رسول اللّه ﷺ وخطبته النّاس وتسكينهم، ثم قيامه في قضيّة البيعة بمصلحة المسلمين، ثم اهتمامه وثباته في بعث جيش أسامة بن زيد إلى الشام وتصميمه في ذلك، ثم قيامه في قتال أهل الرّدّة ومناظرته للصّحابة حتّى حجّهم بالدّلائل، وشرح اللّه صدورهم لما شرح له صدره من الحق - وهو قتال أهل الرّدّة - ثم تجهيزه الجيوش إلى الشّام لفتوحه وإمدادهم [بالأمداد]، ثم ختم ذلك بمهمّ من أحسن مناقبه وأجلّ فضائله، وهو استخلافه على المسلمين عمر بن الخطاب ﵁ [وتفرسه فيه، ووصيته له، واستيداعه اللّه الأمّة، فخلفه اللّه فيهم أحسن الخلافة، وظهر لعمر الذي هو حسنة من حسناته وواحدة من فعلاته تمهيد الإسلام وإعزاز الدّين وتصديق وعد اللّه تعالى بأنه يظهره على الدّين كلّه]، وكم للصّدّيق من مواقف وأثر وفضائل لا تحصى؟ هذا كلام النّووي.
وأقول: قد أردت أن أبسط ترجمة الصّدّيق بعض البسط ذاكرا فيه جملة كثيرة ممّا وقفت عليه من حاله وأرتّب ذلك فصولا.
стр. 37
فصل في اسمه، ولقبه
تقدّمت الإشارة إلى ذلك.
قال ابن كثير: اتّفقوا على أن اسمه عبد اللّه بن عثمان، إلاّ ما روى ابن سعد (١) عن ابن سيرين أنّ اسمه عتيق، والصّحيح أنّه لقبه. ثم اختلف في وقت تلقيبه به وفي سببه، فقيل: لعتاقة وجهه - أي لجماله - قاله اللّيث بن سعد، وأحمد بن حنبل، وابن معين، وغيرهم. وقال أبو نعيم الفضل بن دكين: لقدمه في الخير، وقيل:
لعتاقه نسبه - أي: طهارته؛ إذ لم يكن في نسبه شيء يعاب به - وقيل: سمّي به أوّلا، ثم سمّي بعبد اللّه.
وروى الطّبرانيّ عن القاسم بن محمّد أنه سأل عائشة ﵂ عن اسم أبي بكر، فقالت: عبد اللّه، فقال: إنّ النّاس يقولون: عتيق، قالت: إنّ أبا قحافة كان له ثلاثة أولاد سمّاهم: عتيقا، ومعتقا، ومعيتقا.
وأخرج ابن منده، وابن عساكر (٢)، عن موسى بن طلحة، قال: قلت لأبي طلحة: لم سمّي أبو بكر عتيقا؟ قال: كانت أمّه لا يعيش لها ولد، فلما ولدته استقبلت به البيت، ثم قالت: اللّهم إنّ هذا عتيق من الموت، فهبه لي.
وأخرج الطّبراني عن ابن عبّاس قال: إنّما سمّي عتيقا لحسن وجهه.
وأخرج ابن عساكر (٣) عن عائشة ﵂ قالت: اسم أبي بكر الّذي سمّاه به أهله عبد اللّه، ولكن غلب عليه اسم عتيق، وفي لفظ آخر: ولكنّ النّبيّ ﷺ سمّاه عتيقا.
стр. 38
وأخرج أبو يعلى في «مسنده»، وابن سعد، والحاكم وصحّحه، عن عائشة ﵂ قالت (١): واللّه إنّي لفي بيتي ذات يوم ورسول اللّه ﷺ وأصحابه في الفناء، والسّتر بيني وبينهم إذ أقبل أبو بكر، فقال النّبيّ ﷺ : «من سرّه أن ينظر إلى عتيق من النّار فلينظر إلى أبي بكر»، وإنّ اسمه الذي سمّاه به أهله عبد اللّه، فغلب عليه اسم عتيق.
وأخرج التّرمذيّ والحاكم، عن عائشة ﵂ أنّ أبا بكر دخل على رسول اللّه ﷺ ، فقال: «يا أبا بكر، أنت عتيق اللّه من النّار» فمن يومئذ سمّي عتيقا.
وأخرج البزّار، والطّبرانيّ بسند جيّد عن عبد اللّه بن الزّبير، قال: كان اسم أبي بكر عبد اللّه، فقال له رسول اللّه ﷺ : «أنت عتيق اللّه من النّار» فسمّي عتيقا.
وأما الصّدّيق فقيل: كان يلقّب به في الجاهليّة؛ لما عرف منه من الصّدق؛ ذكره ابن مندة. وقيل: لمبادرته إلى تصديق رسول اللّه ﷺ فيما كان يخبر به.
قال ابن إسحاق، عن الحسن البصري وقتادة: وأوّل ما اشتهر به صبيحة الإسراء.
وأخرج الحاكم في «المستدرك» (٢) عن عائشة ﵂، قالت: جاء المشركون إلى أبي بكر، فقالوا: هل لك إلى صاحبك، يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس؟ قال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم، فقال: لقد صدق، إنّي لأصدّقه بأبعد من ذلك، بخبر السّماء غدوة وروحة؛ فلذلك سمّي أبو بكر الصديق.
قلت: إسناده جيد؛ وقد ورد ذلك من حديث أنس وأبي هريرة؛ أسندهما ابن عساكر؛ وأمّ هاني، أخرجه الطّبراني.
وقال سعيد بن منصور في «سننه»: حدّثنا أبو معشر عن أبي وهب مولى أبي هريرة، قال: لما رجع رسول اللّه ﷺ ليلة أسري به، فكان بذي طوى (٣)، قال:
стр. 39
«يا جبريل، إنّ قومي لا يصدّقوني» قال: يصدّقك أبو بكر، وهو الصّدّيق.
وأخرجه الطّبراني في «الأوسط» موصولا عن أبي وهب عن أبي هريرة.
وأخرج الحاكم في «المستدرك» عن النّزّال بن سبرة قال: قلنا لعليّ: يا أمير المؤمنين، أخبرنا عن أبي بكر، قال: ذاك امرؤ سمّاه اللّه الصّدّيق على لسان جبريل، وعلى لسان محمّد، كان خليفة رسول اللّه ﷺ على الصّلاة، رضيه لديننا فرضيناه لدنيانا.
إسناده جيّد.
وأخرج الدّارقطنيّ والحاكم عن أبي يحيى، قال: لا أحصي كم سمعت عليّا يقول على المنبر: إنّ اللّه سمّى أبا بكر على لسان نبيّه صدّيقا.
وأخرجه الطّبرانيّ بسند جيد صحيح، عن حكيم بن سعد قال: سمعت عليّا يقول ويحلف: لأنزل اللّه اسم أبي بكر؛ وفي حديث أحد «اسكن فإنّما عليك نبيّ، وصدّيق، وشهيدان».
وأمّ أبي بكر بنت عمّ أبيه، اسمها: سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب، وتكنى أمّ الخير؛ قاله الزّهريّ، أخرجه ابن عساكر.
فصل في مولده ومنشئه
ولد بعد مولد النبيّ ﷺ بسنتين وأشهر؛ فإنه مات وله ثلاث وستّون سنة.
قال ابن كثير: وأمّا ما أخرجه خليفة بن خيّاط، عن يزيد بن الأصمّ، أنّ النبيّ ﷺ قال لأبي بكر: أنا أكبر أو أنت؟ قال: أنت أكبر وأنا أسنّ منك؛ فهو مرسل غريب جدّا؛ والمشهور خلافه، وإنّما صحّ ذلك عن العبّاس (١).
وكان منشؤه بمكّة لا يخرج منها إلاّ لتجارة، وكان ذا مال جزيل في قومه،
стр. 40
ومروءة تامّة، وإحسان، وتفضّل فيهم، كما قال ابن الدّغنّة (١): إنّك لتصل الرّحم، وتصدق الحديث، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الدّهر، وتقرى الضّيف.
قال النّووي (٢): وكان من رؤساء قريش في الجاهليّة، وأهل مشاورتهم، ومحبّبا فيهم، ومألفا لهم، فلما جاء الإسلام آثره على ما سواه، ودخل فيه أكمل دخول.
وأخرج الزّبير بن بكّار وابن عساكر (٣) عن معروف بن خرّبوذ قال: إنّ أبا بكر الصّدّيق ﵁، أحد عشرة من قريش اتّصل لهم شرف الجاهلية بشرف الإسلام، فكان إليه أمر الدّيات والغرم، وذلك أنّ قريشا لم يكن لهم ملك ترجع الأمور كلّها إليه، بل كان في كلّ قبيلة ولاية عامة تكون لرئيسها؛ فكانت في بني هاشم السّقاية، والرّفادة. ومعنى ذلك أنّه لا يأكل أحد ولا يشرب إلاّ من طعامهم وشرابهم. وكانت في بني عبد الدّار: الحجابة، واللّواء، والنّدوة - أي: لا يدخل البيت أحد إلاّ بإذنهم، وإذا عقدت قريش راية حرب عقدها لهم بنو عبد الدّار، وإذا اجتمعوا لأمر إبراما أو نقضا لا يكون اجتماعهم لذلك إلاّ بدار النّدوة، ولا ينفذ إلاّ بها، وكانت لبني عبد الدار.
فصل كان أبو بكر ﵁ أعفّ النّاس في الجاهليّة
أخرج ابن عساكر بسند صحيح عن عائشة ﵂ قالت: واللّه ما قال أبو بكر شعرا قطّ في جاهليّة ولا إسلام (٤)، ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهليّة.
стр. 41
وأخرج أبو نعيم بسند جيّد عنها، قالت: لقد كان حرّم أبو بكر الخمر على نفسه في الجاهليّة.
وأخرج ابن عساكر عن عبد اللّه بن الزّبير قال: ما قال أبو بكر شعرا قط.
وأخرج ابن عساكر (١) عن أبي العالية الرّياحي، قال: قيل لأبي بكر الصّدّيق في مجمع من أصحاب رسول اللّه ﷺ : هل شربت الخمر في الجاهليّة؟ فقال:
أعوذ باللّه؛ فقيل: ولم؟ قال: كنت أصون عرضي، وأحفظ مروءتي، فإن من شرب الخمر كان مضيّعا لعرضه ومروءته، قال: فبلغ ذلك رسول اللّه ﷺ ، فقال: «صدق أبو بكر، صدق أبو بكر» مرتين.
مرسل غريب سندا ومتنا.
فصل في صفته ﵁
أخرج ابن سعد عن عائشة ﵂ أنّ رجلا قال لها: صفي لنا أبا بكر، فقالت: رجل أبيض، نحيف، خفيف العارضين، أجنأ (٢)، لا يستمسك إزاره يسترخى عن حقويه (٣)، معروق الوجه (٤)، غائر العينين، ناتئ الجبهة، عاري الأشاجع (٥). هذه صفته (٦).
وأخرج عن عائشة ﵂، أنّ أبا بكر كان يخضب بالحنّاء والكتم (٧).
стр. 42
وأخرج عن أنس قال: قدم رسول اللّه ﷺ المدينة وليس في أصحابه أشمط غير أبي بكر، فغلّفها بالحنّاء والكتم.
فصل في إسلامه ﵁
أخرج التّرمذي (١) وابن حبّان في «صحيحه» عن أبي سعيد الخدري، قال: قال أبو بكر: ألست أحقّ النّاس بها؟ - أي الخلافة - ألست أوّل من أسلم؟ ألست صاحب كذا؟ ألست صاحب كذا؟.
وأخرج ابن عساكر من طريق الحارث، عن عليّ ﵁، قال: أوّل من أسلم من الرّجال: أبو بكر.
وأخرج ابن أبي خيثمة بسند صحيح، عن زيد بن أرقم قال: أوّل من صلّى مع النّبي ﷺ أبو بكر الصّدّيق.
وأخرج ابن سعد عن أبي أروى الدّوسيّ الصّحابي ﵁، قال: أوّل من أسلم أبو بكر الصّدّيق.
وأخرج الطّبرانيّ في «الكبير»، وعبد اللّه بن أحمد في «زوائد الزّهد» عن الشّعبيّ قال: سألت ابن عبّاس: أيّ النّاس كان أوّل إسلاما؟ قال: أبو بكر الصّدّيق، ألم تسمع قول حسّان (٢): [من البسيط]
إذا تذكّرت شجوا من أخي ثقة … فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البريّة أتقاها وأعدلها … إلاّ النّبيّ وأوفاها بما حملا
والثّاني التّالي المحمود مشهده … وأوّل النّاس منهم صدّق الرّسلا
стр. 43
وأخرج أبو نعيم عن فرات بن السّائب قال (١): سألت ميمون بن مهران، قلت له: عليّ أفضل عندك أم أبو بكر وعمر؟ قال: فارتعد حتّى سقطت عصاه من يده، ثم قال: ما كنت أظنّ أن أبقى إلى زمان يعدل بهما، للّه درّهما! كانا رأس الإسلام.
قلت: فأبو بكر كان أوّل إسلاما أم عليّ؟ قال: واللّه لقد آمن أبو بكر بالنّبيّ ﷺ زمن بحيرا الرّاهب حين مرّ به، واختلف فيما بينه وبين خديجة حتّى أنكحها إيّاه، وذلك كلّه قبل أن يولد عليّ.
وقد قال: إنّه أوّل من أسلم، خلائق من الصّحابة والتّابعين وغيرهم، بل ادّعى بعضهم الإجماع عليه.
وقيل: أوّل من أسلم عليّ، وقيل: خديجة.
وجمع بين الأقوال بأنّ أبا بكر أوّل من أسلم من الرّجال، وعليّا أوّل من أسلم من الصّبيان، وخديجة أوّل من أسلمت من النّساء؛ وأوّل من ذكر هذا الجمع الإمام أبو حنيفة ﵀؛ أخرجه عنه أبو نعيم.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن عساكر، عن سالم بن أبي الجعد قال: قلت لمحمّد بن الحنفيّة: هل كان أبو بكر أوّل القوم إسلاما؟ قال: لا، قلت: فبم علا أبو بكر وسبق حتّى لا يذكر أحد غير أبي بكر؟ قال: لأنّه كان أفضلهم إسلاما [من] حين أسلم حتّى لحق بربّه.
وأخرج ابن عساكر (٢) بسند جيّد عن محمّد بن سعد بن أبي وقّاص، أنّه قال لأبيه سعد: أكان أبو بكر الصّدّيق أوّلكم إسلاما؟ قال: لا، ولكنه أسلم قبله أكثر من خمسة، ولكن كان خيرنا إسلاما.
قال ابن كثير: والظّاهر أنّ أهل بيته ﷺ آمنوا قبل كلّ أحد: زوجته خديجة، ومولاه زيد، وزوجة زيد أم أيمن، وعليّ، وورقة، انتهى.
وأخرج ابن عساكر عن عيسى بن زيد قال: قال أبو بكر الصّدّيق: كنت جالسا
стр. 44
بفناء الكعبة، وكان زيد بن عمرو بن نفيل قاعدا، فمرّ به أميّة ابن أبي الصّلت، فقال:
كيف أصبحت يا باغي الخير؟ قال: بخير، قال: وهل وجدت؟ قال: لا، فقال:
[من الخفيف]
كلّ دين يوم القيامة إلاّ … ما مضى في الحنيفيّة بور (١)
أما إنّ هذا النّبيّ الّذي ينتظر منّا أو منكم، قال: ولم أكن سمعت قبل ذلك بنبيّ ينتظر ويبعث، قال: فخرجت أريد ورقة بن نوفل - وكان كثير النّظر إلى السّماء، كثير همهمة الصّدر - فاستوقفته، ثم قصصت عليه الحديث، فقال: نعم يا ابن أخي، إنّا أهل الكتب والعلوم، ألا إن هذا النّبيّ الذي ينتظر من أوسط العرب نسبا - ولي علم بالنّسب - وقومك أوسط العرب نسبا. قلت: يا عمّ وما يقول النّبيّ؟ قال: يقول ما قيل له، إلاّ أنّه لا يظلم، ولا يظلم ولا يظالم، فلمّا بعث رسول اللّه ﷺ آمنت به وصدّقته.
وقال ابن إسحاق: حدّثني محمّد بن عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن الحصين التّيميّ (٢)، أنّ رسول اللّه ﷺ قال: «ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلاّ كانت له عنه كبوة وتردّد ونظر، إلاّ أبا بكر، ما عتم عنه حين ذكرته، وما تردّد فيه».
عتم: أي تلبّث.
قال البيهقيّ: وهذا لأنّه كان يرى دلائل نبوّة رسول اللّه ﷺ ، ويسمع آثاره قبل دعوته، فحين دعاه كان قد سبق له فيه تفكّر ونظر، فأسلم في الحال.
ثم أخرج عن أبي ميسرة أنّ رسول اللّه ﷺ كان إذا برز سمع من يناديه: يا محمّد، فإذا سمع الصّوت انطلق هاربا، فأسرّ ذلك إلى أبي بكر، وكان صديقا له في الجاهليّة.
стр. 45
وأخرج أبو نعيم وابن عساكر (١)، عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللّه ﷺ :
«ما كلّمت في الإسلام أحدا إلاّ أبى عليّ وراجعني الكلام، إلاّ ابن أبي قحافة، فإنّي لم أكلّمه في شيء إلاّ قبله واستقام عليه».
وأخرج البخاري (٢) عن أبي الدّرداء قال: قال رسول اللّه ﷺ : «هل أنتم تاركوا لي صاحبي [هل أنتم تاركوا لي صاحبي]، إنّي قلت: يا أيّها النّاس، إنّي رسول اللّه إليكم جميعا، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت».
فصل في صحبته ومشاهده
قال العلماء (٣): صحب أبو بكر النّبيّ ﷺ من حين أسلم إلى حين توفي، لم يفارقه سفرا ولا حضرا، إلاّ فيما أذن له ﷺ في الخروج فيه من حجّ أو غزو، وشهد معه المشاهد كلّها، وهاجر معه، وترك عياله وأولاده رغبة في اللّه ورسوله ﷺ ، وهو رفيقه في الغار، قال اللّه تعالى: ﴿ثانِيَ اِثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي اَلْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اَللّهَ مَعَنا﴾ (٤)، وقام بنصر رسول اللّه ﷺ في غير موضع، وله الآثار الجميلة في المشاهد، وثبت يوم أحد ويوم حنين، وقد فرّ النّاس؛ كما سيأتي في فصل شجاعته.
أخرج ابن عساكر عن أبي هريرة قال: تباشرت الملائكة يوم بدر، فقالوا: أما ترون الصّدّيق مع رسول اللّه ﷺ في العريش.
وأخرج أبو يعلى، والحاكم، وأحمد، عن عليّ قال: قال لي رسول اللّه ﷺ يوم بدر ولأبي بكر: «مع أحد كما جبريل، ومع الآخر ميكائيل».
стр. 46
وأخرج ابن عساكر (١) عن ابن سيرين، أنّ عبد الرّحمن بن أبي بكر كان يوم بدر مع المشركين، فلمّا أسلم قال لأبيه: لقد اهدفت لي يوم بدر، فانصرفت عنك ولم أقتلك. فقال أبو بكر: لكنّك لو أهدفت لي لم أنصرف عنك.
قال ابن قتيبة: معنى أهدفت: أشرفت، ومنه قيل للبناء المرتفع: هدف.
فصل في شجاعته، وأنّه أشجع الصّحابة، ﵁
أخرج البزّار في «مسنده» عن عليّ أنه قال: أخبروني من أشجع النّاس؟ فقالوا:
أنت، قال: أما إنّي ما بارزت أحدا إلاّ انتصفت منه، ولكن أخبروني بأشجع النّاس؟ قالوا: لا نعلم، فمن؟ قال: أبو بكر، إنّه لمّا كان يوم بدر، فجعلنا لرسول اللّه ﷺ عريشا، فقلنا: من يكون مع رسول اللّه ﷺ لئلاّ يهوي إليه أحد من المشركين؟ فو اللّه ما دنا منا أحد إلاّ أبو بكر شاهرا بالسيف على رأس رسول اللّه ﷺ ، لا يهوي إليه أحد إلاّ أهوى إليه، فهو أشجع النّاس.
قال عليّ ﵁: ولقد رأيت رسول اللّه ﷺ وأخذته قريش، فهذا يجبؤه (٢)، وهذا يتلتله (٣)، وهم يقولون: أنت الّذي جعلت الآلهة إلها واحدا؟ قال:
فو اللّه ما دنا منّا أحد إلاّ أبو بكر يضرب هذا، ويجبأ هذا، ويتلتل هذا، وهو يقول:
ويلكم! ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اَللّهُ﴾ (٤) ثم رفع عليّ بردة كانت عليه، فبكى حتى اخضلّت لحيته، ثم قال: أنشدكم اللّه، أمؤمن آل فرعون خير أم أبو بكر؟ فسكت القوم، فقال: ألا تجيبونني؟ فو اللّه لساعة من أبي بكر خير من ألف ساعة من مثل مؤمن آل فرعون، ذاك رجل يكتم إيمانه، وهذا رجل أعلن إيمانه.
стр. 47
وأخرج البخاري (١) عن عروة بن الزّبير قال: سألت عبد اللّه بن عمرو بن العاص عن أشدّ ما صنع المشركون برسول اللّه ﷺ ، فقال: رأيت عقبة بن أبي معيط جاء إلى النّبيّ ﷺ وهو يصلّي، فوضع رداءه في عنقه، فخنقه به خنقا شديدا، فجاء أبو بكر حتّى دفعه عنه، فقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اَللّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ?.
وأخرج الهيثم بن كليب في «مسنده» عن أبي بكر، قال: لمّا كان يوم أحد انصرف النّاس كلّهم عن رسول اللّه ﷺ ، فكنت أوّل من فاء (٢)؛ وسيأتي تتمة الحديث في مسند ما رواه.
وأخرج ابن عساكر (٣) عن عائشة ﵂، قالت: لمّا اجتمع أصحاب النّبيّ ﷺ فكانوا ثمانية وثلاثين رجلا، ألحّ أبو بكر على رسول اللّه ﷺ في الظّهور، فقال: «يا أبا بكر، إنّا قليل» فلم يزل أبو بكر يلحّ على رسول اللّه ﷺ ، حتّى ظهر رسول اللّه ﷺ ، وتفرّق المسلمون في نواحي المسجد، كلّ رجل في عشيرته، وقام أبو بكر في النّاس خطيبا، فكان أوّل خطيب دعا إلى اللّه وإلى رسوله، وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين، فضربوا في نواحي المسجد ضربا شديدا.
وسيأتي تتمة الحديث في ترجمة عمر ﵁.
وأخرج ابن عساكر عن عليّ ﵁ قال: لمّا أسلم أبو بكر أظهر إسلامه ودعا إلى اللّه وإلى رسوله ﷺ .
стр. 48
فصل في إنفاقه ماله على رسول اللّه ﷺ وأنّه أجود الصّحابة
قال اللّه تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا اَلْأَتْقَى، * اَلَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ (١) إلى آخر السّورة.
قال ابن الجوزي: أجمعوا على أنّها نزلت في حقّ أبي بكر الصّدّيق ﵁.
وأخرج أحمد (٢) عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ﷺ : «ما نفعني مال قطّ ما نفعني مال أبي بكر» فبكى أبو بكر، وقال: هل أنا ومالي إلا لك يا رسول اللّه؟.
وأخرج أبو يعلى من حديث عائشة ﵂ مرفوعا مثله.
قال ابن كثير: وروي أيضا من حديث عليّ، وابن عباس، وأنس، وجابر بن عبد اللّه، وأبي سعيد الخدري، ﵃.
وأخرجه الخطيب (٣) عن سعيد بن المسيّب مرسلا، وزاد: «وكان رسول اللّه ﷺ يقضي في مال أبي بكر كما يقضي في مال نفسه».
وأخرج ابن عساكر (٤) من طرق عن عائشة ﵂، وعروة بن الزّبير «أنّ أبا بكر ﵁ أسلم يوم أسلم وله أربعون ألف دينار - وفي لفظ: أربعون ألف درهم - فأنفقها على رسول اللّه ﷺ ».
وأخرج أبو سعيد ابن الأعرابي (٥) عن ابن عمر ﵄ أنه قال: أسلم أبو بكر ﵁ يوم أسلم وفي منزله أربعون ألف درهم، فخرج إلى المدينة في
стр. 49
الهجرة وماله غير خمسة آلاف، كلّ ذلك ينفقه في الرّقاب (١) والعون على الإسلام.
وأخرج ابن عساكر عن عائشة ﵂ أنّ أبا بكر أعتق سبعة كلّهم يعذّب في اللّه.
وأخرج ابن شاهين في «السّنّة»، والبغوي في «تفسيره»، وابن عساكر (٢) عن ابن عمر أنه قال: «كنت عند النّبي ﷺ ، وعنده أبو بكر الصّدّيق، وعليه عباءة قد خلّلها في صدره بخلال، فنزل عليه جبريل ﵇، فقال: يا محمّد، مالي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خلّلها في صدره بخلال؟ فقال: يا جبريل أنفق ماله عليّ قبل الفتح، قال: فإن اللّه تعالى يقرأ عليه¬ السّلام، ويقول: قل له: أراض أنت عنّي في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال أبو بكر: أأسخط على ربّي؟ أنا عن ربّي راض، أنا عن ربّي راض، أنا عن ربّي راض».
غريب، وسنده ضعيف جدا.
وأخرج أبو نعيم عن أبي هريرة، وابن مسعود مثله، وسندهما ضعيف أيضا.
وأخرج ابن عساكر نحوه من حديث ابن عبّاس.
وأخرج الخطيب (٣) بسند واه أيضا عن ابن عبّاس ﵄ عن النّبيّ ﷺ قال: هبط عليّ جبريل ﵇ وعليه طنفسة (٤) وهو متخلّل بها، فقلت له:
يا جبريل ما هذا؟ قال: إن اللّه تعالى أمر الملائكة أن تتخلّل في السّماء كتخلّل أبي بكر في الأرض.
قال ابن كثير: وهذا منكر جدّا، وقال: ولولا أنّ هذا والذي قبله يتداوله كثير من النّاس لكان الإعراض عنهما أولى.
وأخرج أبو داود والتّرمذيّ (٥)، عن عمر بن الخطّاب قال: «أمرنا رسول اللّه ﷺ
стр. 50
أن نتصدّق، فوافق ذلك مالا عندي. قلت: اليوم أسبق أبا بكر - إن سبقته يوما - فجئت بنصف مالي، فقال رسول اللّه ﷺ : ما أبقيت لأهلك؟ قلت: مثله؛ وأتى أبو بكر بكلّ ما عنده، فقال: يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم اللّه ورسوله، فقلت: لا أسبقه في شيء أبدا».
قال التّرمذي: [هذا حديث] حسن صحيح.
وأخرج أبو نعيم في «الحلية» (١) عن الحسن البصري: أنّ أبا بكر أتى النّبيّ ﷺ بصدقته فأخفاها، فقال: يا رسول اللّه هذه صدقتي، وللّه عندي معاد؛ وجاء عمر بصدقته فأظهرها، فقال: يا رسول اللّه هذه صدقتي، ولي عند اللّه معاد؛ فقال رسول اللّه ﷺ : «ما بين صدقتيكما كما بين كلمتيكما».
إسناده جيّد، لكنّه مرسل.
وأخرج التّرمذي (٢) عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ﷺ : «ما لأحد عندنا يد إلاّ وقد كافأناه، إلاّ أبا بكر، فإنّ له عندنا يدا يكافئه اللّه بها يوم القيامة، وما نفعني مال أحد قط ما نفعني مال أبي بكر».
وأخرج البزّاز عن أبي بكر الصّدّيق ﵁ قال: جئت بأبي قحافة إلى النّبيّ ﷺ ، فقال: «هلاّ تركت الشّيخ حتّى آتيه، قال: بل هو أحقّ أن يأتيك، قال:
إنّا نحفظه لأيادي ابنه عندنا».
وأخرج ابن عساكر (٣) عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللّه ﷺ : «ما أحد عندي أعظم يدا من أبي بكر، واساني بنفسه وماله، وأنكحني ابنته».
стр. 51
فصل في علمه، وأنه أعلم الصّحابة، وأذكاهم
قال النّووي في «تهذيبه» ومن خطّه نقلت (١): استدلّ أصحابنا على عظم علمه بقوله ﵁ في الحديث الثّابت في الصّحيحين: واللّه لأقاتلن من فرّق بين الصّلاة والزّكاة، واللّه لو منعوني عقالا كانوا يؤدّونه إلى رسول اللّه ﷺ لقاتلتهم على منعه. واستدلّ الشّيخ أبو إسحاق بهذا وغيره في «طبقاته» على أنّ أبا بكر الصّدّيق ﵁ أعلم الصّحابة؛ لأنّهم كلّهم وقفوا عن فهم الحكم في المسألة إلاّ هو، ثم ظهر لهم بمباحثته لهم، أنّ قوله هو الصّواب فرجعوا إليه.
وروينا عن ابن عمر أنّه سئل: من كان يفتي النّاس في زمن رسول اللّه ﷺ ؟ فقال:
أبو بكر وعمر ﵄، ما أعلم غيرهما.
وأخرج الشّيخان (٢) عن أبي سعيد الخدري أنه قال: خطب رسول اللّه ﷺ النّاس وقال: «إن اللّه ﵎ خيّر عبدا بين الدّنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند اللّه تعالى» فبكى أبو بكر وقال: بل نفديك بآبائنا وأمّهاتنا، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول اللّه ﷺ عن عبد خيّر، فكان رسول اللّه ﷺ هو المخيّر، وكان أبو بكر أعلمنا، فقال رسول اللّه ﷺ : «إنّ من أمنّ النّاس عليّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متّخذا خليلا غير ربّي لاتّخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوّة الإسلام ومودّته، لا يبقينّ باب إلاّ سدّ إلاّ باب أبي بكر» هذا كلام النووي.
وقال ابن كثير: كان الصّدّيق ﵁ أقرأ الصّحابة - أي أعلمهم بالقرآن - لأنّه ﷺ قدّمه إماما للصّلاة بالصّحابة ﵃ مع قوله ﷺ : «يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب اللّه».
стр. 52
وأخرج التّرمذيّ (١) عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللّه ﷺ :
«لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمّهم غيره».
وكان مع ذلك أعلمهم بالسّنّة، كما رجع إليه الصّحابة في غير موضع، يبرز عليهم بنقل سنن عن النّبيّ ﷺ ، يحفظها هو ويستحضرها عند الحاجة إليها، ليست عندهم، وكيف لا يكون كذلك وقد واظب على صحبة الرّسول ﷺ من أوّل البعثة إلى الوفاة؟ وهو مع ذلك مع أذكى عباد اللّه وأعقلهم، وإنّما لم يرو عنه من الأحاديث المسندة إلاّ القليل لقصر مدّته وسرعة وفاته بعد النّبيّ ﷺ ، وإلاّ فلو طالت مدّته لكثر ذلك عنه جدّا؛ ولم يترك النّاقلون عنه حديثا إلاّ نقلوه، ولكنّ الّذين في زمانه من الصّحابة لا يختلج في صدر أحدهم أن ينقل عنه ما قد شاركه هو في روايته فكانوا ينقلون عنه ما ليس عندهم.
وأخرج أبو القاسم البغوي عن ميمون بن مهران أنه قال: كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب اللّه، فإن وجد فيه ما يقضي به بينهما قضى به، وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول اللّه ﷺ في ذلك الأمر سنة قضى بها، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين وقال: أتاني كذا وكذا، فهل علمتم أنّ رسول اللّه ﷺ قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النّفر كلّهم يذكر عن رسول اللّه ﷺ فيه قضاء، فيقول أبو بكر: الحمد للّه الّذي جعل فينا من يحفظ عن نبيّنا، فإن أعياه أن يجد فيه سنّة عن رسول اللّه ﷺ جمع رءوس النّاس وخيارهم فاستشارهم، فإن أجمع أمرهم على رأي قضى به؛ وكان عمر ﵁ يفعل ذلك، فإن أعياه أن يجد في القرآن والسّنّة نظر هل كان لأبي بكر فيه قضاء؟ فإن وجد أبا بكر قضى فيه بقضاء قضى به، وإلاّ دعا رءوس المسلمين فإذا اجتمعوا على أمر قضى به.
وكان الصّدّيق ﵁ مع ذلك أعلم النّاس بأنساب العرب، لا سيّما قريش.
أخرج ابن إسحاق عن يعقوب عن عتبة عن شيخ من الأنصار قال: كان جبير بن
стр. 53
مطعم من أنسب قريش لقريش والعرب قاطبة، وكان يقول: إنّما أخذت النّسب من أبي بكر الصّدّيق، وكان أبو بكر الصّدّيق من أنسب العرب.
وكان الصّدّيق مع ذلك غاية في علم تعبير الرّؤيا، وقد كان يعبّر الرّؤيا في زمن النّبيّ ﷺ ، وقد قال محمّد بن سيرين - وهو المقدّم في هذا العلم بالاتّفاق -: كان أبو بكر أعبر هذه الأمّة بعد النّبيّ ﷺ . أخرجه ابن سعد.
وأخرج الدّيلميّ في «مسند الفردوس» وابن عساكر (١) عن سمرة قال: قال رسول اللّه ﷺ : «أمرت أن أؤوّل الرّؤيا أبا بكر».
قال ابن كثير غريب.
وكان الصّدّيق من أفصح النّاس وأخطبهم، قال الزّبير بن بكّار: سمعت بعض أهل العلم يقول: أفصح خطباء أصحاب رسول اللّه ﷺ أبو بكر الصّدّيق، وعلي بن أبي طالب، ﵄.
وسيأتي في حديث السّقيفة قول عمر ﵁: وكان من أعلم الناس باللّه وأخوفهم له.
وسيأتي من كلامه في ذلك وفي تعبير الرّؤيا ومن خطبه جملة في فصل مستقلّ.
فصل
ومن الدلائل على أنّه أعلم الصّحابة حديث صلح الحديبيّة حيث سأل عمر رسول اللّه ﷺ عن ذلك الصّلح، وقال: علام نعطي الدّنيّة في ديننا؟ فأجابه النّبي ﷺ ، ثم ذهب إلى أبي بكر فساله عما سأل رسول اللّه ﷺ فأجابه الصّدّيق ﵁ بمثل جواب النّبيّ ﷺ سواء بسواء.
أخرجه البخاري وغيره.
وكان ﵁ مع ذلك أسدّ الصّحابة رأيا وأكملهم عقلا.
стр. 54
أخرج تمّام الرّازي في «فوائده» وابن عساكر (١) عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول «أتاني جبريل فقال: إن اللّه يأمرك أن تستشير أبا بكر».
وأخرج الطّبراني وأبو نعيم (٢) وغيرهما عن معاذ بن جبل «أنّ النّبيّ ﷺ لمّا أراد أن يسرّح معاذا إلى اليمن استشار ناسا من أصحابه منهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وطلحة، والزّبير، وأسيد بن حضير، فتكلّم القوم كلّ إنسان برأيه، فقال:
ما ترى يا معاذ؟ قلت: أرى ما قال أبو بكر، فقال النّبيّ ﷺ : إن اللّه يكره فوق سمائه أن يخطأ أبو بكر».
ورواه ابن أبي أسامة في «مسنده» «إنّ اللّه يكره في السّماء أن يخطأ أبو بكر الصّدّيق في الأرض».
وأخرج الطّبرانيّ في «الأوسط» عن سهل بن سعد السّاعدي قال: قال رسول اللّه ﷺ : «إن اللّه يكره أن يخطأ أبو بكر».
قلت: رجاله ثقات.
فصل
قال النّوويّ في «تهذيبه» (٣): الصّدّيق أحد الصّحابة الّذين حفظوا القرآن كلّه.
وذكر هذا أيضا جماعة منهم ابن كثير في «تفسيره».
وأمّا حديث أنس «جمع القرآن في عهد رسول اللّه ﷺ أربعة» فمراده من الأنصار كما أوضحته في كتاب «الإتقان».
وأمّا ما أخرجه ابن أبي الدّنيا عن الشعبيّ، قال: مات أبو بكر الصّدّيق رضي اللّه
стр. 55
عنه ولم يجمع القرآن كلّه؛ فهو مدفوع، أو مؤوّل على أن المراد جمعه في المصحف على التّرتيب الّذي صنعه عثمان ﵁.
فصل في أنه أفضل الصّحابة وخيرهم
أجمع أهل السّنّة أنّ أفضل النّاس بعد رسول اللّه ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم سائر العشرة، ثم باقي أهل بدر، ثم باقي أهل أحد، ثم باقي أهل البيعة (١)، ثم باقي الصّحابة؛ هكذا حكى الإجماع عليه أبو منصور البغدادي.
وروى البخاري (٢) عن ابن عمر قال: كنّا نخيّر بين النّاس في زمان رسول اللّه ﷺ ، فنخيّر أبا بكر، ثم عمر [بن الخطاب]، ثم عثمان [بن عفان ﵃].
وزاد الطّبرانيّ في «الكبير»: فيعلم بذلك النّبيّ ﷺ ولا ينكره.
وأخرج ابن عساكر عن ابن عمر قال: «كنّا - وفينا رسول اللّه ﷺ نفضّل أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليّا».
وأخرج ابن عساكر عن أبي هريرة أنه قال: كنّا معاشر أصحاب رسول اللّه ﷺ ونحن متوافرون - نقول: أفضل هذه الأمّة بعد نبيّها أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نسكت.
وأخرج التّرمذي (٣) عن جابر بن عبد اللّه قال: قال عمر لأبي بكر: يا خير النّاس بعد رسول اللّه ﷺ ، فقال أبو بكر: أما إنّك إن قلت ذاك فلقد سمعته يقول:
«ما طلعت الشمس على رجل خير من عمر».
стр. 56
وأخرج البخاري (١) عن محمّد بن علي بن أبي طالب قال: قلت لأبي: أيّ النّاس خير بعد رسول اللّه ﷺ ؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وخشيت أن يقول عثمان فقلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلاّ رجل من المسلمين.
وأخرج أحمد وغيره عن علي قال: خير هذه الأمة بعد نبيّها أبو بكر، وعمر.
قال الذّهبيّ: هذا متوتر عن عليّ، فقبّح اللّه الرّافضة ما أجهلهم.
وأخرج التّرمذي والحاكم عن عمر بن الخطاب قال: أبو بكر سيّدنا وخيرنا وأحبّنا إلى رسول اللّه ﷺ .
وأخرج ابن عساكر عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، أن عمر صعد المنبر ثم قال:
ألا إنّ أفضل هذه الأمّة بعد نبيّها أبو بكر، فمن قال غير هذا فهو مفتر، عليه ما على المفتري.
وأخرج أيضا عن ابن أبي ليلى قال (٢): قال عليّ: لا يفضّلني أحد على أبي بكر وعمر إلاّ جلدته حدّ المفتري.
وأخرج عبد بن حميد (٣) في «مسنده» وأبو نعيم وغيرهما، من طرق عن أبي الدّرداء، أنّ رسول اللّه ﷺ قال: «ما طلعت الشّمس ولا غربت على أحد أفضل من أبي بكر، إلا أن يكون نبيّ» وفي لفظ «على أحد من المسلمين بعد النّبيّين والمرسلين أفضل من أبي بكر».
وقد ورد أيضا من حديث جابر، ولفظه «ما طلعت الشّمس على أحد منكم أفضل منه».
أخرجه الطّبرانيّ وغيره؛ وله شواهد من وجوه أخر تقضي له بالصّحّة أو الحسن؛ وقد أشار ابن كثير إلى الحكم بصحّته.
стр. 57
وأخرج الطّبرانيّ عن سلمة بن الأكوع قال: قال رسول اللّه ﷺ : «أبو بكر الصّدّيق خير النّاس، إلا أن يكون نبيّ».
وفي «الأوسط» عن سعد بن زرارة قال: قال رسول اللّه ﷺ : «إنّ روح القدس جبريل أخبرني أنّ خير أمّتك بعدك أبو بكر».
وأخرج الشّيخان عن عمرو بن العاص قال: قلت: يا رسول اللّه أيّ النّاس أحبّ إليك؟ قال: «عائشة، قلت: من الرّجال؟ قال: أبوها، قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر بن الخطّاب».
وقد ورد هذا الحديث بدون «ثم عمر» في رواية أنس وابن عمرو وابن عبّاس.
وأخرج التّرمذي (١) والنّسائي والحاكم وصحّحه، عن عبد اللّه بن شقيق قال:
قلت لعائشة: أيّ أصحاب رسول اللّه ﷺ كان أحبّ إلى رسول اللّه ﷺ ؟ قالت:
أبو بكر، قلت: ثم من؟ قالت: ثم عمر، قلت: ثم من؟ قالت: ثم أبو عبيدة بن الجرّاح.
وأخرج التّرمذي (٢) وغيره عن أنس قال: قال رسول اللّه ﷺ لأبي بكر وعمر:
«هذان سيّدا كهول أهل الجنّة من الأوّلين والآخرين، إلاّ النّبيّين والمرسلين».
وأخرج مثله عن عليّ.
وفي الباب عن ابن عبّاس، وابن عمر، وأبي سعيد الخدريّ، وجابر بن عبد اللّه.
وأخرج الطّبراني في «الأوسط» عن عمّار بن ياسر قال: من فضّل على أبي بكر وعمر أحدا من أصحاب رسول اللّه ﷺ فقد أزرى على المهاجرين والأنصار.
وأخرج ابن سعد (٣) عن الزهري قال: قال رسول اللّه ﷺ لحسّان بن ثابت: «هل
стр. 58
قلت في أبي بكر شيئا؟ قال: نعم، فقال: قل وأنا أسمع». فقال (١): [من البسيط] وثاني اثنين في الغار المنيف وقد … طاف العدوّ به إذ صعّد الجبلا وكان حبّ رسول اللّه قد علموا … من البريّة لم يعدل به رجلا فضحك رسول اللّه ﷺ حتّى بدت نواجذه (٢)، ثم قال: «صدقت يا حسّان، هو كما قلت».
فصل
روى أحمد والتّرمذي (٣) عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه ﷺ : «أرحم أمّتي بأمّتي أبو بكر، وأشدّهم في أمر اللّه عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبيّ بن كعب، ولكلّ أمّة أمين، وأمين هذه الأمّة أبو عبيدة بن الجرّاح».
وأخرجه أبو يعلى من حديث ابن عمر، وزاد فيه «وأقضاهم عليّ».
وأخرجه الدّيلميّ في «مسند الفردوس» من حديث شدّاد بن أوس، وزاد «وأبو ذرّ أزهد أمّتي وأصدقها، وأبو الدّرداء أعبد أمّتي وأتقاها، ومعاوية بن أبي سفيان أحلم أمّتي وأجودها».
قلت: وقد سئل شيخنا العلاّمة الكافيجي (٤) عن هذه التّفضيلات: هل تنافي التّفضيل السّابق؟ فأجاب بأنّه لا منافاة.
стр. 59
فصل فيما أنزل من الآيات في مدحه أو تصديقه أو أمر من شأنه
اعلم أنّي رأيت لبعضهم كتابا في أسماء من أنزل فيهم القرآن، غير محرّر ولا مستوعب، وقد ألّفت في ذلك كتابا حافلا مستوعبا محرّرا، وأنا ألخّص هنا ما يتعلق منه بالصّدّيق ﵁.
قال اللّه تعالى: ﴿ثانِيَ اِثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي اَلْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اَللّهَ مَعَنا، فَأَنْزَلَ اَللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ (١) أجمع المسلمون على أنّ الصّاحب المذكور أبو بكر، وسيأتي فيه أثر عنه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اَللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ قال: على أبي بكر؛ فإنّ النّبيّ ﷺ لم تزل السّكينة عليه.
وأخرج ابن أبي حاتم أيضا، عن ابن مسعود، أنّ أبا بكر اشترى بلالا من أميّة بن خلف وأبي بن خلف ببردة وعشر أواق، فأعتقه للّه، فأنزل اللّه ﴿وَاَللَّيْلِ إِذا يَغْشى﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّى﴾ (٢) سعي أبي بكر، وأميّة، وأبيّ.
وأخرج ابن جرير عن عامر بن عبد اللّه بن الزّبير قال: كان أبو بكر يعتق على الإسلام بمكّة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال أبوه: أي بنيّ، أراك تعتق أناسا ضعافا، فلو أنّك تعتق رجالا جلدا (٣) يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك؟ قال: أي أبت أنا أريد ما عند اللّه، قال: فحدّثني بعض أهل بيتي أنّ هذه الآية نزلت فيه ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاِتَّقى﴾ (٤) إلى آخرها.
стр. 60
وأخرج ابن أبي حاتم والطّبرانيّ عن عروة بن الزّبير، أن أبا بكر الصّدّيق ﵁ أعتق سبعة كلّهم يعذّب في اللّه، وفيه نزلت ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا اَلْأَتْقَى﴾ (١) إلى آخر السّورة.
وأخرج البزّار عن عبد اللّه بن الزّبير قال: نزلت هذه الآية ﴿وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ (٢) إلى آخر السّورة، في أبي بكر الصّدّيق، ﵁.
وأخرج البخاري عن عائشة ﵂، أنّ أبا بكر لم يكن يحنث في يمين حتّى أنزل اللّه كفّارة اليمين.
وأخرج البزّار وابن عساكر عن أسيد بن صفوان - وكانت له صحبة - قال: قال عليّ: «والّذي جاء بالحقّ» محمد ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ (٣) أبو بكر الصّدّيق.
قال ابن عساكر: هكذا الرّواية «بالحقّ» ولعلّها قراءة لعليّ.
وأخرج الحاكم عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿وَشاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ﴾ (٤) قال:
نزلت في أبي بكر وعمر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شوذب قال: نزلت ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ (٥) في أبي بكر ﵁.
وله طرق أخرى ذكرتها في «أسباب النّزول».
وأخرج الطّبرانيّ في «الأوسط» عن ابن عمر وابن عبّاس، في قوله تعالى:
﴿وَصالِحُ اَلْمُؤْمِنِينَ﴾
(٦)
قال: نزلت في أبي بكر وعمر.
وأخرج عبد بن حميد (٧) في «تفسيره» عن مجاهد قال: لمّا نزلت ﴿إِنَّ اَللّهَ﴾
стр. 61
﴿وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى اَلنَّبِيِّ﴾
(١)
قال أبو بكر: يا رسول اللّه، ما أنزل اللّه عليك خيرا إلاّ أشركنا فيه؛ فنزلت هذه الآية ﴿هُوَ اَلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ (٢).
وأخرج ابن عساكر عن عليّ بن الحسين، أنّ هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر وعليّ: ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ، إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ (٣).
وأخرج ابن عساكر عن ابن عبّاس قال: نزلت في أبي بكر الصّدّيق ﴿وَوَصَّيْنَا اَلْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً﴾ إلى قوله: ﴿وَعْدَ اَلصِّدْقِ اَلَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ (٤).
وأخرج ابن عساكر عن ابن عيينة قال: عاتب اللّه المسلمين كلّهم في رسول اللّه ﷺ ، إلاّ أبا بكر وحده فإنّه خرج من المعاتبة، ثم قرأ: ﴿إِلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اَللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اِثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي اَلْغارِ﴾.
فصل في الأحاديث الواردة في فضله مقرونا بعمر، سوى ما تقدّم
أخرج الشّيخان (٥) عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول:
«بينا راع في غنمه عدا عليه الذّئب فأخذ منها شاة، فطلبه الرّاعي، فالتفت إليه الذّئب فقال: من لها يوم السّبع، يوم لا راعي لها غيري؟ وبينا رجل يسوق بقرة قد حمل عليها، فالتفتت إليه فكلّمته فقالت: إنّي لم أخلق لهذا، ولكنّي خلقت للحرث، قال النّاس: سبحان اللّه، بقرة تتكلّم؟ قال النّبيّ ﷺ : فإنّي أو من بذلك وأبو بكر وعمر،
стр. 62
وما ثمّ أبو بكر وعمر» أي لم يكونا في المجلس؛ فشهد لهما بالإيمان بذلك لعلمه بكمال إيمانهما.
وأخرج التّرمذيّ (١) عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول اللّه ﷺ : «ما من نبيّ إلاّ وله وزيران من أهل السّماء ووزيران من أهل الأرض؛ فأمّا وزيراي من أهل السّماء فجبريل وميكائيل، وأمّا وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر».
وأخرج أصحاب السّنن وغيرهم، عن سعيد بن زيد قال: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: «أبو بكر في الجنّة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنّة، وعليّ في الجنّة» وذكر تمام العشرة.
وأخرج التّرمذي (٢) عن أبي سعيد قال: قال رسول اللّه ﷺ : «إنّ أهل الدّرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون النّجم الطّالع في أفق السّماء، وإنّ أبا بكر وعمر منهم، وأنعما».
وأخرجه الطّبرانيّ من حديث جابر بن سمرة وأبي هريرة.
وأخرج التّرمذيّ (٣) عن أنس، أنّ رسول اللّه ﷺ «كان يخرج على أصحابه من المهاجرين والأنصار وهم جلوس فيهم أبو بكر وعمر، فلا يرفع إليه أحد منهم بصره، إلاّ أبو بكر وعمر فإنّهما كانا ينظران إليه وينظر إليهما، ويتبسّمان إليه ويتبسّم إليهما».
وأخرج التّرمذي (٤) والحاكم، عن ابن عمر، أنّ رسول اللّه ﷺ «خرج ذات يوم فدخل المسجد، وأبو بكر وعمر أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله وهو آخذ بأيديهما، وقال: هكذا نبعث يوم القيامة».
وأخرجه الطّبراني في «الأوسط» عن أبي هريرة.
стр. 63
وأخرج التّرمذي (١) والحاكم وصحّحه، عن ابن عمر، قال: قال رسول اللّه ﷺ :
«أنا أوّل من تنشقّ عنه الأرض، ثم أبو بكر، ثم عمر».
وأخرج التّرمذي (٢) والحاكم وصحّحه، عن عبد اللّه بن حنطب، أنّ النّبيّ ﷺ رأى أبا بكر وعمر فقال «هذان السّمع والبصر».
وأخرجه الطّبراني من حديث ابن عمر وابن عمرو.
وأخرج البزّار والحاكم، عن أبي أروى الدّوسيّ، قال: كنت عند النّبيّ ﷺ ، فأقبل أبو بكر وعمر فقال: «الحمد للّه الّذي أيّدني بكما».
وورد هذا أيضا من حديث البراء بن عازب. أخرجه الطّبراني في «الأوسط».
وأخرج أبو يعلى، عن عمّار بن ياسر قال: قال رسول اللّه ﷺ «أتاني جبريل آنفا فقلت: يا جبريل، حدّثني بفضائل عمر بن الخطاب، فقال: لو حدّثتك بفضائل عمر مدّة (٣) ما لبث نوح في قومه ما نفدت فضائل عمر، وإنّ عمر حسنة من حسنات أبي بكر».
وأخرج أحمد، عن عبد الرّحمن بن غنم، أنّ رسول اللّه ﷺ قال لأبي بكر وعمر: «لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما».
وأخرجه الطّبرانيّ من حديث البراء بن عازب.
وأخرج ابن سعد (٤)، عن ابن عمر، أنه سئل: من كان يفتي في زمن رسول اللّه ﷺ ؟ فقال: «أبو بكر وعمر، ولا أعلم غيرهما».
وأخرج (٥) عن القاسم بن محمّد قال: كان أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ يفتون على عهد رسول اللّه ﷺ .
стр. 64
وأخرج الطّبرانيّ، عن ابن مسعود ﵁، أن رسول اللّه ﷺ قال: «إنّ لكلّ نبيّ خاصّة من أمّته، وإنّ خاصّتي من أصحابي أبو بكر وعمر».
وأخرج ابن عساكر (١) عن عليّ، قال: قال رسول اللّه ﷺ : «رحم اللّه أبا بكر، زوّجني ابنته، وحملني إلى دار الهجرة، واعتق بلالا. رحم اللّه عمر، يقول الحقّ وإن كان مرّا، تركه الحقّ وماله من صديق. رحم اللّه عثمان، تستحييه الملائكة.
رحم اللّه عليّا، اللّهمّ أدر الحقّ معه حيث دار».
وأخرج الطّبرانيّ، عن سهل ﵁ قال: لمّا قدم النّبيّ ﷺ من حجّة الوداع، صعد المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال: «أيّها النّاس، إنّ أبا بكر لم يسؤني قطّ، فاعرفوا له ذلك؛ أيّها النّاس، إنني راض عنه، وعن عمر وعثمان، وعليّ، وطلحة، والزّبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرّحمن بن عوف، والمهاجرين الأوّلين، فاعرفوا ذلك لهم».
وأخرج عبد اللّه بن أحمد في «زوائد الزّهد» عن ابن أبي حازم قال: جاء رجل إلى عليّ بن الحسين، فقال: ما كان منزلة أبي بكر وعمر من رسول اللّه ﷺ ؟ قال:
كمنزلتهما منه السّاعة.
وأخرج ابن سعد عن بسطام بن مسلم قال: قال رسول اللّه ﷺ لأبي بكر وعمر «لا يتأمّر عليكما أحد بعدي».
وأخرج ابن عساكر (٢) عن أنس مرفوعا: «حبّ أبي بكر وعمر إيمان، وبغضهما كفر».
وأخرج عن ابن مسعود قال: حبّ أبي بكر وعمر ومعرفتهما من السّنّة.
وأخرج عن أنس مرفوعا: «إنّي لأرجو لأمّتي في حبّهم لأبي بكر وعمر ما أرجو لهم في قول: لا إله إلا اللّه».
стр. 65
فصل في الأحاديث الواردة في فضله وحده، سوى ما تقدّم
أخرج الشّيخان (١) عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: «من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل اللّه دعي من أبواب الجنّة: يا عبد اللّه، هذا خير؛ فمن كان من أهل الصّلاة دعي من باب الصّلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصّدقة دعي من باب الصّدقة، ومن كان من أهل الصّيام دعي من باب الصّيام واسمه الرّيان» فقال أبو بكر: ما على من يدعى من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى منها كلّها أحد يا رسول اللّه؟ قال: «نعم؛ فأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر».
وأخرج أبو داود، والحاكم وصحّحه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : «أما إنّك يا أبا بكر أوّل من يدخل الجنّة من أمّتي».
وأخرج الشّيخان (٢) عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : «إنّ من أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متّخذا خليلا غير ربّي لاتّخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوّة الإسلام».
وقد ورد هذا الحديث من رواية ابن عبّاس، وابن الزّبير، وابن مسعود، وجندب بن عبد اللّه، والبراء، وكعب بن مالك، وجابر بن عبد اللّه، وأنس بن مالك، وأبي واقد اللّيثي، وأبي المعلّى، وعائشة، وأبي هريرة، وابن عمر ﵃ وقد سردت طرقهم في «الأحاديث المتواترة».
وأخرج البخاري (٣) عن أبي الدّرداء قال: كنت جالسا عند النّبيّ ﷺ إذ أقبل
стр. 66
أبو بكر فسلّم وقال: إنّه كان بيني وبين عمر بن الخطّاب شيء، فأسرعت إليه ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي، فأبى عليّ، فأقبلت إليك، فقال ﷺ : يغفر اللّه لك يا أبا بكر، ثلاثا، ثم إن عمر ندم، فأتى منزل أبي بكر فلم يجده، فأتى النّبيّ ﷺ ، فجعل وجه النّبيّ ﷺ يتمعّر، حتّى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه، فقال: يا رسول اللّه، واللّه أنا كنت أظلم منه، مرّتين، فقال النّبيّ ﷺ : «إن اللّه بعثني إليكم فقلتم: كذبت وقال أبو بكر: صدقت، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟» مرّتين، فما أوذي بعدها.
وأخرج ابن عديّ من حديث ابن عمر ﵁ نحوه، وفيه «فقال رسول اللّه ﷺ : «لا تؤذوني في صاحبي؛ فإن اللّه بعثني بالهدى ودين الحقّ فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت، ولولا أن اللّه سمّاه صاحبا لاتّخذته خليلا، ولكن أخوّة الإسلام».
وأخرج ابن عساكر عن المقدام قال: استبّ عقيل بن أبي طالب وأبو بكر؛ قال:
وكان أبو بكر نسّابا، غير أنه تحرّج من قرابته من النّبيّ ﷺ فأعرض عنه، وشكاه إلى النّبيّ ﷺ ، فقام رسول اللّه ﷺ في النّاس، فقال: «ألا تدعون لي صاحبي؟ ما شأنكم وشأنه؟ فو اللّه ما منكم رجل إلا على باب بيته ظلمة، إلا باب أبي بكر فإن على بابه النّور، فو اللّه لقد قلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت، وأمسكتم الأموال وجاد لي بماله، وخذلتموني وواساني واتّبعني».
وأخرج البخاري (١) عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللّه ﷺ : «من جرّثو به خيلاء لم ينظر اللّه إليه يوم القيامة» فقال أبو بكر: إنّ أحد شقّي ثوبي يسترخي إلاّ أن أتعاهد ذلك منه. فقال رسول اللّه ﷺ : «إنّك لست تصنع ذلك خيلاء».
وأخرج مسلم (٢) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : «من أصبح منكم اليوم صائما؟ قال أبو بكر: أنا؛ قال: فمن تبع منكم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، قال فمن أطعم منكم اليوم مسكينا؟ قال أبو بكر: أنا؛ قال: فمن عاد
стр. 67
اليوم منكم مريضا؟ قال أبو بكر: أنا، فقال رسول اللّه ﷺ : ما اجتمعن في امرئ إلاّ دخل الجنة».
وقد ورد هذا الحديث من رواية أنس بن مالك، وعبد الرحمن بن أبي بكر؛ فحديث أنس أخرجه البيهقيّ في الأصل، وفي آخره «وجبت لك الجنّة».
وحديث عبد الرحمن أخرجه البزّار (١)، ولفظه «صلّى رسول اللّه ﷺ صلاة الصّبح، ثم أقبل على أصحابه بوجهه فقال: من أصبح منكم اليوم صائما؟ فقال عمر: يا رسول اللّه لم أحدّث نفسي بالصّوم البارحة، فأصبحت مفطرا؛ فقال أبو بكر: ولكنّي حدّثت نفسي بالصّوم البارحة فأصبحت صائما؛ فقال: هل أحد منكم اليوم عاد مريضا؟ فقال عمر: يا رسول اللّه لم نبرح، فكيف نعود المريض؟ فقال أبو بكر: بلغني أن أخي عبد الرحمن بن عوف شاك فجعلت طريقي عليه لأنظر كيف أصبح؛ فقال: هل منكم أحد أطعم اليوم مسكينا؟ فقال عمر: صلّينا يا رسول اللّه ثم لم نبرح؛ فقال أبو بكر: دخلت المسجد فإذا بسائل فوجدت كسرة من خبز الشّعير في يد عبد الرحمن (٢) فأخذتها ودفعتها إليه؛ فقال: أنت فأبشر بالجنّة؛ ثم قال كلمة أرضى بها عمر: زعم عمر أنّه لم يرد خيرا قطّ إلاّ سبقه إليه أبو بكر».
وأخرج أبو يعلى عن ابن مسعود ﵁ قال: كنت في المسجد أصلّي، فدخل رسول اللّه ﷺ ومعه أبو بكر وعمر، فوجدني أدعو، فقال: سل تعطه، ثم قال: «من أحبّ أن يقرأ القرآن غضّا طريّا فليقرأ بقراءة ابن أمّ عبد (٣)» فرجعت إلى منزلي، فأتاني أبو بكر فبشّرني، ثم أتى عمر فوجد أبا بكر خارجا قد سبقه، فقال:
«إنك لسبّاق بالخير».
وأخرج أحمد (٤) بسند حسن عن ربيعة الأسلميّ ﵁ قال: جرى بيني وبين أبي بكر كلام، فقال لي كلمة كرهها وندم، فقال لي: يا ربيعة ردّ عليّ مثلها حتّى
стр. 68
يكون قصاصا، قلت: لا أفعل. قال [أبو بكر]: لتقولنّ أو لأستعدينّ عليك رسول اللّه ﷺ ، فقلت: ما أنا بفاعل؛ فانطلق أبو بكر [﵁ إلى النّبيّ ﷺ ، وانطلقت أتلوه] وجاء أناس من أسلم فقالوا لي: رحم اللّه أبا بكر، في أيّ شيء يستعدي عليك رسول اللّه ﷺ وهو الّذي قال لك ما قال؟ فقلت: أتدرون من هذا؟ هذا أبو بكر الصّدّيق، هذا ثاني اثنين، وهذا ذو شيبة المسلمين، إياكم لا يلتفت فيراكم تنصروني عليه فيغضب، فيأتي رسول اللّه ﷺ فيغضب لغضبه، فيغضب اللّه [ ] لغضبهما، فيهلك ربيعة. [قالوا: ما تأمرنا؟ قال: ارجعوا]. وانطلق أبو بكر [﵁] وتبعته وحدي، حتّى أتى رسول اللّه ﷺ فحدّثه الحديث كما كان، فرفع إليّ رأسه فقال: «يا ربيعة مالك وللصّدّيق؟» فقلت: يا رسول اللّه كان كذا وكذا، فقال لي كلمة كرهها، فقال لي: قل كما قلت حتّى يكون قصاصا، فأبيت، فقال رسول اللّه ﷺ : «أجل! لا تردّ عليه ولكن قل: قد غفر اللّه لك يا أبا بكر»، فقلت: غفر اللّه لك يا أبا بكر.
[قال الحسن: فولّى أبو بكر ﵁ وهو يبكي]».
وأخرج التّرمذيّ (١) وحسّنه، عن ابن عمر ﵄ أن رسول اللّه ﷺ قال لأبي بكر: «أنت صاحبي على الحوض وصاحبي في الغار».
وأخرج عبد اللّه بن أحمد عن ابن عبّاس ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ «أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار».
إسناده حسن.
وأخرج البيهقي (٢) عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ «إنّ في الجنّة طيرا كأمثال البخاتي (٣)، قال أبو بكر: إنّها لناعمة يا رسول اللّه؟ قال: أنعم منها من يأكلها، وأنت ممن يأكلها».
وقد ورد هذا الحديث من رواية أنس.
стр. 69
وأخرج أبو يعلى عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللّه ﷺ : «عرج بي إلى السّماء، فما مررت بسماء إلاّ وجدت فيها اسمي محمّد رسول اللّه، وأبو بكر الصّدّيق خلفي».
إسناده ضعيف؛ لكنّه ورد أيضا من حديث ابن عبّاس، وابن عمر، وأنس، وأبي سعيد، وأبي الدّرداء، ﵃، بأسانيد ضعيفة يشدّ بعضها بعضا.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم عن سعيد بن جبير ﵁ قال: قرأت عند النّبيّ ﷺ ﴿يا أَيَّتُهَا اَلنَّفْسُ اَلْمُطْمَئِنَّةُ﴾ (١) فقال أبو بكر: يا رسول اللّه، إنّ هذا لحسن؛ فقال رسول اللّه ﷺ : «أما إنّ الملك سيقولها لك عند الموت».
وأخرج ابن أبي حاتم عن عامر، أنّ عبد اللّه بن الزّبير ﵁ قال: لمّا نزلت ﴿وَلَوْ أَنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اُقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٢) الآية، قال أبو بكر: يا رسول اللّه لو أمرتني أن أقتل نفسي لفعلت، فقال: «صدقت».
وأخرج أبو القاسم البغوي (٣): حدّثنا داود بن عمر، حدّثنا عبد الجبّار بن الورد، عن ابن أبي مليكة قال: دخل رسول اللّه ﷺ وأصحابه غديرا فقال: «ليسبح كلّ رجل إلى صاحبه» قال: فسبح كلّ رجل إلى صاحبه، حتى بقي رسول اللّه ﷺ وأبو بكر، فسبح رسول اللّه ﷺ إلى أبي بكر حتّى اعتنقه، وقال: «لو كنت متّخذا خليلا حتّى ألقى اللّه لاتّخذت أبا بكر خليلا، ولكنّه صاحبي».
تابعه وكيع عن عبد الجبّار بن الورد، وأخرجه ابن عساكر؛ وعبد الجبّار ثقة، وشيخه ابن أبي مليكة إمام، إلاّ أنّه مرسل، وهو غريب جدّا.
قلت: أخرجه الطّبراني في «الكبير»، وابن شاهين في «السّنّة» من وجه آخر موصولا عن ابن عبّاس.
стр. 70
وأخرج ابن أبي الدّنيا في «مكارم الأخلاق»، وابن عساكر (١) من طريق صدقة بن ميمون القرشي عن سليمان بن يسار قال: قال رسول اللّه ﷺ : «خصال الخير ثلاثمائة وستّون خصلة، إذا أراد اللّه بعبد خيرا جعل فيه خصلة منها يدخل بها الجنّة». قال أبو بكر: يا رسول اللّه أفيّ شيء منها؟ قال: «نعم جميعها فيك».
وأخرج ابن عساكر من طريق آخر عن صدقة القرشيّ، عن جابر ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : «خصال الخير ثلاثمائة وستّون، فقال أبو بكر: يا رسول اللّه، فيّ منها شيء؟ قال: كلّها فيك، فهنيئا لك يا أبا بكر».
وأخرج ابن عساكر (٢) من طريق مجمّع بن يعقوب الأنصاري عن أبيه قال: إن كانت حلقة رسول اللّه ﷺ لتشتبك حتّى تصير كالأسوار، وإنّ مجلس أبي بكر منها لفارغ ما يطمع فيه أحد من النّاس، فإذا جاء أبو بكر جلس ذلك المجلس، وأقبل عليه النّبيّ ﷺ بوجهه، وألقى إليه حديثه، وسمع النّاس.
وأخرج ابن عساكر (٣) عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : «حبّ أبي بكر وشكره واجب على كلّ أمّتي».
وأخرج مثله من حديث سهل بن سعد.
وأخرج عن عائشة ﵂ مرفوعا «النّاس كلّهم يحاسبون إلاّ أبا بكر».
فصل فيما ورد من كلام الصّحابة والسّلف الصّالح في فضله
أخرج البخاري عن جابر ﵁، قال: قال عمر بن الخطّاب: أبو بكر سيّدنا.
وأخرج البيهقي في «شعب الإيمان» عن عمر ﵁ قال: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح بهم.
стр. 71
وأخرج ابن أبي خيثمة، وعبد اللّه بن أحمد في «زوائد الزّهد»، عن عمر ﵁ قال: إن أبا بكر كان سابقا مبرّزا.
وقال عمر ﵁: لوددت أنّي شعرة في صدر أبي بكر.
أخرجه مسدّد في «مسنده».
وقال: وددت أنّي في الجنّة حيث أرى أبا بكر.
أخرجه ابن أبي الدّنيا، وابن عساكر.
وقال: لقد كان ريح أبي بكر أطيب من ريح المسك. أخرجه أبو نعيم.
وأخرج ابن عساكر عن عليّ، أنه دخل على أبي بكر وهو مسجّى فقال: ما أحد لقي اللّه بصحيفته أحبّ إليّ من هذا المسجّى.
وأخرج ابن عساكر عن عبد الرّحمن بن أبي بكر الصّدّيق قال: قال رسول اللّه ﷺ : حدّثني عمر بن الخطّاب أنّه ما سابق أبا بكر إلى خير قطّ إلا سبقه إليه.
وأخرج الطّبراني في «الأوسط» عن عليّ قال: والّذي نفسي بيده ما استبقنا إلى خير قط إلا سبقنا إليه أبو بكر.
وأخرج في «الأوسط» أيضا عن أبي جحيفة، قال: قال علي: خير النّاس بعد رسول اللّه ﷺ أبو بكر وعمر، لا يجتمع حبّي وبغض أبي بكر في قلب مؤمن.
وأخرج في «الكبير» عن ابن عمر قال: ثلاثة من قريش؛ أصبح قريش وجوها، وأحسنها أخلاقا، وأثبتها جنانا، إن حدّثوك لم يكذبوك، وإن حدّثتهم لم يكذّبوك:
أبو بكر الصّدّيق، وأبو عبيدة بن الجرّاح، وعثمان بن عفّان.
وأخرج ابن سعد عن إبراهيم النّخعيّ قال: كان أبو بكر يسمّى «الأواه» لرأفته ورحمته.
وأخرج ابن عساكر عن الرّبيع بن أنس قال: مكتوب في الكتاب الأوّل: مثل أبي بكر الصديق مثل القطر، أينما وقع نفع.
стр. 72
وأخرج ابن عساكر (١) عن الرّبيع بن أنس قال: نظرنا في صحابة الأنبياء فما وجدنا نبيّا كان له صاحب مثل أبي بكر الصّدّيق.
وأخرج عن الزّهري قال: من فضل أبي بكر أنه لم يشكّ في اللّه ساعة قطّ.
وأخرج (٢) عن الزّبير بن بكّار قال: سمعت بعض أهل العلم يقول: خطباء أصحاب رسول اللّه ﷺ : أبو بكر الصّدّيق، وعليّ بن أبي طالب، ﵄.
وأخرج عن أبي حصين قال: ما ولد لآدم في ذريّته بعد النّبيّين والمرسلين أفضل من أبي بكر، ولقد قام أبو بكر يوم الرّدّة مقام نبيّ من الأنبياء.
فصل
أخرج الدّينوري في «المجالسة»، وابن عساكر عن الشّعبي، قال: خصّ اللّه ﵎ أبا بكر بأربع خصال لم يخصّ بها أحدا من النّاس: سمّاه الصّدّيق ولم يسمّ أحدا الصّدّيق غيره، وهو صاحب الغار مع رسول اللّه ﷺ ، ورفيقه في الهجرة، وأمره رسول اللّه ﷺ بالصّلاة والمسلمون شهود.
وأخرج ابن أبي داود في «كتاب المصاحف» عن جعفر قال: كان أبو بكر يسمع مناجاة جبريل للنّبيّ ﷺ ولا يراه.
وأخرج الحاكم عن ابن المسيّب قال: كان أبو بكر من النّبيّ ﷺ مكان الوزير، فكان يشاوره في جميع أموره، وكان ثانيه في الإسلام، وثانيه في الغار، وثانيه في العريش يوم بدر، وثانيه في القبر، ولم يكن رسول اللّه ﷺ يقدّم عليه أحدا.
стр. 73
فصل في الأحاديث والآيات المشيرة إلى خلافته، وكلام الأئمّة في ذلك
أخرج التّرمذيّ (١) وحسّنه، والحاكم وصحّحه، عن حذيفة ﵁ قال:
قال رسول اللّه ﷺ : «اقتدوا باللّذين من بعدي أبي بكر وعمر».
وأخرجه الطّبراني من حديث أبي الدّرداء، والحاكم من حديث ابن مسعود ﵁.
وأخرج أبو القاسم البغوي بسند حسن عن عبد اللّه بن عمر ﵁ قال:
سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: «يكون خلفي اثنا عشر خليفة: أبو بكر لا يلبث إلاّ قليلا».
صدر هذا الحديث مجمع على صحّته، وارد من طرق عدة، وقد تقدّم شرحه في أوّل هذا الكتاب، وفي الصّحيحين في الحديث السّابق أنه ﷺ لمّا خطب قرب وفاته وقال «إنّ عبدا خيّرة اللّه» الحديث؛ وفي آخره «ولا يبقين باب إلاّ سدّ، إلاّ باب أبي بكر». وفي لفظ لهما «لا يبقين في المسجد خوخة إلاّ خوخة أبي بكر»، قال العلماء: هذا إشارة إلى الخلافة؛ لأنّه يخرج منها إلى الصّلاة بالمسلمين.
وقد ورد هذا اللّفظ من حديث أنس ﵁، ولفظه «سدّوا هذه الأبواب الشّارعة في المسجد إلاّ باب أبي بكر».
أخرجه ابن عديّ؛ ومن حديث عائشة ﵂ أخرجه التّرمذيّ وغيره؛ ومن حديث ابن عبّاس في «زوائد المسند»؛ ومن حديث معاوية بن أبي سفيان، أخرجه الطّبراني؛ ومن حديث أنس أخرجه البزّار.
وأخرج الشّيخان (٢) عن جبير بن مطعم ﵁، قال: أتت امرأة إلى
стр. 74
النّبي ﷺ ، فأمرها أن ترجع إليه، قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك - كأنّها تقول:
الموت - قال ﷺ : «فإن لم تجديني فأتي أبا بكر».
وأخرج الحاكم وصحّحه، عن أنس ﵁ قال: بعثني بنو المصطلق إلى رسول اللّه ﷺ أن سله إلى من ندفع صدقاتنا بعدك، فأتيته فسألته فقال «إلى أبي بكر».
وأخرج ابن عساكر عن ابن عبّاس ﵄ قال: جاءت امرأة إلى النّبيّ ﷺ تسأله شيئا؟ فقال لها: تعودين، فقالت: يا رسول اللّه إن عدت فلم أجدك، تعرّض بالموت، فقال: «إن جئت فلم تجديني فأتي أبا بكر فإنّه الخليفة من بعدي».
وأخرج مسلم (١) عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول اللّه ﷺ في مرضه: «ادعي لي أباك وأخاك حتّى أكتب كتابا، فإنّي أخاف أن يتمنّى متمنّ، ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى اللّه والمؤمنون إلاّ أبا بكر».
وأخرجه أحمد (٢) وغيره من طرق، عنها؛ وفي بعضها «قالت: قال لي رسول اللّه ﷺ في مرضه الّذي فيه مات: «ادعي لي عبد الرحمن بن أبي بكر أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه أحد بعدي، ثم قال: دعيه، معاذ اللّه أن يختلف المؤمنون في أبي بكر».
وأخرج مسلم (٣) عن عائشة ﵂ أنّها سئلت: من كان رسول اللّه ﷺ مستخلفا لو استخلف؟ قالت: أبو بكر، قيل لها: ثم من بعد أبي بكر؟ قالت:
عمر، قيل لها: من بعد عمر؟ قالت: أبو عبيدة بن الجرّاح.
وأخرج الشّيخان عن أبي موسى الأشعريّ ﵁ قال: مرض النّبيّ ﷺ فاشتدّ مرضه. فقال: «مروا أبا بكر فليصلّ بالناس، قالت عائشة: يا رسول اللّه، إنّه رجل رقيق القلب، إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلّي بالنّاس، فقال: مري أبا بكر فليصلّ بالنّاس؛ فعادت، فقال: مري أبا بكر فليصلّ بالنّاس، فإنّكن صواحب
стр. 75
يوسف» فأتاه الرّسول فصلّى بالنّاس في حياة رسول اللّه ﷺ .
هذا الحديث متواتر؛ ورد أيضا من حديث عائشة، وابن مسعود، وابن عبّاس، وابن عمر، وعبد اللّه بن زمعة، وأبي سعيد، وعلي بن أبي طالب، وحفصة ﵂، وقد سقت طرقهم في «الأحاديث المتواترة».
وفي بعضها عن عائشة ﵂: لقد راجعت رسول اللّه ﷺ في ذلك وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنّه لم يقع في قلبي أن يحبّ النّاس بعده رجلا قام مقامه أبدا، وإلاّ أنّي كنت أرى أنّه لن يقوم أحد مقامه إلاّ تشاءم النّاس به، فأردت أن يعدل لذلك رسول اللّه ﷺ عن أبي بكر.
وفي حديث ابن زمعة ﵁ «أنّ رسول اللّه ﷺ أمرهم بالصّلاة، وكان أبو بكر غائبا، فتقدّم عمر فصلّى، فقال رسول اللّه ﷺ : لا لا لا، يأبى اللّه والمسلمون إلاّ أبا بكر، يصلّى بالنّاس أبو بكر».
وفي حديث ابن عمر «كبّر عمر فسمع رسول اللّه ﷺ تكبيره فأطلع رأسه مغضبا فقال: أين ابن أبي قحافة»؟
قال العلماء: في هذا الحديث أوضح دلالة على أن الصّدّيق أفضل الصّحابة على الإطلاق، وأحقّهم بالخلافة، وأولاهم بالإمامة.
قال الأشعريّ: قد علم بالضّرورة أنّ رسول اللّه ﷺ أمر الصّدّيق أن يصلّي بالنّاس مع حضور المهاجرين والأنصار مع قوله ﷺ «يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب اللّه» فدلّ على أنّه كان أقرأهم: أي أعلمهم بالقرآن، انتهى.
وقد استدلّ الصّحابة أنفسهم بهذا على أنّه أحقّ بالخلافة؛ منهم عمر، وسيأتي قوله في فصل المبايعة؛ ومنهم عليّ.
وأخرج ابن عساكر عنه قال: لقد أمر النّبيّ ﷺ أبا بكر أن يصلّي بالنّاس، وإنّي لشاهد وما أنا بغائب وما بي مرض، فرضينا لدنيانا ما رضي به النّبيّ ﷺ لديننا.
قال العلماء: وقد كان ﵁ معروفا بأهليّة الإمامة في زمان النّبيّ ﷺ .
وأخرج أحمد وأبو داود وغيرهما عن سهل بن سعد قال: كان قتال بين بني