Полный текст (6 264 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.
стр. 5951
وكان الباعث لهذه الفتنة ما قدّمناه، وأيضا الظاهرية، فإن الملك المؤيد لما تسلطن لم يحرك ساكنا «١» ولم يتغير أحد مما كان عليه، فشقّ ذلك على الظاهريّة، وقال كل منهم في نفسه: كأنّ الملك الأشرف إينال مامات، فإن الغالب كل «٢» منهم كان أخذ ما بيده من الإقطاعات، وحبس ونفى في أوّل سلطنة الأشرف إينال، كما هى عادة أوائل الدّول، وبقى منهم جماعة كثيرة بلا رزق ولا إمرة ولم يجدوا عندهم قوة ليخلعوا الملك المؤيد هذا ويسلطنوا غيره وحدهم، فكلموا الأشرفيّة في هذا المعنى غير مرّة، وترققوا لهم، فلم يقبلوا منهم ذلك، لنفرة كانت بين الطائفتين قديما وحديثا، وأيضا فلسان حال الأشرفية يقول عندما سألوهم الظاهريّة: نحن الآن في كفاية من الأرزاق والوظائف، فعلام نحرك ساكنا «٣» ، ونخاطر بأنفسنا؟ فعجزوا فيهم الظاهرية وقد ثقل عليهم الملك المؤيد، وكثر خوفهم منه، فإنه أوّل ما تسلطن أبرق وأرعد، فانخزى كل أحد، وحسبوا أنّ في السويداء رجالا، ولهذا قلت فيما تقدّم:
لو فعل ما فعل لمشى له ذلك، لمعرفتى بحال القوم وشجاعتهم.
وكان دخول المؤيد السلطنة بحرمة وافرة، لأن سنّه كان نحو الثلاثين سنة يوم تسلطن، وكان ولى الأتابكية في أيّام أبيه، وأخذ وأعطى، وسافر أمير حاج المحمل، وحجّ قبل ذلك أيضا وسافر البلاد، ومارس الأمور في حياة والده وهذا كله بخلاف من تقدّمه من سلاطين أولاد الملوك، فإن الغالب منهم حدث السّنّ يريد له من يدبّره، فإنه ما يعرف ما يراد منه، فيصير في حكم غيره من الأمراء فتتعلّق الآمال بذلك الأمير، وتتردّد الناس إليه، إلى أن يدبّر في سلطنة نفسه، بخلاف المؤيّد هذا. فإنه ولى السلطنة وهو يقول في نفسه: «إنه يدبر مع مملكة مصر ممالك العجم زيادة على تدبير مصر» .
قلت: وكان كما زعم، فإنه تقدم أنه كان عارفا عاقلا مباشرا، حسن التدبير،
стр. 5952
عظيم التنفيذ شهما، وكان هو المتصرف في الأمور أيّام أبيه في غالب الولايات والعزل وأمور المملكة، فلما تسلطن ظنّ كل أحد أن لا سبيل في دخول المكيدة على مثل هذا، لمعرفة الناس بحذقه وفطنته.
وكان مع هذه الأوصاف مليح الشكل، وعنده تؤدة في كلامه، وعقل وسكوت خارج عن الحد، يؤديه ذلك إلى التكبّر، وهذا كان أعظم الأسباب لنفور خواطر الناس عنه، فإنه كان في أيام سلطنته لا يتكلم مع أحد حتى ولا أكابر الأمراء إلا نادرا، ولأمر من الأمور الضروريات، وفعل ذلك مع الكبير والصغير، وما كفى هذا حتى صار يبلغ الأمراء أنّه في خلوته يسامر الأطراف الأوباش الذين يستحى من تسميتهم، فعظم ذلك على الناس، فلو كان عدم الكلام مع الناس قاطبة لهان على من صعب سكاته عليه، من كون الرفيع يكون مبعدا والوضيع مقربا، فهذا أمر عظيم لا تحمله النفوس إلا غصبا، فلما وقع ذلك وجد من عنده حقد فرصة، وأشاع عنه هذا المعنى وأمثاله، وبشّع في العبارة وشنّع، وقال هذا وغيره: إنه لا يلتفت إلى المماليك ويزدريهم، وهو مستعزّ بمماليك أبيه الأجلاب وأصهاره وحواشيه وخچداشية أبيه وبالمال الذي خلّفه أبوه، ومنهم من قال أيضا: إنما هو مستعز «١» بحسن تدبيره، فإنه قد عبّأ «٢» لكل سؤال جوابا، ولكل حرب ضربا، وكان مع هذا قد قمع مباشرى الدّولة وأبادهم، وضيّق عليهم، ودقّق في حسابهم كما هو في الخاطر وزيادة، فما أحسن هذا لو كان دام واستمر!! فنفرت قلوب المباشرين أيضا منه، وحقّ لهم ذلك، واستمرت هذه الحرمة من يوم تسلطن إلى مجىء يحيى بن جانم نائب الشام إلى القاهرة، ثم إلى أن عيّن التجريدة إلى البحيرة، فأخذ أمره في إدبار، لعدم مثابرته على سير طريقه الأوّل من سلطنته، فلو جسر لكسر، لكنه هاب فخاب، ولكلّ أجل كتاب- ولنعد إلى ذكر ما كنا بصدده:
стр. 5953
فلما تكامل الجمع في بيت الأمير الكبير خشقدم الناصرى المؤيدى، ومتكلم الأشرفية جانبك المشدّ، وجانبك الظريف الخازندار، ومن معهم من خچداشيتهم الأعيان؛ ومتكلم الظاهرية الأمير جانبك نائب جدّة أحد مقدّمى الألوف، وأعيان خچداشيته، مثل: الأمير أزبك من ططخ الظاهرى، والأمير بردبك البجمقدار ثانى رأس نوبة جدّة، وقد وافقه الأشرفيّة، وهم يظنون أن الجمع ما هو إلا لسلطنة الأمير جانم نائب الشام؛ لأنهم كانوا اتفقوا على ذلك حسبما تقدم ذكره، وهو أن الظاهريّة كانوا إذا شرعوا في الكلام مع الأشرفيّة في معنى الركوب، يقولون بشرط أن لا يكون السلطان منا ولا منكم، وإنما يكون من غير الطائفتين، فيقع بذلك الخلف بينهم، ويتفرقون «١» بغير طائل، إلى أن استرابت الظاهريّة من الملك المؤيّد أحمد هذا، وعظم تخوّفهم منه، فوافقوهم على سلطنة جانم لما جاء ولده يحيى كما تقدم ذكره.
ثم وقع هذا الأمر بغتة، وعلم جانبك نائب جدة أن الأمر خرج عن جانم لغيابه، ولا بد من سلطنة غيره لأن الأمر ما فيه مهلة، فلم يبد للأشرفية شيئا من ذلك، وأخذ فيما هو بصدده إلى أن يتمّ الأمر لغير جانم، ثم يفعل له ما بدا له، وكذا وقع حسبما يأتى ذكره في مجىء جانم، وفي سلطنة الملك الظاهر خشقدم.
هذا وقد جلس جميع الأمراء بمقعد الأمير الكبير خشقدم، فعندما تكامل جلوسهم قام الأمير جانبك نائب جدّة إلى مكان بالبيت المذكور، ومعه الأمير جانبك الأشرفى المشدّ، والأمير جانبك الأشرفى الظريف الخازندار، والأمير أزبك من ططخ الظاهرى، والأمير بردبك البجمقدار الظاهرى، وجماعة أخر من أعيان الطائفتين، وتكلموا فيمن يولونه السلطنة، وغرض جانبك نائب جدّة في سلطنة الأتابك خشقدم، لا في سلطنة جانم نائب الشام، غير أنه لا يسعه الآن إظهار ما في ضميره، خوفا من نفرة الأشرفية، وقال لهم ما معناه: «نحن قد كتبنا للأمير جانم بالحضور، وبايعناه بالسّلطنة، وأنتم تعلمون ذلك عن يقين، وقد دهمنا هذا الأمر على حين غفلة،
стр. 5954
فما تكون الحيلة في ذلك، ولا بدّ من قتال الملك المؤيّد في يومنا، والسلطان ما يقاتل إلا بسلطان مثله، ومتى تهاونّا في ذلك ذهبت أرواحنا» ، فعلم كلّ أحد ممن حضر أن كلام جانبك نائب جدّة صواب، وطاوعه كلّ من حضر على مقالته هذه، فلما وقع ذلك أجمع رأى الجميع على سلطنة أحد من أعيان الأمراء.
ثم تكلموا فيمن يكون هذا السلطان، فدار الكلام بينهم في هذا المعنى، إلى أن قال بعضهم: «سلطنوا الأمير جرباش المحمدى الناصرى أمير سلاح» ، فلم تحسن هذه المقالة ببال الأمير جانبك، ولم يقدر على منعه تصريحا «١» وقال: «جرباش أهل لذلك بلا مدافعة، غير أنه متى تسلطن لا يمكنكم صرفه من السلطنة بغيره- يعنى بالأمير جانم- تلويحا- لأنه رجل عظيم، ومن الجنس، وصهر خچداشنا بردبك البجمقدار، وصهر خچداشكم خيربك البهلوان الأشرفى وغيره، وقد قارب مجىء الأمير جانم من الشام، والأمر إليكم، ما شئتم إفعلوا» .
فكان هذا كله إبعادا لجرباش المذكور، وأخذا بخواطر الأشرفية، فمال كلّ أحد إلى كلامه، ثم قال جانبك: «الرأى عندى سلطنة الأمير الكبير خشقدم المؤيدى، فإنه من غير الجنس، يعنى كونه رومى الجنس، وأيضا إنه رجل غريب ليس له شوكة، ومتى أردتم خلعه أمكنكم ذلك، وحصل لكم ما تقصدونه من غير تعب» .
فأعجب الجميع هذا الكلام، وهم لا يعلمون مقصوده ولا غرضه؛ فإن جلّ قصد جانبك كان سلطنة خشقدم، فإنه مؤيّدى، وخچداشيّته جماعة يسيرة، وأيضا يستريح من جانم نائب الشام وتحكّم أعدائه الأشرفيه فيه وفي خچداشيته الظاهريّة، ويعلم أيضا أنه متى تمّ سلطنة الأتابك خشقدم، وأقام أياما عسر خلعه، وبعدت السلطنة عن جانم وغيره، فدبّر هذه المكيدة على الأشرفية، فمشت عليهم أولا، إلى أن ملكوا القلعة، وخلع الملك المؤيّد بسرعة فتنبّهوا لها.
стр. 5955
وكانت الأشرفية لما سمعوا كلام جانبك، وقالوا: «نعم نرضى بالأمير الكبير» كان في ظنهم أن قتالهم يطول مع الملك المؤيّد أيّاما كثيرة، كما وقع في نوبة المنصور عثمان، ويأتيهم جانم وهم في أشد القتال، فلا يعدلون عنه لخشقدم، فيتمّ لهم ما قصدوه، فاتفقت كل طائفة مع الأخرى «١» فى الظاهر، وباطن كل طائفة لواحد، فساعد الدّهر الظاهريّة، وانهزم الملك المؤيّد في يوم واحد حسبما نذكره الآن.
فلما وقع هذا الكلام جاءت الطائفتان الأشرفيّة والظاهريّة إلى الأمراء وهم جلوس بمقعد الأمير الكبير خشقدم، والجميع جلوس بين يدى خشقدم، فافتتح الأمير جانبك نائب جدّة الكلام وقال:
«نحن- يعنى الظاهرية والأشرفية- نريد رجلا نسلطنه، يكون لا يميّز طائفة على أخرى، بل تكون جميع الطوائف عنده سواء في الأخذ والعطاء، والولاية والعزل، وأن يطلق الأمراء المحبوسين من سائر الطوائف، ويرسم في سلطنته بمجيء المنفيّين من البلاد الشّاميّة وغيرها إلى البلاد المصريّة، ويطلق الملك العزيز يوسف ابن الملك الأشرف برسباى، والملك المنصور عثمان ابن الملك الظاهر جقمق من برجى الإسكندرية، ويسكنا الإسكندرية في أى دار شاءا، ويأذن لهما في الرّكوب إلى الجامع وغيره بثغر الإسكندرية من غير تحفّظ بهما.
وكان كلام الأمير جانبك لجميع الأمراء لم يخص أحدا منهم بكلام دون غيره، فبادر الأتابك خشقدم بالكلام وقال: «نعم» ثم التفت جانبك إلى الجمع، وقال:
«فمن يكون السلطان على هذا الحكم؟» فبدأ سنقر قرق شبق الأشرفى الزّردكاش، وقال ما معناه: «ما نرضى إلا بالأمير جانم نائب الشام، أنتم كتبتم «٢» له بالحضور، وأذعنتمو بسلطنته، فكيف تسلطنوا غيره؟ فنهره الأمير خيربك من جديد الأشرفى لنفس كان بينهما قديما، وقال:
стр. 5956
«لست بأهل الكلام في مثل هذا المجلس» فعند ذلك قال الأمير قائم التاجر المؤيّدى أحد مقدمى الألوف ما معناه «يا جماعة إن كنتم كاتبتم الأمير جانم نائب الشام فلا تسلطنوا غيره إلى أن يحضر وسلطنوه، فإنه لا يسعكم من الله أن تسلطنوا غيره الآن ثم تخلعوه عند حضور جانم، فهذا شىء لا يكون» فلم يسمعوا كلامه، وسمع في الغوغاء قول قائل لا يعرف:
«سلطنوا الأمير جرباش» :
فامتنع جرباش من ذلك وقال ما معناه: «إن هذا شىء راجع إلى الأمير الكبير» ، وقبّل الأرض من وقته، «١» فقام الأمير جانبك الأشرفى الظريف الخازندار وبادر بأن قال: «السلطان الأمير الكبير» ، وقبّل الأرض «٢» ، ثم فعل ذلك جميع من حضر من الأمراء، ونودى بالحال بسلطنته بشوارع القاهرة، ثم شرعوا بعد ذلك في قتال الملك المؤيّد أحمد هذا.
كل ذلك والملك المؤيّد في القلعة في أناس قليلة من مماليكه ومماليك أبيه الأجلاب، ولم يكن عنده من الأمراء أحد غير مملوك والده قراجا الطويل الأعرج، أحد أمراء العشرات، وهو كلا شىء، والأمير آخور الكبير برسباى البجاسى، وليته لا كان عنده «٣» ، وخيربك القصروى نائب قلعة الجبل وكان أضرّ عليه من كل أحد حسبما يأتى ذكر فعله، كلّ ذلك والملك المؤيد لا يعلم حقيقة ما العزم فيه، غير أنه يعلم باجتماع المماليك والأمراء في بيت الأمير الكبير خشقدم، وأنهم في أمر مريج، غير أنه لا يعرف نص ما هم فيه، وصار الملك المؤيّد يسأل عن أحوالهم، وينتظر مجىء أحد من مماليك أبيه إليه، فلم يطلع إليه أحد منهم، بل العجب أن غالبهم كان مع القوم عند الأمير الكبير مساعدة على ابن أستاذهم، وليتهم كانوا من المقبولين، وإنما كانوا من المذبذبين
стр. 5957
لا غير، على أن الملك الظاهر خشقدم لما تسلطن أبادهم، وشوّش عليهم بالمسك وإخراج أرزاقهم أكثر مما عمله مع الذين كانوا عند المؤيد- فلا شلّت يداه- وبقى الملك المؤيد كلما فحص عن أمر الفتنة لا يأتيه «١» أحد بخبر شاف، بل صارت الأخبار عنده مضطربة، وآراؤه مفلوكة، وهو في عدم حركة، ويظهر عدم الاكتراث بأمر هذا الجمع، إلى أن تزايد الأمر، وخرج عن الحد، وصار اللعب جدّا، فعند ذلك تأهّب من كان عنده من المماليك، وقام الملك المؤيّد من قاعة الدهيشة، ومضى إلى القصر السلطانى المطلّ على الرّميلة «٢» ، ثم نزل بمن معه إلى باب السلسلة، وقبل أن يصل إلى الإسطبل جاءه الخبر بأن القوم أخذوا باب السلسلة، وملكوا الإسطبل السلطانى، وأخذوا الأمير برسباى البجاسى الأمير آخور الكبير أسيرا إلى الأمير الكبير خشقدم، وكان أخذ باب السلسلة مكيدة من برسباى المذكور، فلما سمعت الأجلاب أخذ باب السلسلة نزل طائفة منهم وصدموا من بها من عساكر الأتابك خشقدم صدمة هزموهم فيها، واستولوا على باب السلسلة ثانيا، وهو بلا أمير آخور.
وجلس السلطان الملك المؤيد بمقعد الإسطبل المطل على الرّميلة، وكان عدم نزول المؤيّد إلى الإسطبل بسرعة له أسباب، منها: أنه كان مطمئن الخاطر على باب السلسلة؛ لكون الأمير آخور برسباى ليس هو من غرض أحد من الطائفتين، وأيضا كونه صهره زوج بنت أخته من الأمير بردبك الدّوادار الثانى، وقد صار بردبك من الممسوكين عند الأتابك خشقدم، وأيضا أن والده إينال هو الذي رقّاه وخوّله في النعم، فلم يلتفت برسباى لشىء من ذلك، وأنشد قول من قال: [الوافر]
لعمرك والأمور لها دواع ... لقد أبعدت ياعتب الفرارا
ومنها: أنه صار ينتظر من يأتيه من أصحابه وحواشيه وخچداشية «٣» أبيه ومماليكه،
стр. 5958
فلم يأته أحد منهم، فلما يئس منهم قام من الدّهيشة بعد أن جاءه الخبر بأخذ باب السلسلة واسترجاعها بيد مماليك أبيه الأجلاب، ولما جلس بالمقعد ورأى القوم قد تكاثف جمعهم وكثر عددهم، وهو فيما هو فيه من قلّة العساكر والمقاتلة، لم يكترث بذلك، وأخذ في الدفع عن نفسه بمن عنده، غير أن الكثرة غلبت الشجاعة، وما ثمّ شجاعة ولا دربة بمقاومة الحروب، وصار كذلك خذلانا من الله تعالى، فإنه لم يطلع إليه في هذا اليوم واحد من مماليك أبيه القديمة ولا خچداشيته، وما كان عنده من الأمراء غير قراجا المقدم ذكره، ومن أعيان الخاصكية فارس البكتمرى أحد الدّوادارية الأجناد، ومقبل دواداره قديما قبل سلطنته، وهؤلاء الثلاثة كلا شىء، ولولا ذكر أسماء من كان عنده علم خبر ما ذكرت مثل هؤلاء الأصاغر، وكان عنده مع هؤلاء أجلاب أبيه الذين بالأطباق، وهم عدة كبيرة نحو الألف أو دونها بيسير، أو أكثر منها بقليل، وهم الذين اشتراهم والده الأشرف بعد سلطنته من التجار، وأما الذين اشتراهم من تركة الظاهر جقمق ومن مماليك ولده الملك المنصور عثمان- وعدتهم تزيد على المائتين، وهم أعيان مماليك الأشرف إينال وأصحاب الوظائف والإقطاعات- فقد استمالهم الأمير جانبك نائب جدّة قبل ذلك، وقال لهم: «أنتم ظاهرية وشراء الأشرف لكم غير صحيح» فمالوا إلى كلامه وإحسانه وعطاياه الخارجة عن الحدّ في الكرم، وصاروا من حزب الظاهرية، وركبت الجميع معه في هذا اليوم، وقاتلوا ابن أستاذهم أشدّ قتال، وصاروا هم يوم ذلك أعيان العسكر بالشبيبة والإمكان والكثرة، هذا مع من كان مع الأتابك خشقدم من الناصرية والمؤيديّة والظاهرية والسيفية.
فلما رأى الملك المؤيّد كثرة هذه العساكر وميل مماليك والده معهم تعجّب غاية العجب، وعلم أن ذلك أمر ربّانىّ ليس فيه حيلة، وما هو إلا بذنب سلف من دعوة مظلوم غفلوا عنها لم يغفل الله عنها، أو للمجازاة؛ لأن الجزاء من جنس العمل، وقد ركب أبوه الملك الأشرف إينال على الملك المنصور عثمان بعد أن تخوّل فى نعم الظاهر جقمق، فإنه هو الذي رقّاه وولّاه الأتابكية، فغدر به وخلعه من الملك، وتسلطن مكانه، وحبسه إلى أن مات.
стр. 5959
وأغرب من هذا كله أن الملك المؤيد هذا كان له أيام والده جماعة كبيرة من أعيان الظاهريّة والأشرفيّة والسيفية يصحبونه ويمشون في خدمته، ويتوجهون معه في الرّمايات والأسفار، وإحسانه متصل إليهم من الإنعام والمساعدة في الأرزاق والوظائف، فلم يطلع إليه واحد منهم، وأيضا فانضافوا «١» الجميع للأتابك خشقدم ومن معه قبل أن يستفحل أمر خشقدم ويضعف أمر المؤيد، فماذاك إلا عدم موافاة لا غير.
وأعجب من هذا أن أصحاب المؤيد ومماليك أبيه الذين تقدم ذكرهم ممّن انضاف مع الأتابك خشقدم كانوا يوم الواقعة من المقوتين لا من المتأهلين، وذلّ الإبعاد لائح عليهم، وكان يمكنهم «٢» تلافى الأمر والطلوع إلى الملك المؤيد ومساعدته، فلم يقع ذلك، فهذا هو السبب لقولى: إن هذا كله مجازاة لفعل والده السّابق، وقد ورد في الإسرائيليات، يقول الرب: «يا داود، أنا الرّب الودود، أعامل الأبناء بما فعل الجدود»
ثم التحم القتال بين الطائفتين مناوشة لا مصاففة، غير أن كلا من الطائفتين مصرّ على قتال الطائفة الأخرى، والملك المؤيد في قلة عظيمة من المقاتلة ممن يعرف مواقع الحرب وليس معه إلا أجلاب، وهذا شىء لم يقع لأحد غيره من السلاطين أولاد السلاطين؛ فإن الناس لم تزل أغراضا، ووقع ذلك للعزيز مع الملك الظاهر جقمق، فكان عند العزيز جماعة كثيرة من الأمراء والأعيان لا تدخل تحت حصر، وكذلك للمنصور عثمان مع الملك الأشرف إينال، وكان عنده خلائق من أعيان الأمراء، مثل الأمير تنم المؤيدى أمير سلاح، ومثل الأمير قانى باى الچاركسى الأمير آخور الكبير، وغيرهما من أعيان أمراء أبيه، ولا زالت الدنيا بالغرض، فقوم مع هذا، وقوم مع هذا، غير أن الملك المؤيد هذا لم يكن عنده أحد البتة، فانقلب الموضوع في شأنه؛ فإنه كان يمكن الذي وقع له يكون للعزيز والمنصور؛ فإنهما كانا حديثى سن، والذي وقع لهما-
стр. 5960
أعنى العزيز والمنصور- كان يكون للمؤيّد؛ لأنه كبير سن، وصاحب عقل وتدبير- فسبحان الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
قلت: ولهذا لم تطل وقعة المؤيد هذا، فإنه علم بذلك زوال ملكه، وتركه برسباى البجاسى الأمير آخور، وخيربك القصروى نائب قلعة الجبل، ونزلا إلى الأتابك خشقدم، فإن العادة في الحروب إذا كان كل من الطائفتين يقابل الأخرى في القوة والكثرة يقع القتال بين الطائفتين، وكلّ من الطائفتين يترجّى النّصرة، إلى أن يؤول النصر لإحدى الطائفتين، وتذهب الأخرى، إلّا هذه الوقعة لم يكن عند المؤيّد إلّا من ذكرناه. وأما عساكر الأتابك خشقدم فانتشرت على مفارق الطرق، فوقف الأمير جانبك الظاهرى نائب جدّة بجماعة كثيرة من خچداشيته ومماليكه برأس سويقة منعم، وتلقّى قتال الملك المؤيد بنفسه وبحواشيه المذكورين، وعظم أمر الأمير الكبير خشقدم به حتى تجاوز الحدّ «١» ، واجتهد جانبك المذكور في حرب المؤيد حتى أباده.
وكان الملك المؤيّد أولا يقرّب جانبك هذا في ابتداء سلطنته تقريبا هيّنا مع عدم التفات إليه ولا إلى غيره؛ لأنه كان يقول في نفسه: إن ابتداءه كانتهاء أبيه في العظمة، ولما تسلطن أخذ في الأمر والنهى أولا بغير حساب عواقب، استعزازا بكثرة ماله وبحواشيه ومماليك أبيه، فسار في الناس بعدم استمالة خواطرهم، وسار على ذلك مدّة أيام، وجعل جانبك هذا في أسوة من سلك معهم هذه الفعلة، فاستشارنى جانبك في أن يداخله لعله يرقّع عليه أمره، فإنه ما كان «٢» حمولا للذّل، وإنما كان طبعه أن يبذل
стр. 5961
المال الجزيل في القدر اليسير في قيام الحرمة، فأشرت عليه بالمداخلة، فداخله، وكنت أنا قبل ذلك داخلته أياما، فإذا به جامد نفور بعيد الاستمالة إلا لمن ألفه، وحدّثته «١» بما رأيته منه قبل أن أشير عليه بصحبته، فقال ما معناه: إنى أنا آخذ الشيء بعزة وتمهل، وهو يدور مع الدهر كيفما دار، ثم اجتمع بى بعد مدّة أيام في يوم الجمعة بعد أن صلّى معه الجمعة، وقلع ما عليه من قماش الموكب، ودخل إليه في الخلوة بقاعة الدهيشة، ثم خرج من عنده وهو غير منشرح الصدر، وقال لى: «القول ما قلته» ، ثم شرعنا فيما نحن في ذكره مجلسا طويلا، وقمنا على غير رضاء من الملك المؤيّد.
ووقع في أثناء ذلك ما ذكرناه من أمر الوقعة والفتنة، ووقوف جانبك ومن معه برأس سويقة منعم، هذا مع ما كان بلغ المؤيد في هذا اليوم وفي أمسه أن القائم بهذا الأمر كله جانبك نائب جدّة، وأنه هو أكبر الأسباب في زوال ملكه، وفي اجتماع الناس على الأتابك خشقدم، ثم رأى في هذا اليوم بعينه من قصر القلعة وقوف جانبك على تلك الهيئة، فعلم أن كل ما قيل عنه في أمسه ويومه صحيح، فأخذ عند ذلك يعتذر وكتب كتابا للأمير جانبك بخطّه يعده فيه بأمور، منها: أنه يجعله إن دخل في طاعته أتابك العساكر بالدّيار المصريّة، وأنه لا يخرج عن أوامره، وأنه يكون هو صاحب عقده وحلّه، ويترقّق له، وبسط الكلام في معنى ما ذكرناه أسطرا كثيرة، وهو يكرّر السؤال فيه، ويحلف له فيما وعده به، ورأيت أنا الكتاب بعينى، وفيه لحن كثير، كأنه كان مامارس العربيّة، ولا له إلمام بالمكاتبات، على أنه كان حاذقا فطنا، غير أن الفضيلة نوع آخر، كما كانت رتبة المقام الناصرى محمد ابن الملك الظاهر جقمق- رحمهما الله تعالى- فلم يرث جانبك لما تضمن هذا الكتاب، ودام على ما هو عليه، ونهر قاصده الحامل لهذا الكتاب، وقال له: «إن عدت إلىّ مرّة أخرى أرسلتك إلى الأمير الكبير» ، واستمر على ما هو عليه من الاجتهاد في القتال، وصار أمر الملك المؤيد في إدبار، وعساكر الأتابك خشقدم في نموّ وزيادة.
стр. 5962
هذا والمناوشة بالقتال مستمرّة بين الطائفتين، وقد أفطر في هذا اليوم خلائق من شدة الحر، وتعاطى القتال من الطائفتين؛ وجرح جماعة كثيرة من الفريقين، فلم ينقض النهار حتى آل أمر الملك إلى زوال، وهو مع ذلك ينتظر من يجيء إليه لمساعدته، وهو بين عسى ولعلّ، وكاتب جماعة من أصحابه ممن كان عند الأتابك خشقدم؛ فلم يلتفت إليه أحد لتحقق الناس زوال ملكه.
وبينما الناس في ذلك وإذا بخير بك القصروى نائب قلعة الجبل ترك باب المدرّج، ونزل إلى الأمير الكبير خشقدم، وصار من حزبه، فعلم كلّ أحد أنه قد ذهب أمر الملك المؤيّد، ولو كان فيه بقية ما نزل نائب القلعة منها وانضاف إلى جهة الأمير الكبير، وبقى باب القلعة بغير ضابط، فأرسل الملك المؤيد في الحال بعض أصحابه وجلس مكان خيربك هذا، فلم يشكر أحد خيربك المذكور على فعلته هذه.
كل ذلك وأمر المؤيّد في انحطاط فاحش، وصارت العامة تسمعه المكروه من تحت القلعة: لا سيما لما دخل الليل، فإنه بات بالقصر في قلّة من الناس إلى الغاية؛ لأن غالب من كان عنده تركه ونزل إلى تحت، وكانوا في الأصل جمعا يسيرا، وبات من هو أسفل وقد استفحل أمرهم، وتأهبوا للقتال في غد، وهمتهم قد عظمت من كثرة عددهم، وتكاثف عساكرهم من كل طائفة، حتى من ليس له غرض عند أحد بعينه جاء إلى الأمير الكبير مخافة على رزقه ونفسه؛ لما علم من قوّة شوكة الأمير الكبير وما يؤول أمره إليه.
هذا مع حضور الخليفة والقضاة الأربعة عند الأمير الكبير وجميع أعيان الدولة من المباشرين وأرباب الوظائف وغيرهم، والملك المؤيد في أناس قليلة جدا، ومضت ليلة الأحد المذكور، والملك المؤيد في أقبح حال، هذا وقد عدم ترجّى من كان عنده بالقلعة من نصرته، وتقاعد غالب من كان عنده عن القتال، وهم الأجلاب من مماليك أبيه لا غير.
فلما أصبح نهار الأحد تاسع عشر شهر رمضان من سنة خمس وستين وثمانمائة
стр. 5963
ظهر ذلك عليهم، وبردت همتهم، وركضت ريح عزائمهم، وأخذ كل واحد من أصحابه فى مصلحة نفسه، إما بالإذعان للأمير الكبير خشقدم، أو بالتّجهّز للهرب والاختفاء، وظهر ذلك للملك المؤيد عيانا، فأراد أن يسلّم نفسه، ثم أمسك عن ذلك من وقته.
كلّ ذلك وأصحاب الأمير الكبير لا يعلمون بذلك، فقد أصبحوا في أفحل أمر، وأقوى شوكة، وأكثر عدد، وقد تهيئوا في هذا اليوم للقتال ومحاصرة قلعة الجبل، زيادة على ما كانوا عليه في أمسه، وفي نفوسهم أن أمر القتال يطول بينهم أيّاما، وبيناهم في ذلك ورد عليهم خبر الملك المؤيد مفصلا، وحكى لهم انحلال برمه وانفلاك أمره، وما هو فيه من أنه أراد غير مرّة تسليم نفسه، وزاد الحاكى وأمعن لغرض ما، فقوى بذلك قلوب من هو أسفل، وتشجّع كلّ جبان، فطلب المبارزة كلّ مولّ، وتقدّم كل من كان خاف هذا من هؤلاء، فكيف أنت بالشجاع المقدام؟!
فعند ذلك اجتمعوا على القتال، وزحفوا على القلعة بقلب رجل واحد، فقاتلهم عساكر الملك المؤيد قتالا ليس بذاك ساعة هيّنة، فلما رأى الملك المؤيد أن ذلك لا يفيده إلا شدّة وقسوة أمر عساكره ومقاتلته بالكفّ عن القتال، وقام من وقته وطلع القلعة بخواصه، وأمر أصحابه بالانصراف إلى حيث شاءوا.
ثم دخل هو إلى والدته خوند زينب بنت البدرى حسن بن خاص بك، وترك باب السّلسلة لمن يأخذه بالتسليم، وتمزّقت عساكره في الحال كأنها لم تكن، وزال ملكه في أقلّ ما يكون، فسبحان من لا يزول ملكه وبقاؤه الدائم الأبدى.
فلما بلغ الأمير الكبير خشقدم الخبر قام من وقته بمن معه من أصحابه وعساكره، وطلع إلى باب السلسلة، واستولى على الإسطبل السلطانى، وملك قلعة الجبل أيضا في الحال من غير مقاتل ولا مدافع، وأمر الأمير الكبير في الحال بقلع السّلاح وآلة الحرب وسكن الأمر، وخمدت الفتنة كأنها لم تكن، ثم أرسل الأتابك خشقدم في الحال جماعة من أصحابه قبضوا على الملك المؤيد أحمد هذا من الدّور السلطانية، فأمسك من غير ممانعة، وسلم نفسه، وأخرج من الدّور إلى البحرة من الحوش السلطانى، وحبس
стр. 5964
هناك بعد أن قيّد واحتفظ به، وأمسك أخوه محمد أيضا، وحبس معه بالبحرة، فخرجت والدتهما خوند زينب المقدّم ذكرها معهما، وأقامت عندهما بالبحرة المذكورة، وقد علمت وعلم كلّ أحد أيضا بأن الذي وقع لهم من زوال ملكهم في أسرع وقت إنما هو بدعوة مظلوم غفلوا عنها، لم يغفل الله عنها، ولله در القائل: [الوافر]
أرى الدّنيا تقول بملء فيها ... حذار حذار توبيخى وفتكى «١»
ولا يغرركم منّى ابتسام ... فقولى مضحك، والفعل مبكى
قلت: «على قدر الصّعود يكون الهبوط، وكما تدين تدان، وما ربّك بظلّام للعبيد، والجزاء من جنس العمل» وكأنّ لسان حال إسكندرية قبل ذلك يقول: «كل ثان لا بدّ له من ثالث» ، فالأوّل ممّن كان فيها من السّلاطين أولاد الملوك: الملك العزيز يوسف ابن الملك الأشرف برسباى، وقد خلعه الملك الظاهر جقمق، وتسلطن مكانه، ثم الملك المنصور عثمان ابن الملك الظاهر جقمق، خلعه الملك الأشرف إينال، وتسلطن عوضه، وهو الثانى، فاحتاجت الإسكندرية إلى ثالث، ليجازى كلّ على فعله، فكان المؤيد هذا، خلعه الملك الظّاهر خشقدم، وتسلطن مكانه، واستولى على جميع حواصل الملك المؤيد وذخائره، فلم يجدوا فيها ما كان في ظنّهم، فطلبوا منه المال، فذكر أنّه أصرف جميع ما كان في خزانة والده في نفقة المماليك السّلطانية لما تسلطن، ولم يبق في الخزانة إلا دون المائة ألف دينار.
ثم تتّبعوا حواصله وحواشيه بعد ذلك، فأخذوا منهم زيادة على مائة ألف دينار، وبعض متاع، وصينى وقماش. واستمرّ الملك المؤيّد محتفظا به بالبحرة إلى ما سنذكره.
стр. 5965
وكانت مدّة تحكمه من يوم تسلطن إلى يوم خلع من السلطنة بالملك الظاهر خشقدم أربعة أشهر وستة أيام بغير تحرير، وبتحرير الأوقات والساعات:
وخمسة أيام.
ولما نكب الملك المؤيد وخلع من السلطنة على هذا الوجه كثر أسف الناس عليه إلى الغاية والنهاية، فإنه كان سار في سلطنته سيرة حسنة جميلة، وقمع أهل الفساد وقطّاع الطريق بجميع إقليم مصر، وأمنت السّبل في أيامه أمنا زائدا، واطمأنّت النفوس من تلك المخاوف التي كانت في أيام أبيه، وزالت أفعال الأجلاب بالكليّة مما أردعهم في أوائل سلطنته بالإخراق والوعيد وأبعدهم عنه، ثم سلك الطريق الجميلة فى الرعيّة فعظم حبّ الناس له، وانطلقت الألسن له بالدعاء والابتهال سرّا وعلانية، وسر بسلطنته كلّ أحد من الناس، ومالت القلوب إليه، لولا تكبّر كان فيه وعدم التفات إلى الأكابر، حسبما تقدّم ذكره، وهذا كان أكبر الأسباب لتوغّر خواطر الأمراء منه، وإلا فكان أهلا للسلطنة بلا نزاع، فلو أنّه سار مع الأمراء سيرة والده الأشرف من الملق، وأخذ الخواطر مع إرادة الله تعالى، لدامت أيّامه مقدار المواهب الإلهية، لأنه كان ملكا عارفا سيوسا، فطنا عالى الهمة يقظا، لولا ما شان سؤدده من التكبّر، ومصاحبة الأحداث، ولله در القائل:
[الطويل]
ومن ذا الّذى ترضى سجاياه كلّها؟ ... كفى المرء فخرا أن تعدّ معايبه «١»
ودام الملك المؤيد هذا بالبحرة من الحوش السلطانى بقلعة الجبل إلى يوم الثلاثاء حادى عشرين شهر رمضان فرسم السلطان الملك الظاهر خشقدم بتوجّهه وتوجّه أخيه محمد إلى سجن الإسكندرية، فأنزلا في باكر النهار المذكور، وأخرج الملك المؤيد هذا مقيّدا، وحمل على فرس، ولم يركب خلفه أحد من الأوجاقية «٢» - كما هى عادة
стр. 5966
من يحمل من أعيان الأمراء إلى سجن الإسكندرية- فنزّهوا مقامه عن ذلك، وأنا أقول: لعل أنه ما قصدوا بذلك إجلاله، فإنه «١» ليس في القوم من هو أهل لهذه المعانى. وإنما الملك المنصور عثمان كان لما أنزل من القلعة إلى الإسكندرية على هذه الهيئة لم يركب خلفه أوچاقى، فظن القوم أن العادة لا يركب خلف السلطان أوچاقى ففعلوا بالمؤيد كذلك، ولقد سمعت هذا المعنى من جماعة من أكابر الجهلة المشهورين بالمعرفة، فلو قيل له: وأى سلطان أنزل من القلعة بعد خلعه من السلطنة إلى الإسكندرية على هذا الوجه، لما كان يسعه أن يقول رأيت ذلك في بلاد الچاركس- انتهى.
وحمل أخوه محمد أيضا على فرس آخر بغير قيد فيما أظن، ونزل أمامه، وبين يديهما مملوك أبيهما قراجا الأشرفى الطويل الأعرج على بغل بقيد، وخلفه أوچاقى- على عادة الأمراء- بسكين، وأنا أقول: عظم قراجا بهذا النزول مع هؤلاء الملوك في مثل هذا اليوم، والذي أراه أنا أنه كان يتوجّه بين يدى هؤلاء ماشيا إلى أن يصل إلى البحر، وإلا فهذا إجلال لقدر هذا الوضيع، وإن كان فيه ما فيه من النكد، ففيه ثوع من رفع مقامه.
وسار الجميع والعساكر محتفظة بهم، وعلى أكثرهم السلاح وآلة الحرب، وجلست الناس بالحوانيت والطّرقات والبيوت لرؤية الملك المؤيد هذا، كما هى عادة العوامّ وغيرهم من المصريين، وتوجهوا بهم من الصليبة إلى أن اجتازوا بالملك المؤيد وأخيه محمد على تلك الهيئة بدار أخته شقيقته زوجة الأمير يونس الدّوادار الكبير، وهو في حياض الموت، لمرض طال به أشهرا تجاه الكبش، فلما وقع بصر زوجة الأمير يونس على أخويها وهما في تلك الحالة العجيبة المهولة صاحت بأعلى صوتها هى ومن حولها من الجوارى والنسوة، فقامت عيطة عظيمة من الصّياح واللّطم والرءوس المكشوفة، فحصل للناس من ذلك أمر عظيم من بكاء وحزن وعبرة «٢» على ما أصاب هؤلاء من النّكبة
стр. 5967
والهوان بعد الأمن والعزّ الذي لا مزيد عليه، وما أحسن قول من قال في هذا المعنى:
[البسيط]
جاد الزّمان بصفو ثمّ كدّره ... هذا بذاك، ولا عتب على الزمن
ودام سيرهم على هذه الصفة إلى أن وصلوا بهم إلى البحر بخط بولاق بساحل النّيل، فأنزل الملك المؤيد وأخوه ومعهما قراجا المذكور في مركب واحد، وسافروا من وقتهم على الفور إلى الإسكندرية، وقد كثر تأسّف الناس عليهم إلى الغاية، ما خلا المماليك الظاهرية فإنهم فرحوا به لما كان فعل الملك الأشرف إينال بابن أستاذهم الملك المنصور كذلك، فجازوه بما فعلوه الآن مع ابنه الملك المؤيد هذا، قلت: هكذا فعل الدهر، يوم لك ويوم عليك.
ودام الملك المؤيد ومن معه مسافرا في البحر إلى ثغر رشيد، فسافروا على البر إلى أن وصلوا إلى الإسكندرية، فسجنوا بها، واستمر الملك المؤيد مسجونا بقيده إلى أن استهلّت سنة ست وستين فرسم السلطان الملك الظاهر خشقدم بكسر قيده فكسر، وتوجهت والدته خوند زينب إليه وسكنت عنده بالثغر ومعها ابنتها زوجة الأمير يونس بعد موته، ثم مرض ولدها محمد في أثناء السّنة أيّاما كثيرة، ومات بالثغر، ودفن به في ذى الحجة، وقبل موته ماتت ابنته بنت أشهر، ولم يتهم أحد لموته، لأن مرضه كان غير مرض المتهومين، ولما وقع ذلك أرسلت والدته خوند زينب تستأذن السّلطان في حمل رمّة ولدها محمد المذكور من الإسكندرية إلى القاهرة لتدفنه عند أبيه الأشرف إينال، فأذن لها في ذلك، فحملته بعد أشهر، وجاءت به إلى القاهرة في شهر ربيع الأوّل من سنة سبع وستين وثمانمائة، ودفن محمد المذكور على أبيه في فسقية واحدة- رحمهما الله تعالى والمسلمين- ولم تحضر والدته المذكورة مع رمّة ولدها محمد، وإنما قامت عند ولدها الملك المؤيد أحمد بالإسكندرية، لمرض كان حصل للملك المؤيد أبطل بعض أعضائه، ثم عوفى بعد ذلك بمدّة، وحضرت بعد ذلك إلى القاهرة بطلب من السلطان بسبب المال، وصادفت
стр. 5968
وفاة الأمير يونس المؤيدى الدوادار الكبير صهره زوج أخته بعد يوم، ثم تزوّجها الأمير كسباى الخشقدمى الدّوادار الثانى، فقبل دخولها ماتت معه.
وكان عمره وقت سلطنته نيفا وثلاثين سنة، فإن مولده وأبوه نائب بغزة.
وكانت مدة سلطنة الملك المؤيّد أحمد على مصر أربعة أشهر وأربعة أيام، مرّت أيامه كالدقائق، لسرعتها وحسن أوقاتها، ودام في الإسكندرية، وقد كمل له بها الآن مدّة عشر سنين سواء.
ولما مات الظاهر خشقدم وتسلطن الملك الظاهر تمربغا الظاهرى، ففى أوّل يوم رسم بإطلاق الملك المؤيّد أحمد من سجن الإسكندرية، ورسم له بأن يسكن في الإسكندرية في أى بيت شاء، وأنه يحضر صلاة الجمعة راكبا، وأرسل إليه خلعة وفرسا بقماش ذهب، فاستمرّ يركب، ولما تسلطن صهره الملك الأشرف قايتماى زاد فى إكرامه، وبقى يسافر، وصاهره على ابنته الأمير يشبك من مهدى الظاهرى الدّوادار الكبير، ودام «١» .
وهذه السنة وهى سنة خمس وستين وثمانمائة هى التي اتفق فيها أن حكم فيها ثلاثة ملوك؛ حكم الملك الأشرف إينال من أوّلها إلى نصف جمادى الأولى، وحكم ولده الملك المؤيّد هذا من نصف جمادى الأولى المذكورة إلى تاسع عشر شهر رمضان فقط، وحكم الملك الظاهر خشقدم من تاسع عشر شهر رمضان فقط إلى آخرها.
وسنذكر وفيات هذه السنة بتمامها في محلها في أول سنين سلطنة الملك الظاهر خشقدم- حسبما اصطلحنا عليه في مصنفنا هذا- إن شاء الله تعالى.
стр. 5969
ذكر سلطنة الملك الظاهر خشقدم على مصر
هو السلطان الملك الظاهر أبو سعيد سيف الدين خشقدم بن عبد الله الناصرى المؤيّدى، وهو السلطان الثامن والثلاثون من ملوك التّرك وأولادهم بالديار المصرية، والأوّل من الأروام بعد أن تسلطن من الچراكسة وأولادهم ثلاثة عشر ملكا، أعنى من أول دولة الظاهر برقوق وهو القائم بدولة الچراكسة ابتداء، وأما من سلف من ملوك التّرك الچراكسة والأروام ففيهم اختلاف كثير، لعدم ضبط المؤرخين هذا المعنى، والذي تحرّر منهم من دولة الملك الظاهر برقوق إلى يومنا هذا، فأوّل الچراكسة برقوق، وأول الأروام خشقدم، هذا وبينهما إحدى وثمانون سنة لا تزيد يوما ولا تنقص يوما، لأن كلّا منهما تسلطن في تاسع عشر شهر رمضان، فذاك- أعنى برقوقا- فى سنة أربع وثمانين وسبعمائة، وخشقدم هذا في سنة خمس وستين وثمانمائة، تسلطن يوم خلع الملك المؤيّد أبو الفتح أحمد ابن السلطان الملك الأشرف إينال الأجرود، فى يوم الأحد تاسع عشر شهر رمضان سنة خمس وستين وثمانمائة بعد الزوال، وهو يوم ملك القلعة من الملك المؤيّد أحمد.
فلما كان وقت الزّوال طلب الخليفة المستنجد بالله يوسف والقضاة والأعيان، وقد حضر جميع الأمراء في الإسطبل السلطانى بباب السّلسلة بالحرّاقة «١» ، وبويع بالسلطنة، وكان قد بويع بها من بكرة يوم السبت ثامن عشر شهر رمضان قبل قتال الملك المؤيّد أحمد حسبما تقدّم ذكره في ترجمة الملك المؤيّد أحمد، ولقب بالملك الظاهر، وكنى بأبى سعيد.
ولما تمّ له الأمر لبس خلعة السلطنة السّواد من مبيت الحرّاقة وركب فرس النوبة،
стр. 5970
وطلع إلى القصر السلطانى «١» بشعار الملك «٢» والأمراء والعساكر مشاة بين يديه، ماخلا الخليفة فإنه راكب معه، وقد حمل القبّة والطير على رأسه الأمير جرباش المحمدى الناصرى المعروف بكرد أمير سلاح، وجلس على تخت الملك، وقبّلت الأمراء والعساكر الأرض بين يديه، ودقّت البشائر في الوقت، فازدحمت الناس لتهنئته وتقبيل يديه إلى أن انتهى كلّ أحد، ونودى في الحال بسلطنته في شوارع القاهرة، وخلع على الخليفة المستنجد بالله يوسف فوقانيا حريرا بوجهين أبيص وأخضر بطرز زركش، وقدّم له فرسا بسرج ذهب وكنبوش زركش، ثم خلع على الأمير جرباش المحمدى أطلسين متمّرا وفوقانيا بوجهين بطرز زركش، وأنعم عليه بفرس بقماش ذهب، وهذه الخلعة لحمله القبّة والطير على رأس السلطان، وخلعة الأتابكيّة تكون بعد ذلك، غير أن جرباش المذكور علم أنه قد صار أتابكا لحمله القبّة والطير على رأس السلطان.
ثم خلع السلطان على الأمير قرقماس الأشرفى أمير مجلس باستقراره أمير سلاح عوضا عن جرباش.
وكانت سلطنة الملك الظاهر خشقدم وجلوسه على تخت الملك وقت الظهر من يوم الأحد المقدم ذكره، «٣» وكان الطالع وقت سلطنته وجلوسه على تخت الملك «٤» .
واستمرّ جلوس السلطان الملك الظاهر خشقدم بالقصر السلطانى من قلعة الجبل إلى الخميس، وعنده جميع الأمراء على العادة، ثم أصبح السلطان في يوم الاثنين العشرين من شهر رمضان خلع على الأمير جرباش المحمدى خلعة الأتابكية، وهى كخلعته بالأمس.
وفيه رسم السلطان بإطلاق الأميرين من سجن الإسكندرية، الأمير تنم من عبد الرزّاق المؤيدى أمير سلاح كان، والأمير قانى باى الچاركسى الأمير آخور الكبير كان، وتوجههما إلى ثغر دمياط بطّالين.
стр. 5971
وفي يوم الثلاثاء حادى عشرينه الثانية من النهار حمل الملك المؤيّد أحمد وأخوه محمد من قلعة الجبل إلى جهة الإسكندرية ليحبسا بها.
قلت: وقبل أن نشرع في ذكر الحوادث نبدأ بالتّعريف بأصل الملك الظاهر خشقدم هذا وسبب ترقّيه إلى السلطنة فنقول:
أصله رومىّ الجنس، جلبه خواجا ناصر الدين إلى الديار المصرية في حدود سنة خمس عشرة وثمانمائة، أو في أوائل سنة ست عشرة، هكذا أملى علىّ من لفظه بعد سلطنته، وسنّه يوم ذلك دون البلوغ، فاشتراه الملك المؤيّد شيخ، وجعله كتابيا سنين كثيرة، ثم أعتقه وجعله من جملة المماليك السلطانية، إلى أن مات الملك المؤيّد فصار خشقدم هذا خاصكيا في دولة ولده الملك المظفر أحمد بن شيخ، بسفارة أغاته الأمير تغرى بردى قريب قصروه، ودام خاصكيا مدة طويلة إلى أن صار ساقيا في أوائل دولة الملك الظاهر جقمق، ثم أمّره الملك الظاهر إمرة عشرة، وجعله من جملة رءوس النوب فى حدود سنة ست وأربعين، فدام على ذلك إلى سنة خمسين، فأنعم عليه الملك الظاهر أيضا بإمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق، واستمرّ بدمشق إلى أن تغيّر خاطر الملك الظاهر جقمق على الأمير تنبك البردبكى حاجب الحجاب بسبب عبد قاسم الكاشف الذي نعتوه «١» الناس بالصلاح، ونفاه إلى ثغر دمياط بطّالا، فرسم السلطان الملك الظاهر جقمق بطلب خشقدم هذا من مدينة دمشق، ليكون عوضا عن تنبك المذكور فى حجوبية الحجاب، وعلى إقطاعه أيضا دفعة واحدة، وذلك في صفر سنة أربع وخمسين وثمانمائة، وكان مجىء خشقدم هذا إلى الديار المصرية بسفارة الأمير تمربغا الظاهرى الدّوادار الثانى، وقيل على البذل على يد أبى الخير النحاس، وأنعم السلطان بتقدمة خشقدم هذا التي بدمشق على الأمير علّان جلّق المؤيدى، فاستمرّ خشقدم المذكور على الحجوبية إلى أن تسلطن الملك الظاهر جقمق، فخلع عليه بإمرة سلاح عوضا عن الأمير تنبك البردبكى الذي كان أخذ عنه الحجوبية بعد أن وقع لتنبك المذكور دورات
стр. 5972
وتنقلات، فدام على وظيفة إمرة سلاح إلى أن سافر مقدم العساكر السلطانية إلى بلاد ابن قرمان، ثم عاد واستمرّ على حاله إلى أن تسلطن الملك المؤيّد أحمد ابن الأشرف إينال، فخلع عليه باستقراره أتابك العساكر عوضا عن نفسه، وذلك في يوم الجمعة سادس عشر جمادى الأولى سنة خمس وستين، فلم تطل أيّامه، وثار القوم بالملك المؤيّد أحمد وقاتلوه حتى خلعوه حسبما ذكرنا أمر الوقعة في تاريخنا «حوادث الدهور فى مدى الأيام والشهور» .
وتسلطن الملك الظاهر خشقدم هذا، ووقع في سلطنته نادرة غريبة، وهى أن الملك الظاهر برقوقا كان أول ملوك الچراكسة بالديار المصرية- إن كان الملك المظفر بيبرس الجاشنكير غير چاركسى- وكانت سلطنة برقوق في يوم الأربعاء تاسع عشر شهر رمضان سنة أربع وثمانين وسبعمائة، ولقب بالملك الظاهر؛ وكانت سلطنة الملك الظاهر خشقدم هذا في يوم الأحد تاسع عشر شهر رمضان سنة خمس وستين وثمانمائة، فتوافقا في اللقب والشهرة والتاريخ والشهر، وذلك أوّل ملوك الچراكسة، وهذا أول دولة الأروام، فبينهما إحدى وثمانون سنة لا تزيد يوما ولا تنقص يوما، لأن كلا منهما تسلطن بعد أذان الظهر في تاسع عشر شهر رمضان- انتهى.
ثم في يوم الخميس ثالث عشرينه خلع السلطان على الأمير جانبك الظاهرى نائب جدّة باستقراره دوادارا كبيرا بعد موت الأمير يونس.
وخلع على الأمير جانبك من أمير الظريف الخازندار باستقراره دوادارا ثانيا عوضا عن بردبك الأشرفى بحكم القبض عليه، وولى الدّوادارية الثانية على تقدمة ألف ولم يقع ذلك لغيره، واستقرّ قانم طاز الأشرفى خازندارا عوضا عن جانبك من أمير.
وفي يوم الجمعة رابع عشرينه تواترت الأخبار بوصول الأمير جانم الأشرفى نائب الشام إلى منزلة الصالحية، وأشيع هذا الخبر إلى وقت صلاة الجمعة، فتحقق السلطان
стр. 5973
الإشاعة، فحصل عليه من هذا الخبر أمر كبير، وعظم مجىء جانم على السلطان إلى الغابة؛ لأن جانم كان رشّح لسلطنة مصر قبل ذلك عند مجىء ولده يحيى بن جانم إلى مصر في دولة الملك المؤيد أحمد، وقد ذكرنا ذلك في وقته.
وخارت طباع الملك الظاهر خشقدم، وما ذلك إلا لعظم جانم في النفوس، وأيضا لكثرة خچداشيته الأشرفية، وزيادة على ذلك من كان كاتبه وأذعن لطاعته من أعيان الظاهرية الجقمقية.
ثم طلب السلطان الأمير جانبك الدّوادار، وكلمه بما سمعه من مجىء جانم، وكان جانبك قد استحال عن جانم، ومال بكليته إلى الملك الظاهر خشقدم، وصار من جهته ظاهرا وباطنا، فهوّن جانبك مجيئه على السلطان، وأخذ في التدبير وقام وخچداشيته بنصرة الملك الظاهر خشقدم، ووقع بسبب مجىء جانم أمور كثيرة وحكايات ذكرناها في تاريخنا «حوادث الدهور» ، ملخصها: أن جانم قام بالخانقاه أياما، وعاد إلى نيابة الشام ثانيا، بعد أن أمدّه السلطان بالأموال والخيول والقماش، حسبما يأتى ذكره يوم سفره.
وفي يوم السبت خامس عشرينه نودى بنفقة المماليك السلطانية، «١» فى يوم السبت الآتى «٢» .
وفيه أيضا «٣» ، أنعم السلطان على عدة من الأمراء بتقادم ألوف، وهم:
الأمير أزبك من ططخ الظاهرى، وبردبك الظاهرى الرأس نوبة الثانى، وجانبك من قجماس الأشرفى المشد زيادة على إقطاعه الأول ووظيفته.
وأنعم السلطان أيضا على جماعة من الخاصكية، لكل واحد إمرة عشرة باستحقاق وغير استحقاق، كما هى عادة أوائل الدول.
стр. 5974
واستقرّ الأمير قايتباى المحمودى الظاهرى أمير طبلخاناه وشاد الشراب خاناه، عوضا عن جانبك الأشرفى.
وأما ما جدّده الملك الظاهر خشقدم من الوظائف مثل الدّوادارية والسقاة والسلحدارية فكثير جدا لا يدخل تحت حصر لعسر تحريره.
واستقرّ الأمير دولات باى النجمى مسفّر الأمير جانم نائب الشام، واستقر تمراز الأشرفى أحد مقدمى الألوف بدمشق في نيابة صفد بعد عزل خيربك النّوروزى عنها وتوجهه إلى دمشق مقدّم ألف، وأنعم السلطان أيضا على تمراز المذكور بمبلغ كبير من المال وغيره.
وفي يوم الاثنين سابع عشرين رمضان استقرّ يشبك البجاسى أحد مقدّمى الألوف بمصر في حجوبية حلب، وأنعم بتقدمته على الأمير جانبك الإينالى الأشرفى المعروف بقلقسيز، انتقل إليها من إمرة عشرة بسفارة الأمير جانبك الدّوادار.
وفي يوم الثلاثاء ثامن عشرينه توجّه القاضى محب الدين بن الشّحنة كاتب السّرّ إلى خانقاه سرياقوس لتحليف جانم نائب الشام المقدّم ذكره.
وسافر جانم في يوم الجمعة ثانى شوال إلى محل كفالته على أقبح وجه، وسافر بعده تمراز الذي استقرّ في نيابة صفد، كل ذلك بتدبير عظيم الدولة جانبك الدوادار، وقد انتهت إليه يوم ذلك رئاسة المماليك الظاهريّة بديار مصر.
وأما الملك الظاهر فإنه لما سافر جانم أخذ في مكافأة العسكر واستجلاب خواطرهم، ووجد عنده حاصلا كبيرا من الإقطاعات، ليس ذلك مما كان في ديوان السلطان، وإنما هو إقطاعات الأجلاب مماليك الأشرف إينال، وأضاف إلى ذلك شيئا كثيرا من الذخيرة السلطانية، ومن أوقاف الملك الأشرف إينال، وأوقاف حواشيه، حتى إنه صار يأخذ البلد العظيمة من ديوان المفرد وغيره وينعم بها على جماعة لكل واحد إمرة عشرة، وتارة ينعم بها على خمسين مملوكا من المماليك السلطانية، وأكثر وأقل، وقاسى الملك الظاهر
стр. 5975
من طلب المماليك أمورا عظيمة وأهوالا، ولما قلّ ما عنده من الضياع بالديار المصرية مدّ يده إلى ضياع البلاد الشّامية، ففرّق منها على أمراء مصر وأجنادهم ما شاء الله أن يفرّق.
فلما كان يوم السبت ثالث شوال شرع السلطان في تفرقة نفقة المماليك السلطانية، ففرقت في كل يوم طبقة واحدة- لقلة متحصل الخزانة الشريفة- لكل واحد مائة دينار، ولمن يستخفّون به خمسون دينارا، وبالجملة إنها فرّقت أقبح تفرقة، لعجز ظاهر، وقلة موجود، ومصادرات الناس.
ولما كان يوم الاثنين خامس شوال أنعم السلطان بالخلع على جميع أمراء الألوف، وأنعم على كل واحد بفرس بسرج ذهب وكنبوش زركش، ورسم لهم بالنّزول إلى دورهم، وكان لهم من يوم قدم جانم نائب الشام إلى خانقاه سرياقوس مقيمين بجامع القلعة، وكذلك القضاة، فنزل الجميع إلا الخليفة فإنه دام بقلعة الجبل إلى يوم تاريخه، وأظن ذلك صار عادة ممّن يلى الملك بعده.
وفي هذه الأيام استقرّ خيربك القصروى نائب قلعة الجبل في نيابة غزّة بعد عزل بردبك السيفى سودون من عبد الرحمن، ورسم السلطان أن يفرج عن الملك العزيز يوسف ابن الملك الأشرف برسباى، وعن الملك المنصور عثمان ابن الملك الظاهر جقمق من محبسهما ببرج الإسكندرية، ورسم لهما أن يسكنا بأى مكان اختارا بالثغر المذكور، ورسم أيضا بكسر قيد الملك المؤيّد أحمد ابن الأشرف إينال.
وفي يوم الأربعاء سابعه ماجت مماليك الأمراء، ووقفوا في جمع كبير بالرّميلة، يطلبون نفقات أستاذيهم، لينفق أستاذ كل واحد منهم في مماليكه، وكان السلطان أخّر نفقات الأمراء إلى أن تنتهى نفقة المماليك السلطانية، وكانت العادة تفرقة النفقة على الأمراء قبل المماليك، فلما بلغ السلطان ذلك شرع في إرسال النفقة إلى الأمراء، وقد ذكرنا قدر ما أرسل لكل واحد منهم في تاريخنا «الحوادث» .
ثم في يوم الخميس ثامن شوال استقر الأمير قانم المؤيّدى أمير مجلس عوضا عن قرقماس الأشرفى، بحكم انتقاله إلى إمرة سلاح قبل تاريخه، واستقرّ الأمير بيبرس
стр. 5976
خال العزيز رأس نوبة عوضا عن قانم، واستقرّ يلباى الإينالى المؤيّدى حاجب الحجاب عوضا عن بيبرس المذكور، ولبس الأمير جانبك الدوادار خلعة الأنظار المتعلقة بوظيفته، ونزل في موكب هائل.
ثم في يوم الأحد حادى عشره وصل الأمير تمربغا الظاهرى الدّوادار الكبير- كان- من مكة المشرفة بطلب إلى القاهرة، وأظنه كان خرج من مكة قبل أن يأتيه الطلب، وطلع إلى القلعة، وقبّل الأرض، وخلع السلطان عليه كامليّة بمقلب سمّور، ونزل إلى داره التي بناها وجدّدها المعروفة قديما بدار منجك، وكان الأمير جانبك الدّوادار قبل مجىء الأمير تمربغا عظيم المماليك الظاهرية، فلما حضر تمربغا هذا وجلس فوق الأمير جانبك، لكونه كان أغاته بطبقة المستجدة أيام أستاذه، ولعظمته في النفوس وسبقه للرئاسة، صار هو عظيم المماليك الظاهرية، وركضت ريح جانبك قليلا، واستمر على ذلك.
وفي يوم الأربعاء رابع عشره تسحّب الأمير زين الدين عبد الرحمن بن الكويز ناظر الخاص الشريف بعد أن قام «١» بالكلف السلطانية أتمّ قيام، أعنى بذلك عن الخلع التي خلعها السلطان في أول سلطنته، وكانت خارجة عن الحد كثرة، ثم عقيب ذلك خلع عيد الفطر بتمامها وكمالها، وبينهما مسافة يسيرة من الأيام، ولم يظهر العجز في ذلك جميعه يوما واحدا إلى أن طلب منه السلطان من ثمن البهار مائة ألف دينار لأجل النفقة السلطانية، فعجز حينئذ وهرب.
واستقرّ عوضه في نظر الخاص القاضى شرف الدين الأنصارى، وباشر هو أيضا أحسن مباشرة، وقام بالنفقة السلطانية هو والأمير جانبك الدّوادار، وتنم رصاص أتمّ قيام، أعنى أنهم اجتهدوا في تحصيل المال من وجوه كثيرة.
هذا ما وقع للملك الظاهر خشقدم من يوم تسلطن إلى يوم تاريخه محررا.
стр. 5977
ومن الآن نشرع في ذكر نوادر الحوادث إلى أن تنتهى ترجمته خوفا من الإطالة والملل فنقول:
ولما كان يوم الاثنين ثالث ذى القعدة استقرّ القاضى نجم الدين يحيى بن حجّى في نظر الجيش بعد أن صرف القاضى زين الدين بن مزهر عنها.
وفي يوم خامس عشر ذى القعدة عيّن السلطان تجريدة إلى قبرس نجدة لمن بها من العساكر الإسلامية، ثم بطل ذلك بعد أيام.
وفي يوم الخميس سابع عشرينه استقرّ الصفوى جوهر التركمانى زماما وخازندارا عوضا عن لؤلؤ الأشرفى الرومى.
وفي يوم الخميس سادس عشرين ذى الحجة أمسك السلطان بالقصر السلطانى بالقلعة جماعة من أمراء الألوف وغيرهم من الأشرفية، وهم: بيبرس خال العزيز رأس نوبة النوب، وجانبك من أمير الظريف الدّوادار الثانى وأحد أمراء الألوف، وجانبك المشد أحد أمراء الألوف أيضا.
وأمسك من أمراء الطبلخانات والعشرات جماعة أيضا، مثل: قانم طاز الخازندار الكبير، ونوروز الإسحاقى، وبرسباى الأمير آخور، وكرتباى، ودولات باى سكسن، وأبرك البچمقدار، وكلّهم عشرات إلا قانم طاز [فإنه] «١» أمير طبلخاناه.
فلما سمعت خچداشيتهم بذلك ثاروا، ووافقهم المماليك الأشرفية الإينالية، وجماعة من الناصرية، وتوجهوا الجميع إلى الأمير الكبير جرباش المحمدى الناصرى، وهو مقيم يوم ذاك بتربة الملك الظاهر برقوق التي بالصحراء، وكان في التربة في مأتم ابنته التي ماقت قبل تاريخه بأيّام، واختفى جرباش المذكور منهم اختفاء ليس بذاك، فظفروا به وأخذوه، ومضوا به إلى بيت قوصون الذي سدّ بابه الآن من الرّميلة تجاه باب السلسلة، ومروا به من باب النصر من شارع القاهرة، وبين يديه جماعة من أمراء الأشرفية وغيرهم، وعليهم آلة الحرب، وقد لقبوه بالملك الناصر على لقب أستاذه الناصر فرج بن برقوق، ولما وصلوا إلى بيت قوصون أجلسوه بمقعد البيت.
стр. 5978
وعند ما جلس بالمقعد ظهر على الأشرفية وغيرهم اختلال أمرهم لاختلاف كلمتهم من سوء آرائهم المفلوكة، ولعدم تدبيرهم، فإن الصّواب كان جلوسه بالتربة المذكورة، إلى أن يستفحل أمرهم، وأيضا إنهم لما أوصلوه إلى بيت قوصون ذهب غالبهم ليتجهز للقتال، وبقى جرباش في أناس قليلة.
وأما الملك الظاهر خشقدم فإنه لما بلغ الملك الظاهر والظاهرية أمرهم طلعوا بأجمعهم إلى القلعة، وانضم عليهم أيضا خلائق، لعظم شوكة السلطنة من خچداشية السلطان المؤيدية وغيرهم، وأخذوا السلطان ونزلوا به من القصر إلى مقعد الإسطبل السلطانى أعلى باب السلسلة، وعليهم السلاح، ودقت الكئوسات بالقلعة، وشرعوا في القتال.
وبينما هم في تناوش قتال جرباش، وقد رأى جرباش أن أمره لا ينتج منه شىء، تدارك فرطه، وقام من وقته، وركب وطلع إلى القلعة طائعا إلى السلطان، وقبّل الأرض واعتذر بالإكراه، فقبل السلطان منه عذره «١» ، وفي النفس من ذلك شىء، وانهزمت الأشرفية الكبار.
وهذا ذنب ثان للأشرفية عند السلطان- والذنب الأول قصة خچداشهم جانم والثانى هذا- وانهزم جميع من كان انضم على جرباش المذكور، وتوجّه كلّ منهم إلى حال سبيله، فتجاهل السلطان عليهم، وزعم أنه قبل أعذارهم إلى أن تمّ أمره، فمدّ يده يمسك وينفى، ويكتب إلى التجاريد والسّخر، إلى أن أبادهم.
ثم في يوم الجمعة سابع عشرين ذى الحجة المذكور أخذوا الأمراء الممسوكين، ونزلوا بهم إلى حبس الإسكندرية.
وفي يوم الاثنين سلخ ذى الحجة خلع السلطان على جميع أمراء الألوف، كل واحد كاملية بمقلب سمّور، وأنعم على الأمير تمربغا الظاهرى القادم من مكّة بإمرة مائة وتقدمة
стр. 5979
ألف بالديار المصرية، عوضا عن جانبك المشد، بحكم حبسه، وخلع عليه باستقراره رأس نوبة النوب، عوضا عن بيبرس خال العزيز، وأنعم بإقطاع بيبرس على يلباى المؤيّدى الحاجب لكونه أكثر متحصلا من إقطاعه، وأنعم بإقطاع يلباى على خچداشه قانى بك المحمودى المؤيدى، أحد أمراء دمشق الألوف كان.
وفيه أيضا استقرّ الأمير جانبك الإسماعيلى المؤيدى المعروف بكوهيّة دوادارا ثانيا، عوضا عن جانبك الظريف على إمرة عشرة، وكان جانبك الظريف وليها على تقدمة ألف.
стр. 5980
[ما وقع من الحوادث سنة ٨٦٦]
ثم استهلت سنة ست وستين وثمانمائة ففى يوم الأربعاء ثانى المحرم وصل الخبر بأن الأمير إياسا المحمدى الناصرى نائب طرابلس وصل من جزيرة قبرس إلى ثغر دمياط بغير إذن السلطان.
وفيه نفى السلطان خيربك البهلوان، وقانم الصغير الأشرفيين إلى البلاد الشامية، وكلاهما أمير عشرة.
وفي يوم الخميس ثالث المحرم عيّن السلطان مع سليمان بن عمر الهوّارى تجريدة من المماليك السلطانية، وعليهم ثلاثة أمراء أشرفية: جكم خال العزيز، وأيدكى، ومغلباى، فتأمل حال الأشرفية من الآن.
ثم في يوم الاثنين سابع المحرم استقرّ الأمير طوخ الأبوبكرى المؤيدى زردكاشا عوضا عن سنقرقرق شبق الأشرفى بحكم القبض عليه، واستقرّ سودون الظاهرى الأفرم خازندارا كبيرا، عوضا عن قانم طاز، بحكم القبض عليه أيضا، وأنعم السلطان في هذا اليوم على جماعة كثيرة بأمريات وإقطاعات ووظائف باستحقاق وغير استحقاق، كما هى عوائد أوائل الدول.
ثم في ليلة الثلاثاء ثامن المحرم سافر الأمير قانى باى المحمودى الظاهرى المشد إلى ثغر دمياط للقبض على الأمير إياس الناصرى نائب طرابلس وإيداعه السجن، لكونه حضر من قبرس، وترك من بها من عساكر المسلمين.
ثم عين السلطان جماعة من الأشرفية الكبار والأشرفية الصغار إلى سفر قبرس، وأميرهم مغلباى البجاسى أتابك طرابلس، وكان مغلباى حضر مع إياس.
وفي يوم الاثنين رابع عشر المحرم استقرّ قراجا العمرى ثانى رأس نوبة وأمير مائة ومقدم ألف بدمشق على إقطاع هين، وقراجا هذا أيضا ممن كان انضم على جرباش من خچداشيته، واستقرّ تنم الحسينى الأشرفى عوضه رأس نوبة ثانيا.
стр. 5981
وفي يوم الخميس سابع عشر المحرم استقرّ برسباى البجاسى الأمير آخور الكبير نائب طرابلس عوضا عن إياس المقبوض عليه، واستقرّ عوضه في الأمير آخورية الكبرى يلباى المؤيدى حاجب الحجاب، واستقرّ في حجوبية الحجاب عوضه الأمير بردبك الظاهرى البچمقدار، وأنعم السلطان بإقطاع برسباى البجاسى على قانى بك المحمودى، وأنعم بإقطاع قانى بك المحمودى على تمرباى ططر الناصرى، وكلاهما تقدمة ألف لكن الزيادة في المتحصل، وفرّق السلطان إقطاع تمرباى ططر على جماعة.
وفي يوم الاثنين حادى عشرين المحرم استقرّ الخواجا علاء الدين على بن الصابونى ناظر الإسطبل السلطانى بعد عزل شرف الدين بن البقرى وأضيف إليه نظر الأوقاف.
وفي يوم الثلاثاء ثانى عشرينه وصل مغلباى طاز أمير حاج المحمل بالمحمل وأمير الركب الأول تنبك الأشرفى «١» .
وفي يوم الخميس ثانى صفر أعيد القاضى زين الدين بن مزهر إلى وظيفة نظر الجيش، بعد عزل القاضى نجم الدين يحيى بن حجى.
وفي يوم الثلاثاء سابع صفر وصل إلى القاهرة رأس نوبة الأمير جانم نائب الشام، ومعه تقدمة إلى السلطان- تسعة مماليك لا غير- من عند مخدومه، واعتذر عن مخدومه أنه ليس له علم بتسحّب الأمير تمراز نائب صفد، وأنه باق على طاعة السلطان، وكان السلطان أرسل قبل تاريخه بمسك تمراز المذكور، فهرب تمراز من صفد، وله قصة حكيناها في «حوادث الدهور» .
ثم في يوم الثلاثاء رابع عشره وصل أيضا الزينى عبد القادر بن جانم نائب الشام، يستعطف خاطر السلطان على أبيه، وكان عبد القادر حديث السن، وقد حضر معه الأمير قراجا الظاهرى أتابك دمشق ليتلطف السلطان في أمر نائب الشام، ولما وصل
стр. 5982
قراجا المذكور إلى منزلة الصالحية رسم السلطان بعوده إلى دمشق، ومنعه من الدخول إلى مصر، ورسم لعبد القادر المذكور بالمجىء، فجاء الصبى وردّ قراجا إلى الشام.
وفي هذا اليوم رسم السلطان بإحضار الأمير تنم من عبد الرزاق المؤيدى أمير سلاح- كان- من ثغر دمياط، وقد رشّح لنيابة الشّام عوضا عن جانم المذكور.
ثم في ليلة الخميس سادس عشر صفر المذكور سافر الأمير تنم من نخشايش الظاهرى المعروف برصاص محتسب القاهرة إلى دمشق على النجب والخيل، ومعه جماعة كثيرة من الخاصكية، مقدار ثلاثين نفرا، ليمسك الأمير جانم نائب الشام، قلت: [الطويل]
أيا دارها بالخيف إن مزارها ... قريب، ولكن دون ذلك أهوال «١»
ثم في يوم الأربعاء عشرينه وصل الأمير تنم من ثغر دمياط، وقبّل الأرض وأجلسه السلطان فوق الأمير قرقماس أمير سلاح، وخلع عليه.
ثم في يوم الاثنين سابع عشرينه، خلع عليه بنيابة الشّام، واستقرّ مسفّره الأمير بردبك هجين الظاهرى الأمير آخور الثانى، وخلع السلطان على الأمير قانصوه اليحياوى الظاهرى بتوجهه إلى الأمير جانبك الناصرى المعزول قبل تاريخه عن حجوبيّة دمشق، وعلى يده تقليده وتشريفه بنيابة صفد عوضا عن تمراز الأشرفى.
وفي يوم الأربعاء سادس شهر ربيع الأول وصل إلى القاهرة الأمير أزدمر الإبراهيمى وخچداشه قرقماس، وقد كان مسافرا مع الأمير تنم رصاص المحتسب إلى دمشق، وأخبر أزدمر المذكور أن الأمير جانم نائب الشام خرج منها بمماليكه وحشمه بعد دخول تنم رصاص إلى دمشق ومراسلته، ولم يقدر تنم على مسكه، بل ولا على قتاله، وكان خروج جانم من دمشق قبيل العصر من يوم الأحد
стр. 5983
سادس عشرين صفر، ولم يكترث بأحد من الناس، وتوجّه إلى جهة حسن بك ابن قرايلك.
ثم في يوم الجمعة ثانى عشرين ربيع الأول ركب السلطان من قلعة الجبل ببعض أمرائه وخاصته، ونزل إلى بيت الأمير تنم المستقر في نيابة الشّام وسلّم عليه، وهذا أوّل نزوله من قلعة الجبل من يوم تسلطن، ثم نزل السلطان بعد ذلك بقماش الموكب في يوم الاثنين تاسع شهر ربيع الآخر، وسار إلى تربته التي أنشأها بالصحراء بالقرب من قبة النصر، وخلع على البدرى حسن بن الطولونى معلّم السلطان وغيره، ثم توجه إلى مطعم الطير، وجلس به واصطاد أمير شكار بين يديه، ثم ركب وعاد إلى القلعة بعد أن شقّ القاهرة، ودخل في عوده إلى بيت إنيّه الأمير تنبك الأشرفى المعلم.
وفي يوم الثلاثاء رابع عشره استقرّ شرف الدين يحيى بن الصنيعة «١» أحد الكتاب وزيرا بالديار المصرية، بعد عزل على بن الأهناسى.
وفي يوم الاثنين أول جمادى الأولى أنعم السلطان على الأمير بردبك هجين الظاهرى أمير آخورثان بإمرة مائة وتقدمة ألف بعد موت تمرباى ططر، وأنعم بإقطاع بردبك المذكور على مغلباى طاز المؤيدى، وأنعم بإقطاع مغلباى على سودون الأفرم الظاهرى الخازندار، وأنعم بإقطاع سودون الأفرم على سودون البردبكى المؤيّدى الفقيه.
وفي يوم السبت سادس جمادى الأولى وصل تنم رصاص.
ثم في يوم السبت «٢» استقر إينال الأشقر الظاهرى والى القاهرة في نيابة ملطية بعد موت قانى باى الجكمى.
وفي يوم الخميس ثامن عشره استقرّ الصارمى إبراهيم بن بيغوت نائب قلعة دمشق بعد موت سودون قندوره التركمانى اليشبكى بحكم انتقاله إلى تقدمة ألف بدمشق.
стр. 5984
وفي يوم الاثنين ثانى عشرين جمادى الأولى المذكورة خرج الأمير تنم نائب الشّام إلى محل كفالته.
وفي آخر هذا الشهر وصل قاصد حسن بك بن على بك بن قرايلك [صاحب آمد] «١» وأخبر السلطان أن الأمير جانم نائب الشام جاء إليه واستشفع عند السلطان له.
وفي هذا الشهر ترادفت الأخبار بأن جانم نائب الشام أرسل يدعو تركمان الطاعة «٢» إلى موافقته، وأن حسن بك المقدم ذكره دعا لجانم على منابر ديار بكر.
ثم في يوم الأربعاء سابع شهر رجب نودى بشوارع القاهرة بالزينة لدوران المحمل، ونودى أيضا بأن أحدا من المماليك ولا غيرهم لا يحمل سلاحا ولا عصاة في الليل، فدامت الزينة إلى أن انتهى دوران المحمل في يوم الاثنين ثانى عشره، ولم يحدث إلا الخير والسلامة، وكان معلّم الرماحة في هذه السنة الأمير قايتباى المحمودى الظاهرى المشد، والباشات الأربعة أمراء عشرات: برقوق الناصرى، ثم طومان باى الظاهرى، ثم جانبك الأبلق الظاهرى، ثم برسباى قرا الظاهرى.
ثم في يوم الخميس خامس عشره عيّن السلطان تجريدة إلى الوجه القبلى- أربعمائة مملوك من المماليك السلطانية- ومقدم العسكر الأمير جانبك الدّوادار، وصحبته من أمراء الألوف جانبك قلقسيز الأشرفى، ومن أمراء الطبلخات والعشرات نحو عشرين أميرا، وخرجوا بسرعة في ليلة السبت سابع عشر رجب.
وفي يوم الجمعة سادس عشره- الموافق لحادى عشرين برمودة- لبس السلطان القماش الأبيض البعلبكى المعد لبسه لأيام الصيف، وابتدأ في يوم السبت سابع عشره يلعب الكرة على العادة في كل سنة.
وفي يوم الخميس تاسع عشرينه عاد الأمير جانبك الدّوادار بمن كان معه من بلاد
стр. 5985
الصعيد إلى الجيزة، وطلع إلى السلطان من الغد بغير طائل ولا حرب، وخلع السلطان عليه.
وفي ليلة الثلاثاء ثامن عشر شعبان سافرت خوند الأحمدية زوجة السلطان في محفة إلى ناحية طندتا «١» بالغربية «٢» لزيارة سيدى أحمد البدوى.
وفي يوم الجمعة ثامن عشرينه «٣» ، سافرت الغزاة المعينون قبل تاريخه إلى قبرس- انتهى.
وفي يوم الأحد ثامن شهر رمضان ورد الخبر بموت الحاج «٤» إينال اليشبكى نائب حلب، فخلع السلطان في يوم الخميس ثانى عشره على الأمير قايتباى شاد الشراب خاناه بتوجهه إلى حماة، وعلى يده تقليد جانبك التاجى المؤيدى نائب حماة وتشريفه بنيابة حلب، عوضا عن الحاج إينال.
واستقرّ مغلباى طاز مسفّر الأمير جانبك النّاصرى نائب صفد باستقراره في نيابة حماة.
واستقرّ في نيابة صفد خيربك القصروى نائب غزّة، وتوجّه بتقليده الأمير تمرباى الظاهرى السلاحدار.
واستقر في نيابة غزّة أتابك حلب شادبك الصّارمى ومسفّره طومان باى الظاهرى.
واستقرّ يشبك البجاسى حاجب حجّاب حلب أتابكا بها عوضا عن شادبك الصّارمى.
стр. 5986
واستقرّ تغرى بردى بن يونس نائب قلعة حلب في حجوبية حلب عوضا عن يشبك البجاسى.
واستقرّ كمشبغا السيفى نخشباى أحد المماليك السلطانية بمصر في نيابة قلعة حلب دفعة واحدة، من قبل أن تسبق له رئاسة، مع عدم أهلية أيضا، وكانت ولايته بالمال- ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الأربعاء تاسع شوال خرجت تجريدة إلى البحيرة وعليها ثلاثة أمراء من أمراء الألوف: قرقماس أمير سلاح، ويشبك الفقيه، وبردبك هجين الظاهرى، ومن أمراء الطبلخانات: خشكلدى القوامى الناصرى، وتنم الحسينى الأشرفى ثانى رأس نوبة، ومن أمراء العشرات: قانى باى السيفى يشبك بن أزدمر، وقلمطاى الإسحاقى، وقنبك الصغير الأشرفيان، وسنطباى قرا الظاهرى.
وفيه ورد الخبر بأن جانم نائب الشام كان عدّى الفرات في جمع كثير من المماليك وتركمان حسن بك بن قرايلك، وسار بعساكره حتى وصل إلى تل باشر من أعمال حلب، وتجهّز جانبك نائب حلب لقتاله، ففى الحال عيّن السلطان تجريدة إلى حلب لقتال جانم: أربعمائة مملوك.
ثم أضاف إليهم مائتين، وعليهم أربعة أمراء من مقدمى الألوف، وهم:
جانبك الظاهرى الدّوادار الكبير، ويلباى المؤيدى الأمير آخور الكبير، وأزبك الظاهرى، وجانبك قلقسيز الأشرفى، وثلاثة عشر أميرا من أمراء الطبلخانات والعشرات.
ثم نودى في يوم الثلاثاء خامس عشر شوال بالنفقة فيمن عيّن إلى التجريدة المذكورة.
ثم أصبح من الغد في يوم الأربعاء رسم بإبطال التجريدة، وسبب ذلك ورود الخبر من نائب حلب بعود جانم على أقبح وجه، وأن جماعة كثيرة من مماليكه فارقوه، وقدموا إلى مدينة حلب.
стр. 5987
وأمر رجوع جانم أنه كان لما وصل إلى تلّ باشر وقع بينه وبين تركمان حسن بك الذين كانوا معه كلام طويل، ذكرناه في «الحوادث» ، فتركوه وعادوا، فتلاشى أمر جانم لذلك وعاد.
وفي يوم الخميس سابع عشر شوال خرج الأمير بردبك الظاهرى أمير حاج المحمل بالمحمل إلى بركة الحاج دفعة واحدة، وكانت العادة قديما أن ينزل بالرّيدانية، ثم يرحل إلى بركة الحاج، وكان أمير الركب الأول في هذه السنة الناصرى محمد ابن الأتابك جرباش المحمدى.
وفي يوم الاثنين حادى عشرينه استقرّ القاضى محب الدين بن الشّحنة قاضى قضاة الحنفية بالديار المصرية بعد استعفاء شيخ الإسلام سعد الدين سعد بن الدّيرى، لضعف بدنه وكبر سنه، واستقرّ أخوه القاضى برهان الدين إبراهيم بن الدّيرى كاتب السّرّ الشريف عوضا عن قاضى القضاة محب الدين بن الشّحنة المقدم ذكره.
وفي يوم الخميس رابع عشرينه استقرّ القاضى نور الدين بن الإنبابى عين موقعى الدست الشريف في نيابة كتابة السّرّ، بعد عزل لسان الدين حفيد القاضى محب الدين ابن الشّحنة، فحينئذ أعطى القوس لراميه، والقلم لباريه، فإنه حق لهذه الوظيفة وأهل لها.
ثم في رابع ذى القعدة توفيت بنت خوند الأحمدية زوجة السّلطان، وهى بنت أيرك الجكمى، أحد أمراء دمشق، وقد تزوجها الزينى عبد الرحيم ابن قاضى القضاة بدر الدين العينى، فولدت منه الشهابى أحمد بن العينى الآتى ذكره في محله «١» .
وفي يوم الاثنين سادس ذى القعدة عزل السلطان القاضى برهان الدين إبراهيم بن الديرى عن وظيفة كتابة السّر بعد أن باشرها خمسة عشر يوما، وكان سبب عزله أنه
стр. 5988
لما ماتت بنت خوند المقدم ذكرها في يوم السبت قال ابن الديرى: ورد في الأخبار المنقولة عن الأفاضل أنه ما خرج من بيت ميّت في يوم السبت إلا وتبعه اثنان من أكابر ذلك البيت «١» ، وشغرت كتابة السّرّ بعده مدّة، وباشر الوظيفة القاضى نور الدين الإنبابى نائب كاتب السّرّ.
وفي يوم الخميس سادس عشره ورد الخبر من البحيرة بأن العساكر واقع عرب لبيد وقتل من عسكر السلطان أميران: تنبك الصغير الأشرفى، وسنطباى قرا الظاهرى، وجماعة من المماليك، وسبب قتلهم أمر ذكرناه في «الحوادث» ، إذ هو محل إطناب فى الواقع، وحاصل الخبر أن الذين قتلوا هؤلاء هم عرب الطاعة في الغوغاء لا عرب لبيد.
ثم في يوم الاثنين عشرين من ذى القعدة خلع السلطان على القاضى زين الدين أبى بكر بن مزهر ناظر الجيش باستقراره في وظيفة كتابة السّرّ مسئولا في ذلك، مرغوبا في ولايته، واستقرّ القاضى تاج الدين عبد الله بن المقسى في وظيفة نظر الجيش عوضا عنه.
وفي يوم الخميس ثانى عشرين ذى الحجة توعّك السلطان في بدنه من إسهال حصل له، ولم ينقطع عن صلاة الجمعة بجامع القلعة الناصرى مع الأمراء على العادة، واستمرّ به الإسهال إلى يوم سادس عشرينه خرج من الدهيشة إلى الحوش، وجلس على الدكة.
وحضرت أكابر الأمراء الخدمة بالحوش المذكور، وعلى وجه السلطان أثر الضعف، كل ذلك وهو ملازم للفراش غير أنه يتجلّد، ويجلس على الفرش بقاعة البيسريّة، والناس تدخل إليه بها للخدمة على العادة.
стр. 5989
وفي هذا اليوم حضر إلى القاهرة مبشر الحاج، وهو غير تركى، رجل من العرب وهذا غير العادة، وما ذاك إلا مخافة السبل، وعدم الأمن بالطريق، فأعاب الناس ذلك على أرباب المملكة.
وفي هذه السنة أخذ حسن بك بن على بك بن قرايلك مدينة حصن كيفا «١» ، ثم أخذ قلعتها في ذى القعدة بعد ما حاصرها سبعة أشهر، وانقطع من الحصن ملك الأكراد الأيوبية، بعد ما ملكوها أكثر من مائتى سنة، وذلك بعد قتل صاحبها الملك خلف بيد بعض أقاربه، فاختلف الأكراد فيما بينهم، فوجد حسن بك بذلك فرصة في أخذها، فحاصرها حتى أخذها، وقوى أمر حسن بأخذها، فإنه أخذ بعد ذلك عدة قلاع ومدن من أعمال ديار بكر من تعلقات الحصن وغيره.
стр. 5990
[ما وقع من الحوادث سنة ٨٦٧]
واستهلت سنة سبع وستين وثمانمائة وجميع نواب البلاد الشامية مقيمون بحلب مخافة هجوم جانم عليها، والسلطان ملازم الفراش، فلما كان أوّل المحرم دقّت البشائر لعافية السلطان ثلاثة أيام.
وفي يوم الخميس سادس المحرم خلع السلطان على الأطباء وعلى السّقاة وعلى من له عادة.
ثم في يوم الأربعاء تاسع عشره «١» وصل أمير الركب الأول الناصرى محمد ابن الأتابك جرباش، ودخل أمير حاج المحمل الأمير بردبك من الغد، ومن غريب الاتفاق أنى سألت الناصرىّ محمد ابن الأتابك جرباش: «متى بلغكم مرض السلطان؟» فقال:
«فى المدينة الشّريفة» ، فحسبنا الأيام، فكان يوم سمعوا فيه خبر مرضه قبل أن يمرض بيوم أو يومين.
وفي يوم الخميس حادى عشر صفر استقرّ علىّ بن الأهناسى في وظيفتى الوزر والخاص، ولبس في هذا اليوم وظيفة الخاص عوضا عن القاضى شرف الدين موسى الأنصارى، والوزر عوضا عن شرف الدين يحيى بن صنيعة.
وفي يوم الثلاثاء أوّل شهر ربيع الأوّل استقرّ القاضى علم الدين بن جلود كاتب المماليك السلطانية.
وفي يوم الأحد ثالث عشره عمل السلطان المولد النبوى بالحوش من قلعة الجبل، على العادة من كل سنة، وأصبح من الغد عمل مولدا آخر لزوجته خوند الأحمدية.
ثم في يوم السبت سادس عشرينه «٢» ، استقرّ الزينى قاسم الكاشف أستادارا، بعد أن اختفى الأمير زين الدين الأستادار.
ثم في يوم الثلاثاء ثالث عشر «٣» شهر ربيع الآخر ورد الخبر من جانبك التّاجى
следующие страницы →