← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 11

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (4 625 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

الْإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، وَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ، و ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾))، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ ارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ عِنْدَهُ، وَكَثُرَ اللَّغْطُ، وَأَمَرَ بِنَا فَأُخْرِجْنَا، قَالَ: فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي- حِينَ خَرَجْنَا-: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، إِنَّهُ لَيَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الْأَصْفَرِ، قَالَ: فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ. [خ: ٤٥٥٣] وَحَدَّثَنَاهُ حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: وَكَانَ قَيْصَرُ لَمَّا كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُ جُنُودَ فَارِسَ مَشَى مِنْ حِمْصَ إِلَى إِيلِيَاءَ شُكْرًا لِمَا أَبْلَاهُ اللَّهُ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَقَالَ: إِثْمَ الْيَرِيسِيِّينَ، وَقَالَ: بِدَاعِيَةِ الْإِسْلَامِ. قوله: ((سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى)) هذا سلام منكَّر. وهذا الحديث فيه: هذه القصة التي حدثت لأبي سفيان ﵁ وكان آنذاك مشركًا-. وفيه: أن أبا سفيان ﵁ قال: ((وَايْمُ اللَّهِ)) فقد كان يحلف، وكان المشركون يحلفون بالله، وباللات، والعزى، وكانوا يحجون وهم على شركهم، وكانوا يعبدون الله، ويعبدون معه غيره. وفيه: أن الكذب قبيح في الجاهلية والإسلام، فهذا أبو سفيان ﵁ خشي أن يؤثر عنه الكذب مع شدة عداوته للنبي ﷺ في ذلك الحين، فإذا كان أهل الجاهلية- على شركهم- يتركون الكذب؛ لأنه قبيح، فالمسلم أولى أن يبتعد عن الكذب، ولهذا قيل للنبي ﷺ : ((أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ جَبَانًا؟ قَالَ: نَعَمْ،

стр. 2662

قِيلَ: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ بَخِيلًا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقِيلَ لَهُ: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ كَذَّابًا؟ قَالَ: لا)) (١). وفيه: أن هرقل ((دَعَا بِتَرْجُمَانِهِ)) والتَّرجمان- بفتح التاء، وقيل: بضمها-: هو الذي ينقل الكلام من لغة إلى لغة. وهرقل لقب كل من ملك الشام، كما أن من ملك الروم يقال له: قيصر، ومَن ملك الفرس يقال له: كسرى، ومَن ملك القبط يقال له: فرعون. وفيه: أن هرقل وجَّه إلى أبي سفيان أحد عشر سؤالًا تيقن من خلالها أن محمدًا ﷺ نبي، وهذا لأن هرقل كان من أهل الكتاب، قرأ الكتاب الأول، وعرف صفات النبي ﷺ . وفيه: أن الرسل تُبعث في أحساب قومها؛ حتى لا يكون لأحد فيهم مطعن، وأن هذا أدعى لقبول الناس لهم. وفيه: أن أتباع الرسل هم الضعفاء؛ لأن الأشراف فيهم كبر يمنعهم من اتِّباع الأنبياء؛ لأن الشرائع تقيِّدهم، وهم يريدون أن ينطلقوا من القيود؛ ولهذا قال قوم نوح لنوح ﵇: ﴿أنؤمن لك واتبعك الأرذلون﴾، وقالوا: ﴿ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلُنا بادئ الرأي﴾. وفيه: استنباط هرقل، فهو يقول: كيف يترك رسول الله ﷺ الكذب على الناس ثم يكذب على الله؟ ! وفيه: أن هرقل رجل عاقل؛ لذلك قال: ((وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ إِذَا خَالَطَ بَشَاشَةَ الْقُلُوبِ))، وهذا يدل على أنه عرف أن الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب فإن له حلاوة ولذة؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ)) (٢)، والإيمان إذا خالط بشاشة

стр. 2663

القلوب لا يمكن أن يرتد عنه أحد. وهذا يدل- أيضًا- على أن الذي منع هرقل من الإيمان أنه آثر الحياة الدنيا على الآخرة، وأن المعرفة لا تكفي وحدها بدون انقياد واتباع، فإبليس كان عارفًا، وفرعون كان عارفًا ولكن منعهم الكبر. وفيه: أن هرقل تضلَّع من الكتاب الأول؛ لذا قال: ((وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى، ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ الْعَاقِبَةُ))، وهذا يدل على معرفته بعاقبة المرسلين. وفيه: أنه استدل على نبوة النبي ﷺ كذلك بقوله: ((وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ))، وهذه الأسئلة يُستدل بها على نبوة الأنبياء، وأن دلائل النبوة كثيرة، وليست خاصة بالمعجزات كما يدعي الأشاعرة، وأهل البدع (١)، وهذا من جهلهم. كما أن خديجة ﵂ استدلت على نبوة النبي ﷺ بصفات النبي ﷺ ، فلما جاء إليها في أول البعثة، فقالت: ((كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا؛ إِنَّكَ لَتَصِلُ

стр. 2664

الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ)) (١). وفيه: أن قوله: ((إِنْ يَكُنْ مَا تَقُولُ فِيهِ حَقًّا فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، وَلَمْ أَكُنْ أَظُنُّهُ مِنْكُمْ، وَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ، وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ))، يعني: أنه سيبلغ ملك المسلمين بلاد الروم، وهذا وقع للصحابة ﵃، فقد فتحوا بلاد الشام ومصر وبلاد العراق، ثم ما وراء النهر. وفي ابتداء كتاب النبي ﷺ بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ مشروعيةُ ابتداء الكتاب بالبسملة، كما كتب سليمان ﵇ إلى بلقيس: ﴿إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلو علي وأتُوني مسلمين﴾. وفيه: أن الكاتب يبدأ بنفسه، فيقول: من فلان إلى فلان. وفيه: أن النبي ﷺ دعا هرقل إلى الإسلام، فالكفار لا يُقاتَلون حتى يُدعَوا إلى الإسلام أولًا، فإذا بلغتهم الدعوة، ولم يستجيبوا فإنه يجوز للمسلمين أن يُغِيروا عليهم من دون دعوة، ويجوز لهم أن يدعوهم مرة أخرى من باب الاستحباب، كما أغار النبي ﷺ على بني المصطلق وهم غارُّون، وأنعامهم تُسقَى على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم، وكما فعل في بعض جهة خيبر، وأحيانًا يعيد الدعوة مرة أخرى، كما أمر النبي ﷺ عليًّا ﵁ في بعض السرايا لما بعثها إلى خيبر، وقال: ((ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ)) (٢). وفيه كلام جامع عظيم في قوله: ((أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ)) وأَسْلِمْ تَسْلَمْ أي: من القتال والعقوبة في الدنيا، وتسلم من العذاب في الآخرة، و ((يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ))؛ لأنه من أهل الكتاب، وأهل

стр. 2665

الكتاب إذا آمنوا يؤتون أجرهم مرتين، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾، وفي الحديث: ((ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَأَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ فَآمَنَ بِهِ، وَاتَّبَعَهُ، وَصَدَّقَهُ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى، وَحَقَّ سَيِّدِهِ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ فَغَذَّاهَا فَأَحْسَنَ غِذَاءَهَا، ثُمَّ أَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ أَدَبَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ)) (١). وفيه ذكر الأريسيين في قوله: ((وَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ)): وهم الفلاحون والزارعون، والمراد: جميع الرعية، لكنه خص الفلاحين والزارعيين؛ لأنهم هم الأغلب في مملكته، ولأنهم أسرع انقيادًا، وغيرهم تبع لهم، وقيل: المراد بالأريسيين: اليهود والنصارى، وقيل المراد بهم: الملوك الذين يدعون إلى الباطل. وفي بعثه ﷺ إلى هرقل قول الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ دليل على أنه لا بأس ببعث الآية والآيتين إلى بلاد الكفار، وأنه لا بأس بمس كتب التفسير التي فيها بعض الآيات، وأن الممنوع هو مس المصحف كاملًا. وقد جاء في الحديث النهي عن سفر القرآن لأرض العدو؛ خشية أن تمسه أيديهم، فعن ابن عمر ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ؛ فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ)) (٢). وفيه: أنه لما خرج أبو سفيان- وكان قائد المشركين بمكة- تعجب من اهتمام هرقل بالنبي ﷺ ، وقال: ((لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ)) أي: عظم شأن ابن أبي كبشة، يعني: النبيَّ ﷺ ، وكانوا ينسبونه إلى جده أبي كبشة، قيل: هو أبوه من الرضاعة، وقيل: هو جده لأمه، وقيل: إنه رجل كان يعبد

стр. 2666

الشعرى وحده ولم يتبعه العرب، فشُبِّه به النبي ﷺ في مخالفته إياهم لدينهم، وكان الكفار إذا غضبوا عليه ﷺ قالوا: ابن أبي كبشة، وإذا رضوا قالوا: ابن عبد المطلب. وفيه: أن هرقل لما أنعم الله عليه فصدَّ عنه جنود الفرس مشى من حمص إلى إيلياء على قدميه شكرًا لله، وكان الملوك لا يمشون على أقدامهم، لكنه مشى شكرًا لله . وجاء في صحيح البخاري (١) أن هرقل لما خرج أبو سفيان جمع القساوسة وعلماء النصارى وأهل الكتاب في مجمع عظيم، ولما دخلوا وأخذوا أمكنتهم أمر بالأبواب فأغلقت، وأخذ المفاتيح، ثم اطلع عليهم من فوق بعلو وكبرياء، وقال لهم: يا بني كذا- ناداهم بأسمائهم- هل لكم في الفلاح؟ هل لكم في النجاة؟ هل لكم في سعادة الدنيا والآخرة؟ قالوا: ماذا؟ قال: تتبعون هذا النبي، وأنتم تعلمون علم اليقين مثل الشمس أنه رسول الله، هذه صفاته عندكم، فلما رأوا هذا الكلام حاصروه إلى الأبواب يريدون أن يخلعوه ويقتلوه، ولكنه احتاط لنفسه وأغلق الأبواب، وقال: ردوهم عليَّ، فلما رجعوا إلى أماكنهم طلع عليهم مرة أخرى، وقال: إنما قلت هذا الكلام لأختبر صبركم على دينكم، وثباتكم عليه، فسجدوا له، فلما بلغ النبي ﷺ ذلك، قال: ((ضَنَّ الْخَبِيثُ بِمُلْكِهِ، وَلا بَقَاءَ لِمُلْكِهِ)) (٢)، أي: بخل وشح بملكه، وسيزول.

стр. 2667

بَابُ كُتُبِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى مُلُوكِ الْكُفَّارِ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ . [١٧٧٤] حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ الْمَعْنِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى، وَإِلَى قَيْصَرَ، وَإِلَى النَّجَاشِيِّ، وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ، يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ . وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرُّزِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَقُلْ: وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ . وحَدَّثَنِيهِ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، أَخْبَرَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ قَيْسٍ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ: وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ . قوله: ((وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ) يريد أن يقول: إن النجاشي الذي صلى عليه النبي ليس بجبار، بل ثبت إسلامه، وصلى عليه النبي ﷺ كما سبق في باب في التكبير على الجنازة (١)، وهو لا يصلي إلا على مؤمن. وهذا الحديث فيه: أن النبي ﷺ كتب إلى قيصر ملك الروم، وكتب إلى كسرى ملك الفرس؛ وكتب إلى المقوقس عظيم القبط بمصر، لأنه مأمور بتبليغ الرسالة. وفيه: مشروعية الكتب من الرئيس ومن العالم إلى رؤساء القبائل والعشائر والأفراد، وإلى ولاة الأمور من باب النصيحة، والدعوة، وتبليغ الرسالة.

стр. 2668

بَاب فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ . [١٧٧٥] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ: قَالَ عَبَّاسٌ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَلَزِمْتُ أَنَا وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمْ نُفَارِقْهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ بَيْضَاءَ أَهْدَاهَا لَهُ فَرْوَةُ بْنُ نُفَاثَةَ الْجُذَامِيُّ، فَلَمَّا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ قِبَلَ الْكُفَّارِ، قَالَ عَبَّاسٌ: وَأَنَا آخِذٌ بِلِجَامِ بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَكُفُّهَا إِرَادَةَ أَنْ لَا تُسْرِعَ، وَأَبُو سُفْيَانَ آخِذٌ بِرِكَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَيْ عَبَّاسُ، نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ))، فَقَالَ عَبَّاسٌ- وَكَانَ رَجُلًا صَيِّتًا-: فَقُلْتُ- بِأَعْلَى صَوْتِي-: أَيْنَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ؟ قَالَ: فَوَاللَّهِ لَكَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةُ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلَادِهَا، فَقَالُوا: يَا لَبَّيْكَ يَا لَبَّيْكَ، قَالَ: فَاقْتَتَلُوا وَالْكُفَّارَ، وَالدَّعْوَةُ فِي الْأَنْصَارِ، يَقُولُونَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، قَالَ: ثُمَّ قُصِرَتِ الدَّعْوَةُ عَلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَقَالُوا: يَا بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، يَا بَنِي الْحَارِثِ ابْنِ الْخَزْرَجِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ كَالْمُتَطَاوِلِ عَلَيْهَا إِلَى قِتَالِهِمْ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((هَذَا حِينَ حَمِيَ الْوَطِيسُ))، قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَصَيَاتٍ فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الْكُفَّارِ، ثُمَّ قَالَ: ((انْهَزَمُوا، وَرَبِّ مُحَمَّدٍ))، قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ فَإِذَا الْقِتَالُ عَلَى هَيْئَتِهِ- فِيمَا أَرَى- قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَمَاهُمْ بِحَصَيَاتِهِ، فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلًا، وَأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا. وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عن الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ:

стр. 2669

فَرْوَةُ ابْنُ نُعَامَةَ الْجُذَامِيُّ، وَقَالَ: ((انْهَزَمُوا، وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، انْهَزَمُوا، وَرَبِّ الْكَعْبَةِ))، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: حَتَّى هَزَمَهُمُ اللَّهُ، قَالَ: وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَرْكُضُ خَلْفَهُمْ عَلَى بَغْلَتِهِ. وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عن الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي كَثِيرُ بْنُ الْعَبَّاسِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ يُونُسَ وَحَدِيثَ مَعْمَرٍ أَكْثَرُ مِنْهُ وَأَتَمُّ. هذه الغزوة تسمى غزوة حُنَيْن، وحُنَيْنٌ وادٍ بين مكة والطائف حصلت فيه المعركة، وكان عدد جيش المسلمين اثني عشر ألفًا، وقالوا: لن نُغلب اليوم من قلة، فحصلت الهزيمة في أول الأمر. قوله: ((أَيْ عَبَّاسُ، نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ)) السَّمُرَةُ هي: الشجرة التي بايع الصحابة ﵃ رسول الله ﷺ تحتها يوم الحديبية، وكانوا ألفًا وأربعَمائة، وهم الذين أنزل الله فيهم: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾، وقال فيهم النبي ﷺ : ((لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)) (١)، وقوله: ((ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَصَيَاتٍ فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الْكُفَّارِ، ثُمَّ قَالَ: ((انْهَزَمُوا، وَرَبِّ مُحَمَّدٍ)))): وحينها ما بقي كافر إلا دخل في عينيه ومنخريه شيء من تلك الرملة. وفيه: معجزتان: معجزة قولية، ومعجزة فعلية، أما المعجزة القولية فقوله: ((انْهَزَمُوا)) فانهزموا، وأما المعجزة الفعلية، فهي أن هذه القبضة من التراب أوصلها الله إلى الكفار، فأصابتهم جميعًا في أعينهم، ومناخرهم، فانهزموا.

стр. 2670

وهذا الحديث فيه: شجاعة النبي ﷺ ، حيث كان ﷺ يركض بغلته إلى الكفار، وكان العباس ﵁ عم النبي ﷺ يأخذ بخطامها؛ لئلَّا تذهب إليهم وهو يركض، ثم نزل ﵊ ونوَّه عن نفسه: ((أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ))، ينسب نفسه إلى جده ﵊؛ لأن جده معروف عند العرب، بخلاف أبيه عبد الله؛ فإنه مات شابًّا، والجد أب؛ فالمعنى واحد، قال تعالى: ﴿واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب﴾. وكان الصحابة ﵃ يلوذون به ﷺ . وفيه: تحريم العُجب بالنفس، وأن العُجب سبب في الهزيمة، كما أخبر الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ﴿، ثم تداركهم الله بعد ذلك، قال الله: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، فأنزل الله الجنود لتقاتل كما في بدر، وأنزل الله السكينة والطمأنينة على النبي ﷺ وعلى المؤمنين، وغنموا غنائم عظيمة من الإبل ومن الغنم، وسَبَوا- أيضًا- نساء هوازن وذراريهم. ثم بعد ذلك انتظرهم النبي ﷺ بضع ليالٍ فأتوا تائبين، فرأى النبي ﷺ أن يرد عليهم سبيهم، وأما الأموال فقسمت. [قول البراء ﵁: ((وَلَكِنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَفِرَّ، وَكَانَتْ هَوَازِنُ- يَوْمَئِذٍ- رُمَاةً)) في الرواية المتقدمة: ((لا وَاللَّهِ، مَا وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَكِنَّهُ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ، وَأَخِفَّاؤُهُمْ حُسَّرًا لَيْسَ بِسِلاحٍ)) يريد: أن الذين ولوا هم شبان جاءوا وليس معهم سلاح. وفي قوله: ((أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ)): دليل على أن الانتساب إلى الآباء ولو كانوا كفارًا لا بأس به؛ لأنه إخبار عن الواقع، ويترتب عليه معرفة الأنساب والمواريث والعصبات والمحارم.] [*]

стр. 2671

[١٧٧٦] حَدَّثَنَا يحيى بْنُ يحيى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ: يَا أَبَا عُمَارَةَ، أَفَرَرْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، مَا وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَكِنَّهُ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ وَأَخِفَّاؤُهُمْ حُسَّرًا لَيْسَ عَلَيْهِمْ سِلَاحٌ- أَوْ: كَثِيرُ سِلَاحٍ- فَلَقُوا قَوْمًا رُمَاةً، لَا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ، جَمْعَ هَوَازِنَ، وَبَنِي نَصْرٍ، فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ، فَأَقْبَلُوا هُنَاكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَقُودُ بِهِ، فَنَزَلَ فَاسْتَنْصَرَ، وَقَالَ: ((أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ. ثُمَّ صَفَّهُمْ)). [خ: ٢٩٣٠] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَنَابٍ الْمِصِّيصِيُّ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْبَرَاءِ، فَقَالَ: أَكُنْتُمْ وَلَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ يَا أَبَا عُمَارَةَ؟ فَقَالَ: أَشْهَدُ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ مَا وَلَّى، وَلَكِنَّهُ انْطَلَقَ أَخِفَّاءُ مِنَ النَّاسِ، وَحُسَّرٌ إِلَى هَذَا الْحَيِّ مِنْ هَوَازِنَ، وَهُمْ قَوْمٌ رُمَاةٌ، فَرَمَوْهُمْ بِرِشْقٍ مِنْ نَبْلٍ، كَأَنَّهَا رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ، فَانْكَشَفُوا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ يَقُودُ بِهِ بَغْلَتَهُ، فَنَزَلَ وَدَعَا وَاسْتَنْصَرَ، وَهُوَ يَقُولُ: ((أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ، اللَّهُمَّ نَزِّلْ نَصْرَكَ))، قَالَ الْبَرَاءُ: كُنَّا وَاللَّهِ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ نَتَّقِي بِهِ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِي بِهِ- يَعْنِي: النَّبِيَّ ﷺ . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ- وَسَأَلَهُ رَجُلٌ مِنْ قَيْسٍ-: أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ فَقَالَ الْبَرَاءُ: وَلَكِنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَفِرَّ، وَكَانَتْ هَوَازِنُ- يَوْمَئِذٍ- رُمَاةً، وَإِنَّا لَمَّا حَمَلْنَا عَلَيْهِمُ انْكَشَفُوا، فَأَكْبَبْنَا عَلَى الْغَنَائِمِ، فَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَامِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ ابْنَ الْحَارِثِ آخِذٌ بِلِجَامِهَا، وَهُوَ يَقُولُ: ((أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ)).

стр. 2672

[خ: ٢٨٦٤]. وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يحيى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ عن البَرَاءِ قَالَ: قَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عُمَارَةَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَهُوَ أَقَلُّ مِنْ حَدِيثِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ أَتَمُّ حَدِيثًا. [١٧٧٧] وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُنَيْنًا، فَلَمَّا وَاجَهْنَا الْعَدُوَّ تَقَدَّمْتُ فَأَعْلُو ثَنِيَّةً، فَاسْتَقْبَلَنِي رَجُلٌ مِنَ الْعَدُوِّ فَأَرْمِيهِ بِسَهْمٍ، فَتَوَارَى عَنِّي، فَمَا دَرَيْتُ مَا صَنَعَ، وَنَظَرْتُ إِلَى الْقَوْمِ فَإِذَا هُمْ قَدْ طَلَعُوا مِنْ ثَنِيَّةٍ أُخْرَى، فَالْتَقَوْا هُمْ وَصَحَابَةُ النَّبِيِّ ﷺ ، فَوَلَّى صَحَابَةُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَرْجِعُ مُنْهَزِمًا وَعَلَيَّ بُرْدَتَانِ مُتَّزِرًا بِإِحْدَاهُمَا، مُرْتَدِيًا بِالْأُخْرَى، فَاسْتَطْلَقَ إِزَارِي فَجَمَعْتُهُمَا جَمِيعًا، وَمَرَرْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُنْهَزِمًا، وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ الشَّهْبَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَقَدْ رَأَى ابْنُ الْأَكْوَعِ فَزَعًا))، فَلَمَّا غَشُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ عَنِ الْبَغْلَةِ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ مِنَ الْأَرْضِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهِ وُجُوهَهُمْ، فَقَالَ: ((شَاهَتِ الْوُجُوهُ))، فَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْهُمْ إِنْسَانًا إِلَّا مَلَأَ عَيْنَيْهِ تُرَابًا بِتِلْكَ الْقَبْضَةِ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ ، وَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَنَائِمَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. قوله: ((الْمِصِّيصِيُّ)) فيه وجهان: المَصِيصي، والمِصِّيصي، بتخفيف الصاد مع فتح الميم، وبتشديد الصاد المكسورة مع كسر الميم (١).

стр. 2673

بَابُ غَزْوَةِ الطَّائِفِ . [١٧٧٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الشَّاعِرِ الْأَعْمَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: حَاصَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ الطَّائِفِ، فَلَمْ يَنَلْ مِنْهُمْ شَيْئًا، فَقَالَ: ((إِنَّا قَافِلُونَ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ))، قَالَ أَصْحَابُهُ: نَرْجِعُ وَلَمْ نَفْتَتِحْهُ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((اغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ))، فَغَدَوْا عَلَيْهِ فَأَصَابَهُمْ جِرَاحٌ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا)). قَالَ: فَأَعْجَبَهُمْ ذَلِكَ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . [خ: ٤٣٢٥] في هذا الحديث أن حصار النبي ﷺ للطائف قد طالت مدته، ولم ينالوا منه شيئا فقال النبي ﷺ لأصحابه: ((إِنَّا قَافِلُونَ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ-))، يعني: سنرجع، لكن ذلك ثقل على الصحابة فقالوا: ((نَرْجِعُ وَلَمْ نَفْتَتِحْهُ)) يعني: نرجع ولا نفتح الطائف بعد طول الحصار ولم ننل منه شيئاً، فقال لهم النبي ﷺ : ((اغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ، فَغَدَوْا عَلَيْهِ فَأَصَابَهُمْ جِرَاحٌ))، لأن أهل الطائف كانوا يرسلون على أصحاب النبي ﷺ من وراء الحصار فيصيبونهم بالجراح، ويرسل عليهم المسلمون شيئاً فلا يصيبونهم، فحصل لهم جراحات كثيرة، فقال النبي ﷺ : ((إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا)). قَالَ: فَأَعْجَبَهُمْ ذَلِكَ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) وهذا من ضعف الإنسان وطبيعته؛ فقد كرهوا الرجوع أولًا قبل الفتح، فلما أصابتهم جراح أعجبهم الرجوع، فضحك النبي ﷺ من طبيعة الإنسان.

стр. 2674

بَابُ غَزْوَةِ بَدْرٍ . [١٧٧٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَاوَرَ حِينَ بَلَغَهُ إِقْبَالُ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ عُمَرُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ: إِيَّانَا تُرِيدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا الْبَحْرَ لَأَخَضْنَاهَا، وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ لَفَعَلْنَا، قَالَ: فَنَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى نَزَلُوا بَدْرًا، وَوَرَدَتْ عَلَيْهِمْ رَوَايَا قُرَيْشٍ، وَفِيهِمْ غُلَامٌ أَسْوَدُ لِبَنِي الْحَجَّاجِ، فَأَخَذُوهُ، فَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلُونَهُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ وَأَصْحَابِهِ، فَيَقُولُ: مَا لِي عِلْمٌ بِأَبِي سُفْيَانَ، وَلَكِنْ هَذَا أَبُو جَهْلٍ، وَعُتْبَةُ، وَشَيْبَةُ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ ضَرَبُوهُ، فَقَالَ: نَعَمْ أَنَا أُخْبِرُكُمْ، هَذَا أَبُو سُفْيَانَ، فَإِذَا تَرَكُوهُ فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: مَا لِي بِأَبِي سُفْيَانَ عِلْمٌ، وَلَكِنْ هَذَا أَبُو جَهْلٍ، وَعُتْبَةُ، وَشَيْبَةُ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ فِي النَّاسِ، فَإِذَا قَالَ هَذَا- أَيْضًا- ضَرَبُوهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ انْصَرَفَ، قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَضْرِبُوهُ إِذَا صَدَقَكُمْ، وَتَتْرُكُوهُ إِذَا كَذَبَكُمْ! ))، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ))، قَالَ: وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى الْأَرْضِ هَهُنَا هَهُنَا، قَالَ: فَمَا مَاطَ أَحَدُهُمْ عَنْ مَوْضِعِ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قوله: ((فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ انْصَرَفَ)) أي: سلم من صلاته حيث خففها، ففيه: تخفيف الصلاة استحبابًا إذا عرض أمرٌ في أثنائها. وقوله: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَضْرِبُوهُ إِذَا صَدَقَكُمْ، وَتَتْرُكُوهُ إِذَا كَذَبَكُمْ! )) تضربوه

стр. 2675

وتتركوه، فيه حذف النون من المضارع بلا ناصب ولا جازم، وهي لغة (١). وفي هذا الحديث: أن هذا في غزوة بدر، وأن النبي ﷺ شاورهم، وتكلم وهو يريد الأنصار؛ لأن النبي ﷺ قدم عليهم وبايعوه على أن يحموه مما يحمون منه أنفسهم وأهليهم إذا كان في المدينة، وهم الآن ليسوا في المدينة، بل في بدر، فلما عرفوا ذلك، قال سعد بن معاذ ﵁: ((إِيَّانَا تُرِيدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا الْبَحْرَ لَأَخَضْنَاهَا، وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ لَفَعَلْنَا)) وفي رواية: ((وَلَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههما قاعدون﴾، وَلَكِنْ نَقُولُ: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ)) (٢)، فَسُرَّ النبي ﷺ .

стр. 2676

بَابُ فَتْحِ مَكَّةَ . [١٧٨٠] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: وَفَدَتْ وُفُودٌ إِلَى مُعَاوِيَةَ- وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ- فَكَانَ يَصْنَعُ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ الطَّعَامَ، فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَدْعُوَنَا إِلَى رَحْلِهِ، فَقُلْتُ: أَلَا أَصْنَعُ طَعَامًا، فَأَدْعُوَهُمْ إِلَى رَحْلِي، فَأَمَرْتُ بِطَعَامٍ يُصْنَعُ، ثُمَّ لَقِيتُ أَبَا هُرَيْرَةَ مِنَ الْعَشِيِّ، فَقُلْتُ: الدَّعْوَةُ عِنْدِي اللَّيْلَةَ، فَقَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَلَا أُعْلِمُكُمْ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِكُمْ- يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ- ثُمَّ ذَكَرَ فَتْحَ مَكَّةَ، فَقَالَ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَبَعَثَ الزُّبَيْرَ عَلَى إِحْدَى الْمُجَنِّبَتَيْنِ، وَبَعَثَ خَالِدًا عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْأُخْرَى، وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْحُسَّرِ، فَأَخَذُوا بَطْنَ الْوَادِي وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي كَتِيبَةٍ، قَالَ: فَنَظَرَ فَرَأَىنِي، فَقَالَ: ((أَبُو هُرَيْرَةَ))، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: ((لَا يَأْتِينِي إِلَّا أَنْصَارِيٌّ)) - زَادَ: غَيْرُ شَيْبَانَ- فَقَالَ: ((اهْتِفْ لِي بِالْأَنْصَارِ))، قَالَ: فَأَطَافُوا بِهِ، وَوَبَّشَتْ قُرَيْشٌ أَوْبَاشًا لَهَا وَأَتْبَاعًا، فَقَالُوا: نُقَدِّمُ هَؤُلَاءِ، فَإِنْ كَانَ لَهُمْ شَيْءٌ كُنَّا مَعَهُمْ، وَإِنْ أُصِيبُوا أَعْطَيْنَا الَّذِي سُئِلْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((تَرَوْنَ إِلَى أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ، وَأَتْبَاعِهِمْ))، ثُمَّ قَالَ بِيَدَيْهِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، ثُمَّ قَالَ: ((حَتَّى تُوَافُونِي بِالصَّفَا))، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا فَمَا شَاءَ أَحَدٌ مِنَّا أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا إِلَّا قَتَلَهُ، وَمَا أَحَدٌ مِنْهُمْ يُوَجِّهُ إِلَيْنَا شَيْئًا، قَالَ: فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُبِيحَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ، لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَمَّا الرَّجُلُ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ، وَرَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَجَاءَ الْوَحْيُ- وَكَانَ إِذَا جَاءَ الْوَحْيُ لَا يَخْفَى عَلَيْنَا- فَإِذَا جَاءَ فَلَيْسَ أَحَدٌ يَرْفَعُ طَرْفَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يَنْقَضِيَ

стр. 2677

الْوَحْيُ، فَلَمَّا انْقَضَى الْوَحْيُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ))، قَالُوا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((قُلْتُمْ: أَمَّا الرَّجُلُ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ؟ ))، قَالُوا: قَدْ كَانَ ذَاكَ، قَالَ: ((كَلَّا، إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ، وَإِلَيْكُمْ، وَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ))، فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَبْكُونَ، وَيَقُولُونَ: وَاللَّهِ مَا قُلْنَا الَّذِي قُلْنَا إِلَّا الضِّنَّ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ، وَيَعْذِرَانِكُمْ))، قَالَ: فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَى دَارِ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَغْلَقَ النَّاسُ أَبْوَابَهُمْ، قَالَ: وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَقْبَلَ إِلَى الْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، قَالَ: فَأَتَى عَلَى صَنَمٍ إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ- كَانُوا يَعْبُدُونَهُ- قَالَ: وَفِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْسٌ، وَهُوَ آخِذٌ بِسِيَةِ الْقَوْسِ، فَلَمَّا أَتَى عَلَى الصَّنَمِ جَعَلَ يَطْعُنُهُ فِي عَيْنِهِ، وَيَقُولُ: ((جَاءَ الْحَقُّ، وَزَهَقَ الْبَاطِلُ))، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَتَى الصَّفَا فَعَلَا عَلَيْهِ حَتَّى نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَحْمَدُ اللَّهَ، وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَ. وَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: ثُمّ قَالَ بِيَدَيْهِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى: ((احْصُدُوهُمْ حَصْدًا))، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: قَالُوا: قُلْنَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((فَمَا اسْمِي إِذًا؟ كَلَّا إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ)). حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا يحيى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ قَالَ: وَفَدْنَا إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَفِينَا أَبُو هُرَيْرَةَ، فَكَانَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا يَصْنَعُ طَعَامًا يَوْمًا لِأَصْحَابِهِ، فَكَانَتْ نَوْبَتِي، فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، الْيَوْمُ نَوْبَتِي، فَجَاءُوا إِلَى الْمَنْزِلِ، وَلَمْ يُدْرِكْ طَعَامُنَا، فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، لَوْ حَدَّثْتَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يُدْرِكَ طَعَامُنَا، فَقَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَجَعَلَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْيُمْنَى، وَجَعَلَ الزُّبَيْرَ عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْيُسْرَى، وَجَعَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْبَيَاذِقَةِ وَبَطْنِ الْوَادِي، فَقَالَ: ((يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، ادْعُ لِي الْأَنْصَارَ))، فَدَعَوْتُهُمْ، فَجَاءُوا يُهَرْوِلُونَ، فَقَالَ:

стр. 2678

((يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، هَلْ تَرَوْنَ أَوْبَاشَ قُرَيْشٍ؟ ))، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: ((انْظُرُوا إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ غَدًا أَنْ تَحْصُدُوهُمْ حَصْدًا)) - وَأَخْفَى بِيَدِهِ، وَوَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ- وَقَالَ: ((مَوْعِدُكُمْ الصَّفَا))، قَالَ: فَمَا أَشْرَفَ- يَوْمَئِذٍ- لَهُمْ أَحَدٌ إِلَّا أَنَامُوهُ، قَالَ: وَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّفَا، وَجَاءَتْ الْأَنْصَارُ، فَأَطَافُوا بِالصَّفَا، فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُبِيدَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ، لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ))، فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ: أَمَّا الرَّجُلُ، فَقَدْ أَخَذَتْهُ رَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ، وَرَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ، وَنَزَلَ الْوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: ((قُلْتُمْ: أَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ أَخَذَتْهُ رَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ، وَرَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ، أَلَا فَمَا اسْمِي إِذًا؟ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- أَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ، فَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ))، قَالُوا: وَاللَّهِ مَا قُلْنَا إِلَّا ضِنًّا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، قَالَ: ((فَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ وَيَعْذِرَانِكُمْ)). قولهم: ((وَاللَّهِ مَا قُلْنَا إِلَّا ضِنًّا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)): من الضِّنِّ- بكسر الضاد- أي: الشُّح. وقوله: ((وَهُوَ آخِذٌ بِسِيَةِ الْقَوْسِ)): هو المنعطف من طرف القوس. وقوله: ((يَطْعُنُهُ)) بضم العين على المشهور سماعًا، ويجوز فتح العين قياسًا؛ لأن القاعدة: أن الفعل إذا كان ثانيه أو ثالثه حرف حلق فإنه تُفتح عين مضارعه، مثل: فتح يفتَح، رهب يرهَب، نهب ينهَب. وقوله: ((عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ)) الدارمي هو شيخ البخاري وشيخ مسلم ﵏، وهو صاحب ((السنن))، و ((الرد على بشر المريسي)). وقوله: ((الْبَيَاذِقَةِ)) هم الرجالة، والكلمة فارسية معربة. وهذا الحديث فيه: قصة فتح مكة الذي قال الله تعالى فيه: ﴿إِذَا جَاءَ

стр. 2679

نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾، وهذه السورة فيها إعلام للنبي ﷺ بقرب أجله، والمعنى: إذا جاء نصر الله وفتحت مكة ودخل الناس في دين الله أفواجًا فقد انتهت مهمتك في الدنيا، فاستعد إلى لقائنا؛ ولهذا فهم ابن عباس ﵄ أنها أجل رسول الله ﷺ (١). وفيه: ما كان عليه الصحابة ﵃ من الكرم والتآلف فيما بينهم، ففي قصة أبى هريرة ﵁ أن كل واحد منهم كان له يوم يجتمعون فيه عنده ويأكلون. وفيه: أنه ينبغي لقائد الجيش أن ينظم الجيش، وأن تنظيم الجيش وترتيبه وتقسيمه من أسباب النصر؛ ولهذا قسمهم النبي ﷺ إلى ثلاثة أقسام: المجنبة اليمنى، والمجنبة اليسرى، والقلب، وجعل على كل مجنبة قائدًا، وجعل على الحُسَّر الذين ليس معهم سلاح قائدًا، وهذا الترتيب له آثار طيبة في النصر على الأعداء، مع الثقة بالله تعالى، ووعده بالنصر، والتضرع إليه، والإيمان به وبرسوله ﷺ ، وعمل ما أوجب الله، وترك ما حرم الله، والإكثار من ذكر الله ، كما قال الله تعالى- في أسباب النصر-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾. وفيه: دليل على أن مكة فُتحت عنوة، كما هو قول الجمهور (٢)؛ ولهذا أمر النبي ﷺ الأنصار، وقال لهم: ((احْصُدُوهُمْ حَصْدًا)).

стр. 2680

بَابُ إِزَالَةِ الْأَصْنَامِ مِنْ حَوْلِ الْكَعْبَةِ . [١٧٨١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ- قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ وَحَوْلَ الْكَعْبَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ نُصُبًا، فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِعُودٍ كَانَ بِيَدِهِ، وَيَقُولُ: ((جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ، إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا، جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ)). زَادَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: يَوْمَ الْفَتْحِ. وَحَدَّثَنَاهُ حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَى قَوْلِهِ: ((زَهُوقًا))، وَلَمْ يَذْكُرِ الْآيَةَ الْأُخْرَى، وَقَالَ بَدَلَ: نُصُبًا: صَنَمًا. [خ: ٢٤٧٨] هذا الحديث فيه: أنه يشرع قراءة هاتين الآيتين عند إزالة المنكر، والشرك أعظم منكر.

стр. 2681

بَابُ لَا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ صَبْرًا بَعْدَ الْفَتْحِ . [١٧٨٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَوَكِيعٌ عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عن الشَّعْبِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: ((لَا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ صَبْرًا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)). حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ أَحَدٌ مِنْ عُصَاةِ قُرَيْشٍ غَيْرَ مُطِيعٍ، كَانَ اسْمُهُ الْعَاصِي، فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُطِيعًا. قوله: ((لَا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ صَبْرًا)): قال القاضي عياض ﵀: ((إعلام منه ﷺ بأنهم سيسلمون كلهم كما كان، وأنهم لا يرتدون بعده كما ارتد غيرهم ممن حورب وقتل صبراً، ولم يرد أنهم يقتلون ظلماً صبراً وغير صبر، فقد جرى على قريش بعد ذلك ما هو معلوم)) (١). وقوله: ((مِنْ عُصَاةِ قُرَيْشٍ)) ليس المراد: العصاة من المعصية، وإنما المراد: مَن اسمه العاص، فم يكن وقتئذ أسلم ممن كان اسمه العاص سوى العاص بن الأسود، فغير النبى ﷺ اسمه فسماه مطيعاً.

стр. 2682

بَابُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ فِي الْحُدَيْبِيَةِ . [١٧٨٣] حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الصُّلْحَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَكَتَبَ: هَذَا مَا كَاتَبَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالُوا: لَا تَكْتُبْ رَسُولُ اللَّهِ، فَلَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ نُقَاتِلْكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَلِيٍّ: ((امْحُهُ))، فَقَالَ: مَا أَنَا بِالَّذِي أَمْحَاهُ، فَمَحَاهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ، قَالَ: وَكَانَ فِيمَا اشْتَرَطُوا أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ، فَيُقِيمُوا بِهَا ثَلَاثًا، وَلَا يَدْخُلُهَا بِسِلَاحٍ إِلَّا جُلُبَّانَ السِّلَاحِ، قُلْتُ: لِأَبِي إِسْحَاقَ: وَمَا جُلُبَّانُ السِّلَاحِ؟ قَالَ: الْقِرَابُ وَمَا فِيهِ. [خ: ٢٦٩٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: لَمَّا صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ كَتَبَ عَلِيٌّ كِتَابًا بَيْنَهُمْ، قَالَ: فَكَتَبَ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ ذَكَرَ بِنَحْوِ حَدِيثِ مُعَاذٍ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ: هَذَا مَا كَاتَبَ عَلَيْهِ. حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ جَنَابٍ الْمِصِّيصِيُّ، جَمِيعًا عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ- وَاللَّفْظُ لِإِسْحَاقَ- أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عن البَرَاءِ قَالَ: لَمَّا أُحْصِرَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ الْبَيْتِ صَالَحَهُ أَهْلُ مَكَّةَ عَلَى أَنْ يَدْخُلَهَا، فَيُقِيمَ بِهَا ثَلَاثًا، وَلَا يَدْخُلَهَا إِلَّا بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ- السَّيْفِ وَقِرَابِهِ- وَلَا يَخْرُجَ بِأَحَدٍ مَعَهُ مِنْ أَهْلِهَا، وَلَا يَمْنَعَ أَحَدًا يَمْكُثُ بِهَا مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ، قَالَ لِعَلِيٍّ: ((اكْتُبْ الشَّرْطَ بَيْنَنَا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ))، فَقَالَ لَهُ الْمُشْرِكُونَ: لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ تَابَعْنَاكَ، وَلَكِنْ اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ

стр. 2683

عَبْدِ اللَّهِ، فَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَمْحَاهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَا وَاللَّهِ لَا أَمْحَاهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَرِنِي مَكَانَهَا))، فَأَرَاهُ مَكَانَهَا، فَمَحَاهَا، وَكَتَبَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ يَوْمُ الثَّالِثِ، قَالُوا لِعَلِيٍّ: هَذَا آخِرُ يَوْمٍ مِنْ شَرْطِ صَاحِبِكَ، فَأْمُرْهُ فَلْيَخْرُجْ، فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَخَرَجَ. وقَالَ ابْنُ جَنَابٍ- فِي رِوَايَتِهِ-: مَكَانَ: تَابَعْنَاكَ: بَايَعْنَاكَ. [١٧٨٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ قُرَيْشًا صَالَحُوا النَّبِيَّ ﷺ ، فِيهِمْ: سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَلِيٍّ: ((اكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ))، قَالَ سُهَيْلٌ: أَمَّا بِاسْمِ اللَّهِ، فَمَا نَدْرِي مَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَلَكِنْ اكْتُبْ مَا نَعْرِفُ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، فَقَالَ: ((اكْتُبْ: مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ))، قَالُوا: لَوْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ لَاتَّبَعْنَاكَ، وَلَكِنْ اكْتُبْ: اسْمَكَ، وَاسْمَ أَبِيكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((اكْتُبْ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ))، فَاشْتَرَطُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنْ مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكُمْ، وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا رَدَدْتُمُوهُ عَلَيْنَا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَكْتُبُ هَذَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ، إِنَّهُ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إِلَيْهِمْ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ سَيَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا)). [١٧٨٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ- وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ سِيَاهٍ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَامَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ- يَوْمَ صِفِّينَ- فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ، لَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَلَوْ نَرَى قِتَالًا لَقَاتَلْنَا، وَذَلِكَ فِي الصُّلْحِ الَّذِي كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ، فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَسْنَا عَلَى حَقٍّ وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ؟ ! قَالَ: ((بَلَى))، قَالَ: أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟ ! قَالَ: ((بَلَى))، قَالَ: فَفِيمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا، وَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ !

стр. 2684

فَقَالَ: ((يَا ابْنَ الْخَطَّابِ: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللَّهُ أَبَدًا)). قَالَ: فَانْطَلَقَ عُمَرُ، فَلَمْ يَصْبِرْ مُتَغَيِّظًا، فَأَتَى أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَسْنَا عَلَى حَقٍّ وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ؟ ! قَالَ: بَلَى، قَالَ: أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟ ! قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَعَلَامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا، وَنَرْجِعُ، وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ ! فَقَالَ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّهُ أَبَدًا، قَالَ: فَنَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْفَتْحِ، فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ، فَأَقْرَأَهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَ فَتْحٌ هُوَ؟ ! قَالَ: ((نَعَمْ، فَطَابَتْ نَفْسُهُ، وَرَجَعَ)). [خ: ٣١٨٢] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عن الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ يَقُولُ- بِصِفِّينَ-: أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ، وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ، وَلَوْ أَنِّي أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَرَدَدْتُهُ، وَاللَّهِ مَا وَضَعْنَا سُيُوفَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا إِلَى أَمْرٍ قَطُّ، إِلَّا أَسْهَلْنَ بِنَا إِلَى أَمْرٍ نَعْرِفُهُ إِلَّا أَمْرَكُمْ هَذَا. لَمْ يَذْكُرْ ابْنُ نُمَيْرٍ: إِلَى أَمْرٍ قَطُّ. وَحَدَّثَنَاهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ، جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، كِلَاهُمَا عن الأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَفِي حَدِيثِهِمَا: إِلَى أَمْرٍ يُفْظِعُنَا. وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ- بِصِفِّينَ- يَقُولُ: اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ، وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا فَتَحْنَا مِنْهُ فِي خُصْمٍ إِلَّا انْفَجَرَ عَلَيْنَا مِنْهُ خُصْمٌ. [١٧٨٦] وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ: لَمَّا

стр. 2685

نَزَلَتْ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ - مَرْجِعَهُ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ، وَهُمْ يُخَالِطُهُمُ الْحُزْنُ وَالْكَآبَةُ، وَقَدْ نَحَرَ الْهَدْيَ بِالْحُدَيْبِيَةِ، فَقَالَ-: لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا. وَحَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، جَمِيعًا عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ. [قوله: ((لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا)) وفي رواية للبخاري: ((لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ، لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ)) (١) والمراد: بـ ((ما طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ)) ما هنا في رواية مسلم: ((الدُّنْيَا جَمِيعًا)). وهذا كان بعد صلح الحديبية، وقد سمى الله صلح الحديبية فتحًا.] [*] قوله: ((عَنْ أَبِي حَصِينٍ)) بفتح الحاء وكسر الصاد. وقوله: ((لَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ)) وهو يوم الحديبية، وأبو جندل هو العاص بن سهيل بن عمرو، جاء يرصف في قيوده، والنبي ﷺ يكتب كتابًا مع سهيل، فجاء مسلمًا يرمي بنفسه بين المسلمين، قال: يا أيها الناس قد عذبني المشركون، فقال سهيل: من الشروط أنك ترد علينا هذا العاصي، فقال الذي معه: لم نكتب إلى الآن الكتاب، ولكن النبي ﷺ رده إليهم (٢). وقوله: ((مَا فَتَحْنَا مِنْهُ فِي خُصْمٍ إِلَّا انْفَجَرَ عَلَيْنَا مِنْهُ خُصْمٌ)) المراد: الناحية والجهة، كالشيء الذي يتشقق على الإنسان، إذا سددنا هذا انفتح هذا، والمعنى: أن كل الأمور التي مضت، منها صلح الحديبية إذا وضعنا سيوفنا على عاتقنا، وأوقفنا القتال أضفى بنا إلى أمر حميد، إلا مسألة صفين؛ فإنها أضفت بنا إلى الشدة. هذه الأحاديث في صلح الحديبية، وقد كان النبي ﷺ وأصحابه ﵃ قد جاؤوا معتمرين، فصدهم كفار قريش، ثم وقع الصلح بينهم.

стр. 2686

وفيها: دليل على جواز مصالحة الكفار عند الحاجة، وقد صالحهم النبي ﷺ عشر سنين، فأخذ بعض العلماء أنه لا يجوز الصلح مع الكفار أكثر من عشر سنين، وقال بعضهم: يجوز الصلح دون تحديد مدة، ولكنه لا يجوز الصلح الدائم (١). وفيها: جواز قبول الشروط التي فيها غضاضة على المسلمين إذا كان فيها مصلحة، فإن قريشًا صالحت النبي ﷺ واشترطوا شروطًا فيها غضاضة على المسلمين، منها: أن من جاء منهم من أهل مكة مسلمًا فإن المسلمين يردونه عليهم، ومن جاء من المسلمين مرتدًّا فإنه لا يُرد عليهم. وفيها: أن بعض الصحابة امتعض من غضاضة هذه الشروط، حتى إن عمر ﵁ اشتد عليه الأمر، وجاء للنبي ﷺ ، وقال: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَسْنَا عَلَى حَقٍّ وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ؟ ! قَالَ: بَلَى، قَالَ: أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟ ! قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَفِيمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا، وَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ ! ))، فقال النبي ﷺ : ((يَا ابْنَ الْخَطَّابِ: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللَّهُ أَبَدًا))، ثم بعد ذلك لم يصبر، فذهب إلى أبى بكر ﵁، ((فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَسْنَا عَلَى حَقٍّ وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ؟ ! قَالَ: بَلَى، قَالَ: أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟ ! قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَعَلَامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا، وَنَرْجِعُ، وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ ! فَقَالَ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّهُ أَبَدًا))، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مِثْلَ مَقَالَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ لَمْ يَحْضُرْ مَجْلِسَهُ ﷺ ، وهذا يدل على الفقه العظيم لأبي بكر ﵁، والصبر والقوة في الحق، والتميُّز على عمر ﵁، وفي رواية: ((فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ)) (٢). وهذه الشروط التي قبلها المسلمون صار فيها الخير والمصلحة والفتح والبركة، فقد وضعت الحرب أوزارها، واختلط المشركون بالمسلمين،

стр. 2687

وسمعوا القرآن، ولانت قلوبهم، وأسلم كثير منهم، وتفرغ النبي ﷺ لقتال اليهود، وفُتحت خيبر؛ ولهذا سماه الله تعالى فتحًا، قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾. وقد نفَّذ النبي ﷺ شروط الصلح، فالذين أسلموا ردهم النبي ﷺ ، ولكنهم لم يرجعوا إلى الكفار، ووقفوا في طريق قافلة الكفار يقطعونها حتى آذوهم، وأخذوا تجارتهم، حتى قالوا للنبي ﷺ : خذهم، ونزل القرآن بأنه من جاء من النساء مسلماتٍ فلا يصح أن يردوهم إلى الكفار، فلم يردهم النبي ﷺ : ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ﴿. ثم بعد سنتين نقضت قريش العهد، فغزاهم النبي ﷺ في عقر دارهم، وفَتَحَ مكَّة. وفيها: دليل على أنه في الصلح لا بأس للإنسان أن يذكر اسمه، واسم أبيه، إذا كان مشهورًا، ولهذا قال النبي ﷺ : ((مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ))، ولما لم يقبلوا هذا قال: ((مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ))، ولم يقل: ابن عبد المطلب. قال بعض العلماء: لا بد أن يذكر أربعة أشياء: اسمه، واسم أبيه، واسم جده، ونسبته، وإذا كان مشهورًا فلا حرج أن يذكر اسمه واسم أبيه فقط (١). وفيها: أن من الشروط التي اشترطتها قريش على النبي ﷺ : أن يرجع هذا العام، ولا يعتمر، قالوا: لئلَّا تسمع العرب بأنه ضُغط علينا، وفي العام القادم يعتمر المسلمون، بشرط ألا يدخلوا إلا بجلبان السلاح، أي: بالسلاح الخفيف، والحكمة في ذلك: أنهم لا يستطيعون حينها الدفاع عن أنفسهم، وكذلك لئلَّا يتحدث الناس أنهم دخلوا بالسلاح. واشترطوا كذلك: ألا يقيموا في مكة أكثر من ثلاثة أيام بعد العمرة. وفيها: أن هذه العمرة التي مُنع المسلمون منها تحلل منها النبي ﷺ ، وهي عمرة تامة، وسُمِّيَت العمرة التي بعدها عمرةَ القضاء، من المقاضاة والمصالحة، لا من قضاء العمرة التي صُدُّوا عنها. وفيها: أنه قد شق على الصحابة ﵃ رجوعهم ولم يتموا العمرة، فأمرهم النبي ﷺ أن يتحللوا بأن يحلقوا رؤوسهم ويذبحوا؛ لأنهم

стр. 2688

محصورون، والمُحْصَر: هو الممنوع من الوصول إلى البيت الحرام، أو الممنوع من عرفة، أو الممنوع من الحج، فلما أمرهم النبي ﷺ لم يجبه أحد وتوقفوا، فكرر عليهم النبي ﷺ الأمر، فلم يفعل أحد؛ وليس ذلك عصيانًا لأمره ﷺ ، ولكن رجاء أن يسمح الكفار لهم، ولعل النبي ﷺ يراجعهم حتى يتموا العمرة، فغضب النبي ﷺ ، فدخل على أم سلمة ﵂، : ((فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَتُحِبُّ ذَلِكَ، اخْرُجْ ثُمَّ لا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً، حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ، فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ، نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا، فَنَحَرُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا)) (١)، وكان هذا رأيًا سديدًا لأم سلمة ﵂، وهو يدل على رجاحة عقلها، وبعض النساء قد يكون عندها رأي يفوق رأي الرجال، وكم من امرأة خير من آلاف الرجال. فخرج النبي ﷺ وذبح هديه وحلق رأسه، فتتابع الناس، كل يذبح، ويحلق، ويسابق بعضهم بعضًا، حتى كاد يضر بعضهم بعضًا، والسبب في ذلك: أنهم علموا أن الأمر انتهى، ولا أمل لهم أنهم يذهبوا إلى مكة.

стр. 2689

بَابُ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ . [١٧٨٧] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عن الوَلِيدِ بْنِ جُمَيْعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الطُّفَيْلِ، حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ قَالَ: مَا مَنَعَنِي أَنْ أَشْهَدَ بَدْرًا إِلَّا أَنِّي خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي حُسَيْلٌ، قَالَ: فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ، قَالُوا: إِنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا، فَقُلْنَا: مَا نُرِيدُهُ، مَا نُرِيدُ إِلَّا الْمَدِينَةَ، فَأَخَذُوا مِنَّا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ، لَنَنْصَرِفَنَّ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَا نُقَاتِلُ مَعَهُ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: ((انْصَرِفَا نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ)). قوله: ((خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي حُسَيْلٌ)): هو حُسَيْلٌ بحاء مضمومة ثم سين مفتوحة مهملتين ثم ياء ثم لام، ويقال له أيضا حِسْلٌ بكسر الحاء وإسكان السين، وهو والد حذيفة واليمان لقب له (١). هذا الحديث فيه: الوفاء بالعهد، وبركته، وأن الله تعالى جعله سببًا من أسباب النصر.

стр. 2690

بَابُ غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ . [١٧٨٨] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جميعًا عَن جَرِيرٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عن الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ حُذَيْفَةَ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَوْ أَدْرَكْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاتَلْتُ مَعَهُ، وَأَبْلَيْتُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَنْتَ كُنْتَ تَفْعَلُ ذَلِكَ؟ ! لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْأَحْزَابِ، وَأَخَذَتْنَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ وَقُرٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَلَا رَجُلٌ يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ ! ))، فَسَكَتْنَا، فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَ: ((أَلَا رَجُلٌ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ ! ))، فَسَكَتْنَا، فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَ: ((أَلَا رَجُلٌ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ ! ))، فَسَكَتْنَا، فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ، فَقَالَ: ((قُمْ يَا حُذَيْفَةُ، فَأْتِنَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ))، فَلَمْ أَجِدْ بُدًّا إِذْ دَعَانِي بِاسْمِي أَنْ أَقُومَ، قَالَ: ((اذْهَبْ، فَأْتِنِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ، وَلَا تَذْعَرْهُمْ عَلَيَّ))، فَلَمَّا وَلَّيْتُ مِنْ عِنْدِهِ جَعَلْتُ كَأَنَّمَا أَمْشِي فِي حَمَّامٍ، حَتَّى أَتَيْتُهُمْ، فَرَأَيْتُ أَبَا سُفْيَانَ يَصْلِي ظَهْرَهُ بِالنَّارِ، فَوَضَعْتُ سَهْمًا فِي كَبِدِ الْقَوْسِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْمِيَهُ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : وَلَا تَذْعَرْهُمْ عَلَيَّ، وَلَوْ رَمَيْتُهُ لَأَصَبْتُهُ، فَرَجَعْتُ وَأَنَا أَمْشِي فِي مِثْلِ الْحَمَّامِ، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ، فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِ الْقَوْمِ، وَفَرَغْتُ قُرِرْتُ، فَأَلْبَسَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ فَضْلِ عَبَاءَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِ يُصَلِّي فِيهَا، فَلَمْ أَزَلْ نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحْتُ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ قَالَ: ((قُمْ يَا نَوْمَانُ)). قوله: ((وَقُرٌّ)) - بضم القاف والراء المشددة- هي الريح الباردة الشديدة. وقوله ﷺ : ((وَلَا تَذْعَرْهُمْ)) يعني: لا تفزعهم ولا تحركهم.

стр. 2691

وقوله: ((يَصْلِي ظَهْرَهُ بِالنَّارِ)): وذلك من شدة البرد. وقوله ﷺ : ((يَا نَوْمَانُ)) يعني: يا كثير النوم. وهذا الحديث فيه: أن حذيفة ﵁ أراد أن يبين لهذا الرجل أن الأمر بتوفيق الله ، فقد كان يقول: لو كنت مع رسول الله لأبليت وقاتلت، فأراد أن يقول له: لا تستطيع أن تفعل هذا إلا بتوفيق من الله ، فالمنافقون والمشركون أدركوا رسول الله ﷺ ، ولم ينفعهم إدراكهم له؛ لأن الله تعالى لم يوفقهم. وقد بيَّن له حذيفة ﵁ أن الأمر كان شديدًا، وكان الجو باردًا، وكانت الريح شديدةً والعدو كثيرًا، وقد زاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، حتى إن النبي ﷺ يقول- ثلاث مرات-: ((أَلَا رَجُلٌ يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟ ))، ولم يقم أحد، وفي الثالثة قال: ((جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ))، فلم يقم أحد، حتى سمى حذيفةَ رصي الله عنه. وقد قال الله في هذه الغزوة-: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾، ثم بعد ذلك نصرهم الله تعالى بالريح، والجنود، والملائكة. وفيه: دليل على أنه ينبغي على الإمام أن يرسل العيون والجواسيس والطلائع لتأتي بخبر العدو. وفيه: معجزة من المعجزات، ودليل من دلائل نبوة النبي ﷺ ، كما فيه بيان قدرة الله تعالى، وذلك في قوله: ((فَلَمَّا وَلَّيْتُ مِنْ عِنْدِهِ جَعَلْتُ كَأَنَّمَا أَمْشِي فِي حَمَّامٍ))، فالجو شديد البرد، ولكن لما مشى حذيفة ﵁ في أمر الله تعالى، وفي حاجة رسول الله ﷺ جعل الله تعالى الجوَّ عليه دافئًا، فكأنه يمشي في حمام دافئ، فلما رجع حذيفة ﵁ وانتهى- رجع إليه البرد.

стр. 2692

بَابُ غَزْوَةِ أُحُدٍ . [١٧٨٩] وَحَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ ابْنِ زَيْدٍ، وَثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُفْرِدَ يَوْمَ أُحُدٍ فِي سَبْعَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا رَهِقُوهُ، قَالَ: ((مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا، وَلَهُ الْجَنَّةُ- أَوْ: هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ-؟ ))، فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ رَهِقُوهُ- أَيْضًا- فَقَالَ: ((مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا، وَلَهُ الْجَنَّةُ- أَوْ: هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ؟ ))، فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ السَّبْعَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِصَاحِبَيْهِ: ((مَا أَنْصَفْنَا أَصْحَابَنَا)). قوله: ((رَهِقُوهُ)) - بكسر الهاء-، يعني: غشوه وقربوا منه، قال القاضي عياض في المشارق: ((قيل ولا يستعمل لا في المكروه)) (١). وقوله: ((مَا أَنْصَفْنَا أَصْحَابَنَا)) يعني: أن قريشًا ما أنصفت الأنصار، حيث إن السبعة من الأنصار قتلوا واحدًا بعد واحد، وبقي القرشيان، وروي ((ما أنصفَنَا أصحابُنَا)) (٢) - بفتح الفاء-، ويكون المعنى: ما أنصفَنا الذين فروا وتركونا.

стр. 2693

[١٧٩٠] حَدَّثَنَا يحيى بْنُ يحيى التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ يُسْأَلُ عَنْ جُرْحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ: جُرِحَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وَهُشِمَتِ الْبَيْضَةُ عَلَى رَأْسِهِ، فَكَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَغْسِلُ الدَّمَ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَسْكُبُ عَلَيْهَا بِالْمِجَنِّ، فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَزِيدُ الدَّمَ إِلَّا كَثْرَةً أَخَذَتْ قِطْعَةَ حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهُ حَتَّى صَارَ رَمَادًا، ثُمَّ أَلْصَقَتْهُ بِالْجُرْحِ، فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ. [خ: ٢٩١١] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ: أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ: وَهُوَ يَسْأَلُ عَنْ جُرْحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: أَمَا- وَاللَّهِ- إِنِّي لَأَعْرِفُ مَنْ كَانَ يَغْسِلُ جُرْحَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمَنْ كَانَ يَسْكُبُ الْمَاءَ، وَبِمَاذَا دُووِيَ جُرْحُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ: وَجُرِحَ وَجْهُهُ، وَقَالَ مَكَانَ: هُشِمَتْ: كُسِرَتْ. وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ- يَعْنِي: ابْنَ مُطَرِّفٍ- كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي هِلَالٍ: أُصِيبَ وَجْهُهُ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مُطَرِّفٍ: جُرِحَ وَجْهُهُ. [١٧٩١] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَشُجَّ فِي رَأْسِهِ، فَجَعَلَ يَسْلُتُ الدَّمَ عَنْهُ، وَيَقُولُ: ((كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ، وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ؟ ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾)).

стр. 2694

[١٧٩٢] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَيَقُولُ: ((رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)). [خ: ٣٤٧٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ عن الأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَهُوَ يَنْضِحُ الدَّمَ عَنْ جَبِينِهِ. قوله: ((وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ)) الرباعية: هي السن الذي بعد الثنية، ولكل إنسان رباعيتان من الأعلى، ورباعيتان من الأسفل. هذه الأحاديث فيها: ١. أنه في غزوة أحد كُسرت رباعيته ﵇، وجُرح وجهه، وسال منه الدم، وهُشِّمت البيضة على رأسه، وسقط في حفرة، وصاح الشيطان: إن محمدًا قد قتل (١). ٢. دليل على أن النبي ﷺ بشر، وأن الأنبياء يصيبهم ما يصيب البشر من الأمراض، وتسليط الأعداء، والموت؛ ليعظم الله لهم الأجر، قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾. ٣. دلالة على أن الأمر لله ، ولو كان بيد النبي ﷺ شيء لدافع عن نفسه ودفعه، قال تعالى: ﴿قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم﴾. ٤. دليل على مشروعية العلاج والمداواة، وأنه لا ينافي التوكل على الله.

стр. 2695

٥. مشروعية الأخذ الأسباب، وإعداد العدة للعدو، فالنبي ﷺ لبس البيضة على رأسه، ولبس الدرع، وظهر بين الدرعين، وهو سيد المتوكلين ﵊. ٦. أن النبي ﷺ استعمل العلاج، فكان عليٌّ ﵁ يصب الماء عليه، وفاطمة ﵂ تغسل الجرح، لكن صار الماء يزيده، فلما رأت فاطمة ﵂ أن الدم يزداد أحرقت الحصير حتى صار رمادًا وألصقته به فاستمسك الدم. ٧. فضل الأنبياء وصبرهم وتحملهم؛ فإن الأنبياء ﵈ أفضل الناس، وأصبر الناس على الأذى، فهذا نبي كريم ﷺ ضربه قومه وأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه، ويقول: ((رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي؛ فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)) فمن يستطيع هذا؟ وبعض الناس لو تكلم فيه أحد بكلمة ما صبر، ورد عليه بمثلها، بل ورد الصاع صاعين، وقد يضربه!

стр. 2696

بَابُ اشْتِدَادِ غَضَبِ اللَّهِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . [١٧٩٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ ابْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ فَعَلُوا هَذَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ )، وَهُوَ- حِينَئِذٍ- يُشِيرُ إِلَى رَبَاعِيَتِهِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ). [خ: ٤٠٧٣] قوله: ((اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) سبب شدة الغضب هنا: أن الذي يقتله رسول الله ﷺ إنما جاء لقتال رسول الله ﷺ ، بخلاف من يقتله رسول الله ﷺ حدًّا، أو قصاصًا، وقد قَتل النبيُّ ﷺ في غزوة بدر أبيَّ بن خلف، فهذا الحديث يصدق عليه، إذ لما أراد قتل النبي ﷺ فقال: والله لأقتلن محمدا، بلغ ذلك رسولَ الله ﷺ فقال: «أنا أقتله إن شاء الله» (١)، وكان ذلك في غزوة بدر. وهذا الحديث فيه: إثبات صفة الغضب لله، خلافًا للأشاعرة والمعتزلة الذين أنكروا وصف الله تعالى بالغضب. وفيه: مشروعية الجهاد في سبيل الله، وأن النبي ﷺ هو أفضل المجاهدين.

стр. 2697

بَابُ مَا لَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ، وَالْمُنَافِقِينَ . [١٧٩٤] وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانَ الْجُعْفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ- يَعْنِي: ابْنَ سُلَيْمَانَ- عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو ابْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ بِالْأَمْسِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى سَلَا جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ، فَيَأْخُذُهُ فَيَضَعُهُ فِي كَتِفَيْ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ، فَأَخَذَهُ، فَلَمَّا سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، قَالَ: فَاسْتَضْحَكُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَمِيلُ عَلَى بَعْضٍ، وَأَنَا قَائِمٌ أَنْظُرُ، لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ طَرَحْتُهُ عَنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالنَّبِيُّ ﷺ سَاجِدٌ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى انْطَلَقَ إِنْسَانٌ، فَأَخْبَرَ فَاطِمَةَ، فَجَاءَتْ- وَهِيَ جُوَيْرِيَةٌ- فَطَرَحَتْهُ عَنْهُ، ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَشْتِمُهُمْ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ صَلَاتَهُ رَفَعَ صَوْتَهُ، ثُمَّ دَعَا عَلَيْهِمْ، وَكَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا، وَإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ)) - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتَهُ ذَهَبَ عَنْهُمُ الضِّحْكُ، وَخَافُوا دَعْوَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ ابْنِ عُقْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ))، وَذَكَرَ السَّابِعَ وَلَمْ أَحْفَظْهُ، فَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقِّ، لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ سَمَّى صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ غَلَطٌ فِي هَذَا الحَدِيثِ.@@ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاجِدٌ، وَحَوْلَهُ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ، إِذْ جَاءَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ بِسَلَا جَزُورٍ، فَقَذَفَهُ عَلَى

стр. 2698

ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ، فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَخَذَتْهُ عَنْ ظَهْرِهِ، وَدَعَتْ عَلَى مَنْ صَنَعَ ذَلِكَ، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ عَلَيْكَ الْمَلَأَ مِنْ قُرَيْشٍ: أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ، وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ- أَوْ: أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ))، شُعْبَةُ الشَّاكُّ- قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، فَأُلْقُوا فِي بِئْرٍ، غَيْرَ أَنَّ أُمَيَّةَ- أَوْ: أُبَيًّا- تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُ فَلَمْ يُلْقَ فِي الْبِئْرِ. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَزَادَ: وَكَانَ يَسْتَحِبُّ ثَلَاثًا يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ)) - ثَلَاثًا- وَذَكَرَ فِيهِمُ: ((الْوَلِيدَ ابْنَ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ))، وَلَمْ يَشُكَّ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَنَسِيتُ السَّابِعَ. قوله: ((وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، أَوْ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ. شُعْبَةُ الشَّاكُّ)) الصواب: أنه أمية بن خلف. وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْبَيْتَ، فَدَعَا عَلَى سِتَّةِ نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ: أَبُو جَهْلٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى عَلَى بَدْرٍ قَدْ غَيَّرَتْهُمُ الشَّمْسُ، وَكَانَ يَوْمًا حَارًّا. [خ: ٢٤٠] قول ابن إسحاق ﵀: ((الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ غَلَطٌ فِي هَذَا الحَدِيثِ)) صحيح، والصواب: أن الذي دعا عليه رسول الله ﷺ هو الوليد بن عتبة، وليس ابن

стр. 2699

عقبة، كما يأتي في رواية أبي بكر بن شيبة، وكما في البخاري. وقوله: ((وَذَكَرَ السَّابِعَ وَلَمْ أَحْفَظْهُ)) وقع في البخاري تسميته عمارة بن الوليد (١). وقوله: ((وَكَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا، وَإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلَاثًا)) الدعاء ثلاثًا والسؤال ثلاثًا وصف أغلبي، وإلا فقد يدعو ﷺ ، أو يسأل مرة، أو مرتين. وهذا الحديث فيه: أن الله تعالى استجاب دعوة نبيه ﷺ ، فصار هؤلاء السبعة صرعى يوم بدر. وفيه: أن الوليد بن عتبة وضع سلا جزور بين كتفيه ﷺ وهو يصلي، ولم يستطع عبد الله بن مسعود ﵁ ولا غيره أن يزيله، لكن فاطمة ﵂ وكانت جويرية صغيرة- جاءت وأزالته، وجعلت تشتمهم ولا يؤاخذونها؛ لأنهم يعرفون أنها طفلة صغيرة. وقد أثار النووي ﵀ مسألة، فقال: ((وفي هذا الحديث إشكال، فإنه يقال: كيف استمر في الصلاة مع وجود النجاسة على ظهره؟ وأجاب القاضي عياض بأن هذا ليس بنجس، قال: لأن الفرث ورطوبة البدن طاهران، والسلا من ذلك، وإنما النجس: الدم، وهذا الجواب يجيء على مذهب مالك ومن وافقه أن روث ما يؤكل لحمه طاهر، ومذهبنا ومذهب أبي حنيفة وآخرين نجاسته، وهذا الجواب الذي ذكره القاضي ضعيف أو باطل؛ لأن هذا السلا يتضمن النجاسة؛ من حيث إنه لا ينفك من الدم في العادة، ولأنه ذبيحة عبَّاد الأوثان، فهو نجس، وكذلك اللحم وجميع أجزاء هذا الجزور، وأما الجواب المرضي أنه ﷺ لم يعلم ما وضع على ظهره، فاستمر في سجوده استصحابًا للطهارة، وما ندري هل كانت هذه الصلاة فريضة فتجب إعادتها على الصحيح عندنا أم غيرها، فلا تجب؟ فإن وجبت

стр. 2700

الإعادة فالوقت موسع لها، فإن قيل: يبعد أن لا يحس بما وقع على ظهره، قلنا: وإن أحس به فما يتحقق أنه نجاسة، والله أعلم)) (١). قلت: الصحيح أن هذا كان في مكة قبل زمن التشريع؛ لأن التشريع كان في المدينة. [١٧٩٥] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ- وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ- قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ فَقَالَ: ((لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ: يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ- وَأَنَا مَهْمُومٌ- عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رُدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، قَالَ: فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ، وَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ، فَمَا شِئْتَ؟ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ))، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا)). [خ: ٣٢٣١] قوله: ((فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ)) القرن: هو الجبل الصغير المنبثق عن جبل كبير.
следующие страницы →