وقوله: ((أَرْسِلُوهُمَا))، أي: وسترون.
وقوله: ((فَانْطَلَقَا، وَاضْطَجَعَ عَلِيٌّ))، أي: ينتظر ما يأتي من خبرهما.
وقوله: ((فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ سَبَقْنَاهُ إِلَى الْحُجْرَةِ))، أي: سبقه عبد المطلب بن ربيعة ﵁، والفضل بن عباس ﵁.
وقوله: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْتَ أَبَرُّ النَّاسِ، وَأَوْصَلُ النَّاسِ، وَقَدْ بَلَغْنَا النِّكَاحَ، فَجِئْنَا لِتُؤَمِّرَنَا عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ))، يعني: بلغنا الحلم، ونحتاج إلى الزواج وإلى مهر، فلو أمَّرتنا على الزكاة، والصدقات، ثم تعطينا مثلما تعطي الناس من راتب؛ حتى نتزوج.
وقوله: ((فَسَكَتَ طَوِيلًا حَتَّى أَرَدْنَا أَنْ نُكَلِّمَهُ قَالَ: وَجَعَلَتْ زَيْنَبُ تُلْمِعُ عَلَيْنَا مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ أَنْ لَا تُكَلِّمَاهُ))، يعني: تشير بيدها، أو بثوبها من وراء الحجاب أن لا تكلماه.
وقوله: ((ادْعُوَا لِي مَحْمِيَةَ- وَكَانَ عَلَى الْخُمُسِ))، أي: ولَّاه النبي ﷺ على الخمس.
وقوله: ((وَقَالَ لِنَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ: أَنْكِحْ هَذَا الْغُلَامَ ابْنَتَكَ))، يعني: لعبد المطلب بن ربيعة، ابن أخ نوفل بن الحارث، فهي ابنة عمه.
وقوله: ((وَقَالَ لِمَحْمِيَةَ: أَصْدِقْ عَنْهُمَا مِنَ الْخُمُسِ كَذَا وَكَذَا))، أي: من الغنيمة، ففيه: أن محمدًا وآله ﵊ يُعَوَّضون الصدقة من خمس الغنيمة، ومن الفيء.
وقوله: ((أَنَا أَبُو حَسَنٍ الْقَرْمُ)): هو بتنوين حسنٍ، وأما القرمُ فالبراء مرفوع، وهو السيد، وأصله فحل الإبل، قال الخطابي: معناه: المقدم في المعرفة بالأمور والرأي كالفحل.
وقوله: ((وَاللَّهِ لَا أَرِيمُ مَكَانِي))، أي: لا أفارق مكاني.
وقوله: ((بِحَوْرِ مَا بَعَثْتُمَا بِه))، يعني: بالجواب، ويجوز أن يكون من الخيبة، أى: يرجع بالخيبة، وأصل الحور: الرجوع إلى النقص، قال
стр. 1509
القاضي: وهذا أشبه بسياق الحديث (١).
وقوله: ((وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ))، قال القاضي: ((هكذا قال مسلم: ((وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ))، والمحفوظ: من بني زبيد)) (٢).
وفي هذا الحديث: جواز التسمية بعبد المطلب، وأنه مستثنى من التعبيد لغير الله؛ لأن النبي ﷺ لم يغير اسم عبد المطلب بن ربيعة ﵁، وهو من بني هاشم؛ ولهذا قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتاب التوحيد: ((قال ابن حزم: اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله، كعبد عمرو، وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك، حاشا عبد المطلب)) (٣)، أي: فإنهم اختلفوا فيه، وذلك لأمرين:
الأمر الأول: أن تسمية عبد المطلب ليس من التعبيد لغير الله، وإنما هي من تعبيد الرِّقّ؛ وذلك أن شيبةَ الحمدِ جَدَّ النبي ﷺ جاء به عمُّه المطلب من أخواله في المدينة مُرْدِفًا إياه، وكانت الشمس قد غيَّرت لونه إلى السواد، فلمَّا أقبل به إلى المدينة ظنوا أنه عبده، فقالوا: عبد المطلب. فسمي عبد المطلب، وإلا فهو شيبة الحمد ابن أخيه، فغلبت عليه هذه التسمية، فالتسمية إنما هي من تعبيد الرقِّ؛ ولأن المراد بها: مجرَّد الإخبار.
الأمر الثاني: أن في الصحابة من اسمه عبد المطلب؛ كعبد المطلب بن ربيعة، ولم يغيِّره النبي ﷺ ، فلذلك استُثني عبد المطلب، وما عاداه فإنه على التحريم.
وفيه: أن الصدقة والزكاة محرمة على محمد وآله ﷺ ، سواء كانت بسبب العمل، أو بسبب الفقر، أو بسبب المسكنة، أو غير ذلك من الأسباب الثمانية التي ذُكرت في الآية الكريمة: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها
стр. 1510
والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله﴾، وجوَّز بعض الشافعية إخراج الزكاة لبني هاشم وبني المطلب من سهم العامل؛ وذلك لو استعملهم الإمام في الحفظ، أو النقل؛ لأنه إجارة (١)، وهذا ضعيف، أو باطل؛ لأن الحديث صريح في رده.
وفيه: بيان أن العلة في تحريمها على بني هاشم وبني المطلب: أنها لكرامتهم، وتنزيههم عن الأوساخ، ومعنى أوساخ الناس أنها: تطهير لأموالهم ونفوسهم، كما قال تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾.
في هذه الأحاديث: إباحة الهدية للنبي ﷺ ، ولبني هاشم، وبني عبد المطلب.
وفيها: أن الصدقة إذا قبضها المتصدَّق عليه زال عنها وصف الصدقة، وحل للغني الأكل منها، يعني: أن الصدقة إذا أخذها الفقير، ثم أهداها للنبي ﷺ ، أو لآله، فإنها تحل لهم، ويشهد لهذا الحديث: حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ: لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ رَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ غَارِمٍ، أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ مِسْكِينٍ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ مِنْهَا، فَأَهْدَى مِنْهَا لِغَنِيٍّ)) (١).
الأولى: أن الفقير إذا أُعطي الصدقة يجوز أن يأخذ منها الغني.
الثانية: أن الأَمَة إذا أُعتِقت تحت عبد فإنها تختار لنفسها، فإن شاءت بقيت، وإن شاءت فارقت.
الثالثة: أن البائع إذا باع الأمة، أو العبد، واشترط الولاء فإنه يصح البيع، ويبطل الشرط؛ لأن الولاء لمن أَعتق.
стр. 1515
بَابُ قَبُولِ النَّبِيِّ الْهَدِيَّةَ، وَرَدِّهِ الصَّدَقَةَ
[١٠٧٧] حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامٍ الْجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ- يعني: ابْنَ مُسْلِمٍ- عَنْ مُحَمَّدٍ- وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ، فَإِنْ قِيلَ: هَدِيَّةٌ أَكَلَ مِنْهَا، وَإِنْ قِيلَ: صَدَقَةٌ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا.
[خ: ٢٥٧٦]
في هذا الحديث: أنه يلزم أهل الدين التقصي عن مطاعمهم واتقاء المحظور منها والمحذور.
وفيه: الفرق بين الهدية والصدقة، فالصدقة تطهر الأموال وأوساخها، والهدية أصلها المودة وتطييب النفوس، وليس فيها ما في الصدقة مما سبق ذكره، ولا تفضيل اليد العليا على اليد السفلى.
стр. 1516
بَابُ الدُّعَاءِ لِمَنْ أَتَى بِصَدَقَةٍ
[١٠٧٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى. ح، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرٍو- وَهُوَ ابْنُ مُرَّةَ- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: ((اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِمْ))، فَأَتَاهُ أَبِي أَبُو أَوْفَى بِصَدَقَتِهِ، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى))، وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((صَلِّ عَلَيْهِمْ)).
[خ: ١٤٩٧]
في هذا الحديث: مشروعية الدعاء لمن أتى بصدقته، أو زكاته.
وفيه: أنه يجوز- في بعض الأحيان- الصلاة على بعض الصحابة، أو بعض العلماء، فيقال: اللهم صلِّ على أبي هريرة، فلا بأس به ما لم يتخذ شعارًا، كما تفعله الرافضة لآل البيت، فيقولون: علي ﵇، وفاطمة ﵍.
والعادة المتبعة أن تكون الصلاة على الأنبياء، والترضِّي عن الصحابة، والترحم لمن بعدهم.
стр. 1517
بَابُ إِرْضَاءِ السَّاعِي مَا لَمْ يَطْلُبْ حَرَامًا
[٩٨٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، وَأَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وعبد الأعلى، كُلُّهُمْ عَنْ دَاوُدَ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِذَا أَتَاكُمُ الْمُصَدِّقُ، فَلْيَصْدُرْ عَنْكُمْ وَهُوَ عَنْكُمْ رَاضٍ)).
قوله: ((الْمُصَدِّقُ))، أي: العامل، أو الساعي على الصدقة.
وفي هذا الحديث: مشروعية إرضاء الساعي والمصَدِّق ما لم يُصِبْ حرامًا.
وفيه: أنه ينبغي طاعة ولاة الأمور، وملاطفتهم، وهذا في غير الجور وفي غير الأمور المحرمة.
* * *
ومعنى: في زمن مخصوص، أي: من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس.
ومعنى: من شخص مخصوص: هو المسلم، البالغ، العاقل، الصحيح، المقيم في البلد، غير الحائض والنفساء.
قوله: ((وَصُفِّدَتِ))، يعني: غُلِّلَت، والصفد: من الغُلِّ- بضم الغين.
وقوله: ((وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ))، يعني: رُبطت أياديهم إلى أعناقهم بالسلاسل، وهو على ظاهره وحقيقته.
في هذه الأحاديث: دليل على جواز قول: ((رمضان))، من غير ذكر الشهر، بلا كراهة، وهذه المسألة فيها خلاف:
فمن العلماء من قال بكراهة قول: ((رمضان)) على انفراده.
ومنهم من قال: إنه لا يقال: ((رمضان)) إذا كان فيه إيهام، وأما إذا لم يكن فيه إيهام فلا بأس (١).
وفيها: دليل على فضل شهر رمضان، وأن الله اختصه بفضائل، وأنه في هذا الشهر تُفتح أبواب الجنة، وتُغلق أبواب النار، وتُصفَّد الشياطين.
ومن العلماء من تأوله، وقال: ليس على ظاهره، وأن هذا مجاز، وأن تصفيد الشياطين هو: أن يقل إغواؤهم وإيذاؤهم، فيصيرون كالمصفدين (٢).
والصواب: أنه على ظاهره وحقيقته، والله على كل شيء قدير.
وورد بلفظ: ((صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ مَرَدَةُ الْجِنِّ)) (٣).
وفيها: أن الشياطين يُغَلُّون ويُسَلْسَلون، فيقل إيذاؤهم ووساوسهم على أهل الإيمان، وأما الكفرة الذين لا يراعون حرمة الشهر فليسوا داخلين في هذا.
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْهِلَالَ، فَقَالَ: ((إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ)).
قوله: ((فَاقْدِرُوا لَهُ)): في معناه قولان للعلماء:
القول الأول: أن المعنى: احسبوا له، وهذا هو الصواب الذي عليه المحققون من أهل العلم، والمعنى: أنه يحسب ويُكَمَّل الشهر السابق ثلاثين يومًا، ويدل على هذا روايات كثيرة، منها: ((فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ)) (١)، ومنها: ((فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ)) (٢).
القول الثاني: أن المعنى: ضيقوا الشهر، فصوموا اليوم الثلاثين إذا لم ترو الهلال بسبب الغيم أو نحوه، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فمن قدر عليه رزقه﴾، يعني: ضُيِّق، وهذا قول عند الحنابلة، وهو مرجوح ضعيف (٣)؛ لأن النصوص يفسر بعضها بعضًا، واستدلوا بما ثبت عن ابن عمر ﵄ أنه إذا ((كَانَ شَعْبَانُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ نُظِرَ لَهُ، فَإِنْ رُؤِيَ فَذَاكَ، وَإِنْ لَمْ يُرَ وَلَمْ يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ وَلَا قَتَرَةٌ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، فَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ أَوْ قَتَرَةٌ أَصْبَحَ صَائِمًا)) (٤)، وهذا اجتهاد منه ﵁.
والصواب: أنه لا يُصام يوم الثلاثين إلا بالرؤية، ويكمل الشهر السابق ثلاثين يومًا عند الغيم، سواء كانت ليلة الثلاثين صحوًا، أو غيمًا.
وقوله: ((الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، ثُمَّ عَقَدَ إِبْهَامَهُ))، يعني: هكذا عشر، وهكذا عشر، وعقد إبهامه في الثالثة، فيكون تسعًا وعشرين.
стр. 1525
وفي رواية أخرى قال: ((الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، وَعَقَدَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ، وَالشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا- يَعْنِي: تَمَامَ ثَلَاثِينَ)) (١)، فيكون الشهر ثلاثين، ويكون تسعًا وعشرين.
وقوله: ((فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ)): يؤيد قول من قال: إن معنى ((فَاقْدِرُوا لَهُ)) احسبوا له ثلاثين، وليس المراد: ضيقوا الشهر وصوموا اليوم الثلاثين، كما فهم ابن عمر ﵄.
وقوله: ((فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ)): تصريح بأن معنى ((فَاقْدِرُوا لَهُ)): احسبوا له.
وقوله: ((إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ)): هذا وصف لأغلب العرب؛ لأنهم لا يكتبون، ولا يحسبون، كما قال تعالى: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم﴾، وهذا الوصف باقٍ إلى الآن رغم انتشار العلم، فكثير من الأعراب وأهل البوادي والقرى لا يقرؤون ولا يكتبون.
وفي هذه الروايات: التصريح بإكمال العدد ثلاثين يومًا عند الغمة، سواء كانت الغمة في رمضان، أو في شعبان.
стр. 1526
بَابُ لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ
[١٠٨٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُبَارَكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ، إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ)).
[خ: ١٩١٤]
وَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ الْحَرِيرِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ- يَعْنِي: ابْنَ سَلَّامٍ-.ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.
في هذا الحديث: أنه لا يصوم أحد قبل رمضان بيوم أو يومين، إلا إذا وافق عادة له، كأن كان يصوم يوم الاثنين والخميس، وكذلك إذا كان عليه أيام من رمضان الماضي، أو كان عليه أيام نذر، أو كفارة؛ فله- حينئذٍ- أن يصوم قبل رمضان بيوم، أو يومين.
فالممنوع- إذًا-: أن يصوم نفلًا مطلقًا، أو يصوم بنية الاحتياط لرمضان.
عَلَيْنَا شَهْرًا قَالَ: ((إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا)).
[خ: ١٩١٠]
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا رَوْحٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ- يَعْنِي: أَبَا عَاصِمٍ- جَمِيعًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
[١٠٨٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ عَلَى الْأُخْرَى، فَقَالَ: ((الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا))، ثُمَّ نَقَصَ فِي الثَّالِثَةِ إِصْبَعًا.
وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا))، عَشْرًا وَعَشْرًا وَتِسْعًا مَرَّةً.
وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُهْزَاذَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، وَسَلَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ- يَعْنِي: ابْنَ الْمُبَارَكِ- أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمَعْنَى حَدِيثِهِمَا.
في هذه الأحاديث: أنه لا بأس أن يهجر الإنسان زوجته شهرًا أو أكثر، إلى أربعة أشهر، وهي مدة الإيلاء، ولا يزيد؛ لأن الله تعالى جعلها حدًّا، فقال سبحانه: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾؛ وأما في الكلام فلا يهجرها أكثر من ثلاثة أيام؛ للحديث الصحيح: أن النبي ﷺ قال: ((لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ، يَلْتَقِيَانِ، فَيَصُدُّ هَذَا، وَيَصُدُّ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ)) (١).
وقوله: ((إِنَّمَا الشَّهْرُ، وَصَفَّقَ بِيَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَحَبَسَ إِصْبَعًا وَاحِدَةً فِي الْآخِرَةِ))، يعني: أنه أشار بيديه ثلاث مرات، هكذا بأصابعه عشرًا، ثم عشرًا، ثم في الثالثة حبس أصبعًا، فصار تسعًا وعشرين.
стр. 1529
بَابُ بَيَانِ أَنَّ لِكُلِّ بَلَدٍ رُؤْيَتَهُمْ، وَأَنَّهُمْ إِذَا رَأَوْا الْهِلَالَ بِبَلَدٍ لَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ لِمَا بَعُدَ عَنْهُمْ
[١٠٨٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنْ مُحَمَّدٍ- وَهُوَ ابْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ- عَنْ كُرَيْبٍ أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ بَعَثَتْهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ قَالَ: فَقَدِمْتُ الشَّامَ فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا، وَاسْتُهِلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ وَأَنَا بِالشَّامِ، فَرَأَيْتُ الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَأَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄، ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ، فَقَالَ: مَتَى رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ؟ فَقُلْتُ: رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ وَرَأَىهُ النَّاسُ، وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، فَقَالَ: لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ أَوْ نَرَاهُ، فَقُلْتُ: أَوَ لَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ؟ فَقَالَ: لَا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَشَكَّ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى فِي: نَكْتَفِي، أَوْ تَكْتَفِي.
مسألة: هل تعُمُّ رؤية الهلال في بلدٍ جميعَ الأرض، أو تختص بأهل البلد؟
الجواب: في هذه المسألة قولان مشهوران للعلماء:
أحدهما: قول جمهور العلماء (١): أن الرؤية تعم جميع أهل الأرض، وأنه إذا رؤي في بلد وجب على جميع الناس الصوم؛ لأن المسلمين أمة واحدة، واستدلوا بقوله ﷺ : ((صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ)) (٢) فقالوا: الخطاب عام
стр. 1530
لجميع الأمة، وأجابوا عن حديث كُرَيْب هذا بأنه فَهْمُ ابنِ عباس من الحديث، أو أن الرؤية لا يُقبل فيها شهادة الواحد.
القول الثاني: قول الشافعية أن لكل بلد رؤيتهم، واستدلوا بحديث كُرَيْبٍ هذا؛ لأن ابن عباس لم يعمل برؤية معاوية فأهل المدينة لهم رؤيتهم، وأهل الشام لهم رؤيتهم (١).
فائدة: إذا كان البلد يعمل بالحساب، لا بالرؤية، أو لم يثقوا برؤيتهم، فالعمل بحديث كريب هذا حَسَن، وقد درس مجلس هيئة كبار العلماء هذه المسألة، ورأوا أن لكل بلد رؤيته (٢).
وعلى كل حال: إذا أمكن أن يعمل المسلمون برؤية الهلال فهذا حسن، وإذا لم يمكن فلكل أهل بلد رؤيته (٣).
الرؤية، يقال منه: مدَّ وأمدَّ، قال الله تعالى: ﴿وإخوانهم يمدونهم في الغي﴾، أي: يطيلون لهم، وقد يكون: ((أَمَدَّهُ)) من المدة التي جُعلت له، قال صاحب الأفعال: أمددتكها، أي: أعطيتكها)) (١).
стр. 1533
بَابُ بَيَانِ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : ((شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ))
[١٠٨٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ: رَمَضَانُ، وَذُو الْحِجَّةِ)).
[خ: ١٩١٢]
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ سُوَيْدٍ، وَخَالِدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ))، فِي حَدِيثِ خَالِدٍ: ((شَهْرَا عِيدٍ: رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ)).
اختلف العلماء في معنى هذه الأحاديثعلى أقوال:
القول الأول: أنه لا ينقص أجرهما وثوابهما، وإن نقص عددهما.
القول الثاني: لا ينقصان جميعًا في سنة واحدة، بل إن نقص أحدهما تمَّ الآخر، لكن هذا مخالف للواقع؛ لأنهما قد ينقصان جميعًا.
القول الثالث: لا ينقص ثواب ذي الحجة عن ثواب رمضان؛ لأن فيه المناسك.
والصواب المعنى الأول.
في هذا الحديث: أنه لما نزل قول الله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ كان عدي بن حاتم ﵁ ورجالٌ يجعل أحدُهم تحت وسادته عقالين: عقال أبيض، وعقال أسود؛ ليعرف به الليل من النهار، حتى أنزل الله تعالى قوله: ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ فعرفوا أن المراد: سواد الليل، وبياض النهار. (١)
وفيه: أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، وأن من يريد الصوم له أن يأكل ويشرب حتى يتبين له سواد الليل من بياض النهار بطلوع الفجر الصادق الذي ينتشر في المشرق، بخلاف الفجر الكاذب الذي يصير حادًّا في وسط السماء، ثم يظلم.
وفي هذه الأحاديث: أنه لا بأس أن يؤذَّن للفجر قبل دخول الوقت؛ للتنبيه، ولكن ينبغي أن يكون هناك مؤذن آخر بعد طلوع الفجر، أو يؤذن المؤذن نفسه مرة أخرى بعد طلوع الفجر؛ حتى لا يُغَرَّ الناس.
[١٠٩٣] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ- أَوَ قَالَ: نِدَاءُ بِلَالٍ- مِنْ سُحُورِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ- أَوَ قَالَ: يُنَادِي- بِلَيْلٍ؛ لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ، وَيُوقِظَ نَائِمَكُمْ))، وَقَالَ: ((لَيْسَ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا وَهَكَذَا)) وَصَوَّبَ يَدَهُ وَرَفَعَهَا، حَتَّى يَقُولَ: هَكَذَا، وَفَرَّجَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ.
[خ: ٦٢١]
وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ- يَعْنِي: الْأَحْمَرَ- عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ الْفَجْرَ لَيْسَ الَّذِي يَقُولُ هَكَذَا))، وَجَمَعَ أَصَابِعَهُ، ثُمَّ نَكَسَهَا إِلَى الْأَرْضِ، ((وَلَكِنْ الَّذِي يَقُولُ هَكَذَا))، وَوَضَعَ الْمُسَبِّحَةَ عَلَى الْمُسَبِّحَةِ، وَمَدَّ يَدَيْهِ، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، وَالْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَانْتَهَى حَدِيثُ الْمُعْتَمِرِ عِنْدَ قوله: ((يُنَبِّهُ نَائِمَكُمْ، وَيَرْجِعُ قَائِمَكُمْ))، وقَالَ إِسْحَاقُ: قَالَ جَرِيرٌ فِي حَدِيثِهِ: ((وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا، وَلَكِنْ يَقُولُ هَكَذَا))، يَعْنِي: الْفَجْرَ، هُوَ الْمُعْتَرِضُ، وَلَيْسَ بِالْمُسْتَطِيلِ.
قوله: ((لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ))، يعني: لِيَرُدَّ القائم المتهجد عن الإطالة في القيام، ولِيُعْلِمَهُ بقرب الصبح.
وقوله: ((وَيُوقِظَ نَائِمَكُمْ))، يعني: يوقظ النائم ليتأهب للصبح، أو ليتهجد قليلًا، أو ليتسحر، أو ليغتسل، أو ليتوضأ.
стр. 1538
وقوله: ((وَوَضَعَ الْمُسَبِّحَةَ عَلَى الْمُسَبِّحَةِ وَمَدَّ يَدَيْهِ)): المُسَبِّحة هي: السَّبَّابة، يقال لها: المسبحة؛ لأنه يسبَّح بها، ويقال لها السَّبَّابة؛ لأنه يشار بها في السَّبِّ.
وفي هذه الأحاديث: أن الفجر فجران: فجر كاذب، وفجر صادق، فالكاذب هو المرتفع المستطيل كالعمود في وسط السماء ثم يُظلم، كذَنب السرحان، وهو: الذئب، وأما الفجر الصادق فهو: الممتد المستطير، أي: المنتشر في جهة المشرق.
وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، كِلَاهُمَا عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى. ح، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ، وَعَبَّادٍ، وَعَبْدِ الْوَاحِدِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَحَدٍ مِنْهُمْ: فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَلَا قوله: ((وَجَاءَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا))، إِلَّا فِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ وَحْدَهُ.
قوله: ((إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ))، يعني: من المشرق.
وقوله: ((وَأَدْبَرَ النَّهَارُ))، يعني: من المغرب.
وقوله: ((انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا))، يعني: اخلِط السَّويق بالماء، من باب التحلية.
وقوله: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا))، يعني: ما غربت الشمس؛ لأنه رأى ﵁ الحمرة بعد غروب الشمس، وظن أن الفطر لا يحلُّ إلا بعد ذهاب ذلك.
في هذه الأحاديث: أنه لا عبرة بالحمرة بعد غروب قرص الشمس؛ لأن الحمرة تبقى مدة.
وفيه: أن الصحابي ﵁ أشكلت عليه الحمرة من غروب الشمس، فراجع النبي ﷺ ، ففيه: أنه لا بأس من مراجعة العالم، أو المسؤول، أو الكبير؛ حتى يتبين الأمر.
وفيه: أن هذا الرجل راجع النبي ﷺ مرتين:
الأولى: قال: ((لَوْ أَمْسَيْتَ؟ ))، يعني: لو انتظرت المساء حتى تغرب الشمس؟
الثانية: قال: ((إِنَّ عَلَيْنَا نَهَارًا))، فظن لما رأى الحمرة بعد غروب الشمس أن النهار باقٍ؛ فبين له النبي ﷺ أنه لا عبرة بالحمرة التي تكون بعد غروب الشمس، بل العبرة بإقبال الليل، وإدبار النهار.