Полный текст (6 264 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.
стр. 3851
الكاشف على قتل الملك الظاهر برقوق وتمّ عليهم وظفر بهم برقوق وخلع الخليفة وحبسه ووسّط قرط الكاشف وحبس إبراهيم هذا مدّة ثم أطلقه لأجل أبيه قطلقتمر، ثم أنعم عليه بإمرة فلمّا خلع الملك الظاهر وحبس، قام عليه إبراهيم هذا وانضم مع الناصرىّ ومنطاش وصار من جملة أمراء الطبلخاناة، ثم كان مع منطاش على الناصرى، فلمّا ملك منطاش الديار المصرية أنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بديار مصر واستقرّ أمير مجلس عوضا عن الأمير أحمد بن يلبغا فلم يقنع بذلك وبدا منه أمور فأخرجه منطاش بعد أخذه الإمرة بدون السبعة أيام إلى حلب أمير مائة ومقدّم ألف بها، فدام بها حتى ثار أهل بانقوسا على كمشبغا نائب حلب وافقهم إبراهيم هذا فظفر به كمشبغا ووسطه.
قلت: ما كان جزاؤه إلا ما فعله به كمشبغا وكان شجاعا غير أنه كان يحب الفتن ويثير الشرور- عفا الله تعالى عنه-.
وتوفّى الشيخ الإمام العلّامة شهاب الدين أحمد بن أبى يزيد بن محمد المعروف بمولانا زادة السّيرامىّ العجمىّ الحنفى والد العلّامة محبّ الدين محمد ابن مولانا زادة فى يوم الأربعاء حادى عشر المحرّم بالقاهرة وكان إماما مفتنّا في علوم كثيرة؛ وهو أوّل من ولى درس الحديث بالمدرسة الظاهريّة البرقوقية ودام على ذلك إلى أن مات في التاريخ المقدّم ذكره.
وتوفّى الأمير سيف الدين تلكتمر بن عبد الله أحد أمراء الطبلخانات بالطاعون في جمادى الأول وكان من خواصّ الملك الظاهر برقوق.
وتوفّى قتيلا الأمير سيف الدين جاركس بن عبد الله الخليلى اليلبغاوى الأمير آخور الكبير وعظيم دولة الملك الظاهر برقوق، قتل في محاربة الناصرىّ خارج
стр. 3852
دمشق، فى يوم الاثنين حادى عشر شهر ربيع الأول «١» وبقتله تخلخلت أركان دولة الملك الظاهر برقوق وكان أميرا مهابا عاقلا عارفا خبيرا سيوسا وله بالقاهرة خان يعرف بخان «٢» الخليلى ومآثر بمكة وغيرها وخلّف أموالا كثيرة أخذها منطاش وفرّقها في أصحابه.
وتوفّى الأمير يونس بن عبد الله النّوروزى اليلبغاوى الدوادار الكبير، قتله الأمير عنقاء «٣» بن شطّى أمير آل مرا بخربة اللصوص وهو عائد إلى الديار المصرية، بعد انهزامه من الناصرى وكان أيضا أحد أركان الملك الظاهر برقوق وإليه كان تدبير المملكة وكان خدمه وباشر دواداريّته من أيام إمرته وكان عاقلا مدبّرا حازما وهو صاحب الخان خارج مدينة غزّة وغيره معروفة عمائره باسمه ولا يحتاج ذلك إلى التعريف به، فإننا لا نعلم أحدا في الدولة التركيّة سمّى بيونس الدوادار غيره ثم دوادار زماننا هذا الأمير يونس الدوادار السيفىّ آقباى، انتهى.
وتوفّى الأمير سيف الدين بزلار بن عبد الله العمرىّ ثم الناصرى نائب الشام قتيلا بها وكان أصله من مماليك الملك الناصر حسن اشتراه وربّاه مع أولاده وقرأ
стр. 3853
القرآن وتأدّب ومهر في الخط المنسوب وبرع في عدة علوم لا سيما علم الفلك والنجوم مع تقدّمه في أنواع الفروسية والشجاعة المفرطة وأنواع الملاعيب، مع ذكاء وفطنة وذوق وعقل ومحاضرة حسنة وحسن شكاله، ولاه الملك الظاهر برقوق نيابة الإسكندرية، ثم عزله وجعله من جملة أمراء الألوف بالديار المصرية، ثم خافه، فقبض عليه ونفاه إلى طرابلس فلمّا كانت نوبة الناصرية اتفق مع جماعة قليلة من أصحابه وملك طرابلس من نائبها أسندمر ووافق الناصرىّ على قتال الملك الظاهر برقوق، فلمّا ملك الناصرىّ مصر خلع عليه بنيابة دمشق، فولى دمشق ودام به إلى أن قبض منطاش على الناصرىّ، فغضب بزلار المذكور للناصرى وخرج عن الطاعة، فخادعه منطاش وأرسل ملطّفات إلى جنتمر بنيابة دمشق فاتّفق أمراء دمشق مع جنتمر ووثبوا عليه على حين غفلة، فركب وقاتلهم، وكاد يهزمهم لولا تكاثروا عليه ومسكوه وحبسوه بقلعة دمشق، حتى أرسل منطاش بقتله فقتل، وسنّه نيّف على خمسين سنة، وكان من محاسن الدنيا، حدّثنى الشيخ موسى الطرابلسىّ قال: لمّا نفاه الملك الظاهر برقوق إلى طرابلس صحبته فكنت أقعد لتكبيسه فأجد أضلاعه صفيحة واحدة، انتهى.
وتوفّى الشيخ المعتقد حسن الخبّاز الواعظ، كان صاحب الشيخ ياقوت الشاذلىّ وتلقّن منه وتزوّج بآبنته وترك بيع الخبز وانقطع بزاويته خارج القاهرة وجلس للوعظ حتى مات في حادى عشرين شهر ربيع الآخر ودفن بالقرافة وكان للناس فيه اعتقاد حسن ولوعظه تأثير في القلوب.
وتوفّى الأمير سيف الدين سودون المظفرىّ أتابك حلب قتيلا بها بيد مماليك الأمير يلبغا الناصرى حسب ما تقدم ذكره في ترجمة الملك الظاهر برقوق وكان أصله من مماليك قطلوبغا المظفّرى أحد أمراء حلب وبها نشأ وخدم الأمير جرجى
стр. 3854
الإدريسىّ نائب حلب وصار خازنداره ثم صار من جملة أمراء حلب، ثم ولّاه برقوق حجوبية حلب ثم أتا بكابها، ثم نقله إلى نيابة حماة، ثم إلى نيابة حلب بعد القبض على يلبغا الناصرىّ، ثم عزله الظاهر عن نيابة حلب بالأمير يلبغا الناصرىّ المذكور وجعله أتابك حلب، فكان بينهما مباينة كبيرة وكان الناصرى يزدريه ودام على ذلك حتى بلغ الظاهر خروج الناصرىّ عن الطاعة وكتب ملطّفا لسودون المظفرى هذا بنيابة حلب على عادته وأرسل الملك الظاهر بصلحهم، فلمّا دخل سودون المذكور إلى دهليز دار السعادة «١» أخذته سيوف مماليك الناصرى حتى قتل.
وتوفّى الأمير سيف الدين صراى الطويل أحد أعيان المماليك اليلبغاوية خارج القاهرة في شهر ربيع الأوّل وكان أحد أمراء الطبلخاناة بالديار المصرية.
وتوفّى قاضى القضاة جمال الدين عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن سليمان بن خير السكندرىّ المالكى في يوم الأربعاء رابع عشر شهر رمضان وكنيته أبو القاسم، مولده بالإسكندرية في يوم الأحد سابع جمادى الأولى سنة إحدى وعشرين وسبعمائة وبها نشأ وطلب العلم وسمع الحديث وتفقّه بأبيه وغيره وبرع في الفقه والأصول وشارك في غيره وجلس مع الشهود بالثغر، ثم ولى به نيابة الحكم، ثم نقل إلى قضاء الديار المصرية، عوضا عن قاضى القضاة علم الدين سليمان بن خالد البساطىّ بعد عزله في سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة وحمدت سيرته إلى الغاية ودام مدة سنين إلى أن عزل بالقاصى ولى الدين عبد الرحمن بن خلدون، ثم أعيد بعد ذلك إلى أن مات قاضيا، وتولّى بعده تاج الدين بهرام بن عبد الله بن عبد العزيز الدّميرىّ.
стр. 3855
وتوفّى إمام السلطان الملك الظاهر برقوق الشيخ شرف الدين عثمان بن سليمان ابن رسول بن يوسف بن خليل بن نوح الكرادىّ (بتخفيف الراء المهملة) الحنفىّ المعروف بالأشقر، فى يوم الخميس رابع عشرين شهر ربيع الآخر، كان أصله من البلاد الشمالية واشتغل بها ثم قدم القاهرة في عنفوان شبابه في الدولة الأشرفيّة شعبان بن حسين واشتغل بها على علماء عصره، حتى شارك في عدّة فنون ويجب الملك الظاهر في أيام إمرته، فلما تسلطن الملك الظاهر قرّره إمامه وتقدم في دولته ثم ولى قضاء العسكر، ثم مشيخة الخانقاه البيبرسيّة إلى أن مات وكان حسن الهيئة جميل الطريقة وهو والد القاضى محبّ الدين محمد بن الأشقر كاتب سرّ الديار المصرية الآن وقد سألت من ولده المذكور عن أصل آبائه فقال: أصلنا من بلاد القرم وكان جدّى عالما مفتنّا وكان والد جدّى ملكا بتلك البلاد، انتهى.
وتوفى الأمير سيف الدين إشقتمر بن عبد الله الماردينىّ الناصرى نائب حلب والشام، غير مرّة بطّالا بحلب في شوّال، كان أصله من مماليك صاحب ماردين وبعثه إلى الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن قلاوون فربّاه الناصر وأدّبه وكان يعرف ضرب العود ويحسن الموسيقى وكان ماهرا في عدّة فنون، فقرّبه أستاذه الملك الناصر حسن، وجعله من أعيان خاصّكيّته،؟؟ أمّره ثم تنقّل بعد موت أستاذه في عدة وظائف إلى أن ولّاه الملك الأشرف شعبان نيابة حلب بعد وفاة قطلوبغا الأحمدىّ، فباشرها نحو سنة ونصف وعزل بالأمير جرجى الناصرى الإدريسىّ، ثم ولى نيابة طرابلس عوضا عن قشتمر المنصورىّ، ثم أعيد بعد مدة إلى نيابة حلب عوضا عن قشتمر المنصورىّ المذكور، فى سنة إحدى وسبعين بعد قتل يلبغا أستاذ الملك الظاهر برقوق وكان إشقتمر خجداش يلبغا وصاحبه ومن أقرانه، فباشر نيابة حلب مدّة ثم عزل وأعيد إلى نيابة طرابلس والسواحل
стр. 3856
عوضا عن أيدمر الدوادار، ثم أعيد إلى نيابة حلب مرّة ثالثة في سنة أربع وسبعين فباشر نيابة حلب إلى أن عزل في سنة خمس وسبعين بالأمير بيدمر الخوارزمىّ وتولى نيابة دمشق، فباشر نيابة دمشق أربعة أشهر وعزل وأعيد إلى نيابة حلب رابع مرّة، فطالت مدّته في هذه الولاية، وغزاسيس «١» وفتحها في سنة ست وسبعين وكان فتحا عظيما وسرّ الملك الأشرف شعبان بفتحه، وفيه يقول الشيخ بدر الدين «٢» حسن بن حبيب: [السريع]
الملك الأشرف إقباله ... يهدى له كلّ عزيز نفيس
لمّا رأى الخضراء في شامة ... تختال والشقراء عجبا تميس
وعاين الشّهباء في ملكه ... تجرى وتبدى ما يسرّا الجليس
ساق إلى سوق العدى أدهما ... وساعدا الجيش على أخذ سيس
واستمرّ على نيابتها إلى أن عزل بالأمير منكلى بغا الأحمدىّ البلدىّ وقبض عليه وحبس بالإسكندرية ثم أطلق وتوجه إلى القدس بطالا، كل ذلك وإلى الآن لم يكن برقوق من جملة المماليك السلطانية، بل كان في خدمة منجك، ثم من بعده فى خدمة الأسياد أولاد الملك الأشرف شعبان، ثم أعيد إلى نيابة حلب خامس مرة عوضا عن تمرباى الأفضلىّ الأشرفىّ في سنة إحدى وثمانين، ثم نقل بعد عشرة أشهر إلى نيابة دمشق، عوضا عن بيدمر الخوارزمىّ في سنة اثنتين وثمانين، فدام بدمشق إلى أن عزل في محرم سنة أربع وثمانين وتوجّه إلى القدس بطّالا، فدام بالقدس إلى أن أعيد إلى نيابة دمشق ثالث مرة، من قبل الملك الظاهر برقوق
стр. 3857
فى سنة ثمان وثمانين، ثم عزل بعد «١» أربعة أشهر ورسم له أن يتوجّه إلى حلب بطّالا، فدام بحلب إلى أن مات وكان فيه كل الخصال الحسنة لولا حبّه لجمع المال.
وتوفّى الشيخ الإمام العلّامة بدر الدين محمد ابن شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقينىّ الشافعىّ قاضى العساكر في يوم الجمعة سابع عشر شعبان ودفن بمدرسة «٢» أبيه بحارة بهاء الدين قراقوش وكان أعجوبة في الذكاء والحفظ مفتنّا في عدّة علوم وهو أسنّ من أخيه قاضى القضاة جلال الدين عبد الرحمن البلقينىّ وكان له نظم ونثر ومما ينسب إليه من الشعر: [الرمل]
كسروا الجرّة عمدا ... سقوا الأرض شرابا
قلت والإسلام دينى ... ليتنى كنت ترابا
وتوفّى العلامة شمس الدين محمود بن عبد الله النّيسابورىّ الحنفىّ المعروف بابن أخى جار الله، فى سابع جمادى الأولى وكان عالما مفتنّا في علوم كثيرة.
وتوفّى تاج الدين عبد الله وقيل: أمين الدين بن مجد الدين فضل الله بن أمين الدين عبد الله بن ريشة القبطىّ المصرىّ ناظر الدولة، فى سادس جمادى الأولى.
стр. 3858
وتوفّى الأمير قرا محمد التّركمانىّ صاحب الموصل، قتيلا في هذه السنة وهو والد قرا يوسف صاحب تبريز، وجدّ بنى قرا يوسف ملوك العراق، الذين خربت بغداد وغيرها في دولتهم وأيامهم.
وتوفّى الأمير الطواشى سابق الدين مثقال بن عبد الله الجمالىّ الحبشىّ الزّمام وأصله من خدّام الملك الأمجد والد الأشرف شعبان، تنقّل في عدة وظائف إلى أن صار زماما للدور السلطانية، فلمّا أن قتل الملك الأشرف عزله أينبك البدرىّ وولّى عوضه مقبلا الرومىّ الطواشى اليلبغاوىّ ودام مثقال بطّالا سنين وصادره برقوق وحصل له محن، ثم أفرج عنه فصار يتردّد إلى مكة والمدينة إلى أن مات ببدر من طريق الحجاز في ذى القعدة ودفن عند الشهداء في ليلة الجمعة تاسع عشرينه.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع وعشرون إصبعا.
مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا وأربعة أصابع، والله تعالى أعلم.
انتهى الجزء الحادى عشر من النجوم الزاهرة ويليه الجزء الثانى عشر وأوله: ذكر سلطنة الملك الظاهر برقوق الثانية على مصر
стр. 3859
فهرس الملوك والسلاطين الذين تولوا مصر «١»
من سنة ٧٦٢- ٧٩١ هـ (س) (١) السلطان الملك الأشرف شعبان بن حسين- ولايته من ص ٢٤- ١٤٧
(٢) السلطان الملك الصالح صلاح الدين أمير حاج ابن السلطان الملك الأشرف شعبان- ولايته من ص ٢٠٦- ٢٢١
(٣) السلطان الملك الصالح ثم المنصور حاجى ابن السلطان الملك الأشرف بن حسين- ولايته من ص ٣١٩- ٣٩٠
(٤) السلطان الملك الظاهر أبو سعيد سيف الدين برقوق بن آنص العثمانى اليلبغاوى الجاركسى- ولايته الأولى من ص ٢٢١- ٣١٨
(٥) السلطان الملك علاء الدين على ابن السلطان الملك الأشرف زين الدين بن شعبان- ولايته من ص ١٤٨- ٢٠٦
(٦) السلطان الملك المنصور أبو المعالى ناصر الدين محمد ابن السلطان الملك المظفر حاجى- ولايته من ص ٣- ٢٣
стр. 3860
[الجزء الثانى عشر]
بسم الله الرّحمن الرّحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم
[ما وقع من الحوادث سنة ٧٩٢]
ذكر سلطنة الملك الظاهر برقوق الثانية على مصر
«١» تقدّم ذكر الملك الظاهر برقوق وأصله وخبر قدومه من بلاد الجاركس إلى الديار المصريّة وما وقع له بها إلى أن ملكها وتسلطن، كلّ ذلك فى ترجمته الأولى من هذا الكتاب «٢» . وذكرنا أيضا ما وقع له من يوم خلع نفسه وسجن بالكرك «٣» إلى أن خرج من الحبس وقاتل منطاشا وانتصر عليه وعاد إلى الديار المصرية بعد أن أعيد إلى السلطنة بمنزلة شقحب «٤» ، وأشهد على الملك المنصور بخلع نفسه، ثم
стр. 3861
سار حتى نزل بالصالحية «١» ، كلّ ذلك فى ترجمة السلطان الملك المنصور حاجى مفصّلا، فمن أراد شيئا من ذلك فلينظره فى محلّه، ومن يومئذ نذكر رحيله من منزلة الصالحية إلى نحو الديار المصرية فنقول:
ولمّا نزل الملك الظاهر برقوق على منزلة الصالحيّة فى يوم عاشر صفر سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة أقام بها نهاره، وأعيان الدولة تأتيه فوجا بعد فوج، مثل أكابر الأمراء الذين كانوا بالحبوس وأعيان العلماء ومباشرى الدولة وغيرهم.
ثمّ رحل من الغد بعساكره وصحبته الخليفة والملك المنصور حاجى والقضاة وسار بهم يريد الديار المصرية إلى أن نزل بالرّيدانيّة «٢» خارج القاهرة فى بكرة يوم الثلاثاء رابع عشر صفر، فخرج الأعيان من العلماء والأمراء والفقراء إلى لقائه
стр. 3862
فخرجت الأشراف مع السيد الشريف علىّ نقيب الأشراف، وخرجت طوائف الفقراء بأعلامها وأذكارها، ومشايخ الخوانق بصوفيّتها، وخرجت العساكر المصريّة بلبوسها الحربيّة، لأن العسكر المصرىّ كان من يوم خروج بطا وأصحابه من السجن وملكوا الديار المصريّة؛ عليهم آلة الحرب، وخرجت اليهود بالتوراة والنصارى بالإنجيل، ومعهم الشموع المشعولة. وخرج من الناس ما لا يحصيه إلا الله تعالى وعندهم من الفرح والسرور ما لا يوصف، وهم يصيحون بالدعاء له حتّى لقوه وخاطبوه.
فشرع الملك الظاهر يكلّم الناس ويدنيهم ويرجع رءوس النّوب عن منعهم من السلام عليه. وكلّما دعا له شخص منهم رحّب به. هذا وقد فرشت له الشّقق الحرير خارج التّرب إلى باب السلسلة «١» ، فلمّا وصل الملك الظاهر إلى الشقق المفروشة له، تنحّى بفرسه عنها وقدم الملك المنصور حاجّى، حتى مشى بفرسه عليها، ومشى الملك الظاهر برقوق بجانبه خارجا عن الشقق، فصار الموكب كأنه للملك المنصور لا للظاهر، فوقع هذا من الناس موقعا عظيما، ورفعوا أصواتهم له بالدعاء والابتهال لتواضعه فى حال غلبته وقهره له وكون المنصور معه كالأسير، وصارت القبّة والطير على رأس الملك المنصور أيضا، والخليفة أمامها وقضاة القضاة بين يدى الخليفة، وتناهبت العامّة الشّقق الحرير بعد دوس فرس السلطان عليها، من غير أن يمنعهم أحد، وكذلك لمّا نثر عليه الذهب والفضّة تناهبتّه العامّة. وكانت عادة ذلك كلّه للجمداريّة، فقصد الظاهر بذلك زيادة التحبّب للعامّة، كونهم أظهروا المحبّة له فى غيبته، وقاموا مع المماليك، وصاروا مع مماليكه، وصار الملك الظاهر يعظّم الملك المنصور فى مشيه
стр. 3863
وخطابه، ويعامله كما يعامل الأمير سلطانه، إلى أن أدخله داره بالقلعة؛ ثم عاد الملك الظاهر إلى حيث نزل من القلعة، وتفرّغ عند ذلك لشأنه، واستدعى الخليفة وقضاة القضاة والشيخ سراج الدين عمر البلقينىّ والأمراء وأعيان الدولة، فجدّد عقد السلطنة له وتجديد التفويض الخليفتىّ، فشهد بذلك القضاة على الخليفة ثانيا وأفيضت التشاريف الخليفتيّة على السلطان بسلطنته، ثم أفيضت التشاريف السلطانية على الخليفة، وركب السلطان الملك الظاهر من الإسطبل «١» السلطانىّ من باب السلسلة بأبّهة السلطنة وشعار الملك، وطلع إلى القلعة ونزل إلى القصر، وجلس على تخت الملك، ودقت البشائر وعملت التهانى والأفراح بالقلعة وفى دور الأمراء وأهل الدولة، وكان هذا اليوم من الأيام التى لم يقع مثلها إلا نادرا.
ثم قام السلطان ودخل إلى حرمه وإخوته، ففرشت له أيضا الشّقق الحرير والشقق المذهّبة تحت رجليه، ونثر عليه الذهب والفضة ولاقته التهانى من خارج باب السّتارة «٢» ، ثم أصبح السلطان فى يوم الأربعاء؛ فأمر أن يكتب إلى ثغر الإسكندرية «٣» بالإفراج عن الأمراء المسجونين بها، وإحضارهم إلى الديار المصريّة.
стр. 3864
ثم خلع السلطان على فخر الدين بن مكانس صاحب ديوان الجيش باستقراره فى وظيفته نظر الجيش عوضا عن القاضى جمال الدين محمود القيصرىّ العجمىّ بحكم توجّهه مع منطاش إلى دمشق، وخلع على الوزير موفّق الدين أبى الفرج واستقرّ به فى الوزارة، ونظر الخاصّ، وعلى ناصر الدين محمد بن آقبغا آص شادّ الدواوين باستمراره. وأنعم على الأمير بطا الطّولوتمرىّ الظاهرىّ بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية، وعيّن للدواداريّة الكبرى وأخلع على الأمير قرقماش الطشتمرىّ أستادارا.
ثم فى سابع عشر صفر قدم الأمراء من الإسكندرية إلى بر الجيزة، فباتوا به وعدّوا فى ثامن عشره وطلعوا إلى القلعة وهم سبعة عشر أميرا، أعظمهم الأتابك يلبغا الناصرىّ، الذي كان خرج على الملك الظاهر، وقبض عليه وحبسه بالكرك ثم الأمير ألطنبغا الجوبانىّ نائب الشام الذي كان قبض على الملك الظاهر برقوق من بيت أبى يزيد، وطلع به إلى القلعة نهارا، ثم الأمير الكبير قرادمرداش الأحمدىّ الذي كان الظاهر جعله أتابك العساكر بديار مصر، وأنعم عليه بثلاثين ألف دينار فتركه وتوجّه إلى يلبغا الناصرى المقدّم ذكره، والأمير ألطنبغا المعلّم أمير سلاح وهؤلاء الأربعة من أعيان اليلبغاويّة خشداشيّة الملك الظاهر برقوق، ثم الأمير أحمد بن يلبغا أمير مجلس الذي كان سببا لكسرة عسكر الملك الظاهر بدمشق بهرو به إلى الناصرىّ، والأمير قردم الحسنىّ اليلبغاوىّ رأس نوبة النّوب والأمير سودون باق أحد أمراء الألوف اليلبغاوية والأمير سودون طرنطاى أحد الألوف أيضا والأمير آفبغا الماردينىّ الأستادار أحد الألوف، وكشلى اليلبغاوىّ «١» وبجاس النّورورى
стр. 3865
كلاهما أيضا مقدّم ألف ومأمور القلمطاوى نائب حماة والكرك وألطنبغا الأشرفىّ أحد الألوف أيضا ويلبغا المنجكىّ ويونس العثمانىّ، فوقف الجميع بين يدى الملك الظاهر برقوق وقبّلوا الأرض له، وهم فى غاية ما يكون من الخجل والحياء منه، بما تقدّم منهم فى حقّه، فرحّب بهم الملك الظاهر وطيّب خواطرهم ولم يذكر لهم ما فعلوه به ولا عتبهم عن شئ مما وقع منهم فى حقّه، بل أكرمهم غاية الإكرام بكلّ ما يمكن القدرة إليه، ثم أمرهم بالنزول إلى بيوتهم، فنزل الجميع وهم فى غاية السرور.
ثم فى يوم الاثنين العشرين من صفر جلس السلطان بالإيوان «١» من القلعة المعروفة بدار العدل، وأخلع على الأمير سودون الفخرىّ الشيخونىّ بنيابة السلطنة بالديار المصرية على عادته أوّلا، وعلى الأمير إينال اليوسفىّ اليلبغاوى باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية، وعلى الأمير الكبير يلبغا الناصرى صاحب الوقعة باستقراره أمير سلاح، وعلى الأمير ألطنبغا الجوبانىّ باستقراره رأس نوبة الأمراء وأطابكا وعلى الأمير كمشبغا الأشرفىّ الخاصكىّ باستقراره أمير مجلس وعلى الأمير بطاالطّولوتمرىّ الظاهرىّ باستقراره دوادارا كبيرا، وهو الذي كان خرج من حبس القلعة وملك باب السلسلة فى فتنة الملك الظاهر وعلى الأمير طوغان العمرىّ باستقراره أمير
стр. 3866
جاندار، وعلى سودون النظامىّ باستقراره نائب قلعة «١» الجبل، ونزل الجميع بالخلع وتحتهم الخيول بالسروج الذهب والكنابيش الزّركش إلى دورهم، بعد أن خرجت الناس للفرجة عليهم، فكان يوما من الأيام المشهودة.
ثم فى يوم حادى عشرين صفر أخلع السلطان على الأمير بكلمش العلائىّ باستقراره أمير آخور كبيرا، وسكن بالإصطبل السلطانىّ.
ثم فى يوم الخميس ثالث عشرين صفر قرئ عهد السلطان الملك الظاهر برقوق بدار العدل، وخلع السلطان على الخليفة المتوكّل على الله وأخلع على القاضى علاء الدين علىّ بن عيسى المقيّرىّ الكركى كاتب سرّ الكرك فى كتابة سرّ مصر، لما تقدم له من الإيادي على الظاهر فى القيام معه بالكرك، عوضا عن القاضى بدر الدين محمد ابن فضل الله بحكم توجّهه أيضا مع منطاش إلى دمشق.
ثم أخلع السلطان على بيجاس السّودونىّ باستقراره فى نيابة صفد.
وفى سادس عشرينه قبض السلطان على حسين بن الكورانىّ وأمر به فعدّب بأنواع العذاب.
وفيه قدم البريد على السلطان من صفد بفرار الأمير طغاى تمر القبلاوىّ من دمشق إلى حلب فى مائتين وواحد من المنطاشية.
وفى سابع عشرين صفر استقرّ الأمير محمود بن على الأستادار كان باستقراره مشير الدولة.
стр. 3867
وفى يوم الأربعاء تاسع عشرينه جلس السلطان الملك الظاهر بالميدان «١» من تحت القلعة للنظر فى أحوال الرعية والحكم بين الناس على العادة، واستمرّ على ذلك فى كلّ يوم أحد وأربعاء.
وفى ثامن عشر شهر ربيع الأوّل أخلع السلطان على الشيخ محمد الرّكراكىّ المالكىّ باستقراره فى قضاء المالكية بالديار المصرية عوضا عن تاج الدين بهرام الدّميرىّ. والرّكراكىّ هذا هو الذي كان امتنع من الكتابة على الفتيا فى أمر الملك الظاهر برقوق لمّا كتب عليها البلقينىّ وغيره من القضاة والعلماء، وضربه منطاش بسبب عدم كتابته. وحبسه إلى أن أطلقه بطا فيمن أطلق من سجن منطاش، فعرف له الظاهر ذلك وولّاه قضاء المالكية.
وفيه استقرّ سعد الدين أبو الفرج بن تاج الدين مرسى المعروف بابن كاتب السعدىّ باستقراره فى نظر الخاصّ عوضا عن الصاحب موفّق الدّين، وانفرد موفّق الدين بالوزر.
وفى خامس عشرين شهر ربيع الأوّل استقرّ الأمير ألطنبغا الجوبانىّ رأس نوبة الأمراء فى نيابة الشام عوضا عن جنتمر أخى طاز بحكم انضمامه مع منطاش.
واستقرّ الأمير قرا دمرداش الأحمدىّ فى نيابة طرابلس ورسم لهما الملك الظاهر فى محاربة الأمير منطاش.
وفى يوم السبت أوّل شهر ربيع الآخر استقرّ الأمير مأمور القلمطاوىّ فى نيابة حماة واستقرّ أرغون العثمانىّ فى نيابة الإسكندرية، وآلابغا العثمانىّ حاجب حجّاب دمشق، وأسندمر السيفى حاجب حجّاب طرابلس
стр. 3868
وفيه أيضا أنعم السلطان على كل من ألطنبغا الأشرفىّ وسودون باق وبجمان المحمّدىّ بإمرة مائة بدمشق ورسم لهم أن يخرجوا نوّاب البلاد الشامية.
وفى سابع عشر شهر ربيع الآخر المذكور استقرّ سعد الدين «١» نصر الله بن البقرىّ فى الوزارة عوضا عن موفّق الدين أبى الفرج، واستقرّ الصاحب علم الدين سنّ إبرة فى نظر الدولة.
وفى رابع عشرينه قبض السلطان على الأمير سربغا الظاهرىّ وعلى الأمير أيدكار العمرىّ وعلى بكتمر الدوادار وعلى طشبغا الحسنىّ وقرابغا وأرغون الزّينىّ.
وفيه أيضا خلع السلطان على الأمير جلبان الكمشبغاوىّ الظاهرىّ المعروف بقراسقل باستقراره رأس نوبة النّوب بعد وفاة الأمير حسين قجا. كلّ ذلك والأخبار ترد على السلطان بأن المنطاشيّة تدخل فى الطاعة شيئا بعد شىء وأن منطاشا فى إدبار.
وفيه أخلع السلطان على الأمير يلبغا الناصرىّ واستقرّ به مقدّم العساكر المتوجّهة لقتال منطاش، وندبه للتوجّه صحبة النوّاب، وقال له: هو غريمك، اعرف كيف تقاتله. وجعل إليه مرجع العسكر جميعه.
وفيه أيضا خلع على نوّاب الشام خلع السّفر. وأنعم السلطان على جماعة كبيرة من مماليكه وغيرهم بإمريات بالبلاد الشامية، ورسم أيضا لجماعة من أمراء مصر بالسفر صحبة الأمير يلبغا الناصرىّ لقتال منطاش.
وفى عاشر جمادى الأولى برزت أطلاب «٢» النّوّاب والأمراء إلى الرّيدانية خارج القاهرة، هذا بعد دخول الأمير قطلوبغا الصّفوى فى طاعة السلطان وحضوره إلى الديار المصرية بمن معه، كما سيأتى ذكره.
стр. 3869
وكان من خبر قطلوبغا الصّفوىّ أن منطاشا جهّزه على تجريدة من دمشق لمحاصرة مدينة صفد «١» ، فلما قارب قطلوبغا صفد، دخل هو وجميع من معه فى طاعة السلطان.
ثم قدم قطلوبغا المذكور بمن معه فى ثالث عشر جمادى المذكورة، وكان لقدومه يوم مشهود. وعند دخوله إلى القاهرة قدم البريد فى إثره بأن منطاشا لمّا بلغه مخامرة الصفوىّ بمن معه، قبض على الأمير جنتمر أخى طاز نائب الشام وهو أعظم أصحابه وعلى ولده وعلى أستاداره ألطنبغا وعلى الأمير أحمد بن خوجى وعلى الأمير أحمد بن قجق وعلى كمشبغا المنجكىّ نائب بعلبك «٢» وعلى القاضى شهاب الدين أحمد بن عمر القرشىّ الشافعىّ قاضى دمشق وعلى عدّة من الأمراء والأعيان؛ هذا ومجىء المنطاشية يتداول إلى مصر شيئا بعد شئ.
وفى تاسع عشرينه استقرّ الأمير محمود بن علىّ الأستادار أستادارا على عادته عوضا عن الأمير قرقماس الطشتمرىّ بعد وفاته.
هذا والقتال عمّال بالبلاد الشامية فى كلّ قليل بين عسكر منطاش وعساكر السلطان.
ثم قدم البريد بأن منطاشا أخذ بعلبك بعد ما حاصرها محمد بن بيدمر نحو أربعة أشهر وأنه وسّط ابن الحنش وأربعة نفر معه.
стр. 3870
وفى سابع عشر جمادى الآخرة قدم البريد بأن منطاشا لمّا بلغه قدوم العساكر لقتاله برز من دمشق وأقام بقبة «١» يلبغا أياما، ثم رحل نصف ليلة الأحد ثالث عشر جمادى الآخرة بخواصّه، وهم نحو ستمائة فارس ومعه نحو سبعين حملا ما بين ذهب وفضة، وتوجّه نحو قارا «٢» والنّبك «٣» ، بعد أن قتل جماعة من المماليك الظاهرية وقتل الأمير ناصر الدين محمد بن المهمندار نائب؟؟؟ اة كان وأنّ الأمير الكبير أيتمش خرج من سجنه بقلعة دمشق، وأفرج عمن كان محبوسا بها، وملك القلعة وأرسل إلى النوّاب يعلمهم بذلك. فلمّا سمع النوّاب ذلك ساروا إلى دمشق وملكوها من غير قتال، فسرّ السلطان بذلك سرورا عظيما ودقت البشائر ونودى بالقاهرة ومصر بالزينة.
وفى سابع عشر جمادى الآخرة المذكور، قدم البريد من دمشق بثلاثة عشر سيفا من سيوف الأمراء المنطاشية الذين قبض عليهم بدمشق.
ثم فى حادى عشرينه قدم البريد أيضا بثمانية سيوف أيضا من المنطاشية، ثم قدم البريد بسبعة سيوف أخر، منهم سيف الأمير ألطنبغا الحلبىّ وسيف دمرداش اليوسفىّ.
وفى ثالث عشرينه قدم البريد بأن الأمير نعير بن حيّار قبض على الأمير منطاش فدقّت البشائر لذلك، ثم تبيّن كذب الخبر.
وفى سابع عشرينه حضر الأمراء المقبوض عليهم من المنطاشية بدمشق.
стр. 3871
وفى يوم الخميس ثانى شهر رجب قدم القاضى عماد الدين أحمد بن عيسى المقيّرىّ قاضى الكرك إلى القاهرة، بعد أن خرج الأعيان إلى لقائه وطلع إلى القلعة فلمّا وقع بصر السلطان عليه قام له، ومشى لتلقّيه خطوات، وعانقه وأجلسه بجانبه وحادثه ساعة، ثم قام ونزل إلى داره؛ كلّ ذلك لما كان له على السلطان أيام حبسه بالكرك من الخدم.
وفى ثانى عشر شهر رجب حضر من دمشق القاضى بدر الدين محمد بن فضل الله كاتب السر والقاضى جمال الدين محمود العجمىّ ناظر الجيش ونزلا فى بيوتهما من غير أن يجتمعا بالسلطان لتوغّر خاطر السلطان عليهما لكونهما توجّها إلى دمشق صحبة منطاش.
وفى ثالث عشره أخلع السلطان على القاضى عماد الدين الكركىّ المقدّم ذكره باستقراره قاضى قضاة الديار المصرية عوضا عن القاضى بدر الدين محمد بن أبى البقاء، فصار عماد الدين هذا قاضى قضاة مصر وأخوه علاء الدين المقدّم ذكره كاتب سرّ مصر.
ثم قدم الخبر على السلطان من حلب بأن الأمير كمشبغا الحموى نائب حلب لمّا انهزم وتوجّه إلى حلب جهّز إليه منطاش من دمشق بعد عود الملك الظاهر إلى مصر عسكرا عليه الأمير تمان تمر الأشرفى، فوصل تمان تمر المذكور إلى حلب واجتمع به أهل بانقوسا «١» ، وقاتلوا كمشبغا المذكور وحصروه بقلعة حلب نحو أربعة أشهر ونصف، وأحرقوا الباب والجسر، ونقبوا القلعة من ثلاثة مواضع، فنقب كمشبغا على أحد النّقوب من أعلاه، ورمى على من به من فوق بالمكاحل واختطفهم
стр. 3872
بكلاليب الحديد، وصار يقاتلهم من النقب فوق السبعين يوما وهو فى ضوء الشموع بحيث إنه لا ينظر شمسا ولا قمرا ولا يعرف الليل من النهار، وقاسى شدائد ومحنّا، ودام ذلك عليه إلى أن بلغ تمان تمر المذكور فرار منطاش من دمشق فضعف أمره، فثار عليه أهل بانقوسا ونهبوه، فحضر حاجب حجّاب حلب إلى الأمير كمشبغا وأعلمه بذلك، فعمّر كمشبغا الجسر فى يوم واحد، ونزل وقاتل أهل بانقوسا يومين، وقد أقاموا عليهم رجلا يعرف بأحمد بن «١» الحرامىّ؟ فلمّا كان اليوم الثالث وقت العصر انكسر أحمد بن الحرامىّ المذكور وقبض كمشبغا عليه وعلى أخيه وعلى نحو الثمانمائة من الأتراك والأمراء والبانقوسية، فوسّطهم كمشبغا بأجمعهم وضرب بانقوسا حتى صارت دكّا، ونهب جميع ما فيها. ثمّ إن الكتاب يتضمّن أيضا أن كمشبغا بالغ فى تحصين قلعة حلب وعمارتها وأعدّ بها مؤونة عشر سنين، وأنه جمع من أهل حلب مبلغ ألف درهم، وعمّر سور مدينة حلب وكان منذ خرّبه هولاكو خرابا، فجاء فى غاية الحسن، وعمل له بابين وفرغه فى نحو الشهرين ونصف، وكان أكثر أهل حلب يعمل فيه وأن الأمير شهاب الدين أحمد بن المهمندار والأمير طغجى «٢» نائب دوركى «٣» كان لهما قيام تام مع الأمير كمشبغا فى هذه الوقعة. انتهى.
قلت: يقال: إنه قتل فى واقعة كمشبغا مع الحلبيين بحلب نحو العشرين ألفا من الفريقين. ثم أشبع بالقاهرة أن الأمير بطا الطولوتمرى الدوادار يريد إثارة فتنة، فتحرّز الأمراء واعتدّوا للحرب إلى أن كان يوم الاثنين عشرينه جلس السلطان بدار العدل «٤» على العادة، ثم توجّه إلى القصر ومعه الأمراء فتقدّم الأمير
стр. 3873
بطا إلى السلطان وقال للسلطان: قد سمعت ما قيل عنى وهأنا. وحلّ سيفه وعمل فى عنقه منديلا، فسأل السلطان الأمراء عما ذكره الأمير بطا وأظهر أنه لم يسمع شيئا من ذلك، فذكر الأمراء أن الأمير كمشبغا رأس نوبة تنافس مع الأمير بكلمش العلائى أمير آخور.
ثم وقع بين الأمير بطا ومحمود الأستادار مخاشنة فى اللفظ، فأشاع الناس ما أشاعوه فجمعهم السلطان وأصلح بينهم.
ثم حلّفهم على طاعته وحلّف المماليك أيضا، وطيّب خواطر الجميع بلين كلامه ودهائه؛ وفى النفس من ذلك شىء.
ثم أحضر السلطان مملوكا انّهم أنه هو الذي أشاع الفتنة، فضرب ضربا مبرّحا وسمّر على جمل وشهّر، ثم سجن بخزانة «١» شمائل، فلم يعرف له خبر بعد ذلك، وهو من المماليك الظاهرية.
ثم قبض السلطان على الأمير يلبغا أحد أمراء العشرات، وسمّر ونودى عليه: هذا جزاء من يرمى الفتن بين الأمراء. وسكنت الفتنة بعد أن كادت أن تثور. وبينما السلطان فى ذلك وصل إليه الخبر من الشام بأن منطاشا ونعير بن حيّاز جمعوا جمعا كبيرا من المماليك الأشرفية والتركمان والعربان وقصدوا النوّاب، والأمير يلبغا الناصرىّ مقدّم العساكر، فلمّا بلغ الناصرىّ ذلك خرج بالعساكر هو والأمير ألطنبغا الجوبانىّ نائب
стр. 3874
الشام وغيره من دمشق ونزل بسلمية «١» ، وخلّفوا الأمير الكبير أيتمش البجاسى بدمشق لحفظها، فثار على أيتمش المذكور بدمشق بعد خروج العسكر منها جماعة من المماليك البيدمريّة والطازيّة والجنتمريّة فى طوائف من العامّة يريدون أخذ مدينة دمشق من أيتمش، فأرسل أيتمش بطاقة من قلعة دمشق إلى سلمية، يعلم الأمراء والنوّاب بذلك، فحالما سمع الناصرىّ الخبر ركب ليلا فى طائفة من عسكره وقدم دمشق ومعه الأمير آلابغا العثمانىّ حاجب حجّاب دمشق، وقاتل المذكورين قتالا شديدا، قتل بينهما خلائق كثيرة من العامّة والأتراك، حتى انتصر الناصرىّ وقبض على جماعة منهم ووسّطهم تحت قلعة دمشق، وقبض أيضا على جماعة كثيرة فقطع أيديهم وهم: نحو سبعمائة رجل، قاله الشيخ تقىّ الدين المقريزيّ- سامحه الله- وحبس جماعة أخر. ثم عاد الناصرى إلى سلمية بعد أن مهّد أمر الشام واجتمع مع أصحابه النوّاب، فذكروا له أنّ منطاشا فرّق أصحابه ثلاث فرق، فأشار عليهم الناصرىّ بأنه أيضا يفرّق أصحابه وعساكره، فتفرّقوا هم أيضا ثلاث فرق: الناصرىّ فرقة، والجوبانىّ فرقة، وقرادمرداش نائب طرابلس فرقة.
فأما الناصرىّ، فإنه تولّى قتال نعير بن حيّار، فحاربه وكسره أقبح كسرة، وقتل جمعا كبيرا من عربانه؛ على أن نعيرا كان من أصحاب الناصرىّ قبل ذلك، وممن خرج على منطاش غضبا للناصرىّ، وركب الناصرىّ قفا نعير إلى منازله.
وأما الأمير قرا دمرداش الأحمدىّ نائب طرابلس فانتدب لقتال منطاش، فإنه كان بينهما عداوة قديمة، فتواقعا وتقاتلا قتالا شديدا، برز فيه كلّ من منطاش وقرا دمرداش لصاحبه، وضرب كلّ مهما الآخر بسيفه، فجاءت ضربة منطاش
стр. 3875
فى يد قرا دمرداش، فقلعت عدّة أصابع من أصابعه، وجاءت «١» ضربة قرا دمرداش فى كتف منطاش فحلّته، هذا والحوبانىّ فى القلب واقف بعساكره، فخامرت جماعة من الأشرفية من خجداشية منطاش وجاءت إليه، وصارت من عسكره، وكان حضر إلى الجوبانىّ قبل ذلك جماعة أخر من المماليك الأشرفية، فأحسن إليهم ألطنبغا الجوبانىّ وقرّبهم وجعلهم من خواصّ عسكره، فاتفقوا مع بعض مماليك الجوبانىّ على قتل الجوبانىّ، فلما كان وقت الوقعة، وقد التحم القتال بين الناصرىّ ونعير وبين قرا دمرداش ومنطاش وثبوا عليه من خلفه وقتلوه بالسيوف، ثم قبضوا على الأمير مأمور القلمطاوىّ نائب حماة ووسّطوه، ثم قتلوا الأمير آقبغا الجوهرىّ والثلاثة من عظماء المماليك اليلبغاوية خجداشية الملك الظاهر برقوق وأكابر أمرائه، ثم قتلوا عدّة أمراء أخر من اليلبغاوية وكانت هذه الوقعة من أعظم الملاحم، قتل فيها من الفريقين عالم لا يحصى كثرة وانتهبت العربان والتركمان والعشير «٢» ما كان مع العسكرين، وقدم البريد بذلك على السلطان، فشقّ عليه قتل الأمراء إلى الغاية، وأخبر البريد أيضا أنّ منطاش لمّا انكسر من قرا دمرداش وهو مجروح أشيع موته، فأقام الأشرفية عوضه عليهم خجداشهم الأمير ألطنبغا الأشرفىّ، فلما حضر منطاش من الغد غضب من ذلك وأراد قتل ألطنبغا الأشرفىّ فلم تمكّنه الأشرفية من ذلك.
وأما يلبغا الناصرىّ فإنه لما رجع من محاربة نعير ووجد الأمير ألطنبغا الجوبانى قد قتل، جمع العساكر وعاد إلى دمشق وأقام به يومين حتى أصلح أمره، ثم خرج من دمشق بجميع العساكر وأغار على آل علىّ، فوسّط منهم جماعة كبيرة نحو مائتى نفس ونهب بيوتهم وكثيرا من جمالهم، وعاد إلى دمشق وكتب للسلطان أيضا بذلك،
стр. 3876
فكتب السلطان للناصرىّ الجواب بالشكر والثناء والتأسف على الأمير ألطنبغا الجوبانىّ وغيره وأرسل إليه الأمير أبا يزيد بن مراد بالتقليد والتشريف بنيابة الشام عوصا عن ألطنبغا الجوبانىّ ومبلغ عشرين ألف دينار برسم النفقة فى العساكر.
قلت: وأبو يزيد هذا هو الذي كان اختفى عنده الملك الظاهر برقوق لمّا خلع نفسه عند حضور الناصرىّ ومنطاش إلى الديار المصرية.
ثم فى يوم الخميس أوّل ذى الحجة من سنة اثنتين وتسعين المذكورة، رسم السلطان للأمير قرا دمرداش الأحمدىّ نائب طرابلس باستقراره فى نيابة حلب عوضا عن الأمير كمشبغا الحموىّ بحكم عزله وقدومه إلى القاهرة وجهّز إليه التقليد والتشريف على يد الأمير تنبك المعروف بتنم الحسنىّ الظاهرىّ.
ثم فى خامس ذى الحجّة استقرّ السلطان بالأمير إينال من خجا أتابك حلب باستقراره فى نيابة طرابلس عوضا عن الأمير قرا دمرداش المنتفل لنيابة حلب، واستقرّ الأمير آقبغا الجمالىّ الظاهرىّ أتابك حلب عوضا عن إينال المذكور واستقر الأمير محمد بن سلّار حاجب حجّاب حلب وكتب لسولى بن دلغادر بنيابة أبلستين «١» .
ثم فى يوم عيد النحر خرج الأمير بيليك المحمدىّ لإحضار الأمير كمشبغا الحموىّ اليلبغاوىّ نائب حلب، ثم أرسل السلطان الملك الظاهر الأمير تمربغا المنجكىّ بمال كبير ينفقه فى العساكر الشاميّة ويجهّزهم إلى عينتاب «٢» لقتال منطاش.
ثم فى سادس محرّم سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة ورد الخبر من دمشق بأن الأمير يلبغا الناصرىّ تنافس هو والأمير الكبير أيتمش البجاسىّ فأضمر الناصرىّ الخروج
стр. 3877
عن الطاعة ولبس السلاح وألبس حاشيته ونادى بدمشق من كان من جهة منطاش فليحضر، فصار إليه نحو ألف ومائتى فارس من المنطاشيّة، فقبض على الجميع وسجنهم، ثم قلع السلاح وكتب بذلك إلى السلطان يعرّفه، فأجابه السلطان بالشكر والثناء.
ثم فى ثانى صفر رسم السلطان بهدم سلالم مدرسة «١» السلطان حسن فهدمت وفتح بابها من شباك بالرّميلة تجاه باب السلسلة.
ثم قدم الأمير كمشبغا الحموىّ نائب حلب إلى القاهرة فى سابع صفر، بعد أن خرج الأمير سودون النائب مع أعيان الأمراء والحجّاب إلى لقائه وطلع إلى القلعة وقبّل الأرض، فقام له السلطان واعتنقه وأجلسه فى الميمنة فوق الأمير الكبير إينال اليوسفىّ ونزل إلى دار أعدّت له، وبعث له السلطان ثلاثة أرؤس من الخيل بقماش ذهب وحضر مع كمشبغا أيضا الأمير حسام الدين حسن الكجكنىّ نائب الكرك وكان قد انهزم مع كمشبغا نائب حلب من يوم وقعة شقحب، فرحّب السلطان به أيضا وأكرمه وأرسل إليه فرسا بقماش ذهب وقدم معهما أيضا عدّة أمراء أخر.
ثم قدم البريد فى أثناء ذلك بأن العساكر الشامية وصلت إلى مدينة عينتاب ففرّ منطاش إلى جهة مرعش «٢» وفرّ من عنده جماعة كبيرة ودخلوا تحت طاعة السلطان.
стр. 3878
ثم أحضر السلطان الأمير حسام الدين حسن بن باكيش نائب غزّة من السجن وضربه بالمقارع وأحضر أيضا آقبغا الماردينىّ نائب الوجه القبلى وضربه على أكتافه وأمر والى القاهرة بتخليص حقوق الناس منه واستقرّ عوضه فى كشف الوجه القبلىّ الأمير يلبغا الأحمدىّ المجنون أحد المماليك الظاهرية.
ثم فى تاسع عشرينه أحضر السلطان القاضى شهاب الدين أحمد بن الجبّال الحنبلىّ قاضى طرابلس فضرب بين يديه عدّة عصىّ بسبب قيامه مع منطاش.
ثم أنعم السلطان على الأمير حسام الدين الكجكنى نائب الكرك كان بإقطاع أرغون العثمانىّ البجمقدار نائب الإسكندرية والإقطاع تقدمة ألف بالقاهرة.
ثم خرج البريد من مصر بإحضار الأمير أيتمش البجاسىّ من دمشق وكان بها من يوم قبض عليه الناصرىّ فى واقعة الناصرىّ ومنطاش مع الملك الظّاهر برقوق وحبس بقلعة دمشق إلى أن أطلق بعد خروج منطاش من دمشق واستمرّ بدمشق لمصالح الملك الظاهر حتى طلب فى هذا التاريخ وخرج بطلبه الأمير قنق باى الأحمدىّ رأس نوبة، فقدم فى يوم الاثنين رابع جمادى الأولى على البريد، فتلقّاه الأمير سودون النائب والحجّاب وقدم مع أيتمش المذكور عدّة أمراء، منهم:
آلابغا العثمانىّ حاجب حجّاب دمشق والأمير أيتمش المذكور والأمير جنتمر أخو طاز نائب دمشق كان وأمير ملك ابن أخت جنتمر ودمرداش اليوسفىّ وألطنبغا الحلبىّ وكثير من المماليك السلطانية وجماعة أخر والجميع فى الحديد على ما يأتى ذكرهم، ما خلا المماليك الظاهريّة وطلع الأمير أيتمش إلى السلطان وقبّل الأرض فأكرمه السلطان وأجلسه فى الميسرة تحت الأمير سودون النائب وكانت منزلته فى الميمنة، فإنّه كان أتابك العساكر بالديار المصرية قبل توجّهه إلى قتال الناصرىّ، لكنه لمّا حضر الآن كان بطّالا وكان الأتابك يومئذ الأمير إينال
стр. 3879
اليوسفىّ اليلبغاوىّ، على أنه يجلس تحت الأمير الكبير كمشبغا الحموىّ نائب حلب كان، فلو جلس الأمير أيتمش الآن فى الميمنة لجلس ثالثا، فإنّه لا يمكنه الجلوس، فوقف إينال كونه متولّيا أتابك العساكر وأيتمش الآن منفصل، فرسم له السلطان أن يجلس فى الميسرة ولم يجسر أن يأمره بالجلوس فوقه لكبر سنّه وقدمته، فجلس تحته.
قلت: وهذا شأن الدنيا، الرفع والخفض، ثم أحضر السلطان الأمراء القادمين صحبة الأمير الكبير أيتمش وعدّتهم ستة وثلاثون أميرا ومعهم أيضا قاضى القضاة شهاب الدين أحمد بن عمر القرشىّ الشافعىّ قاضى قضاة دمشق والقاضى فتح الدين محمد بن محمد بن أبى بكر بن إبراهيم بن الشهيد كاتب سرّ دمشق وابن شكر ناظر جيش دمشق والجميع فى القيود، فونّج السلطان ألطنبغا الحلبىّ وجنتمر نائب الشام وابن القرشىّ وأطال الحديث معهم وكانوا قابلوه فى محاربته لدمشق بأشياء قبيحة إلى الغاية وأفحشوا فى أمره إفحاشا زائدا، بحيث إنّ القاضى شهاب الدين القرشىّ المذكور كان يقف على سور دمشق وينادى: إن قتال برقوق أوجب من صلاة الجمعة وكان يجمع عوامّ دمشق ويحرّضهم على قتاله ويرمى الملك الظاهر بعظائم فى دينه ويختلق عليه ما ليس هو فيه.
ثم أمر بهم الملك الظاهر فسجنوا وأسلم ابن شكر لشادّ الدواوين، فعصره والزمه بحمل ستة «١» آلاف دينار ثم أفرج عنه. ولما نزل الأمير أيتمش إلى داره بعث إليه السلطان بأشياء كثيرة من الخيل والجمال والقماش والمماليك، ثم قبض السلطان على أسندمر وإسماعيل التّركمانىّ وكزل القرمىّ وآقبغا البجاسىّ وسربغا وسلّمهم إلى والى القاهرة.
стр. 3880
ثم قبض السلطان أيضا على أحد عشر أميرا وهم: قطلوبغا الطّشتمرىّ الحاجب وطقطاى الطّشتمرىّ الطواشى الرومىّ وآلابغا الطشتمرىّ وقرابغا السيفىّ وآقبغا السيفىّ وبيبغا السيفىّ وطيبغا السيفىّ ومحمد بن بيدمر أتابك دمشق وخير بك الخوارزمىّ ومنجك الزّينىّ وأرغون شاه السيفىّ وحبسهم ورسم بتسمير أسندمر الشّرفىّ رأس نوبة وآقبغا الظّريف البجاسىّ وإسماعيل التّركمانىّ وكزل القرمىّ وسربغا، فسمّروا وشهّروا بالقاهرة. ثم وسّطوا بالكوم «١» وهذا شىء لم يفعله ملك قبله بأمير، ففعل ذلك لما كان فى نفسه منهم.
ثم أحضر السلطان الأمير ألطنبغا الحلبىّ وألطنبغا أستادار جنتمر إلى مجلس قاضى القضاة شمس «٢» الدين الرّكراكىّ المالكىّ وادّعى عليهما بما يقتضى القتل فسجنهما القاضى بخزانة شمائل «٣» مقيّدين.
ثم قبض السلطان على الأمير سنجق الحسنىّ نائب طرابلس كان، ثم شكا رجل القاضى شهاب الدين القرشىّ إلى السلطان فأحضره السلطان من السجن وادّعى عليه غريمه بمال له فى قبله وبدعاوى شنيعة، فأمر به السلطان فضرب بالمقارع وسلّم إلى والى القاهرة ليخلّص منه مال المدّعى عليه، فضربه الوالى وأهانه وعصره مرارا ثم سجنه بخزانة شمائل.
ثم وقف شخص وادّعى أن أمير ملك ابن أخت جنتمر أخذ له ستمائة ألف درهم وأغرى به منطاش، حتّى ضربه بالمقارع، فأحضره السلطان حتّى سمع
стр. 3881
الدّعوى. ثم أمر به فضرب بالمقارع ضربا مبرّحا وسلّمه إلى والى القاهرة، فمات بعد ثلاثة أيام تحت العقوبة.
ثم قبض السلطان على مماليك الأمير بركة الجوبانىّ والمماليك الذين خدموا عند منطاش وتتبّعوا من الأماكن، ثم ضرب والى القاهرة القاضى شهاب الدين أحمد القرشى نحو مائتى شيب «١» .
ثم قدم البريد من الشام بأن منطاشا فى أوّل شهر رجب قدم دمشق وكان من خبر منطاش أنّ الناصرىّ لمّا كان بدمشق ورد عليه الخبر بمجيء منطاش إليه فخرج من وقته بعساكره يريد لقاءه على حين غفلة ومرّ من طريق الزّبدانىّ «٢» ، فبادر أحمد بن شكر بجماعة البيدمرية ودخل دمشق من باب كيسان «٣» ونهب إسطبل الناصرىّ وإسطبلات أمراء دمشق وخرج يوم الأحد تاسع عشرين جمادى الآخرة من دمشق ليلحق منطاش، فدخل منطاش من صبيحة اليوم وهو يوم الاثنين أوّل رجب إلى دمشق من طريق آخر ونزل بالقصر «٤» الأبلق ونزل جماعته حوله، فعاد ابن شكر فى إثره إلى دمشق وأحضر إليه الخيول التى أخذها وهى نحو ثمانمائة فرس
стр. 3882
وكان منطاش لمّا خرج من عند نعير يريد دمشق، سار إلى مرعش «١» على العمق «٢» حتى قدم على حماة فطرق نائبها بغتة فانهزم نائب حماة إلى نحو طرابلس من غير قتال، فدخل منطاش حماة ولم تحدث بها مظلمة.
ثم توجّه منها إلى حمص ففرّ منها أيضا نائبها إلى دمشق ومعه نائب بعلبك واجتمعا بالناصرىّ وعرّفاه الخبر، فخرج الناصرىّ على الفور- كما قدمنا ذكره- من طريق وجاء منطاش من طريق آخر. انتهى.
ثم إن منطاشا لما أقام بالقصر «٣» الأبلق ندب أحمد بن شكر المذكور ليدخل إلى مدينة دمشق ويأخذ من أسواقها المال، فبينما هو فى ذلك إذ قدم الناصرى بعساكره فاقتتلا قتالا عظيما دام بينهم أياما إلى أواخر الشهر، وقتل كثير من الفريقين والأكثر ممن كان مع منطاش وفرّ عن منطاش معظم التركمان الذين قدموا معه شيئا بعد شىء، وصار منطاش محصورا بالقصر الأبلق والقتال عمّال بينهم فى كل يوم، حتى وجد منطاش له فرصة، ففرّ إلى جهة التركمان وتبعه عساكر دمشق فلم يدركه أحد، فعظم هذا الخبر على الملك الظاهر برقوق إلى الغاية واتّهم الناس الناصرىّ بالتراخى فى قتال منطاش.
ثم إن الملك الظاهر خلع على الأمير قطلوبغا الصوىّ باستقراره حاجب الحجّاب بديار مصر وعلى الأمير بتخاص باستقراره حاجب ميسرة وعلى الأمير قديد
стр. 3883
باستقراره حاجبا ثالثا بإمرة طبلخاناه وعلى الأمير على باشاه باستقراره حاجبا رابعا وخلع على الأمير يلبغا الأشقر الأمير آخور باستقراره فى نيابة غزة عوضا عن آقبغا الصغير بحكم طلبه إلى القاهرة وعلى ناصر الدين محمد بن شهرى فى نيابة ملطية «١» ثم خلع السلطان على الأمير أرغون شاه الإبراهيمىّ الظاهرىّ الخازندار، باستقراره حاجب حجاب دمشق عوضا عن آلابغا العثمانىّ واستقر آلابغا العثمانى المذكور فى نيابة حماة.
قلت: وكلّ من نذكره من هذا الوقت وننعته بالظاهرىّ فهو منسوب إلى الملك الظاهر برقوق ولا حاجة للتعريف بعد ذلك. ثم أنعم السلطان على كلّ من قاسم ابن الأمير الكبير كمشبغا الحموىّ ولاجين الناصرىّ وسودون العثمانىّ النظامىّ وأرغون شاه الآقبغاوىّ وسودون من باشاه الطغاى تمرىّ وشكرباى العثمانى الظاهرىّ وقجق القرمشىّ «٢» الظاهرىّ بإمرة طبلخاناه وعلى كل من قطلوبغا الطّقتمشىّ وعبد الله أمير زاه ابن ملك الكرج «٣» وكزل الناصرىّ
стр. 3884
وعلّان «١» اليحياوىّ الظاهرىّ وكمشبغا الإسماعيلىّ الظاهرىّ وقلمطاى العثمانىّ الظاهرىّ بإمرة عشرة.
ثم فى تاسع شهر رجب ضرب القاضى شهاب الدين القرشىّ قاضى قضاة دمشق بخزانة شمائل «٢» ، حتى مات تحت العقوبة من ليلته وأخرج على وقف الطّرحى.
ثم فى خامس عشر رجب اجتمع القضاة والأمير بتخاص الحاجب بالمدرسة «٣» الصالحية بين القصرين وأحضر الأمير ألطنبغا دوادار جنتمر وأوقف تحت الشّباك عند خيمة الغلمان على الطريق وادّعى عليه بما اقتضى إراقة دمه وشهد عليه وضربت رقبته، ثم فعل بالأمير ألطنبغا الحلبىّ مثله وحملت رءوسهما على رمحين ونودى عليهما بشوارع القاهرة.
ثم رسم السلطان فى أوّل شعبان بخروج تجريدة من الأمراء إلى الشام لتكون معاونة للناصرىّ على قتال منطاش، فأخذ من عيّن للسفر فى التجهيز، ثم أشيع سفر السلطان بنفسه وأخذ أرباب الدولة فى إصلاح أمر السفر.
ثم فى خامس شعبان قتل السلطان الأمير حسام الدين حسن بن باكيش نائب غزّة كان، وسببه أنّه لمّا عوقب واستمرّ محبوسا بخزانة شمائل جمع ولده كثيرا من العشير ونهب الرملة «٤» وقتل كثيرا من الناس، فلما بلغ السلطان ذلك أمر بقتله فقتل
стр. 3885
ثم ضرب السلطان الأمير حسام الدين حسين بن علىّ الكورانىّ فى سجنه بخزانة شمائل بالمقارع ضربا مبرّحا.
ثم فى عاشر شعبان علّق السلطان جاليش «١» السفر إلى بلاد الشام فتحقّق كلّ أحد عند ذلك بسفر السلطان وأصبح من الغد وهو يوم حادى عشر شعبان تسلّم الأمير علاء الدين علىّ بن الطّبلاوىّ والى القاهرة الأمير صراى تمر دوادار منطاش الذي كان والى الغيبة بديار مصر وكان سكن بباب «٢» السلسلة والأمير تكا الأشرفىّ ودمرداش القشتمرىّ ودمرداش اليوسفى وعليّا الجركتمرىّ، فقتلوا جميعا إلّا عليّا الجركتمرىّ فإنّه عصر وعوقب، ثم قتل بعد ذلك مع الأمير قطلوبغا النظامىّ نائب صفد.
ثم فى ثانى عشره عرض السلطان المحابيس من المنطاشية فأفرد [منهم «٣» ] جماعة كبيرة للقتل فقتلوا فى ليلة الأحد ثالث عشره، منهم الأمير جنتمر أخو طاز نائب الشام والأمير ألطنبغا الجربغاوىّ والطواشى طقطاى الطّشتمرىّ الرومىّ والقاضى فتح الدين محمد بن الشهيد كاتب سر دمشق، ضربت أعناقهم بالصحراء.
ثم خلع السلطان فى يوم خامس عشر شعبان على القاضى جمال الدين محمود القيصرىّ العجمىّ وأعيد إلى قضاء القضاة الحنفية بالديار المصرية وصرف قاضى القضاة مجد الدين إسماعيل ونزل فى موكب جليل وكتب له فى توقيعه الجناب العالى،
стр. 3886
كما كتب للقاضى عماد الدين أحمد الكركىّ وكان سبب كتابة ذلك لعماد الدين إيادى سلفت له على الملك الظاهر برقوق فى أيام حبسه فى الكرك وأيضا اعتنى به أخوه القاضى علاء الدين على الكركىّ كاتب السر الشريف وهو أوّل من كتب له: الجناب العالى من المتعمّمين وما كان يكتب ذلك إلا للوزير بديار مصر فقط وكان يكتب للقضاة بالمجلس العالى.
ثم فى ثامن عشر شعبان المذكور قبض السلطان على عدّة من الأمراء فسجنوا بالقلعة، فكان ذلك آخر العهد بهم.
وفيه عيّن السلطان لنيابة الغيبة الأمير كمشبغا الحموىّ اليلبغاوىّ ورسم للأمير سودون الفخرىّ الشيخونىّ النائب أن يتحوّل إلى قلعة الجبل، فتحوّل إليها هو والأمير بجاس النّوروزىّ ورسم السلطان بأن يقيم بالقلعة أيضا ستمائة مملوك وأميرهم تغرى بردى اليشبغاوى الظاهرىّ رأس نوبة، أعنى: (الوالد) والأمير الطواشى صواب السعدىّ شنكل مقدّم المماليك السلطانية وتعيّن للإقامة بالقاهرة من الأمراء الأمير قطلوبغا الصّفوى حاجب الحجّاب والأمير بتخاص السّودونىّ الحاجب الثانى والأمير قديد القلمطاوىّ الحاجب الثالث وأحد أمراء الطبلخاناه والأمير طغاى تمر باشاه الحاجب وقرابغا الحاجب فى عدة من الأمراء العشرات.
ورسم للشيخ سراج الدين عمر البلقينىّ وقاضى القضاة بدر الدين بن أبى البقاء وهو غير قاض والقاضى بدر الدين محمد بن فضل الله [العمرى «١» ] المعزول عن كتابة السرّ وقضاة العسكر ومفتى دار العدل بالسفر صحبة السلطان من جملة القضاة الأربعة فتجهّزوا لذلك.
стр. 3887
ونزل السلطان بعد صلاة الظهر فى يوم الثلاثاء ثانى عشرين شعبان المذكور من قلعة «١» الجبل وتوجّه حتى نزل بالرّيدانية خارج القاهرة وأقام به، ثم طلب من الغد سائر المسجونين بخزانة شمائل إلى الريدانية، فحضروا وعرضوا على السلطان، فأفرد منهم سبعة وثلاثين رجلا، فأمر بثلاثة منهم فغرّقوا فى النيل: وهم محمد بن الحسام أستادار أرغون أسكى وأحمد بن النقوعىّ ومقبل الصّفوى وسمّر منهم سبعة وهم: شيخ الكريمى وأسندمر نائب قلعة الجبل وثلاثة من أمراء الشام واثنان من التّركمان «٢» ، ثمّ وسّطوا، ثمّ قتل من بقى منهم فى السجن.
ثمّ فى رابع عشر منه استقر ناصر الدين محمد بن كلبك «٣» شاد الدواوين، وأنعم على الأمير أبى بكر بن سنقر الجمالى بإمرة طبلخاناه ورسم له بإمرة الحاج.
ثم رحل السلطان الملك الظاهر بعساكره من الريدانية فى سادس عشرين شعبان سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة وبعد سفر السلطان من الرّيدانيّة قتل والى القاهرة اثنى عشر أميرا من الأمراء المسجونين بالقاهرة فى ليلة الثلاثاء، وهم:
أرغون شاه السّيفى وآلابغا الطشتمرىّ وآقبغا السيفى وبزلار الخليلىّ وآخرون.
стр. 3888
ثمّ فى ليلة الأربعاء سلخه قتل الأمير صنجق الحسنى «١» نائب حماة، ثمّ طرابلس وقرابغا السيفىّ ومنصور حاجب غزّة وأظنّ هؤلاء هم تمام السبعة والثلاثين نفرا الذين عرضهم السلطان بالريدانية. والله أعلم.
ثمّ استقل السلطان بالمسير إلى نحو البلاد الشامية حتى دخل دمشق فى يوم الخميس ثانى عشرين شهر رمضان وقد زيّنت له دمشق وخرج الأمير يلبغا الناصرى نائب الشام إلى لقائه بمنزلة اللّجون «٢» ، فكان لدخوله إلى دمشق يوم مشهود وحمل الناصرىّ على رأسه القبّة والطير وعند دخول السلطان إلى دمشق نادى فيها بالأمان لأهل دمشق، فإنهم كانوا قاموا مع منطاش قياما عظيما وأفحشوا فى أمر الملك الظاهر وقتاله.
ثم فى يوم ثالث عشرين شهر رمضان صلّى السلطان صلاة الجمعة بجامع «٣» دمشق وعند ما فرغ السلطان من الصلاة نادى الجاويش فى الناس بالأمان، والماضى
стр. 3889
لا يعاد، ونحن من اليوم تعارفنا، فضجّ الناس بالدعاء للسلطان وخرجوا من بيوتهم إلى معايشهم وحوانيتهم وأمنوا بعد أن كانوا فى وجل وخوف وهم مترقّبون ما يحلّ بهم منه، لما وقع منهم فى حقّه فى السنة الماضية لمّا حضر منطاش ومبالغتهم فى سبّه ولعنه واستمرارهم على قتاله.
وأمّا الأمير كمشبغا نائب الغيبة فإنه عمل النيابة على أعظم حرمة، حتى إنّه نادى فى تاسع عشرين شهر رمضان بمنع النساء فى يوم العيد إلى التّرب، ومن خرجت وسّطت هى والمكارى وألّا يركب أحد فى مركب للتفرّج وأشياء كثيرة من هذا النّموذج، فلم يجسر أحد على مخالفته.
ثم نادى ألّا تلبس امرأة قميصا واسع الأكمام ولا يزيد تفصيل القميص على أكثر من أربعة عشر ذراعا، وكان النساء بالغن فى سعة القمصان حتى كان يفصّل القميص الواحد من اثنين وسبعين ذراعا من القماش، فمشى ذلك وفصّلوا قمصانا سمّوها كمشبغاويّة. ورأيت أنا القمصان الكمشبغاويّة المذكورة، وكان أكمامها مثل أكمام قمصان العربان.
وأمّا السلطان الملك الظاهر برقوق فإنّه أقام بدمشق إلى ثانى شوّال وخرج منه يريد مدينة حلب، فسار بعساكره حتى وصلها فى ثانى عشرين شوّال، بعد أن أقام بمدينة حمص وحماة أيّاما كثيرة وأعاد السلطان القاضى بدر الدين محمد بن فضل الله إلى كتابة السّرّ لضعف القاضى علاء الدين الكركىّ وعندما دخل السلطان إلى حلب ورد عليه الخبر أن سالما الدّوكارىّ قبض على الأمير منطاش وأنّ صاحب ماردين «١»
стр. 3890
قبض أيضا على جماعة من المنطاشية، فسّر السلطان بذلك وبعث بالأمير قرا الأحمدىّ نائب حلب فى عساكر حلب لإحضار منطاش من عند سالم الدّوكارىّ، فسار قرا دمرداش حتى وصل إلى سالم الدوكارىّ وأقام عنده أربعة أيام يطالبه بتسليم منطاش وهو يماطله، فحنق منه قرا دمرداش وركب بمن معه من العساكر ونهب بيوته وقتل عدّة من أصحابه وفرّ سالم بمنطاش إلى سنجار «١» ، وامتنع بها وفى عقب ذلك وصل الأمير يلبغا الناصرىّ نائب الشام إلى بيوت سالم الدّوكارىّ قرا دمرداش ما وقع منه فى حقّ سالم وأغلظ له فى القول وهم أن يضربه بالسيف، فدخل بعض الأمراء بينهما حتى سكّن ما به وكادت الفتنة أن تقوم بينهما ويعود الأمر على ما كان عليه أوّلا.
وأما الأمير الكبير إينال اليوسفىّ فإنّه وجّه السلطان إلى صاحب ماردين، فسار إلى رأس عين «٢» وتسلّم منه الجماعة المقبوض عليهم من المنطاشية وعاد بهم إلى السلطان وكبيرهم الأمير قشتمر الأشرفىّ وبكتاب صاحب ماردين وهو يعتذر فيه ويعد بتحصيل غريم السلطان، فكتب له الجواب بالشكر والثناء.
следующие страницы →