Полный текст (6 264 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
في عدة علوم. قال الذهبي: وكان عالماً بالفقه والأحاديث والتفسير والسير وأيام العرب، وهو أول من دعي في الإسلام بقاضي القضاة. قلت: ولم يقع هذا الاسم على غيره كما وقع له فيه، فإنه كان قاضي المشرق والمغرب، فهو قاضي القضاة على الحقيقة. قال محمد بن الحسن: مرض أبو يوسف فعاده أبو حنيفة، فلمّا خرج قال: إن يمت هذا الفتى فهو أعلم من عليها (وأومأ إلى الأرض) . وقال ابن معين: ما رأيت في أصحاب «١» الرأي أثبت في الحديث، ولا أحفظ ولا أصح رواية من أبي يوسف. وروى أحمد بن عطية عن محمد بن سماعة قال: كان أبو يوسف بعد ما ولي القضاء يصلي كل يوم مائتي ركعة. وقال محمد بن سماعة المذكور: سمعت أبا يوسف يقول في اليوم الذي مات فيه: اللهم إنك تعلم أني لم أجر في حكم حكمت به متعمدا، وقد اجتهدت في الحكم بما وافق كتابك وسنة نبيك. وكان أبو يوسف عظيم الرتبة عند هارون الرشيد. قال أبو يوسف: دخلت على الرشيد وفي يده درتان يقلبهما فقال: هل رأيت أحسن منهما؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين؛ قال: وما هو؟ قلت: الوعاء الذي هما فيه، فرمى إلي بهما وقال: شأنك بهما.
وكانت وفاته في يوم الخميس لخمس خلون من شهر ربيع الأول، وقيل: في ربيع الآخر. وفي يوم موته قال عباد بن العوام: ينبغي لأهل الإسلام أن يعزي بعضهم بعضاً بأبي يوسف. وفيها توفي يزيد بن زريع أبو معاوية العيشي «٢» البصري، كان
стр. 492
ثقة كثير الحديث عالماً فاضلاً صدوقاً، وكان أبوه والي البصرة، فمات فلم يأخذ من ميراثه شيئاً، وكان يتقوت من سف «١» الخوص بيده رحمه الله تعالى.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وتسعة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعاً سواء.
ذكر ولاية إسماعيل بن عيسى على مصر
هو إسماعيل بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن علي بن العباس، العباسي الهاشمي، أمير مصر. ولاه الرشيد على إمرة مصر بعد عزل إسماعيل بن صالح العباسي عنها على الصلاة، فقدم مصر لأربع عشرة بقيت من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين ومائة. ولما دخل مصر سكن المعسكر على عادة أمراء مصر، ودام على إمرتها إلى أن صرفه الرشيد عنها بالليث بن الفضل في شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين ومائة، فكانت ولايته على مصر ثلاثة أشهر تنقص أياماً. وتوجه إلى الرشيد فأكرمه ودام عنده إلى أن حج معه في سنة ست وثمانين ومائة تلك الحجة التي لم يحجها خليفة قبله.
وخبرها أن الرشيد سار إلى مكة بأولاده وأكابر أقار به مثل إسماعيل هذا وغيره، وكان مسير الرشيد من الأنبار فبدأ بالمدينة فأعطي فيها ثلاثة أعطية: أعطى هو عطاء، وابنه محمد الأمين عطاء، وابنه عبد الله عطاء؛ وسار إلى مكة فأعطى أهلها فبلغ عطاؤهم بمكة والمدينة ألف ألف دينار وخمسين ألف دينار. وكان الرشيد قد ولى الأمين العراق والشأم إلى آخر المغرب، وولى المأمون من همذان إلى آخر المشرق، ثم بايع الرشيد لابنه القاسم بولاية العهد بعد المأمون ولقبه المؤتمن، وولاه الجزيرة والثغور والعواصم، وكان المؤتمن في حجر عبد الملك بن صالح وجعل خلعه وإثباته للمأمون؛ ولما وصل
стр. 493
الرشيد إلى مكة ومعه أولاده وأقاربه والقضاة والفقهاء والقواد، كتب كتاباً أشهد فيه على محمد الأمين من حضر بالوفاء للمأمون، وكتب كتاباً أشهد عليه فيه بالوفاء للأمين، وعلق الكتابين في الكعبة وجدد عليهما العهود في الكعبة. ولما فعل الرشيد ذلك قال الناس: قد ألقى بينهم حرباً وخافوا عاقبة ذلك، فكان ما خافوه.
ثم إن الرشيد في سنة تسع وثمانين ومائة قدم بغداد «١» وأشهد على نفسه من عنده من القضاة والفقهاء أن جميع ما في عسكره من الأموال والخزائن والسلاح وغير ذلك للمأمون وجدد له البيعة عليهم بعد الأمين. ثم بعد عود الرشيد وجه إسماعيل هذا إلى الغزو، فعاد «٢» ودام عنده إلى أن وقع ما سنذكره.
[ما وقع من الحوادث سنة ١٨٣]
السنة التي حكم فيها إسماعيل بن عيسى على مصر وهي سنة ثلاث وثمانين ومائة- فيها حج بالناس العباس بن موسى الهادي الخليفة. وفيها تمرّد متولّى الغرب محمد ابن مقاتل العكي وظلم وعسف واقتطع من أرزاق الأجناد وآذى العامة، فخرج عليه تمام بن تميم التميمي نائبه على تونس، فزحف إليه وبرز لملتقاه العكي ووقع المصاف «٣» ، فانهزم العكي وتحصّن بالقيروان في القصر وغلب تمام على البلد، ثم نزل العكي بأمان وانسحب إلى طرابلس؛ فنهض لنصرته إبراهيم بن الأغلب، فتقهقر تمام إلى تونس ودخل ابن الأغلب القيروان فصلى بالناس وخطب وحض على الطاعة؛ ثم التقى ابن الأغلب وتمام فانهزم تمام، واشتد بغض الناس للعكىّ وكاتبوا الرشيد فيه فعزله وأمّر عليهم إبراهيم بن الأغلب. وفيها توفي البهلول المجنون، واسم أبيه عمرو، وكنيته
стр. 494
أبو وهيب، الصيرفي الكوفي، تشوش عقله فكان يصحو في وقت ويختلط في آخر، وهو معدود من عقلاء المجانين، كان له كلام حسن وحكايات ظريفة. قال الذهبي:
وقد حدث عن عمرو بن دينار وعاصم بن بهدلة وأيمن بن نابل «١» ، وما تعرضوا إليه بجرح ولا تعديل ولا كتب عنه الطلبة، وكان حيّا فى دولة الرشيد كلها. وقيل: إن الرشيد مر به، فقام إليه البهلول وناداه ووعظه، فأمر له الرشيد بمال؛ فقال:
ما كنت لأسود وجه الوعظ، فلم يقبل. وأما حكاياته فكثيرة، وفي وفاته اختلاف كثير، والصحيح أنه مات في هذا العصر. وفيها توفي زياد بن عبد الله بن الطفيل، الحافظ أبو محمد البكائي العامري الكوفي صاحب رواية السيرة النبوية عن ابن إسحاق، وهو أتقن من روى عنه السيرة. وفيها توفي علي بن الفضيل بن عياض، مات شاباً لم يبلغ عشرين سنة في حياة والده فضيل، وكان شاباً عابداً زاهداً ورعاً وكان يصلي حتى يزحف إلى فراشه زحفاً، فيلتفت إلى أبيه فيقول: يا أبت سبقنا العابدون. وفيها توفي محمد بن صبيح «٢» أبو العباس المذكر الواعظ، كان يعرف بابن السماك، كان له مقام عظيم عند الخلفاء؛ وعظ الرشيد مرة فقال:
يا أمير المؤمنين، إن لك بين يدي الله تعالى مقاماً وإن لك من مقامك منصرفاً، فانظر إلى أين منصرفك، إلى الجنة أو إلى النار! فبكى الرشيد حتى قال بعض خواصه: ارفق بأمير المؤمنين؛ فقال: دعه فليمت حتى يقال: خليفة الله مات من مخافة الله تعالى! قال الذهبي: قال ثعلب: أخبرنا ابن الأعرابي قال: كان ابن السماك يتمثل بهذه الأبيات:
стр. 495
إذا خلا القبور ذو خطر ... فزره يوماً وانظر إلى خطره
أبرزه الدهر من مساكنه ... ومن مقاصيره ومن حجره
ومن كلام ابن السماك أيضاً قال: «الدنيا كلها قليل، والذي بقي منها في جنب الماضي قليل، والذي لك من الباقي قليل، ولم يبق من قليلك إلا القليل» . وفيها توفي الإمام موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن السيد الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين. كان موسى المذكور يدعى بالعبد الصالح لعبادته، وبالكاظم «١» لعلمه. ولد بالمدينة سنة ثمان أو تسع وعشرين ومائة، وكان سيداً عالماً فاضلاً سنياً جواداً ممدحاً مجاب الدعوة.
الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي إبراهيم بن سعد، وإبراهيم بن الزبرقان الكوفي، وأبو إسماعيل المؤدب إبراهيم بن سليمان، وإبراهيم ابن سلمة المصري، وأنيس بن سوار الحرمىّ «٢» ، وبكار بن بلال الدمشقي، وبهلول ابن راشد للفقيه، وجابر بن نوح الحمّانىّ، وخاتم بن وردان، في قول، وحيوة بن معن التجيبي، وخالد بن يزيد الهدادي «٣» ، وحبيش بن عامر؛ يروى عن أبي قبيل المعافري، وداود بن مهران الربعي الحراني، وزياد بن عبد الله البكائي، وسفيان بن حبيب البصري، وسليمان بن سليم الرفاعي العابد، وعباد بن العوام، فى قول، وعبد لله بن مراد المرادىّ، وعفيف بن سالم الموصلي، وعمرو بن يحيى الهمذاني «٤» ، ومحمد بن السماك
стр. 496
الواعظ، ومحمد بن أبي عبيدة بن معن، وموسى الكاظم بن جعفر، وموسى بن عيسى الكوفىّ القارئ، والنعمان بن عبد السلام الأصبهاني، ونوح بن قيس البصري، وهشيم بن بشير، ويحيى بن حمزة قاضي دمشق، ويحيى بن [زكرياء «١» بن] أبي زائدة في قول، ويوسف بن [يعقوب بن عبد الله بن أبي سلمة «٢» بن] الماجشون، قاله الواقدىّ، ويونس بن حبيب صاحب العربية.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وثمانية عشر إصبعا، مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعا وثلاثة وعشرون إصبعا.
ذكر ولاية الليث بن الفضل على مصر
هو الليث بن الفضل الأبيوردي أمير مصر، أصله من أبيورد «٣» ، ولاه الرشيد على إمرة مصر على الصلاة والخراج معاً في شهر رمضان في سنة ثلاث وثمانين ومائة بعد عزل إسماعيل بن عيسى؛ وقدم إلى مصر لخمس خلون من شوال من السنة المذكورة، وسكن المعسكر، وجعل أخاه علي بن الفضل على الشرطة، ومهد أمور مصر واستوفى الخراج، ودام على ذلك إلى أن خرج من مصر وتوجه إلى الخليفة هارون الرشيد في سابع شهر رمضان سنة أربع وثمانين ومائة بالهدايا والتحف، واستخلف أخاه علي بن الفضل على صلاة مصر، فوفد على الرشيد وأقام عنده مدة ثم عاد إلى مصر على عمله في آخر السنة، واستمر على إمرة مصر إلى أن خرج منها ثانياً إلى الرشيد في اليوم الحادي «٤» والعشرين من رمضان سنة خمس وثمانين ومائة.
стр. 497
واستخلف على صلاة مصر هشام «١» بن عبد الله بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج، فتوجه إلى الرشيد لأمر اقتضى ذلك، ثم عاد إلى مصر في رابع عشر المحرم سنة ست وثمانين ومائة، وكان هذا دأبه كلما غلق «٢» خراج سنة ونجز حسابها وفرق أرزاق الجند، أخذ ما بقي وتوجه به إلى الرشيد ومعه حساب السنة. ودام على ذلك إلى أن خرج عليه أهل الحوف بشرقي مصر وساروا إلى الفسطاط، فخرج إليهم الليث هذا في أربعة آلاف من جند مصر، وكان ذلك في الثامن والعشرين «٣» من شعبان من سنة ست وثمانين ومائة المذكورة؛ واستخلف على مصر عبد الرحمن بن موسى بن علي بن رباح على الصلاة والخراج، فواقع أهل الحوف فانهزم عنه الجند وبقي هو في نحو المائتين من أصحابه، فحمل بهم على أهل الحوف حملة هزمهم فيها، فتولوا وتبع أقفيتهم فقتل منهم خلقاً كثيراً، وبعث إلى مصر بثمانين رأساً. ثم قدم إلى مصر فلم ينتج أمره بعد ذلك من خوف أهل الحوف منه، فخافوه ومنعوا الخراج فلم يجد الليث بداً من خروجه إلى الرشيد، فتوجه إليه وعرفه الحال وشكا له من منع الخراج وسأله أن يبعث معه جيشاً إلى مصر فإنه لا يقدر على استخراج الخراج من أهل الحوف إلا بجيش؛ فلم يسمح له الرشيد بذلك؛ وأرسل محفوظاً «٤» إلى مصر، فقدم إليها محفوظ المذكور وضم خراجها من غير سوط ولا عصا، فولاه الرشيد عوضه على خراج مصر، ثم عزل الليث عن إمرة مصر بأحمد بن إسماعيل في جمادى الآخرة سنة سبع وثمانين ومائة، فكانت ولاية الليث على مصر أربع سنين وسبعة أشهر، وتوجه إلى الرشيد، وكان ممن حضر الإيقاع بالبرامكة في سنة سبع وثمانين ومائة المذكورة.
стр. 498
ولنذكر أمر البرامكة هنا وإن كان ذلك غير ما نحن بصدده غير أنه في الجملة خبر يشتاقه الشخص فنقول على سبيل الاختصار من عدة أقاويل:
كان من جملة أسباب القبض على جعفر أن الرشيد كان لا يصبر عن جعفر وعن أخته عباسة بنت المهدي، فقال لجعفر: أزوجها لك ليحل لك النظر إليها ولا تقربها؛ فقال: نعم، فزوجها منه، وكانا يحضران معه ويقوم الرشيد عنهما، فجامعها جعفر فحملت منه وولدت غلاماً، فخافت الرشيد فسيرت الولد مع حواضن إلى مكة ثم وقع بين العباسة وبعض جواريها [شر «١» ] ، فأنهت الجارية أمرها إلى الرشيد، وقيل: الذي أنهته زبيدة لبغضها لجعفر.
وقيل في قتله سبب آخر وهو أن الرشيد دفع إليه عدوه يحيى بن عبد الله العلوي فحبسه جعفر ثم دعا به وسأله عن أمره فقال له: اتق الله في أمري، فرق له جعفر وأطلقه ووجه معه من أوصله الى بلاده؛ فنم على جعفر الفضل بن الربيع إلى الرشيد وأعلمه القصة من عين كانت للفضل على جعفر، فطلب الرشيد جعفراً على الطعام وصار يلقمه ويحدثه عن يحيى بن عبد الله، وجعفر يقول: هو بحاله في الحبس؛ فقال: بحياتي، ففطن جعفر وقال: لا وحياتك، وقص عليه أمره، فقال الرشيد: نعم ما فعلت! ما عدوت ما في نفسي! فلما قام عنه قال: قتلني الله إن لم أقتلك. وقيل غير ذلك، وهو أن جعفراً ابتنى داراً غرم عليها عشرين ألف ألف درهم؛ فقيل للرشيد: هذه غرامته على دار فما ظنك بنفقاته! وقيل: إن يحيى بن خالد لما حج تعلق بأستار الكعبة وقال: اللهم إن كان رضاك أن تسلبني نعمك فاسلبني، اللهم إن كان رضاك أن تسلبني مالي وأهلي وولدي فاسلبني إلا
стр. 499
الفضل، ثم عاد واستثنى الفضل ثم دعا يحيى بن خالد بدعوات أخر، وكان الفضل عنده مقدماً على جعفر فإنه كان الأسن، فلما انصرف من الحج هو وأولاده ووصلوا إلى الأنبار نكبهم الرشيد، ولما أرسل للقبض على جعفر توجه إليه مسرور ومعه جماعة وجعفر فى لهوه ومغنّيه «١» يغنيه قوله:
فلا تبعد فكل فتى سيأتي ... عليه الموت يطرق أو يغادي
وكل ذخيرة لابد يوماً ... وإن كرمت «٢» تصير الى نفاد
قال مسرور: فقلت له: يا جعفر، الذي جئت له هو والله ذاك قد طرقك، فأجب أمير المؤمنين؛ فوقع على رجلي يقبلها وقال: حتى أدخل وأوصي! فقلت:
أما الدخول فلا سبيل إليه، وأما الوصية فاصنع ما شئت، فأوصى. وأتيت الرشيد به فقال: ائتني برأسه، فأتيته به.
[ما وقع من الحوادث سنة ١٨٤]
السنة الأولى من ولاية الليث بن الفضل على مصر وهي سنة أربع وثمانين ومائة- فيها ولى الرشيد حماداً البربري إمرة مكة واليمن كله، وولى داود بن يزيد بن حاتم المهلبي السند، وولى ابن الأغلب المغرب، وولى مهرويه الرازي طبرستان. وفيها طلب أبو الخصيب الخارج بخراسان الأمان فأمنه علي بن عيسى بن ماهان وأكرمه. وفيها سار أحمد بن هارون الشيباني فأغار على ممالك الروم فغنم وسلم. وفيها توفي أحمد ابن الخليفة هارون الرشيد الشاب الصالح، كان قد ترك الدنيا وخرج على وجهه وتزهد وصار يعمل بالأجرة ولا يعلم به أحد، وكان أكبر أولاد الرشيد، وأمه أم ولد؛ ولم يزل أحمد هذا منقطعا إلى الله تعالى حتى مات ولم يعلم به أحد؛ وكان أحمد هذا
стр. 500
يعرف بالسبتي «١» ، وأحمد هذا خفي عن كثير من الناس، ومن الناس من يظنه البهلول الصالح ويقول: البهلول كان ابن الرشيد، وليس هو كذلك، وقد تقدم ذكر البهلول.
وأحمد هذا هو ابن الرشيد، وله أيضاً حكايات كثيرة في الزهد والصلاح. على أن بعض أهل التاريخ ينكرون ذلك بالكلية، والله أعلم بحقيقة ذلك. وفيها توفي محمد بن يوسف بن معدان أبو عبد الله الأصبهاني؛ كان عبد الله بن المبارك يسميه عروس الزهاد وكان له كرامات وأحوال. وفيها توفي المعافى بن عمران أبو مسعود الموصلي الأزدي، رحل البلاد في طلب الحديث وجالس العلماء وجمع بين العلم والورع والسخاء والزهد ولزم سفيان الثوري وتفقه به وتأدب بآدابه، فكان يقول له: أنت معافى كاسمك.
الذين ذكرهم الذهبي في الوفيات في هذه السنة، قال: وفيها توفي إبراهيم بن سعد الزهري في قول، وإبراهيم بن أبي يحيى المدنىّ، وحميد بن الأسود، وصدقة ابن خالد في قول، وعبد الله بن عبد العزيز الزاهد العمري، وعبد الله بن مصعب الزبيري، وعبد الرحيم بن سليمان الرازي «٢» ، وعثمان بن عبد الرحمن الجمحي في قول، وعبد السلام بن شعيب بن الحبحاب، وعبد العزيز بن أبي حازم في قول، وعلي بن غراب القاضي، ومحمد بن يوسف الأصبهاني الزاهد، ومروان بن شجاع الجزري، ويوسف بن الماجشون قاله البخارىّ، وأبو أميّة بن يعلى قاله خليفة.
стр. 501
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وعشرون إصبعا، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأربعة أصابع.
[ما وقع من الحوادث سنة ١٨٥]
السنة الثانية من ولاية الليث بن الفضل على مصر وهي سنة خمس وثمانين ومائة- فيها وثب أهل طبرستان على متوليهم مهرويه فقتلوه فولّى عوضه الرشيد عبد الله ابن سعيد الحرشي «١» . وفيها وقعت بالمسجد الحرام صاعقة فقتلت رجلين. وفيها خرج الرشيد إلى الرقة على طريق الموصل والجزيرة. وفيها حج بالناس أخو الخليفة منصور ابن المهدي، وكان يحيى بن خالد البرمكي استأذن الرشيد في العمرة، فخرج يحيى بن خالد في شعبان وأقام بمكة واعتمر في شهر رمضان وخرج إلى جدة فأقام بها على نية الرباط إلى زمن الحج، فحج وعاد إلى العراق. وفيها توفي عم «٢» جد الرشيد عبد الصمد بن علىّ ابن عبد الله بن العباس الأمير أبو محمد الهاشمي العباسي، ولد سنة خمس أو ست ومائة، وأمه أم ولد، ويقال: إن أمه كثيرة «٣» التي شبب بها عبد الله بن قيس الرقيات.
ولي عبد الصمد هذا إمرة دمشق والموسم غير مرة، وولي إمرة المدينة والبصرة.
واجتمع مرة بالرشيد وعنده جماعة من أقار به، فقال: يا أمير المؤمنين، هذا مجلس فيه أمير المؤمنين وعمه وعم عمه وعم عم عمه؛ وكان في المجلس سليمان بن أبي جعفر المنصور وهو عم الرشيد، والعباس بن محمد وهو عم سليمان المذكور، وعبد الصمد هذا وهو عم العباس. ومات وليس بوجه الأرض عباسية إلا وهو محرم لها، ﵀. وفيها توفي محمد ابن الإمام إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس الأمير
стр. 502
أبو عبد الله الهاشمي العباسي. ولي إمرة دمشق لأبي جعفر المنصور ولولده المهدي؛ وحج بالناس عدة سنين، وكان عاقلاً جواداً ممدحاً.
الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو إسحاق الفزاري في قول إبراهيم بن محمد، وخالد بن يزيد بن [عبد الرحمن «١» بن] أبي مالك الدمشقي، وصالح بن عمر الواسطي، وعبد الله بن صالح بن علي بسلمية «٢» ، وعبد الواحد بن مسلم، وقاضي مصر محمد بن مسروق الكندي، والمسيب بن شريك، والمطلب بن زياد، ويزيد بن مزيد الشيباني، ويقطين بن موسى الأمير.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاثة أذرع وعشرة أصابع، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعاً وسبعة أصابع.
[ما وقع من الحوادث سنة ١٨٦]
السنة الثالثة من ولاية الليث بن الفضل على مصر وهي سنة ست وثمانين ومائة- فيها حج الرشيد ومعه ابناه: الأمين محمد والمأمون عبد الله وفرق بالحرمين الأموال. وفيها بايع الرشيد بولاية العهد لولده قاسم بعد الأخوين الأمين والمأمون، ولقبه المؤتمن وولاه الجزيرة والثغور وهو صبي، فلما قسم الرشيد الدنيا بين أولاده الثلاثة قال الشعراء في البيعة المدائح، ثم إنه علق نسخة البيعة في البيت العتيق، وفي ذلك يقول إبراهيم الموصلي:
خير الأمور مغبّة ... وأحقّ أمر بالنّمام
أمر قضى إحكامه الرّ ... حمن في البيت الحرام
وفيها أيضاً سار علي بن عيسى بن ماهان من مرو لحرب أبي الخصيب، فالتقاه فقتل أبو الخصيب وغرقت جيوشه وسبيت حرمه واستقام أمر خراسان. وفيها
стр. 503
سجن الرشيد ثمامة بن الأشرس المتكلم لأنه وقف منه على شيء من «١» إعانة أحمد بن عيسى. وفيها توفي حماد- ويقال: سلم- بن عمرو بن حماد بن عطاء بن ياسر المعروف بسلم الخاسر الشاعر المشهور من أهل البصرة، سمّى الخاسر لأنه ورث من أبيه مصحفا فباعه واشترى بثمنه طنبورا، وقيل: اشترى شعر امرئ القيس، وقيل شعر الأعشى. وكان سلم من الشعراء المجيدين، وهو من تلامذة بشار بن برد المقدم ذكره. وفيها توفي العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، الأمير أبو الفضل الهاشمي العباسي أخو السفاح والمنصور لأبيهما، وأمه أم ولد. ولد في سنة ثمان عشرة ومائة وقيل سنة إحدى وعشرين ومائة، وولي دمشق والشأم كله والجزيرة، وحج بالناس غير مرة. وكان الرشيد يجله ويحبه. وفيها توفي يزيد بن هارون أبو خالد مولى بني سليم، ولد سنة ثمان عشرة ومائة، وكان من الزهاد العباد، كان إذا صلى العتمة لا يزال قائماً حتى يصلي الفجر بذلك الوضوء نيفاً وأربعين سنة. وفيها توفي الأمير يقطين بن موسى أحد دعاة بني العباس، ومن قرر أمرهم في الممالك والأقطار، وكان داهيةً عالماً حازماً شجاعاً عارفاً بالحروب والوقائع.
ذكر الذين أثبت الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي حاتم بن إسماعيل، أو سنة سبع؛ والحارث بن عبيدة الحمصي، وحسان بن إبراهيم الكرماني، وخالد بن الحارث، وصالح بن قدامة الجمحي، وطيفور الأمير مولى المنصور «٢» ، والعباد بن العوّام فى قول، والعباس بن الفضل المقرئ، وعبد الرحمن بن عبد الله ابن عمر المدني، وعيسى البخاري غنجار «٣» ، والمسيب بن شريك بخلف، والمغيرة بن عبد الرحمن المخزومي.
стр. 504
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان سواء، مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعاً واثنان وعشرون إصبعا.
[ما وقع من الحوادث سنة ١٨٧]
السنة الرابعة من ولاية الليث بن الفضل على مصر وهي سنة سبع وثمانين ومائة- فيها أوقع الرشيد بالبرامكة وقتل جعفراً ثم صلبه مدة وقطعت أعضاؤه وعلقت بأماكن، ثم بعد مدة أنزلت وأحرقت وذلك في صفر، وحبس الرشيد يحيى ابن خالد بن برمك، أعنى والد جعفر المذكور، وجميع أولاده وأحيط بجميع أموالهم.
وطال حبس يحيى بن خالد المذكور وابنه الفضل إلى أن ماتا في الحبس. وفي سبب قتل جعفر البرمكي اختلاف كبير ليس لذكره «١» هنا محل. وفيها غزا الرشيد بلاد الروم وفتح هرقلة وولى ابنه القاسم الصائفة وأعطاه العواصم، فنازل حصن سنان، فبعث إليه قيصر وسأله أن يرحل عنه ويعطيه ثلثمائة وعشرين أسيراً من المسلمين، ففعل.
وفيها قتل الرشيد إبراهيم بن عثمان بن نهيك. وسبب قتله أنه كان يبكي على قتل جعفر وما وقع للبرامكة، فكان إذا أخذ منه الشراب يقول لغلامه: هات سيفي فيسله ويصيح: وا جعفراه! ثم يقول: والله لآخذن ثأرك ولأقتلن قاتلك!. فنم عليه ابنه عثمان للفضل بن الربيع فأخبر الفضل الرشيد، فكان ذلك سبب قتله. وفيها توفي الفضيل بن عياض الإمام الجليل أبو علي التميمي اليربوعي. ولد بخراسان بكورة أبيورد وقدم الكوفة وهو كبير، فسمع الحديث من منصور وغيره ثم تعبد وتوجه إلى مكة وأقام بها إلى أن مات في يوم عاشوراء، قاله علي بن المديني وغيره. وكان ثقةً نبيلاً فاضلاً عابداً زاهداً كثير الحديث. وقيل: إن مولده بسمرقند. وذكر
стр. 505
بإسناده عن الفضل بن موسى قال: كان الفضيل بن عياض شاطراً «١» يقطع الطريق بين أبيورد وسرخس. وكان سبب توبته أنه عشق جاريةً، فبينما هو يرتقي الجدران إليها سمع رجلاً يتلو: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِ
فقال: يا رب قد آن، فرجع فآواه الليل إلى خربة فإذا فيها رفقة، فقال بعضهم: نرتحل، وقال قوم: حتى نصبح فإن فضيلا على الطريق. وقيل في توبته غير ذلك. وأما مناقبه فكثيرة: منها عن بشر الحافي قال: كنت بمكة مع الفضيل فجلس معنا إلى نصف الليل ثم قام يطوف إلى الصبح، فقلت: يا أبا علي ألا تنام؟
فقال: ويحك! وهل أحد يسمع بذكر النار وتطيب نفسه أن ينام!. وقال الأصمعي: نظر الفضيل إلى رجل يشكو إلى رجل، فقال الفضيل: تشكو من يرحمك الى من لا يرحمك!. وسئل الفضيل: ما الإخلاص؟ قال الفضيل: أخبرني من أطاع الله هل تضره معصية أحد؟ قال: لا؛ قال: فمن يعصي الله هل تنفعه طاعة أحد؟ قال: لا؛ قال: فهذا الإخلاص. وعن الفضيل قال: من ساء شان دينه وحسبه ومروءته. وعنه قال: لن يهلك عبد حتى يؤثر شهوته على نفسه ودينه. وقال: خصلتان تقسيان القلب: كثرة الكلام، وكثرة الأكل. وعنه قال:
إذا أراد الله أن يتحف العبد سلط عليه من يظلمه. واجتمع مع الرشيد بمكة، فقال له الرشيد: إنما دعوناك لتحدثنا بشيء وتعظنا؛ قال: فأقبلت عليه وقلت:
стр. 506
يا حسن الخلق والوجه حساب الخلق كلهم عليك؛ قال: فبكى الرشيد وشهق، فرددت عليه حتى جاء الخدام فحملوني وأخرجوني. وعنه قال: الخوف أفضل من الرجاء ما دام الرجل صحيحاً، فإذا نزل به الموت فالرجاء أفضل. وقال الفضيل: قول العبد أستغفر الله يعني أقلني يا رب.
قلت: روي عن علي بن أبى طالب رضى عنه أنه قال: أتعجب ممن يهلك ومعه النجاة، قيل: وما هو؟ قال: الاستغفار. وقال بعض المشايخ في دعائه:
اللهم إني أطعتك في أحب الأشياء إليك وهو الاستغفار والإيمان، وعصيت الشيطان في أبغض الأشياء إليك وهو الشرك فاغفرلى ما بينهما. وكان بعض المشايخ يقول أيضا: اللهم إن حسناتي من عطائك وسيئاتي من قضائك، فجد بما أعطيت على ما به قضيت حتى يمحى ذلك بذلك. وفيها قتل جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك قتله الرشيد لأمر اقتضى ذلك واختلف الناس في سبب «١» قتله اختلافاً كبيراً يضيق هذا المحل عن ذكره. وكان قتله في أول صفر من هذه السنة، وصلبه على الجسر وسنه سبع وثلاثون سنة وقتل بعده جماعة كثيرة من أقاربه البرامكة. وكان أصله من الفرس، وكان جعفر جميلاً لسناً أديباً بليغاً عالماً يضرب بجوده الأمثال، إلا أنه كان مسرفا على نفسه غارقا في اللذات؛ تمكن من الرشيد حتى بلغ من الجاه والرفعة ما لم ينله أحد قبله وولي هو وأبوه وأخوه الفضل الأعمال الجليلة. وكان أبوه يحيى قد ضم جعفراً إلى القاضي أبي يوسف يعقوب حتى علمه وفقهه وصار نادرة عصره.
يقال: إنه وقع في ليلة بحضرة الرشيد زيادة على ألف توقيع ونظر في جميعها، فلم يخرج شيئاً منها عن موجب الفقه والعربية. وكان جعفر مثل أخيه الفضل في السخاء وأعظم. وأما ما حكي من كرمه فكثير: من ذلك أن أبا علقمة الثقفي صاحب الغريب
стр. 507
كان عند جعفر في مجلسه، فأقبلت إليه خنفساء، فقال أبو علقمة: أليس يقال: إن الخنفساء إذا أقبلت إلى رجل أصاب خيرا؟ قالوا: بلى؛ فقال جعفر: يا غلام، أعط الشيخ ألف دينار، ثم نحوها عنه، فأقبلت الخنفساء ثانياً، فقال: يا غلام أعطه ألفاً أخرى. وله من هذا أشياء كثيرة، ثم زالت عنه وعن أهله تلك النعم حتى احتاجت أمه إلى السؤال. قال الذهبي عن محمد بن عبد الرحمن الهاشمي صاحب صلاة الكوفة قال: دخلت على أمي يوم النحر وعندها امرأة في أثواب رثة، فقالت لي أمي: أتعرف هذه؟ قلت: لا؛ قالت: هذه عبادة أم جعفر البرمكي، فسلمت عليها ورحبت بها، ثم قلت: يا فلانة حدثينا بعض أمركم؛ قالت: أذكر لك جملة فيها عبرة، لقد هجم علي مثل هذا العيد وعلى رأسي أربعمائة جارية ونحرت في بيتي خاصة ثمانمائة رأس، وأنا أزعم أن ابني جعفراً عاق لي، وقد أتيتكم الآن يقنعني جلد شاتين أجعل أحدهما شعاراً «١» والآخر دثاراً.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وعشرون إصبعا، مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعا وإصبعان.
ذكر ولاية أحمد بن إسماعيل على مصر
هو أحمد بن إسماعيل بن علي بن عبد الله بن العباس الأمير أبو العباس الهاشمي العباسي أمير مصر. ولاه الرشيد على صلاة مصر بعد عزل الليث بن الفضل عنها في سنة سبع وثمانين ومائة، فقدمها يوم الاثنين لخمس بقين من جمادى الآخرة من السنة المذكورة، وسكن المعسكر على عادة أمراء بني العباس، وجعل على شرطته معاوية بن صرد. وفي ولايته استنجده إبراهيم بن الأغلب أمير إفريقية فأمده بالعساكر وتوجهوا إليه ثم عادوا.
стр. 508
وكان سبب هذه التجريدة «١» أن أهل طرابلس الغرب كان كثر شغبهم على ولاتهم، وكان ابراهيم بن الأغلب المذكور قد استعمل عليهم عدة ولاة، فكانوا يشكون من ولاتهم فيعزلهم ويولي غيرهم إلى أن استعمل عليهم سفيان بن المضاء وهي ولايته الرابعة، فاتفق أهل البلد على إخراجه عنهم وإعادته إلى القيروان فزحفوا إليه، فأخذ سلاحه وقاتلهم هو وجماعة ممن معه، فأخرجوه من داره فدخل الجامع وقاتلهم فيه فقتلوا من أصحابه جماعة ثم أمنوه فخرج عنهم في شعبان [من هذه السنة «٢» ] ، وكانت ولايته سبعاً وعشرين يوما، واستعمل جند طرابلس عليهم إبراهيم بن سفيان التميمي. ثم وقع أيضاً بين الأبناء بطرابلس وبين قوم يعرفون ببني أبي كنانة وبني يوسف حروب كثيرة وقتال حتى فسدت طرابلس؛ فبلغ ذلك إبراهيم بن الأغلب أمير إفريقية فاستنجد أحمد ابن إسماعيل أمير مصر وجمع جمعاً كبيراً وأمرهم أن يحضروا بني أبي كنانة والأبناء وبني يوسف فأحضروهم عنده بالقيروان، فلما قدموا عليه أراد قتلهم الجميع، فسألوه العفو عنهم في الذي فعلوه فعفا عنهم، وعادوا إلى بلادهم بعد أن أخذ عليهم العهود والمواثيق بالطاعة. واستمر أحمد هذا على إمرة مصر إلى أن صرف عنها بعبد الله بن محمد العباسي في يوم الاثنين لثمان عشرة خلت من شعبان سنة تسع وثمانين ومائة؛ فكانت ولايته على إمرة مصر سنتين وشهراً ونصف شهر.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ١٨٨]
السنة الأولى من ولاية أحمد بن إسماعيل على مصر وهي سنة ثمان وثمانين ومائة- فيها غزا المسلمون الصائفة فبرز إليهم نقفور «٣» بجموعه فالتقوا فجرح نقفور ثلاث جراحات وانهزم هو وأصحابه بعد أن قتل من الروم مقتلة عظيمة، فقيل: إن القتلى
стр. 509
بلغت أربعين ألفاً، وقيل: أربعة آلاف وسبعمائة. وفيها حج الرشيد بالناس وهي آخر حجة حجها، وكان الفضيل بن عياض قال له: استكثر من زيارة هذا البيت فإنه لا يحجه خليفة بعدك. وفيها توفي أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة الفزاري، كان إماماً عالماً صاحب سنة وغزو وكان صاحب حال ولسان وكرامات.
قال الفضيل بن عياض: رأيت النبي ﷺ في المنام وإلى جانبه فرجة فذهبت لأجلس فيها، فقال: هذا مجلس أبى إسحاق الفزارىّ. وفيها توفّى إبراهيم ابن ماهان بن بهمن أبو إسحاق الأرجاني النديم المعروف بالموصلي، أصله من الفرس ودخل إلى العراق، ثم رحل إلى البلاد في طلب الأغاني، فبرع فيها بالعربية والعجمية؛ وكان مع ما انتهى إليه من الرياسة في الغناء فاضلاً عالماً أديباً شاعراً؛ نادم جماعة من خلفاء بني العباس؛ وكان ذا مال، يقال: إنه لما مات وجد له أربعة وعشرون ألف ألف درهم، وهو والد إسحاق النديم المغني أيضاً. حكي أن الرشيد كان يهوى جاريته ماردة؛ فغاضبها ودام على ذلك مدة، فأمر جعفر البرمكي العباس بن الأحنف أن يعمل في ذلك شيئاً، فعمل أبياتاً وألقاها إلى إبراهيم الموصلي هذا فغنى بها الرشيد، فلما سمعها بادر إلى ماردة فترضاها، فسألته عن السبب فقيل لها، فأمرت لكل واحد من العباس وإبراهيم بعشرة آلاف درهم، ثم سألت الرشيد أن يكافئهما، فأمر لهما بأربعين ألف درهم. والأبيات:
العاشقان كلاهما متجنب ... وكلاهما متبعد متغضب
صدت مغاضبة وصد مغاضباً ... وكلاهما مما يعالج متعب
راجع أحبتك الذين هجرتهم ... إن المتيم قلما يتجنب
إن التجنب إن تطاول منكما ... دب السلو له فعز المطلب
стр. 510
الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي إسحاق بن مسور المرادي المصري، وجرير بن عبد الحميد الضبي، والحسين بن الحسن البصرىّ، وسليم ابن عيسى المقرئ، وعبد الملك بن ميسرة الصدفي، وعبدة بن سليمان الكوفي، وعتاب «١» بن بشير الحراني بخلف، وعقبة بن خالد السكوني، وعمر بن أيوب الموصلي، وعيسى بن يونس السبيعي، ومحمد بن يزيد الواسطي، ومعروف بن حسان الضبي، ومهران بن أبي عمر الرازي، ويحيى بن عبد الملك بن أبي غنية.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ذراعان وسبعة أصابع، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعاً وعشرة أصابع.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ١٨٩]
السنة الثانية من ولاية أحمد بن إسماعيل على مصر وهي سنة تسع وثمانين ومائة- فيها سار الرشيد إلى الري بسبب شكوى أهل خراسان عاملهم علي بن عيسى بن ماهان، فقد «٢» رموه بعظائم وذكروا أنه على نية الخروج عن طاعة الرشيد؛ فأقام الرشيد بالري أربعة أشهر حتى وافاه ابن عيسى بالأموال والجواهر والتحف للخليفة ولكبار القواد حتى رضي عنه الرشيد ورده إلى عمله، وخرج مشيعا له لما خرج إلى خراسان.
قلت: لله درّ القائل فى هذا المعنى:
بعثت في حاجتي رسولا ... يكنى أبا درهم فتمت
ولو سواه بعثت فيها ... لم تحظ نفسي بما تمنت
وفيها كان الفداء، حتى لم يبق بممالك الروم في الأسر مسلم. وفيها توفي العباس بن الأحنف بن الأسود بن طلحة أبو الفضل الشاعر المشهور حامل لواء
стр. 511
الشعراء في عصره، أصله من غرب خراسان ونشأ ببغداد وقال الشعر الفائق، وكان معظم شعره في الغزل والمديح، وله أخبار مع الخلفاء، وكان حلو المحاضرة مقبولاً عند الخاص والعام، وهو شاعر الرشيد، وخال إبراهيم بن العباس الصولي.
قال ابن خلكان: وحكى عمر بن شبة قال: مات إبراهيم الموصلي المعروف بالنديم سنة ثمان وثمانين ومائة، ومات في ذلك اليوم الكسائي النحوي، والعباس بن الأحنف، وهشيمة «١» الخمارة، فرفع ذلك إلى الرشيد فأمر المأمون أن يصلّى عليهم، فخرج فصفوا بين يديه فقال: من هذا الأول؟ فقالوا: إبراهيم الموصلي؛ فقال: أخروه وقدموا العباس بن الأحنف، فقدم فصلى عليه، فلما فرغ دنا منه هاشم بن عبد الله بن مالك الخزاعي، فقال: يا سيدي، كيف آثرت العباس بن الأحنف بالتقدمة على من حضر! فقال: لقوله:
وسعى «٢» بها ناس وقالوا إنها ... لهي التي تشقى بها وتكابد «٣»
فجحدتهم ليكون غيرك ظنهم ... إني ليعجبني المحب الجاحد
قلت: وفي موت الكسائىّ وابراهيم الموصلي والعباس بن الأحنف في يوم واحد نظر، والصحيح أن وفاة العباس هذا تأخرت عن وفاة هؤلاء المذكورين بمدة طويلة.
ومما يدل على ذلك ما حكاه المسعودي في تاريخه عن جماعة من أهل البصرة، قالوا:
خرجنا نريد الحج، فلما كنا ببعض الطريق إذا غلام واقف ينادي الناس: هل فيكم أحد من أهل البصرة؟ قالوا: فعدلنا إليه وقلنا: ما تريد؟ قال: إنّ مولاى يريد
стр. 512
أن يوصيكم؛ قالوا: فملنا معه وإذا شخص ملقى تحت شجرة لا يحير جواباً، فجلسنا حوله فأحس بنا فرفع طرفه وهو لا يكاد يرفعه ضعفا، وأنشأ يقول:
يا غريب الدار عن وطنه ... مفرداً يبكي على شجنه
كلّما جدّ «١» البكاء؟؟؟ هـ ... دبت الأسقام في بدنه
ثم أغمي عليه طويلاً، ونحن جلوس حوله إذ أقبل طائر فوقع على أعلى الشجرة وجعل يغرد، ففتح عينيه فسمع تغريده ثم قال:
ولقد زاد الفؤاد شجاً ... طائر يبكي على فننه
شفه ما شفني فبكى ... كلنا يبكي على سكنه
ثم تنفس تنفساً فاضت نفسه منه، فلم نبرح من عنده حتى غسلناه وكفناه وتولينا الصلاة عليه. فلما فرغنا من دفنه سألنا الغلام عنه، فقال: هذا العباس بن الأحنف ﵀.
وذكر «٢» أبو علىّ الفالى في «كتاب الأمالي» : قال بشار بن برد: ما زال غلام من بني حنيفة (يعني العباس) يدخل نفسه فينا ويخرجها منا حتى قال:
أبكي الذين أذاقوني مودتهم ... حتى إذا أيقظوني للهوى رقدوا
واستنهضوني فلما قمت منتصباً ... بثقل ما حملوني منهم قعدوا
وقد خرجنا عن المقصود لطلب الفائدة، ونرجع الآن إلى ما نحن بصدده.
стр. 513
وفيها توفي علي بن حمزة «١» بن عبد الله بن بهمن بن فيروز مولى بني أسد، أبو الحسن المعروف بالكسائىّ النحوىّ المقرئ، وسمي بالكسائي لأنه أحرم في كساء. وهو معلم الرشيد وفقيهه وبعده لولديه الأمين والمأمون، وكان إماماً في فنون عديدة: النحو والعربية وأيام الناس، وقرأ القران على حمزة الزيات أربع مرات، واختار لنفسه قراءة صارت إحدى القراءات السبع، وتعلم النحو على كبر سنه، وخرج الى البصرة وجالس الخليل ابن أحمد. وذكر ابن الدورقي قال: اجتمع الكسائي واليزيدي عند الرشيد، فحضرت العشاء فقدموا الكسائي فأرتج عليه [فى] قراءة (قل يأيّها الكافرون) ؛ فقال اليزيدي: قراءة هذه السورة يرتج [فيها] على قارئ أهل الكوفة!. قال:
فحضرت الصلاة فقدموا اليزيدي فارتج عليه في الحمد؛ فلما سلم قال:
احفظ لسانك لا تقول فتبتلى ... إن البلاء موكل بالمنطق
وكان الكسائي عند الرشيد بمنزلة رفيعة، سار معه إلى الري فمرض ومات بقرية رنبويه «٢» ، ثم مات مع الرشيد محمد بن الحسن الفقية صاحب أبي حنيفة فقال الرشيد لما رجع إلى العراق: [اليوم»
] دفنت الفقه والنحو برنبويه. وفيها توفي محمد بن الحسن الفقيه ابن فرقد الشيباني مولاهم الكوفي الفقيه العلامة شيخ الإسلام وأحد العلماء الأعلام مفتى العراقين أبو عبد الله، قيل: إن أصله من حرستا «٤» من غوطة دمشق، ومولده بواسط ونشأ بالكوفة وتفقه بأبي يوسف ثم بأبي حنيفة وسمع مسعراً ومالك
стр. 514
ابن مغول والأوزاعي ومالك بن أنس؛ وأخذ عنه الشافعي وأبو عبيد وهشام بن عبيد الله وعلي بن مسلم الطوسي وخلق سواهم؛ وكان إماماً فقيهاً محدثاً مجتهداً ذكياً، انتهت إليه رياسة العلم في زمانه بعد موت أبي يوسف. قال أبو عبيد: ما رأيت أعلم بكتاب الله منه. وقال الشافعي: لو أشاء أن أقول نزل القرآن بلغة محمد بن الحسن لقلت لفصاحته، وقد حملت عنه وقر «١» بختي كتباً. وقال إبراهيم الحربي:
قلت لأحمد بن حنبل: من أين لك هذه المسائل الدّقاق؟ قال: من كتب محمد ابن الحسن. وعن الشافعي قال: ما ناظرت أحداً إلا تغير وجهه ما خلا محمد بن الحسن. وقال أحمد بن محمد بن أبي رجاء: سمعت أبي يقول: رأيت محمد بن الحسن في النوم فقلت: إلام صرت؟ قال: غفرلى؛ قلت: بم؟ قال:
قيل لي: لم نجعل هذا العلم فيك إلا ونحن نغفر لك.
قلت: وقد تقدم في ترجمة الكسائي أنهما ماتا في صحبة الرشيد بقرية رنبويه من الري، فقال الرشيد: دفنت الفقه والعربية بالري.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع وأربعة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وإصبعان.
ذكر ولاية عبد الله بن محمد على مصر
هو عبد «٢» الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، الأمير أبو محمد الهاشمي العباسي المعروف بابن زينب، ولاه الرشيد إمرة مصر على الصلاة بعد عزل أحمد بن إسماعيل سنة تسع وثمانين ومائة. ولما ولي مصر أرسل يستخلف
стр. 515
على صلاة مصر لهيعة بن موسى «١» الحضرمي، فصلى لهيعة المذكور بالناس إلى أن قدم عبد الله بن محمد المذكور إلى مصر في يوم السبت للنصف من شوال سنة تسع وثمانين ومائة المذكورة؛ وسكن المعسكر على عادة أمراء بني العباس، ثم جعل على شرطته أحمد بن حوىّ «٢» العذري مدة، ثم عزله وولى محمد بن عسّامة. ولم تطل مدة عبد الله المذكور على إمرة مصر وعزل بالحسين بن جميل لإحدى عشرة بقيت من شعبان سنة تسعين ومائة. وخرج عبد الله من مصر واستخلف على صلاتها هاشم بن عبد الله ابن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج؛ فكانت مدة ولاية عبد الله هذا على مصر ثمانية أشهر وتسعة عشر يوماً. وتوجه إلى الرشيد فأقره الرشيد من جملة قواده وأرسله على جماعة نجدة لعلي بن عيسى لقتال رافع بن الليث بن نصر بن سيار، وكان رافع ظهر بما وراء النهر مخالفاً للرشيد بسمرقند. وكان سبب خروج رافع أن يحيى بن الأشعث تزوج ابنة لعمه أبي النعمان وكانت ذات يسار ولسان، ثم تركها يحيى بن الأشعث بسمرقند وأقام ببغداد واتخذ السراري، فلما طال ذلك عليها أرادت التخلص منه، وبلغ رافعاً خبرها فطمع فيها وفي مالها،؟؟؟ دس إليها من قال لها:
لا سبيل إلى الخلاص من زوجها إلا أن تشهد عليها قوماً أنها أشركت بالله ثم تتوب فينفسخ نكاحها وتحل للأزواج، ففعلت ذلك فتزوجها رافع. فبلغ الخبر يحيى بن الأشعث فشكا إلى الرشيد، فكتب الرشيد إلى علي بن عيسى يأمره أن يفرق بينهما وأن يعاقب رافعاً ويجلده الحد ويقيده ويطوف به في سمرقند على حمار [حتى يكون عظة «٣» لغيره] ففعل به ذلك ولم يحدّه، وحبس رافع
стр. 516
بسمرقند مدة، ثم هرب من الحبس فلحق بعلي بن عيسى ببلخ، فأراد ضرب عنقه فشفع فيه عيسى بن علي بن عيسى، وأمره بالانصراف إلى سمرقند، فرجع إليها ووثب بعامل علي بن عيسى عليها وقتله واستولى على سمرقند واستفحل أمره حتى خرجت إليه العساكر وأخذته وقتل بعد أمور. ولما عاد عبد الله صاحب الترجمة إلى الرشيد سأله في إمرة مصر ثانياً فأبى واستمر عند الرشيد الى أن مات.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ١٩٠]
السنة التي حكم فيها عبد الله بن محمد العباسي على مصر وهي سنة تسعين ومائة- فيها افتتح الرشيد مدينة هرقلة «١» وبث جيوشه بأرض الروم وكان في مائة ألف فارس وخمسة وثلاثين ألفاً سوى المطوعة، وجال الأمير داود بن موسى بن عيسى العباسي في أرض الكفر وكان في سبعين ألفاً؛ وكان فتح هرقلة في شوال، وأخربها وسبى أهلها، وكان الحصار ثلاثين يوماً. وفيها افتتح شراحيل بن معن بن زائدة الشيباني حصن الصقالبة بالمغرب. وفيها أسلم الفضل بن سهل المجوسىّ على يد المأمون ابن الرشيد. وفيها بعث نقفور ملك الروم إلى الرشيد بالخراج «٢» والجزية. وفيها نقضت أهل قبرس [العهد] ، فغزاهم ابن يحيى وقتل وسبى. وفيها افتتح يزيد بن مخلد الصفصاف «٣» وملقونية «٤» . وفيها توفي يحيى بن خالد بن برمك في حبس الرشيد، ويحيى هذا هو والد جعفر البرمكي- وقد تقدم ذكر جعفر وقتله في محله من هذا الكتاب-.
وفيها توفى سعدون المجنون، كان صاحب محبة وحال، صام ستين عاماً حتى خفّ
стр. 517
دماغه فسماه الناس مجنوناً. قيل: إنه وقف يوماً على حلقة ذي النون [المصري] وهو يعظ الناس فسمع سعدون كلامه، فصرخ وقال:
ولا خير في شكوى إلى غير مشتكى ... ولا بدّ من شكوى إذا لم يكن صبر
الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها مات أسد بن عمرو البجلي الفقيه، وإسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين مقرئ مكة في قول، والحكم بن سنان الباهلي القربىّ «١» ، وشجاع بن أبى نصر البلخىّ المقرئ، وعبد الله بن عمر «٢» بن غانم قاضي إفريقية، وأبو علقمة عبد الله بن محمد الفروي «٣» المدني، وعبد الحميد بن كعب بن علقمة المصري، وعثمان بن عبد الحميد اللاحقي، وعبيدة بن حميد الكوفي الحذاء «٤» ، وعطاء بن مسلم الحلبي الخفاف، وعمر بن علي المقدمي، ومحمد بن بشير المعافري بحلب، ومحمد بن يزيد الواسطي، ومخلد بن الحسين في رواية، ومسلمة بن علي الخشني «٥» ، ويحيى بن أبي زكريا الغساني بواسط، ويحيى بن ميمون البغدادي التمار.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع واثنا عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وسبعة أصابع.
ذكر ولاية الحسين بن جميل على مصر
هو الحسين بن جميل مولى أبي جعفر المنصور أمير مصر، ولاه الرشيد إمرة مصر بعد عزل عبد الله بن محمد العباسي عنها على الصلاة في سنة تسعين ومائة، فقدم
стр. 518
مصر يوم الخميس لعشر خلون من شهر رمضان من السنة المذكورة وسكن المعسكر؛ وجعل على شرطته كاملاً الهنائي ثم معاوية بن صرد، ثم جمع له الرشيد بين الصلاة والخراج في يوم الأربعاء لسبع خلون من شهر رجب سنة إحدى وتسعين ومائة.
ولما ولي الخراج تشدد فيه فخرج عليه أهل الحوف بالشرق من الوجه البحري وامتنعوا من أداء الخراج، وخرج عليهم أبو النداء بأيلة «١» في نحو ألف رجل وقطع الطريق وأخاف السبل، وتوجه من أيلة إلى مدين، وأغار على بعض نواحي قرى الشأم وآنضم إليه من جذام وغيرها جماعة كبيرة وأفسدوا غاية الإفساد، وبلغ أبو النداء المذكور من النهب والقتل مبلغاً عظيماً، حتى بلغ الرشيد أمره، فجهز إليه جيشاً من بغداد لقتاله. ثم بعث الحسين بن جميل هذا من مصر عبد العزيز الجززىّ «٢» في عسكر آخر فالتقى عبد العزيز بأبي النداء المذكور بأيلة وقاتله بمن معه حتى هزمه وظفر به.
وعند ما ظفر عبد العزيز بأبي النداء المذكور وصل جيش الخليفة الرشيد إلى بلبيس في شوال سنة إحدى وتسعين ومائة، فلما رأى أهل الحوف مسك كبيرهم ومجيء عسكر الخليفة أذعنوا بالطاعة وأدوا الخراج وحملوا ما كان انكسر عليهم بتمامه وكماله.
فلما وقع ذلك عاد عسكر الرشيد إلى بغداد. وأخذ الحسين هذا في إصلاح أمور مصر.
فبينما هو في ذلك قدم عليه الخبر بعزله عن إمرة مصر بمالك بن دلهم وذلك في يوم ثاني عشر شهر ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين ومائة، فكانت ولايته على مصر سنة واحدة وسبعة أشهر وأياما.
стр. 519
*** [ما وقع من الحوادث سنة ١٩١]
السنة التي حكم فيها الحسين بن جميل على مصر وهي سنة إحدى وتسعين ومائة- فيها حج بالناس أمير مكة الفضل بن العباس. وفيها ولى الرشيد حمويه الخادم [بريد «١» ] خراسان. وفيها غزا يزيد بن مخلد الروم في عشرة آلاف مقاتل، فأخذ الروم عليه المضيق، فقتل بقرب طرسوس وقتل معه سبعون رجلاً من المقاتلة ورجع الباقون، فولى الرشيد غزو الصائفة هرثمة بن أعين المتقدم ذكره في أمراء مصر في محله، وضم إليه الرشيد ثلاثين ألفاً من جند خراسان، ووجه معه مسروراً الخادم، وإلى مسرور المذكور النفقات في الجيش المذكور وجميع أمور العسكر، خلا الرياسة على الجيش فإن ذلك لهرثمة بن أعين المذكور. وفيها نزل الرشيد بالرقة وأمر بهدم الكنائس التي بالثغور. ثم عزل علي بن عيسى بن ماهان عن إمرة خراسان بهرثمة بن أعين المذكور. وبعد هذه الغزوة لم يكن للمسلمين صائفة إلى سنة خمس عشرة ومائتين.
وفيها توفي عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي (بفتح السين المهملة) أبو عمرو الكوفي، كان محدثاً حافظاً زاهداً ورعاً. قال جعفر البرمكي: ما رأينا مثل ابن يونس، أرسلنا إليه فأتانا بالرقة، وحدث المأمون فاعتل قبل خروجه؛ فقلت: يا أبا عمرو، قد أمر لك بخمسين ألف درهم؛ فقال: لا حاجة لي فيها؛ فقلت: هي مائة ألف؛ فقال: لا والله، لا يتحدث أهل العلم أني أكلت للسنة ثمناً. وفيها توفى مخلد ابن الحسين أبو محمد البصري، كان من أهل البصرة فتحول إلى المصيصة ورابط بها، وكان عالماً زاهداً ورعاً حافظاً للسنة، لا يتكلم فيما لا يعنيه.
стр. 520
الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي خالد بن حيان الرقي الخراز «١» ، وسلمة بن الفضل الأبرش بالري، وعبد الرحمن بن القاسم المصري الفقيه، وعيسى بن يونس في قول خليفة وابن سعد، ومخلد بن الحسين المهلبي بالمصيصة، ومطرف بن مازن قاضى صنعاء، ومعمّر بن سليمان النّخعىّ الرّقّىّ.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاثة أذرع وأربعة عشر إصبعاً، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وسبعة أصابع.
ذكر ولاية مالك بن دلهم على مصر
هو مالك بن دلهم بن عيسى «٢» بن مالك الكلبي أمير مصر، ولاه الرشيد إمرة مصر بعد عزل الحسين بن جميل عنها، ولاه على الصلاة والخراج، فقدم مصر يوم الخميس لسبع بقين من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين ومائة. ولما دخل مالك هذا إلى مصر وافى خروج يحيى بن معاذ أمير جيش الرشيد الذي كان أرسله نجدة للحسين ابن جميل على قتال أبي النداء الخارجي. وكان يحيى بن معاذ خرج من مصر ثم عاد إليها بعد عزل الحسين بن جميل. ولما دخل يحيى المذكور الفسطاط كتب إلى أهل الأحواف أن اقدموا علي حتى أوصي بكم مالك بن دلهم أمير مصر، وكان مالك المذكور قد نزل بالمعسكر وسكنه على عادة أمراء مصر، فدخل رؤساء اليمانية والقيسية من الحوف، فأغلق عليهم يحيى الأبواب وقبض عليهم وقيدهم وسار بهم، وذلك في نصف شهر رجب من السنة. واستمر مالك بن دلهم على إمرة مصر بعد ذلك مدة، وجعل على شرطته محمد «٣» بن توبة بن آدم الأودي من أهل حمص،
стр. 521
فاستمر على ذلك إلى أن صرفه الخليفة بالحسن بن البحباح «١» في يوم الأحد لأربع خلون من صفر سنة ثلاث وتسعين ومائة. فكانت ولايته على مصر سنة واحدة وخمسة أشهر تنقص أياماً لدخوله مصر وتزيد أياماً لولايته ببغداد من الرشيد.
وكان سبب عزله أن الأمين أرسل إليه في أول خلافته بالدعاء على منابر مصر لابنه موسى، واستشاره في خلع أخيه المأمون من ولاية العهد فلم يشر عليه. وكان الذي أشار على الأمين بخلع أخيه المأمون الفضل بن الربيع الحاجب، وكان المأمون يغض من الفضل، فعلم الفضل إن أفضت الخلافة للمأمون وهو حي لم يبق عليه، فأخذ في إغراء الأمين بخلع أخيه المأمون والبيعة لابنه موسى بولاية العهد، ولم يكن ذلك في عزم الأمين، ووافقه على هذا علي بن عيسى بن ماهان والسندي وغيرهما؛ فرجع الأمين إلى قولهم وأحضر عبد الله بن خازم، فلم يزل في مناظرته إلى «٢» الليل، فكان مما قال عبد الله بن خازم: أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تكون أول الخلفاء نكث عهد أبيه ونقض ميثاقه! ثم جمع الأمين القواد وعرض عليهم خلع المأمون فأبوا ذلك، وساعده قوم منهم، حتى بلغ إلى خزيمة بن خازم فقال: يا أمير المؤمنين، لم ينصحك من كذبك ولم يغشك من صدقك، لا «٣» تجرّئ القواد على الخلع فيخلعوك ولا تحملهم على نكث العهد فينكثوا عهدك وبيعتك، فإن الغادر مخذول والناكث «٤» مغلول. فأقبل الأمين على علي بن عيسى بن ماهان وتبسم وقال: لكن شيخ هذه الدعوة وناب «٥» هذه الدولة لا يخالف على إمامه «٦» ولا يوهن طاعته؛ لأنه هو والفضل ابن الربيع حملاه على خلع المأمون. ثم انبرم الأمر على أن يكتب للعمال بالدعاء لابنه
стр. 522
موسى ثم بعد ذلك بخلع المأمون، فكتب بذلك لجميع العمال. فلما بلغ ذلك المأمون أسقط اسم الأمين من الطرز وبدت الوحشة بين الأخوين الخليفة الأمين ثم المأمون، وانقطعت البرد من بينهما، فأخذ الأمين يولي الأمصار من يثق به، فعزل مالكاً هذا عن مصر وولى عليها الحسن، كما سيأتي ذكره.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ١٩٢]
السنة التي حكم فيها مالك بن دلهم على مصر وهي سنة اثنتين وتسعين ومائة- فيها قدم يحيى بن معاذ على الرشيد ومعه أبو النداء أسيراً فقتله. وفيها قتل الرشيد هيصماً اليماني «١» وكان قد خرج عليه. وفيها تحركت الخرمية «٢» ببلاد أذربيجان، فسار إلى حربهم عبد الله بن مالك في عشرة آلاف فقتل وسبى وعاد منصوراً. وفيها توفي إسماعيل بن جامع بن إسماعيل بن عبد الله بن المطلب بن [أبي «٣» ] وداعة أبو القاسم المكي، كان قد قرأ القرآن وسمع الحديث، ثم غلب عليه الغناء حتى فاق فيه أهل زمانه، وأخذ عن زلزل المغني وغيره. وفيها توفي عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن، أبو محمد الأودي، مولده سنة خمس عشرة ومائة، وقيل: سنة عشرين ومائة، وتوفي بالكوفة في عشر ذي الحجة. وكان ثقة إماماً زاهداً ورعاً حجة كثير الحديث صاحب سنة وجماعة، كان لا يستقضى أحداً يسمع عليه الحديث حاجة. وفيها توفي علي بن ظبيان أبو الحسن العبسي الكوفي، كان إماماً عالماً جليلاً نبيلاً متواضعاً زاهداً عارفا
стр. 523
بالفقه على مذهب أبي حنيفة ﵁، تقلد قضاء القضاة عن الرشيد. وفيها «١» توفي الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي في حبس الرشيد، كان قد حبسه الرشيد هو وأباه بعد قتل أخيه جعفر، فحبسا إلى أن مات أبوه يحيى، ثم مات الفضل هذا بعده وكلاهما في حبس الرشيد. وكان الفضل هذا متكبراً جداً عسر الخلق إلا أنه كان أجود من أخيه جعفر وأندى راحة؛ ومولده في ذي الحجة سنة سبع وأربعين ومائة، وكان أسن من هارون الرشيد بنحو شهر، لأن مولد الرشيد في أول يوم من المحرم سنة ثمان وأربعين ومائة، فأرضعت الخيزران أم الرشيد الفضل وأرضعت أم الفضل الرشيد أياماً، وأم الفضل هي زبيدة بنت منير بن يزيد من مولدات المدينة. ولما مات الفضل حزن الناس عليه وعلى أبيه وأخيه جعفر من قبله، وفيه يقول بعضهم:
يا بني برمك واهاً لكم ... ولأيامكم المقتبله
كانت الدنيا عروساً بكم ... وهي اليوم ملول أرمله
وفيها توفي القاضي أبو يعقوب يوسف بن القاضي أبي يوسف يعقوب صاحب أبي حنيفة، كان ولي القضاء في حياة أبيه وكان إماماً عالماً.
الذين ذكر الذهبي وفاتهم، قال: وفيها توفي صعصعة بن سلام خطيب قرطبة، وعبد الله بن إدريس الأودي، ويحيى بن كريب الرعيني المصري، ويوسف ابن القاضي أبي يوسف، وعرعرة بن البرند «٢» السامي البصري.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربعة أذرع وعشرون إصبعاً، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا.
стр. 524
ذكر ولاية الحسن بن البحباح «١» على مصر
هو الحسن بن البحباح أمير مصر، وليها بعد عزل مالك بن دلهم عنها في صفر سنة ثلاث وتسعين ومائة. ولما ولاه الرشيد على إمرة مصر جمع له بين الصلاة والخراج، فأرسل الحسن هذا يستخلف على صلاة مصر العلاء بن عاصم الخولاني حتى قدم مصر يوم الاثنين لثلاث خلون من شهر ربيع الأوّل من السنة، وسكن المعسكر، وجعل على شرطته محمد بن خالد «٢» مدة، ثم عزله بصالح بن عبد الكريم ثم عزل صالح المذكور بسليمان بن غالب بن جبريل، واستمر الحسن هذا على إمرة مصر إلى أن توفي الخليفة هارون الرشيد في جمادى الآخرة من السنة وولي الخلافة ابنه الأمين محمد بن زبيدة، فثار جند مصر على الحسن هذا وقاتلوه، فقتل من «٣» الفريقين مقتلة عظيمة حتى سكن الأمر، وجمع مال الخراج بمصر وأرسله إلى الخليفة.
فوثب أهل الرملة «٤» على أصحاب المال وأخذوا المال منهم. وبينما الحسن في ذلك ورد عليه الخبر بعزله عن مصر بحاتم بن هرثمة، فخرج من مصر بعد أن استخلف عوف ابن وهيب «٥» على الصلاة، ومحمد بن زياد على الخراج، وسافر من طريق الحجاز لفساد طريق الشأم. وكان خروجه من مصر لثمان بقين من شهر ربيع الأول سنة أربع وتسعين ومائة. فكانت ولايته على مصر سنة واحدة وشهرا وثمانية وعشرين يوما.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ١٩٣]
السنة التي حكم فيها الحسن بن البحباح على مصر وهي سنة ثلاث وتسعين ومائة- فيها وافى الرشيد جرجان، فأتته بها خزائن علي بن عيسى على ألف
стр. 525
وخمسمائة بعير، ثم رحل الرشيد منها في صفر وهو عليل إلى طوس فلم يزل بها إلى أن مات في ثالث جمادى الآخرة. وفيها كانت وقعة بين هرثمة وأصحاب رافع بن الليث فانتصر هرثمة وأسر أخا رافع وملك بخارا وقدم بأخي رافع إلى الرشيد فسبه ودعا بقصاب وقال: فصل أعضاءه، ففصله. وذكر بعضهم أن جبريل بن بختيشوع الحكيم غلط في مداواة الرشيد في علته التي مات فيها فهم الرشيد بأن يفصله كما فعل بأخي رافع ودعا به؛ فقال جبريل: أنظرني إلى غد يا أمير المؤمنين فإنك تصبح في عافية فأنظره فمات الرشيد في ذلك اليوم. وفيها قتل نقفور ملك الروم في حرب برجان «١» ، وكان له في المملكة تسع «٢» سنين، وملك بعده ابنه استبراق شهرين وهلك فملك ميخائيل بن جورجس زوج أخته. وفيها توفي الخليفة أمير المؤمنين أبو جعفر هارون الرشيد بن الخليفة محمد المهدىّ بن الخليفة أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، العباسي الهاشمي البغدادي وهو الخامس من خلفاء بني العباس وأجلهم وأعظمهم، نال في الخلافة ما لم ينله خليفة قبله، استخلف بعهد من أبيه المهدي بعد وفاة أخيه موسى الهادي، فإن أباه المهدي كان جعله ولي عهده بعد أخيه الهادي، فلما مات الهادي حسبما تقدم ذكره ولي الرشيد بالعهد السابق من أبيه، وذلك في سنة سبعين ومائة، ومولده بالري لما كان أبوه أميراً عليها في أول يوم من محرم سنة ثمان وأربعين ومائة، ومات في ثالث جمادى الآخرة بطوس، وصلى عليه ابنه صالح ودفن بطوس؛ وأمه أم ولد تسمى الخيزران وهي أم أخيه الهادي أيضاً.
стр. 526
قال عبد الرزاق بن همام: كنت مع الفضيل بن عياض بمكة فمر هارون الرشيد، فقال الفضيل: الناس يكرهون هذا وما في الأرض أعز علي منه، لو مات لرأيت أموراً عظاماً. وقال الجاحظ: اجتمع للرشيد ما لم يجتمع لغيره: وزراؤه البرامكة، وقاضيه أبو يوسف، وشاعره مروان بن أبي حفصة، ونديمه العباس بن محمد عم أبيه، وحاجبه الفضل بن الربيع أتيه الناس وأعظمهم، ومغنيه إبراهيم الموصلىّ، وزوجته زبيدة بنت عمه جعفر اهـ. وكانت خلافته ثلاثاً وعشرين سنة وشهرين ونصفاً، وتولى الخلافة من بعده ابنه محمد الأمين بن زبيدة. ومات الرشيد وله خمس وأربعون سنة. وفيها نوفّى صالح [بن عمرو «١» ] بن محمد بن حبيب بن حسان، الحافظ أبو علي البغدادي مولى أسد بن خزيمة المعروف بجزرة (بجيم وزاي معجمة وراء مهملة) ، لقب بجزرة لأنه قرأ على بعض مشايخ الشأم: «كان لأبي أمامة جزرة يرقي بها المرضى» ، فصحف خرزة جزرة فسمي بذلك «٢» ؛ وكان إماماً عالماً حافظاً ثقة صدوقاً. وفيها توفي غندر «٣» واسمه محمد أبو عبد الله البصري الحافظ، سمع الكثير وروى عنه خلائق، وكان فيه سلامة باطن. قال ابن معين: اشترى غندر سمكاً وقال لأهله: أصلحوه، فأصلحوه وهو نائم وأكلوا ولطخوا يده وفمه؛ فلما انتبه قال: قدموا السمك، فقالوا: قد أكلت، فقال: لا، قالوا: فشم يدك، ففعل فقال: صدقتم، ولكني ما شبعت.
стр. 527
الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي إسماعيل «١» بن علية أبو بشر البصري، والعباس بن الأحنف الشاعر المشهور، والعباس بن الحسن العلوي، والعباس بن الفضل بن الربيع الحاجب، وعبد الله بن كليب المرادىّ بمصر، وعون بن عبد الله المسعودي، ومحمد بن جعفر البصري، ومروان بن معاوية الفزاري نزيل دمشق، وأبو بكر بن عيّاش المقرئ بالكوفة.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع وعشرون إصبعاً، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا.
ذكر ولاية حاتم بن هرثمة على مصر
هو حاتم بن هرثمة بن أعين أمير مصر، وليها بعد عزل الحسن بن البحباح عنها، ولاه الخليفة الأمين محمد على إمرة مصر وجمع له الصلاة والخراج؛ وسار من بغداد حتى قدم بلبيس في عساكره ونزل بها، وطلب أهل الأحواف فجاءوه وصالحوه على خراجهم، ثم انتقض ذلك وثاروا عليه واجتمعوا على قتاله وعسكروا؛ فبعث إليهم حاتم المذكور جيشاً فقاتلوهم وكسروهم ثم سار حاتم من بلبيس حتى دخل مصر يوم الأربعاء لأربع خلون من شوال سنة أربع وتسعين ومائة ومعه نحو مائة من الرهائن من أهل الحوف.
وسكن حاتم المعسكر على عادة أمراء مصر وجعل على شرطه ابنه، ثم عزله بعلي بن المثنى، ثم عزل علياً أيضاً بعبيد الله الطرسوسي. واستمر على إمرة مصر ومهد أمورها وابتنى بها القبّة المعروفة بقبّة الهواء. ودام على ذلك حتى ورد عليه الخبر من الخليفة
стр. 528
الأمين محمد بعزله عن إمرة مصر في جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين ومائة.
وتولى مصر بعده جابر بن الأشعث. فكانت ولاية حاتم هذا على إمرة مصر سنة واحدة ونصف سنة تنقص أياما.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ١٩٤]
السنة التى حكم فيها حاتم بن هرثمة على مصر وهي سنة أربع وتسعين ومائة- فيها أمر الخليفة الأمين بالدعاء لابنه موسى على المنابر بعد ذكر المأمون والقاسم، فتنكر كل واحد من الأمين والمأمون لصاحبه وظهر الفساد بينهما وهذا أول الشر والفتنة بين الأخوين. ثم أرسل الأمين في أثناء السنة إلى المأمون يسأله أن يقدم ولد الأمين موسى المذكور على نفسه ويذكر له أنه سماه الناطق بالحق؛ فقويت الوحشة بينهما أكثر، ووقع أمور يأتي ذكر بعضها. ثم عزل الأمين أخاه القاسم عن الثغور والعواصم وولى عوضه خزيمة بن خازم، واستدعى القاسم إلى بغداد وأمره بالمقام عنده. وفيها ثار أهل حمص بعاملهم إسحاق بن سليمان فنزح إلى سلمية «١» فولى عليهم الأمين عبد الله بن سعيد الحرشي؛ فحبس عدة من وجوههم، وقتل عدّة وضرب النار في نواحي حمص؛ فسألوه الأمان فأمّنهم فسكنوا ثم هاجوا فقتل طائفة منهم. وفيها في شهر ربيع الأول بايع الأمين بولاية العهد لابنه موسى ولقبه بالناطق بالحق، وجعل وزيره علي بن عيسى بن ماهان. وكان المأمون لما بلغه عزل القاسم عن الثغور قطع البريد «٢» عن الأمين وأسقطه اسمه من
стр. 529
الطرز والسكة «١» . وفيها وثب الروم على ملكهم ميخائيل فهرب وترهب، وكان ملك سنتين، فملكوا عليهم ليون القائد. وفيها توفي حفص بن غياث بن طلق أبو «٢» عمر النخعي الكوفي قاضي بغداد بالوجه الشرقي، ولي القضاء مدة طويلة وحسنت سيرته إلى أن مات قاضياً في ذي الحجة، وكان ثقة ثبتاً مأموناً إلا أنه كان يدلس.
وفيها توفي أبو نصر الجهني المصاب من أهل المدينة. قال محمد بن إسماعيل بن أبي فديك: كان يجلس مكان أهل الصفة من مجلس رسول الله ﷺ ولا يكلم أحداً، فإذا سئل عن شيء أجاب بجواب حسن، ووقع له مع الرشيد أمور ودفع إليه أموالاً فلم يقبلها.
الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي سالم بن سالم البلخي العابد ضعيف، وسويد بن عبد العزيز قاضي بعلبك، وشقيق بن إبراهيم البلخي الزاهد، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وعبيد الله بن المهدي محمد بن المنصور، وأبو عبد الله محمد بن حرب الخولاني «٣» الأبرش، ومحمد بن سعيد بن أبان الأموي الكوفي، ومحمد بن أبي عدي، ويحيى بن سعيد بن أبان الأموي، والقاسم بن يزيد الجرمي «٤» .
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمسة أذرع سواء، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعاً وخمسة عشر إصبعاً.
стр. 530
*** [ما وقع من الحوادث سنة ١٩٥]
السنة الثانية من ولاية حاتم بن هرثمة على مصر وهي سنة خمس وتسعين ومائة، وهي التي عزل فيها حاتم بن هرثمة المذكور- فيها لما تحقق المأمون خلعه من ولاية العهد تسمى بإمام المؤمنين. وفيها قال بعض الشعراء فيما جرى من ولاية العهد لموسى بن الأمين وهو طفل، وكان ذلك برأى الفضل وبكر بن المعتمر:
أضاع الخلافة غش الوزير ... وفسق الأمير وجهل المشير
ففضل وزير وبكر مشير ... يريدان ما فيه حتف الأمير
في أبيات كثيرة. وفيها فى شهر ربيع الآخر عقد الأمين لعلي بن عيسى بن ماهان على بلاد الجبال: همذان ونهاوند وقم وأصبهان، وأمر له بمائتي ألف دينار وأعطى لجنده مالاً عظيماً. وخرج علي بن عيسى المذكور في نصف جمادى الآخرة من بغداد، وأخذ معه قيد فضة ليقيد به المأمون. ووقع لعلي هذا مع جيش المأمون أمور يطول شرحها. وفيها ظهر السفياني «١» بدمشق وبويع بالخلافة، واسمه علي بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، في ذي الحجة؛ وكنيته «٢» أبو الحسن، وطرد عامل الأمين عن دمشق، وهو سليمان بن أبي جعفر بعد أن حصره السفياني بدمشق مدة ثم أفلت منه. وخالد بن يزيد جدّ السفياني هذا هو الذي وضع حديث السفياني في الأصل، فإنه ليس بحديث، غير أن خالداً لما سمع حديث المهدي من أولاد علي في آخر الزمان أحب أن يكون من بني سفيان من يظهر
следующие страницы →