الدليل الثاني: ما ثبت في الصحيح من حديث أبى هريرة أن رسول الله قال: «إن رجلا لم يعمل خيرا قط فقال لأهله إذا مات فأحرقوه ثم أذروا نصفه في البر ونصفه في البحر فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين فلما مات الرجل فعلوا به كما أمرهم فأمر الله البر فجمع ما فيه وأمر البحر فجمع ما فيه فإذا هو قائم بين يديه ثم قال لم فعلت هذا قال من خشيتك يا رب وأنت أعلم فغفر الله له» وقد تقدم تخريجه.
فهذا الرجل كان قد وقع له الشك والجهل في قدرة الله - تعالى - على إعادة ابن آدم بعد ما أحرق وذري وعلى أنه يعيد الميت ويحشره إذا فعل به ذلك وهذان أصلان عظيمان:
أحدهما: متعلق بالله تعالى، وهو الإيمان بأنه على كل شيء قدير.
والثاني: متعلق باليوم الآخر وهو الإيمان بأن الله يعيد هذا الميت ويجزيه على أعماله.
ومع هذا فلما كان مؤمنا بالله في الجملة ومؤمنا باليوم الآخر في الجملة وهو أن الله يثيب ويعاقب بعد الموت وقد عمل عملا صالحا وهو خوفه من الله أن يعاقبه على ذنوبه غفر الله له بما كان منه من الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح.
стр. 37
الدليل الثالث: أن السلف أخطأ كثير منهم في كثير من هذه المسائل واتفقوا على عدم التكفير بذلك مثل ما أنكر بعض الصحابة أن يكون الميت يسمع نداء الحي، وأنكر بعضهم أن يكون المعراج يقظة، وأنكر بعضهم رؤية محمد ربه، ولبعضهم في الخلافة والتفضيل كلام معروف، وكذلك لبعضهم في قتال بعض ولعن بعض وإطلاق تكفير بعض أقوال معروفة، وكان القاضي شريح ينكر قراءة من قرأ " بل عجبتُ - بضم التاء - "ويقول: إن الله لا يعجب، فبلغ ذلك إبراهيم النخعي، فقال: إنما شريح شاعر يعجبه علمه، كان عبد الله أفقه منه فكان يقول: بل عجبتُ، فهذا قد أنكر قراءة ثابتة وأنكر صفة دل عليها الكتاب والسنة واتفقت الأمة على أنه إمام من الأئمة، وكذلك بعض السلف أنكر بعضهم حروف القرآن مثل إنكار بعضهم قوله: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وقال: إنما هي أولم يتبين الذين آمنوا، وهذا خطأ معلوم بالإجماع والنقل المتواتر ومع هذا فلما لم يكن قد تواتر النقل عندهم بذلك لم يكفروا وإن كان يكفر بذلك من قامت عليه الحجة بالنقل المتواتر.
ثانيًا - الجاهل المعذور:
فهذا يعذر لجهله، حيث لم تقم عليه الحجة.
стр. 38
يقول ابن تيمية: " لا ريب أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمة وإن كان ذلك في المسائل العلمية، ولولا ذلك لهلك أكثر فضلاء الأمة، وإذا كان الله يغفر لمن جهل تحريم الخمر لكونه نشأ بأرض جهل مع كونه لم يطلب العلم فالفاضل المجتهد في طلب العلم بحسب ما أدركه في زمانه ومكانه إذا كان مقصوده متابعة الرسول بحسب إمكانه هو أحق بأن يتقبل الله حسناته ويثيبه على اجتهاداته ولا يؤاخذه بما أخطأ تحقيقا لقوله ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ". (١)
ثالثًا - المتعدي الظالم:
وهو من يأثم ببدعته، ولا يصل به الأمر إلى الكفر.
وضابط هؤلاء كما يقول ابن تيمية:"أن من كان خطؤه لتفريطه فيما يجب عليه من اتباع القرآن والإيمان مثلا أو لتعديه حدود الله بسلوك السبل التي نهى عنها أو لاتباع هواه بغير هدى من الله فهو الظالم لنفسه وهو من أهل الوعيد بخلاف المجتهد في طاعة الله ورسوله باطنا وظاهرا الذي يطلب الحق باجتهاده كما أمره الله ورسوله فهذا مغفور له خطؤه ". (٢)
رابعًا - الكافر الضال:
стр. 39
كحال كثير من الغلاة الذين يغلون في مشايخهم ويرفعونهم فوق مقام النبوة، أو يضفون عليهم خصائص الألوهية، أو الذين يقولون بوحدة الوجود أو بالحلول والاتحاد، فكل هؤلاء مشركون كفار.
стр. 40
القاعدة التاسعة موافقة الجماعة في المسائل الاجتهادية الظاهرة فيما يراه المجتهد مرجوحًا خير من مفارقتهم إلى ما يراه راجحًا ذلك أن من أهم المقاصد الشرعية الاتفاق وعدم المنازعة، كما قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: ١٠٣) ، فكل ما يقوي وحدة الصف المسلم، ولا يترتب عليه محظور شرعي فهو مطلوب، وهكذا كان هدي السلف رضوان الله عليهم:
فقد صح عن ابن مسعود ﵁ أنه عاب على عثمان ﵁ صلاته بمنى أربعا وصلى معه , فقيل له في ذلك فقال: الخلاف شر. (١)
وفي المدونة: " قلت لمالك: إنه يلينا قوم يرون خلاف ما ترى في السهو , يرون أن ذلك عليهم بعد السلام فيسهو أحدهم سهوا يكون عندنا سجود ذلك السهو قبل السلام , ويراه الإمام بعد السلام فيسجد بنا بعد السلام؟ قال: اتبعوه فإن الخلاف أشر. (٢)
стр. 41
وقال ابن تيمية ﵀: "ويسوغ أيضا أن يترك الإنسان الأفضل لتأليف القلوب , واجتماع الكلمة خوفا من التنفير , عما يصلح كما ترك النبي ﷺ بناء البيت على قواعد إبراهيم ; لكون قريش كانوا حديثي عهد بالجاهلية , وخشي تنفيرهم بذلك. ورأى أن مصلحة الاجتماع والائتلاف مقدمة على مصلحة البناء على قواعد إبراهيم. وقال ابن مسعود لما أكمل الصلاة خلف عثمان , وأنكر عليه فقيل له في ذلك , فقال: الخلاف شر ; ولهذا نص الأئمة كأحمد وغيره على ذلك بالبسملة , وفي وصل الوتر , وغير ذلك مما فيه العدول عن الأفضل إلى الجائز المفضول , مراعاة ائتلاف المأمومين , أو لتعريفهم السنة , وأمثال ذلك ". (١)
стр. 42
القاعدة العاشرة اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية المفترض في كل متناظرين أنهما طالبا حق، لكن قد يخفى الحق عليهما أو على أحدهما، والخفاء قد يكون سببه خفاء الدليل أو الدلالة، فيختلفان فتقع بينهما المناظرة، وقد تنكشف المناظرة ولا يتفقان على قول واحد، لكنهما مستصحبان للنية الأولى وهي طلب الحق. فهذا الاختلاف لا يقطع حبل المودة بينهما، ولا يعكر على القلوب صفاءها، فضلًا عن التنابذ والتدابر ونحو ذلك.
ولقد ضرب لنا سلفنا أمثلة شامخة في هذا الباب، من ذلك:
١-ما قاله يونس الصدفي (٢٦٤هـ) قال: ما رأيت أعقل من الشافعي؛ ناظرته يومًا في مسألة ثم افترقنا، ولقيني فأخذ بيدي، ثم قال: (يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخوانًا، وإن لم نتفق في مسألة) ؟!
٢-ما رواه ابن عبد البر عن العباس بن عبد العظيم العنبري قال: كنت عند أحمد بن حنبل وجاءه علي بن المديني راكبًا على دابة، قال: فتناظرا في الشهادة، وارتفعت أصواتهما حتى خفت أن يقع بينهما جفاء، وكان أحمد يرى الشهادة، وعلي يأبى ويدفع، فلما أراد علي الانصراف، قام أحمد فأخذ بركابه.
стр. 43
٣-وقال الإمام أحمد بن حنبل عن إسحاق بن راهويه: (لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق، وإن كان يخالفنا في أشياء، فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضًا) . (١)
стр. 44
القاعدة الحادية عشرة الاختلاف قد يكون اختلاف تنوع أو اختلاف تضاد فحتى نحصر الخلاف في دائرته الضيقة، ينبغي أن يفرق بين اختلاف التنوع، واختلاف التضاد، ففي كثير من الأحيان ينصب الخلاف بين العالمين أو الفرقتين أو المذهبين، وعند التأمل نجد أن الاختلاف بينهم إنما هو اختلاف صوري، لا حقيقة له، وإنما اختلفت عبارة كل منهما عن الآخر، فظُن هذا الاختلاف نزاعًا.
ويقول أهل العلم: إن اختلاف التنوع سببه أحد أمرين:
الأول: أن يعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى، ومن ذلك: اختلاف المفسرين في معنى الصراط المستقيم، فقيل: هو القرآن، وقيل الإسلام وقيل: السنة، وكل هذه المعاني صحيحة إذ لا تعارض بينها فهي من اختلاف التنوع.
والثاني: أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل، ومن أمثلة ذلك: الاختلاف في صيغ الأذان والتشهد وأدعية الاستفتاح ونحو ذلك، فمثل هذه المسائل لا ينبغي أن تكون سببًا للنزاع والفرقة والمنابذة، لأن السنة قد جاءت بها جميعًا، فلا تثريب على المسلم فيما لو أخذ بأي صفة وردت.
стр. 45
ومن العجب ما نشاهده في بعض البلدان الإسلامية من وقوع المنازعات وفي بعض الأحيان يتطور الأمر إلى المصادمات والمشادات الكلامية والتراشق بالاتهامات والتبديع والتكفير بسبب مسائل فرعية لا ينبغي أن تكون مثارًا للنزاع، ومنبعًا للفتنة، كرفع اليدين في الصلاة، والجهر بالتأمين، والقنوت في صلاة الفجر، ونحو ذلك من المسائل، ومرد ذلك والله أعلم هو الجهل بفقه الخلاف، وما ينبغي على المسلم عمله تجاه من يخالفه في الرأي، وها قد عدنا إلى حيث ما بدأنا به، وهو التأكيد على أهمية هذا الموضوع الذي تسبب إغفاله وإهماله من قبل المربين إلى الحالة التي لا تحسد عليها أمتنا الإسلامية من الضعف والتمزق والافتراق.
стр. 46
ولعلي أختم بحثي هذا بعددٍ من التوصيات:
١- ضرورة تدريس موضوع فقه الخلاف في المؤسسات التعليمية في العالم الإسلامي، حتى يتحلى المسلم بهذه الضوابط مع من يخالفه الرأي.
٢- على المصلحين والمربين والعلماء والدعاة أن يكونوا قدوة في هذا الباب حتى ينعكس أثر ذلك في من يقلدونهم.
٣- ينبغي طرح هذه الموضوعات عبر وسائل الإعلام المختلفة، ولا سيما القنوات الفضائية، حيث أصبح المشاهد - بعد انتشار هذه القنوات - في حيرة من أمره، إذ كان معتادًا على سماع فتوى واحدة من شيخ بلدته، وأصبح الآن يستمع إلى عشرات الفتاوى في الموضوع الواحد من علماء من أقطارٍ شتى.
٤- ينبغي تعريف الناس بمؤسسات الاجتهاد الجماعي، وأن تكون قراراتها بمتناول أيدي الناس.
٥- إن الجهل بفقه الخلاف هو الحوض الذي تنمو فيه بذرة التعصب، تلك البذرة التي تخرج منها نبتة الإرهاب الخبيثة، فلن يقضى على الإرهاب ما لم يقض أولًا على التعصب للرأي، ولن يقضى على التعصب ما لم يفقه الناس بآداب الاختلاف وضوابطه.
والحمد لله أولًا وآخرًا، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 47
أهم المراجع * تيسير اللطيف المنان في تفسير كلام الرحمن / لابن سعدي.
* مجموع فتاوى ابن تيمية.
* البداية والنهاية / لابن كثير.
* أصول الفقه الإسلامي / لوهبه الزحيلي.
* القاموس المحيط / للفيروزابادي.
* المصباح المنير / للفيومي.
* الفتاوى الكبرى / لابن تيمية.
* مفردات ألفاظ القرآن / للراغب الأصفهاني.
* الأم / للشافعي.
* المدونة / لسحنون.
* الجامع الصحيح / للبخاري.
* الجامع الصحيح / لمسلم.
* المسند / للإمام أحمد.
* سنن أبي داود.
* سنن الترمذي.