Полный текст (6 264 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
وفيها صادر المقتدر أبا عبد الله الحسين بن عبد الله بن الجصّاص الجوهرىّ، وكبست داره وأخذ من المال والجوهر ما قيمته أربعة آلاف ألف دينار. وقال أبو الفرج ابن الجوزىّ: أخذوا منه ما مقداره ستة عشر ألف ألف دينار عينا وورقا [وآنية «١» ] وقماشا وخيلا [وخدما «٢» ] . قال أبو المظفّر في مرآة الزمان: وأكثر أموال ابن الجصّاص المذكور من قطر النّدى بنت خمارويه صاحب مصر، فإنّه لما حملها من مصر الى زوجها المعتضد كان معها أموال وجواهر عظيمة؛ فقال لها ابن الجصّاص: الزمان لا يدوم ولا يؤمن على حال، دعى عندى بعض هذه الجواهر تكن ذخيرة لك، فأودعته، ثم ماتت فأخذ الجميع. وفيها خرج الحسن بن علىّ العلوىّ الأطروش، ويلقّب بالداعى، ودعا الديلم إلى الله، وكانوا مجوسا، فأسلموا وبنى لهم المساجد، وكان فاضلا عاقلا أصلح الله الديلم به. وفيها قلّد المقتدر أبا الهيجاء عبد الله بن حمدان الموصل والجزيرة. وفيها صلّى العيد في جامع مصر، ولم يكن يصلّى فيه العيد قبل ذلك، فصلّى بالناس علىّ بن أبى شيخة، وخطب فغلط بأن قال: اتقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلا وأنتم مشركون. نقلها علىّ «٣» بن الطحّان عن أبيه وآخر.
وفيها في الرجعة قطع الطريق على الحاجّ العراقىّ الحسن بن عمر الحسينىّ مع عرب طيّئ وغيرهم، فاستباحوا الوفد وأسروا مائتين وثمانين امرأة، ومات الخلق بالعطش والجوع. وفيها توفّى العبّاس بن محمد أبو الهيثم كاتب المقتدر، كان كاتبا جليلا، كان يطمع في الوزارة، ولما ولى علىّ بن عيسى الوزارة اعتقله فمات يوم الأحد سلخ ذى الحجّة، وأوصى أن يصلّى عليه أبو عيسى البلخىّ وأن يكبّر عليه أربعا وأن يسمّ قبره.
стр. 912
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وإحدى عشرة إصبعا.
ذكر ولاية ذكا الرومىّ على مصر
الأمير أبو الحسن ذكا الرومىّ الأعور، ولى إمرة مصر بعد عزل تكين الحربىّ عن مصر، ولّاه الخليفة المقتدر على الصلاة؛ فخرج من بغداد وسافر إلى أن قدم مصر في يوم السبت لاثنتى عشرة خلت من صفر سنة ثلاث وثلثمائة؛ فجعل على الشّرطة محمد بن طاهر مدّة ثم عزله بيوسف «١» الكاتب؛ وقدم بعده الحسين ابن أحمد الماذرائىّ على الخراج؛ ثم ردّ محمد بن طاهر على الشرطة. ثم بعد قدوم ذكا إلى مصر خرج منها مؤنس الخادم بجميع جيوشه لثمان خلون من شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث وثلثمائة؛ وكان ورد على مؤنس كتاب الخليفة المقتدر يعرّفه بخروج الحسين بن حمدان عن الطاعة وأن يعود إلى بغداد ويأخذ معه من مصر أعيان القوّاد: مثل أحمد بن كيغلغ وعلى بن أحمد بن بسطام والعبّاس بن عمرو وغيرهم ممن يخاف منهم؛ ففعل مؤنس ذلك. واستمرّ ذكا بمصر على إمرتها من غير منازع إلى أن خرج إلى الاسكندريّة في أوّل المحرّم سنة أربع وثلثمائة؛ فلم تطل غيبته عنها وعاد إليها في ثامن شهر ربيع الأوّل؛ فبلغه أنّ جماعة من المصريّين يكاتبون المهدىّ، فتتبّع كلّ من اتّهم بذلك، فقبض على جماعة منهم وسجنهم وقطع أيدى أناس «٢» وأرجلهم، فعظمت هيبته في قلوب الناس. ثم أجلى أهل لوبية «٣» ومراقية من مصر الى
стр. 913
الإسكندريّة. ثم فسد بعد ذلك ما بينه وبين جند مصر والرعيّة، بسبب ذكر الصحابة رضى الله عنهم بما لا يليق «١» ، ونسب القرآن الكريم إلى مقالة المعتزلة وغيرهم. وبينما الناس في ذلك قدمت عساكر المهدىّ عبيد الله الفاطمىّ من إفريقيّة إلى لوبية ومراقية، وعلى العساكر أبو القاسم، فدخل الإسكندريّة في ثامن صفر سنة سبع وثلثمائة، وفرّ الناس من مصر إلى الشأم في البرّ والبحر فهلك أكثرهم؛ فلما رأى ذكا ذلك تجهّز لقتالهم، وجمع العساكر وخرج بهم وهم مخالفون عليه، فعسكر بالجيزة، وكان الحسين بن أحمد الماذرائىّ على حراج مصر فجدّد العطاء للجند وأرضاهم، وتهيّأ ذكا للحرب وجدّ في ذلك وحفر خندقا على عسكره بالجيزة؛ وبينما هو في ذلك مرض ولزم الفراش حتى مات بالجيزة في عشيّة الأربعاء لإحدى عشرة خلت من شهر ربيع الأوّل «٢» سنة سبع وثلثمائة، فغسّل وصلّى عليه وحمل حتى دفن بالقرافة.
وكانت ولايته على مصر أربع سنين وشهرا واحدا. وتولّى تكين الحربىّ عوضه مصر إمرة ثانية. وكان ذكا أميرا شجاعا مقداما، وفيه ظلم وجور مع اعتقاد سيئ على معرفة كانت فيه وعقل وتدبير.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٠٣]
السنة الأولى من ولاية ذكاء الرومىّ على مصر، وهى سنة ثلاث وثلثمائة- فيها ولد سيف الدولة على بن عبد الله بن حمدان. وفيها كاتب الوزير علىّ بن عيسى
стр. 914
القرامطة وأطلق لهم ما أرادوا من البيع والشراء، فنسبه الناس الى موالاتهم، وليس هو كذلك، وإنما قصد أن يتألّفهم «١» خوفا على الحاجّ منهم. وفيها تواترت الأخبار أنّ الحسين بن حمدان قد خالف، وكان مؤنس الخادم مشغولا بحرب عسكر المهدىّ بمصر، فندب علىّ بن عيسى الوزير رائقا الكبير لمحاربته؛ فتوجّه إليه رائق بالعساكر وواقعه فهزمه ابن حمدان، فسار رائق إلى مؤنس الخادم وانضم عليه، وكان بين مؤنس وابن حمدان خطوب وحروب. وفيها توفى أحمد [بن علىّ] بن شعيب بن علىّ ابن سنان بن بحر الحافظ أبو عبد الرّحمن القاضى النّسائىّ «٢» مصنّف السنن وغيرها من التصانيف، ولد سنة خمس عشرة ومائتين، وسمع الكثير، ورحل الى نيسابور والعراق والشأم ومصر والحجاز والجزيرة؛ وروى عنه خلق وكان فيه تشيّع حسن.
قال أبو عبد الله بن مندة عن حمزة العقبىّ المصرىّ وغيره: إن النّسّائىّ خرج من مصر في آخر عمره الى دمشق، فسئل بها عن معاوية وما روى من فضائله؛ فقال:
أما «٣» يرضى [معاوية أن يخرج «٤» ] رأسا برأس حتّى يفضّل! انتهى. وقال الدّارقطنىّ:
إنّه خرج حاجّا فامتحن «٥» بدمشق وأدرك الشهادة، فقال: احملونى الى مكّة، فحمل وتوفّى بها، وهو مدفون بين الصفا والمروة؛ وكانت وفاته في شعبان، وقيل في وفاته غير ذلك: إنه مات بفلسطين في صفر. وفيها توفّى جعفر بن أحمد بن نصر الحافظ أبو محمد النيسابورىّ الحصرىّ «٦» أحد أركان الحديث، كان ثقة عابدا صالحا.
стр. 915
وفيها توفّى الحسن «١» بن سفيان بن عامر بن عبد العزيز بن النعمان الشيبانىّ النّسوىّ الحافظ أبو العبّاس مصنّف المسند؛ تفقّه على أبى ثور إبراهيم بن خالد وكان يفتى على مذهبه، وسمع أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وإسحاق بن إبراهيم الحنظلىّ وغيرهم. وفيها توفّى محمد بن عبد الوهاب بن سلّام أبو علىّ الجبّائىّ «٢» البصرىّ شيخ المعتزلة، كان رأسا في علم الكلام وأخذ هذا «٣» العلم عن أبى يوسف يعقوب ابن عبد الله الشحّام البصرىّ، وله مقالات مشهورة وتصانيف، وأخذ عنه ابنه أبو هاشم «٤» والشيخ أبو الحسن الأشعرىّ. قال الذهبىّ: وجدت على ظهر كتاب عتيق: سمعت أبا عمرو يقول سمعت عشرة من أصحاب الجبّائىّ يحكون عنه، قال:
الحديث لأحمد بن حنبل، والفقه لأصحاب أبى حنيفة، والكلام للمعتزلة، والكذب للرافضة. وفيها توفى رويم بن أحمد- وقيل: ابن محمد بن رويم- الشيخ أبو محمد الصوفىّ، قرأ القرآن وكان عارفا بمعانيه، وتفقّه على مذهب داود الظاهرىّ، وكان مجرّدا من الدنيا مشهورا بالزهد والورع والدّين. وفيها توفى علىّ بن محمد بن منصور ابن نصر بن بسّام البغدادىّ الشاعر المشهور، وكان شاعرا مجيدا، إلا أن غالب شعره كان في الهجاء حتّى هجا نفسه وهجا أباه وإخوته وسائر أهل بيته، وكان يكنى أبا جعفر «٥» ، فقال:
بنى أبو جعفر دارا فشيّدها ... ومثله لخيار الدّور بنّاء
فالجوع داخلها والذلّ خارجها ... وفي جوانبها بؤس وضرّاء
стр. 916
وله يهجو المتوكّل على الله لما هدم قبور العلوييّن:
تالله إن كانت أميّة قد أتت ... قتل ابن بنت نبيّها مظلوما
فلقد أتاه بنو أبيه بمثله ... هذا لعمرك قبره مهدوما
ومن شعره في الزهد:
أقصرت عن طلب البطالة والضّبا ... لمّا علانى للمشيب قناع
لله أيّام الشباب ولهوه ... لو أنّ أيّام الشباب تباع
فدع الصّبا يا قلب واسل عن الهوى ... ما فيك بعد مشيبك استمتاع
وانظر الى الدنيا بعين مودّع ... فلقد دنا سفر وحان وداع
[والحادثات «١» موكّلات بالفتى ... والناس بعد الحادثات سماع]
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع سواء. مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا وثمانى عشرة إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٠٤]
السنة الثانية من ولاية ذكا الرومىّ على مصر، وهى سنة أربع وثلثمائة- فيها في المحرّم عاد نصر الحاجب من الحجّ ومعه العلوىّ «٢» الذي قطع الطريق على ركب الحاجّ عام أوّل، فحبس في المطبق «٣» . وفيها غزا مؤنس الخادم بلاد الروم من ناحية ملطية وفتح حصونا كثيرة وآثارا جميلة وعاد الى بغداد فخلع المقتدر عليه. وفيها وقع ببغداد حيوان يسمّى الزّبزب «٤» ، وكان يرى في الليل على السطوح «٥» ، وكان «٦» يأكل أطفال
стр. 917
الناس، وربّما قطع يد الإنسان وهو نائم وثدى «١» المرأة فيأكلهما، فكانوا يتحارسون طول الليل ولا ينامون ويضربون الصوانىّ والهواوين ليفزعوه فيهرب، وارتجّت بغداد من الجانبين وصنع «٢» الناس لاطفالهم مكابّ من السّعف يكبّونها عليهم بالليل، ودام ذلك عدّة ليال. وفيها عزل المقتدر الوزير علىّ بن عيسى، وكان قد ثقل عليه أمر الوزارة وضجر من سوء أدب الحاشية واستعفى غير مرّة؛ ولما عزله المقتدر لم يتعرّض له بسوء، وكانت وزارته ثلاث سنين وعشرة أشهر وثمانية عشر يوما؛ وأعيد أبو الحسن بن الفرات الى الوزارة. وفيها توفّى زيادة الله بن عبد الله بن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب الأمير أبو نصر، وقيل: أبو منصور، صاحب الفيروان. قال الحميرىّ: يقال له زيادة الله الأصغر وجدّ جدّه زيادة الله الأكبر. وردّ زيادة الله الى مصر منهزما من عبيد الله المهدىّ الخارجىّ فأكرم، وقيل: إنه مات في «٣» برقة، وقيل: بالرملة. وفيها توفّى يموت ابن «٤» المزرّع بن يموت أبو بكر العبدى من عبد القيس، كان من البصرة ثم رحل عنها ونزل بغداد ثم قدم دمشق ثم سكن طبريّة «٥» ، وكان حافظا ثقة محدّثا أخباريا. وفيها توفى يوسف بن الحسين بن علىّ الحافظ أبو يعقوب الرازىّ شيخ الرىّ والجبال «٦» فى وقته، كان عالما زاهدا ورعا كبير الشأن.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع سواء. مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا وثمانى عشرة إصبعا مثل الماضية.
стр. 918
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٠٥]
السنة الثالثة من ولاية ذكا الرومىّ على مصر، وهى سنة خمس وثلثمائة- فيها حجّ بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشمىّ وهى تمام ستّ عشرة حجّة حجّها بالناس.
وفيها خلع الخليفة المقتدر على أبى الهيجاء عبد الله بن حمدان وإخوته خلعة الرضا.
وفيها قدمت رسل ملك الروم بهدايا تطلب عقد هدنة، فشحنت «١» رحبات دار الخلافة والدهاليز بالجند والسلاح، وفرشت سائر القصور بأحسن الفرش، ثم احضر الرسل والمقتدر على سريره والوزير ومؤنس الخادم قائمان بالقرب منه. وذكر الصّولىّ احتفال المقتدر بمجيء الرسل فقال: أقام المقتدر العساكر وصفّهم بالسلاح، وكانوا مائة وستين ألفا، وأقامهم من باب الشمّاسيّة الى دار الخلافة، وبعدهم الغلمان وكانوا سبعة آلاف خادم وسبعمائة حاجب؛ ثم وصف أمرا مهولا قال: كانت الستور ثمانية وثلاثين ألف ستر من الديباج، ومن البسط اثنان وعشرون ألفا، وكان في الدار مائة سبع في السلاسل، ثم أدخلوا دار الشجرة وكان في وسطها بركة والشجرة فيها، ولها ثمانية عشر غصنا عليها الطيور المصوغة تصفر، ثم أدخلوا الى الفردوس وبها من الفرش ما لا يقوّم، وفي الدهاليز عشرة آلاف جوشن «٢» مذهّبة معلّقة وأشياء كثيرة يطول الشرح في ذكرها. وفيها وردت هدايا صاحب «٣» عمان، فيها طير أسود يتكلّم بالفارسيّة والهندية «٤» أفصح من الببّغاء، وظباء سود. وفيها توفّى الأمير غريب خال الخليفة المقتدر بالله بعلّة الذّرب «٥» ، كان محترما في الدولة، وهو قاتل عبد الله بن المعتزّ حتّى قرّر
стр. 919
جعفرا المقتدر. وفيها توفّى سليمان بن محمد «١» بن أحمد أبو موسى النحوىّ كان يعرف بالحامض «٢» ، وكان إماما في النحو وغيره وله تصانيف كثيرة، منها:" خلق الانسان"، و" كتاب الوحوش والنبات"، و" غريب الحديث" ومات في ذى الحجّة. وفيها توفّى عبد الصمد بن عبد الله القاضى أبو محمد القرشىّ قاضى دمشق، حدّث عن هشام ابن عمّار وغيره، وروى عنه أبو زرعة الدّمشقىّ وجماعة أخر. وفيها توفّى الفضل بن الحباب بن محمد بن شعيب أبو خليفة الجمحىّ البصرىّ، كان رحلة «٣» الآفاق في زمانه، واسم أبيه عمرو ولقبه الحباب، ولد سنة ستّ ومائتين، وكان محدّثا ثقة راوية للأخبار فصيحا مفوها أديبا.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وعشر أصابع. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وإصبعان.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٠٦]
السنة الرابعة من ولاية ذكا الرومىّ على مصر، وهى سنة ستّ وثلثمائة- فيها فتح بيمارستان «٤» السيدة أمّ المقتدر «٥» ببغداد، وكان طبيبه سنان بن ثابت، وكان مبلغ النفقة فيه في العام سبعة آلاف دينار. وفيها أمرت أمّ المقتدر ثمل القهرمانة «٦» أن تجلس بالتّربة التى بنتها بالرّصافة للمظالم وتنظر في رقاع الناس في كلّ يوم «٧» جمعة؛ فكانت
стр. 920
ثمل المذكورة تجلس ويحضر الفقهاء والقضاة والأعيان وتبرز التواقيع وعليها خطّها.
وفيها حجّ بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشمىّ؛ وقيل: أحمد بن العباس أخو أمّ موسى القهرمانة. وفيها توفّى أحمد بن عمر بن سريج القاضى أبو العبّاس البغدادىّ الفقيه العالم المشهور، قال الدارقطنىّ: كان فاضلا لولا ما أحدث في الإسلام مسألة الدور «١» فى الطلاق. وفيها توفّى أحمد بن يحيى الشيخ أبو عبد الله بن الجلّى «٢» أحد مشايخ الصوفيّة الكبار، صحب أباه وذا النون المصرىّ وأبا تراب «٣» النّخشبىّ؛ قال الرّقىّ «٤» :
[لقيت نيّفا «٥» وثلثمائة من المشايخ المشهورين فما لقيت أحدا بين يدى الله وهو يعلم أنه بين يدى الله أهيب من ابن الجلّى] . وفيها توفّى الأمير أبو عبد الله الحسين بن حمدان ابن حمدون التّغلبىّ «٦» عمّ السلطان سيف الدولة بن حمدان، كان معظّما في الدول، ولّاه الخليفة المكتفى محاربة الطّولونيّة، ثم ولى حرب القرامطة في أيام المقتدر؛ ثم ولى ديار ربيعة فغزا وافتتح حصونا وقتل خلقا من الروم، ثم خالف وعصى على الخلافه فسار لحربه رائق الكبير فانكسر فتوجّه رائق إلى مؤنس الخادم وانضم إليه وعاد إليه
стр. 921
وقاتله حتى ظفر به وأسره ووجّهه الى الخليفة فحبسه الى أن قتل في محبسه ببغداد؛ وكان من أجلّ الأمراء بأسا وشجاعة، وهو أوّل من ظهر أمره من ملوك بنى حمدان.
وفيها توفّى عبدان بن أحمد بن موسى بن زياد أبو محمد الأهوازىّ الجواليقىّ الحافظ، وكان اسمه عبد الله فخفّف بعبدان، وهو أحد من طاف البلاد في طلب الحديث وسمع الكثير وصنّف التصانيف ورحل الناس إليه، وكان أحد الحفّاظ الأثبات.
وفيها توفّى محمد بن خلف بن حيّان بن صدقة أبو بكر القاضى الضّبّىّ ويعرف بوكيع، كان عالما نبيلا فصيحا عارفا بالسّير وأيام الناس، وله تصانيف كثيرة في أخبار القضاء وعدد آيات القرآن وغير ذلك.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع سواء. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وتسع عشرة إصبعا.
ذكر ولاية تكين الثانية على مصر
ولاية الأمير تكين الثانية على مصر- وليها من قبل المقتدر بعد موت ذكا الرومىّ في شهر ربيع الأوّل سنة سبع وثلثمائة، وسار من بغداد الى مصر؛ وكان المقتدر قد جهّز جيشا الى مصر نجدة لذكا وعلى الجيش الأمير إبراهيم بن كيغلغ والأمير محمود ابن جمل «١» فدخلوا مصر قبل تكين في شهر ربيع الأوّل المذكور؛ ثم دخل تكين بعدهم بمدّة فى حادى عشرين من شعبان من السنة؛ فلما وصل تكين الى مصر أقرّ على شرطته ابن طاهر، ثم تجهّز بسرعة وخرج من الديار المصريّة بجيوش مصر والعراق ونزل بالجيزة وحفر بها خندقا ثانيا غير الذي حفره ذكا قبل موته.
стр. 922
وأمّا عسكر المغاربة فإنّ مقدّمة القائم ابن المهدىّ عبيد الله الفاطمىّ دخلت الإسكندريّة في صفر هذه السنة، فاضطرب أهل مصر ولحق كثير منهم بالقلزم والحجاز لا سيما لمّا مات ذكا؛ فلما قدم تكين هذا تراجع الناس. ثم إنّ تكين بلغه أنّ القائم محمدا قد اعتلّ بالإسكندريّة علّة صعبة وكثر المرض في جنده فمات داود بن حباسة ووجوه من القوّاد؛ ثم تحاملوا ومشوا إلى جهة مصر، فاستمرّ تكين بمنزلته من الجيزة إلى أن أقبلت عساكر المهدىّ، فاستقبله المذكور فتقاتلا قتالا شديدا انتصر فيه تكين وظفر بالمراكب في شوّال من السنة؛ وتوجّهت عساكر المهدىّ إلى نحو الصعيد، وعاد تكين إلى مصر مؤيّدا منصورا، ودام بها إلى أن حضر إليها مؤنس الخادم فى نحو ثلاثة آلاف من عساكر العراق في المحرّم سنة ثمان وثلثمائة، وخرج تكين إلى الجيزة ثانيا وبعث ابن كيغلغ إلى الأشمونين «١» لقتال عساكر المهدىّ (أعنى المغاربة) فتوجّه إليه ابن كيغلغ المذكور فمات بالبهنسا في أوّل ذى القعدة. ثم بلغ تكين أنّ ابن المدينىّ القاضى وجماعة بمصر يدعون إلى المهدىّ، فأخذهم وضرب أعناقهم وحبس أصحابه. وملك أصحاب المهدىّ الفيّوم وجزيرة الأشمونين وعدّة بلاد، وضعف أمر تكين عنهم؛ فقدم عليه نجدة ثانية من العراق عليها جنّىّ الخادم «٢» فى ذى الحجّة من السنة؛ خرج جنىّ أيضا بمن معه إلى الجزيرة؛ وتوجّه الجميع لقتال عساكر المهدىّ، فكانت بينهم حروب وخطوب بالفيوم والإسكندريّة، وطال ذلك بينهم أياما كثيرة إلى أن رجع أبو القاسم القائم محمد بن المهدىّ عبيد الله بعساكره إلى برقة.
وأقام تكين بعد ذلك مدّة، وصرفه مؤنس الخادم عن إمرة مصر في يوم الأحد
стр. 923
لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل من سنة تسع وثلثمائة، وولّى مكانه على مصر أبا قابوس محمود بن جمل؛ وكانت ولاية تكين هذه الثانية على مصر نحو السنة وسبعة أشهر تخمينا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٠٧]
السنة التى حكم فيها ذكا وفي آخرها تكين على مصر، وهى سنة سبع وثلثمائة- فيها اجدبت العراق فخرج أبو العباس أخو أمّ موسى القهرمانة والناس معه فاستقبوا. وفيها خلع المقتدر على نازوك الخادم وولّاه دمشق. وفيها خلع المقتدر على أبى منصور بن أبى دلف وولّاه «١» ديار بكر وسميساط. وفيها دخلت القرامطة البصرة فنهبوها وقتلوا وسبوا. وفيها توفّى الفضل بن عبد الملك الهاشمىّ العباسىّ البغدادىّ بها، وكان صاحب الصلاة بمدينة السلام وأمير مكّة والموسم، وقد تقدّم ذكر أنه حجّ بالناس نحو العشرين سنة، وتولّى ابنه عمر مكانه، وكانت وفاته في صفر.
وفيها توفّى أحمد بن علىّ بن المثنّى بن يحيى بن عيسى بن هلال أبو يعلى التميمىّ الموصلىّ الحافظ صاحب المسند، ولد في شوّال سنة عشرين ومائتين، وكان إماما عالما محدّثا فاضلا؛ وثّقه ابن حبّان «٢» ووصفه بالإتقان والدّين، وقال: بينه وبين النّبيّ ﷺ ثلاثة أنفس. وقال الحاكم: هو ثقة مأمون، سمعت أبا علىّ الحافظ يقول:
كان أبو يعلى لا يخفى عليه من حديثه إلا اليسير. وفيها توفّى علىّ بن سهل بن الأزهر
стр. 924
أبو الحسن الأصبهانىّ، كان أوّلا من أبناء الدنيا المترفين فتزهّد وخرج عما كان فيه، وكان يكاتب الجنيد فيقول الجنيد: «١» ما أشبه كلامه بكلام الملائكة!.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وتسع عشرة إصبعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٠٨]
السنة الثانية من ولاية تكين الثانية على مصر، وهى سنة ثمان وثلثمائة- فيها غلت الأسعار ببغداد وشغبت العامّة ووقع النهب، فركبت الجند؛ وسبب ذلك ضمان «٢» حامد بن العباس السواد وتجديد المظالم لمّا ولى الوزارة «٣» ، وقصدوا دار حامد فخرج اليهم غلمانه فحاربوهم ودام القتال بينهم أياما وقتل منهم «٤» خلائق، ثم اجتمع من العامّة نحو عشرة آلاف، فأحرقوا الجسر وفتحوا السجون ونهبوا الناس، فركب هارون [بن غريب «٥» ] فى العساكر وركب حامد بن العباس في طيّار «٦» فرجموه، واختلّت أحوال الدولة العبّاسية وغلبت الفتن ومحقت الخزائن. وفيها استولى عبيد الله الملقّب بالمهدىّ الداعى على بلاد المغرب وعظم أمره؛ ومن يومئذ أخذ أمر عبيد الله هذا في إقبال،
стр. 925
وأخذت الدولة العباسيّة في إدبار. وفيها توفّى جعفر بن محمد بن جعفر بن الحسن «١» ابن جعفر بن الحسن بن علىّ بن أبى طالب العلوىّ، كان فاضلا ورعا، مات في ذى القعدة. وفيها توفّى عبد الله بن ثابت بن يعقوب الشيخ أبو عبد الله التّوّزىّ (بزاى معجمة) ولد سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وسكن بغداد ومات غريبا بالرّملة، وكان فاضلا عالما. وفيها توفّى إمام جامع المنصور الشيخ محمد بن هارون بن العباس بن عيسى بن أبى جعفر المنصور بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس الهاشمىّ العباسىّ، كان معرقا في النسب، أمّ بجامع المنصور خمسين سنة، وولى ابنه جعفر بعده فعاش تسعة أشهر ومات. وفيها توفّيت ميمونة بنت المعتضد «٢» بالله الهاشميّة العباسيّة عمّة الخليفة المقتدر، كانت من عظماء نساء عصرها.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشر أصابع.
ذكر ولاية أبى قابوس محمود على مصر
هو محمود بن جمل «٣» أبو قابوس، ولّاه مؤنس الخادم إمرة مصر بعد عزل تكين عنها لأمر اقتضى ذلك في يوم الأحد ثالث «٤» عشر شهر ربيع الأوّل سنة تسع وثلثمائة، فلم ينجح أمره، وخالفت عليه جند مصر استصغارا له؛ فعزله مؤنس بعد ثلاثة أيّام في يوم الثلاثاء لستّ عشرة خلت من شهر ربيع الأوّل المذكور؛ وعاد الأمير
стр. 926
نكين على إمرة مصر لثالث مرّة. وكانت ولاية محمود هذا على مصر ثلاثة أيام، على أنه لم يبتّ فيها أمراء قلت: ومتى تفرّغ «١» للنظر في الأمور! فانه يوم لبس الخلعة جلس فيه للتهانىّ، ويوم عزل للتآسى؛ فإمرته على هذا يوم واحد وهو يوم الاثنين، فما عسى [أن] يصنع فيه!. وكان مؤنس الخادم حضر إلى مصر في عسكر من قبل الخليفة المقتدر في سنة ثمان وثلثمائة، فصار يدبّر أمرها ويراجع الخليفة.
ذكر ولاية تكين الثالثة على مصر
ولما عزل مؤنس الخادم تكين هذا بأبى قابوس في ثالث عشر شهر ربيع الأوّل سنة تسع وثلثمائة بغير جنحة عظم ذلك على المصريين، فلم يلتفت مؤنس لذلك وولّى أبا قابوس على إمرة مصر عوضه، فكثر الكلام في عزل تكين المذكور وولاية أبى قابوس حتى أشيع بوقوع فتنة؛ وتكلّم الناس وأعيان مصر مع مؤنس الخادم في أمر تكين وخوّفوه عاقبة ذلك وألحّوا عليه في عوده، فأذعن لهم بذلك وأعاده فى يوم الثلاثاء سادس عشرين شهر ربيع الأوّل على رغمه حتى أصلح من أمره ما دبّره من أمر المصريين، وقرّر مع القوّاد ما أراده من عزل تكين المذكور عن إمرة مصر، ولا زال بهم حتى وافقه الجميع؛ فلما رأى مؤنس أن الذي رامه تمّ له عزله بعد أربعة أيام من ولايته، وذلك في يوم تاسع عشرين شهر ربيع الأوّل وهو يوم سلخه من سنة تسع وثلثمائة. ثم بدا لمؤنس إخراج تكين هذا من الديار المصريّة خوف الفتنة، فأخرجه منها إلى الشأم في أربعة آلاف من أهل الديوان؛ وبعث مؤنس إلى الخليفة يعرّفه بما فعل؛ فلما بلغ الخليفة ذلك ولّى على مصر الأمير هلال آبن بدر الآتى ذكره، وأرسله إلى الدّيار المصريه.
стр. 927
ذكر ولاية هلال بن بدر على مصر
هو هلال بن بدر الأمير أبو الحسن؛ ولى إمرة مصر بعد عزل تكين عنها فى شهر ربيع الآخر- أعنى من دخوله إلى مصر؛ فإنه قدمها في يوم الاثنين لسّت خلون من شهر ربيع الآخر من سنة تسع وثلثمائة، ولّاه الخليفة المقتدر على الصلاة.
ولما دخل إلى مصر أقرّ ابن طاهر على الشّرطة ثم صرفه بعد مدّة بعلىّ بن فارس.
وكان هلال هذا لما قدم إلى مصر جاء معه كتاب الخليفة المقتدر لمؤنس بخروجه من مصر وعوده إلى بغداد، فلما وقف مؤنس على كتاب الخليفة تجهّز وخرج من الديار المصريّة بعساكر العراق ومعه محمود بن جمل الذي كان ولى مصر. وكان خروج مؤنس من مصرفى يوم ثامن عشر شهر ربيع الآخر من سنة تسع وثلثمائة المذكورة.
وأقام هلال بن بدر المذكور على إمرة مصر وأحوالها مضطربة إلى أن خرج عليه جماعة من المصريين وأجمعوا على قتاله، وتشغّبت الجند أيضا ووافقوهم على حربه، وانضمّ الجميع بمن معهم وخرجوا من الديار المصرية إلى منية الأصبغ ومعهم الأمير محمد بن طاهر صاحب الشرطة. ولمّا بلغ هلالا هذا أمرهم تهيّأ وتجهّز لقتالهم، وجمع من بقى من جند مصر وطلب المقاتلة وأنفق فيهم وضمّهم إليه وجهّزهم، ثم خرج بهم وحواشيه إلى أن وافاهم وقاتلهم أياما عديدة؛ وطال الأمر فيما بينه وبينهم، ووقع له معهم حروب، وكثر القتل والنهب بينهم، وفشا الفساد وقطع الطريق بالديار المصرية؛ فعظم ذلك على أهل مصر، لا سيما الرعيّة. وضعف ابن هلال هذا عن إصلاح أحوال مصر، فصار كلّما سدّ أمرا انخرق عليه آخر؛ فكانت أيامه على مصر شرّ أيام. ولما تفاقم الأمر عزله الخليفة المقتدر بالله جعفر عن إمرة مصر بالأمير
стр. 928
أحمد بن كيغلغ. فكانت ولاية هلال المذكور على مصر سنتين وأياما، قاسى فيها خطوبا وحروبا ووقائع وفتنا، إلى أن خلص منها كفافا لا له ولا عليه.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣٠٩]
السنة التى حكم في أوّلها تكين إلى ثالث عشر شهر ربيع الأوّل، ثم أبو قابوس محمود ثلاثة أيام، ثم تكين المذكور أربعة أيام، ثم هلال بن بدر إلى آخرها، وهى سنة تسع وثلثمائة- فيها كانت مقتلة الحلّاج واسمه الحسين بن منصور بن محمّى أبو مغيث، وقيل: أبو عبد الله، الحلّاج. كان جدّه محمّى مجوسيّا فأسلم. ونشأ الحلّاج بواسط، وقيل: بتستر، وتلمذ لسهل بن عبد الله التسترىّ، ثم قدم بغداد وخالط الصوفيّة ولقى الجنيد والنّورىّ «١» وابن عطاء «٢» وغيرهم. وكان في وقت يلبس المسوح وفي وقت الثياب المصبّغة وفي وقت الأقبية. واختلفوا في تسميته بالحلّاج، قيل: إن أباه كان حلّاجا، وقيل: إنه تكلّم على الناس [و «٣» على ما في قلوبهم] فقالوا: هذا حلّاج الأسرار، وقيل: إنه مرّ على حلّاج فبعثه «٤» في شغل له فلما عاد الرجل وجده قد حلّج كلّ قطن في الدكان. وقد دخل الحلّاج الهند وأكثر الأسفار وجاور بمكة سنين، ثم وقع له أمور يطول شرحها، وتكلّم في اعتقاده بأقوال كثيرة حتى اتفقوا على زندقته، والله أعلم بحاله. وكان قد حبس في سنة إحدى وثلثمائة فأخرج في هذه السنة من الحبس في يوم الثلاثاء لثلاث بقين من ذى القعدة، وقيل: لستّ بقين منه، فضرب
стр. 929
ألف سوط ثم قطعت أربعته ثم حزّ رأسه وأحرقت جثّته، ونصب رأسه على الجسر أياما، ثم أرسل إلى خراسان فطيف به. وفيها وقع بين أبى جعفر محمد بن جرير الطبرىّ وبين السادة الحنابلة كلام، فحضر أبو جعفر عند الوزير علىّ بن عيسى لمناظرتهم ولم يحضروا. وفيها قدم مؤذن؟؟؟ الخادم على الخليفة من مصر فخلع عليه ولقّبه بالمظفّر.
قلت: وهذا أوّل لقب سمعناه من ألقاب ملوك زماننا. وفيها توفى محمد بن خلف بن المرزبان بن بسّام أبو بكر المحوّلىّ- والمحوّل: قرية غربىّ بغداد- كان إماما عالما، وله التصانيف الحسان، وهو مصنّف كتاب" تفضيل «١» الكلاب على كثير ممن لبس الثياب"، وحدّث عن الزبير بن بكّار وغيره، وروى عنه ابن الأنبارىّ وغيره، وكان صدوقا ثقة. وفيها توفى محمد بن [أحمد «٢» بن] راشد بن معدان الحافظ أبو بكر الثقفىّ مولاهم، كان حفّاظا محدّثا، طاف البلاد ولقى الشيوخ وصنّف الكتب، ومات بشروان «٣» .
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى أحمد بن أنس «٤» ابن مالك الدمشقىّ، وأبو عمرو أحمد بن «٥» نصر الخفّاف الزاهد، وعلى بن «٦» سعيد بن بشير
стр. 930
الرازىّ، ومحمد بن حامد بن سرىّ يعرف «١» بخال السّنّىّ، ومحمد بن يزيد «٢» بن عبد الصمد، وممشاد الدّينورىّ «٣» الزاهد.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ثلاث أذرع وثلاث عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثلاث أصابع.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣١٠]
السنة الثانية من ولاية هلال بن بدر على مصر، وهى سنة عشر وثلثمائة- فيها قبض الخليفة المقتدر على أمّ موسى القهرمانة وصادر أخاها وحواشيها وأهلها؛ وسبب ذلك أنّها زوّجت بنت أخيها أبى بكر «٤» أحمد بن العباس من أبى العباس محمد بن إسحاق بن المتوكّل على الله، وكان من سادة بنى العباس يترشّح للخلافة، فتمكّن أعداؤها من السعى عليها، وكانت قد أسرفت بالمال في جهازها، وبلغ المقتدر أنها تعمل له على الخلافة؛ فكاشفتها السيدة أمّ المقتدر وقالت: قد دبرّث على ولدى وصاهرت ابن المتوكّل حتى تقعديه في الخلافة؛ فسلّمتها الى ثمل القهرمانة ومعها أخوها وأختها، وكانت ثمل مشهورة بالشرّ وقساوة القلب، فبسطت عليهم العذاب واستخرجت منهم الأموال والجوهر؛ يقال: إنه حصّل من جهتهم ما مقداره ألف ألف دينار. وفيها قلّد الخليفة المقتدر نازوك الشّرطة بمدينة السلام مكان محمد بن
стр. 931
عبد الله بن طاهر. وفيها توفّى بدر [بن عبد الله «١» ] الحمامىّ الكبير أبو النجم «٢» المعتضدىّ، كان أوّلا مع ابن طولون فولّاه الأعمال الجليلة، ثم جهّزه خمارويه إلى الشأم لقتال القرمطىّ فواقعه وقتله، ثم ولى من قبل الخلفاء أصبهان وغيرها إلى أن مات على عمل مدينة «٣» فارس، وكان أميرا ديّنا شجاعا وجوادا محبّا للعلماء والفقراء؛ وقيل: إنّه كان مستجاب الدعوة؛ ولما مات ولّى المقتدر مكانه ابنه محمّدا. وفيها توفّى محمد بن جرير ابن يزيد بن كثير «٤» بن غالب أبو جعفر الطبرىّ العالم المشهور صاحب التاريخ وغيره، مولده في آخر سنة أربع وعشرين ومائتين أو أوّل سنة خمس وعشرين ومائتين، وهو أحد أئمة العلم، يحكم بقوله ويرجع إلى رأيه، وكان متفنّنا في علوم كثيرة، وكان واحد عصره؛ وكانت وفاته في شوّال بخراسان، وأصله من مدينة طبرستان. قال أبو بكر الخطيب: «جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، فكان حافظا لكتاب الله، بصيرا بالمعانى، فقيها في أحكام القرآن، عالما بالسنن وطرقها، صحيحها وسقيمها، ناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين، بصيرا بأيّام الناس وأخبارهم؛ له الكتاب المشهور في تاريخ الأمم، وكتاب التفسير، وكتاب تهذيب الآثار لكن لم يتمّه؛ وله في الأصول والفروع كتب كثيرة» . انتهى. وفيها توفّى أحمد بن يحيى بن زهير أبو جعفر التسترىّ الحافظ الزاهد، سمع الكثير وحدّث وروى عنه خلق كثير. قال الحافظ أبو عبد الله بن مندة: ما رأيت في الدنيا أحفظ من أبى جعفر التسترىّ؛ وقال التسترىّ: ما رأيت في الدنيا أحفظ من أبى زرعة الرازىّ؛ وقال أبو زرعة: ما رأيت في الدنيا أحفظ من أبى بكر بن أبى شيبة.
стр. 932
الذين ذكر الذهبى وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى إسحاق بن إبراهيم ابن محمد بن حنبل «١» الأصبهانىّ، وأبو شيبة «٢» داود بن إبراهيم، وعلى بن عبّاس المقانعىّ البجلىّ، ومحمد بن أحمد بن حمّاد أبو بشر الدّولابىّ في ذى القعدة، وأبو جعفر محمد ابن جرير الطبرىّ في شوّال، وله أربع وثمانون سنة، وأبو عمران موسى بن جرير الرّقّىّ، والوليد بن أبان أبو العباس الأصبهانىّ.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وإحدى وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وتسع أصابع.
ذكر ولاية أحمد بن كيغلغ الأولى على مصر
هو أحمد بن كيغلغ الأمير أبو العبّاس؛ ولّاه المقتدر إمرة مصر بعد عزل هلال ابن بدر عنها في شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وثلثمائة؛ فلما وليها قدم ابنه العباس خليفته على مصر، فدخلها العباس المذكور في مستهلّ جمادى الأولى من سنة إحدى عشرة وثلثمائة، فأقرّ ابن منجور على الشرطة، ثم قدم أحمد بن كيغلغ إلى مصر ومعه محمد بن الحسين بن عبد الوهاب الماذرائىّ على الخراج؛ ولما دخلا إلى مصر أحضرا الجند ووضعا العطاء لهم، وأسقطا كثيرا من الرّجالة «٣» ، وكان ذلك بمنية «٤» الأصبغ، فثار الرجّالة، ففرّ أحمد بن كيغلغ منهم الى فاقوس، وهرب الماذرائىّ ودخل المدينة لثمان خلون من شوّال. وأما الأمير أحمد بن كيغلغ هذا فإنه أقام بفاقوس الى أن صرف عن إمرة مصر بتكين في ثالث ذى القعدة سنة إحدى عشرة وثلثمائة؛ فكانت ولايته على مصر نحوا من سبعة أشهر؛ وتولّى تكين مصر عوضه وهى ولايته الرابعة
стр. 933
على مصر. وشقّ ذلك على الخليفة. غير أنه أطاع الجند وأرضاهم واستمالهم مخافة من عساكر المهدىّ الفاطمىّ؛ فإن عساكره تداول تحكّمهم الى نحو الديار المصريّة فى كلّ قليل؛ وصار أمير مصر في حصر من أجل ذلك وهو محتاج الى الجند وغيرهم، لأجل القتال والدفع عن الديار المصريّة. قلت: ويأتى بقيّة ترجمة أحمد بن كيغلغ هذا في ولايته الثانية على مصر إن شاء الله تعالى.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣١١]
السنة التى حكم في غالبها الأمير أحمد بن كيغلغ على مصر، وهى سنة إحدى عشرة وثلثمائة- فيها صرف أبو عبيد «١» بن حربويه عن قضاء مصر وتأسّف الناس عليه وفرح هو بالعزل وانشرح له؛ وولى قضاء مصر بعده أبو يحيى عبد الله بن إبراهيم ابن مكرم. وفي هذه السنة ظهر شاكر الزاهد صاحب حسين الحلّاج وكان من أهل بغداد. قال السّلمىّ في تاريخ الصوفيّة: شاكر خادم الحلّاج كان متّهما مثل الحلّاج، ثم حكى عنه حكايات إلى أن قتل وضربت رقبته بباب الطاق «٢» . وفيها صرف المقتدر حامد بن العبّاس عن الوزارة، وعلىّ بن عيسى عن الديوان؛ وكانت ولايتهما أربع سنين وعشرة أشهر وأربعة عشر يوما. واستوزر المقتدر أبا الحسن علىّ بن محمد بن الفرات الثالثة في يوم الخميس لسبع بقين من شهر ربيع الآخر؛ وهذه ولاية ابن الفرات الثالثة للوزارة. وفيها نكب الوزير أبو الحسن بن الفرات المذكور أبا علىّ بن مقلة كاتب حامد بن العبّاس وضيّق عليه. وابن مقلة هذا هو صاحب الخطّ المنسوب [إليه] ، يأتى ذكره إن شاء الله تعالى في محلّه. وفيها دخل أبو طاهر سليمان بن
стр. 934
الحسن الجنّابىّ القرمطىّ الى البصرة ووضع السيف في أهلها وأحرق البلد والجامع ومسجد طلحة وهرب الناس وألقوا بأنفسهم في الماء فغرق معظمهم. وفيها توفّى ابراهيم بن السّرىّ بن سهل أبو إسحاق الزجّاج الإمام الفاضل مصنّف" كتاب معانى القرآن" و" الاشتقاق" و" القوافى والعروض" و" فعلت وأفعلت" ومختصرا فى النحو، وغير ذلك. وفيها توفّى الوزير الأمير حامد بن العبّاس، كان أوّلا على نظر فارس وأضيف إليها البصرة، ثم آل أمره إلى أن طلب وولّى الوزارة للمقتدر؛ وكان كثير الأموال والحشم بحيث إنه كان له أربعمائة مملوك يحملون السلاح وفيهم جماعة أمراء؛ كان جوادا ممدّحا كريما، غير أنه كان فيه شراسة خلق، وكان ينتصب في بيته كلّ يوم عدّة موائد ويطعم كلّ من حضر إلى بيته حتى العامة والغلمان، فيكون فى بعض الأيام أربعون مائدة. ورأى يوما في دهليزه قشر باقلاء، فأحضر وكيله وقال له: ويحك! يؤكل في دارى باقلاء! فقال: هذا فعل البوّابين؛ فقال: أو ليست لهم جراية لحم؟ قال: بلى؛ [فقال «١» : سلهم عن السبب؛ فسألهم] فقالوا: لا نتهنّا بأكل اللحم دون عيالنا فنحن نبعثه إليهم ونجوع بالغداة فنأكل الباقلاء؛ فأمر أن يجرى عليهم لحم لعيالهم. وقيل: إنه ركب قبل الوزارة بواسط إلى بستان له فرأى شيخا يولول وحوله نساء وصبيان يبكون، فسأل حامد عن خبرهم؛ فقيل له: احترق منزله وقماشه فافتقر؛ فرقّ له حامد وطلب وكيله وقال له: أريد منك أن تضمن لى ألّا أرجع عشيّة من النزهة إلّا وداره كما كانت مجصّصة، وبها المتاع والقماش والنّحاس كما «٢» كانت، وتبتاع له ولعياله كسوة الشتاء والصيف مثل ما كانوا؛ فأسرع فى طلب الصّنّاع وبادروا فى العمل، وصبّ الدراهم وأضعف الأجر حتى فرغوا من
стр. 935
الجميع بعد العصر، فلما ردّ حامد وقت العتمة شاهدها مفروغا «١» منها بآلاتها وأمتعتها الجدد، وازدحم الناس يتفرّجون وضجّوا لحامد بالدعاء؛ ونال «٢» التاجر من المال فوق ما ذهب له، ثم زاده بعد ذلك كلّه خمسة آلاف درهم ليقوّى بها تجارته. وفيها توفّى محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السّلمىّ النيسابورىّ الحافظ أبو بكر، ولد في صفر سنة ثلاث وعشرين ومائتين. قال الدارقطنى: كان ابن خزيمة إماما ثبتا معدوم النظير. توفّى ثانى ذى القعدة. وفيها توفّى محمد بن زكريا أبو بكر الرازىّ الطبيب العلّامة في علم الأوائل وصاحب المصنّفات المشهورة، مات ببغداد وقد انتهت إليه الرياسة في فنون من العلوم، وكان في صباه مغنيّا [يضرب] بالعود.
قيل: إنه لما ترك الضرب بالعود والغناء قيل له في ذلك؛ فقال: كل غناء يطلع بين شارب ولحية لا يستحسن.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى أحمد بن محمد «٣» بن هارون أبو بكر الخلّال الحنبلىّ، وإبراهيم بن السّرىّ أبو إسحاق الزجّاج في جمادى الآخرة، وحمّاد بن شاكر النسفىّ، وعبد الله بن إسحاق المدائنىّ، وأبو حفص عمر بن محمد ابن بجير «٤» السّمرقندىّ، وأبو بكر بن إسحاق بن خزيمة السّلمىّ في ذى القعدة، ومحمد ابن زكريا الرازىّ الطبيب.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وإحدى وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستّ عشرة ذراعا وثلاث عشرة إصبعا.
стр. 936
ذكر ولاية تكين الرابعة «١» على مصر
قد تقدّم ذكره في ولايته على مصر، وأنه صرف عن إمرة مصر في النّوبة الثالثة بهلال بن بدر، ثم ولى بعد هلال بن بدر الأمير ابن كيغلغ؛ فلما وقع لابن كيغلغ ما وقع من خروج جند مصر عليه واضطربت أحوال الديار المصرية وبلغ الخليفة المقتدر ذلك صرف ابن كيغلغ وأعاد تكين هذا على إمرة مصر رابع مرّة.
ووصل رسول تكين هذا إلى مصر بإمرته يوم الخميس لثلاث خلون من ذى القعدة سنة إحدى عشرة وثلثمائة؛ وخلفه ابن منجور على الصلاة إلى أن قدم مصر فى يوم عاشوراء من سنة اثنتى عشرة وثلثمائة، فأقرّ ابن منجور على الشّرطة ثم عزله، وولى قرا «٢» تكين، ثم عزل قراتكين وولّى وصيفا الكاتب، ثم عزله أيضا وولّى بجكم الأعور؛ كلّ ذلك من اضطراب المصريّين، حتى مهّد أمور الديار المصريّة وتمكّن [و «٣» ] أسقط كثيرا من الجند وكانوا أهل شرّ ونهب ونفاق؛ ثم نادى ببراءة الذمّة ممن أقام منهم بالديار المصريّة «٤» بعد ذلك؛ فخرج الجميع على حميّة وأجمعوا على قتله؛ فتهيأ تكين أيضا لقتالهم وجمع العساكر؛ وصلّى الجمعة بدار الإمارة بالعسكر وترك حضور الجماعة خوفا من وقوع فتنة؛ ولم يصلّ قبله أحد من الأمراء بدار الإمارة الجمعة؛ وأنكر عليه أبو الحسن علىّ بن محمد الدّينورىّ ذلك وأشياء أخر؛ وبلغ تكين ذلك فأمر بإخراج الدينورىّ من مصر إلى القدس فخرج منها؛ ولم يقع له مع الجند ما راموا من القتال. وأخذ في تمهيد مصر إلى أن حسن حالها وتمكّنت
стр. 937
قدمه فيها ورسخت، حتى ورد عليه الخبر بموت الخليفة المقتدر في شوّال سنة عشرين وثلثمائة، وبويع بالخلافة من بعده أخوه القاهر بالله محمد؛ فأقرّ القاهر تكين هذا على عمله بمصر وأرسل إليه بالخلع؛ ودام تكين على ذلك حتى مرض ومات بها فى يوم السبت لستّ عشرة خلت من شهر ربيع الأوّل سنة إحدى وعشرين وثلثمائة، وحمل في تابوت الى بيت المقدس فدفن به. وتولّى «١» مصر بعده محمد بن طغج.
وكانت ولاية تكين هذه المرّة على مصر تسع سنين وشهرين وخمسة أيام. وكان تكين المذكور يعرف بتكين الخاصّة وبالخزرىّ، وكان أميرا عاقلا شجاعا عارفا مدبّرا، ولى الأعمال الجليلة، وظالت أيّامه في السعادة، وكان عنده سياسة ودربة بالأمور ومعرفة بالحروب. رضى الله عنه.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣١٢]
السنة الأولى من ولاية تكين الرابعة على مصر، وهى سنة اثنتى عشرة وثلثمائة- فيها حجّ بالناس الحسن «٢» بن عبد العزيز الهاشمىّ. وفيها عارض أبو طاهر بن أبى سعيد الجنّابىّ القرمطىّ الحاجّ وهو في ألف فارس وألف راجل، وكان من جملة الحجّاج أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان وأحمد بن بدر عمّ السيدة أمّ المقتدر، وشقيق «٣» خادمها وجماعة من الأعيان؛ فأسر القرمطىّ الجميع وأخذ جميع أموال الحاجّ، وسار بهم الى
стр. 938
هجر «١» ؛ ثم بعد أشهر أطلق القرمطىّ أبا الهيجاء عبد الله بن حمدان المذكور. وفيها أرسل القرمطىّ المقدّم ذكره يطلب من المقتدر البصرة والأهواز. وذكر ابن حمدان أنّ القرمطىّ قتل من الحاجّ من الرجال ألفين ومائتين ومن النساء ثلثمائة، وبقى عنده بهجر ألفان ومائتا رجل وخمسمائة امرأة. وفيها فتحت فرغانة «٢» على يد أمير خراسان.
وفيها أطلق أبو نصر وأبو عبد الله ولدا أبى الحسن بن الفرات وخلع عليهما؛ وقد وزّر أبوهما ابن الفرات ثالث مرّة، وملك من المال ما يزيد على عشرة آلاف ألف دينار، وأودع المال عند وجوه بغداد؛ وكان جبّارا فاتكا، وفيه كرم وسياسة، ومات «٣» فى هذه السنة. وفيها توفّيت فاطمة بنت عبد الرّحمن ابن أبى صالح الشيخة أمّ محمد الصوفيّة، كانت من الصالحات المتعبّدات، طال عمرها حتى جاوزت الثمانين، ولقيت جماعة كثيرة من مشايخ القوم، وكان لها أحوال وكرامات. وفيها توفّى محمد بن محمد بن سليمان بن الحارث الحافظ أبو بكر الواسطىّ المعروف بالباغندىّ «٤» ، سمع علىّ بن المدينى «٥» ومحمد بن عبد الله بن نمير وشيبان بن فرّوخ وغيرهم بمصر والشام والعراق، وعنى بشأن الحديث أتمّ عناية، وروى عنه دعلج ومحمد بن المظفّر وعمر بن شاهين وأبو بكر بن المقرىّ وخلق كثير. قال أبو بكر الأبهرىّ «٦» وغيره سمعنا أبا بكر الباغندىّ يقول: أجبت في ثلثمائة ألف مسئلة في حديث
стр. 939
النبي ﷺ . وقال الدارقطنى: كان كثير التدليس يحدّث بما لم يسمع.
ومات في ذى الحجّة.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو الحسن علىّ ابن محمد بن موسى بن الفرات الوزير، وأبو بكر محمد بن محمد بن سليمان الباغندىّ، وأبو بكر محمد بن هارون بن المجدّر.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وسبع أصابع. مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣١٣]
السنة الثانية من ولاية تكين الرابعة على مصر، وهى سنة ثلاث عشرة وثلثمائة- فيها سار الحاجّ من بغداد ومعهم جعفر بن ورقاء في ألف فارس، فلقيهم القرمطىّ فناوشهم بالحرب، فرجع الناس الى بغداد، ونزل القرمطىّ على الكوفة، فقاتلوه فغلبهم ودخل البلد ونهب ما لا يحصى؛ فندب المقتدر مؤنسا الخادم لحرب القرمطىّ، وجهّزه بألف ألف دينار. وفيها عزل المقتدر أبا القاسم الخاقانىّ الوزير عن الوزارة؛ فكانت وزارته [سنة و «١» ] ستة أشهر؛ واستوزر أحمد ابن عبيد الله بن أحمد بن الخصيب، فسلّم إليه الخاقانىّ، فصادره وكتّابه وأخذ أموالهم. وفيها كان الرّطب كثيرا ببغداد حتى أبيع كلّ ثمانية أرطال بحبّة. وفيها قدم مصر علىّ بن عيسى الوزير من مكّة ليكشفها وخرج بعد ثلاثة أشهر للرملة.
وفيها عزل عن قضاء مصر عبد الله بن ابراهيم [بن «٢» محمد] بن مكرم بهارون [بن إبراهيم «٣» ] بن حمّاد القاضى من قبل المقتدر. وفيها توفّى علىّ بن عبد الحميد [بن عبد «٤» الله
стр. 940
ابن سليمان] بن سليمان أبو الحسن الغضائرىّ «١» نزيل حلب، كان صالحا زاهدا، حجّ أربعين حجّة على أقدامه؛ قال: طرقت باب السّرىّ السّقطىّ فسمعته يقول:
«اللهمّ اشغل من شغلنى عنك بك» [قال فنالنى «٢» بركة هذه الدعوة فحججت على قدمى من حلب الى مكّة أربعين سنة ذاهبا وآئبا] . وفيها توفّى علىّ بن محمد بن بشّار الشيخ أبو الحسن الزاهد العابد البغدادىّ صاحب الكرامات، كان من الأبدال، كان يتكلّم ويعظ الناس وكان لكلامه تأثير في القلوب؛ وكانت وفاته ببغداد ودفن غربيّها، وقبره هناك يقصد للزيارة. وفيها توفّى محمد بن إسحاق بن إبراهيم الثّقفىّ مولاهم النّيسابورىّ الحافظ أبو العبّاس السّراج محدّث خراسان ومسندها. قال أبو إسحاق المزكّى «٣» سمعته يقول: «ختمت عن رسول الله ﷺ اثنتى عشرة ألف ختمة، وضحّيت عنه اثنتى عشرة ألف ضحيّة» . قال محمد بن أحمد الدقّاق:
رأيت السّراج يضحّى في كل أسبوع أو أسبوعين أضحية عن رسول الله ﷺ ، ثم يصيح بأصحاب الحديث فيأكلون. وقال الحاكم «٤» : سمعت أبى يقول: لمّا ورد الزعفرانىّ «٥» وأظهر خلق القرآن سمعت السّراج غير مرّة إذا مرّ بالسوق يقول:
«العنوا الزعفرانىّ» ؛ فيصيح الناس بلعنه، حتى ضيّق عليه نيسابور وخرج الى بخارى. وكانت وفاة السّراج في شهر ربيع الآخر، وله سبع «٦» وتسعون سنة.
стр. 941
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو العباس أحمد ابن محمد الماسرجسىّ، وعبد الله بن زيدان بن يزيد البجلىّ، وعلى بن عبد الحميد الغضائرىّ، وأبو لبيد «١» محمد بن إدريس الشامىّ السّرخسىّ، ومحمد بن إسحاق أبو العباس السّراج في [شهر] ربيع الآخر وله سبع «٢» وتسعون سنة، وأبو قريش محمد ابن جمعة القوهستانىّ «٣» .
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم ستّ أذرع وثلاث أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وخمس أصابع.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣١٤]
السنة الثالثة من ولاية تكين الرابعة على مصر، وهى سنة أربع عشرة وثلثمائة- فيها جمدت دجلة بالموصل وعبرت عليها الدوابّ، وهذا لم يعهد مثله، وسقطت ثلوج كثيرة ببغداد. وفيها نزح أهل مكّة عنها خوفا من القرمطىّ، ولم يحجّ الرّكب العراقىّ في هذين العامين. وفيها دخلت الروم ملطية بالسيف فقتلوا وسبوا وبقوا فيها أيّاما. وفيها ردّ حجّاج خراسان خوفا من القرمطىّ. وفيها قبض المقتدر على الوزير ابن الخصيب لاشتغاله باللهو واختلال الدولة، فأحضر الوزير علىّ بن عيسى فأعيد الى الوزارة. وفيها في شهر رمضان هبّت ريح عظيمة فقلعت شجر نصيبين وهدمت دورها. وفيها توفّى الحسين «٤» بن أحمد بن رستم أبو علىّ الكاتب، ويعرف بأبى زنبور الماذرائى، كان من كبار آل طولون، وكان من الفضلاء، أحضره
стр. 942
المقتدر لمناظرة ابن الفرات، ثم قلّده خراج مصر، ثم سخط عليه وأحضره الى بغداد وأخذ خطّه بثلاثة آلاف ألف دينار وستمائة ألف دينار؛ ثم أخرج الى مصر مع مؤنس الخادم فمات بدمشق؛ كان فاضلا كاتبا، حدّث عن أبى حفص العطّار وغيره وحدّث عنه الدارقطنىّ. وفيها توفّى نصر بن القاسم [بن نصر «١» ] بن زيد الشيخ الإمام أبو الليث الحنفىّ، كان عالما فقيها دينّا إماما في الفرائض جليلا نبيلا ثقة ثبتا، حدّث عن القواريرىّ وغيره، وروى عنه ابن شاهين وجماعة؛ وله مصنّفات كثيرة.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو بكر أحمد بن محمد «٢» بن عمر القرشىّ المنكدرىّ، ومحمد بن محمد بن [عبد الله] النفّاح «٣» الباهلىّ، ومحمد ابن يحيى [بن «٤» عمر] بن لبابة القرطبىّ، وأبو الليث نصر بن القاسم الفرائضىّ.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم خمس أذرع وإصبع واحدة.
مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وخمس أصابع.
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣١٥]
السنة الرابعة من ولاية تكين الرابعة على مصر، وهى سنة خمس عشرة وثلثمائة- فيها ظهرت الدّيلم على الرىّ والجبال؛ وأوّل من غلب منهم لنكى «٥» بن النعمان، فقتل من أهل الجبال مقتلة عظيمة وذبح الأطفال في المهد؛ ثم غلب على قزوين أسفار بن
стр. 943
شيرويه وألزم أهلها مالا؛ وكان له قائد يسمى مرداويج، فوثب على أسفار المذكور وقتله وملك البلاد مكانه، وأساء السيرة بأصبهان، وجلس على سرير من ذهب وقال:
أنا سليمان بن داود وهؤلاء الشياطين أعوانى. وكان مع هذا سيّئ السيرة في أصحابه؛ فدخل الحمّام يوما فدخل عليه أصحابه الأتراك فقتلوه ونهبوا خزائنه، ومشى الدّيلم بأجمعهم حفاة تحت تابوته أربعة فراسخ. وفيها جاء أبو طاهر القرمطىّ في ألف فارس وخمسة آلاف راجل؛ فجهّز المقتدر لحربه يوسف بن أبى الساج في عشرين ألف فارس وراجل. فلما رآه يوسف احتقره، ثم تقاتلا فكان بينهم مقتلة عظيمة لم يقع في هذه السنين مثلها، أسر فيها يوسف بن أبى الساج جريحا وقتل فيها جماعة كثيرة من أصحابه. وبلغ المقتدر فانزعج وعزم على النّقلة الى شرقىّ بغداد.
وخرج مؤنس بالعساكر الى الأنبار في أربعين ألفا، وانضم إليه أبو الهيجاء عبد الله ابن حمدان وإخوته: أبو الوليد وأبو العلاء وأبو السّرايا في أصحابهم وأعوانهم «١» .
وتقدّم نصر الحاجب، فأشار أبو الهيجاء على مؤنس بقطع القنطرة، فتثاقل مؤنس عن قطعها؛ فقال له أبو الهيجاء: أيها الأستاذ، اقطعها واقطع لحيتى معها فقطعها.
ثم صبّحهم القرمطىّ في ثانى عشر ذى القعدة فأقام بإزائهم يومين. ثم سار القرمطىّ نحو الأنبار، فلم يتجاسر أحد أن يتبعه. ولولا قطع القنطرة لكان القرمطىّ عبر عليها وهزم عسكر الخليفة وملك «٢» بغداد. فانظر الى هذا الخذلان؛ فإن القرمطىّ كان فى دون «٣» الألف ومؤنس الخادم وحده في أربعين ألفا سوى من انضم إليه من بنى حمدان وغيرهم من الملوك مع شدّة بأس مؤنس في الحروب. فما شاء الله كان. ووقع في هذه السنة من القرمطىّ بالأقاليم من البلاء والقتل والسبى والنهب ما لا مزيد عليه.
стр. 944
قلت: وكيف لا وهو الذي انزعج منه الخليفة بنفسه وانكسرت عساكره منه، وذهب من بغداد ولم يتبعه أحد؛ فحينئذ خلاله الجوّ وأخذ كلّ ما أراد ممّا لم يدفع كلّ واحد عن نفسه. وفيها تشغّبت الجند على الخليفة المقتدر ووقع أمور. وفيها فى صفر قدم علىّ بن عيسى الوزير على المقتدر، فزاد المقتدر في إكرامه وبعث إليه بالخلع وبعشرين ألف دينار. وركب من الغد في الدّست «١» ، ثم أنشد:
ما النّاس إلّا مع الدنيا وصاحبها ... فكيفما انقلبت يوما به انقلبوا
يعظّمون أخا الدنيا فإن وثبت ... يوما عليه بما لا يشتهى وثبوا
وفيها توفّى الحسين بن عبد الله أبو عبد الله الجوهرىّ، ويعرف بابن الجصّاص، التاجر الجوهرىّ صاحب الأموال والجوهر، كان تاجرا يبيع الجوهر؛ وقد تقدّم أنّ المقتدر صادره وأخذ منه ستة آلاف ألف دينار غير المتاع والدوابّ والغلمان؛ ومع هذا المال كان فيه سلامة باطن، يحكى عنه منها أمور، من ذلك: أنه دخل يوما على الوزير ابن الفرات فقال: أيها الوزير عندنا كلاب ما تدعنا ننام؛ قال:
لعلهم جربى «٢» ؛ قال: لا والله إلّا كلب كلب مثلى ومثلك. ونزل مرّة مع «٣» الوزير الخاقانىّ فى المركب وبيده بطّيخة كافور، [فأراد أن يبصق في دجلة ويعطى الوزير البطّيخة] ، فبصق في وجه الوزير وألقى البطّيخة في دجلة؛ [فارتاع «٤» الوزير وقال له: ويحك! ما هذا؟] ؛ ثم أخذ يعتذر للوزير فيقول: أردت أن أبصق في وجهك وألقى البطّيخة في الماء فغلطت؛ فقال: كذا فعلت يا جاهل!. [فغلط «٥» فى الفعل وأخطأ فى الاعتذار!] . ومع هذه البليّة كان متجوّلا «٦» محظوظا عند الخلفاء والملوك. وفيها
стр. 945
توفّى عبد الله بن محمد بن جعفر أبو القاسم القزوينىّ الشافعىّ، ولى قضاء دمشق نيابة عن محمد بن العبّاس الجمحىّ وكان محمود السيرة فقيها، واختلط قبل موته. وفيها توفّى علىّ بن سليمان بن الفضل أبو الحسن البغدادىّ النحوىّ، ويعرف بالأخفش الصغير، كان متفنّنا يضاهى الأخفش الكبير في فضله وسعة علمه؛ ومات ببغداد. وفيها توفّى محمد بن إسماعيل بن ابراهيم طباطبا الحسنىّ العلوىّ. وإنما سمّى جدّه" طباطبا" لأن أمّه كانت ترقّصه وتقول: طباطبا (يعنى نم نم «١» ) . كان سيّدا فاضلا جوادا، يسكن مصر، وكان له بها جاه ومنزلة، وبها مات، وقبره يزار بالقرافة. وفيها توفّى محمد بن المسيّب بن إسحاق بن عبد الله النيسابورىّ ثم الأرغيانىّ «٢» ، ولد سنة ثلاث وعشرين ومائتين وطاف البلاد في طلب العلم، وكان زاهدا عابدا، بكى حتى ذهب بصره؛ وكان يقول: ما بقى من منابر الإسلام منبر إلا دخلته لسماع الحديث؛ وكان يعرف بالكوسج «٣» .
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفّى أبو بكر أحمد بن [على بن «٤» ] الحسين الرازىّ الحافظ بنيسابور، وأبو القاسم عبد الله بن محمد بن جعفر القزوينىّ القاضى، وعلىّ بن سليمان النحوىّ الأخفش الصغير، وأبو حفص محمد ابن الحسين «٥» الخثعمىّ الأشنانىّ، وأبو الحسن محمد بن الفيض الغسّانىّ، ومحمد بن المسيّب الأرغيانىّ.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع واثنتان وعشرون إصبعا.
مبلغ الزيادة أربع عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا.
стр. 946
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣١٦]
السنة الخامسة من ولاية تكين الرابعة على مصر، وهى سنة ستّ عشرة وثلثمائة- فيها في المحرّم دخل أبو طاهر القرمطىّ الرّحبة «١» بعد حروب ووضع فيها السيف؛ فبعث إليه أهل قرقيسياء «٢» يطلبون الأمان فأمّنهم؛ وبعث سراياه في الأعراب فقتلوا ونهبوا وسبوا؛ ثم دخل قرقيسياء ونادى: لا يظهر أحد من أهلها نهارا، فلم يظهر أحد. ثم توجّه الى الرّقّة فأخذها. ولما رأى الوزير علىّ بن عيسى أن الهجرىّ- أعنى القرمطىّ- استولى على البلاد استعفى من الوزارة. ولما رجع القرمطىّ من سفره بنى دارا وسمّاها دار الهجرة، ودعا الى المهدىّ العلوىّ، وتفاقم أمره وكثر أتباعه؛ فعند ذلك ندب الخليفة المقتدر هارون بن غريب وبعثه الى واسط وبعث صافيا الى الكوفة؛ فوقع هارون بجماعة من القرامطة فقتلهم، وبعث بجماعة منهم أسارى على الجمال الى بغداد ومعهم مائة وسبعون رأسا. وفيها وقع بين نازوك وهارون حرب فى ذى القعدة؛ وسببها أن سواس نازوك وهارون تغايروا على غلام أمرد، وقتل من الفريقين جماعة؛ فركب الوزير ابن مقلة برسالة الخليفة بالكفّ عن القتال فكفّا.
وفيها سار ملك الروم الدّمستق في ثلثمائة ألف، فقصد ناحية خلاط «٣» وبدليس فقتل وسبى؛ ثم صالحه أهل خلاط على قطيعة وهى عشرة آلاف دينار؛ وأخرج المنبر من جامعها وجعل مكانه الصليب. فإنا لله وإنا إليه راجعون. وفيها توفّى بنان بن محمد ابن حمدان أبو الحسن الزاهد المشهور المعروف بالحمّال، أصله من واسط ونشأ ببغداد
стр. 947
وسمع الحديث؛ ثم انتقل الى مصر وسكنها الى أن مات بها؛ وهو أحد الأبدال؛ كان صاحب مقامات وكرامات؛ وبزهده وعبادته يضرب المثل؛ صحب الجنيد وغيره؛ وهو أستاذ أبى الحسين النّورىّ. قال أبو عبد الرّحمن السّلمىّ في محن الصوفيّة: إنّ بنانا الحمّال قام الى وزير خمارويه فأنزله عن دابتّه، وكان نصرانيّا، وقال: لا تركب الخيل، ويلزمك «١» ما هو مأخوذ عليكم في ملّتكم؛ فأمر خمارويه «٢» ببنان المذكور بأن يؤخذ ويطرح بين يدى سبع، فطرح وبقى ليلته ثم جاء السبع يلمسه «٣» ؛ فلما أصبحوا وجدوه قاعدا مستقبل القبلة والسبع بين يديه؛ فأطلقه واعتذر إليه. وذكر إبراهيم بن عبد الرّحمن أنّ القاضى أبا عبيد احتال على بنان ثم ضربه سبع درر؛ فقال: حسبك الله بكل درّة سنة!؛ فحبسه ابن طولون سبع سنين. ويروى أنه كان لرجل على رجل دين مائة دينار بوثيقة، فطلبها الرجل- أعنى الوثيقة- فلم يجدها؛ فجاء الى بنان ليدعو له؛ فقال له بنان: أنا رجل قد كبرت وأحبّ الحلواء، اذهب الى عند دار قربج فاشتر رطل حلواء وأتنى به حتّى أدعو لك، ففعل الرجل وجاءه؛ فقال: بنان افتح ورقة الحلواء، ففتحها فإذا هى الوثيقة؛ فقال: هذه وثيقتى؛ فقال: خذها وأطعم الحلواء صبيانك.
وكانت وفاته في شهر رمضان، وخرج في جنازته أكثر أهل مصر. وفيها توفّى داود بن الهيثم بن إسحاق بن البهلول أبو سعد «٤» التّنوخىّ، مولده بالأنبار وبها توفّى وله ثمان وثمانون سنة؛ كان إماما عارفا بالنحو واللغة والأدب، وصنّف كتبا في اللغة والنحو على مذهب الكوفيّين، وله كتاب كبير في خلق الإنسان. وفيها توفّى عبد الله بن سليمان بن الأشعث
стр. 948
الحافظ أبو بكر بن الحافظ أبى داود السّجستانى محدّث العراق وابن محدّثها، ولد بسجستان سنة ثلاثين ومائتين، ورحل به أبوه وطوّف به البلاد شرقا وغربا، واستوطن بغداد، وصنّف السّنن والمسند والتفاسير والقراءات والناسخ والمنسوخ وغير ذلك. قال أبو بكر الخطيب: سمعت الحسن بن «١» محمد الخلّال يقول: كان أبو بكر بن أبى داود أحفظ من أبيه. قلت: وأبوه أبو داود هو صاحب السنن: أحد الكتب الستّة؛ وقد وقع لنا سماعه ثلاثا حسبما ذكرناه في ترجمة أبيه رضى الله عنه. وفيها توفّى يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد أبو عوانة الإسفراينىّ «٢» النّيسابورىّ الحافظ المحدّث، كان إماما، طف البلاد وصنّف المسند الصحيح المخرّج على صحيح مسلم، حجّ عدّة حجّات، وكان زاهدا عابدا. رضى الله عنه.
الذين ذكر الذهبىّ وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفى بنان الحمّال أبو الحسن الزاهد، وأبو بكر عبد الله بن أبى داود السّجستانىّ وله ستّ وثمانون سنة، وأبو بكر محمد بن حريم «٣» العقيلىّ، وأبو بكر محمد بن السّرىّ بن السرّاج صاحب المبرّد، ومحمد ابن عقيل البلخىّ، وأبو عوانة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الإسفراينى.
أمر النيل في هذه السنة- الماء القديم أربع أذرع وثلاث عشرة إصبعا.
مبلغ الزيادة ثمانى عشرة ذراعا سواء.
стр. 949
*** [ما وقع من الحوادث سنة ٣١٧]
السنة السادسة من ولاية تكين الرابعة على مصر، وهى سنة سبع عشرة وثلثمائة- فيها خلع أمير المؤمنين المقتدر بالله جعفر من الخلافة، خلعه مؤنس الخادم ونازوك الخادم وأبو الهيجاء عبد الله بن حمدان، وأحضروا من دار الخلافة «١» محمد ابن الخليفة المعتضد، وبايعوه بالخلافة ولقّبوه بالقاهر بالله؛ وذلك في الثّلث الأخير من ليلة السبت خامس عشر المحرّم من السنة المذكورة. وتولّى أبو علىّ بن مقله صاحب الخط المنسوب [اليه] الوزارة، وقلّد نازوك الحجبة مضافة الى شرطة بغداد، وأضيف الى أبى الهيجاء عبد الله بن حمدان ولاية حلوان والدّينور ونهاوند وهمذان وغيرها مع ما كان بيده قبل ذلك من الولايات، مثل: الموصل والجزيرة وميّافارقين.
ووقع النهب في دار الخلافة؛ وكان لأمّ المقتدر سمّائة ألف دينار في الرصّافة فأخذت؛ واستتر المقتدر عند»
أمّه. وبعد ثلاثة أيّام حضرت الرّجّالة من الجند وامتلأت دار الخلافة وازدحم الناس ودخلوا الى المقتدر وحملوه على رقابهم، وصاحوا: يا مقتدر يا منصور، وخرجوا به وبايعوه ثانيا بالخلافة بعد أمور وقعت بين القوّاد والجند من وقائع وحروب؛ وقتل أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان ونازوك، وخلع القاهر محمد، وأمّنه أخوه المقتدر هذا؛ وسكنت الفتنة بعد حروب وقعت ببغداد وقتل فيها عدّة من الأعيان والجند. قلت: وهذه ثانى مرّة خلع فيها المقتدر من الخلافة؛ لأنه خلع أوّلا بعبد الله بن المعتزّ في شهر ربيع الأول سنة ستّ وتسعين ومائتين، وهذه الثانية.
ثم استقر بعد هذه في الخلافة الى أن مات، حسبما يأتى ذكره في محلّة. وفيها ظهر
стр. 950
هارون بن غريب ودخل الى مؤنس وسلّم عليه، وقلّد الجبل فخرج إليه. وقلّد المقتدر إبراهيم ومحمدا ابنى رائق شرطة بغداد، وقلّد مظفّر بن ياقوت الحجابة. وماتت ثمل القهرمانة وخلّفت أموالا كثيرة. وفيها سيّر المقتدر ركب الحاجّ مع منصور الديلمىّ فوصلوا الى مكّة سالمين؛ فوافاهم يوم التروية عدوّ الله أبو طاهر القرمطىّ فقتل الحجيج قتلا ذريعا في فجاج مكّة وفي داخل البيت الحرام- لعنه الله- وقتل ابن محارب أمير [مكة] «١» ، وعرّى البيت، وقلع باب البيت، واقتلع الحجر الأسود وأخذه، وطرح القتلى فى بئر زمزم، وفعل أفعالا لا يفعلها النصارى ولا اليهود بمكّة؛ ثم عاد الى هجر ومعه الحجر الأسود؛ فدام الحجر الأسود عندهم الى أن ردّ الى مكانه في خلافة المطيع، على ما سيأتى ذكره إن شاء الله تعالى. [وجلس «٢» أبو طاهر على باب الكعبة والرجال تصرع حوله في المسجد الحرام يوم التروية، الذي هو من أشرف الأيام، وهو يقول] :
أنا لله وبالله أنا ... يخلق الخلق وأفنيهم أنا «٣»
ودخل رجل من القرامطة الى حاشية الطواف وهو راكب سكران، فبال فرسه عند البيت، ثم ضرب الحجر الأسود بدبّوس فكسره ثم اقتلعه. وكانت إقامة القرمطىّ بمكّة أحد عشر يوما. فلما عاد القرمطىّ الى بلاده رماه الله تعالى في جسده حتى طال عذابه وتقطّعت أوصاله وأطرافه وهو ينظر اليها، وتناثر الدود من لحمه.
قلت: هذا ما عذّب به في الدنيا، وأما الأخرى فأشدّ إن شاء الله تعالى وأدوم عليه
следующие страницы →