← История

История · id 11988

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة

ابن تغري بردي

Полный текст (6 264 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

يأتى الى الحائط المذكور ويسأله عن شىء يردّ عليه الجواب ويكلّمه بكلام فصيح، فجاءته الناس أفواجا وتردّدت الى الحائط المذكور أكابر الدولة وتكلّموا معه وافتتن الناس بذلك المكان وتركوا معايشهم وازدحموا على الدار المذكورة وأكثر أرباب العقول الفحص عن ذلك، فلم يقفوا له على خبر، وتحيّر الناس في هذا الأمر العجيب، إلى أن حضر الى البيت المذكور القاضى جمال الدين «١» محمود القيصرىّ العجمىّ محتسب القاهرة وفحص عن أمره بكلّ ما يمكن القدرة اليه، حتّى إنه أخرب بعض الحائط فلم يؤثّر ذلك شيئا واستمرّ الكلام في كلّ يوم الى ثالث شعبان، وقد كادت العامّة أن تتعبد بالمكان المذكور. وأكثروا من فولهم: «يا سلام سلّم، الحيطة بتتكلّم» وخاف أهل الدولة من إفساد الحال وقد أعياهم أمر ذلك، حتّى ظهر أنّ الذي كان يتكلّم هي زوجة صاحب المنزل، فأعلم بذلك الأتابك برقوق، فاستدعى بها مع زوجها فحضرا فأنكرت المرأة فضربها فأقرّت، فأمر بتسميرها وتسمير شخص آخر معها يسمى «عمر» وهو الذي كان يجمع الناس إليها، بعد أن ضرب برقوق الزوج وعمر المذكور بالمقارع وطيف بهما في مصر والقاهرة ثم أفرج عنهم، بعد أن حبسوا مدّة، وفي ذلك يقول الشيخ شهاب الدين بن العطار: [البسيط] يا ناطقا من جدار وهو ليس يرى ... اظهر وإلّا فهذا الفعل فتّان فما سمعنا وللحيطان «٢» ألسنة ... وإنّما قيل للحيطان آذان

стр. 3642

وقال غيره: [البسيط] قد حار في منزل الفيشى الورى عجبا ... بناطق من جدار ظل مبديه وكلّهم في حديد بارد ضربوا ... وصاحب البيت أدرى بالذى فيه وفي هذه السنة أمر الأمير بركة بنقل الكلاب وقرّر على كلّ أمير شيئا معيّنا وعلى أصحاب الدكاكين على كلّ صاحب دكّان كلبا، فتتّبع الناس الكلاب حتى أبيع كلّ كلب بدرهم فأخذ بركة جميع الكلاب ونفاها إلى برّ الجيزة. وفي يوم الأربعاء سابع صفر من سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة كان ابتداء الفتنة بين الأتابك برقوق وبين خجداشه بركة الجوبانىّ وهو أن بركة أرسل يقول إلى برقوق في اليوم المذكور: إن أيتمش البجاسىّ لابس آلة الحرب هو ومماليكه بإسطبله فأرسل برقوق إلى أيتمش في الحال فلم يجد الأمر صحيحا. ثم طلع أيتمش إلى برقوق وأقام عنده وتردّدت الرسل بين برقوق وبركة، والذي كان الرسول بينهما العلّامة أكمل الدّين شيخ الشيوخ بالشيخونية، أراد بذلك إخماد الفتنة والشيخ أمين الدين الحلوانىّ ولا زالا بهما حتى أوقع الصلح بينهما ورضى بركة على أيتمش البجاسىّ وخلع عليه قباء «نخّ» عند نزوله إليه بأمر برقوق صحبة الشيخين المذكورين. ثم فسد ما بينهما أيضا بعد اثنى عشر يوما في ليلة الجمعة تاسع عشر صفر وبات تلك الليلة كلّ أمير من أمراء مصر ملبسا بماليكه في إسطبله، وسببه: أن بركة أراد أن يمسك جماعة من الأمراء، ممّن هو من ألزام برقوق فأصبح نهار الجمعة والأمراء لابسون السلاح ولمّا وقع ذلك، طلب برقوق القضاة إلى القلعة ليرشّد السلطان الملك المنصور وقال لهم: نرشّد السلطان فيتكلم في أمور مملكته وأنكفّ أنا وغيرى من التّكلّم وأنا مملوك من جملة مماليك السلطان، فتكلّم القضاة بينه وبين

стр. 3643

الأمير بركة وتردّدوا في الرّسلية غير مرّة إلى أن أذعن كلّ منهما إلى الصلح وتحالفا على ذلك واصطلحا وأصبحت الأمراء من الغد ركبوا إلى الميدان ولعبوا بالكرة وخلع بركة على أيتمش ثانيا. واستقرّ الصلح وخلع برقوق على القضاة الأربعة والتزم بركة أنه لا يتحدّث في شىء من أمور المملكة البتة. واستمرّ الأمراء على ذلك إلى يوم الاثنين سابع شهر ربيع الأوّل ركبت الأمراء وسيّروا بناحية قبّة النصر ورجعوا وطلع برقوق إلى الإسطبل السلطانىّ، حيث سكنه، وذهب بركة إلى بيته وكان برقوق قد ولد له ولد ذكر وعمل سماطا للناس وطلع إليه الأمير صراى الرّجبىّ الطويل وكان من إخوة بركة وقال لبرقوق: إن بركة وحاشيته قد اتّفقوا على قتلك إذا دخلت يوم الجمعة إلى الصلاة هجموا عليك وقتلوك فبقى برقوق متفكّرا في ذلك متحيّرا لا يشكّ فيما أخبره صراى لصحبته مع بركة وبينما برقوق فى ذلك إذ طلع إليه الأمير قرادمرداش الأحمدىّ اليلبغاوىّ أمير مجلس وطبج المحمدىّ وآقتمر العثمانىّ الدّوادار الكبير. وهم من أعيان أصحاب بركة وهنّئوه بالولد وأكلوا السّماط، فلمّا فرغوا طلب برقوق الأمير جركس الخليلىّ ويونس الدّوادار وأمرهما بمسك هؤلاء الثلاثة ومن معهم، فمسكوا في الحال. ثم أمر برقوق حواشيه بلبس السلاح فلبسوا ونزل بزلار الناصرىّ من وقته غارة إلى مدرسة السلطان حسن مع مماليكه وطلع إليها وأغلق بابها وصعد إلى سطحها ومآذنها ورمى بالنّشّاب على بركة في إسطبله الملاصق للمدرسة المذكورة وهو بيت قوصون تجاه باب السلسلة، فلمّا رأى بركة ذلك أمر مماليكه وأصحابه بلبس السلاح، فلبسوا ونادى برقوق في الحال للعامّة تنهب بيت بركة، فتجمّعوا في الحال وأحرقوا بابه ولم يتمكن بركة من قتالهم من عظم الرمى عليه من أعلى سطوح المدرسة، فخرج من بابه الذي

стр. 3644

بالشارع الأعظم المتّصل إلى صليبة «١» ابن طولون وخرج معه سائر أصحابه ومماليكه وترك ماله بالبيت ودخل من باب «٢» زويلة وأخذ والى القاهرة معه إلى باب الفتوح «٣» ، ففتحه له فإنه كان أغلق عند قيام الفتنة مع جملة أبواب القاهرة وسار بركة بمن معه من الأمراء والمماليك إلى قبّة النصر، خارج القاهرة فأقام بها ذلك اليوم في مخيّمه ثم أخرج طائفة من عساكره إلى جهة القلعة فتوجّهوا يريدون القلعة فندب برقوق لقتالهم جماعة من أصحابه، فنزلوا إليهم وقاتلوهم قتالا شديدا، قتل فيه من كلّ طائفة جماعة. ثم رجعت كلّ طائفة إلى أميرها وباتوا تلك الليلة. فلمّا أصبح نهار الثلاثاء ثامن شهر ربيع الأوّل من سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة، ندب برقوق لقتال بركة الأمير علّان الشعبانىّ وأيتمش البجاسىّ وقرط الكاشف فى جماعة كبيرة من الأمراء والمماليك وتوجّهوا إلى قبّة النصر فبرز لهم من أصحاب بركة الأمير يلبغا الناصرىّ أمير سلاح بجماعة كبيرة والتقوا وتصادموا صدمة هائلة انكسر فيها يلبغا الناصرىّ بمن معه وانهزم إلى جهة قبة النصر، فلمّا رأى الأمير بركة انهزام عسكره ركب بنفسه وصدمهم صدمة صادقة وكان من الشّجعان كسرهم فيها أقبح كسرة وتتّبعهم إلى داخل التّرب، ثم عاد إلى مخيّمه وطلع أصحاب برقوق إلى باب السلسلة في حالة غير مرضية وباتوا تلك الليلة، فلمّا أصبح نهار الأربعاء تاسع شهر ربيع الأوّل المذكور، أنزل برقوق السلطان الملك المنصور إلى عنده بالإسطبل السلطانىّ، ونادى للماليك السلطانية بالحضور، فحضروا فأخرج جماعة كبيرة من الأمراء ومعهم المماليك السلطانية وندبهم لقتال بركة ودقّت الكوسات بقلعة الجبل

стр. 3645

حربية، هذا وقد جهّز بركة أيضا جماعة كبيرة أيضا من أصحابه، لملتقى من ندبه برقوق لقتاله، وسار كلّ من الفريقين إلى الآخر حتّى تواجها على بعد، فلم يتقدّم أحد من العسكرين إلى غريمه، فلما كان بعد الظهر بعث الأمير بركة أمير آخر سيف الدين طغاى يقول لبرقوق: ما هذا العمل! هكذا كان الاتفاق بيننا؟ فقال برقوق: هكذا وقع، قل لأستاذك يتوجه نائبا في أىّ بلد شاء، فرجع أمير آخوره بركة له بهذا القول، فلم يوافق بركة على خروجه من مصر أصلا، فلما أيس منه أمير آخوره قال له: إن كان ولا بدّ فهذا الوقت وقت القيلولة والناس مقيّلة، فهذا وقتك، فركب بركة بأصحابه ومماليكه من وقته وساقوا فرقتين: فرقة من الطريق المعتادة، وفرقة من طريق الجبل. وكان بركة في الفرقة التي بطريق الجبل؛ وبلغ برقوقا ذلك فأرسل الأمراء والمماليك في الوقت لملتقاه، فلمّا أقبل بركة هرب أكثر عساكر برقوق ولم يثبت إلّا الأمير علّان الشعبانىّ في نحو مائة مملوك، والتي مع بركة. وكان يلبغا الناصرىّ بمن معه من أصحاب بركة توجّه من الطريق المعتادة، فآلتقاه أيتمش البجاسىّ بجماعة وكسره وضربه بالطّبر وأخذ جاليشه وطبلخاناته ورجع مكسورا بعد أن وقع بينهم وقعة هائلة جرح فيها من الطائفتين خلائق. وأمّا بركة فإنه لما التقى مع علّان صدم علان صدمة تقنطر فيها عن فرسه وركب غيره، فلمّا تقنطر انهزم عنه أصحابه، فصار في قلّة فثبت ساعة جيّدة ثم انكسر وانهزم إلى جهة قبّة النصر، وأقام به إلى نصف الليل فلم يجسر أحد من البرقوقية على التوجّه إليه وأخذه. فلمّا كانت نصف ليلة الخميس المذكورة رأى بركة أصحابه في قلّة وقد خلّ عنه أكثر مماليكه وحواشيه وهرب من قبّة النصر هو والأمير آقبغا صيوان إلى جامع

стр. 3646

المقسىّ «١» خارج القاهرة فغمز عليه في مكانه فمسك هو وآقبغا المذكور من هناك وطلع بهما إلى برقوق وتتبّع برقوق أصحاب بركة ومماليكه فمسك منه جماعة كبيرة حسب ما يأتى ذكره مع من مسك مع بركة من الأمراء وبقيت القاهرة ثلاثة أيام مغلقة والناس في وجل بسبب الفتنة فنادى برقوق عند ذلك بالأمان والاطمئنان.

стр. 3647

وفي واقعة بركة يقول طاهر بن حبيب: [الرجز] يا لؤمها من حالة ... وشؤمها من حركه وقبحها من فتنة ... فيها زوال بركه وعظم كسرة بركة ومسكه على الناس، لأنه كان محبّبا للرعيّة وفيه كرم وحشمة وكان أكثر ميل الناس إليه. ولمّا كان عشيّة ليلة الخميس المذكورة أخذ برقوق خجداشه بركة وقيّده وأرسله إلى سجن الإسكندرية فحبس به صحبة الأمير قردم الحسنىّ ومعه جماعة في القيود من أصحابه الأمراء وهم: الأمير قرادمرداش الأحمدىّ أمير مجلس المقبوض عليه قبل واقعة بركة وآقتمر العثمانىّ الدوادار وأمير آخر. ثم أخذ برقوق في القبض على الأمراء من أصحاب بركة، فمسك جماعة كبيرة وهم: أيدمر الخطائىّ وخضر (بضم الخاء المعجمة وفتح الضاد المعجمة وراء ساكنة) وقراكسك وأمير حاج بن مغلطاى وسودون باشا ويلبغا المنجكىّ وقرابلاط وقرابغا الأبوبكريّ وتمربغا السيفىّ تمرباى وإلياس الماجرىّ وتمربغا الشمسىّ ويوسف ابن شادى وقطلبك النظامىّ وآقبغا صيوان الصالحىّ وكزل القرمىّ وطولو تمر الأحمدىّ وطوجى الحسينىّ وتنكر العثمانى وقطلوبغا السيفىّ وغريب الأشرفىّ وكمجىّ «١» وألطنبغا الأرغونىّ ويلبغا الناصرىّ رفيق منطاش الآتى ذكرهما وأطلمش الطازىّ وتمرقيا. فأرسل منهم برقوق في ليلة الأحد ثانى عشر ربيع الأوّل جماعة إلى الإسكندرية صحبة الأمير سودون الشيخونىّ وهم: يلبغا الناصرىّ وهو أكبر الجماعة

стр. 3648

وطبج المحمدىّ ويلبغا المنجكىّ وأطلمش الطازىّ وقرابلاط وتمرقيا السيفىّ تمربغا وإلياس وقرابغا. ثم عرض برقوق مماليك بركة فأخذ أكابرهم في خدمته، وكذلك فعل بمماليك يلبغا الناصرىّ، ثم أمسك أرسلان الأشرفىّ دوادار بركة. ثم أفرج برقوق عن ستة أمراء ممن أمسكهم. ثم أنعم برقوق على جماعة من أصحابه بتقادم ألوف فأنعم على ولده محمد بن برقوق بإقطاع بركة بتمامه وكماله، ثم أنعم على أربعة أخر بتقادم ألوف وهم: جركس الخليلىّ وبزلار العمرىّ الناصرىّ وألطنبغا المعلّم وآلابغا العثمانىّ وأنعم على أطلمش الطازىّ أحد أصحاب بركة بإمرة طبلخاناة بالشام. ثم في يوم الخميس ثامن شهر ربيع الأوّل المذكور أنعم على جماعة بإمرة طبلخانات، وهم: آقبغا الناصرىّ وتنكزبغا السيفىّ؟؟ وفارس الصرغتمشىّ وكمشبغا الأشرفىّ الخاصّكى وقطلوبغا السيفىّ كوكاى وتمربغا المنجكىّ وسودون باق السّيفىّ تمرباى وإياس الصرغتمشىّ وعلى جماعة بإمرة عشرات وهم: قوصون الأشرفىّ وبيبرس التمان تمرىّ وطغا الكريمىّ وبيرم العلائىّ وآقبغا اللّاجينىّ. ثم في حادى عشرين شهر ربيع الأوّل المذكور أخلع برقوق على جماعة من الأمراء بوظائف، فاستقرّ أيتمش البجاسىّ رأس نوبة كبيرا أطابكا عوضا عن بركة- وهذه الوظيفة بطلت من أيام الملك الناصر فرج- واستقرّ علّان الشعبانىّ أمير سلاح عوضا عن يلبغا الناصرىّ واستقرّ ألطنبغا الجوبانىّ أمير مجلس عوضا عن قرادمرداش الأحمدىّ واستقرّ آلابغا العثمانىّ دوادارا عوضا عن آقتمر العثمانىّ واستقرّ ألطنبغا المعلّم رأس نوبة ثانى بتقدمة ألف (أعنى رأس نوبة النّوب) واستقرّ جركس الخليلىّ أمير آخور كبيرا واستقرّ قرابغا الأبوبكري حاجبا واستقرّ

стр. 3649

بجمان «١» المحمدىّ من جملة رءوس النوب واستقرّ كمشبغا الأشرفىّ الخاصّكى شادّ الشراب خاناه. وفي ثانى عشرينه استقرّ الأمير صلاح الدين خليل بن عرّام نائب إسكندرية عوضا عن بلّوط الصرغتمشىّ فتوجّه ابن عرّام إلى الإسكندرية ثم عاد إلى القاهرة، بعد مدّة يسيرة وشكا من الأمير بركة، فأوصاه برقوق به في الظاهر وسيّره إلى الإسكندرية ثانيا. ثم أمسك برقوق الأمير بيدمر الخوارزمىّ نائب الشام وأمسك معه جماعة من أصحابه من الأمراء وكان بيدمر من حزب بركة وخرج عن طاعة برقوق فولّى برقوق عوضه الأمير اشقتمر الماردينىّ نائب حلب. وتولّى نيابة حلب بعد اشقتمر منكلى بغا الأحمدىّ البلدىّ نائب طرابلس. ثم في آخر جمادى الأولى أفرج برقوق عن جماعة الأمراء المسجونين بثغر الإسكندرية ما خلا أربعة أنفس، وهم: بركة ويلبغا الناصرىّ وقرادمرداش الأحمدىّ وبيدمر الخوارزمىّ نائب الشام وحضرت البقيّة إلى القاهرة فأخرج بعضهم إلى الشام ونفى بعضهم إلى قوص. ثم في شعبان باست الأمراء الأرض للسلطان الملك المنصور علىّ وسألوه الإفراج عن المسجونين بالإسكندرية وذلك بتدبير برقوق فرسم السلطان بالإفراج عنهم وهم: بيدمر الخوارزمىّ ويلبغا الناصرىّ وقرادمرداش الأحمدىّ ولم يبق بسجن الإسكندرية ممّن مسك من الأعيان في واقعة بركة غير بركة المذكور ومات فى شهر رجب على ما يأتى ذكره، بعد أن نحكى قدوم آنص والد الأتابك برقوق من

стр. 3650

بلاد الجركس ولمّا حضر الأمراء إلى مصر أخرج يلبغا الناصرىّ إلى دمشق على إمرة مائة وتقدمة ألف بها وقرّادمرداش إلى حلب على تقدمة ألف أيضا بها وتوجّه بيدمر الخوارزمىّ إلى ثغر دمياط بطّالا. ثم رسم برقوق بالإفراج عن الأمير إينال اليوسفىّ صاحب الواقعة مع برقوق المقدّم ذكرها من سجن الإسكندرية واستقرّ في نيابة طرابلس. ثم استقرّ كمشبغا الحموىّ اليلبغاوى في نيابة صفد عوضا عن تمرباى الأفضلىّ التّمرداشىّ مدّة يسيرة ونقل إلى نيابة طرابلس بحكم انتقال إينال اليوسفىّ إلى نيابة حلب بعد وفاة منكلى بغا الأحمدىّ البلدىّ. ثم في ذى الحجّة من السنة وصل الخبر بوصول الأمير آنص الجركسىّ والد الأمير الكبير برقوق العثمانىّ صحبة تاجر برقوق الخواجا عثمان بن مسافر، فخرج برقوق بجميع الأمراء إلى لقائه في يوم الثلاثاء ثامن ذى الحجة سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة المذكورة، فسافر برقوق إلى العكرشة «١» . قال قاضى القضاة بدر الدين محمود العينىّ الحنفىّ: وهو المكان الذي التقى به يوسف الصّدّيق أباه يعقوب ﵉ على ما قيل.

стр. 3651

وكان قد هيّأ له ولده الأتابك برقوق الإقامات والخيم والأسمطة والتقى برقوق مع والده فحال وقع بصر آنص على ولده برقوق مدّ له يده فأخذها برقوق وقبلها ووضعها على رأسه ثم سلّم عليه أكابر أمراء مصر على مراتبهم وأقعد آنص والد برقوق في صدر المخيّم وقعد الأمير آقتمر عبد الغنىّ النائب من جانب والأمير أيدمر الشمسىّ من جانب آخر وجلس برقوق تحت أيدمر وهو يوم ذاك مرشّح للسلطنة، فانظر إلى تلك الآداب والقواعد السالفة. ولمّا استقرّ بهم الجلوس أخذ آنص يخاطب برقوقا ولده باسمه من غير تحشم، كما يخاطب الوالد ولده على قاعة الجراكسة، والقاعدة عندهم: أنّ الولد والخديم عندهم سواء، وكان الملتقى بالعكرشة والنزول بالمخيّم بالخانقاه، فإنهم لمّا تلاقوا ساروا على ظهر إلى خانقاه سرياقوس وحضر مع الأمير آنص جماعة كبيرة من أقاربه وأولاده إخوة الأتابك برقوق خوند الكبرى والصّغرى أمّ بيبرس الأتابك وغيرهما. ثم مدّت الأسمطة من المآكل والمشارب والحلاوات وغيرها ودام برقوق والأمراء بخانقاة سرياقوس إلى ظهر اليوم المذكور ثم ركبوا الجميع وعادوا إلى جهة الديار المصريّة والموكب لآنص والد برقوق وأكابر الأمراء عن يمينه وشماله وتحته فرس بسرج ذهب وكنبوش زركش بذهب هائل قد تناهوا في عملهما وسار الجميع حتّى دخلوا إلى القاهرة واجتازوا بها وقد أوقدت لهم الشموع والقناديل فتحيّر والد برقوق ممّا رأى وكان جركسيّا جنسه «كسا» لا يعرف باللغة التركيّة شيئا، لأن الكسا بالبعد عن بلاد التّتار وطلع والد برقوق مع ابنه إلى القلعة وصار هو المشار إليه على ما سنذكره. وأمّا أمر بركة فإنه لمّا كان شهر رجب من هذه السنة ورد الخبر من لأمه صلاح الدين خليل بن عرّام نائب الإسكندرية بموت الأمير زين الدين بركه

стр. 3652

الجوبانىّ اليلبغاوىّ المقدّم ذكره بسجن الإسكندرية، فلمّا بلغ الأتابك برقوقا ذلك عظم عليه في الظاهر- والله متولى السرائر- وبعث بالأمير يونس النّوروزىّ الدّوادار بالإسكندرية لكشف خبر الأمير بركة وكيف كانت وفاته فتوجّه يونس إلى الإسكندرية، ثم عاد إلى مصر ومعه ابن عرّام المذكور نائب الإسكندرية وأخبر برقوقا بأنّ الأمر صحيح وأنه كشف عن موته وأخرجه من قبره فوجد به ضربات: إحداها في رأسه وأنه مدفون بثيابه من غير كفن وأنّ يونس أخرجه وغسّله وكفّنه ودفنه وصلّى عليه خارج باب رشيد «١» وبنى عليه تربة وأن الأمير صلاح الدين خليل بن عرّام هو الذي قتله، فحبس برقوق ابن عرّام بخزانة «٢» شمائل. ثم عصره وسأله عن فصوص خلّاها بركة عنده فأنكرها وأنكر أنه ما رآها. فلمّا كان يوم الخميس خامس عشرين شهر رجب المذكور طلع الأمراء الخدمة على العادة وطلب ابن عرّام من خزانة شمائل فطلعوا به إلى القلعة على حمار فرسم برقوق بتسميره، فخرج الأمير مأمور القلمطاوى حاجب الحجّاب وجلس بباب القلّة «٣» هو وأمير جاندار وطلب ابن عرّام بعد خدمة الإيوان فعرّى وضرب بالمقارع ستة وثمانين شيبا ثم سمّر على جمل بلعبة تسمير عطب وأنزل من القلعة إلى سوق الخيل بالرّميلة بعد نزول الأمراء وأوقفوه تجاه الإسطبل السلطانىّ ساعة فنزل إليه جماعة

стр. 3653

من مماليك بركة وضربوه بالسيوف والدّبابيس حتى هبّروه وقطّعوه قطعا عديدة ثم إنّ بعضهم قطع أذنه وجعل يعضّها صفة الأكل وأخذ آخر رجله وآخر قطع رأسه وعلّقها بباب زويلة وبقيت قطع منه مرميّة بسوق الخيل، وذكر أن بعض مماليك بركة أخذ من لحمه قطعة شواها. والله أعلم بصحة ذلك. ثم جمع ابن عرّام بعد ذلك ودفن بمدرسته «١» خارج القاهرة عند جامع أمير حسين بن جندر «٢» بحكر جوهر النوبىّ وقد صار أمر ابن عرّام المذكور في أفواه

стр. 3654

العامّة مثلا يقولون: خمول ابن عرام وكان ابن عرام المذكور أميرا جليلا فاضلا تنقّل في الولايات والوظائف وكان له يد طولى في التاريخ والأدب وله مصنفات مفيدة وتاريخ كبير فيه فوائد وملح وفي هذا المعنى يقول الأديب شهاب الدين أحمد ابن العطار: [البسيط] أيا بن عرّام قد سمّرت مشتهرا ... وصار ذلك مكتوبا ومحسوبا ما زلت تجهد في التاريخ تكتبه ... حتّى رأيناك في التاريخ مكتوبا وفيه يقول أيضا: [الوافر] بدت أجزا ابن عرّام خليل ... مقطّعة من «١» الضرب الثقيل وأبدت أبحر الشعر المراثى ... محرّرة «٢» بتقطيع الخليل

стр. 3655

حدّثنى الزينى فيروز الطواشىّ الرومىّ العرّامىّ وكان ثقة صاحب فضل ومعرفة ودين أن أستاذه صلاح الدين خليل بن عرّام المذكور كان مليح الشكل فصيح العبارة بلغات عديدة مع فضيلة تامّة ومعرفة بالأمور وسياسة حسنة وتولّى نيابة ثغر الإسكندرية غير مرة سنين طويلة وتولّى الوزر بالديار المصرية وتنقّل في عدّة وظائف أخر، قال: وكان من رجال الدهر وكان محبّبا في الفقهاء والفقراء وأرباب الصلاح. انتهى. وقال غيره: كان بشّره الشيخ يحيى الصنافيرىّ والشيخ المعتقد نهار «١» أنه يموت مقتولا بالسيف مسمّرا، وفي معنى ما قاله الشيخ نهار المذكور يقول الشيخ الشهاب ابن العطار المقدّم ذكره: [السريع] وعد ابن عرّام قديم بما ... قد نال من شيخ رفيع المنار يا ليلة بالسّجن أبدت له ... ما قاله الشيخ نهار جهار وقال العينىّ- ﵀: وذكر القاضى تاج الدين بن المليجىّ شاهد الخاصّ الشريف أنّه طلع إلى القلعة وهم يسمّرون ابن عرّام فقعد إلى أن تخفّ الناس، فلمّا فرغوا من تسميره، جازوا به عليه فسمعه وهو يقول في تلك الحالة وينشد أبيات أبى بكر الشّبلىّ «٢» وهي قوله: [الخفيف] لك «٣» قلبى تعلّه ... فدمى لم؟؟ قال إن كنت قاهرا ... فلى؟؟ كلّه انتهى. وقد خرجنا عن المقصود وأطلنا الكلام في قصّة بركة وابن عرّام على سبيل الاستطراد ولنرجع لما كنّا فيه.

стр. 3656

وأما برقوق فإنه استمرّ على حاله كما كان قبل مسك بركة وقتله وإليه حلّ المملكة وعقدها ولم يجسر على السلطنة، وبينما هو في ذلك مرض السلطان الملك المنصور علىّ ولزم الفراش، حتى مات بين الظهر والعصر من يوم الأحد ثالث عشرين صفر سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة ودفن من ليلته بعد عشاء الآخرة في تربة «١» جدّته لأبيه خوند بركة بالقبّة التي بمدرستها بالتبانة. وكان الذي تولّى تجهيزه وتغسيله ودفنه الأمير قطلوبغا الكوكائىّ. وكانت مدّة سلطنته على ديار مصر خمس سنين وثلاثة أشهر وعشرين يوما. ومات وعمره اثنتا عشرة سنة ولم يكن له في سلطنته سوى مجرّد الاسم فقط. وإنما كان أمر المملكة في أيام سلطنته إلى قرطاى أوّلا ثم إلى برقوق آخرا، وهو كالآلة معهم لصغر سنه ولغلبتهم على الملك. وتسلطن من بعده أخوه أمير حاج ابن الملك الأشرف شعبان بن حسين ولم يقدر برقوق- مع ما كان عليه من العظمة- أن يتسلطن. وكان الملك المنصور علىّ مليح الشكل حسن الوجه، حشيما كثير الأدب واسع النفس كريما. رحمه الله تعالى. [ما وقع من الحوادث سنة ٧٧٩] السنة الأولى من سلطنة الملك المنصور على ابن الملك الأشرف شعبان على مصر وهي سنة تسع وسبعين وسبعمائة، على أنه تسلطن في الثامن من ذى القعدة من السنة الخالية. فيها. (أعنى سنة تسع وسبعين وسبعمائة) كانت واقعة قرطاى الطازىّ مع صهره أينبك البدرىّ وقتل قرطاى. ثم بعد مدّة قتل أينبك أيضا.

стр. 3657

وفيها كان ظهور برقوق وبركة، وابتداء أمرهما حسب ما ذكرنا ذلك كلّه فى أصل ترجمة الملك المنصور هذا. وفيها توفّى الشيخ الإمام العلّامة شهاب الدين أبو جعفر أحمد «١» بن يوسف بن مالك الرّعينىّ الغرناطىّ المالكىّ بحلب عن سبعين سنة وكان إليه المنتهى في علم النحو والبديع والتصريف والعروض وله مشاركة في فنون كثيرة ومصنفات جيدة وكان له نظم ونثر. ومن شعره ما كتبه على ألفية الشيخ «٢» يحيى: [البسيط] يا طالب النحو ذا اجتهاد ... تسمو به في الورى وتحيا إن شئت نيل المراد فاقصد ... أرجوزة للإمام يحيى وتوفّى الشيخ الإمام بدر الدين حسن بن زين الدين عمر بن الحسن بن عمر بن حبيب الحلبىّ الشافعى بحلب عن سبعين سنة وكان باشر كتابة الحكم وكتابة الإنشاء وغير ذلك من الوظائف الدّينية وكان إمام عصره في صناعتى الإنشاء والشروط وله تصانيف مفيدة منها: «تاريخ دولة الترك» أنهاه إلى سنة سبع وسبعين وسبعمائة وذيّل عليه ولده أبو العزّ طاهر وقال: [البسيط] ما زلت تولع بالتاريخ تكتبه ... حتّى رأيناك في التاريخ مكتوبا قلت: وأكثر الناس من نظم هذا المعنى الركيك البارد في حقّ عدّة كثيرة من المؤرّخين، وتزاحموا على هذا المعنى المطروق. انتهى. قلت: وكان له نظم كثير ونثر وتاريخه مرجّز وهو قليل الفائدة والضبط ولذلك لم أنقل عنه إلّا نادرا، فإنه كان إذا لم تعجبه القافية سكت عن المراد.

стр. 3658

وليس هذا مذهبى في التاريخ. ومن شعر الشيخ بدر الدين حسن هذا- رحمه الله تعالى-: [السريع] الورد والنّرجس مذ عاينا ... نيلوفرا يلزم أنهاره شمّر ذا للخوض عن ساقه ... وفكّ ذا للعوم أزراره وله في مليح يدعى موسى: [الرجز] لما بدا كالبدر قال عاذلى ... من ذا الذي قد فاق عن شمس الضّحا فقلت موسى واستفق فإنه ... أهون شىء عنده حلق اللّحى وله عفا الله تعالى عنه: [الرجز] يا أيها الساهون عن أخراكم ... إنّ الهدايا فيكم لا تعرف المال بالميزان يصرف عندكم ... والعمر بينكم جزابا يصرف وله قصيدة على روىّ قصيدة كمال الدين علىّ بن النّبيه، قد أثبتناها في ترجمته فى المنهل الصافى، أوّلها: [البسيط] جوانجى للقا الأحباب قد جنحت ... وعاديات غرامى نحوهم جنحت «١» وتوفّى الأمير سيف الدين قطلقتمر بن عبد الله العلائىّ صاحب الواقعة مع الأمير أينبك البدرىّ وغيره وهو ممن قام على الملك الأشرف شعبان وأخذ تقدمة ألف بالديار المصرية دفعة فلم يتهنأ بها وعاجلته المنية ومات ولحقه من بقى من أصحابه بالسيف. وتوفّى الأمير طشتمر اللّفاف المحمدىّ مقتولا في ثالث المحرّم وهو أيضا ممّن قام على الملك الأشرف وصار أميرا كبيرا أتابك العساكر دفعة واحدة من الجندية، وقد تقدّم ذكر هؤلاء الجميع في أواخر ترجمة الملك الأشرف شعبان وفي أوائل ترجمة ولده الملك المنصور علىّ هذا.

стр. 3659

وتوفّى الأمير الكبير سيف الدين آقتمر الصاحبىّ المعروف بالحنبلىّ نائب السلطنة بديار مصر، ثم بدمشق بها في ليلة الحادى عشر من شهر رجب وكان من أجلّ الأمراء وأعظمهم، باشر نيابة دمشق مرتين وتولّى قبلها عدّة ولايات. ثم بعد النيابة الأولى لدمشق ولى نيابة السلطنة بالقاهرة وساس الناس أحسن سياسة وشكرت سيرته وكان وقورا في الدول مهابا وفيه عقل وحشمة وديانة وكان سمّى بالحنبلىّ لكثرة مبالغته في الطهارة والوضوء. وتوفّى الأمير سيف الدين يلبغا بن عبد الله النظامىّ الناصرىّ، وكان أوّلا من خاصكية الملك الناصر حسن ثم ترقى إلى أن صار أمير مائة ومقدّم ألف بمصر، ثم ولى نيابة حلب وبها مات فيما أظنّ وكان شجاعا مقداما. وتوفى الأمير سيف الدين قرطاى أتابك العساكر مخنوقا بطرابلس وقد تقدّم واقعته مع صهره أينبك البدرىّ وهو أحد رءوس الفتن وممن ولى أتابكيّة العساكر من إمرة عشرة، وكان قتله في شهر رمضان. وجميع هؤلاء من أصاغر الأمراء لم تسبق لهم رياسة ليعرف حالهم وإنما وثب كل واحد منهم على ما أراد فأخذه، فلم تطل مدّتهم وقتل بعضهم بعضا إلى أن تفانوا. وتوفّى القاضى صلاح الدين صالح بن أحمد بن عمر بن السّفّاح الحلبى الشافعىّ وهو عائد من الحج بمدينة بصرى «١» وكنيته أبو النّسك؛ ومولده في سنة اثنتى عشرة وسبعمائة بحلب وبها نشأ وولى بها وكالة بيت المال ونظر الأوقاف وعدّة وظائف أخر. وهو والد شهاب الدين أحمد كاتب سر حلب ثم مصر وكان كاتبا حسن التصرف، ذكره [زين الدين] أبو العزّ طاهر بن حبيب في تاريخه وأورد له نظما من ذلك: [الدّوبيت]

стр. 3660

لا نلت من الوصال ما أمّلت ... إن كان متى ما حلت عنّى حلت «١» أحببتكم طفلا وها قد شبت ... أبغى بدلا ضاق علىّ الوقت وتوفّى الأمير شهاب الدين أحمد ابن الأمير سيف الدين قوصون في ثانى عشر ذى الحجّة وكان من جملة أمراء الطبلخانات بمصر وله وجاهة في الدول. وتوفّى الأمير علاء الدين ألطنبغا بن عبد الله السلاح دار المعروف بأبى درقة «٢» وكان أيضا من جملة أمراء مصر. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع وأربعة وعشرون إصبغا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا واثنا عشر إصبغا. [ما وقع من الحوادث سنة ٧٨٠] السنة الثانية من سلطنة الملك المنصور علىّ بن الأشرف شعبان على مصر وهي سنة ثمانين وسبعمائة فيها كانت وقعة الأمير تمرباى الأفضلىّ التّمرداشى نائب حلب مع التركمان. وتوفّى العلّامة شمس الدين أبو عبد الله محمد ابن الشيخ شهاب الدين أحمد بن أبى الحسن بن علىّ بن جابر الأندلسىّ المالكىّ الهوّارىّ بحلب عن سبعين سنة. وكان عالما بارعا في فنون كثيرة، وله نظم ونثر وله مصنّفات كثيرة. ومن شعره: [الخفيف] وقفت للوداع زينب لمّا ... رحل الرّكب والمدامع تسكب فالتقت بالبنان دمعى وحلو ... سكب دمعى على أصابع زينب

стр. 3661

وتوفّى الشيخ الإمام العلامة ضياء الدين أبو محمد عبد الله ابن الشيخ سعد الدين سعد العفيفىّ القزوينىّ الشافعىّ الشهير بابن قاضى القرم بالقاهرة في ثالث عشر ذى الحجة عن نيّف وستين سنة. وكان من العلماء عارفا بعدّة علوم، كان يدرّس فى المذهبين: الحنفية والشافعية. وكتب إليه زين الدين طاهر بن حبيب يقول: [الخفيف] قل لربّ النّدى ومن طلب العل ... م مجدّا إلى سبيل السواء إن أردت الخلاص من ظلمة الجه ... ل فما تهتدى بغير الضياء فأجابه ضياء الدين: قل لمن يطلب الهداية منّى ... خلت لمع السّراب بركة ماء ليس عندى من الضياء شعاع ... كيف تبغى الهدى من اسم الضياء وتوفّى الشيخ الصالح الزاهد العابد الورع المعتقد شهاب الدين أبو العباس أحمد المعروف ببادار بالقدس الشريف عن نيّف وسبعين سنة، بعد أن كف بصره، وكان يعرف علم التصوّف وعلم الحرف جيّدا وللناس فيه اعتقاد كبير. رحمه الله تعالى ونفعنا ببركته. وتوفّى الشيخ صالح المعتقد أبو النّسك صالح بن نجم بن صالح المصرىّ المقيم بزاويته بمنية «١» الشّيرج من ضواحى القاهرة وبها مات ودفن في يوم الأربعاء خامس عشرين شهر رمضان عن نيف وستين سنة، وكان على قدم هائل من العبادة والزّهد والورع. وفيه يقول أبو العزّ طاهر بن حبيب: [الطويل] إذا رمت وجه الخير فالشيخ صالح ... عليك به فالقصد إذ ذاك ناجح وحىّ هلا وانشده في الحى منشدا ... ألا كلّ ما قرّت به العين صالح

стр. 3662

وتوفّى الشيخ المعتقد الصالح المجذوب صاحب الكرامات الخارقة والأحوال العجيبة نهار المغربىّ الإسكندرىّ بها في يوم الاثنين سادس عشرين جمادى الأولى. وقيل يوم الثلاثاء ودفن بتربة الديماس داخل الإسكندرية- ومن كراماته: ما اتّفق له مع الأمير صلاح الدين خليل بن عرّام نائب الإسكندرية. وكان ابن عرام يخدمه كثيرا، فقال له الشيخ نهار: يا بن عرّام! ما تموت إلّا موسّطا أو مسمّرا، قبل قتل ابن عرّام بسنين، مرارا عديدة وابن عرام يقول له: فى الغزاة: إن شاء الله تعالى، فكان كما قال. وقد تقدّم ذلك. وتوفّى الشيخ الصالح المعتقد عبد الله الجبرتىّ الزّيلعىّ الحنفىّ في ليلة الجمعة سادس عشر المحرّم ودفن بالقرافة وقبره معروف بها يقصد للزيارة. وكان من عباد الله الصالحين: رحمه الله تعالى. وتوفّى الأمير شرف الدين موسى ابن الأزكشىّ في سادس عشر ذى القعدة بالمحلّة «١» من أعمال مصر وحمل إلى داره بالحسينية «٢» وهو إذ ذاك من أمراء الطبلخانات وكان ديّنا عفيفا، تولّى ولايات جليلة منها: الأستادارية العالية والحجوبية واستقر فى أيام الملك الأشرف شعبان بن حسين مشير الدولة وكان إذا ركب يحمل مملوكه وراءه دواة ومزمّلة. وتوفّى الأمير سيف الدين أطلمش بن عبد الله الدوادار أحد أمراء الألوف بديار مصر فى شهر ربيع الآخر بدمشق «٣» وقد أخرج إليها منفيا على إمرة مائة وتقدمة

стр. 3663

ألف لمّا ملك برقوق وبركة ديار مصر وصار لهما أمرها ونهيها وكان من أعيان الأمراء وهو أيضا أحد من قام على الملك الأشرف شعبان. وتوفّى القاضى علاء الدين علىّ بن عبد الوهاب بن عثمان بن محمد بن هبة الله ابن عرب محتسب القاهرة في ثالث عشر ذى الحجة بمكة بعد قضاء الحج. وتوفّى الأمير علاء الدين علىّ بن كلبك شادّ الدواوين في جمادى الآخرة وكان ولى في بعض الأحيان ولاية القاهرة. وتوفى الشيخ المعمّر سند الوقت صلاح الدين محمد بن أحمد بن إبراهيم بن عبد الله ابن الشيخ أبى عمر المقدسىّ، آخر من بقى من أصحاب ابن البخارىّ في شوّال بصالحية «١» دمشق. وتوفّى الأمير شرف الدين موسى بن محمد بن شهرى الكردىّ نائب سيس وكان فقيها شافعيا فاضلا كاتبا. قلت: وبنو شهرى معروفون: منهم جماعة إلى الآن في قيد الحياة ويلى بعضهم أعمال البلاد الحلبية في زماننا هذا. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ستة أذرع واثنان وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا وخمسة أصابع وقيل أربعة عشر. [ما وقع من الحوادث سنة ٧٨١] السنة الثالثة من سلطنة الملك المنصور علىّ على مصر وهي سنة إحدى وثمانين وسبعمائة فيها كان ركوب إينال اليوسفىّ على الأتابك برقوق وقد تقدّم ذكر الواقعة فى أصل هذه الترجمة. وفيها كان الكلام من الحائط كما تقدّم أيضا.

стр. 3664

وفيها توفّى الشيخ تقىّ الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن أحمد بن علىّ الواسطىّ الأصل المصرىّ المولد والوفاة الشافعىّ المقرئ المحدّث الشهير بابن البغدادىّ، بعد ما عمى في يوم الأربعاء سادس عشرين شعبان بالقاهرة ومولده ببغداد سنة سبع وتسعين وستمائة وكان ولى قضاء المالكية بدمشق مدّة ثم صرف. كان فقيها نصدّر للإقراء بمدرسة «١» الحاج آل ملك والجامع الطولونىّ «٢» وتولى مشيخة الحديث بالخانقاه «٣» الشيخونية. وتوفّى الشيخ الإمام العالم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن أبى بكر بن محمد ابن مرزوق العجيسىّ «٤» التّلمسانىّ المغربىّ المالكىّ. كان من ظرفاء عصره، ترقى عند الملك الناصر حسن حتى صار صاحب سرّه وإمام جمعته ومنبره. ثم توجّه فى سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة إلى الأندلس خوفا من النّكبة، ثم عاد إلى مصر وتولّى عدّة تداريس وكان له سماع كثير وفضل غزير. وتوفّى الشيخ الإمام الأديب البارع المفتنّ الفقيه برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم ابن الشيخ الإمام المفتى شرف الدين عبد الله بن محمد بن عسكر بن مظفر بن نجم ابن شادى بن هلال الطائىّ الطّريفىّ القيراطىّ الشافعىّ بمكة المشرفة في ليلة الجمعة

стр. 3665

العشرين من شهر ربيع الأوّل ودفن بالمعلاة بعد صلاة الجمعة والطّريفىّ «١» فخذ من طيئ والقيراطىّ نسبه إلى قيراط «٢» وهي بلدة بالشرقية من أعمال الديار المصرية. ومولده ليلة الأحد حادى عشرين صفر من سنة ست وعشرين وسبعمائة. ونشأ بالقاهرة وطلب العلم ولازم علماء عصره إلى أن برع في الفقه والأصول والعربية ودرّس بعدّة مدارس وسمع الكثير وبرع في النظم وقال الشعر الفائق الرائق. وعندى أنه أقرب الناس في شعره لشيخه الشيخ جمال الدين بن نباتة من دون تلامذته ومعاصريه على ما سنذكره من شعره هنا وقد استوعبنا نبذة كبيرة في المنهل الصافى ومن شعره: [السريع]

стр. 3666

تنفّس الصبح فجاءت لنا ... من نحوه الأنفاس مسكيّه وأطربت لى العود قمريّة ... وكيف لا تطرب عوديه «١» وله فى طبّاخ: [السريع] هويت طبّاخا له نصبة ... نيرانها للقلب جنّات يكسر أجفانا إذا ما رنا ... لها على الأرواح نصبات وله أيضا: [السريع] جفنى وجفن الحبّ قد أحرزا ... وصفين من نيلك يا مصر جفنى له يوم الوداع الوفا ... وجفه السّاحى له الكسر «٢» وله أيضا: [مخلّع البسيط] لو لم يكن كفّه غماما ... ما أنبتت في الطروس رهرا نعم ولولاه بحر جود ... ما أبرز اللّفظ منه درّا ومن شعره- رحمه الله تعالى وعفا عنه- قصيدته «٣» التى أوّلها: [الكامل] قسما بروضة خدّه ونباتها ... وبآسها المخضرّ في جنباتها وبسورة الحسن التي فى خدّه ... كتب العذار بخطّه آياتها وبقامة كالغصن إلا أننى ... لم أجن غير الصّد من ثمراتها لأعزّرنّ غصون بان زوّدت ... أعطافه بالقطع من عذباتها

стр. 3667

وأباكرنّ رياض وجنّته التى ... ما زهرة الدنيا سوى زهراتها ولأصبحنّ للذّتى متيقّظيا ... ما دامت الأيام في غفلاتها كم ليلة نادمت بدر سمائها ... والشمس تشرق في أكفّ سقاتها وجرت بنادهم الليالى للصّبا ... وكؤوسنا غرر على جبهاتها فصرفت دينارى على دينارها ... وقضيت أعوامى على ساعاتها خالفت في الصّهباء كلّ مقلّد «١» ... وسعيت مجتهدا إلى حاناتها فتحيّر الخمّار أين دنانها ... حتى اهتدى بالطّيب من نفحاتها فشممتها ورأيتها ولمستها ... وشربتها وسمعت حسن صفاتها فتبعت كلّ مطاوع لا يخشنى ... عند ارتكاب ذنوبه تبعاتها يأتى إلى اللذات من أبوابها ... ويحجّ للصّهباء من ميقاتها عرف المدام بحسنها وبنوعها ... وبفضلها وصفاتها وذواتها يا صاح قد نطق الهزار «٢» مؤذنا ... أيليق بالأوتار طول سكاتها فخذ ارتفاع الشمس من أقداحنا ... وأقم صلاة اللهو في أوقاتها إن كان عندك يا شراب بقيّة ... مما تزيل بها العقول فهاتها الخمر من أسمائها والدّرّ من ... تيجانها والمسك من نسماتها وإذا العقود من الحباب تنظّمت ... إيّاك والتفريط في حيّاتها أمحرّك الأوتار إن نفوسنا ... سكناتها وقف على حركاتها دار العذار بحسن وجهك منشدا ... لا تخرج الأقمار عن هالاتها كسرات جفنك كلّمت قلبى فلم ... يأت الصّحاح لنا بمثل لغاتها

стр. 3668

والبدر يستر بالغيوم وينجلى ... كتنفّس الحسناء في مرآتها وتلا نسيم الروض فيها قارئا ... فأمال من أغصانها ألفاتها ومليحة أرغمت فيها عاذلى ... قامت إلى وصلى برغم وشاتها لا مال وجهى عن مطالع حسنها ... وحياة طلعة وجهها وحياتها يا خجلة الأغصان من خطراتها ... وفضيحة الغزلان من لفتاتها ما الغصن ميّاسا سوى أعطافها ... ما الورد محمرا سوى وجناتها وعدت بأوقات الوصال كأنّها ... ظنّت «١» سلامتنا إلى أوقاتها وتوفّى الشيخ المسند المعمّر ناصر الدين محمد الكردىّ الحرازىّ المعروف بالطّبردار في ثامن عشر شهر ربيع الأوّل وكان سمع الكثير وتفرّد بأشياء كثيرة، منها. «كتاب فضل الحيل» سمعه من مصنّفه الحافظ شرف الدين عبد المؤمن الدّمياطىّ وهو آخر من روى عنه. ووقع لنا سماع فضل الخيل المذكور من طريقه عاليا. وتوفّى الشيخ المعتقد حسن المغربىّ الصبّان الحاجاوىّ في العشرين من شهر ربيع الأوّل بداره بالحسينية ودفن بباب النصر. وتوفّى الأمير قارا بن مهنّا بن عيسى بن مهنا بن مانع بن حديثة بن غضبة ابن فضل بن ربيعة أمير آل فضل وملك العرب وكان كريما جليلا شجاعا مشكور السّيرة. وتولّى عوضه إمرة آل فضل زامل بن موسى. وتوفّى الشيخ الصالح المعتقد صالح الجزيرىّ ساكن جزيرة أروى أعنى الجزيرة «٢» الوسطى بها في رابع شهر ربيع الأوّل ودفن بزاويته بالجزيرة الوسطى.

стр. 3669

وتوفّى الأمير سيف الدين حطط بن عبد الله اليلبغاوىّ نائب حماة بها. وتولّى بعده الأمير طشتمر خازندار يلبغا أيضا. وكان حطط المذكور غير مشكور السّيرة وعنده ظلم وعسف وهو من الذين قاموا على أستاذهم يلبغا العمرىّ الخاصّكى حسب ما تقدّم ذكره. وتوفّى الأمير سيف الدين ماماق بن عبد الله المنجكىّ أحد أمراء الطبلخانات بالديار المصريّة فى يوم الخميس ثالث شعبان ودفن بتربته «١» عند دار الضّيافة «٢» تجاه قلعة الجبل.

стр. 3670

وتوفّى الأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير ألجيبغا العادلى نائب غزّة بها، بعد ما استعفى في سلخ جمادى الآخرة وتولى بعده نيابة غزة آقبغا بن عبد الله الدّوادار. وكان ابن ألجيبغا هذا شجاعا مقداما وله حرمة ووقار في الدولة. وتوفّى الأمير حاجّى بك بن شادى أحد أمراء الطبلخانات بالديار المصرية بها فى هذه السنة. وتوفّى الطواشى زين الدين ياقوت بن عبد الله الرّسولىّ شيخ الخدّام بالمدينة النبويّة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- فى ليلة الجمعة سابع عشرين شهر رمضان- وكان من أعيان الخدّام، له وجاهة في الدول وثروة كبيرة. وتوفّى الأمير سيف الدين سطلمش بن عبد الله الجلالى بدمشق في ذى القعدة. وكان أوّلا من جملة أمراء مصر ثم نفى منها على إمرة في دمشق. وتوفّى القاضى شمس الدين محمد بن أحمد بن مزهر أحد موقّعى دمشق بها فى شوّال عن نحو الأربعين سنة وهو أخو القاضى بدر الدين محمد بن مزهر كاتب سرّ مصر. وفيها كان الطاعون بالديار المصرية وضواحيها ومات فيها عالم كثير جدّا. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ستة أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا وإصبعان. والله أعلم. [ما وقع من الحوادث سنة ٧٨٢] السنة الرابعة من سلطنة الملك المنصور علىّ على مصر وهي سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة. فيها كانت الوقعة بين الأتابك برقوق العثمانىّ اليلبغاوىّ وبين خشداشه زين الدين بركة الجوبانىّ اليلبغاوىّ ومسك بركة وحبس ثم قتل حسب ما تقدّم ذكره وحسب ما يأتى أيضا في الوفيات.

стр. 3671

وفيها حضر من بلاد الجركس الأمير آنص والد الأتابك برقوق وأخواته النسوة كما تقدّم ذكره. وفيها قتل ابن عرّام وقد تقدّم ذكره وكيفية تسميره في أواخر ترجمة الملك المنصور هذا، فلا حاجة لذكر ذلك ثانيا. وفيها توفّى ماماى ملك التتار وحاكم بلاد الدّشت «١» وكان ولى الملك بعد كلدى بك خان في سنة ثلاث وستين وسبعمائة، وكان من أجلّ ملوك الترك وأعظمهم، ومات قتيلا. وتوفّى الشيخ الإمام العلّامة جلال الدين محمد «٢» المعروف بجار الله ابن الشيخ قطب الدين محمد بن الشيخ شرف الدين أبى الثناء محمود النّيسابورىّ الحنفىّ قاضى قضاة الديار المصرية عن نيفّ وثمانين سنة، بعد أن حكم خمس سنين وكانت ولايته بعد ابن منصور، وتولّى القضاء بعده صدر الدين بن منصور ثانيا. وكان عالما بارعا في فنون من العلوم وتولى مشيخة الصّرغتمشيّة بعد موت العلامة أرشد الدين السّرائىّ، وفيه يقول الأديب أبو العزّ زين الدين بن حبيب- رحمه الله تعالى-: [الكامل] لله جار الله حاكمنا الذي ... ما مثله يسعى له ويزار حبّا له وكرامة من ماجد ... حسنت خلائقه ونعم الجار ورثاه شهاب الدين بن العطار. [البسيط] قاضى القضاة جلال الدين مات وقد ... أعطاه ما كان يرجو بارئ النّسم حاشاه أن يحرم الراجى مكارمه ... أو يرجع الجار منه غير محترم

стр. 3672

وتوفّى الأمير الكبير زين الدين بركة بن عبد الله الجوبانىّ اليلبغاوىّ رأس نوبة الأمراء وأطابك الديار المصريّة مقتولا بثغر الإسكندرية بيد صلاح الدين خليل ابن عرّام نائب الثغر المذكور في شهر رجب. وقد ذكرنا ما وقع لابن عرّام بسببه من الضرب والتّسمير والتّقطيع بالسيوف في ترجمة الملك المنصور هذا. كان بركة من مماليك يلبغا وصار من بعده في خدمة أولاد الملك الأشرف شعبان إلى أن كانت قتلة الملك الأشرف شعبان، قام هو وخشداشه برقوق مع أينبك فأنعم أينبك على كلّ منهما بإمرة طبلخاناه دفعة واحدة من الجنديّة وندبهما بعد شهر للسفر مع الجاليش إلى الشام فاتّفق بركة هذا مع خشداشيته ووثبوا على أخى أينبك حتى كان من أمر أينبك ما ذكرناه، صار بركة هذا أمير مائة ومقدّم ألف هو وبرقوق وأقام على ذلك مدّة. ثم اتّفق مع برقوق وخشداشيته على مسك الأمير طشتمر العلائىّ الدّوادار فمسك طشتمر بعد أن قاتلهم، ومن يوم ذاك استبدّ برقوق بالأمر وبركة هذا شريكه فيه وصار برقوق أتابك العساكر وبركة أطابك رأس نوبة الأمراء، وحكما مصر إلى أن وقع الخلف بينهما وتقاتلا، فانتصر برقوق على بركة هذا وأمسكه وحبسه بثغر الإسكندرية إلى أن قتله ابن عرّام، حسب ما تقدّم ذكر ذلك كلّه فى ترجمة الملك المنصور. وإنما ذكرناه هنا ثانيا تنبيها لما تقدّم، فكان بركة ملكا جليلا شجاعا مهابا تركىّ الجنس وفيه كرم وحشمة وله المآثر بمكة المشرّفة وبطريق الحجاز الشريف وغيره. رحمه الله تعالى. وتوفّى قاضى «١» القضاة جلال الدين أبو المعالى محمد ابن قاضى القضاة نجم الدين محمد ابن قاضى القضاة فخر الدين عثمان بن جلال الدين أبى المعالى علىّ بن

стр. 3673

شهاب الدين أحمد بن عمر بن محمد الزّرعىّ الشافعىّ سبط الشيخ جمال الدين الشّريشىّ في هذه السنة وقد قارب الأربعين سنة، وكان قد ولى قضاء حلب وحمدت سيرته. وتوفّى الوزير الصاحب تاج الدّين عبد الوهّاب المكّىّ المعروف بالنّشو فى المصادرة تحت العقوبة عن نيّف وستين سنة، بعد أن ولى الوزارة أربع مرّات. وكان مشكورا في وزارته محسنا لأصحابه. وهذا النّشو غير النشو «١» الذي تقدّم ذكره فى دولة الملك الناصر محمد بن قلاوون. وتوفّى الأمير سيف الدين منكلى بغا بن عبد الله الأحمدىّ البلدىّ نائب حلب بها ودفن خلف تربة قطلوبغا الأحمدىّ بين الجوهرىّ والجمالية. وكان من أجلّ الأمراء وممّن طالت أيامه في السعادة، ولى نيابة طرابلس وحماة وحلب مرّتين، مات فى الثانية وعدّة وظائف بالديار المصريّة، وكان حازما هيوبا كريما ذا مروءة كاملة وتحشّم. وكان يقول: كلّ أمير لا يكون مصروف سماطه نصف إقطاعه ما هو أمير. وتوفّى الأمير الطّواشى زين الدين مختار السّحرتىّ الحبشىّ مقدّم المماليك السلطانية وكان صاحب معروف وصدقة وفيه كرم مع تحشّم. وتوفّى قاضى القضاة شرف الدين أبو العباس أحمد بن نور الدين علىّ بن أبى البركات منصور الدّمشقىّ الحنفىّ قاضى قضاة الديار المصريّة، وليها ثم عزل نفسه وكان من أعيان العلماء. رحمه الله تعالى. وتوفّى الشيخ الإمام نور الدين أبو الحسن علىّ بن ألجاوىّ (بالجيم) أحد فقهاء المالكيّة في رابع عشر ذى الحجة، بعد ما أفتى ودرّس وأشغل.

стр. 3674

وتوفّى الشيخ الإمام المقرئ شمس الدين أبو عبد الله المعروف بالحكرىّ الشافعى فى ذى الحجة بالقاهرة، وكان فقيها فاضلا بارعا في القراءات. وتوفّى الشيخ الصالح المعتقد زين الدين محمد بن الموّاز في شهر ربيع الأوّل، وكان صاحب عبادة وللناس فيه اعتقاد حسن وتوفّى الشيخ الإمام شمس الدين محمد بن نجم بن عمر بن محمد بن عبد الوهّاب ابن محمد بن ذؤيب الأسدىّ الدّمشقى المعروف بابن قاضى شهبة أحد أعيان الفقهاء الشافعية في ثامن المحرّم. ومولده ليلة الثلاثاء العشرين من شهر ربيع الأوّل سنة إحدى وتسعين وستمائة بدمشق. وكان بارعا فقيها مدرّسا مفتنّا. وتوفّى الشيخ زين الدين أبو محمد ححّىّ بن موسى بن أحمد بن سعد السّعدىّ الحسبانىّ الشافعىّ الدّمشقىّ في ليلة الأربعاء سابع عشر صفر، وكان أحد فقهاء الشافعية بدمشق، وحجّى هذا هو والد بنى حجىّ رؤساء دمشق في عصرنا. انتهى. أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ستة أذرع وستة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأربعة أصابع- انتهى. [ما وقع من الحوادث سنة ٧٨٣] ذكر سلطنة الملك الصالح حاجىّ الأولى على مصر السلطان الملك الصالح صلاح الدين أمير حاج ابن السلطان الملك الأشرف شعبان ابن الأمير الملك الأمجد حسين ابن السلطان الملك الناصر محمد ابن السلطان الملك المنصور قلاوون وهو الرابع والعشرون من ملوك الترك بالديار المصرية. تسلطن بعد وفاة أخيه الملك المنصور علاء الدين علىّ في يوم الاثنين رابع عشرين صفر سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة.

стр. 3675

وخبر سلطنته أنه لمّا مات أخوه الملك المنصور علىّ تكلّم الناس بسلطنة الأتابك برقوق العثمانىّ وأشيع ذلك فعظمت هذه المقالة على أكابر أمراء الدولة وقالوا: لا نرضى أن يتسلطن علينا مملوك يلبغا وأشياء من هذا النّمط، وبلغ برقوقا ذلك، فخاف ألّا يتمّ له ذلك، فجمع برقوق الأمراء والقضاة والخليفة في اليوم المذكور بباب الستارة بقلعة الجبل وتكلم معهم في سلطنة بعض أولاد الأشرف شعبان، فقالوا له: هذا هو المصلحة وطلبوهم من الدور السلطانية وحضر أمير حاج هذا من جملة الإخوة، فوجدوا بعضهم ضعيفا بالجدرى والبعض صغيرا، فوقع الاختيار على سلطنة أمير حاج هذا، لأنه كان أكبرهم، فبايعه الخليفة وحلف له الأمراء وباسوا يده ثم قبّلوا له الأرض، ولقّب بالملك الصالح وهو الذي غيّر لقبه فى سلطنته الثانية بالملك المنصور، ولا نعرف سلطانا تغيّر لقبه غيره، وذلك بعد أن خلع برقوق وحبس بالكرك على ما سنذكره إن شاء الله تعالى مفصّلا في وقته- انتهى. ولمّا تمّ أمر الملك الصالح هذا ألبسوه خلعة السلطنة وركب من باب الستارة بأبّهة الملك وبرقوق والأمراء مشاة بين يديه إلى أن نزل إلى الإيوان بقلعة الجبل وجلس على كرسىّ الملك وقبّلت الأمراء الأرض بين يديه، ثم مدّ السّماط وأكلت الأمراء. ثم قام السلطان الملك الصالح ودخل القصر وخلع على الخليفة المتوكّل على الله خلعة جميلة ونودى بالقاهرة ومصر بالأمان والدعاء للملك الصالح حاجّى وخلع على الأتابك واستقرّ على عادته أتابك العساكر ومدبّر الممالك لصغر سنّ السلطان، وكان سنّ السلطان يوم تسلطن نحو تسع سنين تخمينا. ثم في سابع عشرين صفر المذكور جلس السلطان الملك الصالح بالإيوان للخدمة على العامه. ثم قام ودخل القصر، بعد أن حضر الخليفة والقضاة والأمراء والعساكر

стр. 3676

وقرئ تقليد السلطان الملك الصالح عليهم، وعند فراغ القراءة أخذ بدر الدين محمد ابن فضل الله كاتب السر التقليد وقدّمه للخليفة فعلّم عليه بخطّه وخلع السلطان على القضاة وعلى كاتب السّر المذكور. وانفضّ الموكب وأخذ برقوق في التكلّم في الدولة على عادته من غير معاند وفي خدمته بقية الأمراء يركبون في خدمته وينزلون عنده ويأكلون السّماط. وأما القضاة والنوّاب بالبلاد الشاميّة وأرباب الوظائف بالديار المصريّة فى هذه الدولة، فكان أتابك العساكر برقوق العثمانىّ اليلبغاوى ورأس نوبة الأمراء أيتمش البجاسىّ وأمير سلاح علّان الشّعبانىّ وأمير مجلس ألطنبغا الجوبانىّ اليلبغاوىّ والدوادار الكبير آلابغا العثمانىّ والأمير آخور جركس الخليلىّ وحاجب الحجّاب مأمور القلمطاوى اليلبغاوى وأستادار العالية بهادر المنجكىّ ورأس نوبة ثانى- أعنى رأس نوبة النّوب في زماننا- قردم الحسنى وهؤلاء غير نائب السلطنة وهو الأمير آقتمر عبد الغنى وغير أيدمر الشمسى وهما من أجل الأمراء وأقدمهم هجرة، يجلس الواحد عن يمين السلطان والآخر عن يساره. والقضاة: الشافعىّ برهان الدين بن جماعة والحنفىّ صدر الدين بن منصور والمالكىّ علم الدين البساطىّ والحنبلىّ ناصر الدين العسقلانىّ وكاتب السر بدر الدين ابن فضل الله العمرى والوزير شمس الدين المقسى وناظر الجيش والمحتسب جمال الدين محمود القيصرى العجمىّ وناظر الخاصّ هو ابن المقسى أيضا، ونائب دمشق إشقتمر الماردينى ونائب حلب إينال اليوسفىّ ونائب طرابلس كمشبغا الحموى ونائب حماة طشتمر القاسمى ونائب صفد الأمير الكبير طشتمر العلائىّ، نقل إليها من القدس ونائب غزّة آقبغا بن عبد الله ونائب إسكندريّة بلّوط الصّرغتمشىّ.

стр. 3677

والذين هم معاصروه من ملوك الأقطار: صاحب بغداد وتبريز وما والاهما الشيخ حسين بن أويس وصاحب ماردين الملك الظاهر مجد الدين عيسى وصاحب اليمن الملك الأشرف ابن الملك الأفضل وصاحب مكّة الشريف أحمد بن عجلان وصاحب المدينة الشريفة عطية بن منصور وصاحب سيواس القاضى برهان الدين أحمد وصاحب بلاد قرمان الأمير علاء الدين وصاحب بلاد سمرقند وما والاها تيمور لنك كوركان وصاحب بلاد الدّشت طقتمش خان من ذرية جنجز خان انتهى. ولمّا كان يوم الخميس ثالث شهر ربيع الآخر: أنعم على الأمير تغرى برمش بتقدمة ألف بديار مصر بعد وفاة أمير علىّ بن قشتمر المنصورى. ثم أنعم على سودون الشيخونى بتقدمة ألف أيضا واستقرّ حاجبا ثانيا عوضا عن علىّ بن قشتمر المنصورى. ثم بعد مدّة استقرّ تغرى برمش المقدّم ذكره أمير سلاح بعد وفاة علّان الشعبانىّ. ثم استقرّ مأمور القلمطاوى حاجب الحجّاب في نيابة حماة بعد وفاة طشتمر خازندار يلبغا العمرى. ثم طلب يلبغا الناصرى من دمشق وكان منفيّا بها على تقدمة ألف، فحضر فى آخر شعبان، فتلقاه الأتابك برقوق والأمراء وترجّل له برقوق وأركبه مركوبا من مراكيبه وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بالقاهرة وأجلس راس ميسرة فوق أمير سلاح فلم تطل مدّته بديار مصر وأخلع عليه بنيابة حلب في يوم الخميس ثانى شوّال بعد عزل إينال اليوسفى وطلبه إلى مصر، فلما وصل إينال إلى غزّة قبض عليه وأرسل الى سجن الكرك. ثم أنعم الأتابك برقوق على دواداره الأمير يونس النوروزى بتقدمة ألف بمصر عوضا عن يلبغا الناصرى وخلع على الأمير جركس الخليلى الأمير آخور الكبير واستقرّ مشير الدولة ورسم للوزير ألا يتكلم في شىء إلا بعد مراجعته.

стр. 3678

وفي العشر الأخير من شوّال أنعم على قطلوبغا الكوكائىّ بتقدمة ألف بعد وفاة الأمير آنص والد الأتابك برقوق العثمانىّ الذي قدم قبل تاريخه من بلاد الجركس، يأتى ذكر وفاته في الوفيات. ثم في يوم الاثنين تاسع ذى الحجّة من سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة تخلّى الأمير تغرى برمش أمير سلاح عن إمرته ووظيفته وتوجّه إلى جامع قوصون ليقيم به بطّالا، فأرسل الأتابك إليه الأمير سودون الشيخونى الحاجب الثانى وقردم الحسنى رأس توبة وتوجّها إليه وسألاه أن يرجع إلى وظيفته وإمرته فلم يرجع لها، فعادا بالجواب إلى برقوق بذلك. ثم إنّ تغرى برمش المذكور ندم من ليلته وأرسل يسأل الشيخ أكمل الدين شيخ الشيخونية أن يسأل برقوقا أن يعيده إلى إمرته ووظيفته فأرسل أكمل الدين إلى برقوق بذلك فلم يقبل برقوق ورسم بخروجه إلى القدس ماشيا، فأخرجه النّقباء إلى قبة النصر ماشيا. ثم شفع فيه فركب وسار إلى القدس. ثم في العشر الأخير من شعبان أجرى جركس الخليلى الأمير آخور الماء إلى الميدان من تحت القلعة إلى الحوض الذي على بابه. قلت: وإلى الآن الحوض باق على حاله بلا ماء. ثم في التاريخ المذكور أخرج الأمير جركس الخليلى فلوسا جددا من الفلوس العتق، منها فلس زنته أوقيّة بربع درهم وفلس زنته نصف أوقية وفلس بفلسين. فلما فعل ذلك وقف حال الناس وحصل الغلاء وقلّ الجالب؛ فلمّا بلغ الأتابك برقوقا أمر بإبطالها، وفي المعنى يقول الشيخ شهاب الدين أحمد بن العطار- رحمه الله تعالى: [البسيط]

стр. 3679

تغيير عتق فلوس قد أضرّ فكم ... حوادث جدد جلّت من العدد فكيف تمشى علاقات الأنام إذا ... والحال واقفة بالعتق والجدد وقالت العامّة- لمّا فعل الخليلى ذلك ورسم بنقش اسمه على الفلوس-: الخليلى من عكسو، نقش اسمو على فلسو. انتهى. ثم حضر إلى الديار المصرية في ذى الحجّة الأمير كمشبغا الحموى نائب طرابلس وكان السلطان والأتابك برقوق في الصيد بناحية كوم برا «١» ؛ فأخلع السلطان عليه باستمراره على نيابة طرابلس. ثم في يوم الخميس ثالث المحرّم سنة أربع وثمانين وسبعمائة استقرّ سودون الفخرى الشيخونى حاجب الحجاب بالديار المصرية، وكانت شاغرة من العام الماضى منذ توجّه مأمور القلمطاوى إلى نيابة حماة. ثم أرسل الأتابك برقوق بكلمش الطازى العلائى إلى دمياط «٢» لإحضار بيدمر الخوارزمى المعزول عن نيابة دمشق قبل تاريخه فحضر في العشرين من المحرّم وتلقّاه الأتابك برقوق من البحر «٣» وخلع عليه باستقراره في نيابة دمشق على عادته عوضا عن إشقتمر الماردينى. وفي سلخ صفر تولّى القاضى بدر الدين بن أبى البقاء قضاء الشافعية بديار مصر عوضا عن قاضى القضاة برهان الدين بن جماعة ورسم بانتقال مأمور القلمطاوى من

стр. 3680

نيابة حماة إلى نيابة طرابلس عوضا عن كمشبغا الحموى بحكم انتقال كمشبغا إلى دمشق على خبز جنتمر أخى طاز بحكم توجّه جنتمر إلى القدس بطّالا ونقل إلى نيابة حماة الأمير الكبير طشتمر العلائى الدّوادار الذي كان قبل تاريخه حكم مصر، وتولّى نيابة صفد بعد طشتمر الدوادار تلو حاجب حجّاب دمشق. وفي العشر الأوسط من شعبان نام الأتابك برقوق بمبيته بسكنه بالإسطبل السلطانىّ وقعد شيخ الصّفوىّ الخاصّكى يكبّسه وبينما هو نائم مسكه شيخ المذكور فى جنبه قويّا خارجا عن الحدّ، فقعد برقوق من اضطجاعه وقال له: ما الخبر؟ فقال: إنّ مملوكك أيتمش اتّفق مع مماليك الأسياد الذين في خدمتك ومعهم بطا الأشرفىّ على أنهم الساعة يقتلونك، فسكت برقوق وجلس على حاله، فإذا أيتمش المذكور دخل عليه فقام برقوق وأخذ بيده قوسا وضربه به ضربة واحدة صفحا أرماه وأمر بمسكه وقال له: يا متخنّث! الذي يأخذ الملك ويقتل الملوك يقع من ضربة واحدة. ثم مسك بطا الخاصّكى وخرج برقوق وجلس بالإسطبل وطلب سائر الأمراء الكبار والصغار، فطلع الجميع إليه في الحال فكلّمهم بما سمع وجرى ثم أمسك من مماليك الأسياد نحو سبعة عشر نفرا؛ منهم: كزل الحططىّ، ويلبغا الخازندار الصغير وجماعة من رءوس نوب الجمداريّة عنده. ثم في صبيحة نهاره أمسك جماعة من رءوس نوب الجمدارية وجماعة أخر تتمة خمسة وستين نفرا من مماليك الأسياد وهرب من بقى منهم. فالذين كان قبض عليهم اوّل يوم حبسهم بالبرج «١» من قلعة الجبل والذين مسكهم من الغد حبسهم بخزانة شمائل «٢» . ثم أنزل بطا الخاصّكى الأشرفىّ وأيتمش إلى خزانة شمائل. ثم أمسك الأتابك
следующие страницы →