← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

فى جمادى الآخرة. والإمام شمس الدين محمد بن عبد الوهّاب بن منصور الحرّانىّ الحنبلىّ فى جمادى الأولى. والشهاب محمد بن يوسف بن مسعود التّلّعفرىّ الشاعر بحماة فى شوّال، وله ثلاث وثمانون سنة. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع وثلاث عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وإحدى عشرة إصبعا «١» .

стр. 2382

[ما وقع من الحوادث سنة ٦٧٦] ذكر ولاية «١» السلطان الملك السعيد محمد ابن الملك الظاهر بيبرس على مصر هو السلطان الملك السعيد ناصر الدين أبو المعالى محمد المدعو بركة خان ابن السلطان الملك الظاهر بيبرس البندقدارىّ الصالحىّ النّجمىّ، الخامس من ملوك التّرك بمصر. سمّى بركة خان على اسم جدّه لأمّه بركة خان «٢» بن دولة خان الخوارزمىّ. تسلطن الملك السعيد هذا فى حياة والده حسب ما ذكرناه فى ترجمة والده فى يوم الخميس ثالث «٣» عشر شوّال سنة اثنتين وستّين وستمائة. وأقام على ذلك سنين، وليس له من السلطنة إلّا مجرّد الاسم، إلى أن توفّى أبوه الملك الظاهر بيبرس فى يوم الخميس بعد صلاة الظهر التاسع والعشرين من المحرّم من سنة ستّ وسبعين وستمائة بدمشق. اتفق رأى الأمراء [على «٤» ] إخفاء موت الظاهر، وكتب الأمير بيليك الخازندار عرّف الملك السعيد هذا بذلك على يد الأمير بدر الدين بكتوت

стр. 2383

الجوكندار الحموىّ، وعلى يد الأمير علاء الدين أيدغمش الحكيمىّ «١» الجاشنكير. فلمّا بلغ الملك السعيد موت والده الملك الظاهر أخفاه أيضا، وخلع عليهما وأعطى كلّ واحد منهما خمسين «٢» ألف درهم، على أنّ ذلك بشارة بعود السلطان إلى الديار المصريّة. وسافرت العساكر من دمشق إلى جهة الديار المصريّة فدخلوها يوم الخميس سادس عشرين صفر من سنة ستّ وسبعين وستمائة، ومقدّمهم الأمير بدر الدين بيليك الخازندار؛ ودخلوا مصر وهم يخفون موت الملك الظاهر فى الصورة الظاهرة، وفى صدر الموكب مكان تسيير السلطان تحت العصائب «٣» ، محفّة وراءها السّلحدارية «٤» والجمداريّة «٥» وغيرهم من أرباب الوظائف توهم أنّ السلطان فى المحفّة مريض، هذا مع عمل جدّ فى إظهار ناموس السلطنة والحرمة للمحفّة والتأدّب مع من فيها حتى تمّ لهم ذلك. قلت: لله درّهم من أمراء وحاشية! ولو كان ذلك فى عصرنا هذا ما قدر الأمراء على إخفاء ذلك من الظهر إلى العصر. ولمّا وصلوا إلى قلعة الجبل، ترجّل الأمراء والعساكر بين يدى المحفّة، كما كانت العادة فى الطريق فى كل منزلة من حين خروجهم من دمشق إلى أن وصلوا إلى قلعة الجبل من باب السرّ، وعند دخولها إلى القلعة اجتمع الأمير بدر الدين بيليك الخازندار بالملك السعيد هذا، وكان الملك السعيد لم يركب لتلقّيهم، وقبّل الأرض ورمى بعمامته ثم صرخ، وقام العزاء فى جميع القلعة، ولوقتهم جمعوا الأمراء

стр. 2384

والمقدّمين والجند وحلّفوهم بالإيوان المجاور لجامع «١» القلعة للملك السعيد، واستثبت له الأمر على هذه الصورة، وخطب له يوم الجمعة [سابع «٢» عشرين صفر] بجوامع القاهرة ومصر، وصلّى على والده صلاة الغائب. ومولد الملك السعيد هذا فى صفر سنة ثمان وخمسين وستمائة؛ وقيل: سنة سبع وخمسين بالعشّ «٣» من ضواحى مصر، ونشأ بديار مصر تحت كنف والده إلى أن سلطنه فى حياته؛ كما تقدّم ذكره. وأمّا الأمير بدر الدين بيليك الخازندار فإنّه لم تطل مدّته، ومات فى ليلة الأحد سابع شهر ربيع الأوّل. وخلع الملك السعيد على الأمير شمس الدين آق سنقر الفارقانىّ بنيابة السلطنة عوضا عن بيليك الخازندار المذكور. وفى سادس عشر شهر ربيع الأوّل [يوم «٤» الأربعاء] ركب السلطان الملك السعيد من القلعة تحت العصائب على عادة والده وسار إلى تحت الجبل «٥» الأحمر، وهذا أوّل ركوبه بعد قدوم العسكر، ثم عاد وشقّ القاهرة وسرّ الناس به سرورا زائدا، وكان

стр. 2385

عمره يومئذ تسع عشرة سنة، وطلع القلعة وأقام إلى يوم الجمعة خامس «١» عشرين شهر ربيع الأوّل المذكور قبض على الأمير سنقر الأشقر وعلى الأمير بدر الدين بيسرى وحبسهما بقلعة الجبل. ثم فى يوم السبت ثامن عشر شهر ربيع الآخر قبض الملك السعيد على الأمير آق سنقر الفارقانىّ نائب السلطنة بديار مصر المقدّم ذكره. ثم فى تاسع عشر الشهر المذكور أفرج الملك السعيد عن الأمير سنقر الأشقر وبيسرى وخلع عليهما وأعادهما إلى مكانتهما. وفى يوم الاثنين رابع جمادى الأولى فتحت المدرسة «٢» التى أنشأها الأمير آق سنقر الفارقانىّ المجاورة للوزيريّة «٣» بالقاهرة وجعل شيخها على مذهب أبى حنيفة رضى الله عنه. وفى يوم الجمعة [رابع عشر «٤» جمادى الآخرة] قبض الملك السعيد على خاله الأمير بدر الدين محمد ابن الأمير حسام الدين بركة خان الخوارزمىّ وحبسه بقلعة الجبل لأمر

стр. 2386

نقمه عليه، ثم أفرج عنه فى ليلة «١» خامس عشرينه، وخلع عليه وأعاده إلى منزلته. وكان الملك السعيد هذا أمر ببناء مدرسة لدفن أبيه فيها، حسب ما أوصى «٢» به والده، فنقل تابوت الملك الظاهر بيبرس فى ليلة الجمعة خامس شهر رجب من قلعة دمشق إلى التربة المذكورة بدمشق داخل باب الفرج قبالة المدرسة «٣» العادليّة، والتربة المذكورة كانت دار الشريف العقيقى «٤» فاشتريت وهدمت، وبنى موضع بابها قبّة الدفن وفتح لها شبابيك على الطريق وجعل بقيّة الدار مدرسة على فريقين: حنفيّة وشافعيّة. وكان دفنه بها فى نصف الليل ولم يحضره سوى الأمير عزّ الدين أيدمر الظاهرىّ نائب الشام، ومن الخواصّ دون العشرة لا غير. ثم وقع الاهتمام إلى السّفر للبلاد الشامية وتجهّز السلطان والعساكر. فلمّا كان يوم السبت سابع ذى القعدة برز الملك السعيد بالعساكر من قلعة الجبل إلى مسجد

стр. 2387

التّبن «١» خارج القاهرة فأقام به إلى يوم السبت حادى عشرينه، انتقل بخواصّه إلى الميدان «٢» الذي أنشأه بين مصر والقاهرة، ودخلت العساكر إلى منازلهم، وبطلت حركة السفر بعد أن أعاد قاضى القضاة شمس الدين أحمد بن خلّكان إلى قضاء دمشق وأعمالها من العريش الى سلمية، وتوجّه ابن خلكان إلى الشام، وطلع الملك السعيد إلى قلعة الجبل وأبطل حركة السفر بالكليّة إلى وقت يريده حسب ما وقع الاتفاق عليه، واستمرّ بالقلعة إلى أن أمر العساكر بالتأهب إلى السفر وتجهّز هو أيضا لأمر اقتضى ذلك. وخرج من الديار المصريّة فى العشر الأوسط من ذى القعدة من سنة سبع وسبعين وستمائة وخرج من القاهرة بعساكره وأمرائه، وسار حتى وصل إلى الشام فى خامس ذى الحجّة، فخرج أهل دمشق إلى ملتقاه وزيّنوا له البلد وسرّوا بقدومه سرورا زائدا. وعمل عيد النّحر بقلعة دمشق وصلّى العيد بالميدان الأخضر. وورد عليه الخبر بموت الصاحب بهاء الدين «٣» على بن محمد بن سليم بن حنّا بالقاهرة، فقبض السلطان على حفيده الصاحب تاج الدين «٤» محمد، وضرب الحوطة على موجوده بسبب موت جدّه الصاحب بهاء الدين المذكور.

стр. 2388

ثم أرسل السلطان الملك السعيد إلى برهان «١» الدين الخضر بن الحسن السّنجارىّ باستقراره وزيرا بالديار المصرية ثم خلع السلطان على الصاحب فتح الدين عبد الله [ابن محمد «٢» بن أحمد بن خالد بن نصر] بن القيسرانىّ بوزارة دمشق، وبسط يده فى بلاد الشام وأمر القضاة وغيرهم بالركوب معه. ثم جهّز السلطان العساكر إلى بلاد سيس للنّهب والإغارة «٣» ، ومقدّمهم الأمير سيف الدين قلاوون الألفىّ. وأقام الملك السعيد بدمشق فى نفر يسير من الأمراء والخواصّ، فصار فى غيبة العسكر يكثر التردّد الى الربعية «٤» من قرى المرج يقيم فيها أيّاما ثمّ يعود. ثم أسقط السلطان ما كان قرّره والده الملك الظاهر على بساتين دمشق فى كلّ سنة، فسرّ الناس بذلك وتضاعفت أدعيتهم له واستمرّ السلطان بدمشق إلى أن وقع الخلف فى العشر الأوسط من شهر ربيع الأوّل من سنة ثمان وسبعين بين المماليك الخاصّكيّة الملازمين لخدمته وبين الأمراء لأمور «٥» يطول شرحها.

стр. 2389

وعجز الملك السعيد عن تلافى ذلك، وخرج عن طاعته الأمير سيف الدين كوندك «١» الظاهرىّ نائب السلطنة ومقدّم العساكر مغاضبا للسلطان الملك السعيد، وخرج معه نحو أربعمائة مملوك من الظاهريّة: منهم جماعة كثيرة مشهورة بالشجاعة ونزلوا بمنزلة القطيّفة «٢» فى انتظار العساكر التى ببلاد سيس ففى العشر الأخير من شهر ربيع الأوّل عادت العساكر من بلاد سيس إلى جهة دمشق فنزلوا بمرج عذراء «٣» إلى القصير «٤» ؛ وكان قد اتّصل بهم سيف الدين كوندك ومن معه واستمالوهم فلم يدخل العسكر دمشق، وأرسلوا إلى الملك السعيد فى معنى الخلف الذي حصل بين الطائفتين، وكان كوندك مائلا إلى الأمير بيسرى. ولمّا اجتمع بالأمير سيف الدين قلاوون الألفى والأمير بدر الدين بيسرى والأمراء الكبار أوحى إليهم عن السلطان ما غلّت صدورهم، وخوّفهم من الخاصّكيّة وعرّفهم أنّ نيّتهم لهم غير جميلة، وأنّ الملك السعيد موافق على ذلك وأكثر من القول المختلق؛ فوقع الكلام بين الأمراء الكبار وبين السلطان الملك السعيد، وتردّدت الرّسل بينهم، فكان من جملة ما اقترح الأمراء على الملك السعيد إبعاد الخاصّكيّة عنه، وألّا يكون لهم فى الدولة تدبير ولا حديث، بل يكونوا على أخبازهم ووظائفهم مقيمين؛ فلم يجب الملك السعيد إلى ذلك؛ فرحل العسكر من مرج عذراء إلى ذيل عقبة الشّحورة «٥» بأسرهم ولم يعبروا المدينة بل جعلوا طريقهم من المرج، وأقاموا بهذه المنزلة ثلاثة أيام، والرّسل تتردّد بينهم وبين

стр. 2390

الملك السعيد؛ ثم رحلوا ونزلوا بمرج «١» الصّفّر وعند رحيلهم رجع الأمير عزّ الدين أيدمر الظاهرى نائب الشام وأكثر عسكر دمشق، وقدموا مدينة دمشق ودخلوا فى طاعة السلطان. وفى يوم رحيلهم من مرج الصّفّر سيّر الملك السعيد والدته بنت بركة خان فى محفّة وفى خدمتها الأمير شمس الدين قرا سنقر، وكان من الذين لم يتوجّهوا إلى بلاد سيس ولحقوا العسكر؛ فلمّا سمعوا بوصولها خرج الأمراء الأكابر المقدّمون لملتقاها، وترجّلوا بأجمعهم وقبّلوا الأرض أمام المحفّة، وبسطوا الحرير العتّابى «٢» وغيره تحت حوافر بغال المحفّة ومشوا أمام المحفّة حتى نزلت فى المنزلة، فلمّا استقرّت بها تحدّثت معهم فى الصلح والانقياد واجتماع الكلمة، فذكروا ما بلغهم من تغيّر السلطان عليهم، وموافقته الخاصّكيّة على ما يرومونه من إمساكهم وإبعادهم؛ فحلفت لهم على بطلان ما نقل إليهم، فاشترطوا شروطا كثيرة التزمت لهم بها، وعادت إلى ولدها وعرّفته الصورة؛ فمنعه من حوله من الخاصّكيّة من الدخول تحت تلك الشروط، وقالوا: ما القصد إلّا إبعادنا عنك حتّى يتمكنوا منك وينزعوك من الملك، فمال إلى كلامهم وأبى قبول تلك الشروط. فلمّا بلغ العسكر ذلك رحل من مرج الصّفّر قاصدا الديار المصريّة؛ فخرج السلطان الملك السعيد بنفسه فيمن معه من الخاصّكيّة جريدة، وساق فى طلبهم ليتلافى الأمر إلى أن بلغ رأس «٣» الماء، فوجدهم قد عدوه وأبعدوا، فعاد من يومه ودخل قلعة دمشق فى الليل وهى ليلة الخميس سلخ شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وسبعين وستمائة. وأصبح فى يوم الجمعة مستهلّ شهر ربيع الآخر خرج السلطان

стр. 2391

الملك السعيد بجميع من تحلّف معه من العساكر المصريّة والشاميّة إلى جهة الديار المصريّة بعد أن صلّى الجمعة بها، وسار بمن معه فى طلب العساكر المقدّم ذكرهم، وجهّز والدته وخزائنه إلى الكرك؛ وسار حتّى وصل إلى بلبيس يوم الجمعة خامس عشر شهر ربيع الآخر المذكور، فوجد العسكر قد سبقه إلى القاهرة؛ فأمر بالرحيل من بلبيس؛ فلمّا أخذت العساكر فى الرحيل من بلبيس بعد العصر فارق الأمير عزّ الدين أيدمر الظاهرىّ نائب الشام وصحبته أكثر أمراء دمشق السلطان الملك السعيد، وانضاف إلى المصريّين، وبلغ الملك السعيد ذلك فلم يكترث؛ وركب بمن بقى معه من خواصّه وعساكره وسار بهم حتّى وصل ظاهر القاهرة؛ وكان نائبه بالديار المصريّة الأمير عز الدين أيبك الأفرم، وهو بقلعة الجبل والعساكر محدقة بها، فتقدّم الملك السعيد بمن معه لقتال العساكر، وكان الذي بقى مع السلطان الملك السعيد جماعة قليلة بالنسبة إلى من يقاتلونه، ووقع المصافّ بينهم وتقاتلوا فحمل الأمير علم الدين سنجر الحلبىّ من جهة الملك السعيد وشقّ الأطلاب ودخل إلى قلعة الجبل بعد أن قتل من الفريقين نفر يسير، وملك القلعة وشال علم السلطان، ثم نزل وفتح للملك السعيد طريقا وطلع به إلى القلعة. وأمّا سنقر الأشقر فإنّه بقى فى المطريّة «١» وحده وصار لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. ولمّا طلع السلطان إليها أحاطت العساكر بها وحاصروها وقاتلوا من بها قتالا شديدا

стр. 2392

وضايقوها وقطعوا الماء الذي يطلع إليها وزحفوا عليها فجدّوا فى القتال، ورأى الملك السعيد تخلّى من كان معه وتخاذل من بقى معه من الخاصّكيّة، وعلم أنّه لا طاقة له بهم، وكان المشار إليه فى العسكر المخامر الأمير سيف الدين قلاوون الألفىّ، وهو حمو الملك السعيد فإنّ الملك السعيد كان تزوّج ابنته قبل ذلك بمدّة «١» ، فجرت المراسلات بينهم وكثر الكلام وتردّدت الرّسل غير مرّة، حتّى استقرّ الحال على أن الملك السعيد يخلع من السلطنة وينصّبون فى السلطنة أخاه بدر الدين سلامش ابن الملك الظاهر بيبرس، ويقطعون الملك السعيد هذا وأخاه نجم الدين خضرا الكرك والشّوبك وأعمالهما؛ فسيّر الملك السعيد الأمير علم الدين سنجر الحلبىّ والقاضى تاج الدين محمد بن الأثير إلى الأمير سيف الدين قلاوون وأعيان الأمراء ليستوثق لنفسه منهم، فحلفوا له على الوفاء بما التزموه من إعطاء الكرك والشّوبك له ولأخيه. وخرج من قلعة الجبل يوم الأحد سابع عشر شهر ربيع الآخر المذكور ونزل إلى دار

стр. 2393

العدل «١» التى على باب القلعة، وكانت مركز الأمير قلاوون فى حال المصافّ والقتال، وكان الحصار ثلاثة أيام بيوم القدوم لا غير. ولمّا حضر الملك السعيد إلى عند قلاوون أحضر أعيان القضاة والأمراء والمفتين وخلعوا الملك السعيد هذا من السلطنة وسلطنوا مكانه «٢» أخاه بدر الدين سلامش ولقّبوه بالملك العادل سلامش، وعمره يومئذ سبع سنين وجعلوا أتابكه الأمير سيف الدين قلاوون الألفى الصالحىّ النّجمىّ. واستمرّت بنت قلاوون عند زوجها الملك السعيد المذكور إلى ما سيأتى ذكره. ثم أخذ قلاوون فى تحليف الأمراء للملك العادل فحلفوا له بأجمعهم على العادة، وضربت السّكّة فى أحد الوجهين: اسم الملك العادل والآخر اسم قلاوون، وخطب لهما أيضا معا على المنابر، واستمرّ الأمر على ذلك؛ وتصرّف قلاوون فى المملكة والخزائن، وعامله الأمراء والجيوش بما يعاملون به السلطان. ثم عمل قلاوون بخلع الملك السعيد محضرا شرعيّا ووضع الأمراء خطوطهم عليه وشهادتهم فيه، وكتب فيه المفتون والقضاة وأعطوا الملك السعيد الكرك وعملها، وأخاه نجم الدين خضرا الشّوبك وعملها. وخرج الملك السعيد من قلعة الجبل إلى بركة «٣» الحجّاج متوجّها إلى الكرك فى يوم الاثنين ثامن عشر شهر ربيع الآخر المذكور من سنة ثمان وسبعين (أعنى ثانى يوم من خلعه) ومعه جماعة من العسكر صورة ترسيم، ومقدّمهم الأمير

стр. 2394

سيف الدين بيدغان الرّكنى، ثم بدا لهم أن يرجعوا به إلى القلعة فعادوا إليها فى نهار الاثنين لأمر أرادوه وقرّروه معه ثم أمروه بالتوجّه؛ فخرج وسافر ليلة الثلاثاء إلى الكرك بمن معه فوصلها يوم الاثنين خامس عشرين شهر ربيع الآخر المذكور، وتسلّم أخوه نجم الدين خضر الشّوبك، وكان الأمير بيدغان ومن معه قد فارقوا الملك السعيد من غزّة ورجعوا إلى الديار المصريّة؛ وأقام الملك السعيد بالكرك وزال ملكه؛ فكانت مدّة حكمه وسلطنته بعد موت أبيه الملك الظاهر بيبرس إلى يوم خلعه سنتين وشهرين «١» وخمسة عشر يوما، واستمرّ بالكرك مع مماليكه وعياله، وقصده الناس والأجناد، فصار ينعم على من يقصده، واستكثر من استخدام المماليك. ثم رسم الأمير سيف الدين قلاوون بانتقال الملك خضر من الشّوبك إلى عند أخيه الملك السعيد بالكرك، وتسلّم نوّاب قلاوون الشّوبك؛ ودام الملك السعيد على ذلك حتى خلع سلامش من السلطنة وتسلطن قلاوون حسب ما يأتى ذكر ذلك كلّه فى ترجمتهما. فلمّا تسلطن قلاوون بلغه عن الملك السعيد أنّه استكثر من استخدام المماليك وأنّه ينعم على من يقصده فاستوحش منه، وتأثّر من ذلك. فمرض الملك السعيد بعد ذلك بمدّة يسيرة وتوفّى، رحمه الله تعالى، فى يوم الجمعة حادى عشر ذى القعدة سنة ثمان وسبعين وستمائة بالكرك، ودفن من يومه بأرض «٢» مؤتة عند جعفر بن أبى طالب، رضى الله عنه، ثم نقل بعد ذلك إلى دمشق فى سنة «٣» ثمانين وستمائة فدفن إلى جنب والده الملك الظاهر بيبرس بالتّربة التى أنشأها قبالة المدرسة العادليّة «٤» السّيفيّة، وألحده

стр. 2395

قاضى القضاة عزّ الدين محمد «١» بن الصائغ. وكانت مدة إقامته بالكرك بعد أن خلع من السلطنة ستة أشهر وخمسة وعشرين يوما. ووجد الناس عليه كثيرا وعمل عزاؤه بسائر البلاد، وخرجت الخوندات حاسرات بجواريهنّ يلطمن بالملاهى والدّفوف أياما عديدة، ويسمعن الملك المنصور قلاوون الكلام الخشن وأنواع السبّ وهو لا يتكلّم، فإنّه نسب اليه أنه اغتاله بالسمّ لمّا سمع كثرة استخدامه للمماليك وغيرهم. قلت: ولا يبعد ذلك عن الملك المنصور قلاوون لكثرة تخوّفه من عظم شوكته وكثرة مماليك والده وحواشيه. وأبغض الناس الملك المنصور قلاوون سنينا كثيرة إلى أن أرضاهم بكثرة الجهاد والفتوحات؛ وأبغض الملك المنصور قلاوون حتى ابنته زوجة الملك السعيد المذكور، فإنّها وجدت على زوجها الملك السعيد وجدا عظيما وتألّمت لفقده؛ ولم تزل باكية عليه حزينة لم تتزوّج بعده إلى أن توفّيت بعد زوجها الملك السعيد بمدّة طويلة فى مستهلّ شهر رجب سنة سبع وثمانين وستمائة. وكانت شقيقة الملك الأشرف خليل بن قلاوون، ودفنت فى تربة «٢» معروفة بوالدها بين مصر والقاهرة.

стр. 2396

وصلّى على الملك السعيد بدمشق صلاة الغائب يوم الجمعة رابع وعشرين ذى الحجّة. ثم أنعم الملك المنصور بالكرك بعد موته على أخيه خضر ولقّب بالملك المسعود خضر. وكان الملك السعيد، ﵀، سلطانا جليلا كريما سخىّ الكفّ، كثير العدل فى الرعيّة، محسنا للخاصّ والعامّ، لا يردّ سائلا ولا يخيّب آملا، وكان متواضعا بشوشا، حسن الأخلاق ليس فى طبعه عسف ولا ظلم، كثير الشفقة والرحمة على الناس، ليّن الكلمة محبّا لفعل الخير، قليل الحجاب على الناس يتصدّى للأحكام بنفسه، وكان لا يميل لسفك الدماء مع قدرته على ذلك، وكان يوم دخوله إلى قلعة الجبل ولد له مولود ذكر من بعض حظاياه فى شهر ربيع الآخر من هذه السنة. وكان يحبّ التجمّل ويكثر من الإنعام على الناس ويخلع حتّى فى الأعزية. ولمّا مات خاله الأمير بدر الدين محمد بن بركة خان بن دولة خان، وكان من أعيان الأمراء بالديار المصريّة فى الدولة الظاهريّة، وكان حصل له عند إفضاء الملك لابن أخته الملك السعيد تقدّم كبير ومكانة عالية، وتوجّه معه إلى دمشق فمرض بها إلى أن توفّى ليلة الخميس تاسع شهر ربيع الأوّل، ودفن بسفح قاسيون بالتّربة المجاورة لرباط الملك الناصر صلاح الدين يوسف؛ ومقدار عمره خمسون سنة، عمل «١» له

стр. 2397

عدّة أعزية وقرئ بالتّربة عدّة ختمات، حضر إحداها ابن أخته الملك السعيد، ومدّ خوان فيه من عظيم فاخر الأطعمة والحلاوات، فأكل من حضر، وخلع الملك السعيد على والدته ومماليكه وخواصّه وهو فى العزاء فلبسوا الخلع وقبّلوا الأرض، وكانت الخلع خارجة عن الحدّ. فهذا أيضا ممّا يدلّ على كرمه ووسع نفسه وكثرة إنعامه حتّى فى الأعزية، رحمه الله تعالى. انتهت ترجمة الملك السعيد. ويأتى ذكر حوادث سنين سلطنته على عادة هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى. السنة الأولى من ولاية الملك السعيد محمد بركة خان على مصر، وهى سنة ستّ وسبعين وستمائة. فيها توفى الشيخ كمال الدين أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل [ «١» بن إبراهيم ابن فارس] الإسكندرى المقرئ، كان عارفا بالقراءات، وانتفع به خلق كثير، وتولّى نظر حبس دمشق، ونظر بيت المال بها مضافا إلى نظر الحبس، وباشر عدّة وظائف دينيّة. ومات فى صفر. وكان رئيسا فاضلا. وفيها توفّى الأمير جمال الدين آقوش بن عبد الله المحمّدىّ الصالحىّ النّجمىّ، كان من أعيان الأمراء ومن أكابرهم، وكان الملك الظاهر بيبرس يخافه، فحبسه مدّة طويلة ثم أفرج عنه فمات فى شهر ربيع الأوّل، ودفن بتربته «٢» بالقرافة الصغرى.

стр. 2398

وفيها توفّى الأمير عزّ الدين أيبك بن عبد الله الموصلىّ الظاهرىّ نائب السلطنة بحمص، وكان ولى حمص مدّة ثم عزله الملك الظاهر عنها ونفاه إلى حصن «١» الأكراد، وكان شجاعا مقداما. وفيها توفّى الأمير عزّ الدين أيبك بن عبد الله الدّمياطىّ الصالحىّ النّجمىّ أحد أكابر الأمراء المقدّمين على الجيوش، كان قديم الهجرة [بينهم «٢» ] فى علوّ المنزلة وسموّ المكانة، وكان الملك الظاهر أيضا حبسه مدّة طويلة ثم أطلقه وأعاده إلى مكانته. ومات بالقاهرة فى شعبان ودفن بتربته التى أنشأها بين القاهرة ومصر فى القبّة «٣» المجاورة لحوض السبيل «٤» المعروف به.

стр. 2399

وفيها توفّى الأمير عزّ الدين أيدمر بن عبد الله العلائىّ نائب قلعة صفد، حضر بعد موت الملك الظاهر إلى القاهرة ومات بها ودفن بالقرافة الصغرى، وكان ديّنا عفيفا أمينا، وهو أخو الأمير علاء الدين أيدكين الصالحىّ. وفيها توفّى الأمير بدر الدين بيليك بن عبد الله الظاهرىّ الخازندار نائب السلطنة بالديار المصريّة بل بالممالك كلّها. قد تقدّم من ذكره نبذة جيّدة فى عدّة مواطن، وهو الذي أخفى موت الملك الظاهر حتى قدم به إلى مصر حسب ما تقدّم ذكره، وكانت وفاته بالقاهرة فى سادس شهر ربيع الأوّل بقلعة الجبل ودفن بتربته «١» التى أنشأها بالقرافة الصغرى، وحزن الناس عليه حزنا شديدا حتى شمل مصابه الخاصّ والعامّ، وعمل عزاؤه بالقاهرة ثلاثة أيام، فى الليل بالشّموع وأنواع الملاهى. وصدّع موته القلوب وأبكى العيون؛ وقيل: إنّه مات مسموما، وكان عمره خمسا وأربعين سنة، ومحاسنه كثيرة يطول الشرح فى ذكرها. وفيها توفّى الشيخ المعتقد خضر بن أبى بكر [محمد «٢» ] بن موسى أبو العبّاس المهرانىّ العدوىّ، كان أصله من قرية المحمّديّة من أعمال جزيرة ابن عمر، وهو شيخ الملك الظاهر بيبرس، وصاحب الزاوية «٣» التى بناها له الملك الظاهر بالحسينيّة على الخليج «٤» بالقرب من جامع «٥» الظاهر. وقد تقدّم من ذكره فى ترجمة الملك الظاهر ما يغنى عن الإعادة هاهنا. وكان الشيخ خضر بشّر الملك الظاهر قبل سلطنته بالملك، فلمّا تسلطن صار له فيه العقيدة العظيمة حتّى إنّه كان ينزل إليه فى الجمعة المرّة والمرّتين،

стр. 2400

وكان يطلعه على غوامض أسراره، ويستشيره فى أموره، ويستصحبه فى أسفاره، وفيه يقول الشريف محمد بن «١» رضوان الناسخ. ما الظاهر السلطان إلا مالك الد ... نيا بذاك لنا الملاحم تخبر ولنا دليل واضح كالشمس فى ... وسط السماء بكلّ عين تنظر لمّا رأينا الخضر يقدم جيشه ... أبدا علمنا أنّه الإسكندر وكان الشيخ يخبر الملك الظاهر بأمور قبل وقوعها فتقع على ما يخبره، ثم تغيّر الملك الظاهر عليه لأمور بلغته عنه وأحضر السلطان من حاققه، وذكروا عنه من القبائح ما لم يصدر عن مسلم! والله أعلم بصحّة ذلك؛ فآستشار الملك الظاهر الأمراء فى أمره، فمنهم من أشار بقتله، ومنهم من أشار بحبسه، فمال الظاهر إلى قتله ففهم خضر؛ فقال للظاهر: اسمع ما أقول لك، إنّ أجلى قريب من أجلك، وبينى وبينك مدّة أيّام يسيرة، فمن مات منّا لحقه صاحبه عن قريب! فوجم الملك الظاهر وكفّ عن قتله، فحبسه فى مكان لا يسمع له فيه حديث، وكان حبسه فى شوّال سنة إحدى وسبعين وستمائة، وتوفّى يوم الخميس أو فى ليلة الجمعة سادس المحرّم سنة ست وسبعين وستمائة، ودفن بزوايته بالحسينيّة. وكان الملك الظاهر بدمشق، فلمّا بلغه موته اضطرب وخاف على نفسه من الموت لما كان قال له الشيخ خضر: إنّ أجله من أجله قريب، فمرض الظاهر بعد أيام يسيرة ومات، فكان بين الشيخ خضر وبين الملك الظاهر دون الشهر. انتهى.

стр. 2401

وفيها توفّى شيخ الإسلام محيى الدين أبو زكريّا يحيى بن شرف بن مرى «١» بن الحسن ابن الحسين النّووىّ «٢» الفقيه الشافعىّ الحافظ الزاهد صاحب المصنّفات المشهورة. ولد فى العشر الأوسط من المحرّم سنة إحدى وثلاثين وستمائة، ومات ليلة الأربعاء رابع عشرين شهر رجب بقرية نوى. قلت: وفضله وعلمه وزهده أشهر من أن يذكر. وقد ذكرنا من أمره نبذة كبيرة فى تاريخنا «المنهل الصافى والمستوفى بعد الوافى» ؛ إذ هو كتاب تراجم يحسن الإطناب فيه. انتهى. الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى الملك القاهر عبد الملك بن المعظّم [عيسى «٣» ] بن العادل [أبى بكر «٤» بن أيّوب] فى المحرّم مسموما. والسلطان الملك الظاهر ركن الدين الصالحىّ بيبرس فى أواخر المحرّم بالقصر «٥» الأبلق،

стр. 2402

وله بضع وخمسون سنة. وكمال الدين إبراهيم بن الوزيرى نجيب الدين [أحمد «١» ] بن إسماعيل [بن إبراهيم «٢» ] بن فارس التّميمىّ الكاتب المقرئ فى صفر، وله ثمانون سنة. والواعظ نجم الدين علىّ بن علىّ بن إسفنديار بدمشق فى رجب، وله خمس «٣» وأربعون سنة وأشهر. وبيليك الظاهرىّ الخازندار نائب مصر. والصاحب معين الدين سليمان بن علىّ [بن محمد «٤» بن حسن] البرواناه الرومىّ، قتله أبغا فى المحرّم. والشيخ خضر بن أبى بكر العدوىّ شيخ السلطان. والشيخ الإمام شمس الدين محمد [بن إبراهيم ابن «٥» عبد الواحد بن علىّ بن سرور قاضى القضاة أبو بكر وأبو عبد الله المعروف ب] ابن العماد الحنبلىّ فى المحرّم بمصر. والقاضى تقىّ الدين محمد بن حياة الرّقّىّ قاضى حلب بتبوك «٦» فى المحرّم. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ست أذرع وثلاث عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وثمانى أصابع. [ما وقع من الحوادث سنة ٦٧٧] السنة الثانية من ولاية الملك السعيد على مصر، وهى سنة سبع وسبعين وستمائة.

стр. 2403

فيها توفّى الشيخ الإمام زين الدين أبو العباس إبراهيم بن أحمد بن أبى الفرج «١» الدّمشقىّ الحنفىّ المعروف بابن السّديد إمام مقصورة الحنفيّة «٢» شمالى جامع دمشق وناظر وقفها. كان إماما فقيها ديّنا كثير الخير غزير المروءة. مات فى جمادى الأولى ببستانه بالمزّة «٣» ودفن بسفح قاسيون. وفيها توفّى الأمير شمس الدّين آق سنقر بن عبد الله الفارقانىّ، كان أصله من مماليك الأمير نجم الدين حاجب الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب الشام، ثم انتقل إلى ملك السلطان الملك الظاهر بيبرس، وتقدّم عنده وجعله أستادارا كبيرا. وكان للملك الظاهر عدّة أستادارية، وكان الملك الظاهر كثير الوثوق به فى أموره ويستنيبه فى غيبته ويقدّمه على عساكره، ولمّا صار الأمر إلى الملك السعيد جعله نائبه لسائر الممالك بعد بيليك الخازندار، فلمّا ثارت الخاصّكيّة قبضوا عليه وقتلوه، وقيل إنّه بقى فى هذه السنة، والأصحّ أنّهم قبضوا عليه وسجنوه إلى أن مات فى جمادى الأولى من هذه السنة. وكان أميرا كبيرا جسيما شجاعا مقداما مهابا ذا رأى وتدبير وعقل ودهاء، كثير البرّ والصدقات عالى الهمّة، وله مدرسة «٤» عند داره داخل باب سعادة «٥» بالقاهرة.

стр. 2404

وفيها توفّى الأمير جمال الدين آقوش بن عبد الله النّجيبىّ الصالحىّ النّجمىّ الأيّوبىّ، كان مقرّبا عند أستاذه الملك الصالح وولّاه أستادارا، وكان كثير الاعتماد عليه. ثم ولّاه الملك الظاهر بيبرس نيابة دمشق فأقام بها تسع سنين، ثم عزله وتركه بطّالا بالقاهرة إلى أن مات بها فى ليلة الجمعة خامس شهر ربيع الآخر بداره «١» بدرب ملوخيّا من القاهرة، ودفن يوم الجمعة بتربته «٢» بالقرافة الصغرى. وفيها توفّى الشيخ جمال الدين طه بن إبراهيم بن أبى بكر بن أحمد بن بختيار الهذبانى الإربلىّ، كان عنده فضيلة وأدب ورياسة، وله يد فى النظم. ومات فى جمادى الأولى. ومن شعره فى النهى عن النظر فى النجوم: دع النجوم لطرقىّ «٣» يعيش بها ... وبالعزيمة فانهض أيّها الملك إنّ النّبيّ وأصحاب النّبيّ نهوا ... عن النجوم وقد أبصرت ما ملكوا وفيها توفّى قاضى القضاة مجد الدين أبو المجد عبد الرحمن بن عمر بن أحمد بن هبة الله العقيلىّ الحلبىّ الحنفىّ ابن الصاحب كمال الدين عمر «٤» بن العديم. كان إماما

стр. 2405

عالما فاضلا كبير الديانة والورع، كان جمع بين العلم والعمل والرياسة، ولى قضاء دمشق مع عدّة تداريس، ولم يزل قاضيا إلى أن توفّى بظاهر دمشق بجوسقه «١» الذي على الشّرف [الأعلى «٢» ] القبلى فى يوم الثلاثاء سادس عشر شهر ربيع الاخر، ودفن فى تربة أنشأها قبالة الجوسق المذكور. ومن شعره ما كتبه لخاله عون الدين سليمان «٣» ابن العجمىّ بسبب ابن مالك، فقال: أمولاى عون الدين يا راويا لنا ... حديث المعالى عن عطاء ونافع بعيشك حدّثنى حديث ابن مالك ... فأنت له يا مالكى خير شافع وفيها توفّى الشيخ موفّق الدين أبو محمد عبد الله بن عمر بن نصر الله الأنصارىّ، كان أديبا فاضلا. قال الشيخ قطب الدين اليونينىّ فى الذيل على المرآة: «صاحبنا [كان أديبا فاضلا «٤» مقتدرا على النظم] ، وله مشاركة فى علوم كثيرة، منها: الكحل والطبّ، وغير ذلك من الفقه والنحو والأدب، ويعظ الناس، حلو النادرة حسن المحاضرة» . انتهى كلام قطب الدين. قلت ومن شعره: قلبى وطرفى فى ديارهم ... هذا يهيم بها وذا يهمى رسم الهوى لما وقفت بها ... للدمع أن يجرى على الرسم وفيها توفّى الأديب نجم الدين أبو المعالى محمد بن سوّار بن إسرائيل بن الخضر بن إسرائيل الشّيبانىّ الدمشقىّ المولد والدار والوفاة، كان أديبا فاضلا قادرا على النظم

стр. 2406

صوفيّا. وقد ذكرنا حكايته مع الشّهاب «١» الخيمىّ لمّا ادّعى كلّ منهما القصيدة البائية التى أوّلها: يا مطلبا ليس لى فى غيره أرب وتداعيا عند الشيخ شرف الدين عمر بن الفارض فأمر ابن الفارض أن يعمل كل منهما قصيدة على الوزن والقافية فعملا ذلك، فحكم ابن الفارض بالقصيدة للشهاب الخيمىّ. وقد ذكرنا القصائد الثلاث فى «المنهل الصافى» فى ترجمة شهاب الدين الخيمىّ. وابن إسرائيل هذا ممّن تكلّموا فيه ورموه بالاتّحاد. والله أعلم بحاله. ومن شعر ابن إسرائيل هذا على مذهب القوم: خلا منه طرفى وامتلا منه خاطرى ... فطرفى له شاك وقلبى شاكر ولو أنّنى أنصفت لم تشك مقلتى ... بعادا ودارات الوجود مظاهر وله أيضا: يا من تناءى وفؤادى داره ... مضناك قد أقلقه تذكاره صددت عنه قبل ما وصلته ... وكان قبل سكره خماره وفيها توفّى الشيخ الإمام العلّامة مجد الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عمر ابن أحمد بن أبى شاكر الإربلىّ الأديب الفقيه الحنفىّ المعروف بابن الظّهير. مولده بإربل فى ثانى صفر سنة اثنتين وستمائة ونشأ بها، وطلب العلم وتفقّه وبرع فى الفقه والأصول والعربيّة، وقدم دمشق وتصدّى بها للإقراء والتدريس ودرّس بالقايمازيّة «٢»

стр. 2407

بدمشق؛ وهو من أعيان شيوخ الأدب وفحول المتأخرين وله ديوان شعر، وسمع الحديث ببغداد من أبى بكر بن الخازن «١» والكاشغرىّ «٢» [و] بدمشق من السّخاوىّ «٣» وكريمة «٤» وتاج «٥» الدين بن حمّويه؛ وروى عنه أبو شامة «٦» والقوصىّ «٧» والدّمياطى «٨» والشهاب «٩» محمود، وعليه تدرّب فى الأدب، و [أبو الحسين «١٠» ] اليونينىّ والحافظ «١١» جمال الدين المزّىّ. ولمّا مات رثاه تلميذه الشّهاب محمود بقصيدة أوّلها: تمكّن «١٢» ليلى واطمأنّت كواكبه ... وسدّت على صبح «١٣» الغداة مذاهبه بكته معاليه ولم ير قبله ... كريم مضى والمكرمات نوادبه «١٤» ومن شعر ابن الظّهير: قلبى «١٥» وطرفى ذا يسيل دما وذا ... دون «١٦» الورى أنت العليم بقرحه

стр. 2408

وهما بحبّك شاهدان وإنّما ... تعديل كلّ منهما فى جرحه والقلب منزلك القديم فإن تجد ... فيه سواك من الأنام فنحّه الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى الأديب نجم الدين محمد [بن «١» سوّار] بن إسرائيل الحريرى «٢» الشاعر المشهور فى شهر ربيع الآخر. والإمام مجد الدين محمد بن أحمد بن عمر بن الظّهير الحنفىّ الأديب فى شهر ربيع الآخر أيضا. والأمير شمس الدين آق سنقر الفارقانىّ فى الحبس فى جمادى الأولى. والأمير جمال الدين آقوش النّجيبىّ بالقاهرة فى شهر ربيع الآخر. وشيخ الحنفية وقاضيهم الصّدر سليمان بن أبى العزّ بن وهيب «٣» الحنفى فى شعبان، وله ثلاث وثمانون سنة. والصاحب مجد الدين أبو المجد عبد الرحمن بن أبى القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله العقيلىّ قاضى الحنفية فى شهر ربيع الآخر، وله ثلاث وستون سنة. والوزير بهاء الدين علىّ بن محمد بن سليم «٤» المصرىّ بن حنّا فى ذى القعدة. والمحدّث ناصر الدين محمد ابن عربشاه «٥» الهمذانىّ فى جمادى الأولى. والمحدّث شهاب الدين أحمد بن محمد بن عيسى الجزرىّ. وأبو المرجىّ «٦» المؤمّل بن محمد بن علىّ [بن محمد «٧» بن علىّ بن منصور عزّ الدين] البالسىّ فى رجب. أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم سبع أذرع وإحدى وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وخمس أصابع.

стр. 2409

ذكر سلطنة الملك العادل سلامش «١» على مصر هو السلطان الملك العادل بدر الدين سلامش ابن السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقدارىّ الصالحىّ النجمىّ السادس من ملوك الترك بمصر. تسلطن بعد خلع أخيه الملك السعيد أبى المعالى ناصر الدين محمد بركة خان باتّفاق الأمراء على سلطنته، وجلس على سرير الملك فى يوم الأحد سابع عشر شهر ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين وستمائة وعمره يوم تسلطن سبع سنين. وجعلوا أتابكه ومدبّر مملكته الأمير سيف الدين قلاوون الصالحى النّجمىّ. وضربت السّكّة على أحد الوجهين باسم الملك العادل سلامش هذا، وعلى الوجه الآخر اسم الأمير قلاوون؛ وخطب لهما أيضا على المنابر. واستمرّ الأمر على ذلك وصار الأمير قلاوون هو المتصرّف فى الممالك والعساكر والخزائن، ولم يكن لسلامش فى السلطنة مع قلاوون إلّا مجرّد الاسم فقط. وأخذ قلاوون فى الأمر لنفسه. فلمّا استقام له الأمر دخل إليه الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ووافقه على السلطنة وأخفى ذلك لكونه كان خشداشه، وكان الأمير عزّ الدين أيدمر نائب الشام عاد إلى الشام بمن معه بعد خلع الملك السعيد، فوصل إلى دمشق يوم الأحد مستهلّ جمادى الأولى، فخرج لتلقّيه من كان تخلّف بدمشق من الأمراء والجند، والمقدّم عليهم الأمير جمال الدين آقوش الشمسىّ. وكان قلاوون قد كاتب آقوش فى أمر أيدمر هذا والقبض عليه، فلمّا وصلوا إلى مصلّى العيد بقصر حجّاج احتاط الأمير جمال الدين آقوش الشمسى والأمراء الذين معه على الأمير أيدمر نائب الشام وأخذوه بينهم، وفرّقوا بينه وبين عسكره الذين حضروا معه من الديار المصريّة، ودخلوا إلى

стр. 2410

دمشق من باب «١» الجابية، ورسموا عليه بدار فى دمشق؛ ثمّ نقلوه إلى قلعة دمشق واعتقلوه بها. وكان الملك السعيد قبل أن يخرج من الشام سلّم قلعة دمشق للأمير علم الدين سنجر الدّويدارىّ وجعله النائب عنه أيضا فى البلد. ثمّ أرسل قلاوون جمال الدين آقوش الباخلى وشمس الدين سنقر جاه [الكنجىّ «٢» ] إلى البلاد الشاميّة وعلى يدهم نسخة الأيمان بالصورة التى استقرّ الحال عليها بمصر، وأحضروا الأمراء والجند والقضاة والعلماء وأكابر البلد للحلف، وكان معهم نسخة بالمكتوب المتضمّن خلع الملك السعيد وتولية الملك العادل سلامش، فقرئ ذلك على الناس وحلفوا واستمرّ الحلف أيّاما. ثمّ إنّ الأمير قلاوون ولّى خشداشه الذي اتّفق معه على السلطنة، وهو الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، نيابة الشام وأعمالها فتوجّه سنقر الأشقر إليها، ودخلها يوم الأربعاء ثالث جمادى الآخرة من سنة ثمان وسبعين المذكورة بتجمّل زائد، فكان موكبه يضاهى موكب السلطان، وعند وصوله إلى دمشق أمر الأمير علم الدين سنجر الدّويدارىّ بالنزول من قلعة دمشق فنزل فى الحال. وصفا الوقت للأمير قلاوون بمسك أيدمر نائب الشام، وبخروج سنقر الأشقر من الديار المصريّة وانبرم أمره مع الأمراء والخاصّكيّة، واتّفقوا معه على خلع الملك العادل سلامش من السلطنة وتوليته إيّاها. فلمّا كان يوم الثلاثاء حادى عشرين شهر رجب سنة ثمان وسبعين وستمائة اجتمع الأمراء والقضاة والأعيان بقلعة الجبل وخلعوا الملك العادل بدر الدين سلامش من السلطنة لصغر سنّه، وتسلطن عوضه أتابكه الأمير سيف الدين قلاوون الألفى الصالحىّ النّجمىّ،

стр. 2411

ونعت بالملك المنصور، على أنّه كان هو المتصرّف فى المملكة منذ خلع الملك السعيد وتسلطن الملك العادل سلامش، ولم يكن لسلامش فى أيام سلطنته غير الاسم، وقلاوون هو الكلّ! وكان عدم سلطنة قلاوون قبل سلامش أنّه خاف ثورة المماليك الظاهريّة عليه، فإنّهم كانوا يوم ذاك هم معظم عسكر الديار المصريّة، وأيضا كانت بعض القلاع فى يد نوّاب الملك السعيد فلمّا مهّد أمره تسلطن. ولمّا بلغ سنقر الأشقر سلطنة قلاوون داخله الطّمع فى الملك وأظهر العصيان، على ما سيأتى ذكره فى ترجمة الملك المنصور قلاوون إن شاء الله تعالى. وكانت مدّة سلطنة الملك العادل بدر الدين سلامش على مصر ثلاثة أشهر وستّة «١» أيام. ولزم الملك العادل سلامش داره عند أمّه إلى أن أرسله الملك المنصور قلاوون إلى الكرك، فأقام به عند أخيه الملك خضر «٢» مدّة؛ ثم رسم الملك المنصور بإحضاره «٣» إلى القاهرة فحضر إليها، وبقى خاملا إلى أن مات الملك المنصور قلاوون وتسلطن من بعده ولده الملك الأشرف خليل بن قلاوون، جهزه وأخاه الملك خضرا وأهله إلى مدينة اسطنبول بلاد الأشكرى، فأقام هناك إلى أن توفّى بها فى سنة تسعين وستمائة. وكان شابّا مليحا جميلا تامّ الشكل رشيق القدّ طويل الشّعر ذا حياء

стр. 2412

ووقار وعقل تامّ. مات وله من العمر قريب من عشرين سنة؛ قيل: إنّه كان أحسن أهل زمانه، وبه افتتن جماعة من الناس، وشبّب به الشعراء وصار يضرب به المثل فى الحسن حتى يقول القائل: «ثغر سلامسىّ» . انتهت ترجمة الملك العادل سلامش، ﵀. ما وقع من الحوادث سنة السنة التى حكم فيها الملك السعيد إلى سابع عشر شهر ربيع الآخر، ثم حكم من سابع عشر شهر ربيع الآخر إلى حادى عشرين شهر رجب الملك العادل سلامش، ثم فى باقيها الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفىّ، وهى سنة ثمان وسبعين وستمائة. فيها كان خلع ولدى الملك الظاهر بيبرس من السلطنة: الملك السعيد محمد بركة خان، والملك العادل بدر الدين سلامش، وتسلطن بعد سلامش الأمير قلاوون. وقد تقدّم ذكر ذلك كلّه. وفيها توفّى الفقيه المحدّث صفىّ الدين أبو [محمد «١» ] إسحاق [بن «٢» ] إبراهيم بن يحيى الشّقراوىّ «٣» الحنبلى، ولد بشقراء من ضياع برزة «٤» من عمل دمشق سنة خمس وستمائة. ومات بدمشق فى ذى الحجّة، وكان فاضلا فقيها سمع الكثير وحدّث. وفيها توفّى الأمير جمال الدين آقوش بن عبد الله الرّكنىّ المعروف بالبطاح «٥» أحد أكابر أمراء دمشق، عاد من تجريدة سيس مريضا ومات بحلب ونقل إلى حمص فدفن عند قبر خالد بن الوليد، رضى الله عنه. والركنى: نسبة الى أستاذه

стр. 2413

الأمير ركن الدين بيبرس الصالحىّ النّجمىّ الذي لقى الفرنج بأرض غزّة وكسرهم، وهو غير الملك الظاهر بيبرس. وفيها توفّى الأمير جمال الدين آقوش بن عبد الله الشّهابىّ السّلحدار، كان أيضا فى تجريدة سيس وعاد مريضا، وتوفّى بحماة ثم نقل إلى دمشق ودفن عند خشداشه أيدكين [بن عبد الله «١» ] الشهابى، نسبة إلى الطّواشى شهاب الدين رشيد الخادم الصالحىّ الكبير وهو أستاذهما. وفيها توفّى الأمير نور الدين أبو الحسن علىّ بن عمر بن مجلّىّ الهكّارىّ، كان من أجل الأمراء وأعظمهم، ولى نيابة حلب، وكان حسن السيرة عالى الهمة كريم الأخلاق شجاعا مقداما عارفا مدبّرا معظّما فى الدّول. مات بعد عزله عن نيابة حلب فى مرض موته باستعفائه عنها بها فى شهر ربيع الآخر ودفن بها، وقد نيّف على السبعين سنة، رحمه الله تعالى. وفيها توفّى الشيخ جمال الدين أبو زكريّا يحيى بن أبى المنصور بن أبى الفتح ابن رافع بن علىّ الحرّانىّ الحنبلىّ المعروف بابن الصّيرفىّ، كان إماما فقيها عالما مفتنّا فى الفقه متبحّرا فيه كثير الإفادة، وأفتى ودرّس وانتفع به الطلبة، ومات فى صفر. الذين ذكر الذهبى وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى السلطان الملك السعيد ناصر الدين محمد بن الظاهر بالكرك فى ذى القعدة، وله عشرون سنة وأشهر. والمسند أبو العبّاس أحمد بن أبى الخير سلامة بن إبراهيم الحدّاد الحنبلىّ يوم عاشوراء. والإمام جمال الدين يحيى بن أبى المنصور بن الصّيرفىّ الحرّانىّ فى صفر، وله خمس

стр. 2414

وتسعون سنة. وصفىّ الدين إسحاق بن إبراهيم الشّقراوىّ. وفاطمة بنت الملك المحسن «١» ببزاعة «٢» . أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ست أذرع سواء. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا وإصبع واحدة.

стр. 2415

ذكر سلطنة الملك المنصور سيف الدين قلاوون على مصر السلطان الملك المنصور سيف الدين أبو المعالى وأبو الفتح «١» قلاوون بن عبد الله الألفىّ التركىّ الصالحىّ النّجمىّ السابع من ملوك الترك بالديار المصرية، والرابع ممن مسّه الرّقّ. ملك الديار المصرية بعد خلع الملك السعيد وصار مدبّر مملكة الملك العادل بدر الدين سلامش إلى أن خلع سلامش وتسلطن الملك المنصور قلاوون هذا من بعده فى حادى «٢» عشرين، وقيل عشر شهر رجب سنة ثمان وسبعين وستمائة، وجلس على سرير الملك بأبّهة السلطنة وشعار الملك وتمّ أمره. ولمّا استقل بالمملكة أمسك جماعة كثيرة من المماليك والأمراء الظاهريّة وغيرهم، واستعمل مماليكه على البلاد والقلاع، فلم يبلع ريقه حتّى خرج عليه الأمير شمس الدين سنقر الأشقر نائب دمشق، فإنّه لمّا وصل إليه البريد إلى دمشق بسلطنة المنصور قلاوون فى يوم الأحد سادس «٣» عشرى رجب، وعلى يده نسخة يمين التّحليف للأمراء والجند وأرباب الدولة وأعيان الناس، فأحضروا إلى دار «٤» السعادة بدمشق وحلفوا إلّا الأمير سنقر الأشقر نائب الشام، فإنّه لم يحلف ولا رضى بما جرى من خلع سلامش وسلطنة قلاوون،

стр. 2416

فلم يلتفت أهل دمشق إلى كلامه. وخطب بجامع دمشق للملك المنصور قلاوون وجوامع الشام بأسرها خلا مواضع يسيرة توقّفوا، ثم خطبوا بعد ذلك. وأمّا الملك المنصور قلاوون فإنّه فى شهر رمضان عزل الصاحب برهان الدين السّنجارىّ «١» عن الوزارة بالديار المصريّة، وأمره بلزوم مدرسة «٢» أخيه قاضى القضاة بدر الدين السّنجارىّ بالقرافة الصغرى، واستقرّ مكانه فى الوزاره الصاحب فخر الدين إبراهيم بن لقمان صاحب ديوان الإنشاء الشريف بالديار المصريّة، وتولّى عوضه صحابة الديوان القاضى فتح الدين محمد ابن القاضى محيى الدين [عبد «٣» الله] بن عبد الظاهر، وهو أوّل كاتب سرّ كان فى الدولة التّركية وغيرها، وإنما كانت هذه الوظيفة فى ضمن الوزارة، والوزير هو المتصرّف فى الديوان، وتحت يده جماعة من الكتاب الموقّعين، وفيهم رجل كبير كنائب كاتب السّر الآن، سمّى فى الآخر صاحب ديوان الإنشاء. ومن الناس من قال: إنّ هذه الوظيفة قديمة. واستدلّ بقول صاحب صبح الأعشى وغيره ممّن كتب للنبىّ، ﷺ ، ومن بعده. وردّ على من قال ذلك جماعة أخر، وقالوا: ليس فى ذكر من كتب للنبىّ، ﷺ ، وغيره من الخلفاء دلاله على وظيفة كتابة السّر، وإنّما هو دليل لكلّ كاتب كتب لملك أو سلطان أو غيرهما كائنا من كان، فكلّ كاتب كتب عند رجل يقول: هو أنا ذاك الكاتب، وإذا الأمر احتمل واحتمل سقط الاحتجاج به. ومن قال: إنّ هذه الوظيفة ما أحدثها إلّا الملك المنصور قلاوون فهو الأصح، ونبيّن ذلك، إن شاء الله تعالى، فى أواخر هذه الترجمة، وتذكر من ذكره

стр. 2417

صاحب صبح الأعشى وغيره من الكتّاب من عهد النّبيّ، ﷺ ، إلى يومنا هذا على سبيل الاختصار. انتهى. وقد خرجنا عن المقصود. وأمّا سنقر الأشقر فإنّه فى يوم الجمعة رابع عشرى «١» ذى القعدة من السنة ركب من دار السعادة بدمشق بعد صلاة العصر ومعه جماعة من الأمراء والجند، وهم رجّالة وهو راكب وحده وقصد القلعة من الباب الذي يلى المدينة فهجمها بمن كان معه، وطلعها وجلس بها من ساعته وحلّف الأمراء والجند ومن حضر وتسلطن وتلقب «بالملك الكامل» ، ونادت المنادية فى المدينة بسلطنته واستقلاله بالممالك الشاميّة، وفى بكرة يوم السبت خامس عشرين ذى القعدة طلب القضاة والعلماء ورؤساء البلد وأكابره وأعيانه إلى مسجد أبى الدّرداء، رضى الله عنه، بقلعة دمشق وحلّفهم وحلّف بقيّة الناس على طاعته؛ ثم وجّه العساكر فى يوم الأربعاء تاسع عشرينه إلى بلاد غزّة لحفظ البلاد ومغلّها ودفع من يأتى إليها من الديار المصريّة. وخرجت سنة ثمان وسبعين وليس للملك المنصور قلاوون حكم إلّا على الديار المصرية وأعمالها فقط. ولمّا استهلت سنة تسع وسبعين والملك المنصور سلطان مصر، والملك الكامل شمس الدين سنقر الأشقر سلطان دمشق وما والاها، وصاحب الكرك الملك المسعود خضر ابن الملك الظاهر بيبرس، وصاحب حماة والمعرّة الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك تقي الدين محمود الأيّوبىّ؛ والعراق والجزيرة والموصل وإربل وأذربيجان وديابكر وخلاط وخراسان والعجم وما وراء ذلك بيد التّتار والروم؛ وصاحب اليمن الملك المظفّر شمس الدين يوسف بن عمر [بن علىّ بن» رسول] ، وصاحب مكّة، شرّفها الله تعالى، الشريف نجم الدين أبو نمىّ الحسنىّ، وصاحب المدينة الشريفة،

стр. 2418

على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، الأمير عزّ الدين جمّاز بن شيحة الحسينىّ؛ ذكرنا هؤلاء تنبيها للناظر فى الحوادث الآتية، ليكون فيما يأتى على بصيرة. انتهى. ثم إنّ السلطان الملك المنصور قلاوون فى أوّل سنة تسع وسبعين وستّمائة المذكورة جهّز عسكرا لغزّة، فلمّا قاربوها لقيهم عسكر الملك الكامل سنقر الأشقر وقاتلوهم حتّى نزحوهم عنها، وانكسر العسكر المصرىّ وقصد الرّمل واطمأنّ الشاميّون بغزّة ونزلوا بها ساعة من النهار، وكانوا فى قلّة، فكرّ عليهم عساكر الديار المصريّة ثانيا وكبسوهم ونالوا منهم منالا كبيرا، ورجع عسكر الشام منهزما إلى مدينة الرّملة «١» . وأمّا الملك الكامل سنقر الأشقر فإنّه قدم عليه بدمشق الأمير شرف الدين عيسى ابن مهنّا ملك العرب بالبلاد الشرقيّة والشماليّة؛ ودخل على الكامل وهو على السّماط فقام له الكامل، فقبّل عيسى الأرض وجلس عن يمينه فوق من حضر. ثم وصل إلى الملك الكامل أيضا الأمير شهاب الدين أحمد بن حجّىّ بن بريد «٢» ملك العرب بالبلاد الحجازيّة فأكرمه الملك الكامل غاية الإكرام. وأمّا الملك المنصور لما بلغه ما وقع لعسكره بغزّة جهّز عسكرا آخر كثيفا إلى دمشق لقتال الملك الكامل سنقر الأشقر، ومقدّمهم الأمير علم الدين سنجر الحلبىّ، وخرجوا من مصر وساروا إلى جهة الشام، فصار عسكر دمشق الذي بالرّملة كلّما تقدّم العسكر المصرىّ منزلة تأخّر هو منزلة إلى أن وصل أوائلهم إلى دمشق فى أوائل صفر. وفى يوم الأربعاء ثانى عشر صفر المذكور خرج الملك الكامل من دمشق بنفسه بجميع من عنده من العساكر، وضرب دهليزه بالجسورة «٣» وخيّم هناك

стр. 2419

بجميع الجيش، واستخدم المماليك وأنفق الأموال، وجمع خلقا عظيما وحضر عنده عرب الأميرين: ابن مهنّا وابن حجّىّ ونجدة حلب ونجدة حماة، مقدّمهما الملك الأفضل نور الدين علىّ أخو صاحب حماة؛ ورجّالة كثيرة من جبال بعلبكّ، ورتّب العساكر والأطلاب بنفسه وصفّ العساكر ميمنة وميسرة ووقف هو تحت عصائبه؛ وسار العسكر المصرى أيضا بترتيب هائل وعساكر كثيرة، والأطلاب أيضا مرتّبة، والتقى الجيشان فى يوم الأحد [سادس «١» عشر صفر] وقت طلوع الشمس فى المكان المذكور وتقاتلا أشدّ قتال، وثبت كلّ من الطائفتين ثباتا لم يسمع بمثله إلّا نادرا لا سيّما الملك الكامل سنقر الأشقر، فإنّه ثبت وقائل بنفسه قتالا شديدا، واستمرّ المصافّ بين الطائفتين إلى الرابعة من النهار ولم يقتل من الفريقين إلا نفر يسير جدّا، وأمّا الجراح فكثيرة. فلمّا كانت الساعة الرابعة من النهار خامر أكثر عسكر دمشق على الملك الكامل سنقر الأشقر وغدروا به وانضافوا إلى العسكر المصرىّ، وكان «٢» لما وقع العين على العين قبل أن يلتحم القتال انهزم عساكر حماة وتخاذل عسكر الشام على الكامل، فمنهم: من دخل بساتين دمشق واختفى بها، ومنهم من دخل دمشق راجعا، ومنهم من ذهب إلى طريق بعلبكّ، فلم يلتفت الملك الكامل لمن ذهب منه من العساكر وقاتل، فلمّا انهزم عنه من ذكرنا فى حال القتال ضعف أمره ومع هذا استمرّ يقاتل بنفسه ومماليكه إلى أن رأى الأمير عيسى بن مهنّا الهزيمة على الملك الكامل أخذه ومضى به إلى الرّحبة «٣» ، وأنزله عنده ونصب له بيوت الشّعر. وأمّا الأمير شهاب الدين أحمد بن حجّىّ فإنّه دخل إلى دمشق بالأمان، ودخل وطاعة الملك المنصور قلاوون.

стр. 2420

وأمّا عساكر الشام فإنهم اجتمعوا على القصب من عمل حمص، ثم عاد أكثر الأمراء إلى جهة دمشق وطلبوا الأمان من مقدّم العساكر المصرية الأمير علم الدين سنجر الحلبىّ. وأمّا العساكر المصرية فإنّهم ساقوا من وقتهم إلى مدينة دمشق وأحاطوا بها، ونزلوا بخيامهم ولم يتعرّضوا للزحف، وراسلوا من بالقلعة إلى العصر من ذلك النهار، وفتح من المدينة باب الفرج ودخل منه إلى دمشق بعض مقدّمى الجيش؛ ثم طلب من بالقلعة الأمان فأمّنهم سنجر الحلبى، ففتحت القلعة فدخلوا إليها من الباب الذي داخل المدينة وتسلّموها بالأمان وأفرجوا عن جماعة كثيرة من الأمراء وغيرهم، كان اعتقلهم سنقر الأشقر، منهم: الأمير ركن الدين «١» بيبرس العجمىّ المعروف بالجالق، والجالق: اسم للفرس الحادّ المزاج باللغة التركية، والأمير حسام الدين لاچين «٢» المنصورىّ، والقاضى تقىّ الدين توبة «٣» التّكريتىّ وغيرهم. وكتب الأمير علم الدين سنجر الحلبىّ بالنصر إلى الملك المنصور قلاوون فسرّ المنصور بذلك، ودقّت البشائر لذلك أياما بالديار المصرية وزيّنت القاهرة ومصر. وأما سنجر الحلبىّ فإنه لما ملك دمشق وقلعتها جهز فى الحال قطعة جيّدة من الجيش المصرىّ تقارب ثلاثة آلاف فارس فى طلب سنقر الأشقر ومن معه من الأمراء والجند. ثم حضر جواب الملك المنصور قلاوون بسرعة يتضمّن: بأننا قد عفونا عن جميع الناس الخاصّ والعام أرباب السيوف والأقلام، وأمّنّاهم على أنفسهم وأهليهم وأموالهم؛ وحضر التشريف للأمير حسام الدين لاچين المنصورى
следующие страницы →