله المصنّفات الكثيرة. وقد اختلف الناس فى تصانيفه وأقواله اختلافا كبيرا. قال «٥» : وكان يقول: أعرف الاسم الأعظم، وأعرف الكيمياء
стр. 2081
بطريق المنازلة لا بطريق الكسب «١» ، وكانت وفاته بدمشق ودفن بقاسيون بتربة القاضى محيى الدين [بن الزكىّ «٢» ] . ومن شعره فى جزار:
ناديت جزّارا تروق صفاته ... قد أخجلت سمر القنا حركاته
يا واضع السّكين فى فمه وقد ... أهدى بها ماء الحياة لهاته
ضعها على المذبوح ثانى كرّة ... وأنا الضمين بأن تعود حياته
قلت: وأحسن من هذا قول البرهان القيراطىّ «٣» ﵀ فى المعنى:
ربّ جزّار هواه ... صار لى دما ولحما
فزت بالألية منه ... وامتلا قلبى شحما
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو علىّ أحمد بن محمّد بن محمود الحرّانىّ ثم البغدادىّ فى المحرّم. والعلّامة القاضى نجم الدين أبو العبّاس أحمد بن محمد بن خلف بن راجح المقدسىّ الشافعىّ مدرس العذراويّة فى شوّال.
وخطيب داريّا «٤» سمح بن ثابت. وجمال الملك علىّ بن مختار العامرىّ ابن الجمل فى شعبان، وله تسعون سنة. ومحيى الدين أبو بكر محمد بن علىّ بن محمد بن العربىّ الطائى الحاتمىّ المرسىّ، وله ثمان وسبعون سنة. مات فى شهر ربيع الآخر.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وعشرون إصبعا.
مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وتسع أصابع.
стр. 2082
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٦٣٩]
السنة الثانية من ولاية الملك الصالح نجم الدين أيّوب على مصر، وهى سنة تسع وثلاثين وستمائة.
فيها شرع الملك الصالح المذكور فى عمارة المدارس «١» ببين القصرين من القاهرة، وشرع أيضا فى بناء قلعة «٢» الجزيرة، وأخذ أملاك الناس، وأخرب نيّفا وثلاثين مسجدا، وقطع ألف نخلة، وغرم عليها خراج مصر سنين كثيرة؛ فلم تقم بعد وفاته، وأخر بها مماليكه الأتراك سنة إحدى وخمسين وستمائة.
стр. 2083
وفيها توفّى أحمد بن الحسين بن أحمد الشيخ الإمام العالم شمس الدين النحوى الإربلىّ ثم الموصلىّ الضّرير [المعروف «١» بابن الخبّاز] صاحب التصانيف. كان إماما بارعا مفتنّا عالما بالنحو واللغة والأدب. ومن شعره فى العناق:
كأنّنى عانقت ريحانة ... تنفّست فى ليلها البارد
فلو ترانا فى قميص الدّجى ... حسبتنا فى جسد واحد
قلت: ومثل هذا قول العلّامة أبى الحسن علىّ «٢» بن الجهم- رحمه الله تعالى-:
سقى الله ليلا ضمّنا بعد هجعة ... وأدنى فؤادا من فؤاد معدّب
فبتنا جميعا لو تراق زجاجة ... من الخمر فيما بيننا لم تسرّب
ومثل هذا قول القائل:
لا والمنازل من نجد وليلتنا ... بالخيف إذ جسدانا بيننا جسد
كم رام منّا الكرى من لطف مسلكه ... نوما فما انفكّ لا خد ولا عضد
ومثل هذا أيضا قول [ابن] النّعاويذىّ «٣» - رحمه الله تعالى-:
فكم ليلة قد بتّ أرشف ريقه ... وجرت على ذاك الشّنيب المنضّد
وبات كما شاء الغرام معانقى ... وبتّ وإيّاه كحرف مشدّد
وقد خرجنا عن المقصود ولنرجع لما نحن بصدده.
وفيها توفى موسى بن يونس بن محمد بن منعة بن مالك العلّامة كمال الدين أبو الفتح الموصلىّ الشافعىّ. مولده فى صفر سنة إحدى وخمسين وخمسمائة بالموصل، وتفقّه على والده وغيره، وبرع فى عدّة علوم.
стр. 2084
قال ابن خلّكان- ﵀: وكان الشيخ يعرف الفقه والأصلين والخلاف والمنطق والطبيعى والإلهى والمجسطى «١» وأقليدس «٢» والهيئة والحساب والجبر والمقابلة والمساحة والموسيقى معرفة لا يشاركه فيها غيره. ثم قال بعد ثناء زائد إلّا أنّه كان يتّهم فى دينه لكون العلوم العقليّة غالبة عليه.
وعمل فيه العماد المغربىّ وهو عمر بن «٣» عبد النور الصّنهاجى النحوىّ هجوا- رحمه الله تعالى-
أجدّك أن قد جاد بعد التعبّس ... غزال بوصل لى وأصبح مؤنسى
وعاطيته صهباء من فيه مزجها ... كرقّة شعرى أو كدين ابن يونس
وكان العماد المذكور قد مدحه قبل ذلك بأبيات منها:
كمال كمال الدين للعلم والعلا ... فهيهات ساع فى مساعيك يطمع
إذا اجتمع النّظّار فى كلّ موطن ... فغاية كلّ أن تقول ويسمعوا
فلا تحسبوهم من عناد تطيلسوا ... ولكن حياء واعترافا تقنّعوا
ومن شعر ابن يونس ما كتبه لصاحب الموصل يشفع عنده شفاعة، وهو:
لئن شرّفت أرض بمالك قدرها «٤» ... فمملكة الدنيا بكم تتشرّف
стр. 2085
بقيت بقا نوح «١» وأمرك نافذ ... وسعيك مشكور وظلّك منصف
ومكّنت فى حفظ البسيطة مثل ما ... تمكّن فى أمصار فرعون يوسف
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى العلّامة شمس الدين أحمد بن الحسين بن أحمد الإربلىّ ثم الموصلىّ الضّرير النحوىّ صاحب التصانيف.
وأحمد بن يعقوب أبو العيناء «٢» المارستانىّ الصّوفىّ فى ذى الحجّة. والفقيه إسحاق ابن طرخان الشّاغورىّ «٣» فى رمضان، وله نحو تسعين سنة. وأبو الطاهر إسماعيل ابن ظفر النابلسىّ فى شوّال، وله خمس «٤» وستّون سنة. وأبو علىّ الحسن بن إبراهيم ابن هبة الله بن دينار الصائغ فى جمادى الآخرة. وخطيب بيت لهيا «٥» أبو الرّبيع سليمان بن إبراهيم بن هبة الله بن رحمة الإسعردىّ الحنبلىّ فى شهر ربيع الآخر.
والفقيه عبد الحميد بن محمد بن أبى بكر بن ماض. والعلّامة كمال الدين أبو الفتح موسى بن يونس الموصلىّ، ذو الفنون فى شعبان عن تسع وثمانين سنة.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وعشرون إصبعا.
مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وإحدى وعشرون إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٦٤٠]
السنة الثالثة من ولاية الملك، الصالح نجم الدين أيّوب على مصر، وهى سنة أربعين وستّمائة.
стр. 2086
فيها كان الوباء ببغداد وتزايدت الأمراض. وتوفّى الخليفة المستنصر وبويع ابنه المستعصم.
وفيها عزم الملك الصالح المذكور على التوجّه إلى الشام، فقيل له: البلاد مختلّة والعساكر مختلفة، فجهّز إليها العساكر وأقام هو بمصر.
وفيها توفّى كمال الدين أحمد ابن صدر الدين شيخ الشيوخ بمدينة غزّة فى صفر عن ستّ وخمسين سنة، وبنى عليه أخوه معين الدين قبّة على جانب الطريق، وكان قد كسره الجواد بعسكر الملك الناصر داود صاحب الكرك؛ وقيل: إنّه مات مسموما.
ومن شعره ما كتبه لابن عمّه «١» سعد الدين:
لو أنّ فى الأرض جنّات مزخرفة ... تحفّ أركانها الولدان والخدم
ولم تكن رأى عينى فالوجود بها ... إذ لا أراك وجود كلّه عدم
وفيها توفّى الخليفة أمير المؤمنين المستنصر بالله أبو جعفر منصور ابن الخليفة الظاهر بأمر الله محمد ابن الخليفة الناصر لدين الله أبى العباس أحمد ابن الخليفة المستضىء بأمر الله حسن ابن الخليفة المستنجد بالله يوسف العباسىّ الهاشمىّ البغدادىّ.
مولده فى سنة ثمان وثمانين وخمسمائة ببغداد، وأمّه أمّ ولد تركيّة، بويع بالخلافة بعد موت أبيه الظاهر بأمر الله فى شهر رجب سنة ثلاث وعشرين وستمائة؛ ولمّا ولى الخلافة نشر العدل فى الرعايا وبذل الإنصاف، وقرّب أهل العلم والدين، وبنى المساجد والرّبط والمدارس، وأقام منار الدين وقمع المتمرّدة، ونشر السنن وكفّ الفتن. وكان أبيض أشقر الشعر ضخما قصيرا، وخطه الشيب فخضب بالحنّاء، ثم ترك الخضاب. ومات فى العشرين من جمادى، وقيل: فى يوم الجمعة عاشر جمادى الآخرة عن إحدى وخمسين سنة وأربعة أشهر وتسعة أيام وكتم موته،
стр. 2087
وخطب له يومئذ بالجامع حتى أقبل شرف الدين «١» إقبال الشّرابىّ ومعه جمع من الخدّام، وسلّم على ولده المستعصم بالله أمير المؤمنين، واستدعاه إلى سدّة الخلافة، ثم عرّف الوزير وأستاذ الدار، ثم طلبوا الناس، وبايعوه بالخلافة وتمّ أمره.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى زين الدين أحمد بن عبد الملك بن عثمان المقدسىّ المحدّث الشّروطىّ. وإبراهيم بن بركات بن إبراهيم الخشوعىّ فى رجب. وعبد العزيز بن محمد بن الحسن بن عبد الله ويعرف بابن الدجاجيّة. وعلم الدين علىّ بن محمود ابن الصابونىّ الصّوفى فى شوّال، وله أربع وثمانون سنة. وأبو الكرم محمد بن عبد الواحد بن أحمد المتوكّلىّ، المعروف بابن شفنين فى رجب، وله إحدى وتسعون سنة. والمستنصر بالله أبو جعفر منصور بن الظاهر، وله اثنتان وخمسون سنة، توفّى فى جمادى الآخرة، وكانت خلافته ثلاث عشرة سنة.
قلت: لعل الذهبىّ وهم فى مدّة خلافته، والصحيح أنّه ولى فى سنة ثلاث وعشر بن وستمائة، وتوفّى سنة أربعين.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وأربع عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وثلاث أصابع.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٦٤١]
السنة الرابعة من ولاية الملك الصالح نجم الدين أيّوب على مصر، وهى سنة إحدى وأربعين وستمائة.
فيها تردّدت الرسل بين السلطان الملك الصالح نجم الدين أيّوب المذكور وبين عمّه الملك الصالح إسماعيل صاحب الشام [فى الصلح «٢» ] ، وكان الملك المغيث بن الصالح
стр. 2088
نجم الدين هذا فى حبس الصالح إسماعيل صاحب الشام بدمشق، فأطلقه الصالح إسماعيل وخطب للصالح هذا ببلاده، ثم تغيّر ذلك كلّه وقبض الصالح إسماعيل ثانيا على الملك المغيث بن الصالح نجم الدين وحبسه.
قال أبو المظفر- ﵀: «وفيها قدمت القاهرة وسافرت إلى الإسكندريّة فى هذه السنة، فوجدتها كما قال الله تعالى: ذات قرار ومعين معمورة بالعلماء، مغمورة بالأولياء، [الذين «١» هم فى الدنيا شامة] : كالشيخ محمد القبّارىّ «٢» والشاطبىّ وابن أبى أسامة «٣» . وهى أولى بقول القيسرانىّ «٤» ﵀ فى وصف دمشق:
أرض تحلّ الأمانى من أماكنها ... بحيث تجتمع الدنيا وتفترق
إذا شدا الطير فى أغصانها وقفت ... على حدائقها الأسماع والحدق
قلت: وأين [قول «٥» ] أبى المظفّر من قول مجير الدين «٦» بن تميم فى وصف الإسكندريّة!:
لمّا قصدت سكندريّة زائرا ... ملأت فؤادى بهجة وسرورا
ما زرت فيها جانبا إلّا رأت ... عيناى فيها جنّة وحريرا
وفيها صالح صاحب الروم التتار على أن يدفع إليهم فى كلّ يوم ألف دينار وفرسا ومملوكا وجارية وكلب صيد؛ وكان صاحب الروم يومئذ ابن علاء الدين كيقباذ، وهو شابّ لعّاب ظالم قليل العقل، يلعب بالكلاب والسباع ويسلّطها على الناس فعضّه بعد ذلك سبع فمات، فأقام التّتار شحنة على الروم.
стр. 2089
وفيها توفّى الشيخ نجم الذين خليل بن علىّ بن الحسين الحموىّ الحنفىّ الفقيه [قاضى العسكر «١» ] ، قدم دمشق وتفقّه بها وخدم المعظّم ودرس فى الرّيحانيّة بدمشق، وناب فى القضاء بها عن الرّفيع «٢» . ومات فى شهر ربيع الأوّل ودفن بقاسيون.
وفيها توفّى مظفّر الدين الملك الجواد يونس بن مودود بن الملك العادل أبى بكر بن أيّوب. وقد تقدّم من ذكره نبذة كبيرة عند وفاة الملك الكامل محمد بدمشق.
انتهى. وكان مظفّر الدين هذا قد جاء إلى ابن عمّه الملك المعظّم لمّا وقع بينه وبين الملك الكامل صاحب مصر [ما وقع «٣» ] فأحسن إليه المعظّم، ثم عاد إلى مصر لمّا مات الملك الأشرف موسى شاه أرمن، فأقام بها عند الكامل إلى أن عاد.
صحبته إلى دمشق وأقام بها إلى أن مات الكامل فملّكوه دمشق، حسب ما حكيناه فى ترجمة الكامل والعادل ابنه؛ ووقع له بعد ذلك أمور. وكان جوادا كما اسمه، ويحبّ الصالحين والفقراء.
قال أبو المظفّر: «إلّا أنّه كان حوله من ينهب الناس ويظلم وينسب ذلك إليه» . قلت: ثمّ قبض عليه عمّه الملك الصالح إسماعيل واعتقله، فطلبه منه الفرنج لصحبة كانت بينهم، فحنقه ابن يغمور وقال: إنّه مات، وكان ذلك فى شوّال، ودفن بقاسيون دمشق فى تربة المعظّم. وأمّا ابن يغمور فإنّه حبس بأذن الصالح بقلعة دمشق، ثم شنقه الملك الصالح أيّوب لما ملك دمشق بعث به ابن شيخ
стр. 2090
الشيوخ إلى مصر، فحبسه الصالح بالجبّ، ثم شنقه بعد مدّة هو وأمين «١» الدولة على قلعة القاهرة.
وفيها توفّى الشيخ الصالح الزاهد أبو بكر [الشّعيبى «٢» ] ، كان من أهل ميّافارقين وكان من الأبدال، بعث إليه غازى صاحب ميّافارقين «٣» مرارا يسأله الإذن فى الزيارة، فلم يأذن له، فقيل له: هل يطرق البلاد التتار؟ فرفع رأسه إلى السماء وأنشد:
وما كلّ أسرار القلوب مباحة ... ولا كلّ ما حلّ الفؤاد يقال
ثم خرج إلى الشّعيبة «٤» وهى قرية هناك وقال: احفروا لى ها هنا، فبعد يومين اموت، فمات بعد يومين- رحمه الله تعالى-.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو تمّام علىّ ابن أبى الفخار هبة الله بن محمد الهاشمىّ خطيب جامع ابن المطّلب [ببغداد «٥» ] ، وله تسعون سنة. وأبو الوفاء عبد الملك بن عبد الحقّ [بن «٦» عبد الوهّاب بن عبد الواحد] ابن الحنبلى. وأمّ الفضل كريمة بنت عبد الوهاب القرشيّة فى جمادى الآخرة.
والعدل أبو المكارم عبد الواحد بن عبد الرحمن بن عبد الواحد [بن محمد «٧» ] بن هلال فى رجب. وأبو طالب عبد اللطيف بن محمد بن علىّ بن القبّيطىّ «٨» التاجر، وله ستّ وثمانون سنة. وأبو محمد عبد الحقّ بن خلف الحنبلىّ. وأبو الرضا علىّ بن زيد التّسارسىّ «٩» الخيّاط بالثغر. والأعزّ بن كرم بن «١٠» محمد الإسكاف. والقاضى شمس الدين عمر بن أسعد بن المنجّا الحنبلى، وله أربع وثمانون سنة. والحافظ تقىّ الدين إبراهيم
стр. 2091
ابن محمد بن الأزهر بدمشق، وله ستون سنة. وقيصر «١» بن فيروز المقرئ البوّاب فى رجب. وقاضى القضاة الرّفيع الحنبلىّ فى آخر السنة.
أمر النيل فى هذه السنة الماء القديم ثلاث أذرع، وقيل أكثر. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وثمانى أصابع.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٦٤٢]
السنة الخامسة من ولاية الملك الصالح نجم الدين أيّوب على مصر، وهى سنة اثنتين وأربعين وستمائة.
فيها توفّى شهاب «٢» الدين أحمد [بن «٣» محمد بن علىّ بن أحمد] بن الناقد وزير الخليفة. كان أبوه وكيل أمّ الخليفة الناصر لدين الله، ونشأ ابنه هذا وتنقّل فى الخدم حتّى ولى الوزارة للخليفة المستنصر، ولقّب مؤيّد الدين، وحسنت سيرته. وكان رجلا صالحا فاضلا عفيفا ديّنا صار فى وزارته أحسن سيرة- رحمه الله تعالى-.
وفيها توفّى شيخ الشيوخ تاج الدين أبو محمد عبد الله بن عمر [بن علىّ «٤» ] بن محمد ابن حمّويه. كان فاضلا نزها شريف النفس عالى الهمّة، صنّف التاريخ وغيره، وكان معدودا من العلماء الفضلاء. ومات فى صفر.
وفيها قتل القاضى الرّفيع عبد العزيز بن عبد الواحد بن إسماعيل أبو حامد الملقّب بالرّفيع. قال أبو المظفّر فى تاريخه: قيل إنّه كان فاسد العقيدة دهريّا مستهترا بأمور الشريعة، يخرج إلى الجمعة سكران، وكذلك كان يجلس فى مجلس الحكم، وكانت داره مثل الحانات، قبض عليه أمين الدولة وبعث به فى الليل إلى بعلبكّ،
стр. 2092
وصودر هناك، وباع أملاكه؛ وبعد ذلك جاءه داود النصرانىّ [سيف «١» النّقمة] فقال: قد أمرنا بحملك إلى بعلبكّ، فأيقن بالهلاك؛ فقال: دعونى أصلى ركعتين! فقال له داود: صلّ، فقام يصلّى فأطال، فرفسه داود من رأس شقيف مطلّ على نهر إبراهيم فوقع، فما وصل إلى الماء إلا وقد تقطّع- وقيل: إنّه تعلّق بذيله بسنّ الجبل فما زال داود يضربه بالحجارة حتّى قتله-. قلت: لا شلّت يداه! فإنّه كان من مساوىء الدنيا!.
وفيها توفّى الملك المغيث عمر بن السلطان الملك الصالح نجم الدين أيّوب صاحب الترجمة، مات فى حياة والده الملك الصالح فى حبس دمشق- بعد أن عجز والده فى خلاصه- فى يوم الجمعة ثانى عشرين شهر ربيع الآخر، وحمل إلى تربة جدّه الملك الكامل محمد فدفن بها، وكان شابّا حسنا عاقلا ديّنا. وقد مرّ من ذكره نبذة كبيرة فى عدّة مواضع من هذا الكتاب.
وفيها توفّى شمس الأئمة محمد بن عبد الستّار بن محمد الإمام العلّامة فريد دهره ووحيد عصره المعروف بشمس الأئمة الكردرىّ «٢» البراتقينىّ الحنفىّ. وبراتقين: قصبة من قصبات كردر من أعمال جرجانيّة «٣» . قال الذهبىّ: كان أستاذ الأئمة على الإطلاق والموفود إليه من الآفاق؛ برع فى علوم، وأقرأ فى فنون؛ وانتهت إليه رياسة الحنفيّة فى زمانه. انتهى. قلت: وشمس الأئمة أحد العلماء الأعلام وأحد من سار ذكره شرقا وغربا، وانتشرت تصانيفه فى الدنيا- رحمه الله تعالى-.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى شيخ الشيوخ تاج الدين عبد الله بن عمر بن علىّ الجوينىّ فى صفر، وله سبعون «٤» سنة. وأبو المنصور
стр. 2093
ظافر بن طاهر [بن ظافر بن «١» إسماعيل] بن سحم الأزدى المطرّز بالإسكندريّة فى شهر ربيع الأوّل. وأبو الفضل يوسف بن عبد المعطى بن منصور بن نجا العسالىّ «٢» ابن المخيلىّ «٣» أحد رءوس الثغر فى جمادى الآخرة، وله أربع وسبعون سنة. وأبو الضوء قمر بن هلال بن بطّاح «٤» القطيعىّ فى رجب. وتاج الدين أحمد بن محمد بن هبة الله بن محمد بن الشّيرازىّ فى رمضان، وقد نيّف على السبعين.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع سواء. مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا سواء.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٦٤٣]
السنة السادسة من ولاية الملك الصالح نجم الدين أيّوب على مصر، وهى سنة ثلاث وأربعين وستمائة.
فيها كان الحصار على دمشق [من المصريين «٥» و] من الخوارزميّة.
وفيها كان الغلاء العظيم بدمشق، وبلغت الغرارة القمح ألفا وستمائة درهم، وأبيعت الأملاك والأمتعة بالهوان.
وفيها أيضا كان الغلاء بمصر، وقاسى أهلها شدائد.
وفيها توفّى الوزير معين الدين الحسن ابن شيخ الشيوخ أبو علىّ وزير الملك الصالح أيّوب، وهو الذي حصر دمشق فيما مضى. كان استوزره الملك الصالح بعد أخيه
стр. 2094
عماد الدين، وكانت وفاته بدمشق فى شهر رمضان، ودفن إلى جانب أخيه عماد الدين المذكور بقاسيون.
وفيها توفّى عبد المحسن بن حمّود بن [عبد «١» ] المحسن أبو الفضل أمين الدين الحلبىّ، كان كاتبا لعزّ «٢» الدين أيبك المعظّمىّ، وكان فاضلا ديّنا بارعا حسن الخط.
ومن شعره فى إجازة- رحمه الله تعالى-:
قد أجزت الذي فيها ... إلى ما التمسوه منى
فلهم بعدها رواية ما صح ... لديهم من الرواية عنّى «٣»
وكانت وفاته فى شهر رجب، ودفن بباب «٤» توما.
وفيها توفّيت ربيعة خاتون بنت أيّوب أخت السلطان صلاح الدين يوسف ابن أيّوب، وأخت الملك العادل أبى بكر بن أيّوب، كان تزوّجها أوّلا سعد الدين مسعود بن معين [الدين «٥» ] أنر، وبعد موته تزوّجها صلاح الدين بن مظفّر الدين بن زين الدين صاحب إربل، ثم قدمت دمشق، وهى صاحبة الأوقاف، وماتت بدمشق ودفنت بقاسيون، وقد جاوزت ثمانين سنة.
وفيها توفّى أحمد بن عيسى ابن العلّامة موفّق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الإمام الحافظ الزاهد سيف الدين بن المجد الحنبلىّ. ولد سنة خمس وستمائة.
وسمع الحديث الكثير، وكتب وصنّف وجمع وخرّج، وكان ثقة حجّة بصيرا بالحديث ورجاله، ومات فى أوّل شعبان.
стр. 2095
وفيها توفى عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى أبى نصر الإمام المفتى تقىّ الدين أبو عمرو ابن الإمام البارع صالح الدين النّصرى الكردىّ الشّهرزورىّ الشافعىّ المعروف بابن الصلاح. ولد سنة سبع وسبعين وخمسمائة وتفقّه على والده الصلاح بشهرزور وغيره، وبرع فى الفقه والحديث والعربيّة وشارك فى فنون.
ومات فى شهر ربيع الآخر ودفن بمقابر الصوفيّة.
وفيها توفّى علىّ بن محمد بن عبد الصمد العلّامة شيخ القرّاء بدمشق علم الدين أبو الحسن الهمذانىّ السّخاوىّ المصرىّ. ولد سنة ثمان أو تسع وخمسين وخمسمائة، وكان إماما علّامة مقرئا محققا مجوّدا بصيرا بالقراءات، ماهرا فى النحو واللغة إماما فى التفسير، مات بدمشق فى جمادى الآخرة.
وفيها توفى محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل الحافظ ضياء الدين أبو عبد الله المقدسىّ السّعدىّ ثم الدّمشقىّ الصالحىّ صاحب التصانيف المشهورة. ولد سنة تسع وستين وخمسمائة، وسمع الكثير ورحل البلاد، وكتب وصنّف وحصّل شيئا كثيرا من الأجزاء والأسانيد. ومات يوم الاثنين الثامن والعشرين من جمادى الآخرة، وله أربع وسبعون سنة.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن مقرّب التّجيبى الإسكندرىّ فى صفر. والحافظ أبو العبّاس أحمد ابن محمود بن إبراهيم بن نبهان بن الجوهرىّ بدمشق فى صفر. والحافظ العلّامة تقىّ الدين عثمان بن الصلاح عبد الرحمن بن عثمان الكردىّ فى شهر ربيع الآخر، وله ست وستون سنة. والحافظ سيف الدين أحمد بن المجد عيسى بن الموفّق فى شعبان. والحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسىّ فى جمادى الآخرة، وله أربع وسبعون سنة. والحافظ الفقيه تقىّ الدين أحمد بن المعزّ محمد بن عبد الغنى
стр. 2096
ابن عبد الواحد المقدسىّ فى شهر ربيع الآخر، وله اثنتان وخمسون سنة. والحافظ المفيد تاج الدين محمد بن أبى جعفر [أحمد بن «١» علىّ] القرطبىّ إمام الكلّاسة فى جمادى الأولى. والرئيس عزّ الدين ابن النّسابة محمد بن أحمد بن محمد [بن الحسن «٢» ] ابن عساكر فى رجب، وله ثمان وسبعون سنة. والعلّامة موفّق الدين يعيش بن علىّ بن يعيش النحوىّ بحلب فى جمادى الأولى، وله تسعون سنة. والعلّامة علم الدين علىّ بن محمد بن عبد الصمد الهمذانىّ السّخاوىّ المقرئ المفسّر؛ وله خمس وثمانون سنة فى جمادى الآخرة. وأبو غالب منصور بن أحمد بن أبى غالب [محمد بن «٣» محمد] المراتبىّ «٤» ابن المعوج فيه، وله ثمان وثمانون سنة. وخطيب الجبل شرف الدين عبد الله ابن الشيخ أبى عمر [محمد «٥» ] المقدسىّ فيه أيضا. والحافظ مجد الدين محمد بن محمود بن حسن [بن هبة الله «٦» بن محاسن] بن النجّار محدث العراق فى شعبان، وله خمس وتسعون سنة. والصاحب معين الدين حسن ابن شيخ الشيوخ صدر الدين محمد بن عمر الجوينىّ بدمشق فى رمضان. والشيخ أبو الحسن علىّ بن الحسين بن المقيّر «٧» النجّار بمصر فى ذى القعدة، وله ثمان وتسعون سنة. وأبو بكر محمد بن سعد «٨» بن الموفّق الصّوفىّ بن الخازن ببغداد فى ذى الحجّة، وله سبع وثمانون سنة. والأمير سيف الدين علىّ بن قليج، ودفن بتربته داخل دمشق.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وعشرون إصبعا.
مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وأربع عشرة إصبعا.
стр. 2097
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٦٤٤]
السنة السابعة من ولاية الملك الصالح نجم الدين أيّوب على مصر، وهى سنة أربع وأربعين وستمائة.
فيها توفّى الملك المنصور صاحب حمص واسمه إبراهيم بن شيركوه بن محمد بن أسد الدين شيركوه الكبير أخو أيّوب. كان المنصور هذا شجاعا متواضعا موافقا للملك الصالح إسماعيل ومصاهرا له. ومات بدمشق فى يوم الأربعاء حادى عشر صفر، وحمل فى تابوت إلى حمص، ومات وله عشرون سنة. وقام بعده على حمص ولده الأشرف موسى، فأقام بها سنتين وشهورا وأخذت منه.
وفيها تسلّم السلطان الملك الصالح أيّوب قلعة الصّبيبة «١» من ابن عمّه الملك السعيد ابن الملك العزيز، ثم أخذ السلطان أيضا حصن الصّلت «٢» من الملك الناصر داود صاحب الكرك.
وفيها قدم رسولان من التّتار إلى بغداد، أحدهما من بركة خان، والآخر من ناخو، فاجتمعا بالوزير مؤيّد الدين ابن العلقمىّ، فتغمّت على الناس بواطن الأمور.
وفيها أخذت الفرنج مدينة شاطبة من بلاد المغرب صلحا، ثم أجلوا أهلها بعد سنة عنها. فما شاء الله كان.
وفيها توفّى بركة خان الخوارزمىّ أحد الخانات الأربعة، كان أصلحهم فى الميل إلى الخير، وكان الملك الصالح نجم الدين- صاحب الترجمة- قد صاهره وأحسن إليه، وجرى منه [عليه «٣» ] ما جرى فى حياة والده الملك الكامل. ولمّا
стр. 2098
قتل انحلّ نظام الخوارزميّة من بعده، وكان قتله بالقرب من حلب فى قتال كان بينه وبين صاحب حلب وحمص. وقد تقدّم ذكر ذلك كلّه فى أوّل ترجمة الصالح هذا.
قال الأمير شمس الدين لؤلؤ: لمّا التقينا على حمص رأيت الخوارزمية خلقا عظيما، وكتا بالنسبة إليهم كالشّامة السوداء فى الثور الأبيض، فقال لى غلمانى (يعنى مماليكه) : أيّما أحبّ إليك، نأخذ بركة خان أسيرا، أو نحمل رأسه إليك؟
فقلت: رأسه، كأنّ الله أنطقنى والتقينا. فلمّا كان بعد ساعة وإذا بواحد من أصحابنا يحمل رأسا مليح الصّورة وليس فى وجهه سوى شعرات يسيرة، ولم يعرفه أحد ولا نحن عرفناه، وانهزموا، وجىء بطائفة منهم أسارى، فلمّا رأوا الرأسّ رموا نفوسهم من خيولهم وحثوا التراب على رءوسهم، فعلمنا حينئذ أنّه رأسه، وبعثنا به إلى حلب.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو عبد الله محمد بن حسّان بن رافع العامرىّ خطيب الموصل. وعبد المنعم بن محمد [بن محمد «١» ] بن أبى الضياء «٢» الدّمشقىّ بحماة. والزاهد إسماعيل بن علىّ الكورانىّ «٣» ، ودفن بمقابر الصّوفيّة.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع سواء. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وتسع أصابع.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٦٤٥]
السنة الثامنة من ولاية الملك الصالح نجم الدين أيّوب على مصر، وهى سنة خمس وأربعين وستّمائة.
стр. 2099
فيها نزل الوزير فخر الدين ابن الشيخ بعسكر الصالح نجم الدين المذكور على طبريّة ففتحها عنوة، وحاصر عسقلان وقاتل عليها قتالا عظيما [وأخذها المسلمون «١» ] .
وفيها وجّه الملك الصالح نجم الدين تاج الدين بن مهاجر من مصر إلى دمشق ومعه المبارز نسيبه ومعهما تذكرة فيها أسماء جماعة من أعيان الدّماشقة بأن يحملوا إلى مصر فحملوا، وهم: [القاضى «٢» ] محيى الدين بن الزّكىّ وابن الحصيرىّ وابن العماد الكاتب وبنو صصرّى الأربعة، وشرف الدين بن المعتمد وابن الخطيب العقربانىّ والتاج [الإسكندرانىّ «٣» ] الملقّب بالشّحرور وأبو الشامات والحكيمىّ «٤» مملوك إسماعيل وغازى والى بصرى وابن الهادى المحتسب؛ وأخرج العماد «٥» ابن خطيب بيت الأبّار من جامع دمشق، وولّى العماد «٦» الحرستانىّ الخطابة عوضه. وسبب حمل هؤلاء الجماعة إلى مصر، أنّه نقل إلى الملك الصالح أيّوب أنّهم خواصّ الصالح إسماعيل، فخاف أن يجرى ما جرى فى النوبة الأولى من أخذ دمشق. ولمّا وصلوا إلى مصر حبس منهم السلطان الملك الصالح جماعة فأقاموا فى الحبس إلى أن مات الملك الصالح، فأخرجوا وعادوا إلى دمشق.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفى العلّامة أبو علىّ عمر بن محمد الأزدىّ الإشبيلىّ النحوىّ الشّلوبينى «٧» فى صفر، وله ثلاث وثمانون سنة.
стр. 2100
وأبو مدين شعيب بن يحيى الإسكندرانىّ الزّعفرانىّ التاجر بمكّة- شرّفها الله تعالى- والشيخ علىّ الحريرىّ فى رمضان عن سنّ عالية.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع سواء. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وتسع عشرة إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٦٤٦]
السنة التاسعة من ولاية الملك الصالح نجم الدين أيّوب على مصر، وهى سنة ستّ وأربعين وستمائة.
فيها قايض الملك الأشرف موسى صاحب حمص تلّ باشر بحمص مع الملك الناصر يوسف [بن العزيز بن الظاهر بن صلاح الدين «١» ] صاحب حلب، ولذلك خرج الملك الصالح نجم الدين أيّوب هذا من مصر بالعساكر حسب ما ذكرناه فى ترجمته، ثم عاد مريضا لمّا بلغه مجىء الفرنج إلى دمياط.
وفيها أخذ الملك الصالح نجم الدين المذكور من الأمير علاء الدين أيدكين البندقدارىّ بيبرس البندقدارىّ الذي تسلطن، اشتراه منه ورقّاه إلى أن صار من أمره ما صار.
وفيها زار الملك الصالح فى عوده إلى مصر القدس الشريف، وأمر أن يذرع سوره، فجاء ستة آلاف ذراع، فأمر بأن يصرف مغلّ القدس فى عمارته. وتصدّق السلطان الملك الصالح بألفى دينار فى الحرم، وزار الخليل- ﵇ ثم عاد إلى مصر.
стр. 2101
وفيها توفّى علىّ «١» بن أبى الجنّ بن منصور الشيخ أبو الجنّ. وأبو محمد «٢» الحريرىّ، مقدّم الطائفة الفقراء الحريريّة، ولد بقرية بسر «٣» وقدم دمشق صبيّا فنشأ بها.
وفى أحوال الحريرىّ هذا أقوال كثيرة، أثنى «٤» عليه أبو شامة وغيره، وتكلّم فيه جماعة منهم الذهبىّ وغيره. والله أعلم بحاله. وقال ابن إسرائيل: وتوفّى فى الساعة التاسعة من يوم الجمعة السادس والعشرين من رمضان سنة خمس وأربعين من عير مرض، وكان أخبر بذلك قبل موته بمدّة.
وفيها توفّى عثمان بن عمر بن أبى بكر بن يونس الشيخ الإمام العالم العلّامة جمال الدين أبو عمرو المعروف بابن الحاجب الكردىّ المالكىّ النحوىّ الأصولىّ صاحب التصانيف فى النحو وغيره. مولده فى سنة سبعين وخمسمائة بإسنا «٥» من بلاد الصعيد، ومات فى شوّال، وفى شهرته ما يغنى عن الإطناب فى ذكره- رحمه الله تعالى-.
стр. 2102
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو علىّ منصور ابن سند «١» [بن منصور المعروف با «٢» ] بن الدبّاغ بالإسكندريّة فى شهر ربيع الأوّل.
وأبو القاسم عبد الله بن الحسين بن عبد الله [بن الحسين «٣» بن عبد الله] بن رواحة الأنصارىّ فى جمادى الآخرة. وله ستّ وثمانون سنة. وأمّ حمزة صفيّة بنت عبد الوهّاب بن علىّ القرشيّة أخت كريمة فى رجب. والعلّامة أبو الحسن علىّ بن جابر بن الدّبّاح الإشبيلىّ بها عند استيلاء الفرنج عليها. والوزير الأكرم علىّ بن يوسف جمال الدين القفطى «٤» بحلب. والعلّامة جمال الدين أبو عمرو عثمان بن الحاجب. وعمرو بن عبد الله بن أبى بكر الإشبيلىّ فى شوّال بالإسكندريّة، وله ستّ وسبعون سنة.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وأربع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثلاث وعشرون إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٦٤٧]
السنة العاشرة من ولاية السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب على مصر، وهى سنة سبع وأربعين وستمائة، وفهيا كانت وفاته فى شعبان، حسب ما تقدّم ذكره.
فيها فى أوّلها كان عود السلطان الملك الصالح المذكور من دمشق- حسب ما ذكرناه فى العام الماضى- قال الذهبىّ: وفيها فى أوّلها عاد الملك الصالح إلى
стр. 2103
الديار المصريّة مريضا فى محفّة، وكان قد قتل أخاه الملك العادل قبل خروجه من مصر فما هنّأه الله. واستعمل على نيابة دمشق الأمير جمال الدين [موسى «١» ] ابن يغمور. قال: وفيها ولدت امرأة ببغداد ابنين وبنتين فى جوف، وشاع ذلك فطلبوا إلى دار الخلافة وأحضروا، وقد مات واحد، فأحضر ميّتا فتعجّبوا، وأعطيت الأمّ من الثياب والحلىّ ما يبلغ ألف دينار.
وفيها توجّه الملك الناصر داود صاحب الكرك إلى الملك الناصر يوسف صاحب حلب، وبلغ السلطان الملك الصالح نجم الدين ذلك، فأرسل إلى نائبه ابن يغمور بدمشق بخراب دار أسامة وقطع شجر بستان القصر الذي للنّاصر داود بالقابون «٢» وخراب القصر، ففعل ذلك.
وفيها سار الملك الظاهر [شادى «٣» ] والملك الأمجد «٤» ابنا الملك الناصر داود المقدّم ذكره من الكرك إلى مصر، وسلّما الكرك إلى السلطان الملك الصالح نجم الدين بغير رضا أبيهما الناصر، فأعطى الملك الصالح للظاهر بن الناصر داود عوضّا عن الكرك خبز مائتى فارس بمصر، وخمسين ألف دينار، وثلثمائة قطعة قماش، والذخائر التى بالكرك؛ وأعطى لأخيه الأمجد إخميم «٥» ، وخبزمائة وخمسين فارسا بمصر؛ فلم تطل مدّتهم بمصر ومات الملك الصالح وزال ذلك كلّه من أيديهم حسب ما تقدّم ذكره، وحسب ما يأتى ذكره أيضا.
وفيها هجمت الفرنج دمياط وأحاطت بها فى شهر ربيع الأوّل، وقد ذكر ذلك كلّه.
стр. 2104
وفيها توفّى الصّاحب فخر الدين يوسف بن صدر الدين شيخ الشيوخ [أبى «١» الحسن محمد بن عمر بن على بن محمد بن حمّويه الجوينىّ] . كان عاقلا جوادا ممدّحا مدبّرا خليقا بالملك محبوبا إلى الناس. ولمّا مات الملك الصالح نجم الدين أيّوب على دمياط ندب إلى الملك فامتنع، ولو أجاب لما خالفوه، واستشهد على دمياط بعد أخذها.
ومن شعره قوله:
عصيت هوى نفسى صغيرا فعند ما ... رمتنى الليالى بالمشيب وبالكبر
أطعت الهوى عكس القضيّة ليتنى ... خلقت كبيرا وانتقلت إلى الصّغر
قلت: ويذكر هذا الشعر أيضا لغيره فيما يأتى- إن شاء الله تعالى-.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو يعقوب يوسف ابن محمود بن الحسين الساوىّ «٢» فى رجب بالقاهرة، وولد بدمشق فى سنة ثمان وستّين. والسلطان الملك الصالح نجم الدين أيّوب بن الكامل بن العادل بالمنصورة فى شعبان، وله أربع وأربعون سنة. والأمير مقدّم الجيوش فخر الدين يوسف ابن شيخ الشيوخ صدر الدين الجوينىّ فى ذى القعدة شهيدا يوم وقعة المنصورة.
وأبو جعفر محمد بن عبد الكريم بن محمد ببغداد. وصفىّ الدين عمر بن عبد الوهّاب ابن البرادعىّ فى شهر ربيع الآخر.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وستّ أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثمانى أصابع.
стр. 2105
[ما وقع من الحوادث سنة ٦٤٨]
ذكر سلطنة الملك المعظّم توران شاه على مصر
هو السلطان الملك المعظّم توران شاه ابن السلطان الملك الصالح نجم الدين أيّوب ابن السلطان الملك الكامل ناصر الدين محمد ابن الملك العادل سيف الدين محمد أبى بكر ابن الأمير نجم الدين أيّوب بن شادى، سلطان الديار المصريّة الأيّوبىّ الكردىّ، آخر ملوك بنى أيّوب بمصر، ولا عبرة بولاية الأشرف فى سلطنة الملك المعزّ أيبك. تسلطن الملك المعظّم هذا بعد موت أبيه الملك الصالح بنحو شهرين ونصف، وقيل: أربعة أشهر ونصف وهو الأصحّ؛ لأنّ الملك الصالح أيّوب كانت وفاته فى ليلة النصف من شعبان سنة سبع وأربعين بالمنصورة، والفرنج محدقة بعساكر الإسلام، فأخفت زوجته أمّ ولده خليل شجرة الدّرّ موته مخافة على المسلمين، وبايعوا لابنه المعظّم هذا بالسلطنة فى غيبته، وصارت شجرة الدّرّ تدبرّ الأمور وتخفى موت السلطان الملك الصالح إلى أن حضر المعظّم توران شاه هذا من حصن كيفا إلى المنصورة فى أوّل المحرّم من سنة ثمان وأربعين وستمائة. وكان المعظّم هذا نائبا لأبيه الملك الصالح على حصن كيفا وغيرها من ديار بكر. ولمّا وصل المعظّم إلى المنصورة فتح الله على يديه، ونصر الله الإسلام فى يوم دخوله فتيمّن الناس بطلعته. وسبب النصر أنّه لمّا استهلّت سنة ثمان وأربعين والفرنج على المنصورة والجيوش الإسلاميّة بإزائهم، وقد طال القتال بين الفريقين أشهرا ضعف حال الفرنج لانقطاع الميرة عنهم، ووقع فى خيلهم وباء وموت، وعزم ملكهم الفرنسيس على أن يركب فى أوّل اللّيل ويسير إلى دمياط، فعلم المسلمون بذلك. وكان الفرنج قد عملوا جسرا عظيما من الصّنوبر على النيل، فسهوا عن قطعه، فعبر منه المسلمون فى الليل إلى برّهم، وخيامهم على حالها وثقلهم، وأحدق المسلمون بهم يتخطّفونهم طول الليل قتلا وأسرا، فالتجئوا
следующие страницы →