Полный текст (6 264 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.
стр. 2556
من كثرة التفتيش عليه، فقال له البندقدارىّ: بلى، لاچين عندك، ثم مدّ يده إلى سيفه ليضربه به، فجدب سيف الدين بلبان الأزرق مملوك كتبغا سيفه وعلا «١» به البندقدارىّ من ورائه وضربه ضربة حلّ بها كتفه ويده، ثم إنّهم تكاثروا عليه وأنزلوه عن فرسه وذبحوه، وهمّ مماليك كتبغا. وذلك فى وسط سوق الخيل، ومال غالب العسكر من الأمراء والمقدّمين وأجناد الحلقة والتتار والأكراد إلى كتبغا وانضمّوا عليه، ومالت البرجيّة «٢» وبعض الخاصّكيّة إلى سنجر الشجاعىّ، لأنّ الشجاعىّ كان أنفق فيهم فى الباطن فى يوم واحد ثمانين ألف دينار، واتّفق معهم أيضا أنّ كلّ من جاء برأس أمير كان له إقطاعه؛ وكان الاتّفاق معهم أنّه فى يوم الخميس وقت الموكب لمّا يطلع الأمير كتبغا إلى القلعة ويمدّوا السّماط يمسك هو
стр. 2557
ومن اتّفق معه من الأمراء يقبضون عليهم. فاستعجل البندقدارىّ ونزل إلى سوق الخيل وفعل ما ذكرناه.
ولمّا وقع ذلك تحقّق الأمراء صحّة ما نقل إليهم الأمير زين الدين كتبغا عن الشجاعىّ، فاجتمع فى الحال الأمراء عند كتبغا بسوق الخيل وركبت التّتار جميعهم وجماعة من الشّهرزوريّة والأكراد وجماعة من الحلقة كراهية منهم فى الشجاعىّ، وخرج الشجاعىّ بمن معه إلى باب القلعة، فإنّ إقامته كانت بالقلعة وأمر بضرب الكوسات «١» فضربت، وبقى يطلب أن يطلع إليه أحد من الأمراء والمقدّمين فلم يجبه أحد؛ وكان قد أخرج صحبته الذهب فى الصّرر وبقى كلّ من جاء إليه يعطيه صرّة؛ فلم يجئ إليه إلّا أناس قليلون ما لهم مرتبة. وشرع كتبغا ومن معه فى حصار القلعة وقطعوا عنها الماء وبقوا ذلك اليوم محاصرين. فلمّا كان ثانى يوم نزلت البرجيّة من القلعة على حميّة وتلاقوا مع كتبغا وعساكره وصدموه صدمة كسروه فيها كسرة شنيعة وهزموه إلى بئر «٢» البيضاء، وتوجّه كتبغا إلى جهة بلبيس «٣» ؛ فلمّا سمعوا باقى الأمراء بذلك
стр. 2558
ركب الأمير بدر الدين بيسرىّ المنصورىّ والأمير بدر الدين بكتاش الفخرىّ أمير سلاح وبقيّة العساكر المصريّة، وتوجهت الجميع إلى نصرة الأمير كتبغا وأصحابه، وقاتلوا المماليك البرجية حتّى كسروهم وردّوهم إلى أن أدخلوهم إلى قلعة الجبل؛ ثم جدّوا فى حصار القلعة ومن فيها، وعاد الأمير كتبغا وقد قوى عضده بخشداشيته والأمراء؛ ودام الحصار على القلعة إلى أن طلعت الستّ خوند والدة السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى أعلى السّور وكلّمتهم بأن قالت لهم: إيش هو غرضكم حتى إننا نفعله لكم؟ فقالوا: مالنا غرض إلّا مسك الشجاعىّ وإخماد الفتنة، ونحن لو بقيت بنت عمياء من بنات أستاذنا الملك المنصور قلاوون كنّا مماليكها لا سيما ولده الملك الناصر محمد حاضر وفيه كفاية. فلمّا علمت ذلك رجعت واتّفقت مع الأمير حسام الدين لاچين أستاذ الدار، وغلقوا باب القلّة «١» من القلعة وهى التى عليها المعتمد، وبقى الشجاعى بداره بالقلعة محصورا. فلمّا رآه أصحابه أنّه فى أنحس حال شرعوا فى النزول إلى عند الأمير كتبغا، فبقى جمع الشجاعىّ يقلّ وجمع كتبغا يكثر إلى يوم السبت رابع عشرين صفر ضجر الشجاعىّ وطلب الأمان فلم يوافقوه الأمراء؛ وطلع وقت صلاة الظهر «٢» بعض الأمراء وجماعة من الخاصّكّية وفيهم آقوش «٣» المنصورىّ إلى عند الشجاعى
стр. 2559
يطلبونه إلى عند السلطان وإلى والدته [فى «١» ] صورة أنهم يريدون يستشيرونه فيما يعملون، فمشى معهم قليلا وتكاثروا عليه المماليك وجاء آقوش من ورائه وضربه بالسيف ضربة قطع بها يده، ثم بادره بضربة ثانية أبرى بها رأسه عن جسده، وأخذوا رأسه فى الحال ورفعوه على سور القلعة، ثم عادوا ونزلوا [به «٢» ] إلى كتبغا ودقّوا البشائر وفتحوا باب القلّة، وأخذوا رأس الشجاعىّ وجعلوه على رمح وأعطوه للمشاعليّة فجبوا عليه مصر والقاهرة، فحصّل المشاعليّة مالا كثيرا لبغض الناس قاطبة فى الشجاعىّ؛ فقيل: إنهم كانوا يأخذون الرأس من المشاعليّة ويدخلونه بيتهم فتضربه النسوة بالمداسات لما فى نفوسهم منه. وسبب ذلك ما كان اشتمل عليه من الظلم ومصادراته للعالم وتنوّعه فى الظلم والعسف حسب ما يأتى ذكره فى الوفيات بأوسع من هذا. وأغلقت القاهرة خمسة أيام إلى أن طلع كتبغا إلى القلعة فى يوم الثلاثاء سابع عشرين صفر ودقّت البشائر وفتحت الأبواب وجدّدت الأيمان «٣» والعهود للملك الناصر محمد بن قلاوون وأن يكون الأمير كتبغا نائب السلطنة.
ولمّا تمّ ذلك قبض كتبغا على جماعة من الخاصّكيّة والبرجيّة المتّفقين مع الشجاعىّ، ثم أفرج عن جماعة من الأمراء كان قبض عليهم فى المخيم، وهم: الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير الذي تسلطن بعد ذلك على ما يأتى ذكره، والأمير سيف الدين برلغى، والأمير القمامىّ «٤» وسيف الدين قبجق «٥» المنصورىّ، والأمير بدر الدين
стр. 2560
عبد الله، والأمير سيف الدين بورى «١» [السلاح دار] والأمير زين «٢» الدين عمر، والأمير سيف الدين قرمشى «٣» ، والأمير علاء الدين مغلطاى المسعودىّ وغيرهم. وأخذ الأمير زين الدين كتبغا وأعطى فى الملك وانفرد بتدبير الأمر ومشى مع الملك الناصر محمد مشى المملوك مع أستاذه.
ثمّ بعث بتقليد نائب الشام على عادته، وهو الأمير أيبك الحموىّ. ثم بعد ذلك نزل السلطان الملك الناصر محمد بن قلعة الجبل فى موكب هائل بأبّهة السلطنة، وتوجّه إلى ظاهر القاهرة ثمّ عاد وشقّ القاهرة، ودخل من باب «٤» النصر وخرج من باب «٥» زويلة عائدا إلى القلعة، والأمراء مشاة بين يديه حتّى الأمير كتبغا، وكان ذلك فى يوم الأحد رابع عشرين «٦» شهر رجب. ولمّا كان سابع عشرين شهر رمضان ظهر الأمير حسام الدين لاچين المنصورىّ من اختفائه واجتمع بالأمير كتبغا خفية،
стр. 2561
فتكلّم كتبغا فى أمره مع الأمراء، فاتّفقوا على إظهار أمره لما رأوا فى ذلك من إصلاح الحال، فطيّب كتبغا خاطر الأمير حسام الدين لاچين ووعده أن يتكلّم فى أمره مع السلطان والمماليك الأشرفيّة. ولا زال كتبغا بالسلطان والحاشية حتى رضّاهم عليه وطيّب قلوبهم إلى أن كان يوم عيد الفطر، ظهر حسام الدين لاچين من دار كتبغا، وحضر السّماط وقبّل الأرض بين يدى السلطان الملك الناصر محمد، فخلع عليه السلطان وطيب قلبه، ولم يعاتبه بما فعل مع أخيه الملك الأشرف خليل مراعاة لخاطر كتبغا. ثم خلع عليه الأمير كتبغا أيضا، وحملت إليه الهدايا والتّحف من الأمراء وغيرهم؛ كلّ ذلك لأجل خاطر كتبغا. واصطلحت أيضا معه المماليك الأشرفيّة على ما فى نفوسهم منه من قتل أستاذهم بأمر كتبغا لهم وإلحاحه عليهم فى ذلك حتى قبلوا كلامه. وكانت مكافأة لاچين لكتبغا بعد هذا الإحسان كله بأن دبّر عليه حتّى أخذ الملك منه وتسلطن عوضه على ما يأتى ذكره وبيانه إن شاء الله تعالى.
ثمّ خلع السلطان على الصاحب تاج «١» الدين محمد ابن الصاحب فخر «٢» الدين محمد ابن الصاحب بهاء «٣» الدين علىّ بن حنّا باستقراره فى الوزارة بالديار المصريّة.
ثمّ استهلت سنة أربع وتسعين وستمائة والخليفة الحاكم بأمر الله أبو العبّاس أحمد. وسلطان مصر والشام الملك الناصر محمد بن قلاوون، ومدبّر مملكته الأمير كتبغا المنصورىّ. ولمّا كان عاشر المحرّم ثار جماعة من المماليك الأشرفيّة خليل فى الليل بمصر والقاهرة وعملوا عملا قبيحا وفتحوا أسواق السلاح بالقاهرة بعد حريق باب «٤» السعادة، وأخذوا خيل السلطان وخرقوا ناموس الملك، وذلك كلّه بسبب
стр. 2562
ظهور الأمير حسام الدين لاچين وعدم قتله؛ فإنّه كان ممّن باشر قتل أستاذهم الملك الأشرف خليل، فحماه الأمير كتبغا ورعاه، وأيضا قد بلغهم خلع أخى أستاذهم الملك الناصر محمد بن قلاوون من السلطنة وسلطنة كتبغا فتزايدت وحشتهم وترادفت عليهم الأمور، فاتّفقوا ووثبوا فلم ينتج أمرهم. فلمّا أصبح الصباح قبض عليهم الأمير كتبغا وقطع أيدى بعضهم وأرجلهم وكحّل البعض وقطع ألسنة آخرين وصلب جماعة منهم على باب زويلة؛ ثم فرّق بقيّة المماليك على الأمراء والمقدّمين، وكانوا فوق الثلاثمائة نفر وهرب الباقون؛ فطلب الأمير زين الدين كتبغا الخليفة والقضاة والأمراء وتكلّم معهم فى عدم أهليّة الملك الناصر محمد للسلطنة لصغر سنّه، وأنّ الأمور لابدّ لها من رجل كامل تخافه الجند والرعيّة وتقف عند أوامره ونواهيه.
كلّ ذلك كان بتدبير لاچين فإنّه لمّا خرج من إخفائه علم أنّ المماليك الأشرفيّة لا بدّ لهم من أخذ ثار أستاذهم منه. وأيضا أنّه علم أنّ الملك الناصر محمد متى ترعرع وكبر لا يبقيه لكونه كان ممّن قتل أخاه الملك الأشرف خليلا، فلمّا تحقق ذلك أخذ يحسّن للأمير كتبغا السلطنة وخلع ابن استاذه الملك الناصر محمد بن قلاوون وسلطنته، وكتبغا يمتنع من ذلك فلا زال به لاچين حتّى حذّره وأخافه عاقبة ذلك، وقال له:
متى كبر الملك الناصر لا يبقيك البتّة، ولا يبقى أحدا ممّن تعامل على قتل أخيه الملك الأشرف، وأنّ هؤلاء الأشرفيّة ما دام الملك الناصر محمد فى الملك شوكتهم قائمة، والمصلحة خلعه وسلطنتك. فمال كتبغا إلى كلامه، غير أنّه أهمل الأمر وأخذ فى تدبير ذلك على مهل. فلمّا وقع من الأشرفيّة ما وقع وثب وطلب الخليفة والقضاة حسب ما ذكرناه. ولمّا حضر الخليفة والقضاة واتّفق رأى الأمراء والجند على خلع السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون من الملك وسلطنة كتبغا هذا عوضه؛ فوقع ذلك وخلع الملك الناصر محمد من السلطنة وتسلطن كتبغا وجلس على تخت الملك
стр. 2563
فى يوم خلع الملك الناصر، وهو يوم الخميس ثانى عشر المحرّم سنة أربع وتسعين وستمائة بعد واقعة المماليك الأشرفيّة بيومين، وأدخل الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى الدور بالقلعة، وأمره كتبغا بألّا يركب ولا يظهر. وكان عمره يوم خلع نحو العشر سنين.
وكانت مدّة سلطنته فى هذه المرّة الأولى سنة واحدة إلا ثلاثة أيام أو أقلّ. ويأتى بقية ترجمته فى سلطنته الثانية والثالثة إن شاء الله تعالى.
السنة «١» الأولى من سلطنة الملك الناصر محمد الأولى على مصر على أنّه لم يكن له من السلطنة فيها إلّا مجرّد الاسم فقط، وإنّما كان الأمر أوّلا للأمير علم الدين سنجر الشجاعى ثم للأمير كتبغا المنصورىّ، وهى سنة ثلاث وتسعين وستمائة، على أنّ الأشرف قتل فى أوائلها فى المحرّم حسب ما تقدّم ذكره.
فيها توفّى الصاحب فخر الدين أبو العبّاس إبراهيم بن لقمان بن أحمد بن محمد الشّيبانىّ الإسعردىّ ثم المصرىّ، رئيس الموقّعين بالديار المصريّة، ثم الوزير بها ولى الوزارة مرّتين، وكان مشكور السّيرة قليل الظّلم كثير العدل والإحسان للرعيّة.
وفى أيام وزارته سعى فى إبطال مظالم كثيرة، وكان يتولّى الوزارة بجامكيّة «٢» الإنشاء، وعند ما يعزلونه من الوزارة يصبح يأخذ غلامه الحرمدان «٣» خلفه، ويروح يقعد فى ديوان الإنشاء وكأنّه ما تغيّر عليه شىء، وكان أصله من العدن «٤» من بلاد إسعرد وتدرّب فى الإنشاء بالصاحب بهاء الدين «٥» زهير حتى برع فى الإنشاء وغيره.
стр. 2564
قال الذهبىّ: رأيته شيخا بعمامة صغيرة وقد حدّث عن ابن رواح «١» وكتب عنه البرزالىّ «٢» والطّلبة. انتهى. وكان ابن لقمان المذكور فاضلا ناظما ناثرا مترسّلا، ومات بالقاهرة فى جمادى الآخرة ودفن بالقرافة. ومن شعره:
كن كيف شئت فإنّنى بك مغرم ... راض بما فعل الهوى المتحكّم
ولئن كتمت عن الوشاة صبابتى ... بك فالجوانح بالهوى تتكلّم
أشتاق من أهوى وأعجب أنّنى ... أشتاق من هو فى الفؤاد مخيّم
يا من يصدّ عن المحبّ تدلّلا ... وإذا بكى وجدا غدا يتبسّم
أسكنتك القلب الذي أحرقته ... فحذار من نار به تتضرّم
وفيها قتل الأمير علم الدين سنجر بن عبد الله الشّجاعىّ المنصورىّ، كان من مماليك الملك المنصور قلاوون، وترقّى حتّى ولى شدّ الدواوين، ثم الوزارة بالديار المصريّة فى أوائل دولة الناصر، وساءت سيرتة وكثر ظلمه، ثم ولى نيابة دمشق فتلطّف بأهلها وقلّ شرّه، ودام بها سنين إلى أن عزل بالأمير عزّ الدين أيبك الحموىّ، وقدم إلى القاهرة. وكان موكبه يضاهى موكب السلطان من التجمّل، ومع ظلمه كان له ميل لأهل العلم وتعظيم الإسلام، وهو الذي كان مشدّ عمارة البيمارستان «٣» المنصورىّ ببين القصرين «٤» فتمّمه فى مدّة يسيرة، ونهض بهذا العمل العظيم وفرغ منه فى أيّام قليلة، وكان يستعمل فيه الصنّاع والفعول بالبندق حتّى لا يفوته من هو بعيد عنه فى أعلى سقالة كان. ويقال إنّه يوما وقع بعض الفعول من أعلى السقالة بجنبه فمات، فما اكترث سنجر هذا ولا تغيّر من مكانه وأمر بدفنه. ثم عمل الوزارة أيضا
стр. 2565
فى أوائل دولة الناصر محمد بن قلاوون أكثر من شهر حسب ما تقدّم ذكره، وحدّثته نفسه بما فوق الوزارة، فكان فى ذلك حتفه وقتله حسب ما ذكرناه فى أوّل ترجمة الملك الناصر هذا، وفرح أهل مصر بقتله فرحا زائدا حتّى إنّه لمّا طافت المشاعليّة برأسه على بيوت الكتّاب القبط بلغت اللّطمة على وجهه بالمداس نصفا، والبولة عليه درهما، وحصّلوا المشاعليّة جملا من ذلك.
قلت: وهذا غلط فاحش من المشاعليّة، قاتلهم الله! لو كان من الظلم ما كان هو خير من الأقباط النصارى. ولمّا كان على نيابة دمشق وسّع ميدانها أيّام الملك الأشرف، فقال الأديب علاء الدين الوداعىّ «١» فى ذلك:
علم الأمير بأنّ سلطان الورى ... يأتى دمشق ويطلق الأموالا
فلأجل ذا قد زاد فى ميدانها ... لتكون أوسع للجواد مجالا
قال الصلاح الصّفدىّ: أخبرنى من لفظه شهاب الدين «٢» بن فضل الله قال أخبرنى والدى عن قاضى القضاة نجم الدين ابن الشيخ شمس الدين شيخ الجبل قال: كنت ليلة نائما فاستيقظت وكأن من أنبهنى وأنا أحفظ كأنّما قد أنشدت ذلك:
عند الشجاعىّ أنواع منوّعة ... من العذاب فلا ترحمه بالله
لم تغن عنه ذنوب قد تحمّلها ... من العباد ولا مال ولا جاه
قال: ثم جاءنا الخبر بقتله بعد أيام قلائل فكانت قتلته فى تلك الليلة التى أنشدت فيها الشعر. انتهى.
قلت: وهذا من الغرائب. وقد ذكرنا من أحوال سنجر هذا فى تاريخنا المنهل الصافى نبذة كبيرة كونه كتاب تراجم وليس للإطناب لهؤلاء هنا محلّ. انتهى.
стр. 2566
وفيها توفّى قتيلا الملك كيختو ملك التّتار قتله ابن أخيه بيدو «١» .
قلت: وهنا نكتة غريبة لم يفطن إليها أحد من مؤرّخى تلك الأيام، وهى أنّ سلطان الديار المصرية الملك الأشرف خليل بن قلاوون قتله نائبه الأمير بيدرا، وملك التتار كيختو هذا أيضا قتله ابن أخيه بيدرا «٢» ، وكلاهما فى سنة واحدة، وذاك فى الشرق وهذا فى الغرب. انتهى.
وملك بعد كيختو بيدو المذكور الذي قتله.
قلت: وكذلك وقع للأشرف خليل؛ فإن بيدرا ملك بعده يوما واحدا وتلقّب بالملك الأوحد. وعلى كلّ حال فإنّهما تشابها أيضا. انتهى. وكان بيدو الذي ولى أمر التّتار يميل إلى دين النّصرانيّة، وقيل إنه تنصّر، لعنه الله، ووقع له مع الملك غازان أمور يطول شرحها.
وفيها قتل الوزير الصاحب شمس الدين محمد بن عثمان بن أبى الرجاء التّنوخىّ الدمشقىّ التاجر المعروف بابن السّلعوس. قال الشيخ صلاح الدين الصّفدى: كان فى شبيبته يسافر بالتجارة، وكان أشقر سمينا أبيض معتدل القامة فصيح العبارة حلو المنطق وافر الهيبة كامل الأدوات خليقا للوزارة تامّ الخبرة زائد الإعجاب عظيم التّيه، وكان جارا للصاحب تقىّ الدين البيّع «٣» ، فصاحبه ورأى فيه الكفاءة فاخذ له حسبة دمشق، ثم توجّه إلى مصر وتوكّل للملك الأشرف خليل فى دولة أبيه، فجرى عليه نكبة من السلطان فشفع فيه مخدومه الأشرف خليل، وأطلقه من الاعتقال، وحج فتملّك الأشرف فى غيبته. وكان محبّا له فكتب إليه بين الأسطر: يا شقير، يا وجه الخير، قدّم السّير. فلمّا قدم وزره. وكان إذا ركب تمشى الأمراء الكبار فى خدمته. انتهى.
стр. 2567
قلت: وكان فى أيام وزارته يقف الشجاعىّ المقدّم ذكره فى خدمته، فلمّا قتل مخدومه الملك الأشرف وهو بالإسكندريّة قدم القاهرة فطلب إلى القلعة فأنزله الشجاعىّ من القلعة ماشيا، ثم سلّمه من الغد إلى عدوّه الأمير بهاء الدين قراقوش [الظاهرىّ «١» ] مشدّ الصّحبة، قيل: إنّه ضربه ألفا ومائة مقرعة، ثم تداوله المسعودىّ «٢» وغيره وأخذ منه أموالا كثيرة، ولا زال تحت العقوبة حتى مات فى صفر. ولما تولّى الوزارة كتب إليه بعض أحبّائه من الشام يحذّره من الشجاعىّ:
تنبّه يا وزير الأرض واعلم ... بأنّك قد وطئت على الأفاعى
وكن بالله معتصما فإنّى ... أخاف عليك من نهش الشجاعى
فبلغ الشجاعىّ، فلما جرى ما جرى طلب أقاربه وأصحابه وصادرهم، فقيل له:
عن الناظم، فقال: لا أوذيه فإنّه نصحه فىّ وما انتصح. وقد أوضحنا أمره فى المنهل الصافى والمستوفى بعد الوافى بأطول من هذا. انتهى.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى المقرئ شمس الدين محمد بن عبد العزيز الدّمياطىّ بدمشق فى صفر. وقاضى القضاة شهاب الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن خليل الخويّىّ «٣» . والسلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل ابن قلاوون، فتكوا به فى المحرّم. ونائبه بيدرا قتل من الغد. ووزيره الصاحب شمس الدين محمد بن عثمان بن السّلعوس هلك تحت العذاب.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع. مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا وسبع أصابع. وثبت إلى سادس عشر توت.
стр. 2568
[ما وقع من الحوادث سنة ٦٩٤]
ذكر سلطنة الملك العادل زين الدّين كتبغا على مصر
هو السلطان الملك العادل زين الدين كتبغا بن عبد الله المنصورىّ التركىّ المغلىّ سلطان الديار المصريّة؛ جلس على تخت الملك بعد أن خلع ابن أستاذه الملك الناصر محمد بن قلاوون فى يوم الخميس ثانى عشر المحرّم سنة أربع وتسعين وستّمائة باتّفاق الأمراء على سلطنته. وهو السلطان العاشر من ملوك التّرك بالديار المصريّة، وأصله من التّتار من سبى وقعة حمص «١» الأولى التى كانت فى سنة تسع وخمسين وستمائة؛ فأخذه الملك المنصور قلاوون وأدّبه ثم أعتقه؛ وجعله من جملة مماليكه، ورقّاه حتّى صار من أكابر أمرائه، واستمرّ على ذلك فى الدولة الأشرفيّة خليل بن قلاوون إلى أن قتل، وتسلطن أخوه الملك الناصر محمد بن قلاوون فى سنة ثلاث وتسعين وأقام الناصر فى الملك إلى سنة أربع وتسعين «٢» ووقع الاتفاق على خلعه وسلطنة كتبغا هذا، فتسلطن وتلقّب بالملك العادل، وسنّه يوم ذاك نحو الأربعين سنة، وقيل خمسين سنة. وقد تقدّم سبب خلع الملك الناصر محمد وسلطنة كتبغا هذا فى آخر ترجمة الملك الناصر محمد فلا حاجة فى الإعادة.
وقال الشيخ شمس الدين بن الجزرىّ قال: حكى لى الشيخ أبو الكرم النّصرانىّ الكاتب، قال: لمّا فتح هولاكو حلب بالسيف ودمشق بالأمان طلب هولاكو نصير «٣» الدين الطّوسىّ وكان فى صحبته، وقال له: اكتب أسماء مقدّمى عسكرى، وأبصر أيّهم يملك مصر، ويقعد على تخت الملك بها حتّى أقدّمه؟ قال: فحسب
стр. 2569
نصير الدّين [أسماء «١» ] المقدّمين؛ فما ظهر له من الأسماء اسم من يملك الديار المصريّة غير اسم كتبغا. وكان كتبغا «٢» صهر هولاكو، فقدّمه على العساكر فتوجّه بهم كتبغا فآنكسر على عين «٣» جالوت «٤» ، فتعجّب هولاكو من هذه الواقعة وظنّ أنّ نصير الدين قد غلط فى حسابه. وكان كتبغا هذا من جملة من كان فى عسكر هولاكو من التّتار ممّن لا يؤبه إليه من الأصاغر، وكسبه قلاوون فى الواقعة؛ فكان بين المدّة نحو من خمس وثلاثين سنة، حتّى قدّر الله تعالى بما قدّر من سلطنة كتبغا هذا. انتهى.
ولمّا تمّ أمر كتبغا فى الملك وتسلطن مدّ سماطا عظيما وأحضر جميع الأمراء والمقدّمين والعسكر وأكلوا السّماط، ثم تقدّموا وقبّلوا الأرض ثم قبّلوا يده وهنّئوه بالسلطنة، وخلع على الأمير حسام الدين لا چين وولّاه نيابة السلطنة بالديار المصريّة، وولّى عز الدين الأفرم أمير جاندار، والأمير سيف الدين بهادر حاجب الحجّاب؛ ثم خلع على جميع الأمراء والمقدّمين ومن له عادة بلبس الخلع [عند «٥» تولية الملك كما جرت العادة] . وفى يوم الخميس تاسع عشر المحرّم ركب جميع الأمراء والمقدّمين
стр. 2570
وجميع من خلع عليه وأتوا إلى سوق «١» الخيل وترجّلوا وقبّلوا الأرض، ثم كتب بسلطنة الملك العادل إلى البلاد الشاميّة وغيرها. وزيّنت مصر والقاهرة لسلطنته.
ولمّا كان يوم الأربعاء مستهلّ شهر ربيع الأوّل «٢» ركب السلطان الملك العادل كتبغا بأبّهة السلطنة وشعار الملك من قلعة الجبل ونزل وسار إلى ظاهر القاهرة نحو قبّة «٣» النصر، وعاد من باب النصر «٤» وشقّ القاهرة حتّى خرج من باب زويلة عائدا إلى قلعة الجبل، كما جرت العادة بركوب الملوك. ولم تطل مدّة سلطنته حتى وقع الغلاء والفناء بالديار المصرية وأعمالها؛ ثمّ انتشر ذلك بالبلاد الشاميّة جميعها فى شوّال من هذه السنة، وارتفع سعر القمح حتّى بيع كلّ اردبّ بمائة وعشرين درهما بعد أن كان بخمسة وعشرين درهما الإردبّ، وهذا فى هذه السنة، وأما فى السنة الآتية التى هى سنة خمس وتسعين وستمائة فوصل سعر القمح إلى مائة وستين «٥» درهما الإردبّ.
وأمّا الموت فإنّه فشا بالقاهرة وكثر، فأحصى من مات بها وثبت اسمه فى ديوان [المواريث «٦» ] فى ذى الحجّة فبلغوا سبعة عشر ألفا وخمسمائة. وهذا سوى من لم يرد اسمه فى ديوان المواريث من الغرباء والفقراء ومن لم يطلق من الديوان. ورحل جماعة كثيرة من أهل مصر عنها إلى الأقطار من عظم الغلاء وتخلخل «٧» أمر الديار المصريّة. وفى هذه السنة حجّ الأمير أنس بن الملك العادل كتبغا صاحب الترجمة، وحجّت معه والدته وأكثر حرم السلطان، وحجّ بسببهم خلق كثير من نساء الأمراء
стр. 2571
بتجمّل زائد، وحصل بهم رفق كبير لأهل مكّة والمدينة والمجاورين، وشكرت سيرة ولد السلطان أنس المذكور وبذل شيئا كثيرا لصاحب مكّة.
ثم استهلّت سنة خمس وتسعين وستمائة وخليفة المسلمين الحاكم بأمر الله أبو العبّاس أحمد الهاشمىّ البغدادىّ العباسىّ. وسلطان الديار المصريّة والبلاد الشاميّة والشماليّة والفراتيّة والساحليّة الملك العادل زين الدين كتبغا المنصورىّ. ووزيره الصاحب فخر الدين عمر ابن الشيخ مجد الدين بن الخليلىّ. ونائب السلطنة بالديار المصريّة الأمير حسام الدين لاچين المنصورىّ. وصاحب مكّة، شرّفها الله تعالى، الشريف نجم الدين أبو نمىّ محمد «١» الحسنىّ المكّى. وصاحب المدينة النبويّة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، عزّ الدين جمّاز بن شيحة الحسينىّ.
وصاحب اليمن ممهّد الدين عمر ابن الملك المظفّر شمس الدين يوسف ابن الملك المنصور عمر [بن «٢» علىّ] بن رسول. وصاحب حماة بالبلاد الشاميّة الملك المظفّر تقىّ الدين محمود ابن الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك المظفّر تقىّ الدين محمود [ابن «٣» الملك المنصور محمد بن تقي الدين عمر] بن شاهنشاه «٤» بن أيّوب. وصاحب ماردين [الملك «٥» السعيد شمس الدين داود ابن] الملك المظفّر فخر «٦» الدين ألبى أرسلان ابن الملك السعيد شمس الدين قرا أرسلان بن أرتق الأرتقىّ. وصاحب الروم السلطان غياث الدين مسعود ابن السلطان عز الدين [كيكاوس «٧» ] ابن السلطان
стр. 2572
غياث الدين كيخسرو بن سلجوق السّلجوقى. وملك التّتار غازان ويقال قازان، وكلاهما يصحّ معناه، واسمه الحقيقىّ محمود بن أرغون بن أبغا بن هولاكو، وهو مظهر الإسلام وشعائر الإيمان. ونائب دمشق الأمير عزّ الدين أيبك الحموىّ المنصورىّ.
وكان الموافق لأوّل هذه السنة عاشر «١» بابه أحد شهور القبط المسمّى بالرومىّ تشرين الأوّل.
وقال الشيخ قطب الدين اليونينىّ: وفى العشر الأوّل من المحرّم حكى جماعة كثيرة من أهل دمشق واستفاض ذلك فى دمشق وكثر الحديث فيه عن قاضى جبّة «٢» أعسال، وهى قرية من قرى دمشق، أنّه تكلّم ثور بقرية من قرى جبّة أعسال، وملخّصها: أنّ الثور خرج مع صبىّ يشرب ماء من هناك فلمّا فرغ حمد الله تعالى فتعجّب الصبى! وحكى لسيّده مالك الثور فشكّ فى قوله، وحضر فى اليوم الثانى بنفسه، فلمّا شرب الثور حمد الله تعالى؛ ثم فى اليوم الثالث حضر جماعة وسمعوه يحمد الله تعالى؛ فكلّمه بعضهم فقال الثور: «إنّ الله كان كتب على الأمّة سبع سنين جدبا، ولكن بشفاعة النّبيّ ﷺ أبدلها بالخصب، وذكر أنّ النّبيّ ﷺ أمره بتبليغ ذلك، وقال الثور: يا رسول الله ما علامة صدقى عندهم؟ قال: أن يموت عقب الإخبار. قال الحاكى لذلك: ثم تقدّم الثور على مكان عال فسقط ميتا، فأخذ الناس من شعره للتّبرّك، وكفّن ودفن. انتهى.
قلت: وهذه الحكاية غريبة الوقوع والحاكى لها ثقة حجّة، وقد قال: إنّه استفاض ذلك بدمشق. انتهى.
стр. 2573
وأمّا أمر الديار المصريّة فإنه عظم أمر الغلاء بها حتّى أكل بعضهم الميتات والكلاب، ومات خلق كثير بالجوع. والحكايات فى ذلك كثيرة، وانتشر الغلاء شرقا وغربا. وبينما السلطان الملك العادل كتبغا فيما هو فيه من أمر الغلاء ورد عليه الخبر فى صفر بأنّه قد وصل إلى الرّحبة «١» عسكر كثير نحو عشرة آلاف بيت من عسكر بيدو ملك التّتار طالبين الدخول فى الإسلام خوفا من السلطان غازان، ومقدّمهم أمير اسمه طرغاى «٢» ، وهو زوج بنت هولاكو؛ فرسم الملك العادل إلى الأمير علم الدين سنجر [الدوادارى «٣» ] بأن يسافر من دمشق إلى الرّحبة حتّى يتلقاهم، فخرج إليهم، ثم خرج بعده الأمير «٤» سنقر الأعسر شادّ دواوين دمشق، ثم ندب الملك العادل أيضا الأمير قرا سنقر «٥» المنصورىّ بالخروج من القاهرة، فخرج حتّى وصل إلى دمشق لتلقى المذكورين، ورسم له أن يحضر معه فى عوده إلى مصر جماعة من أعيانهم، فوصل قرا سنقر إلى دمشق وخرج لتلقّيهم، ثم عاد إلى دمشق فى يوم الاثنين ثالث عشرين شهر ربيع الأوّل، ومعه من أعيانهم مائة فارس وثلاثة عشر فارسا؛ وفرح الناس بهم وبإسلامهم وأنزلوهم بالقصر الأبلق من الميدان.
وأمّا الأمير علم الدين سنجر الدّوادارى فبقى مع الباقين، وهم فوق عشرة آلاف ما بين رجل كبير وكهل وصغير وامرأة ومعهم ماشية كثيرة ورخت «٦» عظيم، وأقام قرا سنقر بهم أيّاما، ثم سافر بهم إلى جهة الديار المصرية، وقدموا القاهرة فى آخر شهر ربيع الآخر، فأكرمهم السلطان الملك العادل كتبغا ورتّب لهم الرواتب.
стр. 2574
ثمّ بدا للملك العادل كتبغا السفر إلى البلاد الشاميّة لأمر مقدّر اقتضاه رأيه، وأخذ فى تجهيز عساكره وتهيّأ للسفر، وخرج بجميع عساكره وأمرائه وخاصّكيته فى يوم السبت سابع عشر شوّال وسار حتّى دخل دمشق، فى يوم السبت خامس عشر ذى القعدة وخامس ساعة من النهار المذكور ودخل دمشق والأمير بدر الدين بيسرى حامل الجتر «١» على رأسه، ونائب سلطنته الأمير حسام الدين لاچين المنصورى ماشيا بين يديه، ووزيره الصاحب «٢» فخر الدين بن الخليلىّ، واحتفل أهل دمشق لقدومه وزيّنت المدينة وفرح الناس به.
ولمّا دخل الملك العادل إلى دمشق وأقام بها أيّاما عزل عنها نائبها الأمير عزّ الدين أيبك الحموىّ، وولّى عوضه فى نيابة دمشق مملوكه الأمير سيف الدين أغزلوا «٣» العادلى وعمره نحو من اثنتين وثلاثين سنة، وأنعم على الأمير عزّ الدين أيبك الحموىّ بخبز أغزلو بمصر، وخرجا من عند السلطان وعليهما الخلع، هذا متولّ وهذا منفصل. ثم سافر السلطان الملك العادل من دمشق فى ثانى عشر ذى الحجّة بأكثر العسكر المصرىّ وبقيّة جيش الشام إلى جهة قرية جوسية «٤» ، وهى ضيعة اشتراها له الصاحب شهاب الدين الحنفىّ فتوجّه إليها، ثم سافر منها فى تاسع عشر ذى الحجّة إلى حمص ونزل عند البحرة بالمرج «٥» بعد ما أقام فى البريّة أيّاما لأجل الصيد، وحضر
стр. 2575
إليه نوّاب البلاد الحلبيّة جميعها؛ ثم عاد إلى دمشق ودخلها بمن معه من العساكر ضحا نهار الأربعاء ثانى المحرّم من سنة ست وتسعين وستمائة. وأقام بدمشق إلى يوم الجمعة رابع المحرّم ركب السلطان الملك العادل المذكور بخواصّه وأمرائه إلى الجامع لصلاة الجمعة فحضر وصلّى بالمقصورة؛ وأخذ من الناس قصصهم حتى إنّه رأى شخصا بيده قصّة فتقدّم إليه بنفسه خطوات وأخذها منه؛ ولمّا جلس الملك العادل للصلاة بالمقصورة جلس عن يمينه الملك المظفّر تقىّ الدين محمود صاحب حماة، وتحته بدر الدّين «١» أمير سلاح، ثم من تحته نائب دمشق أغزلو العادلىّ؛ وعن يسار السلطان الشيخ حسن «٢» بن الحريرى وأخواه، ثم نائب السلطنة لاچين المنصورىّ، ثم تحته نائب دمشق الأمير عزّ الدين أيبك الحموىّ (أعنى الذي عزل عن نيابة دمشق) ، ثم من تحته الأمير بدر الدين بيسرى، ثم قرا سنقر المنصورى، ثم الحاج بهادر «٣» حاجب الحجّاب؛ ثم الأمراء على مراتبهم ميمنة وميسرة.
فلمّا انقضت الصلاة خرج من الجامع والأمراء بين يديه والناس يبتهلون بالدعاء له، وأحبّه أهل دمشق وشكرت سيرته، وحمدت طريقته. ثم فى يوم الخميس سابع عشر المحرّم أمسك السلطان الأمير أسندمر «٤» وقيّده وحبسه بالقلعة. وفى يوم الاثنين حادى عشرين المحرّم عزل السلطان الأمير شمس الدين سنقر الأعسر عن شدّ دواوين دمشق ورسم له بالسفر صحبة السلطان إلى مصر، وولّى عوضه فتح الدين «٥» ابن صبرة.
стр. 2576
ولمّا كان بكرة يوم الاثنين المذكور خرج السلطان الملك العادل من دمشق بعساكره وجيوشه نحو الديار المصريّة، وسار حتى نزل باللّجّون «١» بالقرب من وادى فحمة «٢» فى بكرة يوم الاثنين ثامن عشرين المحرّم من سنة ست وتسعين، وكان الأمير حسام الدين لاچين المنصورىّ نائب السلطنة قد اتّفق مع الأمراء على الوثوب على السلطان الملك العادل كتبغا هذا والفتك به، فلم يقدر عليه لعظم شوكته؛ فدبّر أمرا آخر وهو أنّه ابتدأ أوّلا بالقبض على الأميرين: بتخاص وبكتوت الأزرق العادليين، وكانا شهمين شجاعين عزيزين عند أستاذهما الملك العادل المذكور، فركب لاچين بمن وافقه من الأمراء على حين غفلة وقبض على الأميرين المذكورين وقتلهما فى الحال، وقصد مخيّم السلطان فمنعه بعض مماليك السلطان قليلا وعوّقوه عن الوصول إلى الملك العادل. وكان العادل لمّا بلغه هذا الأمر علم أنّه لا قبل «٣» له على قتال لاچين لعلمه بمن وافقه من الأمراء وغيرهم وخاف على نفسه، وركب من خيل النّوبة فرسا تسمّى حمامة وساق لقلّة سعده ولزوال ملكه راجعا إلى الشام، ولو أقام بمخيّمه لم يقدر لاچين على قتاله وأخذه، فما شاء الله كان! وساق حتى وصل إلى دمشق يوم الأربعاء آخر المحرّم قرب العصر، ومعه أربعة أو خمسة من
стр. 2577
خواصّه. وكان وصل إلى دمشق يوم الأربعاء آخر المحرّم أوّل النهار أمير شكار السلطان، وأخبر نائب الشام بصورة الحال وهو مجروح، فتهيأ نائب الشام الأمير أغزلو العادلىّ واستعدّ وأحضر أمراء الشام عند السلطان ورسم بالاحتياط على نوّاب الأمير حسام الدين لاچين وعلى حواصله بدمشق، وندم الملك العادل على ما فعله مع لاچين هذا من الخير والمدافعة عنه، من كونه كان أحد من أعانه على قتل الأشرف، وعلى أنّه ولّاه نيابة السلطنة، وفى الجملة أنّه ندم حيث لا ينفعه الندم! وعلى رأى من قال:" أشبعتهم سبّا وفازوا بالإبل" ومثله أيضا قول القائل:
من راقب الناس مات غمّا ... وفاز باللّذة الجسور
ثم إنّ الملك العادل طلب قاضى قضاة دمشق بدر الدين «١» بن جماعة فحضر بين يدى السلطان هو وقاضى القضاة حسام «٢» الدين الحنفىّ، وحضرا عند الملك العادل تجليف الأمراء والمقدّمين وتجديد المواثيق منهم، ووعدهم وطيّب قلوبهم.
وأمّا الأمير حسام الدين لاچين فإنّه استولى على دهليز السلطان والخزائن والحرّاس والعساكر من غير ممانع، وتسلطن فى الطريق ولقّب بالملك المنصور حسام الدين لاچين، وتوجّه إلى نحو الديار المصريّة وملكها وتمّ أمره، وخطب له بمصر وأعمالها والقدس والساحل جميعه.
وأمّا الملك العادل فإنّه أقام بقلعة دمشق هذه الأيّام كلّها لا يخرج منها، وأمّر جماعة بدمشق، وأطلق بعض المكوس بها، وقرئ بذلك توقيع يوم الجمعة سادس عشر صفر بعد صلاة الجمعة بالجامع. وبينما هو فى ذلك ورد الخبر على أهل دمشق بأنّ
стр. 2578
مدينة صفد زيّنت لسلطنة لاچين ودقّ بها البشائر، وكذلك نابلس والكرك.
فلمّا بلغ الملك العادل ذلك جهّز جماعة من عسكر دمشق مقدّمهم الأمير طقصبا الناصرىّ بكشف هذا الأمر وتحقيق الخبر، فتوجّهوا يوم الخميس ثانى عشرين صفر فعلموا بعد خروجهم فى النهار المذكور بدخول الملك المنصور لاچين إلى مصر وسلطنته، فرجعوا وعلموا عدم الفائدة فى توجّههم. ثم فى الغد من يوم الجمعة ثالث عشرين صفر ظهر الأمر بدمشق وانكشف الحال وجوهر الملك العادل كتبغا بذلك، وبلغه أنّه لمّا وصل العسكر إلى غزّة ركب الأمير حسام الدين لاچين فى دست السلطنة، وحمل البيسرى على رأسه الجتر وحلفوا له، ونعت بالملك المنصور.
ثم فى يوم السبت رابع عشرين صفر وصل إلى دمشق الأمير كجكن «١» ومعه جماعة من الأمراء كانوا مجرّدين إلى الرّحبة، فلم يدخلوا دمشق بل توجّهوا إلى جهة ميدان الحصا، وأعلن الأمير كجكن أمر الملك المنصور لاچين، وعلم جيش دمشق بذلك، فخرج إليه طائفة بعد طائفة، وكان قبل ذلك قد توجّه أميران من أكابر أمراء دمشق إلى جهة الديار المصريّة. فلمّا تحقّق الملك العادل كتبغا بذلك وعلم انحلال أمره وزوال دولته بالكليّة أذعن بالطاعة لأمراء دمشق، وقال لهم: الملك المنصور لاچين خشداشى وأنا فى خدمته وطاعته، وحضر الأمير سيف الدين جاغان الحسامىّ إلى قلعة دمشق إلى عند الملك العادل كتبغا، فقال له كتبغا: أنا أجلس فى مكان بالقلعة حتّى نكاتب السلطان ونعتمد على ما يرسم به. فلمّا رأى الأمراء منه ذلك تفرّقوا وتوجّهوا إلى باب الميدان وحلفوا للملك المنصور لاچين وأرسلوا البريد إلى القاهرة بذلك، ثم احتفظوا بالقلعة وبالملك العادل كتبغا، ولبس عسكر دمشق آلة الحرب وسيّروا عامّة نهار السبت بظاهر دمشق وحول القلعة؛ والناس فى هرج
стр. 2579
واختباط وأقوال مختلفة، وأبواب دمشق مغلّقة سوى باب النصر «١» ، وباب القلعة مغلّق فتح منه خوخته، واجتمع العامّة والناس من باب القلعة إلى باب النصر وظاهر البلد حتّى سقط منهم جماعة كثيرة فى الخندق فسلم جماعة وهلك دون العشرة، وأمسى الناس يوم السبت وقد أعلن باسم الملك المنصور لاچين لا يخفى أحد ذلك، وشرع [وقت «٢» العصر فى] دقّ البشائر بالقلعة. ثم فى سحر يوم الأحد ذكره المؤذّنون بجامع دمشق، وتلوا قوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ ...
إلى آخرها.
وأظهروا اسم المنصور والدعاء له، ثم ذكره قارئ المصحف بعد صلاة الصبح بمقصورة جامع دمشق، ودقّت البشائر على أبواب جميع أمراء دمشق دقّا مزعجا، وأظهروا الفرح والسرور وأمر بتزين أسواق البلد جميعها فزيّنت مدينة دمشق، وفتحت دكاكين دمشق وأسواقها واشتغلوا بمعايشهم، وتعجّب الناس من تسليم الملك العادل كتبغا الأمر إلى الملك المنصور لاچين على هذا الوجه الهيّن من غير قتال ولا حرب مع ما كان معه من الأمراء والجند، ولو لم يكن معه إلّا مملوكه الأمير أغزلو العادلىّ نائب الشام لكفاه ذلك. على أنّ الملك المنصور لاچين كان أرسل فى الباطن عدّة مطالعات لأمراء دمشق وأهلها واستمال غالب أهل دمشق، فما أحوجه الملك العادل كتبغا لشىء من ذلك بل سلّم له الأمر على هذا الوجه الذي ذكرناه. خذلان من الله تعالى.
وأمّا الأمير سيف الدين أغزلو العادلىّ مملوك الملك العادل كتبغا نائب الشام لمّا رأى ما وقع من أستاذه لم يسعه إلا الإذعان للملك المنصور وأظهر الفرح به
стр. 2580
وخلف له. وقال: الملك المنصور لاچين- نصره الله- هو الذي كان عيّننى لنيابة دمشق، وأستاذى الملك العادل كتبغا استصغرنى فأنا نائيه. ثم سافر هو والأمير جاغان الحسامى إلى نحو الديار المصريّة.
وأمّا لاچين فإنّه تسلطن يوم الجمعة عاشر صفر وركب يوم الخميس سادس عشر صفر وشقّ القاهرة وتمّ أمره. وأمّا الملك العادل كتبغا هذا فإنّه استمرّ بقلعة دمشق إلى أن عاد الأمير جاغان المنصورىّ الحسامىّ إلى دمشق فى يوم الاثنين حادى عشر شهر ربيع الأوّل، وطلع من الغد إلى قلعة دمشق ومعه الأمير الكبير حسام الدين الظاهرىّ أستاذ الدار فى الدولة المنصوريّة والأشرفيّة، والأمير سيف الدين كحكن، وحضر قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة قاضى دمشق ودخلوا الجميع إلى الملك العادل كتبغا، فتكلّم معهم كلاما كثيرا بحيث إنّه طال المجلس كالعاتب عليهم، ثم إنّه حلف يمينا طويلة يقول فى أوّلها: أقول وأنا كتبغا المنصورىّ، ويكرّر اسم الله تعالى فى الحلف مرّة بعد مرّة، أنّه يرضى بالمكان الذي عيّنه له السلطان الملك المنصور حسام الدين لاچين ولا يكاتب ولا يسارر، وأنّه تحت الطاعة، وأنه خلع نفسه من الملك وأشياء كثيرة من هذا النّموذج، ثم خرجوا من عنده. وكان المكان الذي عيّنه له الملك المنصور لاچين قلعة صرخد، ولم يعيّن المكان المذكور فى اليمين. ثم ولّى الملك المنصور نيابة الشام للأمير قبجق المنصورىّ وعزل أغزلوا العادلىّ، فدخل قبجق إلى دمشق فى يوم السبت «١» سادس عشر شهر ربيع الأوّل، وتجهّز الملك العادل كتبغا وخرج من قلعة دمشق بأولاده وعياله ومماليكه
стр. 2581
وتوجّه إلى صرخد فى ليلة الثلاثاء تاسع «١» عشر شهر ربيع الأوّل المذكور، وجرّدوا معه جماعة من الجيش نحو مائتى فارس إلى أن أوصلوه إلى صرخد. فكانت مدّة سلطنة الملك العادل كتبغا هذا على مصر سنتين وثمانية وعشرين يوما، وقيل سبعة عشر يوما، وتسلطن من بعده الملك المنصور حسام الدين لاچين حسب ما تقدّم ذكره.
ثم كتب له الملك المنصور حسام الدين لاچين تقليدا بنيابة صرخد، فقبل الملك العادل ذلك وباشر نيابة صرخد سنين إلى أن نقله السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون فى سلطنته الثانية من نيابة صرخد إلى نيابة حماة. وصار من جملة نوّاب السلطنة، وكتب له عن السلطان كما يكتب لأمثاله من النوّاب، وسافر فى التجاريد فى خدمة نوّاب دمشق وحضر الجهاد؛ ولم يزل على نيابة حماة حتى مات بها فى ليلة الجمعة «٢» يوم عيد الأضحى وهو فى سنّ الكهوليّة. ودفن بحماة، ثم نقل منها ودفن بتربته التى أنشأها بسفح جبل قاسيون دمشق غربىّ الرّباط الناصرى، وله عليها أوقاف. وكان ملكا خيّرا ديّنا عاقلا عادلا سليم الباطن شجاعا متواضعا، وكان يحبّ الفقهاء والعلماء والصلحاء ويكرمهم إكراما زائدا، وكان أسمر اللون قصيرا دقيق الصّدر قصير العنق، وكان له لحية صغيرة فى حنكه، أسر صغيرا من عسكر هولاكو. وكان لمّا ولى سلطنة مصر والشام تشاءم الناس به، وهو أنّ النيل قد بلغ فى تلك السنة ست عشرة ذراعا ثم هبط من ليلته فشرقت البلاد وأعقبه غلاء عظيم حتى أكل الناس الميتة. وقد تقدّم ذكر ذلك فى أوّل ترجمته. ومات الملك العادل
стр. 2582
كتبغا المذكور بعد أن طال مرضه واسترخى حتى لم يبق له حركة. وترك عدّة أولاد.
وتولّى نيابة حماة بعده الأمير بتخاص المنصورىّ نقل إليها من نيابة الشّوبك. وقد تقدّم التعريف بأحوال كتبغا هذا فى أوائل ترجمته وفى غيرها فيما مرّ ذكره. وأمر كتبغا هذا هو خرق العادة من كونه كان ولى سلطنة مصر أكثر من سنتين وصار له شوكة ومماليك وحاشية، ثم يخلع ويصير من جملة نوّاب السلطان بالبلاد الشاميّة؛ فهذا شىء لم يقع لغيره من الملوك. وأعجب من هذا أنّه لما قتل الملك المنصور لاچين وتحيّر أمراء مصر فيمن يولّونه السلطنة من بعده لم يتعرّض أحد لذكره ولا رشّح للعود البتّة حتى احتاجوا الأمراء وبعثوا خلف الملك الناصر محمد بن قلاوون من الكرك، وأتوا به وسلطنوه.
قلت: وما أظنّ أنّ القلوب نفرت منه إلا لما رأوه من دنىء همّته عند ما خلع من السلطنة وتسليمه للامر من غير قتال ولا ممانعة، وكان يمكنه أن يدافع بكلّ ما تصل القدرة إليه ولو ذهبت روحه عزيزة غير ذليلة، وما أحسن قول عبد المطّلب جدّ نبيّنا محمد ﷺ واسمه شيبة الحمد:
لنا نفوس لنيل المجد عاشقة ... وإن تسلّت أسلناها على الأسل
لا ينزل المجد إلّا فى منازلنا ... كالنّوم ليس له مأوى سوى المقل
وقول عنترة أيضا:
أروم من المعالى منتهاها ... ولا أرضى بمنزلة دنيّه
فإمّا أن أشال على العوالى ... وإمّا أن توسّدنى المنيّه
ويعجبنى المقالة الثامنة من تأليف العلّامة شرف الدين عبد المؤمن بن هبة الله الأصفهانى المعروف بشوروة فإنّ أوائلها تقارب ما نحن فيه، وهى:
стр. 2583
رتبة الشرف، لا تنال بالتّرف «١» ؛ والسعادة أمر لا يدرك، إلا بعيش يفرك «٢» ، وطيب يترك؛ ونوم يطرد، وصوم يسرد «٣» ؛ وسرور عازب «٤» ، وهمّ لازب «٥» ؛ ومن عشق المعالى ألف الغمّ، ومن طلب اللآلئ ركب اليمّ؛ ومن قنص الحيتان «٦» ورد النهر، ومن خطب الحصان «٧» نقد المهر؛ كلّا أين أنت من المعالى! إنّ السّحوق «٨» جبّار وأنت قاعد، والفيلق جرّار «٩» وأنت واحد؛ العقل يناديك وأنت أصلخ «١٠» ، ويدنيك ويحول بينكما البرزخ؛ لقد أزف الرحيل فاستنفد جهدك، وأكثب «١١» الصيد فضمّر فهدك؛ فالحذر يترصّد الانتهاز، والحازم يهيّئ أسباب الجهاز؛ تجرّع مرارة النوائب فى أيّام معدوده، لحلاوة معهودة غير محدوده؛ وإنما هى محنة بائده، تتلوها فائده؛ وكربة نافده، بعدها نعمة خالده، [وغنيمة «١٢» بارده] ؛ فلا تكرهنّ صبرا أو صابا «١٣» ، يغسل عنك أو صابا «١٤» ؛ ولا تشربنّ وردا يعقبك سقاما، ولا تشمّن وردا يورثك زكاما؛ [ما ألين «١٥» الرّيحان لولا وخز البهمى «١٦» ، وما أطيب الماذىّ لولا حمة «١٧» الحمى] ! فلا تهولنّك مرارات ذاقها عصبه، إنما يريد الله ليهديهم بها؛ ولا تروقنّك حلاوات نالها فرقه، إنما يريد الله ليعذّبهم بها. انتهى.
стр. 2584
السنة الأولى من سلطنة الملك العادل كتبغا المنصورىّ على مصر، وهى سنة أربع وتسعين وستمائة.
كان فيها الغلاء العظيم بسائر البلاد ولا سيّما مصر والشام، وكان بمصر مع الغلاء وباء عظيم أيضا وقاسى الناس شدائد فى هذه السنة واستسقى الناس بمصر من عظم الغلاء والفناء.
وفيها أسلم ملك التّتار غازان وأسلم غالب جنده وعساكره، على ما حكى الشيخ علم الدين «١» البرزالىّ.
وفيها توفّى السلطان الملك المظفّر شمس الدين أبو المحاسن يوسف ابن السلطان الملك المنصور نور الدين عمر بن علىّ بن رسول التّركمانىّ الأصل الغسّانىّ صاحب بلاد اليمن، مات فى شهر رجب بقلعة تعزّ «٢» من بلاد اليمن، وقيل: اسم رسول محمد ابن هارون بن أبى الفتح بن نوحى بن رستم من ذرّيّة جبلة بن الأيهم، قيل: إنّ رسولا جدّ هؤلاء ملوك اليمن كان انضم لبعض الخلفاء العباسيّة، فاختصه بالرسالة إلى الشام وغيرها فعرف برسول، وغلب عليه ذلك. ثم انتقل من العراق إلى الشام ثم إلى مصر، وخدم هو وأولاده بعض بنى أيّوب، وهو مع ذلك له حاشية وخدم.
ولمّا أرسل السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب أخاه الملك المعظّم توران شاه
стр. 2585
إلى اليمن أرسل الملك المنصور عمر «١» والد صاحب الترجمة معه كالوزير له واستحلفه على المناصحة، فسار معه إلى اليمن. فلمّا ملك الملك المسعود أقسيس ابن الملك الكامل محمد بن أبى بكر بن أيّوب اليمن بعد توران شاه قرّب عمر المذكور وزاد فى تعظيمه وولّاه الحصون، ثمّ ولّاه مكة المشرفة ورتّب معه ثلثمائة فارس، وحصل بينه وبين صاحب مكة حسن بن قتادة وقعة انكسر فيها حسن ودخل المنصور مكة واستولى عليها، وعمّر بها المسجد «٢» الذي اعتمرت منه عائشة أمّ المؤمنين رضى الله عنها فى سنة تسع عشرة وستمائة، ثم عمّر فى ولايته لمكة أيضا دار «٣» أبى بكر الصدّيق، رضى الله عنه فى زقاق «٤» الحجر فى سنة ثلاث وعشرين وستمائة، ثم استنابه الملك المسعود على اليمن لمّا توجّه إلى الديار المصرية، واستناب على صنعاء «٥» أخاه بدر الدين حسن بن علىّ
стр. 2586
ابن رسول. ولمّا عاد الملك المسعود إلى اليمن قبض على نور الدين هذا وعلى أخيه بدر الدين حسن المذكور وعلى أخيه فخر الدين وعلى شرف الدين موسى تخوّفا منهم لما ظهر من نجابتهم فى غيبته، وأرسلهم إلى الديار المصريّة محتفظا بهم خلا نور الدين عمر (أعنى الملك المنصور) فإنّه أطلقه من يومه لأنه كان يأنس إليه، ثم استحلفه وجعله أتابك عسكره؛ ثم استنابه الملك المسعود ثانيا لمّا توجّه إلى مصر، وقال له:
إن متّ فأنت أولى بالملك من إخوتى لخدمتك لى، وإن عشت فأنت على حالك، وإياك أن تترك أحدا من أهلى يدخل اليمن، ولو جاءك الملك الكامل. ثم سار الملك المسعود إلى مكة فمات بها. فلما بلغ الملك المنصور ذلك استولى على ممالك اليمن بعد أمور وخطوب، واستوسق له الأمر، فكانت مدّة مملكته باليمن نيّفا على عشرين سنة. ومات بها فى ليلة السبت تاسع ذى القعدة سنة «١» سبع وأربعين وستمائة، وملك بعده ابنه الملك المظفّر يوسف هذا، وهو ثانى سلطان من بنى رسول باليمن؛ وأقام الملك المظفّر هذا فى الملك نحوا من ستّ وأربعين سنة. وكان ملكا عادلا عفيفا عن أموال الرعيّة، حسن السّيرة كثير العدل، وملك بعده ولده الأكبر الملك الأشرف ممهّد «٢» الدّين عمر فلم يمكث الأشرف بعد أبيه إلا سنة «٣» ومات، وملك أخوه الملك المؤيّد هزبر الدّين داود «٤» . ومات الملك المظفّر هذا مسموما سمّته بعض جواريه. ومات وقد جاوز الثمانين. وخلّف من الأولاد الملك الأشرف الذي ولى بعده، والمؤيّد داود والواثق [إبراهيم «٥» ] والمسعود [تاج الدين حسن «٦» ] والمنصور [أيوب «٧» ] . انتهى.
стр. 2587
وفيها توفّى العلّامة جمال الدين أبو غانم محمد ابن الصاحب كمال الدين أبى القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله بن أحمد بن أبى جرادة الحلبىّ الحنفىّ المعروف بابن العديم.
مات بمدينة حماة، وكان إماما فاضلا بارعا من بيت غلم ورياسة.
وفيها قتل الأمير عساف «١» ابن الأمير أحمد بن حجّىّ أمير العرب من آل مرى، وكان أبوه أكبر عربان آل برمك، وكان يدّعى أنه من نسل البرامكة من العبّاسة أخت هارون الرشيد. وقد ذكرنا ذلك فى وفاة أبيه الأمير شهاب الدين أحمد.
وفيها توفّى الأمير بدر الدين بكتوت بن عبد الله الفارسىّ الأتابكىّ، كان من خيار الأمراء وأكابرهم وأحسنهم سيرة.
وفيها توفّى شيخ الحجاز وعالمه الشيخ محبّ الدين أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبى بكر بن محمد بن إبراهيم الطّبرىّ المكىّ الشافعىّ فقيه الحرم بمكة- شرفها الله تعالى- ومفتيه، ومولده فى سنة أربع عشرة وستّمائة بمكّة. وكانت وفاته فى ذى القعدة «٢» . وقال البرزالىّ «٣» : ولد بمكّة فى يوم الخميس السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وستمائة.
قلت: ونشأ بمكّة وطلب العلم وسمع الكثير ورحل البلاد.
وقال جمال الدين الإسنائىّ «٤» : إنّه تفقّه بقوص «٥» على الشيخ مجد الدين «٦» القشيرىّ. انتهى.
стр. 2588
وذكر نحو ذلك القطب «١» الحلبىّ فى تاريخ مصر، وحدّث وخرّج لنفسه أحاديث عوالى.
قال أبو حيّان «٢» : إنّه وقع له وهم فاحش فى القسم الأول وهو التّساعىّ، وهو إسقاط رجل من الإسناد حتى صار له الحديث تساعيّا فى ظنّه. انتهى.
قلت: وقد استوعبنا سماعاته ومصنّفاته ومشايخه فى ترجمته من تاريخنا المنهل الصافى، والمستوفى بعد الوافى مستوفاة فى الكتاب المذكور. وكان له يد فى النظم، فمن ذلك قصيدته الحائيّة:
ما لطرفى عن الجمال براح ... ولقلبى به غذا ورواح
كلّ معنى يلوح فى كلّ حسن ... لى إليه تقلّب وارتياح
ومنها:
فيهم يعشق الجمال ويهوى ... ويشوق الحمى وتهوى الملاح
وبهم يعذّب الغرام ويحلو ... ويطيب الثناء والامتداح
لا تلم يا خلىّ قلبى فيهم ... ما على من هوى الملاح جناح
ويح قلبى وويح طرفى إلى كم ... يكتم الحبّ والهوى فضّاح
صاح عرّج على العقيق وبلّغ ... وقباب فيها الوجوه الصباح
والقصيدة طويلة كلّها على هذا المنوال.
وفيها توفّى سلطان إفريقيّة وابن سلطانها وأخو سلطانها عمر بن أبى زكريّا يحيى ابن عبد الواحد بن عمر الهنتاتىّ «٣» الملقّب بالمستنصر بالله والمؤيّد به، وولى سلطنة
стр. 2589
تونس «١» بعد وفاة أخيه إبراهيم فيما أظنّ، وقتل الدعىّ «٢» الذي كان غلب عليها، وملك البلاد ودام فى الملك إلى أن مات فى ذى الحجّة. وكان عهد لولده عبد الله بالملك، فلمّا احتضر أشار عليه الشيخ أبو محمد المرجانى «٣» بأن يخلعه لصغر سنّه فخلعه، وولّى ولد الواثق محمد بن يحيى بن محمد الملقّب بأبى عصيدة الآتى ذكر وفاته فى سنة تسع وسبعمائة. وكان المستنصر هذا ملكا عادلا حسن السيرة وفيه خبرة ونهضة وكفاية ودين وشجاعة وإقدام. رحمه الله تعالى.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم فى هذه السنة، قال: وفيها توفّى الزاهد القدوة أبو الرجال بن مرى بمنين «٤» فى المحرّم. وعزّ الدين أبو بكر محفوظ بن معتوق التاجر ابن البزورىّ «٥» فى صفر. والإمام عزّ الدين أحمد بن إبراهيم بن الفاروثىّ «٦» فى ذى الحجة.
стр. 2590
وصاحب اليمن الملك المظفّر يوسف بن عمر فى رجب؛ وكانت دولته بضعا وأربعين سنة. وشيخ الحجاز محبّ الدين الطّبرىّ. وأبو الفهم «١» أحمد بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الحسينىّ النقيب فى المحرّم. والعلّامة تاج «٢» الدين أبو عبد الله محمد بن عبد السلام بن المطهّر «٣» بن أبى عصرون التميمى مدرّس الشاميّة «٤» الصغرى فى ربيع الأوّل. ومحيى الدين عبد الرحيم بن عبد المنعم [بن خلف «٥» بن عبد المنعم] بن الدّميرى فى المحرّم، وله تسعون سنة. والزاهد القدوة شرف الدين محمد بن عبد الملك «٦» اليونينىّ المعروف بالأرزونى»
. والزاهد المقرئ شرف الدين محمود بن محمد التّادفىّ «٨» بقاسيون فى رجب. والعلّامة زين الدين [أبو البركات «٩» ] المنجّا بن عثمان بن أسعد
стр. 2591
ابن المنجا الحنبلىّ فى شعبان، وله خمس وستون سنة. وقاضى القضاة شرف الدين الحسن بن عبد الله ابن الشيخ أبى عمر المقدسىّ الحنبلىّ. وناصر الدين نصر الله بن محمد بن عيّاش الحدّاد فى شوّال. والعدل كمال الدين عبد الله بن محمد [بن نصر «١» ] ابن قوام فى ذى القعدة. وأبو الغنائم بن محاسن الكفرابى. والمقرئ موفّق الدين محمد بن أبى العلاء [محمد «٢» بن علىّ] ببعلبكّ «٣» فى ذى الحجة. والمقرئ أبو القاسم عبد الرحمن ابن عبد الحليم سحنون «٤» المالكىّ فى شوّال بالإسكندريّة. والعلّامة الصاحب محيى الدين محمد بن يعقوب [بن إبراهيم «٥» بن هبة الله بن طارق بن سالم] بن النحّاس الحلبىّ الحنفى فى آخر السنة.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ذراع وأصابع. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا. وكان الوفاء فى سادس أيام النّسىء.
[ما وقع من الحوادث سنة ٦٩٥]
السنة الثانية من ولاية الملك العادل كتبغا المنصورىّ على مصر، وهى سنة خمس وتسعين وستمائة.
стр. 2592
فيها كان الغلاء العظيم بسائر البلاد، ولا سيّما مصر والشام؛ وكان بمصر مع الغلاء وباء عظيم أيضا، وقاسى الناس شدائد فى هذه السنة والماضية.
وفيها ولى قضاء الديار المصريّة الشيخ تقىّ الدين «١» أبو الفتح محمد بن علىّ بن وهب ابن دقيق العيد بعد وفاة قاضى القضاة تقىّ الدين عبد الرحمن بن بنت الأعزّ.
وفيها توفّى الملك السعيد شمس «٢» الدين إيلغازى ابن الملك المظفّر [فخر «٣» الدين قرا أرسلان] ابن الملك السعيد صاحب ماردين الأرتقىّ، ودفن بتربة جدّه أرتق، وتولّى بعده سلطنة ماردين أخوه الملك المنصور نجم الدين غازى. وكان مدّة مملكة الملك السعيد هذا على ماردين دون الثلاث سنين. وكان جوادا عادلا حسن السّيرة، رحمه الله تعالى.
وفيها توفّى الأمير بدر الدين بيليك بن عبد الله المحسنىّ المعروف بأبى شامة بالقاهرة، وكان من أعيان الأمراء وأكابرهم، ﵀.
وفيها توفى الأسعد بن السّديد القبطىّ الأسلمىّ الكاتب مستوفى الديار المصريّة والبلاد الشامية والجيوش جميعها المعروف بالماعز الديوانى «٤» المشهور، وكان معروفا بالأمانة والخير، وكان نصرانيّا ثم أسلم فى دولة السلطان الملك الأشرف خليل ابن قلاوون.
قال الشيخ صلاح الدين الصفدى- ﵀: حكى لى القاضى شهاب الدين محمود ﵀ قال: لمّا مرض المذكور توجّهنا إليه نعوده فوجدناه ضعيفا إلى الغاية، وقد وضعوا عنده أنواعا من الحلىّ والمصاغ المجوهر والعقود
стр. 2593
وفيها العنبر الفائق وأنواع من الطّيب. ثم إنّه قال: ارفعوا هذا عنّى، وأسرّ إلى خادم كلاما؛ فمضى وأتى بحقّ ففتحه وأقبل يشمّه وقمنا من عنده ثم إنه مات، فسألنا ذلك الخادم فيما بعد: ما كان فى ذلك الحقّ؟ قال: شعرة من است الراهب الفلانىّ الذي كان له كذا كذا سنة ما لمس الماء ولا قربه. قال فأنشدت:
ما يقبض الموت نفسا من نفوسهم ... إلّا وفى يده من نتنها عود
وفيها توفّى الأمير عزّ الدين أيبك بن عبد الله الأفرم الكبير أمير جاندار الملك الظاهر والملك السعيد والملك المنصور قلاوون. فلمّا تسلطن الملك الأشرف خليل ابن قلاوون حبسه، وبعد قتل الأشرف خليل أخرجه أخوه الملك الناصر محمد ابن قلاوون وأعاده إلى مكانته؛ ثم استقرّ فى أيام الملك العادل كتبغا على حاله إلى أن مات بالقاهرة فى يوم السبت «١» سابع شهر ربيع الأوّل.
قال القطب اليونينىّ: حكى لى الأمير سيف الدين بن المحفّدار قال: أوصى الأفرم عند موته أنه إذا توفّى يأخذون خيله يلبسونها أفخر مالها من العدّة، وكذلك جميع مماليكه وغلمانه يلبسونهم عدّة الحرب، وأن تضرب نوبة الطبلخاناه خلف جنازته، كما كان يطلع إلى الغزاة، وألّا يقلب له سنجق ولا يكسر له رمح، ففعلوا أولاده ما أمر به ما خلا الطبلخاناه، فإنّ نائب السلطنة حسام الدين لاچين منعهم من ذلك، وكانت جنازته حفلة حضرها السلطان ومن دونه. وكان ديّنا من وسائط الأخيار وأرباب المعروف. وكان يقال: إنه يدخل عليه من أملاكه وضماناته وإقطاعاته كلّ يوم ألف دينار خارج عن الغلال.
стр. 2594
قلت: وهذا مستفاض بين الناس. وقصّة أولاده لمّا احتاجوا مع كثرة هذا المال إلى السؤال مشهورة. يقال إنه كان له ثمن الديار المصرية، وهو صاحب الرّباط «١» والجسر «٢» على بركة الحبش «٣» خارج القاهرة.
قال الشيخ صلاح الدين الصّفدىّ: «كنت بالقاهرة وقد وقف أولاده وشكا عليهم أرباب الديون إلى السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، فقال السلطان:
يا بشتك «٤» ، هؤلاء أولاد الأفرم الكبير صاحب الأملاك والأموال، أبصر كيف حالهم! وما سببه إلا أنّ أباهم وكلهم «٥» على أملاكهم فما بقيت، وأنا لأجل ذلك لا أدّخر لأولادى ملكا ولا مالا» . انتهى كلام الصّفدى.
قلت: والعجيب أنه كان قليل الظلم كثير الخير، وغالب ما حصله من نوع المتاجر والمزروعات والمستأجرات، ومع هذا احتاج أولاده وذريته إلى السؤال.
стр. 2595
وفيها توفّى قاضى القضاة بالديار المصريّة ورئيسها تقىّ الدين أبو القاسم عبد الرحمن ابن قاضى القضاه تاج الدين أبى محمد عبد الوهاب ابن القاضى الأعز أبى القاسم خلف [بن «١» محمود] بن بدر العلامىّ «٢» الشافعى المصرىّ المعروف بابن بنت الأعز. مات يوم الخميس سادس عشر جمادى الأولى ودفن عند والده بالقرافة فى تربتهم وهو فى الكهولية. وكان فقيها بارعا شاعرا خيّرا ديّنا متواضعا كريما، تفقّه على والده وعلى ابن عبد السلام، وتولّى الوزارة والقضاء ومشيخة الشيوخ، وأضيف اليه تدريس الصلاحيّة «٣» والشريفية «٤» بالقاهرة والمشهد الحسينى «٥» وخطابة الجامع الأزهر، وامتحن محنة شديدة فى أوّل الدولة الأشرفية وعمل على إتلافه بالكلّية، وذلك بسعاية الوزير ابن السّلعوس الدّمشقىّ. وقد استوعبنا أمره فى المنهل الصافى، ثم أعيد إلى القضاء بعد وفاة الأشرف، فلم تطل أيامه ومات.
следующие страницы →