Полный текст (6 264 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.
стр. 5881
لما كان أميرا، ولم يكن تغرى بردى هذا مشكور السّيرة في ولايته- عفا الله تعالى عنا وعنه.
وتوفّى الأمير سونجبغا اليونسى الناصرى ببلاد الصعيد في وقعته مع تغرى بردى القلاوى في يوم واحد حسبما تقدم ذكره، وسنه زيادة على الستين، وهو أخو أرنبغا المقدم ذكره، غير أن أرنبغا كان مشهورا بالشجاعة والإقدام، وسونجبغا هذا لا شجاعة ولا كرما.
وتوفّى الشيخ عز الدين محمد الكتبى «١» ، المعروف بالعز التّكرورى، فى يوم الأربعاء سابع عشر بن جمادى الأولى، وكان معدودا من بياض الناس، له حانوت يبيع فيه الكتب بسوق الكتبيين، وكانت له فضيلة بحسب الحال.
وتوفّى الأمير سيف الدين دولات باى المحمودى المؤيدى الدوادار كان، وهو أحد مقدّمى الألوف في يوم السبت أوّل جمادى الآخرة، ودفن بالصحراء خارج القاهرة من يومه، وسنه أزيد عن خمسين سنة، وكان چاركسى الجنس جلبه خواجا محمد إلى الإسكندرية، فاشتراه منه نائبها الأمير آقبردى المنقار، وبلغ الملك المؤيّد شيخا ذلك، فبعث طلبه منه، فأرسله إليه، فأعتقه المؤيد- أن كان آقبردى ما كان أعتقه- وجعله خاصكيا ثم ساقيا في أواخر دولته، فلما تسلطن الملك الأشرف برسباى عزله عن السّقاية، ودام خاصكيا دهرا طويلا، إلى أن صحب الأمير جانم الأشرفى قريب الملك الأشرف برسباى، ثم صاهره فتحرك سعده بصهارة جانم المذكور، ولا زال جانم به إلى أن نفعه بأن توجّه بتقليد نائب صفد وخلعته بعد أن كان خلص له إمرة عشرة من الملك الأشرف، مع بغض الأشرف في دولات باى هذا، فلما أمسك جانم مع من أمسك من أمراء الأشرفية لم ينفعه دولات باى المذكور بكلمة واحدة، هذا إن لم يكن حط عليه فى الباطن، ولا أستبعد أنا ذلك لقرائن دلّت على ذلك.
стр. 5882
ولما تسلطن الملك الظاهر جقمق استقر بدولات باى هذا أمير آخور ثانيا، بعد مسك الأمير نخشباى الأشرفى وحبسه. ثم نقل [دولات باى] «١» بعد أيام إلى الدوادارية الثانية، بعد الأمير أسنبغا الطّيّارى، بحكم انتقاله إلى إمرة مائة وتقدمة ألف، كلّ ذلك فى سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة.
فباشر [دولات باى] «٢» الدّواداريّة بحرمة وافرة، ونالته السعادة، وأثرى وجمع الأموال الكثيرة، وعمّر الأملاك الهائلة، إلى أن أنعم عليه السلطان بإمرة مائة وتقدمة ألف في صفر سنة ثلاث وخمسين، بعد موت الأمير تمراز القرمشى الظاهرى، فلم تطل أيامه في التقدمة.
وولى [دولات باى] «٣» الدّواداريّة الكبرى- بمال بذله، نحو العشرة آلاف دينار- عوضا عن قانى باى الچركسى، بحكم انتقاله إلى الأمير آخورية الكبرى، بعد موت الأمير قراخجا الحسنى.
ولما ولى الدّواداريّة الكبرى خمدت ريحه، وانحطت حرمته، بالنسبة إلى ما كانت عليه أيام دواداريّته الثانية، والسببية واضحة؛ وهى أنه كان أوّلا مطلوبا، والآن صار طالبا.
ثم سافر [دولات باى] «٤» أمير حاج المحمل بعد مدّة، وكان وليها مرّة أولى في سنة تسع «٥» وأربعين، فهذه المرّة الثانية في سنة ست وخمسين، وعاد في سنة سبع وخمسين، وقد خلع الملك الظاهر جقمق نفسه من الملك وسلطن ولده الملك المنصور عثمان، فأقام فى دولة المنصور دوادارا على حاله، وقد خاف من صفير الصافر، فلم يكن بعد أيام إلا وقبض عليه في يوم الخميس ثانى عشر صفر من السنة المذكورة، وحمل إلى الإسكندرية، فحبس بها شهرا وأياما، وأطلقه الملك الأشرف إينال، وأحضره إلى القاهرة، ثم أنعم عليه بعد مدة بإقطاع الأمير أرنبغا اليونسى، فلم تطل أيّامه إلا نحو الشهر، ومرض ومات في التاريخ المقدّم ذكره.
стр. 5883
ولقد قال لى بعض الحذّاق إن سبب موته إنما كانت طربة «١» يوم أمسك، ودامت الطّربة إلى أن قتلته. قلت: وأنا لا أستبعد هذا، لما كان عنده من الجبن والحذر، وعدم الإقدام، على أنه كان مليح الشكل، متجملا في ملبسه ومركبه، وقورا في الدول، إلا أنه لم يشهر بشجاعة ولا كرم في عمره.
وتوفّى الأمير سيف الدين قانصوه بن عبد الله النّوروزى أحد أمراء دمشق بها في أواخر جمادى الأولى، وله من العمر نحو الستين سنة تخمينا، وكان أصله من مماليك الأمير نوروز الحافظىّ نائب الشّام، وصار خاصّكيّا بعد موته في الدولة المؤيّديّة شيخ، ثم تأمّر عشرة بعد موت المؤيّد، ثم صار أمير طبلخاناه في دولة الظاهر ططر، ودام على ذلك سنينا كثيرة إلى أن أخرجه الملك الأشرف برسباى إلى نيابة طرسوس، ثم نقله إلى حجوبية حلب، ثم تقدمة ألف بدمشق، ثم خرج على الملك الظاهر جقمق، ووافق الأمير إينال الجكمى على العصيان، فلما كسر الجكمى اختفى قانصوه مدة، ثم ظهر وتنقّل أيضا في عدة أماكن، وهو في جميع ما يتحرّك فيه مخمول الحركات إلى أن مات، وكان مليح الشكل، وعنده شجاعة ومعرفة برمى النشّاب، إلا أنه كان خاملا، ما أظنه ملك في عمره ألف دينار، ولولا الحياء لقلت ولا سلّاريّا ثانيا، وفي هذا كفاية.
وتوفّى الأمير سيف الدين قشتم بن عبد الله المحمودى الناصرى نائب البحيرة قتيلا في واقعة كانت بينه وبين العربان الخارجة عن الطاعة في أواخر شهر رجب، وقد ناهز الستين من العمر، وكان أميرا جليلا عاقلا حشما وقورا شجاعا مقداما كريما
стр. 5884
متواضعا مليح الشكل، وهو ممن جمع بين الشجاعة والكرم والتواضع- رحمه الله تعالى.
وتوفّى الأمير سيف الدين بيغوت بن عبد الله من صفر خجا المؤيّدى الأعرج نائب صفد بها في أواخر شعبان، وقد جاوز الستين، وكان أصله من مماليك المؤيّد شيخ في أيام إمرته، وصار خاصّكيّا بعد موته، إلى أن نفاه الملك الأشرف برسباى إلى الشام، ثم أنعم عليه بإمرة طبلخاناه بدمشق، ثم ولى نيابة حمص في أوائل دولة الملك الظاهر جقمق مدّة، ثم نقل إلى نيابة صفد دفعة واحدة، بعد الأمير قانى باى الأبوبكرى الناصرى البهلوان، بحكم توجهه إلى نيابة حماة، ثم نقل بيغوت هذا إلى نيابة حماة، ووقع له مع أهل حماة أمور وشكاو آلت إلى تسحّبه من حماة وتوجّهه إلى ديار بكر، بعد أن أمسك ولده إبراهيم بالقاهرة وحبس، ووقع له أيضا بديار بكر أمور ومحن، وأمسك وحبس بقلعة الرّها، ثم أطلق وعاد طائعا إلى السلطان الملك الظاهر جقمق، وقدم القاهرة، ثم عاد إلى دمشق بطالا، إلى أن أنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بها، بعد موت الأمير بردبك العجمى الجكمى، فدام على ذلك إلى أن نقله الظاهر إلى نيابة صفد ثانيا، بعد موت يشبك الحمزاوى، فدام بصفد إلى أن مات- ﵀ فى التاريخ المقدّم ذكره، وكان رجلا ديّنا مشهورا بالشجاعة والإقدام، وقورا في الدّول، وتولّى نيابة صفد بعده إياس المحمدى الناصرى الطويل.
وتوفّى الشيخ المعتقد الصالح درويش- وقيل محمد، وقيل غيبى- الرومى، بظاهر خانقاه سرياقوس، فى يوم الاثنين ثالث ذى القعدة، ودفن شرقى الخانقاه المذكورة، وكان أصله من آقصراى «١» ، وكان مليح الشكل، منوّر الشّيبة، لا يدّخر شيئا،
стр. 5885
وحجّ غير مرة من غير زاد ولا راحلة، وهو أحد من أدركناه من الفقهاء الصلحاء- رحمه الله تعالى.
وتوفّى الأمير سيف الدين حطط بن عبد الله الناصرى أتابك طرابلس بها فى أوائل ذى الحجة، وكان ولى نيابة قلعة حلب، ثم نيابة غزّة، كل ذلك بالبذل، فإنه كان لا للسيف ولا للضيف.
وتوفّى الأمير سيف الدين على باى بن طراباى العجمى «١» المؤيّدى أتابك حلب بها في أواخر ذى الحجة، وهو في عشر الستين، وكان أصله من مماليك المؤيّد شيخ، وبقى خاصّكيّا أيام المؤيّد، ودام خاصّكيّا عدّة دول إلى أن أنعم عليه الملك الظاهر جقمق في أوائل دولته بإمرة عشرة، وجعله من جملة رءوس النوب، وصار له كلمة في الدولة، وتوجّه في الرّسليّة من السلطان إلى أصبهان بن قرايوسف صاحب بغداد، ثم بعد عوده إلى القاهرة بمدّة نفاه الملك الظاهر إلى حلب على إمرة مائة وتقدمة ألف، ثم نقل إلى أتابكيّة حلب بعد سودون الأبوبكريّ المؤيّدى لما ولى نيابة حماة، فدام على باى على ذلك إلى أن توفّى، وكان مليح الشكل، فصيح العبارة، عارفا بأنواع الفروسية، كريما جوادا إلا أنه كان مجازفا كذوبا مسرفا على نفسه- عفا الله عنه.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم- أعنى القاعدة- ثمانية أذرع وخمسة أصابع- مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا واثنان وعشرون إصبعا.
стр. 5886
[ما وقع من الحوادث سنة ٨٥٨]
السنة الثانية من سلطنة الملك الأشرف إينال على مصر وهى سنة ثمان وخمسين وثمانمائة
فيها توفّى الأمير سيف الدين يلبغا بن عبد الله الچاركسى، أحد أمراء الطبلخانات- بطّالا- بعد مرض طويل في يوم السبت رابع شهر ربيع الآخر، وكان تركى الجنس أصله من مماليك چاركس القاسمى المصارع، ثم صار بعد موت أستاذه خاصكيّا، ودام على ذلك سنين «١» طويلة لا يلتفت إليه في الدولة، وقد شاخ وصار يخضب لحيته بالسواد، إلى أن تحرّك سعده وسعد خچداشه قانى باى الچاركسى بسلطنة الملك الظاهر جقمق، فإنه كان أخا چاركس أستاذ هؤلاء المخاميل.
فلما تسلطن جقمق أمّر يلبغا هذا إمرة عشرة، وجعله رأس نوبة لولده المقام الناصرى محمد.
ثم ولّاه نيابة دمياط، ثم عزله وجعله أمير طبلخاناه، فدام على ذلك إلى أن أخرج الملك الأشرف إينال إقطاعه- فنعم ما فعل- فاستمرّ بطّالا إلى أن مات كما تقدّم ذكره، وكان من مساوئ الدهر- رحمه الله تعالى.
وتوفّى القاضى ناصر الدين محمد ابن قاضى القضاة فخر الدين أحمد بن عبد الله الشهير بابن المخلّطة «٢» ، أحد أعيان فقهاء المالكية ونوّاب الحكم، وناظر البيمارستان المنصورى «٣» ، فى يوم الأحد تاسع عشرين شهر ربيع الآخر، وكان
стр. 5887
فقيها عالما بمذهبه، عارفا بصناعة القضاء والشروط والأحكام، ناب في الحكم من سنة سبع عشرة وثمانمائة إلى أن مات، وحمدت سيرته- رحمه الله تعالى.
وتوفى المقام الغرسى خليل ابن السلطان الملك الناصر فرج ابن السلطان الملك الظاهر برقوق بن الأمير آنص الچاركسى الأصل، بثغر دمياط في يوم الثلاثاء ثانى عشر جمادى الأولى، ومولده بقلعة الجبل في سنة أربع عشرة وثمانمائة، وأمه أم ولد تسمى «لا أفلح من ظلم» مولّدة، وبقى بقلعة الجبل إلى أن أخرجه الملك المؤيد شيخ مع أخيه محمد ابن الناصر فرج إلى الإسكندرية فحبسا بها إلى أن سألت عمتهما خوند زينب بنت الملك الظاهر برقوق زوجها الملك المؤيد شيخا في إحضارهما من الإسكندرية إلى قلعة الجبل لتختهما فحضرا إلى الديار المصرية، وختنا بقلعة الجبل، ثم أعيدا إلى الإسكندرية، وداما بها بسجنها إلى أن مات أخوه محمد في طاعون سنة ثلاث وثلاثين، فأخرج خليل هذا من السجن، ورسم له بأن يسكن حيث شاء بثغر الإسكندرية، وأن يركب لصلاة الجمعة لا غير، فبقى على ذلك إلى أن رسم له الملك الظاهر جقمق- بعد أن تأهل بكريمتى- أن يركب إلى جهة باب البحر «١» ، ويسير.
ثم أذن له بعد ذلك بالحج، وقدم القاهرة في شوال سنة ست وخمسين، وحج فى موسم السنة المذكورة.
ثم عاد وقد خلع الملك الظاهر نفسه، وتسلطن ولده الملك المنصور عثمان، فرسم له المنصور في يوم دخوله من الحج بالتوجه إلى الإسكندرية، فطلب هو دمياط، فرسم له بها.
وخرج إليها من يومه قبل أن يحل عن أحماله، فلم تطل مدّته بثغر دمياط ومات في التاريخ المذكور، ودفن بدمياط أيّاما، ثم نقل إلى بولاق.
стр. 5888
ثم نقل إلى القاهرة، ودفن عند جدّه الملك الظاهر برقوق بالصحراء، وكان فى نفسه أمور توفاه الله قبل أن ينالها، وأنا أعرف بحاله من غيرى، غير أننى لا أشكر ولا أذم، وفي هذا كفاية.
وتوفّى القاضى شمس الدين محمد بن عامر قاضى قضاة المالكية بصفد، فى أوائل جمادى الآخرة، وكان معدودا من فقهاء المالكية، وناب في الحكم بالقاهرة سنين كثيرة، وولى قضاء الإسكندرية غير مرة- رحمه الله تعالى
وتوفّى الشريف معز [بن هجار بن وبير] «١» أمير ألينبع في أواخر جمادى الآخرة وتوفى بعده ابن أخيه مقبل
وتوفّى الأمير جانبك بن عبد الله الزّينى عبد الباسط «٢» بالقاهرة في يوم الأربعاء لعشر بقين من شهر رجب، وكان من مماليك الزّينى عبد الباسط «٣» بن خليل، وولى الأستادارية فى أيام أستاذه»
حسّا، ومعناه أستاذه، ولولا أنه في الجملة ولى الأستادارية لما ذكرناه في هذا المحل.
وتوفّى قاضى القضاة الحنابلة بحلب، مجد الدين سالم بن سلامة الحنبلى «٥» خنقا بقلعة حلب بالشرع في الظاهر، لكونه قتل رجلا بيده ممن اتهم بالزندقة، والفتل من قبل الحكم- رحمه الله تعالى.
وتوفّى الأمير سليمان بن ناصر الدين بك بن دلغادر نائب ابلستين «٦» بها في باكر يوم الأربعاء ثالث شهر رمضان، وتولى أبلستين بعده ابنه ملك أصلان.
وتوفّى الأمير سودون بن عبد الله الجكمى، أحد أمراء العشرات، بطّالا بالقاهرة
стр. 5889
فى يوم السبت رابع ذى القعدة، وهو أخو إينال الجكمى نائب الشام، «١» وهو الأصغر، وبسببه تخومل حتى مات، وكان من أعيان الدّولة، وممّن له ذكر وسمعة- رحمه الله تعالى.
وتوفّى قاضى القضاة الحنفية بدمشق قوام الدين محمد الدمشقى المولد والوفاة، الحنفى المذهب، بدمشق في ثامن ذى القعدة، ومولده في ثامن ذى القعدة، ومولده في ثامن ذى القعدة سنة ثمانمائة، وكان فقيها فاضلا ديّنا خيّرا مشكور السيرة، وهو من القضاة الذين ولوا من غير بذل، ومات غير قاض- ﵀.
وتوفّى المعلم ناصر الدين محمد الصغير القازانى، المعروف بمحمد الصغير، معلم رمى النشاب، فى ليلة الجمعة ثالث عشرين ذى الحجة، وقد زاد سنه على الثمانين، ومات ولم يخلف بعده مثله في حسن الرمى وتعليمه وعلومه، وهو أحد الأفراد الذين أدركناهم من أرباب الكمالات- رحمه الله تعالى.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبعة أذرع وخمسة عشر إصبعا، مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا وأحد عشر إصبعا «٢»
стр. 5890
[ما وقع من الحوادث سنة ٨٥٩]
السنة الثالثة من سلطنة الملك الأشرف إينال على مصر وهى سنة تسع وخمسين وثمانمائة.
فيها توفى الأمير سيف الدين مغلباى بن عبد الله الشهابى، أحد أمراء العشرات- بطالا بالقاهرة- فى ليلة الخميس عاشر المحرم، وكان أصله من مماليك الشهابى أحمد بن جمال الدين «١» الأستادار، ثم أعتقه الملك الناصر فرج، ثم صار خاصّكيّا في الدولة الأشرفية برسباى، ثم تأمر في دولة الملك الظاهر جقمق، وصار من حزب ولده الملك المنصور في الفتنة مع الأشرف إينال، فأخرج إينال إقطاعه بهذا المقتضى ودام بطّالا إلى أن مات، وكان عاقلا ساكنا لا بأس به- رحمه الله تعالى.
وتوفى الأمير سيف الدين جلبّان بن عبد الله الأمير آخور نائب الشام بها في يوم الثلاثاء سادس عشر صفر، وقد ناهز الثمانين من العمر تخمينا، وفي معتقه وجنسه أقوال كثيرة، أما معتقه فقيل إنه من عتقاء الأمير تنبك الأمير آخور الظاهرى، وقيل سودون طاز، وقيل إينال حطب، وأما جنسه فالمشهور أنه چاركسى الجنس، وقيل غير ذلك، ثم خدم جلبّان المذكور عند الأمير چاركس القاسمى المصارع، ثم عند الوالد «٢» ، ثم عند الملك المؤيّد شيخ أيام إمرته، فلما تسلطن المؤيد جعله أمير آخور ثالثا، ثم أنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بالدّيار المصريّة، ثم خرج إلى البلاد الشّاميّة مجرّدا إليها مع من خرج من الأمراء، صحبة الأتابك ألطنبغا القرمشى، وقبض عليه مع من قبض عليه من الأمراء المؤيّدية، وحبس بالبلاد الشّامية إلى أن أطلقه الملك الأشرف برسباى، وجعله أمير مائة ومقدّم ألف بدمشق.
стр. 5891
ثم نقله إلى نيابة حماة بعد الأمير جارقطلوا بحكم انتقاله إلى نيابة حلب بعد الأمير تنبك البجاسى المنتقل إلى نيابة الشّام، بعد موت الأمير تنبك ميق العلائى، فى رجب سنة ست وثلاثين وثمانمائة، «١» ودام جلبّان على نيابة حماة سنين كثيرة إلى أن نقله الملك الأشرف برسباى إلى نيابة طرابلس بعد موت الأمير طرباى في شعبان سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة «٢» وتولّى بعده الأمير قانى باى الحمزاوى.
ثم نقله الملك الظاهر جقمق إلى نيابة حلب بعد عصيان الأمير تغرى برمش التركمانى في سلخ شهر رمضان سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة.
«٣» وتولى بعده طرابلس قانى باى الحمزاوى أيضا «٤» فلم تطل مدته بحلب، ونقل إلى نيابة دمشق بعد موت الأتابك آقبغا التّمرازى في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين، وتولى بعده حلب الأمير قانى باى الحمزاوى.
فدام في نيابة دمشق عدّة سنين إلى أن مات في التاريخ المذكور، وتولى بعده نيابة دمشق قانى باى الحمزاوى، وكانت مدة نيابته على دمشق خمس عشرة سنة، وهذا شىء لم يقع لغيره من نواب دمشق بعد الأمير تنكز الناصرى.
وفي ترجمته غريبة أخرى، وهى أنه لم ينتقل من نيابة إلى الأخرى في هذه المدة التي تزيد على ثلاثين سنة إلا ويستقر بعده قانى باى الحمزاوى ومع أن قانى باى الحمزاوى لم تطل مدته في الولايات، وحضر إلى الديار المصرية أميرا، وأقام بها سنين، ثم عاد إلى نيابة حلب بعد أن وليها غير واحد بعده، فلما تولّى قانى باى الحمزاوى حلب ثانيا مات جلبّان هذا بعد مدّة، فنقل قانى باى إلى نيابة دمشق بعده على العادة. فهذا اتفاق غريب لعله لم يقع لغيرهما في هذه السنين الطويلة والولايات الكثيرة، وكان جلبّان المذكور من أجلّ الملوك، طالت أيامه في السعادة، وتنقل في ولايات جليلة، إلى أن مات- رحمه الله تعالى.
وتوفّى الصاحب أمين الدين إبراهيم ابن الرئس مجد الدين عبد الغنى بن الهيصم- بطّالا- فى ليلة الخميس مستهل شهر ربيع الآخر، وقد قارب الستين من العمر، وكان معدودا من
стр. 5892
رؤساء الدّيار المصرية، من بيت رئاسة وكتابة، وجدّهم الهيصم ينسب إلى المقوقس صاحب مصر، وقد ولى الصاحب أمين الدين هذا الوزر غير مرة، وحج وتفقّه على مذهب الحنفية، وكان محبا للفقراء وأهل الخير محبة زائدة، وكان مشهورا بالصلاح، وكان يتجنّب النصارى، ولا يتزوج إلا من المسلمات، وبالجملة فإنه نادرة في أبناء جنسه، وله محاسن كثيرة- رحمه الله تعالى.
وتوفى الأمير يشبك بن عبد الله الناصرى أحد أمراء الطّبلخانات ورأس نوبة ثان، فى يوم الأحد ثامن عشر صفر، وقد ناهز السبعين، وكان من مماليك الناصر فرج، وخدم فى أبواب الأمراء بعد موت أستاذه، وانحط قدره إلى أن عاد إلى خدمة السلطان بعد موت الملك المؤيّد شيخ، وصار خاصّكيّا إلى أن تأمر عشرة في أوائل سلطنة الملك الظاهر جقمق، وصار من جملة رءوس النّوب، ودام على ذلك إلى أن نقله الملك المنصور عثمان إلى إمرة طبلخاناه بعد انتقال جانبك القرمانى إلى طبلخاناه الأمير يونس الأقبائى المشد بحكم انتقال يونس إلى تقدمة ألف.
ثم صار في دولة الملك الأشرف إينال ثانى رأس نوبة النّوب، فدام على ذلك إلى أن مات في التاريخ المقدم ذكره، وكان يشبك المذكور من مساوئ الدهر، لا دنيا ولا دينا، ولا ذاتا ولا أدوات- عفا الله عنا وعنه.
وتوفى الأمير سيف الدين خير بك بن عبد الله المؤيدى الأجرود، أحد مقدمى الألوف بالديار المصرية في يوم الاثنين تاسع عشرين شهر ربيع الآخر، وهو فى حدود الستين، وحضر المقام الشهابى أحمد بن السلطان الصلاة عليه بمصلاة المؤمنى، وكان أصله من مماليك الملك المؤيّد شيخ، وترقى بعده حتى صار خاصّكيّا فى دولة الملك الأشرف برسباى.
ثم نفاه الأشرف إلى الشّام، وأنعم عليه بإمرة طبلخاناه، ثم صار أمير مائة ومقدّم ألف بدمشق، ثم صار أتابكا بها، ثم أمسك وحبس إلى أن أطلقه الأشرف إينال، فقدم القاهرة.
стр. 5893
ثم صار أمير مائة ومقدّم ألف بها إلى أن مات، واستريح منه، لأنه كان أيضا من مقولة يشبك المقدّم ذكره، بل يزيده سوء الخلق والجنون.
وتوفّى شاعر العصر الشيخ شمس الدين محمد بن حسن بن على بن عثمان الشافعى الفقيه النّواجى «١» ، الشاعر المشهور في يوم الأربعاء سادس عشرين جمادى الأولى، ومولده بالقاهرة في سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، وأصله من نواج- قرية بالغربية، من عمل الوجه البحرى من القاهرة- ونشأ بالقاهرة، وقرأ واشتغل إلى أن مهر وبرع فى عدة علوم وفنون، وغلب عليه نظم القريض، حتى قال منه أحسنه، وأنشدنى كثيرا من شعره، ومما أنشدنى من لفظه لنفسه- رحمه الله تعالى قوله:
[الوافر]
طلبت وصاله، فدنا لحربى ... يهزّ من القوام اللّدن رمحا
وسلّ من اللواحظ مشرفيّا ... ليضرب، قلت: لا بالله صفحا
ومما أنشدنى لنفسه أيضا:
[الطويل]
خليلىّ: هذا ربع عزّة، فاسعيا ... إليه وإن سالت به أدمعى طوفان
فجفنى جفا طيب المنام وجفنها ... جفانى، فيالله من شرك الأجفان
وقد استوعبنا من لفظه وشعره قطعة جيدة في ترجمته في تاريخنا «المنهل الصافى والمستوفى بعد الوافى» ، وأيضا في تاريخنا «حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور» إذ هما محل الإطناب- انتهى.
وتوفّى الشيخ المعتقد المجذوب محمد المغربى «٢» فى صبيحة يوم الجمعة خامس جمادى الآخرة، ودفن من يومه قبل صلاة الجمعة بتربة السلطان الملك الأشرف إينال التي أنشأها
стр. 5894
بالصحراء، وكان يجلس داخل باب النصر على باب قاعة البغاددة تحت الساباط، تجاه الرّبع المعروف قديما بدار الجاولى، بالقرب من باب جامع الحاكم، وأقام بالموضع سنين كثيرة، لا يقوم منه صيفا ولا شتاء وهو جالس على مكان عال، وتحته حجارة، وتأتيه الناس بالمأكل والمشرب، ولهم فيه اعتقاد حسن، وكنت أزوره من بعد، خوفا مما كان حوله من النجاسة، وكانت جذبته مطبقة، والغريب أنه وجد له بعد موته فى المكان الذي كان يجلس عليه جملة كبيرة من الذهب والفضة، وهذا من الغريب العجيب، فإنه لم يكن في جذبته شكّ، فكيف يهتدى لجمع المال، وأنا أقول شيئا، وهو أن المغاربة في الغالب يميلون «١» لجمع المال، فلعله كان هو أيضا يميل لجمع المال بالطبع على قاعدة المغاربة، والله أعلم.
وتوفّى القاضى الرئيس صلاح الدين محمد المعروف بابن السابق الحموى الشافعى، كاتب سر حلب ثم دمشق، وبها مات بطّالا بعد مرض طويل في يوم الأحد ثامن عشرين جمادى الآخرة عن أربع وثمانين سنة، ومولده بحماة، وبها نشأ، وتنقل لعدّة وظائف سنية، وكان مشكور السيرة في ولايته مع الدين والتقوى والأدب والحشمة والرياسة- رحمه الله تعالى.
وتوفى القاضى محبّ الدين محمد ابن الشيخ الإمام زين الدين أبى بكر القمنى «٢» الشافعى، فى يوم الاثنين رابع عشر شهر رجب- ﵀.
وتوفيت خوند شاه زاده بنت الأمير أرخن بك بن محمد بك كرشجى بن عثمان ملك الروم، فلما كبرت تزوجت الملك الأشرف برسباى، ثم تزوجها بعده الملك الظاهر جقمق، ثم تزوجها بعده الأمير برسباى البجاسى، فماتت تحته- رحمها الله تعالى.
وتوفى السيد الشريف زين الدين أبو زهير بركات بن حسن بن عجلان بن رميئة ابن منجد بن أبى نمى محمد بن أبى سعيد حسن بن على بن أبى غرير قتادة بن إدريس ابن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى بن حسين بن سليمان بن على بن عبد الله بن محمد
стр. 5895
ابن موسى بن عبد الله المحض بن موسى بن الحسن بن على بن أبى طالب المكى الحسنى أمير مكّة في بطن مرّ خارج مكة، فى يوم الاثنين تاسع شعبان، وحمل إلى مكة فصلى عليه بالحرم، وطيف به على النعش أسبوعا على عادة أشراف مكة، ودفن بالمعلاة وولى إمرة مكة بعده ابنه الشريف محمد.
وكان مولد بركات بمكة سنة إحدى وثمانمائة، وأمّه أم كامل بنت النصيح من ذوى عمر، وولى إمرة مكة شريكا لأبيه وأخيه أحمد سنة عشر وثمانمائة، ثم استقل بإمرة مكة في سنة تسع وعشرين من قبل الملك الأشرف برسباى «١» ، فدام على إمرة مكة إلى أن عزله الملك الظاهر جقمق بأخيه على بن حسن في سنة خمس وأربعين.
وخرج بركات هذا إلى البر من جهة اليمن، ووقع له أمور ذكرناها في «الحوادث» ، ثم عزل على عن إمرة مكة بأخيه أبى القاسم بن حسن بن عجلان- كل ذلك وبركات مخرج- إلى أن قدم بركات الديار المصرية، وولّاه الملك الظاهر جقمق إمرة مكة على عادته.
وكان لقدومه القاهرة يوم مشهود، وأقام بالقاهرة مدة ثم عاد إلى مكة، فدام بها إلى أن مات في التاريخ المذكور، وكان رجلا عاقلا ساكنا شجاعا مشكور السيرة، أهلا للإمرة- إن لم يكن زيديا على عادة أشراف مكة- رحمه الله تعالى.
وتوفّى الأمير سيف الدين جانبك بن عبد الله الشمسى المؤيدى أحد أمراء دمشق، فى أواخر ذى القعدة أو أوائل ذى الحجة، وكان أصله من مماليك المؤيد شيخ، اشتراه قبل سلطنته وأعتقه، وصار بعد موت أستاذه من جملة أمراء طرابلس، ثم نقل إلى حجوبية حجاب حلب، ثم عزل، وصار من أمراء الطبلخانات بدمشق إلى أن مات.
وتوفّى الشيخ الإمام العالم العلامة محب الدين محمد ابن العلامة زادة- واسم زادة أحمد- بن أبى يزيد محمد السيرامى الحنفى المصرى سبط الأقصرائى المعروف بابن مولانا
стр. 5896
زادة، إمام السلطان، وشيخ المدرسة الأيتمشية بمكة المشرفة، في يوم الجمعة ثالث ذى الحجة، ومولده بالقاهرة في سنة إحدى وتسعين وسبعمائة- هكذا ذكر لى، وكتب بخطه.
قلت: ونشأ بالقاهرة، وقرأ القرآن الكريم وعدة مختصرات في فنون كثيرة، وتفقه بجماعة من علماء عصره، مثل الشيخ عز الدين بن جماعة وغيره، ذكرنا غالبهم في تاريخنا «الحوادث» وبرع في عدة علوم، وأفتى ودرّس، وتولى الوظائف الدينية، ثم ولى [وظيفة] «١» إمام السلطان الملك الأشرف برسباى، فدام على ذلك مدة سنين وأمّ بعدة ملوك إلى أن رغب هو عن ذلك وتركه، وقعد بداره ملازما الأشغال والاشتغال إلى أن قصد المجاورة في هذه السنة بمكة المشرفة، وكانت منيته بها بمرض البطن- رحمه الله تعالى- وهو ابن أخت العلامة فريد عصره أمين الدين الأقصرائى الحنفى.
وتوفّى الأمير سيف الدين آقبردى بن عبد الله الساقى الظاهرى نائب ملطية بها في يوم الخميس خامس عشرى ذى الحجة، وحمل من ملطية إلى حلب، ودفن بتربته التي عمّرها، ومات وله من العمر نحو ثلاثين سنة، وأصله من مماليك الملك الظاهر جقمق الصّغار، وصار ساقيا في أيّامه، ثم نائب قلعة حلب دفعة واحدة، فدام على ذلك إلى أن نقله الملك الأشرف إينال إلى أتابكيّة حلب في سنة ثمان وخمسين، ثم نقل إلى نيابة ملطية، فمات بها في التاريخ المقدم ذكره، وكان لا بأس به، ولم تطل أيّامه لتشكر أفعاله أو تذمّ- رحمه الله تعالى.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبعة أذرع وخمسة أصابع، مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا وأربعة عشر إصبعا.
стр. 5897
[ما وقع من الحوادث سنة ٨٦٠]
السنة الرابعة من سلطنة الملك الأشرف إينال العلائى على مصر وهى سنة ستين وثمانمائة:
فيها توفّى القاضى شهاب الدين أحمد المحلى «١» الشافعى قاضى الإسكندرية بقرية إدكو بالمزاحمتين في ليلة الثلاثاء ثالث عشر جمادى الآخرة، ودفن برشيد، وهو في عشر السبعين، وكان كثير المال قليل العلم- ﵀.
وتوفّى القاضى ظهير الدين محمد ابن قاضى القضاة أمين الدين عبد الوهاب ابن قاضى القضاة شمس الدين محمد بن أبى بكر الطرابلسى «٢» الحنفى أحد نوّاب الحكم بمصر- معزولا- بعد مرض طويل، فى يوم الجمعة سادس عشرين شعبان، ودفن من الغد، وكان مشكور السيرة في أحكامه، محبا لأصحابه- رحمه الله تعالى.
وتوفّى الأمير أسنباى بن عبد الله الجمالى الظاهرى الدّوادار الثانى كان، بطّالا بالقدس في شعبان، وسنّه دون الأربعين، وكان الملك الظاهر جقمق اشتراه في أيام سلطنته، وجعله خاصكيا، ثم سلاحدارا، «٣» ثم ساقيا «٤» ، ثم أمّره عشرة، ثم صار في الدولة المنصورية عثمان دوادارا ثانيا عوضا عن تمربغا الظاهرى، فلم تطل مدته غير أيام، ووقعت الفتنة بين المنصور وبين الأتابك إينال، وهرب أسنباى واختفى، ثم ظهر ورسم له بالتوجّه إلى القدس، فدام بالقدس بطالا إلى أن مات، وهو من مقولة آقبردى المقدّم ذكره- رحمه الله تعالى.
وتوفّى الأمير قانى باى بن عبد الله الناصرى الأعمش نائب قلعة الجبل بها في ليلة الخميس سابع عشرى ذى القعدة، وعمره زيادة على الستين، وكان أصله من مماليك
стр. 5898
الناصر فرج، وصار خاصّكيّا بعد موت المؤيّد شيخ، ثم تأمّر عشرة في دولة الملك الظاهر جقمق، وصار من جملة رءوس النوب، إلى أن ولّاه الملك الأشرف إينال نيابة القلعة بعد توجّه يونس العلائى الناصرى إلى نيابة الإسكندرية في شهر ربيع الأوّل سنة سبع وخمسين، فدام في نيابة القلعة إلى أن مات في التاريخ المذكور، وكان من المهملين المرزوقين.
وتوفّى الأمير سيف الدين جانبك بن عبد الله المحمودى المؤيّدى، أحد أمراء طرابلس بها في أواخر ذى القعدة وقد قارب الستين من العمر، وهو أخو قانى بك «١» المحمودى المؤيّدى، كان من عتقاء الملك المؤيّد شيخ، وصار خاصّكيّا في دولة المظفر أحمد أو في دولة الظاهر ططر، ثم تأمّر عشرة في أوائل دولة الملك الظاهر جقمق، وصار من جملة رءوس النوب، وبقى له كلمة في الدّولة، وزادت حرمته إلى أن كان منها زوال نعمته، وأمسك وحبس بقلعة الجبل، ثم أخرج أميرا بحلب، ثم حبس أيضا بحلب ثانيا مدّة، ثم أطلق وأعطى إمرة طبلخاناه بطرابلس، فدام بطرابلس إلى أن مات، وأحواله وأخلاقه مشهورة لا حاجة لنا في ذكر شىء من ذلك- عفا الله عنا وعنه.
وفي هذه السنة زالت دولة بنى رسول ملوك اليمن من اليمن بعد ما حكموا ممالك اليمن نحوا من مائتين وثلاثين سنة، وقد ذكرنا أسماء جميع ملوك اليمن منهم، من أولهم الملك المنصور أبى الفتح عمر بن على بن رسول إلى آخر من ملك منهم، وهو الملك المسعود، وقد ملك اليمن جميعه الآن شخص من العرب يسمى عبد الوهاب بن طاهر، واستوثق أمره بها.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبعة أذرع وستة عشر إصبعا، مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا.
стр. 5899
[ما وقع من الحوادث سنة ٨٦١]
السنة الخامسة من سلطنة الملك الأشرف إينال العلائى على مصر وهى سنة إحدى وستين وثمانمائة:
فيها توفّى الأمير سيف الدين جانم بن عبد الله المؤيّدى أحد أمراء العشرات ورأس نوبة في يوم الخميس رابع المحرم، وقد جاوز السبعين من العمر، وكان أصله من مماليك الملك المؤيّد شيخ قبل سلطنته، وصار رأس نوبة السقاة بعد موت أستاذه المؤيّد، ثم تأمّر عشرة في دولة الملك الأشرف إينال، ثم صار من جملة رءوس النوب، فدام على ذلك إلى أن مات، وكان هينا لينا حشما- رحمه الله تعالى.
وتوفّى الأمير سيف الدين جرباش بن عبد الله الكريمى الظاهرى أمير سلاح بطالا بداره بسويقة الصاحب داخل القاهرة في ليلة السبت ثالث عشر المحرم، وقد شاخ وكبر سنّه حتى عجز عن الحركة إلا بعسر، ودفن بتربته التي أنشأها بالصحراء، وكان يعرف بقاشق، وكان أصله من مماليك الظاهر برقوق، أعتقه قبل واقعة الناصرى ومنطاش في سلطنته الأولى، هكذا ذكر لى من لفظه.
ثم صار سلاحدارا في دولة الناصر فرج، ثم أمير عشرة ورأس نوبة، ثم صار أمير طبلخاناه في دولة الملك المؤيّد شيخ، ثم أمير مائة ومقدّم ألف، ثم صار في دولة الأشرف برسباى حاجب الحجاب بالديار المصرية، بعد انتقال الأمير جقمق العلائى إلى الأمير آخورية الكبرى، بعد توجه قصروه من تمراز إلى نيابة طرابلس، بعد عزل إينال النّوروزى وقدومه إلى القاهرة أمير مائة ومقدّم ألف، كل ذلك في سنة ست وعشرين وثمانمائة، ثم نقله الأشرف إلى إمرة مجلس في يوم الاثنين خامس عشر شوال سنة تسع وعشرين، عوضا عن الأمير إينال الجكمى، وقد انتقل الجكمى إلى إمرة سلاح بعد انتقال الأتابك يشبك الساقى الأعرج إلى أتابكية العساكر، بعد موت الأتابك قجق، واستقرّ الأمير قرقماس الشّعبانى حاجب الحجاب بعد موت جرباش هذا، ثم ولى جرباش هذا نيابة طرابلس، بعد انتقال قصروه إلى نيابة حلب،
стр. 5900
بعد عزل الأمير جارقطلو وقدومه إلى مصر أمير مائة ومقدّم ألف وأمير مجلس عوضا عن جرباش المذكور، فلم تطل مدة جرباش بطرابلس، وعزل عنها بالأمير طراباى الظاهرى، وقدم إلى القاهرة في سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة أمير مجلس على عادته أولا.
وقد انتقل جارقطلو عن إمرة مجلس إلى أتابكية العساكر بالديار المصرية، بعد موت الأتابك يشبك الساقى الأعرج، فلم تطل مدّة جرباش بالقاهرة، وقبض عليه، ونفى إلى ثعر دمياط بطّالا، فدام بالثغر دهرا طويلا إلى أن طلبه الملك الظاهر جقمق في أوائل سلطنته، وجعله أمير مجلس ثالث مرّة، عوضا عن الأمير يشبك السودونى المنتقل إلى إمرة سلاح، بعد انتقال الأمير آقبغا التمرازى إلى أتابكية العساكر بالديار المصرية بعد عصيان قرقماس الشّعبانى والقبض عليه وسجنه بالإسكندرية، وذلك في سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، فدام على إمرة مجلس إلى سنة ثلاث وخمسين، فنقل إلى إمرة سلاح بعد موت الأمير تمراز القرمشى «١» .
وتولّى بعده إمرة مجلس تنم من عبد الرزّاق المؤيدى المعزول عن نيابة حلب، فلم يزل على ذلك إلى أن أخرج الملك المنصور عثمان إقطاعه إلى الأمير قراجا الخازندار الظاهرى- ووظيفته إمرة سلاح- إلى الأمير تنم المقدم ذكره، فلزم جرباش من يوم ذلك داره إلى أن مات، وكان رحمه الله تعالى وقورا في الدول، طالت أيامه في السعادة، ودام أميرا أكثر من خمسين سنة، بما فيها من العطلة، وكان منهمكا في اللذات التي تهواها النفوس مع عدم شهرته بالشجاعة، وذلك خرج الملوك لطلب الراحة- انتهى.
وتوفّى الأمير سيف الدين يشبك بن عبد الله حاجب حجّاب طرابلس في يوم الأربعاء ثالث المحرم، وكان من مماليك الأمير قانى باى البهلوان، وسعى بعد موت
стр. 5901
أستاذه إلى أن ولى حجوبيّة طرابلس بالبذل، فلم تطل أيامه، ومات ولم تكن فيه أهلية لتشكر أفعاله أو تذمّ.
وتوفّى الأمير الطواشى الرومى زين الدين عبد اللطيف المنجكى ثم العثمانى، مقدّم المماليك السلطانية- كان- بطالا، فى ليلة الجمعة رابع عشرين صفر وقد أسنّ، وكان من خدّام الست فاطمة بنت الأمير منجك اليوسفى وعتيقها، ثم اتّصل بخدمة الأتابك ألطنبغا العثمانى، وبه عرف بالعثمانى، ثم صار من جمدارية السلطان الخاص «١» ، إلى أن ولّاه الملك الظاهر جقمق تقدمة المماليك السلطانية بعد القبض على الأمير الطواشى خشقدم اليشبكى «٢» ، فدام على ذلك عدّة سنين، وحجّ مرتين أمير الركب الأوّل، ولما عاد من الثانية في سنة اثنتين وخمسين عزله السلطان بنائبه الأمير جوهر النّوروزى الحبشى، فدام بطالا إلى أن مات، وكان ديّنا خيّرا لا بأس به، رحمه الله تعالى.
وتوفّى قاضى القضاة سراج الدين عمر بن موسى الحمصى «٣» الشافعى في صفر بطالا، وقد أناف على الثمانين، وكان مولده بحمص وبها نشأ وطلب العلم، وقدم القاهرة وحضر دروس السّراج البلقينى، وناب في الحكم عن ولده قاضى القضاة جلال الدين عبد الرحمن سنين كثيرة، ثم ولى القضاء بالوجه القبلى، ثم نقل إلى قضاء طرابلس، ثم قضاء حلب، ثم قضاء دمشق غير مرّة، ورشّح هو نفسه لقضاء الديار المصرية وكتابة السرّ بها فلم يقع له ذلك، ثم ولى في أواخر عمره تدريس مقام الإمام الشافعى، ثم عزل وأخرج إلى البلاد الشاميّة فمات بها، وكان يستحضر من فروع مذهبه طرفا، وله نظم بحسب الحال، وهو الذي كان نظم صداق كريمتى «٤» على قاضى القضاة جلال الدين البلقينى أكثر من ثلاثمائة بيت- رحمه الله تعالى.
стр. 5902
وتوفّى قاضى قضاة مكة وعالمها جلال الدين أبو السعادات محمد بن أبى البركات محمد بن أبى السعود محمد بن الحسين بن على بن أبى أحمد بن عطية بن ظهيرة «١» المكى المخزومى الشافعى بمكة، وهو قاض، فى تاسع صفر، ودفن من الغد.
وتولّى قضاء مكة بعده ابنه محب الدين محمد، وكان مولده في سلخ شهر ربيع الأول سنة خمس وتسعين وسبعمائة بمكة، وبها نشأ وتفقه بعلماء عصره، إلى أن برع فى عدة علوم، وشارك في عدة فنون، ونعت بعالم الحجاز، وتولى قضاء مكة غير مرة، وقد ذكرنا مشايخه وعدة وقائعه في تاريخنا «حوادث الدهور» ، وذكرنا أيضا مصنفاته، وكان له نظم جيد، ومما أنشدنى من لفظه لنفسه في القاضى كمال الدين ابن البارزى كاتب السّرّ الشريف بالديار المصرية: [السريع]
أبرزه الله بلا حاجب ... يحجبه عنا ولا حاجز
فكلّ فضل من جميع الورى ... مكتسب من ذلك البارزى
وتوفّى الأمير سيف الدين إينال بن عبد الله الأشرفى «٢» الطويل أحد أمراء الخمسات، فى يوم الجمعة ثالث عشر جمادى الأولى- رحمه الله تعالى.
وتوفّى الأمير سيف الدين نوكار بن عبد الله الناصرى، أحد أمراء العشرات، والزّردكاش، فى أواخر جمادى الآخرة- مجردا إلى بلاد ابن قرمان- بمدينة غزة، وكان من مماليك الناصر فرج وتخومل من بعده، واحتاج إلى أن خدم في أبواب الأمراء، وقاسى خطوب الدهر ألوانا، إلى أن عاد إلى باب السلطان بعد موت الملك المؤيد شيخ وصار خاصكيا، وأقام على ذلك سنين كثيرة إلى أن أنعم عليه الملك الظاهر جقمق بإمرة عشرة بعد سؤال كثير، ثم صار حاجبا ثانيا، فدام على ذلك لا يلتفت إليه في الدول إلى أن ولّاه الملك الأشرف إينال الزردكاشية بعد موت جانبك الوالى، فاستمر على
стр. 5903
ذلك إلى أن مات، وكان مهملا يعيش بين الأكابر بالدعابة والمضحكة، وليس فيه أهلية لحرب ولا ضرب، ولا لنوع من الأنواع سوى ما ذكرناه- ﵀.
وتوفّى قاضى القضاة ولى الدين محمد السنباطى «١» المالكى قاضى قضاة الديار المصرية فى يوم الجمعة عاشر شهر رجب، ودفن من يومه، وقد زاد سنه على السبعين، وكانت لديه فضيلة مع لين جانب وتدين، ومع هذا لم تشكر سيرته في القضاء؛ لسلامة باطنه، ولحواشيه «٢» - رحمه الله تعالى.
وتوفّى شيخ الإسلام، علّامة زمانه كمال الدين محمد ابن الشيخ همام الدين عبد الواحد ابن القاضى حميد الدين «٣» عبد الحميد «٤» ابن القاضى سعد الدين مسعود الحنفى السيرامى الأصل «٥» المصرى المولد والدار والوفاة، العالم المشهور بابن الهمام، فى يوم الجمعة سابع شهر رمضان، ودفن من يومه، وكانت جنازته مشهودة، ومات ولم يخلف بعده مثله فى الجمع بين علمى المنقول والمعقول، والدين والورع والعفة والوقار في سائر الدول، ومولده في سنة ثمان أو تسع وثمانين وسبعمائة بالقاهرة، وبها نشأ، واشتغل على علماء عصره إلى أن برع، وصار أعجوبة زمانه في علوم كثيرة بلا مدافعة، وولى مشيخة المدرسة الأشرفية برسباى من الأشرف قبل سنة ثلاثين وثمانمائة، ثم تركها رغبة منه، ودام ملازما للأشغال، وحج وجاور غير مرة، إلى أن ولّاه الملك الظاهر جقمق مشيخة خانقاه شيخون، واستمر بها مدة طويلة من السنين، ثم تركها أيضا وسافر إلى مكة، وقد قصد المقام بها إلى أن يموت، فلما حصل له ضعف في بدنه عاد إلى مصر
стр. 5904
ولزم الفراش إلى أن مات، وقد ذكرنا من مصنفاته وأحواله ما هو أطول من هذا في تاريخنا «المنهل الصافى والمستوفى بعد الوافى» إذ هو محل الإطناب- رحمه الله تعالى.
وتوفّى الأمير سيف الدين جانبك بن عبد الله القرمانى «١» الظاهرى حاجب الحجاب بالديار المصرية، بعد عوده من تجريدة ابن قرمان بالقرب من منزلة الصالحية، فحمل إلى القاهرة ودفن بالقرافة الصغرى، فى يوم الجمعة ثانى عشر شوال، وقد أناف على الثمانين، وكان من عتقاء الملك الظاهر برقوق؛ ووقع له محن في الدولة الناصرية فرج إلى أن تأمر بعد الملك المؤيد شيخ عشرة، وصار من جملة معلمى أرمح؛ إلى أن نقله الملك الظاهر جقمق إلى إمرة طبلخاناه، وصار بعد ذلك رأس نوبة ثانيا، واستمر على ذلك إلى أن نقله الملك الأشرف إينال إلى إمرة مائة وتقدمه ألف، ثم ولّاه حجوبية الحجاب، ثم تجرّد من جملة من تجرد من الأمراء إلى بلاد ابن قرمان، فمات في عوده حسبما تقدم، وكان ساكنا عاقلا إلا أنه كان لا يتجمل في نفسه ولا في مركبه- رحمه الله تعالى.
وتوفى الأمير سيف الدين جكم بن عبد الله النّورى «٢» المؤيدى، أحد أمراء العشرات ورأس نوبة بمدينة غزة، وهو عائد من تجريدة ابن قرمان في يوم الاثنين ثامن شوال، وقد قارب الستين، وكان من مماليك المؤيد شيخ، وتأمر في دولة الأشرف إينال عشرة وصار من جملة رءوس النوب، وكان من المهملين يعيش تحت ظلّ خچداشيته.
وتوفّى القاضى زين الدين أبو العدل قاسم ابن قاضى القضاة جلال الدين عبد الرحمن ابن شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقينى «٣» الشافعى في يوم الأحد حادى عشرين شوال، وهو في عشر السبعين، وكان نشأ تحت كنف والده، غير أن اشتغاله كان
стр. 5905
بالفقيرى، وناب في الحكم سنين، وتولّى نظر الجوالى، وكان فيه كرم أفقره في أواخر عمره، واحتاج منه إلى تحمل ديون والحاجة للناس، فكان حاله كقول القائل:
كم من فتى أفقره جوده ... وعاش في الناس عيش الذليل
فاشدد عرى مالك واستبقه ... فالبخل خير من سؤال البخيل
وتوفّى الأمير سيف الدين أزبك بن عبد الله الشّشمانى المؤيّدى أحد أمراء الخمسات في يوم السبت رابع عشرين ذى الحجة، وسنه نحو الثمانين، وكان أصله من مماليك الملك المؤيّد شيخ قبل سلطنته، وطالت أيامه في الجندية إلى أن تأمّر خمسة فى دولة الملك الأشرف إينال، ومات بعد سنين، وكان مكفوفا عن الناس إمّا لخيره أو لشره- رحمه الله تعالى.
وتوفّى خشكلدى الزينى عبد الرحمن بن الكويز أحد أمراء الطبلخاناه بدمشق، وكان أصله من مماليك صاحبنا الأمير زين الدين عبد الرحمن بن الكويز، ثم صار من جملة دواداريّة السلطان، ثم سعى في دوادارية السلطان بدمشق حتى وليها بمال بذله في ذلك، فلم تطل مدته، فعزل وقدم القاهرة، وسعى ثانيا إلى أن أعطى إمرة بدمشق، فتوجه إليها ودام بها إلى أن مات، وكانت لديه فضيلة في الفقه على قدر حاله- رحمه الله تعالى.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبعة أذرع وثمانية أصابع، مبلغ الزيادة عشرون ذراعا وإصبع واحد.
стр. 5906
[ما وقع من الحوادث سنة ٨٦٢]
السنة السادسة من سلطنة الملك الأشرف إينال العلائى على مصر وهى سنة اثنتين وستين وثمانمائة:
فيها توفّى القاضى شهاب الدين أحمد بن يوسف الشيرجى «١» الشافعى أحد نوّاب الحكم بالدّيار المصرية في يوم الجمعة رابع عشر المحرم، ودفن من يومه بعد صلاة الجمعة، وقد أناف عن الثمانين، وكان حضر دروس السّراج البلقينى، وله إلمام بعلم الفرائض، وناب في الحكم سنين، وأفتى ودرّس، وكان غير محبب إلى أصحابه.
وتوفّى الأمير سيف الدين أزبك بن عبد الله الأشرفى البواب، أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، فى يوم الثلاثاء ثامن عشر المحرم، وأصله من مماليك الأشرف برسباى، ثم امتحن بعد موت أستاذه وحبس، ثم أطلق، وقدم القاهرة وتأمّر فى أول دولة الأشرف إينال خمسة، شريكا لأزبك الشّشمانى المقدم ذكر وفاته في السنة الخالية، فلما مات أزبك المذكور أنعم بنصيبه من الإقطاع على شريكه أزبك هذا لتتمّة إقطاعه إمرة عشرة، فعاش أزبك هذا بعد ذلك دون الشهر ومات، فكان حاله كالمثل السائر: «إلى أن يسعد المعثر فرغ عمره» .
وتوفّى القاضى علاء الدين على بن محمد بن آقبرس «٢» الشافعى أحد نواب الحكم، فى يوم الأحد خامس عشر صفر بطالا، وهو في عشر السبعين، وكان مولده بالقاهرة، وبها نشأ، وتكسّب بعمل العنبر في حانوت بالعنبريين مدة سنين، ثم اشتغل بالعلم، وناب في الحكم، وصحب الملك الظاهر جقمق قبل سلطنته، فلما تسلطن قرّبه، أو هو قرّب نفسه، وولى نظر الأوقاف، ثم حسبة القاهرة «٣» ، ثم نظر الأحباس، وتحرك له بعيض سعد،
стр. 5907
إلا أنه تبهدل غير مرّة من السلطان لسوء سيرته، فإنه لما ولى ما ولى ما عفّ ولا كفّ، بل مدّ يدا للأخذ، إلى أن ساءت القالة فيه، وانحط قدره لذلك كثيرا، فلما مات الملك الظاهر امتحن وصودر، وتخومل، ولزم داره إلى أن مات، وكان له نظم أحسنه في الهجو، ومما هجا به عبد الرحمن ابن الدّيرى ناظر القدس [الطويل]
أقول لمن وافى إلى القدس زائرا ... وصلت إلى الأقصى من الفضل والخير
تقرّب إلى مولاك فيه عبادة ... وبع بيع الرهبان وابعد عن الدّيرى
وتوفّى عبد الكريم شيخ مقام الشيخ أحمد البدوى بظاهر القاهرة في صبيحة ثامن عشر صفر، وجد ميتا، وقد اختلفت الأقوال في موتته، فمنهم من قال: تردّى من سطح وهو ثمل، ومنهم من قال: دسّ عليه شيخ العرب حسن بن بغداد من قتله، وهو الأشهر، وأنا أقول: قتله سرّ الشيخ أحمد البدوى لانهماكه على المعاصى وسوء سيرته، فأراح الله الشيخ أحمد البدوى منه ولله الحمد- وتولى عوضه شيخ المقام صبىّ أقاربه دون البلوغ.
وتوفّى الشيخ العارف بالله القدوة المسلك «١» مدين الصوفى المالكى بزاويته بخط المقس «٢» بظاهر القاهرة، فى يوم الأربعاء تاسع شهر ربيع الأول بزاويته، وكان له شهرة عظيمة، وللناس فيه اعتقاد ومحبة، لم يتفق لى مجالسته، غير أننى رأيته غير مرّة- ﵀ ونفعنا ببركته.
وتوفّى الأمير جانم بن عبد الله الأشرفى البهلوان، أحد أمراء العشرات ورأس نوبة في يوم الاثنين سادس شهر ربيع الآخر، ودفن من يومه، وهو في الكهولية، وكان من مماليك الملك الأشرف برسباى وخاصكيته، وتأمر بعد أمور في الدّولة الأشرفية إينال، وكان مليح الشكل مشهورا بالشجاعة والإقدام- رحمه الله تعالى.
وتوفّى الأمير سيف الدين طوخ بن عبد الله من تمراز الناصرى أمير مجلس بطّالا
стр. 5908
بعد مرض طويل، فى ليلة الثلاثاء سابع شهر ربيع الآخر، ودفن من الغد، وكان من مماليك الناصر فرج، وتأمر في أوّل الدولة الأشرفية برسباى عشرة، وصار من جملة رءوس النّوب «١» ، وكان يعرف بينى بازق، أى غليظ الرّقبة، وكان قليل الخير والشرّ مكفوفا عن الناس، ليس له كلمة في الدّولة، وكان السلطان أنعم بإقطاعه قبل موته على الأمير برسباى البجاسى حاجب الحجاب- ووظيفته إمرة مجلس- على الأمير جرباش المحمدى المعروف بكرد الأمير آخور.
وتوفّى القاضى شهاب الدين أحمد الدماصى «٢» الحنفى قاضى بولاق، وكان يعرف بقرقماس، فى يوم الخميس سادس عشر شهر ربيع الآخر، ودفن من الغد- رحمه الله تعالى.
وتوفّى الأمير سيف الدين سودون بن عبد الله النّوروزى المعروف بالسلاحدار، نائب قلعة الجبل بها، فى ليلة الأحد سادس عشرين شهر ربيع الآخر، ودفن من الغد، وله نحو سبعين سنه، وكان من مماليك نوروز الحافظى نائب الشام، وصار بعد موته سلاحدارا في الدولة الأشرفية برسباى، ثم تأمر عشرة في دولة الملك الظاهر جقمق، وصار من جملة رءوس النوب، ثم جعله الملك الأشرف إينال نائب قلعة الجبل بعد موت قانى باى الناصرى الأعمش، فدام في نيابة القلعة إلى أن مات، وكان لا بأس به، لولا إسراف كان فيه على نفسه- عفا الله عنه.
وتوفّى الأستاذ المادح المغنى ناصر الدين محمد المازونى «٣» الأصل، المصرى، أحد الأفراد في إنشاد القصيد وعمل السماع، فى ليلة الجمعة ثامن جمادى الأولى، بعد أن ابتلى بمرض الفالج، وبطل نصفه وسكت حسه، وكان من عجائب الدنيا في
стр. 5909
فنونه، كان صوته صوتا كاملا أوازاوئما «١» ، مع شجاوة ونداوة وحلاوة، كان رأسا فى إنشاد القصيد على الضروب والحدود، سافر غير مرة إلى الحجاز حاديا في خدمة الأكابر، وكان له تسبيح هائل على المآذن؛ ففى هذه الثلاثة كان إليه المنتهى، وكان يشارك في الموسيقى جيدا، ويعظ في عقود الأنكحة، وليس فيه بالماهر، وفي الجملة إنه لم يخلف بعد مثله، وفي شهرته ما يغنى عن الإطناب في ذكره.
وتوفّى الشرفى موسى ابن الجمالى يوسف بن الصفى الكركى ناظر جيش طرابلس بها، فى ليلة الأحد ثامن شهر رجب «٢» ، وخلف مالا كثيرا وعدة أولاد، وكان من مساوئ الدهر دميم الخلق مذموم الخلق.
وتوفّى الشيخ الإمام العالم العلّامة شرف الدين يحيى [بن صالح بن على بن محمد ابن عقيل] «٣» العجيسى المغربى الأصل والمولد والمنشأ، المصرى الدار والوفاة، المالكى، فى يوم الأحد سابع عشرين شعبان، ومولده في سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، وكان إماما فى النحو والعربية ومعرفة تاريخ الصحابة، وله مشاركة في فنون كثيرة، مع حدة كانت فيه وسوء خلق- ﵀.
وتوفّى الخليفة أمير المؤمنين القائم بأمر الله أبو البقاء حمزة ابن المتوكل على الله أبى عبد الله محمد العباسى المصرى «٤» بثغر الإسكندرية مخلوعا من الخلافة، فى سابع عشر شوال، وقد مرّ ذكر نسبه في تراجم أسلافه في عدة مواطن من مصنفاتنا، مثل «مورد اللطافة فى ذكر من ولى السلطنة والخلافة» وغيره، وكان القائم بأمر الله هذا ولى الخلافة بعد موت أخيه المستكفى سليمان بغير عهد- اختاره الملك الظاهر جقمق- فدام في الخلافة إلى أن خرج
стр. 5910
الأتابك إينال العلائى صاحب الترجمة على الملك المنصور عثمان بن الملك الظاهر جقمق، فقام الخليفة هذا مع إينال على الملك المنصور عثمان أشد قيام، فلما تسلطن إينال عرف له ذلك، ورفع قدره ومحله إلى الغاية، ونال في أيامه من الحرمة والوجاهة ما لا يقاربه أحد الخلفاء من أسلافه، فاتفق بعد ذلك ركوب جماعة من صغار المماليك الظاهرية على الأشرف إينال، وطلبوه فحضر عندهم، ووافاهم أفضل موافاة، فلم ينتج أمرهم، وسكنت الفتنة في الحال، وقد ذكرناها في أصل هذه الترجمة مفصلة، فلما سكن الأمر طلبه السلطان إلى القلعة، ووبخه على فعله وحبسه بالبحرة بقلعة الجبل، وخلعه من الخلافة بأخيه المستنجد يوسف، ثم أرسله إلى سجن الإسكندرية فحبس به مدة ثم أطلق من السجن، ورسم له بأن يسكن حيث شاء من الثغر، فسكن به إلى أن مات- رحمه الله تعالى.
وتوفّى الحاج خليل المدعو قانى باى اليوسفى المهمندار محتسب القاهرة بها، فى عشرين شوال، وهو مناهز السبعين «١» ، وكان أصله من مماليك قرايوسف بن قرامحمد، صاحب بغداد على ما زعم، ثم قدم القاهرة في دولة الأشرف برسباى، وسأله الأشرف عن أصله وجنسه فقال: أنا من مماليك قرايوسف، جنسى چاركسى، واسمى الأصلى قانى باى، فمشى ما قاله على الأشرف؛ لضعف نقده، وعدم معرفته، وسماه قانى باى اليوسفى، وجعله خاصكيا؛ ثم امتحن بعد موت الأشرف برسباى، وحبس إلى أن عاد إلى رتبته في الدولة الأشرفية إينال، وجعله مهمندارا، ثم محتسبا إلى أن مات.
وتوفّى يار على بن نصر الله العجمى الخراسانى الطويل «٢» ، محتسب القاهرة بطالا، بعد مرض طويل، فى سادس عشرين ذى القعدة، ودفن من الغد، وسنه نيف على الثمانين، وكان هو يدّعى أكثر من ذلك، وليس بصحيح، وكان أصله فقيرا مكديا على عادة فقراء العجم، وخدم الأمير سودون من عبد الرحمن نائب الشام لما كان
стр. 5911
هاربا من الملك المؤيّد شيخ بالعراق، فلما عاد سودون إلى رتبته بالديار المصرية، وصار دوادارا كبيرا في دولة الأشرف برسباى، قدم عليه يار عليه هذا ماشيا على قدميه من بلاد العجم، فأحسن إليه سودون، ولما عمّر مدرسته بخانقاه سرياقوس جعله شيخا، ودام على ذلك وقد حسنت حاله، وركب فرسا بحسب الحال، إلى أن تسلطن الملك الظاهر جقمق، فتحرك سعده لا لأمر أوجب ذلك بل هى حظوظ وأرزاق، تصل لكل أحد «١» .
ولا زال جقمق يرقّيه حتى ولّاه حسبة القاهرة غير مرّة، ثم نكبه وصادره، وأمر بنفيه؛ لسوء سيرته، ولقبيح سريرته، فإنه لما ولى حسبة القاهرة سار فيها أقبح سيرة، وفتح له أبواب الظلم والأخذ، فما عفّ ولا كفّ، وجدّد في الحسبة مظالم تذكر به، وإثمها وإثم من يعلم بها عليه إلى يوم القيامة، وصار يأخذ من هذه المظالم ويخدم الملوك بها، فانظر إلى حال هذا المسكين «٢» الذي ظلم نفسه، وظلم الناس لغيره، فلا قوّة إلا بالله، اللهم اغننا بحلالك عن حرامك، وبفضلك عن سواك.
وتوفّى الشيخ المعتقد المجذوب إبراهيم الزيات «٣» بحيث هو إقامته بقنطرة قديدار «٤» ، ودفن من يومه، وهو اليوم الذي مات فيه الشيخ على المحتسب المقدّم ذكره، وكان للناس فيه اعتقاد، ويقصد للزيارة، وكانت جذبته مطبقة، لا يصحو، ويكثر من أكل الموز- رحمه الله تعالى.
وتوفّى الأمير الكبير سيف الدين تنبك [بن عبد الله] «٥» البردبكى
стр. 5912
[الظاهرى] «١» أتابك العساكر بالديار المصرية، فى يوم الاثنين رابع عشرين ذى القعدة، ودفن من الغد، وقد ناهز التسعين من العمر، لأنه كان من مماليك الظاهر برقوق، وتزوج في أيامه، وكان من إنيات الوالد، وترقّى في أوائل دولة الأشرف برسباى إلى أن صار أمير عشرة- أو في أيام دولة الملك المظفر أحمد- ومن جملة رءوس النوب، ثم صار في سنة سبع وعشرين نائب قلعة الجبل بعد تغرى برمش البهسنى «٢» التركمانى، بحكم انتقاله إلى إمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية، وأنعم على تنبك بإمرة طبلخاناه عوضا عن تغرى برمش المذكور أيضا، فدام على ذلك مدة طويلة إلى أن نقل إلى إمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية في أواخر الدولة الأشرفية.
ثم ولى نيابة قلعة الجبل ثانيا في أوائل دولة الملك الظاهر جقمق، وهو أمير مائة ومقدم ألف، ثم صار أمير حاج المحمل، ثم ولى حجوبية الحجاب بالديار المصرية، ودام على ذلك سنين كثيرة، وحجّ أمير حاج المحمل غير مرّة، إلى أن أمسكه السلطان الظاهر ونفاه إلى ثغر دمياط، وأنعم بإقطاعه وحجوبيته على الأمير خشقدم الناصرى المؤيّدى، أحد أمراء الألوف بدمشق، فأقام بدمياط مدّة.
ثم طلبه الملك الظاهر إلى الديار المصرية، ورسم له بالمشى في الخدمة السلطانية، فمشى في الخدمة أياما كثيرة من غير إقطاع، إلى أن مات الشهابى أحمد بن على بن إينال أحد مقدمى الألوف بالديار المصرية، فأنعم بإقطاعه على تنبك هذا، ثم صار أمير مجلس في دولة الملك المنصور عثمان بعد انتقال تنم المؤيدى إلى إمرة سلاح، بعد جرباش الكريمى بحكم لزومه بيته لكبر سنه وضعف بدنه، فلم تطل أيامه.
واستقرّ أمير سلاح في ثانى يوم من سلطنة الملك الأشرف إينال، عوضا عن تنم المذكور، بحكم القبض عليه وحبسه بسجن الإسكندرية، فلم يتمّ له ذلك غير يوم واحد وأصبح استقر أتابك العساكر لما كثرت القالة في تولية الشهابى أحمد ابن الملك الأشرف
стр. 5913
إينال أتابك العساكر عوضا عن أبيه، فعزله وجعله من جملة أمراء الألوف واستقر تنبك هذا عوضه؛ فدام في الأتابكية مدة طويلة إلى أن مات في التاريخ المذكور، وتولّى المقام الشهابى أحمد عنه الأتابكية ثانيا.
وكان أمر تنبك هذا في ولايته الأتابكية غريبة، وهو أن الذي أخذ عنه ولّى عنه، ولعل هذا لم يقع لأحد أبدا، وكان تنبك المذكور رجلا ديّنا خيرا، هيّنا ليّنا، سليم الفطرة، شحيحا «١» ، لا يتجمل في بركه ولا حواشيه- رحمه الله تعالى.
وتوفّى عظيم الدّولة الصاحب جمال الدين أبو المحاسن يوسف- مدبر المملكة، وصاحب وظيفتى نظر الجيش والخاص معا- ابن الرئيس كريم الدين عبد الكريم ناظر الخاص ابن سعد الدين بركة المعروف بابن كاتب جكم، فى ليلة الخميس- وقت التسبيح- الثامن عشر من ذى الحجة، ودفن من الغد بالصحراء في تربته التي أنشأها، وكانت جنازته مشهودة إلى الغاية، وحضر المقام الشهابى أحمد أتابك العساكر الصلاة عليه بمصلاة باب النصر، وحضر دفنه أيضا، ومات وسنه زيادة على أربعين سنة؛ لأن مولده في سنة تسع عشرة وثمانمائة، هكذا كتب لى بخطه- ﵀.
ومات ولم يخلف بعده مثله رئاسة وسؤددا بلا مدافعة، وهو آخر من أدركنا من رؤساء الديار المصرية؛ لأنه كان فردا في معناه، لعظم ما ناله من السعادة والوجاهة ووفور الحرمة، ونفوذ الكلمة والعظمة الزائدة، وكثرة ترداد الناس إليه، وأعيان الدولة وأكابرها إلى بابه، بل الوقوف في خدمته، وهذا شىء لم ينله غيره في الدولة التركية، مع علمى بمنزلة كريم الدين الكبير عند الناصر محمد بن قلاوون، وبما ناله سعد الدين إبراهيم بن غراب في الدولة الناصرية فرج، ثم بعظمة جمال الدين يوسف البيرى الأستادار في دولة الناصر فرج أيضا، ثم بخصوصية عبد الباسط بن خليل الدمشقى في دولة الأشرف برسباى، ومع هذا كله ليس فيهم أحد وصل إلى ما وصل إليه جمال
стр. 5914
الدين هذا «١» ، وقد برهنّا عما قلناه في تاريخنا «حوادث الدهور» ، وأيضا في تاريخنا «المنهل الصافى» ، فلينظر هناك، وليس هذا الموطن محل إطناب- رحمه الله تعالى.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبعة أذرع وثمانية أصابع، مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وخمسة عشر إصبعا.
стр. 5915
[ما وقع من الحوادث سنة ٨٦٣]
السنة السابعة من سلطنة الملك الأشرف على مصر وهى سنة ثلاث وستين وثمانمائة:
فيها توفّى الأمير يشبك بن عبد الله النّوروزى نائب طرابلس- كان- بطالا بالقدس، فى يوم الاثنين تاسع المحرم، وهو في عشر السبعين تخمينا، وهو من عتقاء الأمير نوروز الحافظى.
وتنقّل بعد موت أستاذه في خدم الأمراء، وقاسى خطوب الدهر ألوانا، إلى أن صار في أواخر دولة الأشرف برسباى من صغار أمراء دمشق، ثم تنقل في دولة الملك الظاهر جقمق إلى أن صار حاجب حجاب طرابلس بالبذل، ثم نقل إلى حجوبية دمشق، ثم إلى نيابة طرابلس بعد عزل يشبك الصوفى عنها؛ كل ذلك ببذل المال، فدام على نيابة طرابلس إلى أن أمسكه الملك الأشرف إينال في حدود سنة ستين، وحبسه بقلعة المرقب إلى أن أطلقه في سنة اثنتين وستين وثمانمائة، ورسم له بالتوجه إلى القدس بطالا، فاستمر بالقدس إلى أن مات في التاريخ المقدم ذكره.
وكان وضيعا في الدول، لم تسبق له رئاسة بالدولة المصرية، حتى إنه لم يخدم في باب سلطان أبدا، بل كان يخدم بأبواب الأمراء، إلى كان من أمره ما كان، وكان مع ذلك عنده طيش وخفة وتكبر، ولم أدر لأى معنى من المعانى- رحمه الله تعالى.
وتوفّى الشيخ الإمام العالم العامل المحقق الفقيه الصوفى شمس الدين أبو عبد الله محمد ابن عبد الله بن خليل البلاطنسى «١» الشافعى؛ نزيل دمشق بها في ليلة سابع عشرين صفر، ودفن في صبيحة يوم الأربعاء، وكانت جنازته مشهودة، وكثر أسف الناس عليه، ومولده ببلاطنس من أعمال طرابلس، بعد سنة تسعين وسبعمائة، ونشأ بها، وقرأ العربية واشتغل، ثم قدم طرابلس، ولازم الشيخ محمد بن زهرة وبه تفقّه، وأخذ
стр. 5916
الأصول عن الشيخ سراج الدين، وقرأ الحديث أيضا بطرابلس على ابن البدر، ثم رحل إلى دمشق قبل سنة عشرين، واشتغل بها على العلماء، ثم عاد إلى طرابلس.
ثم قدم إلى دمشق ثانيا بأهله واستوطنها ولازم علّامة زمانه ووحيد دهره الشيخ علاء الدين محمد البخارى الحنفى، وأخذ عنه فنونا كثيرة، إلى أن برع في الفقه والتصوف، وجلس للإفادة والتدريس والأشغال إلى أن مات، وكان قوّالا بالحق، قائما في أمر الملهوفين، لا تأخذه في الله لومة لائم، وقد استوعبنا من أحواله نبذة كبيرة فى تاريخنا «الحوادث» وغيره- رحمه الله تعالى.
وتوفّى الأمير سيف الدين يشبك بن عبد الله من جانبك المؤيدى الصوفى أتابك دمشق بها، فى يوم الثلاثاء سابع عشرين صفر وهو اليوم الذي مات فيه البلاطنسى المقدم ذكره، وقد ناهز الستين من العمر، كان من صغار مماليك الملك المؤيّد شيخ، وصار خاصكيا بعد موت أستاذه، وامتحن في دولة الملك الأشرف برسباى بالضرب والعصر والنفى؛ بسبب الأتابك جانبك الصوفى.
ثم عاد بعد سنين إلى رتبته، وصار خاصكيا على عادته إلى أن تأمّر عشرة في دولة الملك الظاهر جقمق، وصار من جملة رءوس النوب، وسافر إلى مكة مقدّم المماليك السلطانية بمكة، ثم عاد إلى القاهرة، ودام بها مدّة، ثم نفى إلى حلب بعد سنة خمسين وثمانمائة، ثم نقله الملك الظاهر جقمق إلى إمرة مائة وتقدمة ألف بحلب، ثم نقله بعد ذلك إلى نيابة حماة ببذل المال، ثم إلى نيابة طرابلس كذلك، بعد انتقال الأمير برسباى الناصرى إلى نيابة حلب في سنة اثنتين وخمسين، فدام على نيابة طرابلس إلى سنة أربع وخمسين، فطلب إلى القاهرة، فلما حضر أمسكه السلطان الملك الظاهر، وأرسله إلى دمياط بطالا، ثم نقل بعد مدّة من دمياط إلى سجن الإسكندرية؛ لأمر بلغ السلطان عنه، فلم تظل مدّته بسجن الإسكندرية وأطلق وأرسل إلى دمياط ثانيا، ثم نقل إلى القدس، ثم طلب إلى الديار المصرية، فأنعم عليه بأتابكية العساكر بدمشق، بعد القبض على الأتابك خيربك المؤيدى الأجرود.
стр. 5917
فدام يشبك هذا على أتابكية دمشق إلى أن حجّ أمير حاج المحمل الشامى في سنة اثنتين وستين، وعاد إلى دمشق، ومات بعد أيّام، وكان رجلا طوالا، حسن الشكل، حلو اللسان، بعيد الإحسان، عادلا في الظاهر، ظالما في الباطن، متواضعا لمن كانت حاجته إليه، مترفّعا على من احتاج إليه، كثير الخدع والتّملّق لأصحاب الشّوكة، بألف وجه وألف لسان، مع كثرة أيمان الله والطلاق، وشحّ وبخل.
وتوفّى الشيخ بهاء الدين أحمد بن على التّتائى «١» الأنصارى الشافعى نزيل مكّة بها فى ليلة الثلاثاء سابع عشرين صفر، وحضرت أنا الصلاة عليه بالحرم بعد صلاة الصّبح، ودفن بالمعلاة، وهو أخو القاضى شرف الدين موسى الأنصارى الأكبر.
كان مولده بتتا- قرية بالمنوفية بالوجه البحرى من أعمال القاهرة- فى سنة ثمان وثمانمائة، وكان فيه محاسن ومكارم أخلاق، وخط منسوب، وفضيلة- رحمه الله تعالى. قلت: وكانت وفاة بهاء الدين هذا ويشبك الصوفى والبلاطنسى المقدّم ذكرهما فى ليلة واحدة، وهذا من النوادر- ﵏.
وتتا بتاء مثناة مكسورة وتاء مثناة أيضا مفتوحة، وبعدهما ألف ممدودة.
وتوفّى الأمير سيف الدين قانى باى بن عبد الله الحمزاوى نائب دمشق بها فى يوم الأربعاء ثالث شهر ربيع الآخر، وقد قارب الثمانين، ودفن من الغد في يوم الخميس، وكان أصله من مماليك «٢» سودون الحمزاوى الظاهرى الدّوادار، ثم خدم بعد موته عند الوالد هو وجماعة كثيرة من خچداشيته مدّة طويلة، ثم صار في خدمة الملك المؤيّد شيخ المحمودى قبل سلطنته، فلما تسلطن أمّره عشرة، ثم صار أمير طبلخاناه، ثم صار أمير مائة ومقدّم ألف بعد موت الملك المؤيّد شيخ، وتولّى نيابة الغيبة بالدّيار المصريّة للملك المظفر أحمد بن شيخ لما سافر مع الأتابك ططر إلى دمشق، ثم قبض عليه الملك الظاهر ططر لمّا عاد من دمشق وحبسه مدّة، إلى أن أطلقه الملك
стр. 5918
برسباى، وجعله أتابك دمشق، ثم طلبه بعد سنين إلى الدّيار المصريّة، وجعله بها أمير مائة ومقدّم ألف.
واستقرّ الأمير تغرى بردى المحمودى بعده أتابك دمشق، فدام قانى باى بالقاهرة إلى أن ولّاه الأشرف نيابة حماة بعد انتقال الأمير جلبّان إلى نيابة طرابلس، بعد موت الأتابك طرباى في سنة سبع وثلاثين، ثم نقل بعد مدّة إلى نيابة طرابلس بعد الأمير جلبّان أيضا، بحكم انتقاله إلى نيابة حلب بعد عصيان تغرى برمش [التركمانى البهسنى] «١» وخروجه عن الطاعة في سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، فلم تطل مدته بها.
ونقل إلى نيابة حلب بعد انتقال جلبّان أيضا إلى نيابة دمشق بعد موت الأتابك آقبغا التّمرازى في سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة، فدام في نيابة حلب إلى سنة ثمان وأربعين وثمانمائة، فطلبه الملك الظاهر جقمق إلى الديار المصرية، وعزله عن نيابة حلب بالأمير قانى باى البهلوان الناصرى، وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية، عوضا عن الأمير شادبك الجكمى المتولى نيابة حماة بعد انتقال قانى باى البهلوان المقدّم ذكره إلى نيابة حلب.
فاستمرّ قانى باى الحمزاوى من أمراء الدّيار المصريّة إلى أن أعاده الملك الظاهر جقمق ثانيا إلى نيابة حلب، بعد عزل الأمير تنم من عبد الرزّاق المؤيّدى وقدومه إلى مصر على إقطاع قانى باى هذا، فدام في نيابته هذه على حلب إلى أن نقله الملك الأشرف إينال إلى نيابة دمشق بعد موت الأمير جلبّان في سنة ستين وثمانمائة.
فاستمرّ على نيابة دمشق إلى أن مات بها، وهو عاص على السلطنة في الباطن، مقيم على الطاعة في الظاهر.
وقد وقع في أمر قانى باى هذا غرائب منها: أنه من يوم خرج من مصر إلى ولاية حلب ثانيا في دولة الملك الظاهر جقمق عصى على السّلطان في الباطن، وعزم على أنّه لا يعود إلى مصر أبدا، فلما مات الظاهر وتسلطن ابنه المنصور عثمان، ثم الأشرف
стр. 5919
إينال قوى أمر قانى باى هذا بحلب، وفشا أمره عند كل أحد، فلم يكشف الأشرف إينال ستر التغافل بينه وبين قانى باى المذكور، بل صار كل منهما يتجاهل على الآخر، فذاك يظهر الطاعة وامتثال المراسيم من غير أن يطأ بساط السلطان، أو يحضر إلى القاهرة، وهذا يرضى منه بذلك، ويقول: هذا داخل في طاعتى، ولا يرسل خلفه أبدا، بل يغالطه، حتى لو أراد قانى باى الحضور إلى القاهرة مامكنه إينال؛ لمعرفته منه أن ذلك امتحان، وصار كل منهما يترقب موت الآخر إلى أن مات قانى باى قبل، وولّى الأشرف إينال عوضه في نيابة دمشق الأمير جانم الأشرفى.
ومن الغرائب التي وقعت له أيضا أن قانى باى هذا لم يل ولاية بلد مثل حماة وطرابلس حلب والشام إلا بعد الأمير جلبّان، مع طول مدّة جلبّان في نياباته الشّاميّة أزيد من ثلاثين سنة، فهذا من النوادر الغريبة، كون أن قانى باى يعزل عن نيابة حلب ويصير أميرا بمصر مدّة سنين وبلى حلب بعده غير واحد، ثم يعود إلى نيابة حلب، ويقيم بها إلى أن ينتقل منها إلى نيابة الشام «١» بعد موت جلبّان، كما انتقل قبل ذلك بعده في كل بلد، فهذا هو الاتفاق العجيب.
وتوفّى الأمير شرف الدين عيسى بن عمر الهوارى أمير عرب هوارة ببلاد الصعيد فى ليلة الخميس رابع شهر ربيع الآخر، بعد عوده من الحج، وولى بعده ابنه، ثم عزل بعد أمور، وكان عيسى هذا مليح الشكل، ديّنا خيرا بالنسبة إلى أبناء جنسه، وله مشاركة بحسب الحال، ويتفقه على مذهب الإمام مالك- رضى الله عنه.
وتوفّى الشيخ الإمام الفقيه العالم أبو عبد الله محمد بن سليمان بن داود الجزولى «٢» المغربى المالكى نزيل مكة، بها في يوم الأحد ثامن عشر شهر ربيع الآخر، وحضرت الصلاة عليه بحرم مكة، ودفن بالمعلاة، وكان مولده في سنة سبع وثمانمائة بجزولة من بلاد
стр. 5920
المغرب، وكان فقيها عالما بفروع مذهبه، عارفا بالنحو، مشاركا في التفسير والحديث، وسمع ببلاده أشياء كثيرة، وحدّث ببعضها في مكة، ودرّس وأفتى، وانتفع أهل مكة بدروسه، وكان كريم النفس بخلاف المغاربة- رحمه الله تعالى.
وتوفّى القاضى محبّ الدين أبو البركات محمد بن عبد الرحيم الهيتمى «١» الشافعى، أحد نوّاب الحكم الشافعية بالديار المصرية، في يوم الثلاثاء ثامن جمادى الأولى، وحضرت الصلاة عليه بحرم مكة، ودفن بالمعلاة، وقد زاد عمره على الستين، وكان فقيها نحويا، مشاركا في فنون كثيرة، كان يحفظ التوضيح لابن هشام في النحو، وكان مستقيم الذهن، جيد الذكاء، ناب في الحكم [بالديار المصرية] «٢» أزيد من ثلاثين سنة، ودرّس وخطب، وجاور بمكة غير مرّة إلى أن مات في مجاورته هذه الأخيرة- رحمه الله تعالى.
وتوفّى القاضى ناصر الدين محمد بن النبراوى «٣» الحنفى أحد نواب الحكم بالقاهرة، فى يوم الثلاثاء تاسع عشرين جمادى الأولى، وكان عاريا من العلم، عارفا بصناعة القضاء.
وتوفّى القاضى محبّ الدين محمد ابن الإمام شرف الدين عثمان بن سليمان بن رسول ابن أمير يوسف بن خليل بن نوح الكرادى «٤» - بفتح الراء المهملة- القرمشى الأصل، الحنفى، المعروف بابن الأشقر، شيخ شيوخ خانقاه سرياقوس، ثم ناظر الجيوش المنصورة بالديار المصرية، ثم كاتب السّر بها، فى يوم الثلاثاء ثانى عشر شهر رجب بالقاهرة بطّالا، ودفن من الغد بتربته بالصحراء خارج القاهرة، وكانت وفاته بعد عزله من كتابة السّر بشهرين، وبعد وفاة ولده إبراهيم بدون الشهر.
وكان مولده بالقاهرة قبل سنة ثمانين، ونشأ بها واشتغل في مبدأ أمره قليلا، ثم
следующие страницы →