Полный текст (6 264 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
لك منها فى السنة ما قدره مائة ألف دينار؛ فبات أحمد بن طولون ليلته وقد حرّكه قول ابن دشومة، فرأى فيما يرى النائم صديقا له كان من الزهّاد مات لمّا كان ابن طولون بالثغر قبل دخوله الى مصر، وهو يقول له: بئس ما أشار عليك ابن دشومة فى أمر الارتفاق «١» ، واعلم أنه من ترك شيئا لله عوّضه الله خيرا منه؛ فارجع الى ربّك، وإن كان التكاثر والتفاخر قد شغلاك عنه فى هذه الدنيا. فأمض ما عزمت عليه وأنا ضامن لك من الله تعالى أفضل العوض منه قريبا غير بعيد.
فلما أصبح أحمد بن طولون دعا ابن دشومة فأخبره بما رأى فى نومه؛ فقال له ابن دشومة: أشار عليك رجلان: أحدهما فى اليقظة والآخر فى المنام، وأنت لمن فى اليقظة أوجد وبضمانه أوثق؛ فقال ابن طولون: دعنى من هذا؛ وأزال جميع المظالم ولم يلتفت الى كلامه. ثم ركب أحمد بن طولون الى الصيد، فلما سار فى البرّيّة انخسفت الأرض برجل فرس بعض أصحابه فى قبر فى وسط الرمل؛ فوقف أحمد بن طولون عليه وكشفه فوجد مطلبا واسعا، فأمر بحمله فحمل منه من المال ما قيمته ألف ألف دينار؛ فبنى منه هذا الجامع والبئر «٢» بالقرافة الكبرى والبيمارستان «٣» بمصر ووجوه البرّ؛ ثم دعا بابن دشومة المقدّم ذكره وقال: والله لولا أنّى أمّنتك لصلبتك، ثم بعد مدّة صادره واستصفى أمواله، وحبسه حتى مات.
وقيل: إن ابن طولون لما فرغ من بناء جامعه المذكور أمر حاشيته بسماع ما يقول الناس فيه من الأقوال والعيوب؛ فقال رجل: محرابه صغير، وقال آخر: ما فيه
стр. 737
عمود، وقال آخر: ليست له ميضأة؛ فبلغه ذلك فجمع الناس وقال: أما المحراب فإنى رأيت النّبيّ ﷺ وقد خطّه لى فى منامى، وأصبحت فرأيت النمل قد طافت بذلك المكان الذي خطّه لى رسول الله ﷺ ؛ وأما العمد فإنّى بنيت هذا الجامع من مال حلال وهو الكنز، وما كنت لأشوبه بغيره؛ وهذه العمد إما أن تكون فى مسجد أو كنيسة فنزّهته عنها؛ وأما الميضأة فإنّى نظرت فوجدت ما يكون بها من النجاسات فطهّرته عنها، وهأنا أبنيها خلفه، وأمر ببنائها.
وقيل: إنه لمّا فرغ من بنائه رأى فى منامه كأنّ نارا نزلت من السماء فأخذت الجامع دون ما حوله من العمران؛ فلمّا أصبح قصّ رؤياه فقيل له: أبشر بقبول الجامع المبارك، لأنّ النار كانت فى الزمن الماضى إذا قبل الله قربانا نزلت نار من السماء أخذته، ودليله «١» قصة قابيل وهابيل «٢» .
وكان حول الجامع العمران ملاصقة له، حتى قيل: إن مسطبة كانت خلف الجامع، وكانت ذراعا فى ذراع لا غير، فكانت أجرتها فى كلّ يوم اثنى عشر درهما:
فى بكرة النهار يقعد فيها شخص يبيع الغزل ويشتريه بأربعة دراهم؛ ومن الظهر الى العصر لخبّاز بأربعة دراهم؛ ومن العصر الى المغرب لشخص يبيع فيها الحمّص والفول بأربعة دراهم. قلت: هذا مما يدل على أن الجامع المذكور كان فى وسط العمران.
стр. 738
وهذا الجامع على جبل يشكر- كما ذكرناه- وهو مكان مشهور بإجابة الدعاء، وقيل: إنّ موسى ﵇ ناجى ربّه- ﷻ عليه بكلمات. ويشكر المنسوب إليه هذا الجبل هو ابن جزيلة من لخم. انتهى.
وأنفق ابن طولون على البيمارستان ستين ألف دينار، وعلى حصن «١» الجزيرة ثمانين ألف دينار، وعلى الميدان خمسين ألف دينار؛ وحمل إلى الخليفة المعتمد فى مدة أربع سنين ألفى ألف دينار ومائتى ألف دينار. وكان خراج مصر فى أيامه أربعة آلاف ألف وثلثمائة ألف دينار؛ هذا مع كثرة صدقاته وإنفاقه على مماليكه وعسكره.
وقد قال له وكيله «٢» فى الصدقات: ربما امتدّت الىّ الكفّ المطوّقة والمعصم فيه السّوار والكمّ الناعم، أفأمنع هذه الوظيفة؟ «٣» فقال له: ويحك! هؤلاء المستورون الذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، احذر أن تردّ يدا امتدّت اليك.
وقيل: إنه حسّن له بعض التجار التجارة، فدفع له أحمد بن طولون خمسين ألف دينار يتّجر له بها؛ فرأى ابن طولون بعد ذلك فى منامه كأنه يمشمش عظما، فدعا المعبّر وقصّ عليه؛ فقال: قد سمت همّتك إلى مكسب لا يشبه خطرك «٤» ؛ فأرسل ابن طولون فى الحال إلى التاجر وأخذ المال منه فتصدّق به.
стр. 739
وكان جميع خصال ابن طولون محمودة، إلا أنه كان حادّ الخلق والمزاج؛ فإنه لما ولى مصر والشام ظلم كثيرا وعسف وسفك كثيرا من الدماء. يقال: إنه مات فى حبسه «١» ثمانية عشر ألفا، فرأى فى منامه كأنّ الحق سبحانه قد مات فى داره فاستعظم ذلك وانتبه فزعا، وجمع المعبّرين فلم يدروا؛ فقال له بعضهم: أقول ولى الأمان؟
قال نعم؛ قال: أنت رجل ظالم، قد أمتّ الحقّ فى دارك! فبكى.
وكان فيه ذكاء وفطنة وحدس ثاقب. قال محمد بن عبد الملك الهمذانىّ:
إن ابن طولون جلس يأكل، فرأى سائلا فأمر له بدجاجة ورغيف وحلواء، فجاءه الغلام فقال: ناولته فما هشّ له؛ فقال ابن طولون: علىّ به، فلما مثل بين يديه لم يضطرب من الهيبة؛ فقال له ابن طولون: أحضر لى الكتب التى معك واصدقنى، فقد صحّ عندى أنك صاحب خبر، وأحضر السياط فاعترف؛ فقال له بعض من حضر: هذا والله السحر الحلال! قال ابن طولون: ما هو سحر ولكنّه قياس صحيح، رأيت سوء حاله فسيّرت له طعاما يشره له الشبعان فما هشّ له، فأحضرته فتلقّانى بقوّة جأش، فعلمت أنه صاحب خبر لا فقير، فكان كذلك.
وقال أبو الحسين الرازىّ: سمعت أحمد [بن أحمد «٢» ] بن حميد بن أبي العجائز وغيره من شيوخ دمشق قالوا: لما دخل أحمد بن طولون دمشق وقع بها حريق عند كنيسة مريم، فركب ابن طولون إليه ومعه أبو زرعة البصرى «٣» وأبو عبد الله أحمد ابن محمد الواسطىّ كاتبه؛ فقال ابن طولون لأبى زرعة: ما يسمّى هذا الموضع؟
قال: كنيسة مريم؛ فقال أبو عبد الله: أكان لمريم كنيسة؟ قال: ماهى من بناء
стр. 740
مريم، وإنما بنوها على اسمها؛ فقال ابن طولون: مالك [و] للاعتراض على الشيخ! ثم أمر بسبعين ألف دينار من ماله، وأن يعطى لكل من احترق له شىء ويقبل قوله ولا يستحلف، فأعطوا لمن ذهب ماله. وفضل من المال أربعة عشر ألف دينار؛ ثم أمر بمال عظيم أيضا ففرّق فى فقراء أهل دمشق والغوطة، وأقلّ «١» ما أصاب الواحد من المستورين دينار.
وعن محمد بن على الماذرائىّ «٢» قال: كنت أجتاز بتربة أحمد بن طولون فأرى شيخا ملازما للقراءة «٣» على قبره، ثم إنى لم أره مدّة، ثم رأيته فسألته فقال: كان له علينا بعض العدل إن لم يكن الكلّ، فأحببت أن أصله بالقراءة؛ قلت: فلم انقطعت؟
قال: رأيته فى النوم وهو يقول: أحبّ ألّا تقرأ عندى، فما تمرّ بآية إلا قرّعت بها وقيل: أما سمعت هذه! انتهى.
قلت: ولمّا ولى أحمد بن طولون مصر سكن العسكر على عادة أمراء مصر من قبله، ثم أحب أن يبنى له قصرا فبنى القطائع. والقطائع قد زالت آثارها الآن من مصر ولم يبق لها رسم يعرف، وكان موضعها من قبّة الهواء، التى صار مكانها الآن قلعة الجبل، الى جامع ابن طولون المذكور وهو طول «٤» القطائع، وأما عرضها فانه كان من أوّل الرّميلة من تحت القلعة الى الموضع الذي يعرف الآن بالأرض الصفراء عند مشهد الرأس الذي يقال له الآن زين العابدين؛ وكانت مساحة القطائع ميلا فى ميل.
стр. 741
وقبّة الهواء كانت فى السطح «١» الذي عليه قلعة الجبل. وتحت قبة الهواء كان قصر ابن طولون. وموضع هذا القصر الميدان السلطانى الآن الذي تحت قلعة الجبل بالرّميلة «٢» .
وكان موضع سوق الخيل والحمير والبغال والجمال بستانا. ويجاورها الميدان الذي يعرف اليوم بالقبيبات؛ فيصير الميدان فيما بين القصر والجامع الذي أنشأه أحمد بن طولون المعروف به. وبجوار الجامع دار الإمارة فى جهته القبلية، ولها باب من جدار الجامع يخرج منه الى المقصورة المحيطة بمصلّى الأمير الى جوار المحراب، وهناك دار الحرم. والقطائع عدّة قطع يسكن فيها عبيد الأمير أحمد بن طولون وعساكره وغلمانه.
قلت: والقطائع كانت بمعنى الأطباق التى للمماليك السلطانية الآن، وكانت كلّ قطيعة لطائفة تسمّى بها، فكانت قطيعة تسمّى قطيعة السودان، وقطيعة الروم، وقطيعة الفرّاشين- وهم نوع من الجمدارية الآن- ونحو ذلك. وكانت كل قطيعة لسكن جماعة ممن ذكرنا وهى «٣» بمنزلة الحارات اليوم. وسبب بناء ابن طولون القصر والقطائع كثرة مماليكه وعبيده، فضاقت دار الإمارة عليه، فركب الى سفح الجبل وأمر بحرث قبور اليهود والنصارى، واختطّ موضعهما وبنى القصر والميدان المقدّم ذكرهما؛ ثم أمر لأصحابه وغلمانه أن يختطّوا لأنفسهم حول قصره وميدانه بيوتا؛ واختطّوا وبنوا حتى اتصل البناء بعمارة الفسطاط- أعنى بمصر القديمة- ثم بنيت القطائع وسمّيت كل قطيعة باسم من سكنها. قال القضاعىّ: وكان للنوبة قطيعة مفردة تعرف بهم، وللروم قطيعة مفردة تعرف بهم، وللفرّاشين قطيعة [مفردة «٤» ] تعرف بهم، ولكل صنف من الغلمان قطيعة مفردة تعرف بهم؛ وبنى القوّاد مواضع [متفرّقة «٥» ] ،
стр. 742
وعمرت القطائع عمارة حسنة وتفرّقت فيما السكك والأزقّة، وعمرت فيها المساجد الحسان والطواحين والحمّامات والأفران والحوانيت والشوراع.
وجعل ابن طولون قصرا كبيرا فيه ميدانه الذي يلعب فيه بالكرة، وسمّى القصر كلّه الميدان؛ وعمل للقصر «١» أبوابا لكل باب اسم؛ فباب الميدان الكبير كان منه الدخول والخروج لجيشه وخدمه؛ وباب الخاصّة لا يدخل منه إلا خاصّته؛ وباب الجبل «٢» الذي يلى جبل المقطم؛ وباب الحرم «٣» لا يدخل منه إلا خادم خصىّ أو حرمة؛ وباب الدّرسون كان يجلس فيه حاجب أسود عظيم الخلقة يتقلّد جنايات الغلمان السودان الرّجّالة فقط، واسمه الدرمون وبه سمّى الباب المذكور؛ وباب دعناج لأنه كان يجلس فيه حاجب يقال له دعناج؛ وباب الساج لأنه كان عمل من خشب الساج؛ وباب الصلاة لأنه كان يخرج [منه] إلى الصلاة وكان بالشارع الأعظم، وكان هذا الباب يعرف بباب السباع لأنه كانت عليه صورة سبعين من جبس؛ وكانت «٤» هذه الأبواب لا تفتح كلّها إلا فى يوم العيد [أو] يوم عرض الجيش [أو يوم «٥» صدقة] ، وما «٦» كانت تفتح الأبواب إلا بترتيب فى أوقات معروفة؛ وكان للقصر شبابيك «٧» تفتح من سائر نواحى الأبواب تشرف كلّ جهة على باب.
стр. 743
ولما بنى هذا القصر والميدان وعظم أمره زادت صدقاته ورواتبه حتى بلغت صدقاته المرتّبة فى الشهر ألفى دينار، سوى ما كان يغطى ويطرأ عليه؛ وكان يقول:
هذه صدقات الشكر على تجديد النعم؛ ثم جعل مطابخ للفقراء والمساكين فى كلّ يوم، فكان يذبح فيها البقر والغنم ويفرّق للناس فى القدور الفخّار والقصع، ولكل قصعة أو قدر أربعة أرغفة: فى اثنين منها فالوذج، والاثنان الآخران على القدر أو القصعة؛ وكان فى الغالب يعمل سماط عظيم وينادى فى مصر: من أحبّ [أن] يحضر سماط الأمير فليحضر؛ ويجلس هو بأعلى القصر ينظر ذلك ويأمر بفتح جميع أبواب الميدان ينظرهم وهم يأكلون ويحملون فيسّره ذلك ويحمد الله على نعمته. ثم جعل بالقرب من قصره حجرة فيها رجال سمّاهم بالمكبّرين عدّتهم اثنا عشر رجلا، يبيت فى كلّ ليلة منهم أربعة يتعاقبون بالليل نوبا، يكبّرون ويهلّلون ويسبّحون ويقرءون القرآن بطيّب الألحان ويترسّلون بقصائد زهديّة ويؤذّنون أوقات الأذان؛ وكان هو أيضا [من] أطيب الناس صوتا. قلت: ولهذا كان فى هذه الرتبة، لأن الجنسيّة علة الضم.
ولا زال على ذلك حتى خرج من مصر الى طرسوس، ثم عاد الى أنطاكية فى جيوشه، بعد أن كان وقع له مع الموفّق أمور ووقائع يأتى ذكرها فى حوادث سنيه على مصر.
وكان قد أكل من لبن الجاموس وأكثر منه، وكان له طبيب اسمه سعد «١» بن نوفيل نصرانى؛ فقال له: ما الرأى؟ فقال له: لا تقرب الغذاء اليوم وغدا، وكان جائعا فاستدعى خروفا وفراريج فأكل منها، وكان به علّة القيام فامتنع؛ «٢» فأخبر الطبيب؛ فقال: إنا لله! ضعفت القوّة المدافعة بقهر الغذاء لها، [فعالجه] «٣» فعاوده الإسهال؛
стр. 744
فخرج من أنطاكية فى محفه «١» تحمله الرجال، فضعف عن ذلك فركب البحر الى مصر؛ فقيل لطبيبه: لست بحاذق؛ فقال: والله ما خدمتى له إلا خدمة الفأر للسّنّور، وإن قتلى عنده أهون علىّ من صحبته!.
ولما دخل ابن طولون الى مصر على تلك الهيئة استدعى الأطباء وفيهم الحسن ابن زيرك، فقال لهم: والله لئن لم تحسنوا فى تدبيركم لأضرينّ أعناقكم قيل موتى؛ فخافوا منه، وما كان يحتمى، ويخالفهم. ولما اشتدّ مرضه خرج المسلمون بالمصاحف، واليهود والنصارى بالتوراة والإنجيل، والمعلّمون بالصّبيان، الى الصحراء ودعوا له؛ وأقام المسلمون بالمساجد يختمون القرآن ويدعون له؛ فلما أيس من نفسه رفع يديه إلى السماء وقال: يا ربّ ارحم من جهل مقدار نفسه، وأبطره «٢» حلمك عنه؛ ثم تشهّد ومات بمصر فى يوم الاثنين لثمان عشرة خلت من ذى القعدة سنة سبعين ومائتين، وولى مصر بعده ابنه أبو الجيش خمارويه؛ ومات وعمره خمسون سنة بحساب من قال إنّ مولده سنة عشرين ومائتين. وكانت ولايته على مصر سبع عشرة سنة. وقيل: إنّه لمّا ثقل فى الضعف أرسل الى القاضى بكّار بن قتيبة الحنفىّ- وكان قد حبسه فى دار بسبب نحكيه هنا بعد ما نذكر ما أرسل يقول له- فجاء الرسول إلى بكّار يقول له: أنا أردّك الى منزلتك وأحسن؛ فقال القاضى بكّار:
قل له: شيخ فان وعليل مدنف، والملتقى قريب، والقاضى الله ؛ فأبلغ الرسول ابن طولون ذلك؛ فأطرق ساعة، ثم أقبل يقول: شيخ فان وعليل مدنف والملتقى قريب والقاضى الله! وكرّر ذلك الى أن غشى عليه؛ ثم أمر بنقله من السجن الى دار اكتريت له.
стр. 745
وأما سبب انحراف أحمد بن طولون على القاضى بكّار فلكون «١» أنّ ابن طولون دعا القاضى بكّارا لخلع الموفق من ولاية العهد للخلافة فامتنع؛ فحبسه لأجل هذا؛ وكرر عليه القول فلم يقبل وئالا «٢» ؛ وكان «٣» أوّلا من أعظم الناس عند ابن طولون.
قال الطحاوىّ: ولا أحصى كم كان أحمد بن طولون يجيء إلى مجلس بكار وهو يملى «٤» الحديث ومجلسه مملوء بالناس، ويتقدّم الحاجب ويقول: لا يتغيّر أحد من مكانه؛ فما يشعر بكّار إلّا وابن طولون إلى جانبه؛ فيقول له: أيها الأمير ألا تركتنى [حتى] «٥» كنت أقضى حقّك [وأؤدّى «٦» واجبك! أحسن الله جزاءك وتولّى مكافأتك] ؛ ثم فسد الحال بينهما حتى حبسه.
قال القاضى شمس الدين أحمد بن محمد بن خلّكان: كان أحمد بن طولون يدفع الى القاضى بكّار فى العام ألف دينار سوى المقرّر له فيتركها بكّار بختمها [ «٧» ولا يتصرّف فيها] ؛ فلما دعاه ابن طولون لخلع الموفّق من ولاية العهد امتنع، فاعتقله وطالبه بحمل الذهب فحمله اليه بختومه، وكان ثمانية عشر كيسا فى كل كيس ألف دينار؛ فاستحى ابن طولون عند ذلك من الملأ. قلت: هذا هو القاضى الذي فى الجنة؛ رحمه الله تعالى. وقال أبو عيسى اللؤلؤيّ: رآه بعض أصحابه المتزهّدين فى حال حسنة فى المنام (يعنى ابن طولون) ، فقال له: ما فعل الله بك؟ وكيف حالك؟ قال: لا ينبغى لمن سكن الدنيا [أن] يحتقر حسنة فيدعها ولا سيئة فيرتكبها، عدل بى عن النار الى الجنة
стр. 746
بتريّثى «١» على متظلّم عيّ «٢» اللسان شديد التهيّب «٣» ، فسمعت منه وصبرت عليه حتى قامت حجته وتقدّمت «٤» بإنصافه؛ وما فى الآخرة على الرؤساء أشدّ من الحجاب «٥» لملتمسى «٦» الإنصاف.
ورثاه كثير من الشعراء، من ذلك ما قاله بعض المصريّين:
يا غرّة «٧» الدنيا الذي أفعاله ... غرر بها كلّ الورى تتعلّق
أنت الأمير على الشآم وثغره ... والرّقّتين «٨» وما حواه المشرق
واليك مصر وبرقة وحجازها ... كلّ «٩» إليك مع المدى يتشوّق
وخلّف ابن طولون ثلاثة وثلاثين ولدا، منهم سبعة عشر ذكرا، وهم:
العباس وخمارويه الذي ولى مصر بعد موته، وعدنان ومضر وشيبان وربيعة وأبو العشائر، وهؤلاء أعيانهم، فأما العباس فهو الذي كان عصى على والده ودخل الغرب وحمل الى أبيه أحمد فحبسه ومات وهو فى حبسه، ومات بعد أبيه بيسير؛ وكان شاعرا، وهو القائل:
стр. 747
لله درّى إذ أعدو على فرسى ... الى الهياج ونار الحرب تستعر
وفى يدى صارم أفرى الرءوس به ... فى حدّه الموت لا يبقى ولا يذر
إن كنت سائلة عنى وعن خبرى ... فهأنا الليث والصّمصامة الذّكر
من آل طولون أصلى إن سألت فما ... فوقى لمفتخر فى الجود مفتخر «١»
وكان أبوه أحمد بن طولون لما خرج الى الشام فى السنة الماضية أخذه مقيّدا معه وعاد به على ذلك.
وخلّف أحمد بن طولون فى خزائنه من الذهب النقد عشرة آلاف ألف دينار؛ ومن المماليك سبعة آلاف مملوك، [ومن «٢» الغلمان أربعة وعشرين ألف غلام] ، ومن الخيل [الميدانية «٣» ] سبعة آلاف رأس، ومن البغال والحمير ستة آلاف رأس، ومن الدوابّ لخاصته ثلثمائة، ومن مراكبه الجياد مائة. وكان ما يدخل إلى خزائنه فى كل سنة بعد مصاريفه ألف ألف دينار. رحمه الله تعالى.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٢٥٥]
السنة الأولى من ولاية أحمد بن طولون على مصر وهى سنة خمس وخمسين ومائتين- فيها كان ابتداء خروج الزّنج، وخرج قائدهم «٤» بالبصرة، فلما خرج انتسب
стр. 748
إلى زيد بن علىّ، وزعم أنّه علىّ بن محمد بن أحمد بن علىّ بن عيسى بن زيد بن علىّ [بن «١» الحسين بن علىّ بن أبى طالب] ؛ وهذا نسب غير صحيح. وانضمّ عليه معظم أهل البصرة، وعظم أمره وفعل بالمسلمين الأفاعيل، وهزم جيوش الخليفة، وامتدّت أيّامه الى أن قتل فى سنة سبعين ومائتين بعد أن واقعه الموفّق أخو الخليفة غير مرّة.
وفيها كان بين يعقوب بن الليث وطوق بن المغلّس «٢» وقعة كبيرة. وفيها عظم أمر ابن وصيف، وقبض على حواشى المعتزّ بالله الخليفة؛ فسأله المعتزّ فى إطلاق واحد منهم فلم يفعل. ولا زال أمره يعظم إلى أن خلع المعتزّ بالله من الخلافة فى رجب «٣» ، ثم قتل بعد خلعه بأيّام. واختفت أمّ المعتزّ قبيحة، ثم ظهرت فصادرها صالح بن وصيف المذكور وأخذ منها أموالا عظيمة، ثم نفاها إلى مكّة؛ وكان مما أخذ منها ابن وصيف ألف ألف دينار وثلثمائة ألف دينار، وأخذ منها من الجواهر ما قيمته ألفا ألف دينار. وكان الجند سألوا المعتزّ فى خمسين ألف دينار ويصطلحون معه؛ فسألها المعتزّ فى ذلك؛ فقالت: ما عندى شىء. فلمّا رأى ابن وصيف هذا المال قال: قبّح الله قبيحة، عرّضت ابنها للقتل لأجل خمسين ألف دينار وعندها هذا كلّه. وفيها بويع المهتدى بالله محمد، وكنيته أبو إسحاق، وقيل: أبو عبد الله، ابن الخليفة الواثق بالله هارون بالخلافة بعد خلع المعتزّ بالله فى ثانى «٤» شعبان. وفيها توفّى عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام بن عبد الصمد الحافظ أبو محمد التّميمىّ الدارمىّ السمرقندى الإمام المحدّث صاحب المسند؛ ومولده سنة مات عبد الله
стр. 749
ابن المبارك سنة اثنتين وثمانين ومائة، وكان من الأئمة الأعلام، وقد روينا مسنده المذكور عن الشيخ زين الدين رجب بن يوسف الخيرىّ «١» ومحمد بن أبى الشائب «٢» الأنصارىّ حدّثانا أخبرنا أبو إسحاق التّنوخىّ، حدّثنا أبو العباس الحجّار وإسماعيل ابن مكتوم وعيسى المطعّم «٣» إجازة، قالوا: أخبرنا ابن اللّيثىّ، حدّثنا أبو الوقت عبد الأوّل ابن [أبى عبد الله «٤» ] عيسى [بن شعيب بن إسحاق السجزى «٥» ] ، أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن ابن محمد الدّاودىّ، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمّويه السّرخسىّ، أخبرنا أبو عمران عيسى بن عمر السمرقندىّ، حدّثنا الدارمىّ. وفيها توفى المعتزّ بالله أمير المؤمنين أبو عبد الله محمد، وقيل: إن اسمه الزبير، ابن الخليفة المتوكل على الله جعفر ابن الخليفة المعتصم بالله محمد ابن الخليفة الرشيد هارون ابن الخليفة محمد المهدىّ ابن الخليفة أبى جعفر المنصور بن محمد بن علىّ بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، الهاشمىّ العباسىّ البغدادىّ؛ ومولده سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، ولم يل الخلافة قبله أحد أصغر منه، وأمّه أمّ ولد رومية تسمى قبيحة لجمال صورتها من أسماء الأضداد، لم يقع لخليفة ما وقع عليه من الإهانة، لأن الأتراك أمسكوه وضربوه وجرّوا برجله وأقاموه فى الشمس «٦» فى يوم صائف وهم يلطمون وجهه، ويقولون
стр. 750
له: اخلع نفسك؛ ثم أحضروا القاضى ابن أبى الشوارب والشهود، حتى خلع نفسه؛ ثم أخذه الأتراك بعد خمس ليال من خلعه وأدخلوه الحمام فعطش فمنعوه الماء حتى مات «١» فى شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين وله أربع وعشرون سنة. وكانت خلافته أربع سنين وستة أشهر وأربعة «٢» عشر يوما. وفيها توفى الحافظ أبو يحيى صاعقة، واسمه محمد بن عبد الرحيم، وله سبعون سنة. وفيها توفى محمد بن كرّام «٣» السّجستانىّ.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع واثنتا عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وست أصابع.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٢٥٦]
السنة الثانية من ولاية أحمد بن طولون على مصر وهى سنة ست وخمسين ومائتين- فيها وثب موسى بن بغا بالأتراك على صالح بن وصيف وطالبوه بقتل المعتز وبمال أمّه قبيحة، ووقع بينهم حروب قتل فيها صالح بن وصيف المذكور؛ ثم خلعوا الخليفة المهتدى، فقاتلهم حتى ظفروا به وقتلوه، وبايعوا المعتمد بالخلافة.
وفيها استعمل الخليفة أخاه الموفّق طلحة على المشرق، وصيّر ابنه جعفرا ولىّ عهده وولّاه مصر والمغرب، ولقّبه المفوّض إلى الله. وانهمك المعتمد فى اللهو واللذات.
واشتغل عن الرعيّة، فكرهه الناس وأحبّوا أخاه الموفّق طلحة، فغلب على الأمر حتى صار المعتمد معه كالمحجور عليه، على ما سيأتى ذكره. وفيها توفّى الحسن بن علىّ
стр. 751
الإمام العابد الزاهد أبو علىّ التّنوخىّ البغدادىّ أوحد زمانه فى علوم الحقائق، وهو من كبار أصحاب سرىّ السّقطىّ، وهو أوّل من عقدت له الحلقة ببغداد. وفيها توفى الزّبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوّام، أبو عبد الله الأسدىّ الإمام العلامة صاحب كتاب النسب «١» ، كان عالما بالأنساب وأيام الناس، ولى قضاء مكة، وقدم بغداد وحدّث بها. وفيها كان قتل صالح بن وصيف التركى أحد قوّاد المتوكّل، كان قد استطال على الخلفاء وقتل المعتزّ وصادر أمّه قبيحة حسبما تقدّم ذكره. وفيها توفّى الإمام الحافظ الحجة أبو عبد الله محمد بن اسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة [بن الأحنف «٢» ] بن بردزبه «٣» البخارىّ الجعفىّ مولاهم؛ وكان المغيرة مجوسيّا فأسلم على يد يمان البخارىّ الجعفىّ. والبخارىّ الجعفىّ مولاهم؛ وكان المغيرة مجوسيّا فأسلم على يد يمان البخارىّ الجعفىّ. والبخارىّ هذا هو صاحب الصحيح، مولده يوم الجمعة لثلاث عشرة خلت من شوّال سنة أربع وتسعين ومائة ومات ليلة عيد الفطر بقرية خرتنك «٤» بالقرب من بخارى، وقد سمعت صحيحه بفوت «٥» على سيدنا شيخ الإسلام جلال الدين عبد الرحمن البلقينيّ الشافعىّ ﵁؛ أنبأنا والدى شيخ الاسلام، أنبأنا جمال الدين عبد الرحيم بن شاهد الجيش، أنبأنا إسماعيل بن عبد القوىّ بن عزّون وأحمد بن علىّ بن يوسف وعثمان بن عبد الرحمن بن
стр. 752
رشيق سماعا عليهم عن هبة الله بن علىّ البوصيرىّ ومحمد بن أحمد «١» بن حامد الأرتاحىّ، الأوّل عن محمد بن بركات، والثانى عن علىّ بن [الحسين بن «٢» ] عمر الفرّاء عن كريمة بنت أحمد المروزيّة عن محمد بن مكّى الكشميهنىّ «٣» عن محمد بن يوسف الفربرىّ عن الامام البخارىّ، وأخبرنى به الشيخ الأوحد أبو عبد الله محمد بن عبد الكافى السّويفىّ سماعا عليه لجميعه، أنبأنا شمس الدين محمد بن على بن الخشّاب سماعا عليه لجميعه، أنبأنا شيخان أبو العباس أحمد بن أبى طالب بن الشّحنة الحجّار وأم محمد وزيرة بنت عمر التّنوخيّة، قالا أنبأنا أبو عبد الله الحسين بن المبارك الزبيدىّ، أنبأنا أبو الوقت عبد الأوّل بن [أبى عبد الله] عيسى السّجزىّ، أنبأنا أبو الحسن عبد الرحمن ابن محمد الدّاودىّ، أنبأنا أبو محمد عبد الله بن أحمد السّرخسىّ، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يوسف الفربرىّ، أنبأنا الامام البخارىّ رضى الله عنه. وفيها توفى أمير المؤمنين المهتدى بالله محمد ابن الخليفة هارون الواثق ابن الخليفة محمد المعتصم ابن الخليفة الرشيد هارون الهاشمىّ العباسىّ، وكان صالحا عابدا يسرد «٤» الصوم متقشّفا، لم يل الخلافة بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أصلح منه، غير أنه لم يجد من ينصره، وحاربته الأتراك وخلعوه وداسوا خصيتيه وصفعوه حتى مات فى منتصف «٥» شهر رجب؛ فكانت خلافته سنة إلا خمسة عشر يوما؛ وأمّه أمّ ولد رومية تسمّى
стр. 753
قرب. قال الخطيب أبو بكر: لم يزل صائما منذ ولى الخلافة الى أن قتل وله نحو أربعين سنة. وفيها توفّى عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة الزهرىّ. وفيها توفّى على بن المنذر الطّريقىّ «١» . وفيها توفّى محمد بن أبى عبد الرحمن.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع واثنتان وعشرون إصبعا، مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وعشرون إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٢٥٧]
السنة الثالثة- من ولاية أحمد بن طولون على مصر، وهى سنة سبع وخمسين ومائتين- فيها دخل الزّنج البصرة وأباحوها وبذلوا فيها السيف، فحاربهم سعيد الحاجب واستخلص منهم كثيرا مما كانوا أسروه. وفيها عقد الخليفة المعتمد لأخيه أبى أحمد الموفّق على الكوفة والحجاز والحرمين واليمن وبغداد وواسط والبصرة والأهواز وفارس وما وراء النهر. وفيها قتل ميخائيل بن توفيل «٢» ملك الروم، قتله بسيل «٣» الصّقلبىّ وكان ميخائيل قد ملك أربعا وعشرين سنة. وفيها حجّ بالناس الفضل ابن إسحاق بن الحسن بن سهل «٤» بن العباس العباسىّ. وفيها توفى الحسن بن عبد العزيز الحافظ أبو علىّ الجذامىّ المصرىّ، قدم بغداد وحدّث بها؛ قال الدّار قطنىّ لم أر مثله فضلا وزهدا ودينا وورعا وثقة وصدق عبارة. وفيها توفى سليمان بن معبد أبو داود النحوىّ المروزىّ، رحل فى طلب العلم إلى العراق والحجاز واليمن والشأم ومصر، وقدم بغداد وذاكر الجاحظ، ومات بها فى ذى الحجّة. وفيها توفى شهيدا بأيدى الزّنج العبّاس بن الفرج أبو الفضل الرّياشىّ النحوىّ البصرىّ مولى محمد بن
стр. 754
سليمان العباسىّ، رحل فى طلب العلم، وكان من النحو واللغة والفقه والأدب والفضل بالمحلّ الأعلى، وكان من الثّقات الحفّاظ، وقرأ كتاب سيبويه على المازنىّ، فكان المازنىّ يقول: يقرأ علىّ كتاب سيبويه وهو أعلم به منّى. وفيها توفّيت فضل الشاعرة، كانت من مولّدات اليمامة «١» ، وكذا أمها، وبها ولدت؛ فربّاها بعض الفضلاء وباعها، فاشتراها محمد بن الفرج الرّخجىّ وأهداها إلى المتوكّل، ولم يكن فى زمانها أفصح منها ولا أشعر. وفيها توفى شهيدا بأيدى الزّنج زيد بن أخزم- بمعجمتين- الطائىّ الحافظ.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وستّ عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثمانى عشرة إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٢٥٨]
السنة الرابعة- من ولاية أحمد بن طولون على مصر، وهى سنة ثمان وخمسين ومائتين- فيها عقد المعتمد على الله لأخيه الموفّق طلحة على حرب الزّنج، فندب إليهم الموفّق منصورا، فكانت وقعة بين منصور بن جعفر بن دينار وبين يحيى «٢» ، فانهزم عن منصور عسكره، وساق وراءه يحيى فضرب عنقه، واستباحت الزّنج عسكره؛ فلما وصل الموفّق إلى نهر «٣» معقل انهزم جيش الخبيث رأس الزّنج، ثم تراجعوا وقاتلوا جيش الموفّق حتى هزموه؛ وانحاز الموفّق وهمّ بالهروب، ثم تراجع
стр. 755
وواقعهم حتى انتصر عليهم. وأسر طاغيتهم يحيى المذكور، وقتل عامّة أصحابه، وبعث بيحيى إلى المعتمد، فضربه ثم طوّف به ثم ذبحه. وفيها وقع الوباء العظيم بالعراق، ومات خلق لا يحصون. حتى مات غالب عسكر الموفّق؛ فلما وقع ذلك كتر الزّنج على الموفّق وواقعوه ثانيا أشدّ من الأوّل. ثم هزمهم الله ثانيا. وفيها كانت زلازل هائلة سقطت منها المنازل ومات خلق كثير تحت الرّدم. وفيها كانت واقعة ثالثة بين الزّنج والموفّق كانوا فيها متكافئين. وفيها توفّى أحمد بن الفرات بن خالد أبو مسعود»
الرازى الأصبهانىّ. كان أحد الأئمة الثّقات. ذكره أبو نعيم فى الطبقة السابعة وأثنى عليه. وفيها توفّى أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطّان البصرىّ الحافظ، سكن بغداد وحدّث بها عن جدّه وغيره، وروى عنه المخاملىّ وغيره. وفيها توفى جعفر بن عبد الواحد بن جعفر بن سليمان بن علىّ بن عبد الله بن العباس الهاشمىّ العباسىّ، كان يقال له قاضى الثغور، وولى القضاء بسرّمن رأى، وحدّث عن أبى عاصم النبيل وغيره؛ قال أبو زرعة الرازىّ: كنت اذا رأيته هبته وأقول: هذا يصلح للخلافة. وفيها توفّى محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس أبو عبد الله النّيسابورىّ الذّهلىّ مولاهم، كان حافظّ عصره وإمام الحديث بنيسابور وصاحب الواقعة «٢» مع البخارىّ صاحب الصحيح. كان أحد الأئمة الحفّاظ المتقنين؛ كان الامام أحمد بن حنبل يثنى عليه وينشر فضله ويقول: هو إمام السنة بنيسابور.
وفيها توفّى معاوية بن صالح أبو عمرو الحضرمىّ الحمصىّ قاضى الأندلس؛ أصله من
стр. 756
أهل مصر؛ كان إماما عالما فاضلا محدّثا كبير الشأن. وفيها توفّى يحيى بن معاذ ابن جعفر أبو زكريا الرّازى الواعظ أحد الزهّاد أوحد وقته فى علوم الحقائق؛ وكانوا ثلاثة إخوة: يحيى وإسماعيل وإبراهيم؛ كان إسماعيل أكبرهم، ويحيى الأوسط. وفيها توفى يحيى الجلّاء، كان من الزهّاد، وصحب بشرا الحافى ومعروفا الكرخىّ وسريّا السّقطىّ. قال أحمد بن حنبل: قلت لذى النّون: لم سمّى بابن الجلّاء؟
فقال: سميناه بذلك لأنه اذا تكلّم جلا قلوبنا.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وخمس أصابع ونصف. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وخمس أصابع ونصف.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٢٥٩]
السنة الخامسة من ولاية أحمد بن طولون على مصر، وهى سنة تسع وخمسين ومائتين- فيها كان أيضا بين الموفّق وبين الزّنج مقتلة عظيمة، ثم كان بين موسى ابن بغا وبين الزّنج أيضا مقتلة عظيمة، وقتل فيها خلق من الطائفتين. وفيها كانت وقعة بين الروم وبين أحمد بن محمد القابوسىّ على ملطية وشمشاط «١» ، ونصر الله المسلمين.
وفيها ولد عبيد الله الملقّب بالمهدىّ والد الخلفاء الفاطميّين. وفيها توفّى الحسين بن عبد السلام أبو عبد الله المصرىّ المعروف بالجمل، الشاعر المشهور، كان يصحب الشافعىّ رضى الله عنه. وفيها توفى محمد بن عمرو بن يونس أبو جعفر الثّعلبىّ،
стр. 757
ويعرف أيضا بالسّوسىّ، الزاهد العابد، مات وقد بلغ من العمر مائة سنة. وفيها توفى محمد بن إبراهيم بن محمد بن عيسى بن القاسم بن سميع أبو الحسن القرشىّ الدمشقىّ الحافظ العالم المحدّث مصنف كتاب الطبقات. وفيها توفى الإمام أبو إسحاق إبراهيم ابن يعقوب السّعدىّ الجرجانىّ العالم المشهور. وفيها توفى أيضا أحمد بن إسماعيل السّهمىّ.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع سواء. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وخمس أصابع ونصف.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٢٦٠]
السنة السادسة من ولاية أحمد بن طولون على مصر، وهى سنة ستين ومائتين- فيها كان الغلاء المفرط بالحجاز والعراق حتى بلغ الكرّ «١» من الحنطة ببغداد مائة وخمسين دينارا. وفيها أغارت الأعراب على حمص، فخرج أميرهم منجور «٢» النركى لحربهم فقتلوه، وتولى بعده حمص بكتمر التركىّ المعتمدىّ. وفيها أخذت الروم لؤلؤة «٣» .
وفيها أيضا كانت وقعات عديدة بين عساكر الموفّق وبين الزّنج، وقتلت الزّنج علىّ ابن يزيد العلوىّ صاحب الكوفة. وفيها توفى إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق الحافظ أبو إسحاق الجرجانىّ- المقدّم ذكره فى الماضية- على الصحيح فى هذه السنة؛ كان يسكن دمشق، ويحدّث على المنبر، وكان من الأئمة الحفّاظ، إلا أنه كان منحرفا عن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه. وفيها توفّى أيّوب بن إسحاق بن
стр. 758
إبراهيم بن مسافر، كان يسكن الرّملة، وحدّث بها وبمصر ودمشق، وكان زعر «١» الخلق. وفيها توفى الحسن بن على [بن محمد بن علىّ «٢» ] بن موسى بن جعفر بن الحسين ابن على بن أبى طالب، ويقال له العسكرىّ، كنيته أبو محمد؛ وهو أحد الأئمة الاثنى عشر المعدود [ين] عند الرافضة. ومولده سنة إحدى وثلاثين ومائتين بسرّمن رأى، وأمّه أمّ ولد. وفيها توفى الحسن الفلّاس العابد الزاهد، كان يتقوّت من قمام المزابل، صحبه بشر الحافى وسرىّ السّقطىّ ومعروف الكرخىّ، وانتفع به بشر الحافى. وفيها توفّى الحسن بن محمد بن الصبّاح أبو على الزعفرانىّ، أصله من قرية بالعراق يقال لها الزعفرانية، وهو صاحب الإمام الشافعى الذي قرأ عليه كتاب الأم «٣» ، وروى عنه أقواله القديمة. وفيها توفّى مالك بن طوق بن غياث «٤» التّغلبىّ صاحب الرّحبة «٥» ؛ كان أحد الأجواد، ولى إمرة دمشق والأردنّ. وفيها توفّى موسى «٦» ابن مسلم بن عبد الرحمن أبو بكر القنطرىّ، كان ينزل قنطرة البردان ببغداد «٧» فنسب إليها، وكان يشبّه فى الزهد والورع ببشر الحافى.
стр. 759
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وأربع أصابع ونصف.
مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وإحدى عشرة إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٢٦١]
السنة السابعة من ولاية أحمد بن طولون على مصر، وهى سنة إحدى وستين ومائتين- فيها ولّى الخليفة المعتمد أبا السّاج إمرة الأهواز وحرب صاحب الزّنج، فكان بينه وبين الزنج حروب. وفيها بايع المعتمد بولاية العهد بعده لابنه المفوّض جعفر المذكور قبل تاريخه أيضا وولّاه المغرب والشأم والجزيرة وأرمينية، وضمّ إليه موسى بن بغا، وولّى أخاه الموفّق العهد بعد ابنه المفوّض، وولّاه المشرق والعراق وبغداد والحجاز واليمن وفارس وأصبهان والرّىّ وخراسان وطبرستان وسجستان والسّند [وضمّ «١» اليه مسرورا البلخىّ] ، وعقد لكل واحد منهما لواءين:
أبيض وأسود، وشرط إن حدث به حدث [الموت «٢» ] أن الأمر يكون لأخيه الموفق «٣» إن لم يكن ابنه المفوّض جعفر قد بلغ؛ وكتب العهد وأرسله مع قاضى القضاة الحسن بن أبى الشّوارب ليعلقه فى الكعبة. وفيها توفى الحافظ مسلم بن الحجّاج بن مسلم الإمام الحافظ الحجّة أبو الحسين النّيسابورىّ صاحب الصحيح، ولد سنة أربع ومائتين. قال الحسين «٤» بن محمد الماسرجسىّ: سمعت أبى يقول سمعت مسلما يقول: صنّفت هذا المسند الصحيح من ثلثمائة ألف حديث مسموعة.
وقال أحمد بن سلمة: كنت مع مسلم فى تأليف صحيحه اثنتى عشرة سنة؛ قال:
وهو اثنا عشر ألف حديث، يعنى بالمكرّر. قلت: مات يوم الأحد ودفن
стр. 760
يوم الاثنين لخمس بقين من شهر رجب. وقد روينا صحيحه عن أبى ذرّ «١» الحنبلىّ أنبأنا محمد بن إبراهيم البيانىّ سماعا أنبأنا أبو الفداء إسماعيل وعلىّ بن مسعود بن نفيس، قالا أنبأنا إبراهيم بن عمر بن مضر وأحمد بن عبد الدائم، قال ابن مضر أنبأنا منصور «٢» ، وقال ابن عبد الدائم أنبأنا محمد بن على بن صدقة الحرّانىّ أنبأنا صدر «٣» الدّين البكرىّ، قال البكرىّ أنبأنا المؤيّد [بن «٤» محمد بن على] الطّوسىّ قال ابن عساكر إجازة قال الفراوىّ، «٥» وهو فقيه الحرم، قال أنبأنا الفارسىّ «٦» أنبأنا الجلودىّ «٧» أنبأنا ابن سفيان «٨» أنبأنا مسلم.
وفيها توفى الحسن بن محمد بن عبد الملك أبو محمد القاضى الأموىّ، ويعرف بابن أبى الشوارب، كان فقيها عالما فاضلا جوادا ذا مروءة «٩» ، ولى القضاء سنين عديدة.
стр. 761
وفيها توفى الشيخ الإمام المعتقد أبو يزيد البسطامىّ «١» ، واسمه طيفور بن عيسى بن شروسان، وكان شروسان «٢» مجوسيّا، وكان لعيسى ثلاثة أولاد: آدم وهو أكبرهم، وطيفور هذا وهو أوسطهم [وعلىّ «٣» ] ، وكان الثلاثة زهّادا عبّادا، وكان طيفور أفضل [أهل] زمانه وأجلّهم محلّا، كان له لسان فى المعارف والتدقيق، وكان صاحب أحوال وكرامات، وقد شاع ذكره شرقا وغربا. وفيها توفّى عبد الله بن محمد بن يزداد «٤» أبو صالح الكاتب المروزىّ، وزر أبوه للمأمون ووزر هو للمستعين والمهتدى، وكان أديبا شاعرا فاضلا جوادا ممدّحا.
أمر النيل فى هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وثلاث عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وخمس أصابع ونصف.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٢٦٢]
السنة الثامنة من ولاية أحمد بن طولون على مصر، وهى سنة اثنتين وستين ومائتين- فيها ولى قضاء سرّ من رأى علىّ بن الحسن بن أبى الشوارب عوضا عن أبيه. وولى قضاء بغداد إسماعيل بن إسحاق القاضى. وفيها اشتغل المعتمد بقتال يعقوب بن الليث الصّفّار؛ فبعث كبير الزّنج عسكره إلى البطيحة «٥» فنهبها
стр. 762
وأفسد العسكر بها وأسروا وقتلوا. وفيها تعرّض رجل لامرأة ببغداد وغصبها بمكان وهى تصيح: اتّق الله وهو لا «١» يلتفت؛ فقالت: قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ ...
الآية ثم رفعت رأسها إلى السماء وقالت: اللهمّ إنّه قد ظلمنى فخذه اليك؛ فوقع الرجل ميتا.
قال ابن عون «٢» الفرائضىّ: فأنا والله رأيت الرجل ميّتا، فحمل على نعش والناس يهلّلون ويكبّرون. وفيها غلب يعقوب بن الليث الصفّار على فارس، وهرب عامل المعتمد إلى الأهواز. وفيها توفّى خالد بن يزيد أبو الهيثم التّميمىّ الحراسانىّ الكاتب، أحد كتّاب الجيش ببغداد، كان فاضلا شاعرا. وفيها توفّى سعد بن يزيد أبو محمد البزّاز، كان إماما فاضلا شاعرا حافظا، روى عنه يزيد بن هارون وطبقته؛ ومات ببغداد في شهر رجب. وفيها توفى عبد الله بن الفقير «٣» .
المروزىّ «٤» المعتقد، كان من الأبدال «٥» ، كان مقيما بقزوين، فاذا كان يوم الجمعة
стр. 763
قد سلك «١» مسافة بعيدة، وكان يمشى على الماء ويقف له بحر جيحون، وكان يتقوّت بالمباحات «٢» . وفيها توفى يعقوب بن شيبة «٣» بن الصّلت بن عصفور أبو «٤» يوسف الحافظ السّدوسىّ البصرىّ، كان إماما حافظا فقيها عالما، صنّف المسند معلّلا إلا أنه لم يتمّه، وكان يتفقّه على مذهب مالك، وسمع منه يزيد بن هارون وغيره، وكان ثقة، إلا أنه كان يقول بالوقف في القرآن، فهجره الناس.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وثلاث عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثمانى عشرة إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٢٦٣]
السنة التاسعة من ولاية أحمد بن طولون على مصر، وهى سنة ثلاث وستين ومائتين- فيها سار يعقوب بن الليث الصّفّار إلى الأهواز، وأسر الأمير ابن واصل «٥» ، واستولى على الأهواز. وفيها استوزر الخليفة المعتمد الحسن بن مخلد بعد موت عبيد الله «٦» بن يحيى بن خاقان؛ فلما قدم موسى بن بغا إلى سامرّا هرب الحسن المذكور، فاستوزر مكانه سليمان بن وهب في ذى الحجّة. وفيها حجّ بالناس الفضل ابن إسحاق الذي حجّ بهم في الماضية. وفيها توفّى الوزير عبيد الله «٧» بن يحيى بن خاقان
стр. 764
ابن عرطوج أبو الحسين «١» التركىّ الوزير. وسبب موته أنه دخل ميدانا في داره يوم الجمعة لعشر خلون من ذى القعدة ليضرب الصّوالجة «٢» ، وركب ولعث «٣» ، فصدمه خادمه رشيق، فسقط عن دابته ميتا. وفيها توفى محمد بن محمد بن عيسى أبو الحسن البغدادىّ، ويعرف بابن أبى الورد «٤» ، كان من الزهّاد الورعين. وفيها توفى الامام الحافظ محمد بن على بن ميمون الرّقّىّ العطّار إمام أهل الجزيرة؛ وفي التهذيب: توفى سنة ثمان وستين.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وأربع عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشرون إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٢٦٤]
السنة العاشرة من ولاية أحمد بن طولون على مصر، وهى سنة أربع وستين ومائتين- فيها في المحرّم خرج أبو أحمد الموفّق طلحة ومعه موسى بن بغا إلى قتال الزّنج، فلما نزلا بغداد مات موسى بن بغا، فحمل إلى سامرّا ودفن بها. وفيها فى شهر ربيع الأوّل توفّيت قبيحة أمّ الخليفة المعتزّ بسامرّاء؛ وكان الخليفة المعتمد قد أعادها من مكّة إلى سامرّا وأكرمها، وكانت أمّ ولد للمتوكّل روميّة، وكانت فائقة في الجمال، فسمّيت قبيحة من أسماء الأضداد؛ وقد تقدّم ذكر مصادرتها من قبل صالح بن وصيف وما أخذ منها من الذهب والجواهر. وفيها توفى عبيد الله ابن عبد الكريم بن يزيد بن فرّوخ الحافظ أبو زرعة الرازىّ مولى عيّاش بن مطرّف القرشىّ، ولد سنة مائتين بالرّىّ؛ وكان إماما حافظا ثقة صدوقا، وهو أحد الأئمة
стр. 765
المشهورين الرحّالين لطلب الحديث، قدم بغداد وحدّث بها غير مرّة، وجالس الإمام أحمد بن حنبل وكان يحبّه ويثنى عليه. وفيها توفّى إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل ابن عمرو بن مسلم الفقيه أبو إبراهيم المزنىّ المصرىّ صاحب الشافعى، روى عنه وعن غيره، وروى عنه أبو بكر بن خزيمة والطحاوىّ «١» وغيرهما، وهو أحد الأئمة المشهورين، وتفقّه به جماعة، وصنّف التصانيف، منها: الجامع الكبير، والجامع الصغير، ومختصر المختصر؛ ولمّا قدم القاضى بكّار بن قتيبة على قضاء مصر وهو حنفىّ، اجتمع به المزنىّ، فسأله رجل من أصحاب بكّار وقال «٢» : قد جاء في الأحاديث تحريم النبيذ وتحليله، فلم قدّمتم التحريم على التحليل؟ فقال المزنىّ: لم يذهب أحد إلى تحريم النهيذ في الجاهلية ثم حلّل لنا، ووقع الاتفاق على أنه كان حلالا فحرّم، فهذا يعضد أحاديث التحريم. فاستحسن القاضى بكار ذلك منه.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثمانى أذرع واثنتا عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا واثنتان وعشرون إصبعا.
стр. 766
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٢٦٥]
السنة الحادية عشرة من ولاية أحمد بن طولون على مصر، وهى سنة خمس وستين ومائتين- فيها خرج صاحب الترجمة أحمد بن طولون من مصر الى الشأم في المحرّم، وتوجّه إلى أنطاكية وحصر بها صاحبها سيما «١» الطويل، ولم يزل مقيما عليها بآلات الحصار إلى أن أخذ أنطاكية وقتل سيما الطويل المذكور، ثم عاد الى مصر. وفيها أمر الموفّق بحبس سليمان بن وهب وابنه عبد الله فحبسا، وأخذ أموالهما وعقارهما، ثم صولحا على تسعمائة ألف دينار. وفيها استوزر الخليفة المعتمد إسماعيل ابن بلبل. وفيها مات يعقوب بن الليث الصفّار بالأهواز، وخلفه «٢» أخوه عمرو بن الليث؛ فكتب عمرو بن الليث إلى المعتمد بأنه سامع مطيع. وفيها بعث. ملك الروم بعبد الله بن رشيد بن كاوس، الذي كان عامل الثغور وأسره الروم، إلى أحمد بن طولون مع عدّة أسارى. وفيها خرج العبّاس بن أحمد بن طولون إلى برقة مخالفا لأبيه، وكان أبوه قد استخلفه على مصر لمّا توجّه إلى حصار سيما الطويل بأنطاكية، وأخذ معه العبّاس ما في بيت مال مصر من الأموال وما كان لأبيه من الآلات وغيرها «٣» وتوجّه إلى برقة؛ فوجّه أبوه أحمد بن طولون خلفه جيشا فقاتلوه حتى ظفروا به، وأحضروه إلى أبيه فحبسه، وقتل جماعة من القوّاد الذين كانوا معه. وفيها دخل الزّنج النّعمانية «٤» فأحرقوا سوقها وأكثر منازل أهلها وقتلوا وسبوا. وفيها ولّى الموفّق عمرو بن الليث الصفّار خراسان وكرمان وفارس وأصبهان وسجستان. وفيها حجّ بالناس هارون بن محمد
стр. 767
ابن إسحاق بن موسى بن عيسى الهاشمىّ. وفيها توفّى إبراهيم بن هانئ الحافظ أبو إسحاق النّيسابورىّ، كان أحد أئمة الحديث الرّحّالة، واختفى أحمد «١» بن حنبل في داره أيام المحنة. وفيها توفّى سعدان «٢» بن نصر بن منصور أبو عثمان الثّقفىّ البزّاز، ولد سنة اثنتين وسبعين ومائة، وسمع سفيان بن عيينة وغيره، وكان أديبا شاعرا، مات في ذى الحجة «٣» .
وفيها توفى صالح بن أحمد بن محمد بن حنبل أبو الفضل الشّيبانىّ، ولد سنة ثلاث وثلاثين ومائتين في [شهر] ربيع الآخر، وولى قضاء أصبهان، وكان صدوقا كريما جوادا ورعا. وفيها توفى عبد الله بن محمد بن أيّوب أبو محمد الزاهد الورع، سئل قضاء بغداد فامتنع. وفيها توفّى علىّ بن الموفّق العابد، كان صاحب كرامات وأحوال، وكان محدّثا ثقة صدوقا. وفيها توفى عمرو «٤» بن مسلم الشيخ المعتقد أبو حفص النّيسابورىّ، كان من الأبدال مجاب الدعوة، مات في [شهر] ربيع الأوّل.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وإحدى وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وإحدى وعشرون إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٢٦٦]
السنة الثانية عشرة من ولاية أحمد بن طولون على مصر، وهى سنة ست وستين ومائتين- فيها دخل علىّ بن أبان «٥» مقدّم الزّنج الأهواز فقاتله أغرتمش «٦»
стр. 768
التركىّ فانتصر الخبيث على أغرتمش المذكور وقتل ونهب وبعث برءوس القتلى ونصبها على سور مدينته. وفيها وثب الأعراب على الحجّاج وأخذوا الكسوة، وصار بعضهم إلى صاحب الزّنج، وأصاب الحجّ شدة عظيمة. وفيها دخل أصحاب الزنج رامهرمز «١» واستباحوها. وفيها كانت بين الأكراد والزّنج وقعة ظهر فيها [الزّنج] «٢» فى الأوّل ثم كان النصر للأكراد على الزنج، وأعمل فيهم السيف، ولله الحمد والمنّة. وفيها توفى محمد بن شجاع الحافظ أبو عبد الله الثّلجىّ البغدادىّ الفقيه الحنفىّ أحد الأعلام، قرأ القرآن على اليزيدىّ، وروى الحروف عن يحيى بن آدم، وتفقّه على الحسن بن زياد اللؤلؤيّ وغيره، وصار إمام عصره، وبه تخرّج غالب علماء عصره. وفيها توفى حمّاد [ابن «٣» الحسن] بن عنبسة الورّاق العالم المشهور. وفيها توفى محمد بن عبد الملك الدّقيقىّ «٤» .
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع وستّ أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وأربع عشرة إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٢٦٧]
السنة الثالثة عشرة من ولاية أحمد بن طولون على مصر، وهى سنة سبع وستين ومائتين- فيها دخلت الزّنج واسطا واستباحوها وأحرقوا فيها، فجهّز الموفّق
стр. 769
ابنه أبا العباس لحربهم في جيش عظيم، فكانت بينه وبينهم وقعة عظيمة انهزم فيها الزنج، وقتل أبو العباس فيهم مقتلة عظيمة وأسر جماعة، وفرّقهم وغرّق مراكبهم فى الماء، فكان ذلك أوّل نصر المسلمين على الزنج؛ ثم كان بعد ذلك في هذه السنة أيضا عدّة وقائع بين الزنج وبينه والجميع ينتصر فيها أبو العباس بن الموفّق. وفيها بنى الموفّق مدينة بإزاء مدينة صاحب الزنج، وسمّاها الموفّقيّة. وفيها وثب صاحب الترجمة أحمد ابن طولون على أحمد [بن محمد «١» ] بن المدبّر، وكان أحمد [بن محمد] بن المدبر متولى خراج دمشق والأردنّ وفلسطين، وحبسه وأخذ أمواله، ثم صالحه على سمّائة ألف دينار.
وفيها حجّ بالناس هارون بن محمد بن إسحاق العباسىّ. وفيها توفّى على بن الحسن «٢» بن موسى بن ميسرة الهلالىّ النّيسابورىّ الدّرابجردىّ- ودرابجرد محلة بنيسابور- كان من أكابر علماء نيسابور وابن عالمهم، وله مسجد بدرابجرد «٣» يقصد للزيارة، وقيل: إنه روى عنه البخارىّ ومسلم وغيرهما، وكان ثقة صدوقا فاضلا، وجد فى مسجده ميتا بعد أسبوع ولم يعلموا به، وقيل: أكله الذئب «٤» . وفيها توفّى محمد بن حمّاد بن بكر المقرئ صاحب خلف بن هشام، كان أحد القرّاء المجوّدين وعباد الله الصالحين. وفيها توفّى شهيدا يحيى بن محمد بن يحيى أبو زكرياء الذّهلىّ إمام أهل نيسابور في الفتوى والرياسة، وكان يتفقّه على مذهب الإمام الأعظم أبى حنيفة، وهو ابن صاحب الواقعة مع محمد بن إسماعيل البخارىّ.
стр. 770
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع وتسع أصابع ونصف.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وأربع عشرة إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٢٦٨]
السنة الرابعة عشرة من ولاية أحمد بن طولون على مصر، وهى سنة ثمان وستين ومائتين- فيها غزا خلف الفرغانىّ التركىّ، نائب أحمد بن طولون، ثغور الشام، فقتل من الروم بضعة عشر ألفا، وغنم حتى بلغ السهم أربعين دينارا. وفيها قتل أحمد بن عبد الله الخجستانىّ «١» الخارج بخراسان، قتله غلمانه «٢» فى آخر السنة.
وفيها أظهر لؤلؤ الخلاف على أحمد بن طولون، وكاتب الموفّق بالقدوم عليه. ولؤلؤ المذكور من موالى أحمد بن طولون. وفيها توفّى أحمد بن سيّار بن أيوب الحافظ أبو الحسن المروزىّ إمام أهل الحديث بمرو، كان جمع بين الحديث والفقه والورع والزهد، وكان يقاس بعبد الله بن المبارك، وقد روى عنه أئمة خراسان: البخارىّ وغيره.
وأخرج له النّسائىّ، واتفقوا على صدقه وثقته. وفيها توفّى أنس بن خالد بن عبد الله ابن أبى طلحة بن موسى بن أنس بن مالك الأنصارىّ، كان إماما حافظا، روى عنه عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل وغيره. وفيها توفّى محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أبو عبد الله فقيه أهل مصر ومحدّثهم، ولد سنة اثنتين وثمانين ومائة، ومات بمصر فى ذى القعدة وصلّى عليه القاضى بكّار، وكان يعرف بصاحب الشافعىّ لأنه أسند عنه، وكان مالكىّ المذهب، وامتحن بعد أن حمل إلى بغداد فثبت على السنّة.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وخمس عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وستّ عشرة إصبعا.
стр. 771
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٢٦٩]
السنة الخامسة عشرة من ولاية أحمد بن طولون على مصر وهى سنة تسع وستين ومائتين- فيها قطعت الأعراب الطريق على [قافلة من «١» ] الحاجّ، وأخذت خمسمائة جمل بأحمالها. وفيها وثب خلف الفرغانىّ التركىّ عامل أحمد بن طولون، على يازمان «٢» خادم الفتح «٣» بن خاقان وحبسه بالثغور، فخلّصه الجند وهمّوا بقتل خلف، فهرب إلى دمشق؛ فاتفقوا ولعنوا أحمد بن طولون على المنابر. فبلغ ابن طولون، فسار من مصر حتى نزل أذنة وقد تحصّن بها يا زمان المذكور؛ فأقام ابن طولون مدّة على حصاره فلم ينل منها طائلا، فعاد إلى دمشق. وفيها استولى الموفّق على مدينة صاحب الزّنج ودخلها عنوة. وفيها توفى أحمد بن عبد الله بن القاسم الحافظ أبو بكر الورّاق على الصحيح؛ حدّث عن عبد الله بن معاذ العنبرىّ وغيره، وروى عنه «٤» [أبو] سعيد بن الأعرابىّ وغيره. وفيها توفّى الحسن بن مخلد بن الجرّاح أبو محمد الكاتب الوزير، ولد سنة تسع ومائتين، وكان يتولّى ديوان الضّياع للمتوكّل جعفر، واستوزره المعتمد. وفيها توفّى «٥» خالد بن أحمد بن عمرو الأمير أبو الهيثم الذّهلىّ، ولى إمرة مرو وهراة «٦» وبخارى «٧» وغيرها؛ وكان من أهل السنّة، وله أيام مشهورة وأمور
стр. 772
محمودة. قال ابن قزأوغلى في تاريخه: وهو الذي نفى البخارىّ عن بخارى لمّا قال:
لفظى بالقرآن مخلوق؛ وكان يحبّ العلماء والحديث؛ أنفق في طلب الحديث والعلم ألف ألف درهم. وفيها توفّى عيسى بن الشيخ بن السّليل «١» أبو موسى الذّهلىّ الشّيبانىّ.
كان غلب على دمشق أيام المهتدى وأوّل أيام المعتمد. وفيها توفّى محمد بن إبراهيم أبو حمزة «٢» الصّوفىّ البغدادىّ أستاذ البغداديين، وهو أوّل من تكلم في هذه المذاهب: من صفاء الذكر وجمع الهمّ والمحبّة والعشق والأنس، لم يسبقه إلى الكلام بهذا على رءوس المنابر ببغداد أحد؛ كان عالما بالقراءات، وجالس الإمام أحمد بن حنبل؛ وكان الإمام أحمد إذا جرى في مسألة «٣» شىء من كلام القوم يلتفت إليه ويقول: ما تقول في هذه المسألة يا صوفىّ. وصحب سريّا السّقطىّ والجنيد وحسنا المسوحىّ «٤» وغيرهم.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وستّ عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشرون إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٢٧٠]
السنة السادسة عشرة من ولاية أحمد بن طولون على مصر، وهى سنة سبعين ومائتين، أعنى التى مات فيها أحمد بن طولون المذكور- فيها كانت أيضا
стр. 773
وقائع بين الموفّق طلحة وبين صاحب الزّنج، قتل في آخرها صاحب الزنج علىّ «١» ، لعنه الله تعالى. وفيها انشقّ ببغداد [فى «٢» ] الجانب الغربىّ شقّ من نهر عيسى، فجاء الماء إلى الكرخ فهدم سبعة آلاف دار. وفيها ظهر أحمد بن عبد الله بن إبراهيم العلوىّ بصعيد مصر وتبعه خلق كثير، فجهّز إليه أحمد بن طولون جيشا، فكانت بينهم حروب حتى ظفر أصحاب ابن طولون به، فحملوه إليه فقتله ومات بعده بيسير. وفيها بنى أحمد ابن طولون على قبر معاوية بن أبى سفيان أربعة أروقة، ورتّب عند القبر أناسا يقرءون القرآن ويوقدون الشموع عند القبر. وفيها توفّى إسماعيل بن عبد الله بن ميمون ابن عبد الحميد بن أبى الرجال الحافظ أبو نصر «٣» العجلىّ، سمع خلقا كثيرا، وروى عنه غير واحد، وكان ثقة شاعرا فصيحا، ومات وله أربع وثمانون سنة. وفيها توفّى القاضى بكّار بن قتيبة بن عبد الله، وقيل: قتيبة بن أسد، بن [أبى «٤» ] بردعة بن عبيد الله [ابن بشير «٥» بن عبيد الله] بن أبى بكرة الثّقفىّ، مولى رسول الله ﷺ .
وكنية القاضى بكّار هذا أبو بكرة، القاضى البصرىّ الحنفىّ؛ ولد بالبصرة سنة اثنتين وثمانين ومائة، وهو أحد الأئمة الأعلام، كان عالما فقيها محدّثا صالحا ورعا عفيفا ثقة، مات وهو أعلم أهل زمانه بالديار المصرية. وفيها توفّى داود بن علىّ بن خلف أبو سليمان الظاهرىّ صاحب مذهب الظاهرية «٦» المعروف بداود الظاهرىّ، وهو أوّل من نفى القياس في الأحكام الشرعية وتمسّك بظواهر النصوص؛ وأصله من أصبهان،
стр. 774
وسمع الكثير ولقى الشيوخ وتبعه خلق كثير، وقدم بغداد وصنّف بها الكتب، وتوفّى بها في رمضان، وقيل: فى ذى القعدة. وفيها توفّى الرّبيع بن سليمان بن عبد الجبّار ابن كامل أبو محمد المرادىّ الفقيه صاحب الشافعىّ رضى الله عنه، نقل عنه معظم أقاويله، وكان فقيها فاضلا ثقة ديّنا، مات بمصر في شوّال وصلّى عليه صاحب مصر خمارويه ابن أحمد بن طولون. وفيها توفى عبد الله بن محمد بن شاكر أبو البخترىّ العنبرىّ الكوفىّ، كان محدّثا فاضلا، قدم بغداد وحدّث بها. وفيها توفّى علىّ بن محمد صاحب الزّنج وقائدهم، وقيل: اسمه نهيود، وهو صاحب الوقائع المقدّم ذكرها مع الموفّق وعساكره؛ وكانت مدّة إقامته أربع عشرة سنة وأربعة أشهر وعشرة أيام، ولقى الناس منه في هذه المدّة شدائد؛ قال الصّولىّ: قتل من المسلمين ألف ألف وخمسمائة ألف ما بين شيخ وشابّ وذكر وأنثى، وقتل في يوم واحد بالبصرة ثلاثمائة ألف، وكان له منبر في مدينته يصعد عليه ويسبّ عثمان وعليّا ومعاوية وطلحة والزبير وعائشة رضى الله عنهم، وهذا هو رأى الخوارج الأزارقة- لعنة الله عليهم- واستراح المسلمون بموته كثيرا، ولله الحمد، وفيها توفّى الفضل بن عبّاس بن موسى الأستراباذىّ، سمع «١» أبا نعيم وروى عنه أبو نعيم عبد الملك بن عدىّ، كان فقيها فاضلا مقبول القول عند الخاصّ والعامّ. وفيها توفى محمد [بن اسحاق «٢» ] بن جعفر الحافظ أبو بكر الصّغانىّ، رحل في طلب الحديث، وسمع الكثير، ولقى الشيوخ وكتبوا عنه. وفيها توفى محمد «٣» بن الحسين بن المبارك أبو جعفر، ويعرف بالأعرابىّ،
стр. 775
روى عنه ابن صاعد وغيره. وفيها توفى محمد بن مسلم «١» بن عثمان الرازىّ، ويعرف بابن وارة، كان أحد الحفّاظ الرحّالين والعلماء المتقنين مع الدّين والورع والزهد.
وفيها توفّى نصر بن الليث بن سعد أبو منصور البغدادىّ الورّاق، أخرج له الخطيب حديثا يرفعه إلى عثمان بن عفّان.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وثمانى عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشرون إصبعا.
ذكر ولاية خمارويه على مصر
هو خمارويه وقيل خمار بن أحمد بن طولون، التركىّ، السّامرّىّ المولد، المصرىّ الدار والوفاة، تقدّم التعريف بأصله في ترجمة أبيه أحمد بن طولون؛ الأمير أبو الجيش خمارويه ملك مصر والشأم والثغور بعد موت أبيه بمبايعة الجند له في يوم الأحد العاشر من ذى القعدة سنة سبعين ومائتين. وعند ما ولىّ إمرة مصر أمر «٢» بقتل أخيه العباس الذي كان في حبس أبيه أحمد بن طولون لامتناع العبّاس من مبايعة خمارويه هذا، فقتل. وأمّ خمارويه أمّ ولد يقال لها ميّاس، ولد بسرّمن رأى فى سنة خمس وخمسين ومائتين.
وأوّل ما ملك مصر عقد لأبى عبد الله أحمد [بن محمد «٣» ] الواسطىّ على جيش «٤» إلى الشأم لستّ خلون من ذى الحجّة سنة سبعين ومائتين المذكورة؛
следующие страницы →