← История

История · id 11997

تاريخ الخلفاء - ت إبراهيم صالح

الجلال السيوطي

Полный текст (618 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وإنّي لأرجو أن ترى من مغيبها … مطالع شمس قد يغصّ بها الشّرب وهمّك تركيّ عليه مهانة … فأنت له أمّ، وأنت له أب بويع له بالخلافة بعد المأمون، في شهر رجب سنة ثمان عشرة ومائتين، فسلك ما كان المأمون عليه وختم به عمره من امتحان النّاس بخلق القرآن، فكتب إلى البلاد بذلك، وأمر المعلّمين أن يعلّموا الصّبيان ذلك، وقاسى النّاس منه مشقّة في ذلك، وقتل عليه خلقا من العلماء، وضرب الإمام أحمد بن حنبل، وكان ضربه في سنة عشرين. وفيها تحوّل المعتصم من بغداد، وبنى سرّ من رأى، وذلك أنّه اعتنى باقتناء التّرك، فبعث إلى سمرقند وفرغانة والنّواحي في شرائهم، وبذل فيهم الأموال، وألبسهم أنواع الدّيباج ومناطق الذّهب، فكانوا يطردون خيلهم في بغداد، ويؤذون النّاس، وضاقت بهم البلد، فاجتمع إليه أهل بغداد وقالوا: إن لم تخرج عنّا بجندك حاربناك! قال: وكيف تحاربونني؟ قالوا: بسهام الأسحار؛ قال: لا طاقة لي بذلك؛ فكان ذلك سبب بنائه «سرّ من رأى» وتحوّله إليها. وفي سنة ثلاث وعشرين غزا المعتصم الرّوم، فأنكاهم نكاية عظيمة لم يسمع بمثلها لخليفة، وشتّت جموعهم، وخرّب ديارهم، وفتح عمّوريّة بالسّيف، وقتل منها ثلاثين ألفا وسبى مثلهم. وكان لمّا تجهّز لغزوها حكم المنجّمون أنّ ذلك طالع نحس، وأنّه يكسر؛ فكان من نصره وظفره ما لم يخف، فقال في ذلك أبو تمّام قصيدته المشهورة، وهي هذه (١): [من البسيط] السّيف أصدق أنباء من الكتب … في حدّه الحدّ بين الجدّ واللّعب والعلم في شهب الأرماح لامعة … بين الخميسين لا في السّبعة الشّهب أين الرواية؟ أم أين النّجوم؟ وما … صاغوه من زخرف فيها ومن كذب تخرّصا وأحاديثا ملفّقة … ليست بعجم إذا عدّت ولا عرب (٢)

стр. 387

مات المعتصم يوم الخميس، لإحدى عشرة ليلة بقيت من ربيع الأوّل، سنة سبع وعشرين، وكان قد ذلّل العدوّ بالنّواحي. ويقال: إنّه قال في مرض موته: ﴿حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً﴾ (١). ولمّا احتضر جعل يقول: ذهبت الحيلة فليس حيلة؛ وقيل: جعل يقول: أوخذ من بين هذا الخلق؟ وقيل: إنه قال: اللّهمّ إنّك تعلم أني أخافك من قبلي، ولا أخافك من قبلك، وأرجوك من قبلك، ولا أرجوك من قبلي. ومن شعره (٢): [من الرمل] قرّب النّحّام واعجل يا غلام … واطرح السّرج عليه واللّجام أعلم الأتراك أنّي خائض … لجّة الموت فمن شاء أقام وكان قد عزم على المسير إلى أقصى الغرب ليملك البلاد التي لم تدخل في ملك بني العبّاس لاستيلاء الأمويّ عليها. فروى الصّولي عن أحمد بن الخصيب قال: قال لي المعتصم: إنّ بني أميّة ملكوا وما لأحد منّا ملك، وملكنا نحن ولهم بالأندلس هذا الأمويّ، فقدّر ما نحتاج إليه لمحاربته؛ وشرع في ذلك، فاشتدّت علّته ومات. وقال الصّولي (٣): سمعت المغيرة بن محمد يقول: يقال: إنّه لم يجتمع الملوك بباب أحد قطّ اجتماعها بباب المعتصم، ولا ظفر ملك قطّ كظفره؛ أسر ملك أذربيجان، وملك طبرستان، وملك استيشاب، وملك اسباحج، وملك فرغانة،

стр. 388

وملك طخارستان، وملك الصّغد، وملك كابل. وقال الصولي: وكان نقش خاتمه «الحمد للّه الذي ليس كمثله شيء». ومن أخبار المعتصم: أخرج الصّولي عن أحمد اليزيدي، قال (١): لمّا فرغ المعتصم من بناء قصره بالميدان وجلس فيه دخل عليه النّاس، فعمل إسحاق الموصلي قصيدة فيه، ما سمع أحمد بمثلها في حسنها، إلاّ أنه افتتحها بقوله: [من الكامل] يا دار غيّرك البلى ومحاك … يا ليت شعري ما الذي أبلاك؟ فتطيّر المعتصم، وتطيّر النّاس، وتغامزوا، وتعجّبوا كيف ذهب هذا على إسحاق مع فهمه وعلمه وطول خدمته للملوك؟ وخرّب المعتصم القصر بعد ذلك. وأخرج عن إبراهيم بن العبّاس قال: كان المعتصم إذا تكلّم بلغ ما أراد وزاد عليه. وكان أوّل من ثرد الطّعام وكثّره، حتى بلغ ألف دينار في اليوم. وأخرج عن أبي العيناء قال: سمعت المعتصم يقول: إذا نصر الهوى بطل الرّأي. وأخرج عن إسحاق قال: كان المعتصم يقول: من طلب الحقّ بماله وعليه أدركه. وأخرج عن محمد بن عمر الدّومي قال (٢): كان للمعتصم غلام يقال له عجيب، لم ير النّاس مثله قطّ، وكان مشغوفا به، فعمل فيه أبياتا، ثم دعاني، وقال: قد علمت انّي دون إخوتي في الأدب لحبّ أمير المؤمنين لي وميلي إلى اللّعب وأنا حدث، فلم أنل ما نالوا، وقد عملت في عجيب أبياتا؛ فإن كانت حسنة وإلاّ فاصدقني حتّى أكتمها؛ ثم أنشد شعرا: [من المجتث] لقد رايت عجيبا … يحكي الغزال الرّبيبا الوجه منه كبدر … والقدّ يحكي القضيبا

стр. 389

وإن تناول سيفا … رأيت ليثا حريبا وإن رمى بسهام … كان المجيد المصيبا طبيب ما بي من الحب … ب فلا عدمت الطّبيبا إنّي هويت عجيبا … هوى أراه عجيبا فحلفت له بأيمان البيعة أنّه شعر مليح من أشعار الخلفاء الذي ليسوا بشعراء، فطابت نفسه، وأمر لي بخمسين ألف درهم. وقال الصّولي (١): حدّثنا عبد الواحد بن العبّاس الرّياشي قال: كتب ملك الرّوم إلى المعتصم كتابا يهدّده فيه، فلمّا قرئ عليه قال للكاتب: اكتب: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، أمّا بعد: فقد قرأت كتابك، وسمعت خطابك، والجواب ما ترى، لا ما تسمع ﴿وَسَيَعْلَمُ اَلْكُفّارُ لِمَنْ عُقْبَى اَلدّارِ﴾ (٢). وأخرج الصّولي عن الفضل اليزيدي، قال (٣): وجّه المعتصم إلى الشّعراء ببابه: من منكم يحسن أن يقول فينا كما قال منصور النّمري في الرّشيد (٤)؟: [من البسيط] إنّ المكارم والمعروف أودية … أحلّك اللّه منها حيث تجتمع من لم يكن بأمين اللّه معتصما … فليس بالصّلوات الخمس ينتفع إن أخلف القطر لم تخلف فواضله … أو ضاق أمر ذكرناه فيتّسع فقال ابن وهيب (٥): فينا من يقول خيرا منه فيك، وقال: [من البسيط] ثلاثة تشرق الدّنيا ببهجتها: … شمس الضّحى، وأبو إسحاق، والقمر تحكي أفاعيله في كلّ نائبة … اللّيث، والغيث، والصّمصامة الذّكر

стр. 390

ولمّا مات رثاه وزيره محمد بن عبد الملك، جامعا بين العزاء والهناء، فقال (١): [من المنسرح] قد قلت إذ غيّبوك واصطفقت … عليك أيد بالتّرب والطّين اذهب فنعم الحفيظ كنت على الد … دنيا ونعم الظّهير للدّين ما يجبر اللّه أمّة فقدت … مثلك إلاّ بمثل هارون حديث رواه المعتصم: قال الصّولي (٢): حدّثنا الغلابي (٣)، حدثنا عبد اللّه (٤) ابن الضّحّاك، حدّثني هشام بن محمد، حدّثني المعتصم، قال: حدّثني أبي الرّشيد، عن المهدي، عن المنصور، عن أبيه، عن جدّه، عن ابن عبّاس ﵄: «أنّ النّبيّ ﷺ نظر إلى قوم من بني فلان يتبخترون في مشيهم، فعرف الغضب في وجهه، ثم قرأ: ﴿وَاَلشَّجَرَةَ اَلْمَلْعُونَةَ فِي اَلْقُرْآنِ﴾» (٥) فقيل له: أيّ شجرة هي يا رسول اللّه حتّى نجتّثها؟ فقال: «ليست بشجرة نبات، إنّما هم بنو أمية، إذا ملكوا جاروا، وإذا اؤتمنوا خانوا» وضرب بيده على ظهر عمّه العبّاس، فقال: «يخرج اللّه من ظهرك يا عمّ رجلا يكون هلاكهم على يده». قلت: الحديث موضوع، وآفته الغلابي (٣). (٦) وقال ابن عساكر (٧): أنبأنا أبو القاسم علي بن إبراهيم، حدّثنا عبد العزيز ابن أحمد، حدّثني على بن الحسين الحافظ، حدّثنا أبو القاسم عبد اللّه بن أحمد بن طالب البغدادي، حدّثنا ابن خلاّد، حدّثنا أحمد بن محمد بن نصر الضّبيعي، حدّثنا إسحاق بن يحيى بن معاذ، قال:

стр. 391

كنت عند المعتصم أعوده، فقلت: أنت في عافية؛ فقال: كيف؟ وقد سمعت الرّشيد يحدّث عن أبيه المهديّ، عن المنصور، عن أبيه عن جدّه، عن ابن عبّاس مرفوعا: «من احتجم في يوم الخميس فمرض فيه، مات فيه». قال ابن عساكر: سقط منه رجلان بين ابن الضّبيعي وإسحاق، ثم أخرجه من طريق أخرى عن الضّبيعي، عن أحمد بن محمد بن اللّيث، عن منصور بن النّضر، عن إسحاق. * * * وممّن مات في أيّام المعتصم من الأعلام: الحميدي شيخ البخاري. وأبو نعيم الفضل بن دكين، وأبو غسّان النّهدي، وقالون المقرئ، وخلاّد المقرئ، وآدم بن أبي إياس، وعفّان، والقعنبي، وعبدان المروزي، وعبد اللّه بن صالح كاتب اللّيث، وإبراهيم بن المهدي، وسليمان بن حرب، وعليّ بن محمد المدائني، وأبو عبيد القاسم بن سلاّم، وقرّة بن حبيب، وعارم، ومحمد بن عيسى الطّبّاع الحافظ، وأصبغ بن الفرج الفقيه المالكيّ، وسعدويه الواسطي، وأبو عمر الجرميّ النّحوي، ومحمد بن سلام البيكندي، وسنيد، وسعيد بن كثير بن عفير، ويحيى بن يحيى التّميمي، وآخرون. * * *

стр. 392

الواثق باللّه هارون (١) الواثق باللّه هارون، أبو جعفر - وقيل: أبو القاسم - بن المعتصم بن الرّشيد. أمّه أمّ ولد روميّة، اسمها قراطيس. ولد لعشر بقين من شعبان سنة ست وتسعين ومائة. وولي الخلافة بعهد من أبيه؛ بويع له في تاسع عشر ربيع الأوّل سنة سبع وعشرين [ومائتين]. وفي سنة ثمان وعشرين استخلف على السّلطنة أشناس التّركي، وألبسه وشاحين مجوهرين وتاجا مجوهرا، وأظنّ أنّه أوّل خليفة استخلف سلطانا، فإنّ التّرك إنّما كثروا في أيّام أبيه. وفي سنة إحدى وثلاثين ورد كتابه إلى أمير البصرة يأمره أن يمتحن الأئمّة والمؤذّنين بخلق القرآن، وكان قد تبع أباه في ذلك، ثم رجع في آخر أمره. وفي هذه السنة قتل أحمد بن نصر الخزاعي، وكان من أهل الحديث، قائما بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، أحضره من بغداد إلى سامرّا مقيّدا وسأله عن القرآن، فقال: ليس بمخلوق؛ وعن الرّؤية في القيامة، فقال: كذا جاءت الرّواية؛ وروى له الحديث؛ فقال الواثق له: تكذب، فقال للواثق: بل تكذب أنت؛ فقال: ويحك! يرى كما يرى المحدود المتجسّم ويحويه مكان ويحصره النّاظر؟ أنا كفرت بربّ هذه صفته؛ ما تقولون فيه؟ فقال جماعة من فقهاء المعتزلة الذي حوله: هو حلال

стр. 393

الضّرب (١)؛ فدعا بالسّيف، وقال: إذا قمت إليه فلا يقومنّ أحد معي، فإنّي أحتسب خطاي إلى هذا الكافر الذي يعبد ربّا لا نعبده ولا نعرفه بالصّفة التي وصفه بها؛ ثم أمر بالنّطع فأجلس عليه وهو مقيّد، فمشى إليه، فضرب عنقه، وأمر بحمل رأسه إلى بغداد، فصلب بها، وصلبت جثّته في سرّ من رأى، واستمرّ ذلك ستّ سنين إلى أن ولي المتوكل، فأنزله ودفنه. ولما صلب كتب ورقة وعلّقت في أذنه، فيها: هذا رأس أحمد بن نصر بن مالك، دعاه عبد اللّه الإمام هارون إلى القول بخلق القرآن ونفي التّشبيه، فأبى إلاّ المعاندة، فعجّله اللّه إلى ناره. ووكّل بالرّأس من يحفظه ويصرفه عن القبلة برمح، فذكر الموكّل به أنّه رآه باللّيل يستدير إلى القبلة بوجهه، فيقرأ سورة «يس» بلسان طلق؛ رويت هذه الحكاية من غير وجه. وفي هذه السّنة استفكّ من الرّوم ألفا وستّمائة أسير مسلم، فقال ابن أبي دواد قبّحه اللّه: من قال من الأسارى «القرآن مخلوق» خلّصوه وأعطوه دينارين؛ ومن امتنع دعوه في الأسر!. قال الخطيب: كان أحمد بن أبي دواد قد استولى على الواثق، وحمله على التّشدّد في المحنة، ودعا النّاس إلى القول بخلق القرآن، ويقال: إنّه رجع عنه قبل موته. وقال غيره: حمل إليه رجل فيمن حمل مكبّل بالحديد من بلاده، فلمّا دخل - وابن أبي دواد حاضر - قال المقيّد: أخبرني عن هذا الرّأي الذي دعوتم النّاس إليه، أعلمه رسول اللّه ﷺ فلم يدع النّاس إليه، أم شيء لم يعلمه؟. قال ابن أبي دواد: بل علمه، قال: فكان يسعه أن لا يدعو النّاس إليه وأنتم لا يسعكم؟ قال: فبهتوا، وضحك الواثق، وقام قابضا على فمه، ودخل بيتا ومدّ رجليه وهو يقول: وسع النّبيّ ﷺ أن يسكت عنه ولا يسعنا! فأمر له أن يعطى ثلاثمائة دينار، وأن يردّ إلى بلده،

стр. 394

ولم يمتحن أحدا بعدها، ومقت ابن أبي دواد من يومئذ. والرّجل المذكور هو أبو عبد الرّحمن عبد اللّه بن محمد الأذرمي، شيخ أبي داود والنّسائي. قال ابن أبي الدّنيا: كان الواثق أبيض، تعلوه صفرة، حسن اللّحية، في عينيه نكتة. قال يحيى بن أكثم (١): ما أحسن أحد إلى آل أبي طالب ما أحسن إليهم الواثق، ما مات وفيهم فقير. وقال غيره (٢): كان الواثق وافر الأدب، مليح الشّعر، وكان يحبّ خادما أهدي له من مصر، فأغضبه الواثق يوما، ثم إنّه سمعه يقول لبعض الخدم: واللّه إنه ليروم أن أكلّمه من أمس فما أفعل؛ فقال الواثق: [من البسيط] يا ذا الذي بعذابي ظلّ مفتخرا … ما أنت إلاّ مليك جار إذ قدرا لولا الهوى لتجارينا على قدر … وإن أفق منه يوما ما فسوف ترى ومن شعر الواثق في خادمه: [من مجزوء الخفيف] مهج يملك المهج … بسجيّ اللّفظ والدّعج حسن القدّ مخطف … ذو دلال وذو غنج ليس للعين إن بدا … عنه باللّحظ منعرج وقال الصّولي: كان الواثق يسمّى المأمون الأصغر؛ لأدبه وفضله، وكان المأمون يعظّمه ويقدّمه على ولده؛ وكان الواثق أعلم النّاس بكلّ شيء، وكان شاعرا، وكان أعلم الخلفاء بالغناء. وله أصوات والحان عملها نحو مائة صوت (٣)، وكان حاذقا بضرب العود، راوية للأشعار والأخبار.

стр. 395

وقال الفضل اليزيدي: لم يكن في خلفاء بني العبّاس أكثر رواية للشّعر من الواثق؛ فقيل له: كان أروى من المأمون؟ فقال: نعم، كان المأمون قد مزج بعلم العرب علم الأوائل من النّجوم والطّبّ والمنطق؛ وكان الواثق لا يخلط بعلم العرب شيئا. وقال يزيد المهلّبيّ: كان الواثق كثير الأكل جدّا. وقال ابن فهم: كان للواثق خوان من ذهب مؤلّف من أربع قطع، يحمل كلّ قطعة عشرون رجلا، وكلّ ما على الخوان من غضارة وصحفة وسكرّجة من ذهب، فسأله ابن أبي دواد أن لا يأكل عليه للنّهي عنه؛ فأمر أن يكسر ذلك ويضرب ويحمل إلى بيت المال. وقال الحسين بن يحيى: رأى الواثق في النّوم كأنّه يسأل اللّه الجنّة، وأنّ قائلا يقول له: لا يهلك على اللّه إلا من قلبه مرت؛ فأصبح فسأل الجلساء عن ذلك، فلم يعرفوا معناه، فوجّه إلى أبي محلّم وأحضره، فسأله عن الرؤيا والمرت، فقال أبو المحلم: المرت: القفر الذي لا ينبت شيئا، فالمعنى على هذا لا يهلك على اللّه إلاّ من قلبه خال من الإيمان خلوّ المرت من النّبات؛ فقال له الواثق: أريد شاهدا من الشّعر في المرت: فبادر بعض من حضر فأنشد بيتا لبني (١) أسد: [من الطويل] ومرت مروراة يحاربها القطا … ويصبح ذو علم بها وهو جاهل فضحك أبو محلّم وقال: واللّه لا أبرح حتّى أنشدك، فأنشده للعرب مائة قافية معروفة لمائة شاعر معروف، في كل بيت ذكر المرت؛ فأمر له الواثق بمائة ألف دينار. وقال حمدون بن إسماعيل: ما كان في الخلفاء أحد أحلم من الواثق ولا أصبر على أذى ولا خلاف منه. وقال أحمد بن حمدون (٢): دخل هارون بن زياد مؤدّب الواثق إليه، فأكرمه إلى

стр. 396

الغاية، فقيل له: من هذا يا أمير المؤمنين الذي فعلت به هذا الفعل؟ فقال: هذا أوّل من فتق لساني بذكر اللّه وأدناني من رحمة اللّه. ومن مديح عليّ بن الجهم فيه (١): [من مجزوء الرمل] وثقت بالملك الوا … ثق باللّه النّفوس ملك يشقى به الما … ل ولا يشقى الجليس أسد يضحك عن شد … داته الحرب العبوس أنس السّيف به واس … توحش العلق النّفيس يا بني العبّاس يأبى اللّ … هـ إلاّ أن تروسوا مات الواثق بسرّمن رأى يوم الأربعاء، لستّ بقين من ذي الحجّة، سنة مائتين واثنتين وثلاثين. ولمّا احتضر جعل يردّد هذين البيتين (٢): [من البسيط] الموت فيه جميع الخلق مشترك … لا سوقة منهم يبقى ولا ملك ما ضرّ أهل قليل في تفارقهم … وليس يغني عن الأملاك ما ملكوا وحكي أنّه لمّا مات ترك وحده، واشتغل النّاس بالبيعة للمتوكّل، فجاء جرذون فاستلّ عينه فأكلها (٣). * * * مات في أيّامه من الأعلام: مسدّد، وخلف بن هشام البزّاز المقرئ، وإسماعيل بن سعيد الشالنجي شيخ أهل طبرستان، ومحمد بن سعد كاتب الواقدي، وأبو تمّام الطّائي الشّاعر، ومحمد بن زياد بن الأعرابي اللّغويّ، والبويطي صاحب الشّافعي مسجونا مقيّدا في المحنة، وعليّ بن المغيرة الأثرم اللّغوي، وآخرون. ومن أخبار الواثق: أسند الصّولي عن جعفر بن الرّشيد قال: كنّا بين يدي الواثق

стр. 397

وقد اصطبح، فناوله خادمه مهج وردا ونرجسا، فأنشد في ذلك بعد يوم لنفسه: [من السريع] حيّاك بالنّرجس والورد … معتدل القامة والقدّ فألهبت عيناه نار الهوى … وزاد في اللّوعة والوجد أمّلت بالملك له قربه … فصار ملكي سبب البعد ورنّحته سكرات الهوى … فمال بالوصل إلى الصّدّ إن سئل البذل ثنى عطفه … وأسبل الدّمع على الخدّ غرّ بما تجنيه ألحاظه … لا يعرف الإنجاز للوعد مولى تشكّى الظّلم من عبده … فأنصفوا المولى من العبد قال: فأجمعوا أنّه ليس لأحد من الخلفاء مثل هذه الأبيات. وقال الصّولي: حدّثني عبد اللّه بن المعتزّ قال: أنشدني بعض أهلنا للواثق، وكان يهوى خادمين، لهذا يوم يخدمه فيه ولهذا يوم يخدمه فيه: [من السريع] قلبي قسيم بين نفسين … فمن رأى روحا بجسمين يغضب ذا إن جاد ذا بالرّضا … فالقلب مشغول بشجوين وأخرج عن الحزنبل قال: غنّي في مجلس الواثق بشعر الأخطل (١): [من البسيط] وشادن مربح بالكأس نادمني … لا بالحصور ولا فيها بسوّار فقال: أسوّار أو سأّر؟ فوجّه إلى ابن الأعرابي يسأل عن ذلك؟ فقال: سوّار: وثّاب، يقول: لا يثب على ندمائه؛ وسأّر: مفضل في الكأس سؤرا؛ وقد رويا جميعا؛ فأمر الواثق لابن الأعرابي بعشرين ألف درهم. وقال: حدّثني ميمون بن إبراهيم، حدّثني أحمد بن الحسين بن هشام قال:

стр. 398

تلاحى الحسين بن الضّحّاك ومخارق يوما في مجلس الواثق في أبي نواس وأبي العتاهية أيّهما أشعر؟ فقال الواثق: اجعلا بينكما خطرا، فجعلا بينهما مائتي دينار؛ فقال الواثق: من ههنا من العلماء؟ فقيل: أبو محلّم؛ فأحضره فسئل عن ذلك؟ فقال: أبو نواس أشعر، وأذهب في فنون العرب، وأكثر افتنانا من أفانين الشّعر؛ فأمر الواثق بدفع الخطر إلى الحسين. * * *

стр. 399

المتوكّل على اللّه جعفر (١) المتوكّل على اللّه: جعفر، أبو الفضل؛ بن المعتصم بن الرّشيد. أمّه أمّ ولد اسمها شجاع. ولد سنة خمس - وقيل: سبع - ومائتين. وبويع له في ذي الحجّة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، بعد الواثق؛ فأظهر الميل إلى السّنّة، ونصر أهلها، ورفع المحنة، وكتب بذلك إلى الآفاق، وذلك في سنة أربع وثلاثين. واستقدم المحدّثين إلى سامرّا، وأجزل عطاياهم وأكرمهم، وأمرهم بأن يحدّثوا بأحاديث الصّفات والرّؤية. وجلس أبو بكر بن أبي شيبة في جامع الرّصافة، فاجتمع إليه نحو من ثلاثين ألف نفس، وجلس أخوه عثمان في جامع المنصور، فاجتمع إليه أيضا نحو من ثلاثين ألف نفس، وتوفّر دعاء الخلق للمتوكّل، وبالغوا في الثّناء عليه والتّعظيم له، حتّى قال قائلهم: الخلفاء ثلاثة: أبو بكر الصّدّيق ﵁ في قتال أهل الرّدّة، وعمر بن العزيز في ردّ المظالم، والمتوكّل في إحياء السّنّة وإماتة التّجهّم. وقال أبو بكر بن الخبّازة في ذلك: [من الطويل] وبعد فإنّ السّنّة اليوم أصبحت … معزّزة حتّى كأن لم تذلّل تصول وتسطو إذ أقيم منارها … وحطّ منار الإفك والزّور من عل

стр. 400

وولّى أخو الإبداع في الدّين هاربا … إلى النّار يهوي مدبرا غير مقبل شفى اللّه منهم بالخليفة جعفر … خليفته ذي السّنّة المتوكّل خليفة ربّي وابن عمّ نبيّه … وخير بني العبّاس من منهم ولي وجامع شمل الدّين بعد تشتّت … وفاري رءوس المارقين بمنصل أطال لنا ربّ العباد بقاءه … سليما من الأهوال غير مبدّل وبوّأه بالنّصر للدّين جنّة … يجاور في روضاتها خير مرسل وفي هذه السّنة أصاب ابن أبي دواد فالج صيّره حجرا ملقى؛ فلا آجره اللّه. ومن عجائب هذه السّنة أنّه هبت ريح بالعراق شديد السّموم؛ ولم يعهد مثلها، أحرقت زرع الكوفة، والبصرة، وبغداد، وقتلت المسافرين ودامت خمسين يوما، واتّصلت بهمذان، وأحرقت الزّرع والمواشي، واتّصلت بالموصل وسنجار، ومنعت النّاس من المعاش في الأسواق، ومن المشي في الطّرقات، وأهلكت خلقا عظيما. وفي السّنة التي قبلها جاءت زلزله مهولة بدمشق، سقطت منها دور، وهلك تحتها خلق، وامتدّت إلى أنطاكيّة فهدمتها، وإلى الجزيرة فأحرقتها، وإلى الموصل؛ فيقال: هلك من أهلها خمسون ألفا. وفي سنة خمس وثلاثين ألزم المتوكّل النّصارى بلبس العسليّ (١). وفي سنة ستّ وثلاثين أمر بهدم قبر الحسين، وهدم ما حوله من الدّور، وأن يعمل مزارع، ومنع النّاس من زيارته، وخرّب وبقي صحراء؛ وكان المتوكّل معروفا بالنّصب، فتألّم المسلمون من ذلك، وكتب أهل بغداد شتمه على الحيطان والمساجد، وهجاه الشّعراء، فممّا قيل في ذلك (٢): [من الكامل] باللّه إن كانت أميّة قد أتت … قتل ابن بنت نبيّها مظلوما فلقد أتاه بنو أبيه بمثله … هذا لعمري قبره مهدوما أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا … في قتله فتتبّعوه رميما

стр. 401

وفي سنة سبع وثلاثين بعث إلى نائب مصر أن يحلق لحية قاضي القضاة بمصر: أبي بكر محمد بن أبي اللّيث، وأن يضربه، ويطوف به على حمار؛ ففعل - ونعم ما فعل - فإنّه كان ظالما من رءوس الجهميّة، وولّى القضاء بدله الحارث بن مسكين (١) من أصحاب مالك، بعد تمنّع، وأهان القاضي المعزول بضربه كلّ يوم عشرين سوطا ليردّ الظّلامات إلى أهلها. وفي هذه السّنة ظهرت نار بعسقلان، أحرقت البيوت والبيادر، ولم تزل تحرق إلى ثلث اللّيل ثم كفّت. وفي سنة ثمان وثلاثين كبست الرّوم دمياط، ونهبوا، وأحرقوا، وسبوا منها ستّمائة امرأة، وولّوا مسرعين في البحر. وفي سنة أربعين سمع أهل خلاط صيحة عظيمة من جوّ السّماء، فمات منها خلق كثير، ووقع برد بالعراق كبيض الدّجاج، وخسف بثلاث عشرة قرية بالمغرب. وفي سنة إحدى وأربعين ماجت النّجوم في السّماء، وتناثرت الكواكب كالجراد أكثر اللّيل، وكان أمرا مزعجا لم يعهد. وفي سنة اثنتين وأربعين زلزلت الأرض زلزلة عظيمة بتونس، وأعمالها، والرّيّ، وخراسان، ونيسابور، وطبرستان، وأصبهان. وتقطّعت الجبال، وتشقّقت الأرض بقدر ما يدخل الرّجل في الشّقّ. ورجمت قرية السّويداء بناحية مصر من السّماء، ووزن حجر من الحجارة فكان عشرة أرطال. وسار جبل باليمن عليه مزارع لأهله حتّى أتى مزارع آخرين. ووقع بحلب طائر أبيض دون الرّخمة في رمضان فصاح: يا معشر النّاس اتّقوا اللّه، اللّه، اللّه، وصاح أربعين صوتا ثم طار، وجاء من الغد ففعل كذلك؛ وكتب البريد بذلك، وأشهد عليه خمسمائة إنسان سمعوه.

стр. 402

وفيها حجّ من البصرة إبراهيم بن مطهّر الكاتب على عجلة تجرّها الإبل، وتعجّب النّاس من ذلك. وفي سنة ثلاث وأربعين قدم المتوكّل دمشق، فأعجبته، وبني له القصر بداريّا، وعزم على سكناها، فقال يزيد بن محمد المهلّبي (١): [من الوافر] أظنّ الشّام تشمت بالعراق … إذا عزم الإمام على انطلاق فإن تدع العراق وساكنيه … فقد تبلى المليحة بالطّلاق فبدا له ورجع بعد شهرين أو ثلاثة. وفي سنة أربع وأربعين قتل المتوكل يعقوب بن السّكّيت الإمام في العربيّة؛ فإنّه ندبه إلى تعليم أولاده، فنظر المتوكّل يوما إلى ولديه المعتز والمؤيّد فقال لابن السّكّيت: من أحبّ إليك، هما أو الحسن والحسين؟ فقال: قنبر - يعني مولى عليّ - خير منهما؛ فأمر الأتراك فداسوا بطنه حتّى مات؛ وقيل: أمر بسلّ لسانه فمات، وأرسل إلى ابنه بديته؛ وكان المتوكّل رافضيّا. وفي سنة خمس وأربعين عمّت الزّلازل الدّنيا، فأخربت المدن والقلاع والقناطر، وسقط من أنطاكيّة جبل في البحر، وسمع من السماء أصوات هائلة، وزلزلت مصر، وسمع أهل بلبيس من ناحية مصر صيحة هائلة، فمات خلق من أهل بلبيس، وغارت عيون مكّة، فأرسل المتوكل مائة ألف دينار لإجراء الماء من عرفات إليها. وكان المتوكّل جوادا ممدّحا، يقال: ما أعطى خليفة شاعرا ما أعطى المتوكّل؛ وفيه يقول مروان بن أبي الجنوب (٢): [من الطويل] فأمسك ندى كفّيك عنّي ولا تزد … فقد خفت أن أطغى وأن أتجبّرا فقال: لا أمسك حتّى يغرقك جودي؛ وكان أجازه على قصيدة بمائة ألف وعشرين ألفا.

стр. 403

ودخل (١) عليه عليّ بن الجهم يوما وبيديه درّتان يقلّبهما، فأنشد قصيدة له، فرمى إليه بدرّة، فقلّبها، فقال: تستنقص بها! وهي واللّه خير من مائة ألف؟ فقال: لا، ولكنّي فكّرت في أبيات أعملها آخذ بها الأخرى؛ فقال: قل، فقال (٢): [من مخلع البسيط] بسرّمن رأى إمام عدل … تغرف من بحره البحار الملك فيه وفي بنيه … ما اختلف اللّيل والنّهار يرجى ويخشى لكلّ خطب … كأنّه جنّة ونار يداه في الجود ضرّتان … عليه كلتاهما تغار لم تأت منه اليمين شيئا … إلاّ أتت مثلها اليسار فرمى إليه بالدّرّة الأخرى. قال بعضهم: سلّم على المتوكّل بالخلافة ثمانية، كلّ واحد منهم أبوه خليفة: منصور بن المهديّ، والعبّاس بن الهادي، وأبو أحمد بن الرّشيد، وعبد اللّه بن الأمين، وموسى بن المأمون، وأحمد بن المعتصم، ومحمد بن الواثق، وابنه المنتصر. وقال المسعودي: لا يعلم أحد متقدّم في جدّ ولا هزل إلاّ وقد حظي في دولته، ووصل إليه نصيب وافر من المال. وكان منهمكا في اللّذّات والشّراب، وكان له أربعة آلاف سرّيّة ووطئ الجميع. وقال علي بن الجهم: كان المتوكّل مشغوفا بقبيحة أمّ ولده المعتزّ لا يصبر عنها، فوقفت له يوما - وقد كتبت على خدّيها بالغالية جعفرا - فتأمّلها وأنشأ يقول (٣): [من الطويل]

стр. 404

وكاتبة بالمسك في الخدّ جعفرا … بنفسي مخطّ المسك من حيث أثّرا لئن أودعت سطرا من المسك خدّها … لقد أودعت قلبي من الحبّ أسطرا وفي كتاب «المحن» للسّلمي أنّ ذا النّون أوّل من تكلّم بمصر في ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية، فأنكر عليه عبد اللّه بن عبد الحكم - وكان رئيس مصر، ومن جلّة أصحاب مالك - وأنّه أحدث علما لم يتكلّم فيه السّلف، ورماه بالزّندقة، فدعاه أمير مصر وسأله عن اعتقاده، فتكلّم، فرضي أمره، وكتب به إلى المتوكّل، فأمر بإحضاره، فحمل على البريد، فلمّا سمع كلامه أولع به وأحبّه وأكرمه، حتّى كان يقول: إذا ذكر الصالحون فحيّهلا بذي النّون. كان المتوكّل بايع بولاية العهد لابنه المنتصر، ثم المعتزّ، ثم المؤيّد، ثم إنّه أراد تقديم المعتز لأمّه، فسأل المنتصر أن ينزل عن العهد، فأبى، فكان يحضره مجلس العامّة، ويحطّ منزلته ويتهدّده ويشتمه ويتوعّده؛ واتّفق أنّ التّرك انحرفوا عن المتوكّل لأمور، فاتّفق الأتراك مع المنتصر على قتل أبيه، فدخل عليه خمسة وهو في جوف اللّيل في مجلس لهوه، فقتلوه هو ووزيره الفتح بن خاقان، وذلك في خامس شوّال سنة سبع وأربعين ومائتين. ورؤى في النوم فقيل له: ما فعل اللّه بك؟ قال: غفر لي بقليل من السّنّة أحييتها. ولمّا قتل رثته الشّعراء؛ ومن ذلك قول يزيد المهلّبي (١): [من البسيط] جاءت منيّته والعين هاجعة … هلاّ أتته المنايا والقنا قصد خليفة لم ينل ما ناله أحد … ولم يصغ مثله روح ولا جسد وكان من حظاياه وصيفة تسمّى محبوبة، شاعرة عالمة بصنوف العلم عوّادة؛ فلمّا قتل ضمّت إلى بغا الكبير، فأمر بها يوما للمنادمة، فجلست منكّسة، فقال: غنّي؛ فاعتلّت، فأقسم عليها وأمر بالعود، فوضع في حجرها، فغنّت ارتجالا (٢)

стр. 405

: [من مجزوء الخفيف] أيّ عيش يلذّ لي … لا أرى فيه جعفرا؟ ملك قد رأيته … في نجيع معفّرا كلّ من كان ذا هيا … م وسقم فقد برا غير محبوبة الّتي … لو ترى الموت يشترى لاشترته بما حوت … هـ يداها لتقبرا إنّ موت الحزين أط … يب من أن يعمّرا فغضب بغا، وأمر بها فسجنت، فكان آخر العهد بها. ومن الغرائب أنّ المتوكّل قال للبحتري: قل فيّ شعرا وفي الفتح بن خاقان، فإنّي أحب أن يحيا معي، ولا أفقده فيذهب عيشي، ولا يفقدني؛ فقل في هذا المعنى، فقال (١): [من الخفيف] سيّدي أنت كيف أخلفت وعدي … وتثاقلت عن وفاء بعهدي (٢)؟ لا أرتني الأيّام فقدك يا فت … ح ولا عرّفتك ما عشت فقدي أعظم الرّزء أن تقدّم قبلي … ومن الرّزء أن تؤخّر بعدي حذرا أن تكون إلفا لغيري … إذ تفرّدت بالهوى فيك وحدي فقتلا معا كما تقدم. ومن أخبار المتوكّل: أخرج ابن عساكر (٣)، أنّ المتوكّل رأى في النّوم كأنّ سكّرا سليمانيّا سقط عليه من السّماء مكتوبا عليه «جعفر المتوكّل على اللّه» فلمّا بويع خاض النّاس في تسميته، فقال بعضهم: نسمّيه «المنتصر»، فحدّث المتوكّل أحمد بن أبي دواد بما رأى في منامه، فوجده موافقا فأمضى، وكتب به إلى الآفاق.

стр. 406

وأخرج عن هشام بن عمّار قال (١): سمعت المتوكّل يقول: وا حسرتا على محمد بن إدريس الشّافعي، كنت أحبّ أن أكون في أيّامه فأراه وأشاهده، وأتعلّم منه، فإنّي رأيت رسول اللّه ﷺ في المنام وهو يقول: «يا أيّها النّاس، إنّ محمد بن إدريس المطّلبي قد صار إلى رحمة اللّه، وخلّف فيكم علما حسنا، فاتّبعوه تهدوا» ثم قال: اللّهم ارحم محمد بن إدريس رحمة واسعة، وسهّل عليّ حفظ مذهبه، وانفعني بذلك. قلت: استفدنا من هذا أنّ المتوكّل كان متمذهبا بمذهب الشّافعيّ، وهو أوّل من تمذهب له من الخلفاء. وأخرج عن أحمد بن علي البصريّ قال (١): وجّه المتوكّل إلى أحمد بن المعذّل وغيره من العلماء، فجمعهم في داره، ثم خرج عليهم، فقام النّاس كلّهم له غير أحمد بن المعذّل، فقال المتوكّل لعبيد اللّه: إنّ هذا لا يرى بيعتنا؟ فقال له: بلى يا أمير المؤمنين، ولكن في بصره سوء؛ فقال أحمد بن المعذّل: يا أمير المؤمنين ما في بصري سوء، ولكن نزّهتك من عذاب اللّه؛ قال النّبيّ ﷺ : «من أحبّ أن تمثّل له الرّجال قياما فليتبوّأ مقعده من النّار»، فجاء المتوكل فجلس إلى جنبه. وأخرج عن يزيد المهلّبي قال (٢): قال لي المتوكّل: يا مهلّبيّ، إنّ الخلفاء كانت تتصعّب على الرّعيّة لتطيعها، وأنا ألين لهم ليحبّوني ويطيعوني. واخرج عن عبد الأعلى بن حمّاد النّرسي قال (٢): دخلت على المتوكّل، فقال: يا أبا يحيى، ما أبطأك عنّا! منذ ثلاث لم نرك، كنّا هممنا لك بشيء، فصرفناه إلى غيرك؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، جزاك اللّه عن هذا الهمّ خيرا، ألا أنشدك بهذا المعنى بيتين؟ قال: بلى، فأنشدته: [من البسيط] لأشكرنّك معروفا هممت به … إنّ اهتمامك بالمعروف معروف

стр. 407

ولا ألومك إذ لم يمضه قدر … فالرّزق بالقدر المحتوم مصروف فأمر لي بألف دينار. وأخرج عن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي قال (١): دخلت على المتوكّل لمّا توفيّت أمّه، فقال: يا جعفر، ربّما قلت البيت الواحد، فإذا جاوزته خلطت، وقد قلت: [من الطويل] [تذكّرت لمّا فرّق الدّهر بيننا … فعزّيت نفسي بالنّبيّ محمّد فأجازه بعض من حضر المجلس: وقلت له: إنّ المنايا سبيلنا … فمن لم يمت في يومه مات في غد] وأخرج عن الفتح بن خاقان قال (٢): دخلت يوما على المتوكّل، فرأيته مطرقا متفكّرا، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما هذا الفكر؟ فو اللّه ما على ظهر الأرض أطيب منك عيشا، ولا أنعم منك [بالا] فقال: يا فتح أطيب عيشا منّي رجل له دار واسعة، وزوجة صالحة، ومعيشة حاضرة، لا يعرفنا فنؤذيه، ولا يحتاج إلينا فنزدريه. وأخرج عن أبي العيناء قال (٣): أهديت إلى المتوكّل جارية شاعرة اسمها فضل، فقال لها: أشاعرة أنت؟ قالت: هكذا زعم من باعني واشتراني؛ فقال: أنشدينا شيئا من شعرك؛ فأنشدته: [من السريع] استقبل الملك إمام الهدى … عام ثلاث وثلاثينا خلافة أفضت إلى جعفر … وهو ابن سبع بعد عشرينا إنّا لنرجو يا إمام الهدى … أن تملك الملك ثمانينا لا قدّس اللّه امرءا لم يقل … عند دعائي لك: آمينا وأخرج عن عليّ بن الجهم قال (٤): أهدي إلى المتوكّل جارية يقال لها محبوبة،

стр. 408

قد نشأت بالطّائف، وتعلّمت الأدب، وروت الأشعار، فأغري المتوكّل بها، ثم إنه غضب عليها، ومنع جواري القصر من كلامها؛ فدخلت عليه يوما، فقال لي: قد رأيت محبوبة في منامي كأنّي قد صالحتها وصالحتني؛ فقلت: خيرا يا أمير المؤمنين؛ فقال: قم بنا لننظر ما هي عليه؛ فقمنا حتّى أتينا حجرتها، فإذا هي تضرب على العود وتقول: [من المنسرح] أدور في القصر لا أرى أحدا … أشكو إليه ولا يكلّمني حتّى كأنّي أتيت معصية … ليست لها توبة تخلّصني فهل شفيع لنا إلى ملك … قد زارني في الكرى وصالحني؟ حتّى إذا ما الصّباح لاح لنا … عاد إلى هجره فصار مني فصاح المتوكّل، فخرجت، فأكبّت على رجليه تقبّلهما، فقالت: يا سيّدي، رأيتك في ليلتي هذه كأنّك قد صالحتني؛ قال: وأنا واللّه قد رأيتك؛ فردّها إلى مرتبتها؛ فلمّا قتل المتوكّل صارت إلى بغا، وذكر الأبيات السابقة. وأخرج عن يحيى بن البحتري [لأبيه] يمدح المتوكّل فيما رفع من المحنة، ويهجو ابن أبي دواد بقوله (١): [من الوافر] أمير المؤمنين لقد سكنّا … إلى أيّامك الغرّ الحسان رددت الدّين فذّا بعد أن قد … أراه فرقتين تخاصمان قصمت الظّالمين بكلّ أرض … فأضحى الظّلم مجهول المكان وفي سنة رمت متجبّريهم … على قدر بداهية عوان فما أبقت من ابن أبي دواد … سوى جسد يخاطب بالمعاني تحيّر فيه سابور بن سهل … فطاوله ومنّاه الأماني إذا أصحابه اصطبحوا بليل … أطالوا الخوض في خلق القرآن

стр. 409

وأخرج (١) عن [صالح بن] أحمد بن حنبل قال: سهرت ليلة ثم نمت، فرأيت في نومي كأنّ رجلا يعرج بي إلى السّماء، وقائلا يقول: [من الكامل] ملك يقاد إلى مليك عادل … متفضّل في العفو ليس بجائر ثم أصبحنا فجاء نعيّ المتوكّل من سرّ من رأى إلى بغداد. وأخرج (٢) عن عمرو بن شيبان الجهنيّ، قال: رأيت في اللّيلة التي قتل فيها المتوكّل في المنام قائلا يقول: [من الطويل] يا نائم العين في أوطار جثمان … أفض دموعك يا عمرو بن شيبان أما ترى الفئة الأرجاس ما فعلوا … بالهاشميّ وبالفتح بن خاقان؟ وافى إلى اللّه مظلوما تضجّ له … أهل السّماوات من مثنى ووحدان وسوف يأتيكم أخرى مسوّمة … توقّعوها لها شأن من الشّان فابكوا على جعفر وارثوا خليفتكم … فقد بكاه جميع الإنس والجان ثم رأيت المتوكّل في النّوم بعد أشهر، فقلت: ما فعل اللّه بك؟ قال: غفر لي بقليل من السّنّة أحييتها؛ قلت: فما تصنع ههنا؟ قال: أنتظر محمدا ابني أخاصمه إلى اللّه. فصل أحاديث من رواية المتوكّل قال الخطيب (٣): أخبرنا أبو الحسين الأهوازي، حدّثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم القاضي، حدّثنا محمد بن هارون الهاشمي، حدّثنا محمد بن شجاع الأحمر قال: سمعت المتوكّل يحدّث عن يحيى بن أكثم، عن محمد بن عبد الوهاب (٤)، عن

стр. 410

سفيان، عن الأعمش، عن موسى بن عبد اللّه بن يزيد، عن عبد الرّحمن بن هلال، عن جرير بن عبد اللّه، عن النّبيّ ﷺ قال: «من حرم الرّفق حرم الخير». أخرجه الطّبراني في «معجمه الكبير» من وجه آخر عن جرير. وقال ابن عساكر: أخبرنا نصر بن أحمد بن مقاتل السّوسيّ، حدّثني جدّي أبو محمد، حدّثنا أبو علي الحسين بن علي الأهوازي، حدّثنا أبو محمد عبد اللّه بن عبد الرّحمن بن محمد الأزدي، حدّثنا أبو الطّيّب محمد بن جعفر بن داران غندر، حدثنا هارون بن عبد العزيز بن أحمد العبّاسي، حدّثنا أحمد بن الحسن المقرئ البزّار، حدّثنا أبو عبد اللّه محمد بن عيسى الكسائي وأحمد بن زهير وإسحاق بن إبراهيم بن إسحاق، فقالوا: حدّثنا عليّ بن الجهم قال: كنت عند المتوكّل فتذاكروا عنده الجمال، فقال: إنّ حسن الشّعر لمن الجمال. ثم قال: حدّثني المعتصم، حدّثني المأمون، حدّثنا الرّشيد، حدّثنا المهدي، حدّثنا المنصور، عن أبيه عن جدّه عن ابن عبّاس، قال: كانت لرسول اللّه ﷺ جمّة إلى شحمة أذنيه، كأنّها نظام اللّؤلؤ، وكان من أجمل النّاس، وكان أسمر رقيق اللّون، لا بالطّويل ولا بالقصير؛ وكان لعبد المطّلب جمّة إلى شحمة أذنيه، وكان لهاشم جمّة إلى شحمة أذنيه. قال عليّ بن الجهم: وكان للمتوكّل جمّة إلى شحمة أذنيه؛ وقال لنا المتوكل: كان للمعتصم جمّة، وكذلك للمأمون، والرّشيد، والمهدي، والمنصور، ولأبيه محمد، ولجدّه عليّ، ولأبيه عبد اللّه بن عبّاس. قلت: هذا الحديث مسلسل من ثلاثة أوجه؛ بذكر الجمّة والآباء وبالخلفاء؛ ففي إسناده ستّ خلفاء. * * * مات في أيّام خلافة المتوكّل من الأعلام: أبو ثور، والإمام أحمد بن حنبل، وإبراهيم بن المنذر الحزامي، وإسحاق بن راهويه، وإسحاق النّديم (١)، وروح

стр. 411

المقرئ، وزهير بن حرب، وسحنون، وسليمان الشّاذ كوني، وأبو مسعود العسكري، وأبو جعفر النّفيلي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأخوه، وديك الجنّ الشّاعر، وعبد الملك بن حبيب إمام المالكيّة، وعبد العزيز بن يحيى الغول أحد أصحاب الشّافعي، وعبيد اللّه بن عمر القواريري، وعليّ بن المديني، ومحمد بن عبد اللّه بن نمير، ويحيى بن معين، ويحيى بن بكير، ويحيى بن يحيى، ويوسف الأزرق المقرئ، وبشر بن الوليد الكندي المالكي، وابن أبي دواد ذاك الكلب لا ﵀، وأبو بكر الهذلي العلاّف، شيخ الاعتزال ورأس أهل الضّلال، وجعفر بن حرب من كبار المعتزلة، وابن كلاّب المتكلّم، والقاضي يحيى بن أكثم، والحارث المحاسبي، وحرملة صاحب الشّافعي، وابن السّكّيت، وأحمد بن منيع، وذو النّون المصري الزّاهد، وأبو تراب النّخشبي، وأبو عمر الدّوري المقرئ، ودعبل الشّاعر، وأبو عثمان المازني النّحوي، وخلائق آخرون. * * *

стр. 412

المنتصر باللّه محمد، أبو جعفر (٣) المنتصر باللّه: محمد، أبو جعفر - وقيل أبو عبد اللّه - بن المتوكّل بن المعتصم بن الرّشيد. أمّه أمّ ولد روميّة، اسمها حبشيّة. وكان مليح الوجه، أسمر، أعين، أقنى، ربعة، جسيما، بطينا، مليحا، مهيبا، وافر العقل، راغبا في الخير، قليل الظّلم، محسنا إلى العلويّين، وصولا لهم، أزال عن آل أبي طالب ما كانوا فيه من الخوف والمحنة بمنعهم من زيارة قبر الحسين، وردّ على آل الحسين فدك، فقال يزيد المهلّبي في ذلك (١): [من الكامل] ولقد بررت الطالبيّة بعد ما … ذمّوا زمانا بعدها وزمانا ورددت ألفة هاشم فرأيتهم … بعد العداوة بينهم إخوانا بويع له بعد قتل أبيه في شوال، سنة سبع وأربعين ومائتين، فخلع أخويه المعتزّ والمؤيّد من ولاية العهد الذي عقده لهما المتوكّل بعده، وأظهر العدل والإنصاف في الرّعيّة، فمالت إليه القلوب مع شدّة هيبتهم له، وكان كريما حليما. ومن كلامه (٢): لذّة العفو أعذب من لذّة التّشفّي، وأقبح أفعال المقتدر الانتقام. ولمّا ولي صار يسبّ الأتراك ويقول: هؤلاء قتلة الخلفاء؛ فعملوا عليه، وهمّوا به، فعجزوا عنه لأنّه كان مهيبا، شجاعا، فطنا، متحرّزا، فتحيّلوا إلى أن دسّوا إلى

стр. 413

طبيبه ابن طيفور (١) ثلاثين ألف دينار في مرضه، فأشار بفصده ثم فصده بريشة مسمومة فمات. ويقال: إن ابن طيفور (١) نسي ذلك ومرض، فأمر غلامه ففصده بتلك الرّيشة، فمات أيضا. وقيل: بل سمّ في كمثّراة. وقيل: مات بالخوانيق. ولمّا احتضر قال: يا أمّاه، ذهبت منّي الدّنيا والآخرة، عاجلت أبي فعوجلت. مات في خامس ربيع الآخر، سنة ثمان وأربعين، عن ستّ وعشرين سنة أو دونها، فلم يمتّع بالخلافة إلاّ أشهرا معدودة دون ستّة أشهر. وقيل (٢): إنّه جلس في بعض الأيّام للّهو، وقد استخرج من خزائن أبيه فرشا، فأمر بفرشها في المجلس فرأى في بعض البسط دائرة فيها فارس وعليه تاج وحوله كتابة فارسيّة، فطلب من يقرأ ذلك، فأحضر رجل، فنظره، فقطّب، فقال: ما هذه؟ قال: لا معنى لها؛ فألح عليه، فقال: أنا شيرويه بن كسرى بن هرمز، قتلت أبي فلم أتمتّع بالملك إلاّ ستّة أشهر؛ فتغيّر وجه المنتصر، وأمر بإحراق البساط، وكان منسوجا بالذهب. وفي «لطائف المعارف» للثّعالبي (٣): أعرق الخلفاء في الخلافة المنتصر، فإنّه هو وآباؤه الخمسة خلفاء، وكذلك أخواه المعتزّ والمعتمد. قلت: أعرق منه المستعصم الذي قتله التّتار، فإن آباءه الثمانية خلفاء.

стр. 414

قال الثّعالبي (١): ومن العجائب أن أعرق الأكاسرة في الملك - وهو شيرويه - قتل أباه فلم يعش بعده إلاّ ستّة أشهر، وأعرق الخلفاء في الخلافة - وهو المنتصر - قتل أباه فلم يمتّع بعده سوى ستّة أشهر. * * *

стр. 415

المستعين باللّه أبو العبّاس (٢) المستعين باللّه: أبو العبّاس، أحمد بن المعتصم بن الرّشيد؛ وهو أخو المتوكّل. ولد سنة إحدى وعشرين ومائتين؛ وأمّه أمّ ولد اسمها مخارق. وكان مليحا، أبيض، بوجه أثر جدريّ، ألثغ. ولمّا مات المنتصر اجتمع القوّاد وتشاوروا وقالوا: متى ولّيتم أحدا من أولاد المتوكّل لا يبقي منّا باقية، فقالوا: مالها إلاّ أحمد بن المعتصم، ولد أستاذنا؛ فبايعوه وله ثمان وعشرون سنة، واستمرّ إلى أوّل سنة إحدى وخمسين، فتنكّر له الأتراك لمّا قتل وصيفا وبغا، ونفى باغر التركي الذي فتك بالمتوكّل. ولم يكن للمستعين مع وصيف وبغا أمر حتّى قيل في ذلك (١): [من الرجز] خليفة في قفص … بين وصيف وبغا يقول ما قالا له … كما تقول الببّغا ولمّا تنكّر له الأتراك خاف، وانحدر من سامرّا إلى بغداد، فأرسلوا إليه يعتذرون ويخضعون له ويسالونه الرّجوع؛ فامتنع، فقصدوا الحبس، وأخرجوا المعتزّ باللّه وبايعوه، وخلعوا المستعين، ثم جهّز المعتز جيشا كثيفا لمحاربة المستعين، واستعدّ أهل بغداد للقتال مع المستعين، فوقعت بينهما وقعات، ودام القتال أشهرا وكثر

стр. 416

القتل، وغلت الأسعار، وعظم البلاء، وانحلّ أمر المستعين، فسعوا في الصّلح على خلع المستعين، وقام في ذلك إسماعيل القاضي وغيره بشروط مؤكّدة، فخلع المستعين نفسه في أوّل سنة اثنتين وخمسين، وأشهد عليه القضاة وغيرهم فأحدر إلى واسط، فأقام بها تسعة أشهر محبوسا موكّلا به أمين، ثم ردّ إلى سامرّا، وأرسل المعتزّ إلى أحمد بن طولون أن يذهب إلى المستعين فيقتله، فقال: واللّه لا أقتل أولاد الخلفاء؛ فندب له سعيد الحاجب، فذبحه في ثالث شوّال من السّنة، وله إحدى وثلاثون سنة. وكان خيّرا، فاضلا، بليغا، أديبا؛ وهو أوّل من أحدث لبس الأكمام الواسعة، فجعل عرضها نحو ثلاثة أشبار، وصغّر القلانس وكانت قبله طوالا. * * * مات في أيّامه من الأعلام: عبد بن حميد، وأبو الطّاهر بن السّرح، والحارث بن مسكين، والبزّى المقرئ، وأبو حاتم السّجستاني، والجاحظ، وآخرون. * * *

стр. 417

المعتز باللّه محمد (١) المعتزّ باللّه: محمد - وقيل الزّبير - أبو عبد اللّه، بن المتوكّل بن المعتصم بن الرّشيد. ولد سنة اثنتين وثلاثين ومائتين. وأمّه أمّ ولد روميّة تسمّى قبيحة. وبويع له عند خلع المستعين، في سنة اثنتين وخمسين، وله تسع عشرة سنة؛ ولم يل الخلافة قبله أحد أصغر منه. وكان بديع الحسن؛ قال عليّ بن حرب - أحد شيوخ ابن المعتزّ في الحديث: ما رأيت خليفة أحسن منه؛ وهو أوّل خليفة أحدث الرّكوب بحلية الذّهب، وكان الخلفاء قبل يركبون بالحلية الخفيفة من الفضّة. وأوّل سنة تولّى مات أشناس الذي كان الواثق استخلفه على السّلطنة، وخلّف خمسمائة ألف دينار، فأخذها المعتزّ، وخلع خلعة الملك على محمد بن عبد اللّه بن طاهر، وقلّده سيفين، ثم عزله، وخلع خلعة الملك على أخيه - أعني أخا المعتزّ أبا أحمد - وتوّجه بتاج من ذهب، وقلنسوة مجوهرة، ووشاحين مجوهرين، وقلّده سيفين ثم عزله من عامه ونفاه إلى واسط، وخلع على بغا الشّرابي، وألبسه تاج الملك؛ فخرج على المعتزّ بعد سنة فقتل وجيء إليه برأسه. وفي رجب من هذه السّنة خلع المعتزّ أخاه المؤيّد من العهد، وضربه وقيّده، فمات بعد أيّام، فخشي المعتزّ أن يتحدّث عنه أنّه قتله أو احتال عليه، فأحضر القضاة حتّى شاهدوه وليس به أثر.

стр. 418

وكان المعتزّ مستضعفا مع الأتراك، فاتّفق أنّ جماعة من كبارهم أتوه وقالوا: يا أمير المؤمنين، أعطنا أرزاقنا لنقتل صالح بن وصيف؛ وكان المعتزّ يخاف منه، فطلب من أمّه مالا لينفقه فيهم، فأبت عليه وشحّت نفسها، ولم يكن بقي في بيوت المال شيء، فاجتمع الأتراك على خلعه، ووافقهم صالح بن وصيف، ومحمد بن بغا، فلبسوا السّلاح وجاءوا إلى دار الخلافة، فبعثوا إلى المعتزّ أن اخرج إلينا، فبعث يقول: قد شربت دواء وأنا ضعيف؛ فهجم عليه جماعة، وجرّوا برجله وضربوه بالدّبابيس، وأقاموه في الشّمس في يوم صائف، وهم يلطمون وجهه ويقولون: اخلع نفسك؛ ثم أحضروا القاضي ابن أبي الشّوارب والشّهود وخلعوه، ثم أحضروا من بغداد إلى دار الخلافة - وهي يومئذ سامرّا - محمد بن الواثق، وكان المعتزّ قد أبعده إلى بغداد، فسلّم المعتزّ إليه الخلافة، وبايعه؛ ثم إنّ الملأ أخذوا المعتز بعد خمس ليال من خلعه، فأدخلوه الحمّام، فلمّا اغتسل عطش، فمنعوه الماء، ثم أخرج - وهو أوّل ميّت مات عطشا (١) - فسقوه ماء بثلج، فشربه وسقط ميّتا، وذلك في شهر شعبان المعظّم سنة خمس وخمسين ومائتين، واختفت أمّه قبيحة، ثم ظهرت في رمضان، وأعطت صالح بن وصيف مالا عظيما، من ذلك ألف ألف دينار وثلاثمائة ألف دينار، وسفط فيه مكّوك زمرّد، وسفط فيه لؤلؤ حبّ كبار، وكيلجة ياقوت أحمر، وغير ذلك، فقوّمت السّفاط بألفي ألف دينار، فلمّا رأى ابن وصيف ذلك قال: قبّحها اللّه! عرّضت ابنها للقتل لأجل خمسين ألف دينار وعندها هذا؛ فأخذ الجميع ونفاها إلى مكّة، فبقيت بها إلى أن تولّى المعتمد، فردّها إلى سامرّا، وماتت سنة أربع وستّين. * * * مات في أيّام المعتزّ من الأعلام: سريّ السّقطي الزّاهد، وهارون بن سعيد الأيلي، الدّارمي صاحب «المسند»، والعتبيّ صاحب «المسائل العتبيّة» في مذهب مالك، وآخرون، رحمهم اللّه تعالى. * * *

стр. 419

المهتدي باللّه (٤) المهتدي باللّه الخليفة الصّالح: محمد، أبو اسحاق - وقيل: أبو عبد اللّه - ابن الواثق بن المعتصم بن الرّشيد. أمّه أمّ ولد تسمّى قرب (١). ولد في خلافة جدّه سنة بضع عشرة ومائتين. وبويع بالخلافة لليلة بقيت من رجب، سنة خمس وخمسين ومائتين. وما قبل بيعته أحد حتّى أتى بالمعتزّ، فقام المهتدي له وسلّم عليه بالخلافة، وجلس بين يديه، فجيء بالشّهود فشهدوا على المعتزّ أنّه عاجز عن الخلافة، فاعترف بذلك، ومدّ يده فبايع المهتدي، فارتفع حينئذ المهتدي إلى صدر المجلس. وكان المهتدي أسمر، رقيقا، مليح الوجه، ورعا، متعبّدا، عادلا، قويّا في أمر اللّه، بطلا، شجاعا، لكنّه لم يجد ناصرا ولا معينا. قال الخطيب (٢): لم يزل صائما منذ ولي إلى أن قتل. وقال هاشم بن القاسم (٣): كنت بحضرة المهتدي عشيّة في رمضان، فوثبت لأنصرف، فقال لي: اجلس؛ فجلست، وتقدّم فصلّى بنا، ثم دعا بالطّعام، فأحضر طبق خلاف وعليه رغيف من الخبر النّقيّ، وفيه آنية فيها ملح وخلّ وزيت، فدعاني إلى الأكل، فابتدأت آكل ظانّا أنّه سيؤتى بطعام، فنظر إليّ وقال: ألم تك صائما؟ قلت: بلى، قال: أفلست عازما على الصّوم؟ فقلت: كيف لا، وهو رمضان؟

стр. 420

فقال: كل واستوف فليس ههنا من الطّعام غير ما ترى؛ فعجبت، ثم قلت: ولم يا أمير المؤمنين وقد أسبغ اللّه نعمته عليك؟ فقال: إنّ الأمر ما وصفت، ولكنّي فكّرت في أنّه كان في بني أميّة عمر بن عبد العزيز - وكان من التّقلّل والتّقشّف على ما بلغك - فغرت على بني هاشم؛ فأخذت نفسي بما رأيت. وقال جعفر بن عبد الواحد (١): ذاكرت المهتدي بشيء، فقلت له: كان أحمد بن حنبل يقول به، ولكنّه كان يخالف - أشير إلى من مضى من آبائه - فقال: رحم اللّه أحمد بن حنبل؛ واللّه لو جاز لي أن أتبرّأ من أبي لتبرّأت منه؛ ثم قال لي: تكلّم بالحقّ وقل به، فإنّ الرّجل ليتكلّم بالحقّ فينبل في عيني. وقال نفطويه (٢): حدّثني بعض الهاشميين، أنّه وجد للمهتدي سفط فيه جبّة صوف وكساء كان يلبسه باللّيل ويصلّي فيه، وكان قد اطّرح الملاهي، وحرّم الغناء، وحسم أصحاب السّلطان عن الظّلم، وكان شديد الإشراف على أمر الدّواوين، يجلس بنفسه، ويجلس الكتّاب بين يديه، فيعملون الحساب، وكان لا يخلّ بالجلوس الاثنين والخميس، وضرب جماعة من الرّؤساء، ونفى جعفر بن محمود إلى بغداد، وكره مكانه؛ لأنّه نسب عنده إلى الرّفض. وقدم (٣) موسى بن بغا من الرّيّ يريد سامرّا لقتل صالح بن وصيف بدم المعتزّ وأخذ أموال أمّه، ومعه جيشه، فصاحت العامّة على ابن وصيف: يا فرعون قد جاءك موسى؛ فطلب موسى بن بغا الإذن على المهتدي، فلم يأذن له، فهجم بمن معه عليه - وهو جالس في دار العدل - فأقاموه، وحملوه على فرس ضعيفة، وانتهبوا القصر، وأدخلوا المهتدي إلى دار ناجود وهو يقول: يا موسى اتّق اللّه، ويحك! ما تريد؟ قال: واللّه ما نريد إلاّ خيرا، فاحلف لنا أن لا تمالئ صالح بن وصيف، فحلف لهم، فبايعوه حينئذ ثم طلبوا صالحا ليناظروه على أفعاله، فاختفى، وندبهم المهتدي إلى الصّلح فاتّهموه أنّه يدري مكانه، فجرى في ذلك كلام، ثم تكلّموا في خلعه، فخرج

стр. 421

إليهم المهتدي من الغد متقلّدا بسيفه، فقال: قد بلغني شأنكم، ولست كمن تقدّمني مثل المستعين والمعتزّ، واللّه ما خرجت إليكم إلاّ وأنا متحنّط، وقد أوصيت، وهذا سيفي، واللّه لأضربنّ به ما استمسكت قائمته بيدي، أما دين، أما حياء، أما رعة؟ لم يكون الخلاف على الخلفاء والجرأة على اللّه؟ ثم قال: ما أعلم علم صالح؛ فرضوا وانفضّوا، ونادى موسى بن بغا: من جاء بصالح فله عشرة آلاف دينار، فلم يظفر به أحد، واتّفق أنّ بعض الغلمان دخل زقاقا وقت الحرّ، فرأى بابا مفتوحا، فدخل فمشى في دهليز مظلم، فرأى صالحا نائما فعرفه - وليس عنده أحد - فجاء إلى موسى فأخبره، فبعث جماعة فأخذوه وقطعت رأسه وطيف به، وتألّم المهتدي لذلك في الباطن، ثم رحل موسى ومعه بايكباك (١) إلى السّنّ في طلب مساور، فكتب المهتدي إلى بايكباك (١) أن يقتل موسى ومفلحا - أحد الأمراء الأتراك أيضا - أو يمسكهما، ويكون هو الأمير على الأتراك كلّهم، فأوقف بايكباك (١) موسى على كتابه، وقال: إنّي لست أفرح بهذا، وإنّما هذا يعمل علينا كلّنا؛ فاجمعوا على قتل المهتدي، وساروا إليه، فقاتل عن المهتدي المغاربة، والفراغنة، والأشروسنيّة، وقتل من الأتراك في يوم أربعة آلاف، ودام القتال إلى أن هزم جيش الخليفة، وأمسك هو فعصر على خصيتيه فمات، وذلك في رجب سنة ست وخمسين؛ فكانت خلافته سنة إلاّ خمسة عشر يوما. وكان لمّا قامت الأتراك عليه ثار العوامّ، وكتبوا رقاعا وألقوها في المساجد: يا معشر المسلمين، ادعوا اللّه لخليفتكم العدل الرّضا المضاهي لعمر بن عبد العزيز أن ينصره اللّه على عدوّه. * * *

стр. 422

المعتمد على اللّه، أبو العبّاس (١) المعتمد على اللّه، أبو العبّاس - وقيل: أبو جعفر - أحمد بن المتوكّل بن المعتصم بن الرّشيد. ولد سنة تسع وعشرين ومائتين. وأمّه روميّة اسمها فتيان. ولمّا قتل المهتدي كان المعتمد محبوسا بالجوسق، فأخرجوه وبايعوه، ثم إنّه استعمل أخاه الموفّق طلحة على المشرق، وصيّر ابنه جعفرا وليّ عهده، وولاّه مصر والمغرب، ولقّبه المفوّض إلى اللّه، وانهمك المعتمد في اللّهو واللّذات، واشتغل عن الرّعيّة، فكرهه النّاس، وأحبّوا أخاه طلحة. وفي أيّامه دخلت الزّنج البصرة وأعمالها وأخربوها، وبذلوا السّيف وأحرقوا وخرّبوا وسبوا، وجرى بينهم وبين عسكره عدّة وقعات وأمير عسكره في أكثرها الموفّق أخوه. وأعقب ذلك الوباء الذي لا يكاد يتخلّف عن الملاحم بالعراق، فمات خلق لا يحصون. ثم أعقبه هدّات وزلازل، فمات تحت الرّدم ألوف من النّاس، واستمرّ القتال مع الزّنج من حين تولّى المعتمد سنة ستّ وخمسين إلى سنة سبعين.

стр. 423

فقتل فيها رأس الزّنج لعنه اللّه واسمه بهبوذ، وكان ادّعى أنّه أرسل إلى الخلق فردّ الرسالة، وأنّه مطّلع على المغيّبات!!. وذكر الصّولي أنّه قتل من المسلمين ألف ألف وخمسمائة ألف آدميّ، وقتل في يوم واحد بالبصرة ثلاثمائة ألف، وكان له منبر في مدينته يصعد عليه ويسبّ عثمان، وعليّا، ومعاوية، وطلحة، والزّبير، وعائشة، ﵃. وكان ينادي على المرأة العلويّة في عسكره بدرهمين وثلاثة، وكان عند الواحد من الزّنج العشر من العلويّات يطؤهنّ ويستخدمهنّ. ولمّا قتل هذا الخبيث دخل برأسه بغداد على رمح، وعملت قباب الزّينة، وضجّ النّاس بالدّعاء للموفّق، ومدحه الشّعراء، وكان يوما مشهودا، وأمن النّاس وتراجعوا إلى المدن التي أخذها، وهي كثيرة كواسط ورامهرمز. وفي سنة ستّين من أيّامه وقع غلاء مفرط بالحجاز والعراق، وبلغ كرّ الحنطة في بغداد مائة وخمسين دينارا؛ وفيها أخذت الرّوم بلد لؤلؤة. وفي سنة إحدى وستّين بايع المعتمد بولاية العهد بعهده لابنه المفوّض إلى اللّه جعفر، ثم من بعده لأخيه الموفّق طلحة، وولّى ولده المغرب، والشّام، والجزيرة، وأرمينية؛ وولّى أخاه المشرق، والعراق، وبغداد، والحجاز، واليمن، وفارس، وأصبهان. والرّيّ، وخراسان، وطبرستان، وسجستان، والسّند؛ وعقد لكل منهما لواءين: أبيض، وأسود، وشرط إن حدث به حدث أنّ الأمر لأخيه إن لم يكن ابنه جعفر قد بلغ، وكتب العهد وأنفذه مع قاضي القضاة ابن أبي الشّوارب ليعلّقه في الكعبة. وفي سنة ستّ وستّين وصلت عساكر الرّوم إلى ديار بكر، ففتكوا، وهرب أهل الجزيرة، والموصل. وفيها وثبت الأعراب على كسوة الكعبة فانتهبوها. وفي سنة سبع وستّين استولى أحمد بن عبد اللّه الخجستاني (١) على خراسان،

стр. 424

وكرمان، وسجستان، وعزم على قصد العراق، وضرب السّكّة باسمه، وعلى الوجه الآخر اسم المعتمد، وهذا محلّ الغرابة! ثم إنه في آخر السنة قتله غلمانه، فكفى اللّه شرّه. وفي سنة تسع وستّين اشتدّ تخيّل المعتمد من أخيه الموفّق؛ فإنّه كان خرج عليه في سنة أربع وستّين ثم اصطلحا، فلمّا اشتدّ تخيّله منه هذا العام كاتب المعتمد ابن طولون نائبه بمصر، واتّفقا على أمر، فخرج ابن طولون حتّى قدم دمشق، وخرج المعتمد من سامرّا على وجه التّنزّه، وقصده دمشق، فلمّا بلغ ذلك الموفّق كتب إلى إسحاق بن كنداج ليرده، فركب ابن كنداج من نصيبين إلى المعتمد، فلقيه بين الموصل والحديثة، فقال: يا أمير المؤمنين، أخوك في وجه العدوّ وأنت تخرج عن مستقرّك ودار ملكك، ومتى صحّ هذا عنده رجع عن مقاومة الخارجيّ، فيغلب عدوّك على ديار آبائك؛ في كلمات أخر، ثم وكّل بالمعتمد جماعة، ورسم على طائفة من خواصّه، ثم بعث إلى المعتمد يقول: ما هذا بمقام فارجع، فقال المعتمد: فاحلف لي أنّك تنحدر معي ولا تسلّمني: فحلف له، وانحدر إلى سامرّا فتلقاه صاعد بن مخلد كاتب الموفق، فسلّمه إسحاق إليه، فأنزله في دار أحمد بن الخصيب، ومنعه من نزول دار الخلافة، ووكّل به خمسمائة رجل يمنعون من الدّخول إليه؛ ولمّا بلغ الموفق ذلك بعث إلى إسحاق بخلع وأموال، وأقطعه ضياع القوّاد الذين كانوا مع المعتمد، ولقّبه ذا السّيفين (١)، ولقب صاعدا ذا الوزارتين، وأقام صاعد في خدمة المعتمد، ولكن ليس للمعتمد حلّ ولا ربط؛ وقال المعتمد في ذلك (٢): [من الوافر] أليس من العجائب أنّ مثلي … يرى ما قلّ ممتنعا عليه؟ وتؤخذ باسمه الدّنيا جميعا … وما من ذاك شيء في يديه إليه تحمل الأموال طرّا … ويمنع بعض ما يجبى إليه وهو أوّل خليفة قهر وحجر عليه ووكّل به. ثم أدخل المعتمد واسط، ولمّا بلغ ابن طولون ذلك جمع الفقهاء، والقضاة،

стр. 425

والأعيان، وقال: قد نكث الموفّق بأمير المؤمنين فاخلعوه من العهد، فخلعوه إلاّ القاضي بكّار بن قتيبة، فإنه قال: أنت أوردت عليّ من المعتمد كتابا بولايته العهد، فأورد عليّ كتابا آخر منه بخلعه؛ فقال: إنّه محجور عليه ومقهور؛ فقال: لا أدري؛ فقال ابن طولون: غرّك النّاس بقولهم: ما في الدّنيا مثل بكّار؟ أنت شيخ قد خرفت؛ وحبسه وقيّده وأخذ منه جميع عطاياه من سنين، فكانت عشرة آلاف دينار؛ فقيل: إنّها وجدت في بيت بكّار بختمها؛ وبلغ الموفق ذلك، فأمر بلعن ابن طولون على المنابر. ثم في شعبان من سنة سبعين أعيد المعتمد إلى سامرّا ودخل بغداد، ومحمد بن طاهر بين يديه بالحربة، والجيش في خدمته كأنّه لم يحجر عليه. ومات ابن طولون في هذه السنّة، فولّى الموفّق ابنه أبا العبّاس أعماله، وجهّزه إلى مصر في جنود العراق، وكان خمارويه بن أحمد بن طولون أقام على ولايات أبيه بعده، فوقع بينه وبين أبي العبّاس ابن الموفّق وقعة عظيمة بحيث جرت الأرض من الدماء، وكان النّصر للمصريّين. وفي هذه السنة انبثق ببغداد في نهر عيسى بثق، فجاء الماء إلى الكرخ فهدم سبعة آلاف دار. وفيها نازلت الرّوم طرسوس في مائة ألف، فكانت النّصرة للمسلمين، وغنموا ما لا يحصى، وكان فتحا عظيما عديم المثل. وفيها ظهرت دعوة المهدي عبيد اللّه بن عبيد جدّ بني عبيد خلفاء المصريّين الرّوافض في اليمن، وأقام على ذلك إلى سنة ثمان وسبعين، فحجّ تلك السّنة واجتمع بقبيلة من كتامة، فأعجبهم حاله، فصحبهم إلى مصر، ورأى منهم طاعة وقوة فصحبهم إلى المغرب؛ فكان ذلك أوّل شأن المهدي. وفي سنة إحدى وسبعين: قال الصّولي: ولي هارون بن إبراهيم الهاشميّ الحسبة، فأمر أهل بغداد أن يتعاملوا بالفلوس، فتعاملوا بها على كره ثم تركوها. وفي سنة ثمان وسبعين غار نيل مصر، فلم يبق منه شيء، وغلت الأسعار. وفيها مات الموفّق، واستراح منه المعتمد.
следующие страницы →