← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 11

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (4 625 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

مِنْ سِهَامِ الْقَوْمِ، نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ، قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ، وَأُمَّ سُلَيْمٍ وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا، تَنْقُلَانِ الْقِرَبَ عَلَى مُتُونِهِمَا، ثُمَّ تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِهِمْ، ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلَآَنِهَا، ثُمَّ تَجِيئَانِ تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، وَلَقَدْ وَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدَيْ أَبِي طَلْحَةَ إِمَّا مَرَّتَيْنِ، وَإِمَّا ثَلَاثًا مِنَ النُّعَاسِ. [خ: ٣٨١١] هذه الأحاديث فيها: مباشرة النبي ﷺ للجهاد، وأن الجهاد من أفضل الأعمال، وأجلِّ القربات والطاعات، والإيمان بالله ورسوله مع الجهاد في سبيله هو التجارة الرابحة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، وقال بعد ذلك: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾، والجهاد في سبيل الله من أسباب تكفير السيئات، ورفع الدرجات. والجهاد ذروة الإسلام؛ لما فيه من إعلاء كلمة الله، ونشر دينه، وقمع الكفر وأهله، وتوسيع رقعة الإسلام. ولهذا فإن النبي ﷺ باشر الجهاد بنفسه، وباشره الصحابة رضوان الله عليهم، وهو واجب على الأمة الإسلامية عمومًا مع القدرة، وأما بالنسبة للأفراد فالأصل أنه فرض كفاية، ويجب في بعض الحالات. وفيه: فضل أبي طلحة ﵁، حيث إنه يدافع عن النبي ﷺ ويقيه بنفسه بحَجَفة، والحجفة هي: التي يتقي بها الفارس وقْعَ النبال. وفيه: دليل على شجاعة وقوة إيمان أبي طلحة ﵁، وقد سقط منه السيف مرة، أو مرتين من النعاس، والنعاس في الجهاد دليل الإيمان، قال الله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ﴾ بخلاف المنافقين

стр. 2732

فإنه لا يتم لهم النعاس في الجهاد؛ لما في قلوبهم من الهلع والخوف والرعب؛ لعدم صحة الإيمان في قلوبهم، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يغشى طائفة منكم﴾ هذا في غزوة أحد، يغشى طائفة منكم، وهم المؤمنون، ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾؛ وهم المنافقون قد أهمتهم أنفسهم فلا يأتيهم النعاس. وقد تعلق بهذه الأحاديث بعض المعاصرين، وقالوا بجواز جهاد النساء مع الرجال ومشاركتهن لهم في الحروب، واختلاطهن بالرجال في الأعمال، وفي المستوصفات الصحية، وغيرها. والجواب على ذلك من وجوه: الوجه الأول: أن خروج النساء مع النبي ﷺ في الغزو كان قبل نزول الحجاب، كما في حديث أنس: ((وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ، وَأُمَّ سُلَيْمٍ وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ، أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا تَنْقُزَانِ القِرَبَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: تَنْقُلانِ القِرَبَ عَلَى مُتُونِهِمَا)) (١)، فكان خروجهن قبل نزول الحجاب، وقبل الحجاب يُتوسع في النظر إلى النساء ما لا يُتوسع إليه بعد الحجاب، والحجاب كان في السنة السابعة. الوجه الثاني: أن عائشة ﵂ كانت صغيرة، فقد كانت في العاشرة أو الحادية عشرة، وأم سليم ﵂ كانت امرأة كبيرة عاقلة، وأنس ﵁ كان صغيرًا- أيضًا. الوجه الثالث: أن النساء لم يباشرن القتال، وإنما كن يسقينَ الماء ويداوينَ الجرحى ويصنعنَ الطعام، وهذا يجوز في حال الحرب، ولا يجوز في حال السعة.

стр. 2733

وقال النووي ﵀: ((وهذه المداواة لمحارمهن وأزواجهن، وما كان منها لغيرهم لا يكون فيه مس بشرة إلا في موضع الحاجة)) (١). الوجه الرابع: أن النساء مع النبي ﷺ كان عندهن من الإيمان والتقوى والورع ما يحجزهن عن الفساد، بخلاف نساء هذا العصر، فإن عندهن من ضعف الإيمان والتعرض للرجال والاختلاط بهم في غير ضرورة ولا حاجة ما يكون سببًا في الشر والفساد والفتنة. وبهذا يبطل تعلق هؤلاء المعاصرين بهذه الأحاديث.

стр. 2734

بَابُ النِّسَاءِ الْغَازِيَاتِ يُرْضَخُ لَهُنَّ، وَلَا يُسْهَمُ، وَالنَّهْيِ عَنْ قَتْلِ صِبْيَانِ أَهْلِ الْحَرْبِ . [١٨١٢] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ- عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ: أَنَّ نَجْدَةَ كَتَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنْ خَمْسِ خِلَالٍ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْلَا أَنْ أَكْتُمَ عِلْمًا مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ، كَتَبَ إِلَيْهِ نَجْدَةُ: أَمَّا بَعْدُ، فَأَخْبِرْنِي: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ؟ وَهَلْ كَانَ يَضْرِبُ لَهُنَّ بِسَهْمٍ؟ وَهَلْ كَانَ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ؟ وَمَتَى يَنْقَضِي يُتْمُ الْيَتِيمِ؟ وَعَنِ الْخُمْسِ، لِمَنْ هُوَ؟ فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَتَبْتَ تَسْأَلُنِي: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ، وَقَدْ كَانَ يَغْزُو بِهِنَّ، فَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى، وَيُحْذَيْنَ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَأَمَّا بِسَهْمٍ فَلَمْ يَضْرِبْ لَهُنَّ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ، فَلَا تَقْتُلِ الصِّبْيَانَ، وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي: مَتَى يَنْقَضِي يُتْمُ الْيَتِيمِ؟ فَلَعَمْرِي إِنَّ الرَّجُلَ لَتَنْبُتُ لِحْيَتُهُ، وَإِنَّهُ لَضَعِيفُ الْأَخْذِ لِنَفْسِهِ، ضَعِيفُ الْعَطَاءِ مِنْهَا، فَإِذَا أَخَذَ لِنَفْسِهِ مِنْ صَالِحِ مَا يَأْخُذُ النَّاسُ فَقَدْ ذَهَبَ عَنْهُ الْيُتْمُ، وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْخُمْسِ، لِمَنْ هُوَ؟ وَإِنَّا كُنَّا نَقُولُ: هُوَ لَنَا، فَأَبَى عَلَيْنَا قَوْمُنَا ذَاكَ. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ: أَنَّ نَجْدَةَ كَتَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنْ خِلَالٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ حَاتِمٍ: وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ، فَلَا تَقْتُلِ الصِّبْيَانَ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ تَعْلَمُ مَا عَلِمَ الْخَضِرُ مِنَ الصَّبِيِّ الَّذِي قَتَلَ، وَزَادَ إِسْحَاقُ فِي حَدِيثِهِ عَنْ حَاتِمٍ: وَتُمَيِّزَ الْمُؤْمِنَ، فَتَقْتُلَ الْكَافِرَ، وَتَدَعَ الْمُؤْمِنَ. وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ قَالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ بْنُ عَامِرٍ الْحَرُورِيُّ إِلَى ابْنِ

стр. 2735

عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنِ الْعَبْدِ، وَالْمَرْأَةِ يَحْضُرَانِ الْمَغْنَمَ، هَلْ يُقْسَمُ لَهُمَا؟ وَعَنْ قَتْلِ الْوِلْدَانِ، وَعَنِ الْيَتِيمِ، مَتَى يَنْقَطِعُ عَنْهُ الْيُتْمُ؟ وَعَنْ ذَوِي الْقُرْبَى، مَنْ هُمْ؟ فَقَالَ لِيَزِيدَ: اكْتُبْ إِلَيْهِ، فَلَوْلَا أَنْ يَقَعَ فِي أُحْمُوقَةٍ مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ، اكْتُبْ: إِنَّكَ كَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْمَرْأَةِ، وَالْعَبْدِ يَحْضُرَانِ الْمَغْنَمَ، هَلْ يُقْسَمُ لَهُمَا شَيْءٌ؟ وَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُمَا شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يُحْذَيَا، وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ قَتْلِ الْوِلْدَانِ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَقْتُلْهُمْ، وَأَنْتَ فَلَا تَقْتُلْهُمْ، إِلَّا أَنْ تَعْلَمَ مِنْهُمْ مَا عَلِمَ صَاحِبُ مُوسَى مِنَ الْغُلَامِ الَّذِي قَتَلَهُ، وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْيَتِيمِ، مَتَى يَنْقَطِعُ عَنْهُ اسْمُ الْيُتْمِ؟ وَإِنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ عَنْهُ اسْمُ الْيُتْمِ حَتَّى يَبْلُغَ، وَيُؤْنَسَ مِنْهُ رُشْدٌ، وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ ذَوِي الْقُرْبَى، مَنْ هُمْ؟ وَإِنَّا زَعَمْنَا: أَنَّا هُمْ، فَأَبَى ذَلِكَ عَلَيْنَا قَوْمُنَا. وَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ قَالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِطُولِهِ. حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسًا يُحَدِّثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ قَالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ بْنُ عَامِرٍ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: فَشَهِدْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ حِينَ قَرَأَ كِتَابَهُ، وَحِينَ كَتَبَ جَوَابَهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَاللَّهِ لَوْلَا أَنْ أَرُدَّهُ عَنْ نَتْنٍ يَقَعُ فِيهِ مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ، وَلَا نُعْمَةَ عَيْنٍ، قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّكَ سَأَلْتَ عَنْ سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ، مَنْ هُمْ؟ وَإِنَّا كُنَّا نَرَى: أَنَّ قَرَابَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هُمْ نَحْنُ، فَأَبَى ذَلِكَ عَلَيْنَا قَوْمُنَا، وَسَأَلْتَ عَنِ الْيَتِيمِ، مَتَى يَنْقَضِي يُتْمُهُ؟ وَإِنَّهُ إِذَا بَلَغَ النِّكَاحَ، وَأُونِسَ مِنْهُ رُشْدٌ، وَدُفِعَ إِلَيْهِ مَالُهُ فَقَدِ انْقَضَى يُتْمُهُ، وَسَأَلْتَ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْتُلُ مِنْ صِبْيَانِ الْمُشْرِكِينَ أَحَدًا؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ

стр. 2736

صلى الله عليه وسلم لَمْ يَكُنْ يَقْتُلُ مِنْهُمْ أَحَدًا، وَأَنْتَ فَلَا تَقْتُلْ مِنْهُمْ أَحَدًا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ تَعْلَمُ مِنْهُمْ مَا عَلِمَ الْخَضِرُ مِنَ الْغُلَامِ حِينَ قَتَلَهُ، وَسَأَلْتَ عَنِ الْمَرْأَةِ، وَالْعَبْدِ هَلْ كَانَ لَهُمَا سَهْمٌ مَعْلُومٌ إِذَا حَضَرُوا الْبَأْسَ؟ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سَهْمٌ مَعْلُومٌ، إِلَّا أَنْ يُحْذَيَا مِنْ غَنَائِمِ الْقَوْمِ. وَحَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ عن المُخْتَارِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ قَالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَذَكَرَ بَعْضَ الْحَدِيثِ، وَلَمْ يُتِمَّ الْقِصَّةَ كَإِتْمَامِ مَنْ ذَكَرْنَا حَدِيثَهُمْ. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الْأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ: أَخْلُفُهُمْ فِي رِحَالِهِمْ، فَأَصْنَعُ لَهُمُ الطَّعَامَ، وَأُدَاوِي الْجَرْحَى، وَأَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى. وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ. هذا الحديث فيه: أن السائل هو نجدة بن عامر الحروري، وهو من الخوارج، كتب لابن عباس ﵄ يسأله عن هذه المسائل، فأجابه، وقال: ((لَوْلَا أَنْ أَكْتُمَ عِلْمًا مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ)) لأنه من الخوارج الذين يكفِّرون المسلمين بالمعاصي؛ فلا يستحق أن يكتب إليه، لكنه خاف ﵁ من كتمان العلم، وقال: ((وَاللَّهِ لَوْلَا أَنْ أَرُدَّهُ عَنْ نَتْنٍ يَقَعُ فِيهِ مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ، وَلَا نُعْمَةَ عَيْنٍ)) والنتن هو: الشيء الذي له رائحة كريهة، والمعنى: أنه شبه وقوعه في الغلط بشم شيء له رائحة كريهة، والنُّعْمَةُ، يعني: المسرة. وأهل البدع يجب هجرهم، وهو من أهل البدع الذين يكفِّرون بالمعاصي.

стр. 2737

وفيه: أنه ذكر أن النبي ﷺ كان يغزو بالنساء، لكنهن لا يباشرن القتال، فكنَّ يداوينَ الجرحى، ويسقينَ الماء، ويصنعنَ الطعام. وفيه: أن النساء والصبيان لا يُقتلون إلا إذا شاركوا في القتال. وفيه: أن يُتم اليتيم ينقضي بأمرين: الأول: البلوغ، والثاني: حصول الرشد. والرشد معناه: حسن التصرف، أما يتم اليتيم من حيث هو فينقضي بالبلوغ، فإذا بلغ ذهب عنه اليتم، لكن لا يعطى ماله إلا إذا ضُمَّ إلى ذلك حسن التصرف، وقد بين الله هذين الشرطين في قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾؛ ولهذا قال ابن عباس ﵄: ((فَلَعَمْرِي إِنَّ الرَّجُلَ لَتَنْبُتُ لِحْيَتُهُ، وَإِنَّهُ لَضَعِيفُ الْأَخْذِ لِنَفْسِهِ، ضَعِيفُ الْعَطَاءِ مِنْهَا)). وفيه: أنه سئل عن خمس الخمس لبني هاشم وبني المطلب، كما في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ فقال ابن عباس ﵄: ((وَإِنَّا كُنَّا نَقُولُ: هُوَ لَنَا، فَأَبَى عَلَيْنَا قَوْمُنَا ذَاكَ)) ذكر النووي ﵀ أن الذي أبى عليهم هو معاوية ﵁ (١)، والصواب: أن الذي أبى عليهم قبل ذلك هو أبو بكر وعمر ﵄. وفيه: أن الخضر علم عن الصبي أنه لو عاش لكان كافرًا؛ لأنه نبي يوحى إليه؛ ولهذا قال في آخر القصة: ﴿وما فعلته عن أمري﴾، فقال ابن عباس ﵄: ((إِلَّا أَنْ تَكُونَ تَعْلَمُ مَا عَلِمَ الْخَضِرُ مِنَ الصَّبِيِّ الَّذِي قَتَلَ)) فاقتل الصِّبْية إذًا، والمعنى: أنك لا تعلم فلا تقتل.

стр. 2738

بَابُ عَدَدِ غَزَوَاتِ النَّبِيِّ ﷺ . [١٢٥٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ خَرَجَ يَسْتَسْقِي بِالنَّاسِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ اسْتَسْقَى قَالَ: فَلَقِيتُ- يَوْمَئِذٍ- زَيْدَ ابْنَ أَرْقَمَ، وَقَالَ: لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ غَيْرُ رَجُلٍ، أَوْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ رَجُلٌ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: كَمْ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: تِسْعَ عَشْرَةَ، فَقُلْتُ: كَمْ غَزَوْتَ أَنْتَ مَعَهُ؟ قَالَ: سَبْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً قَالَ: فَقُلْتُ: فَمَا أَوَّلُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا؟ قَالَ: ذَاتُ الْعُسَيْرِ- أَوِ: الْعُشَيْرِ. وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يحيى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ سَمِعَهُ مِنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَزَا تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، وَحَجَّ بَعْدَ مَا هَاجَرَ حَجَّةً لَمْ يَحُجَّ غَيْرَهَا حَجَّةَ الْوَدَاعِ. [١٨١٣] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، قَالَ جَابِرٌ: لَمْ أَشْهَدْ بَدْرًا، وَلَا أُحُدًا، مَنَعَنِي أَبِي، فَلَمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ يَوْمَ أُحُدٍ لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ قَطُّ. [١٨١٤] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ. ح، وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرْمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو تُمَيْلَةَ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، قَاتَلَ فِي ثَمَانٍ مِنْهُنَّ، وَلَمْ يَقُلْ أَبُو بَكْرٍ: مِنْهُنَّ. وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ. [خ: ٤٤٧٣] وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ كَهْمَسٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِتَّ عَشْرَةَ غَزْوَةً. [١٨١٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- يَعْنِي: ابْنَ إِسْمَاعِيلَ-

стр. 2739

عَنْ يَزِيدَ- وَهُوَ ابْنُ أَبِي عُبَيْدٍ- قَالَ: سَمِعْتُ سَلَمَةَ يَقُولُ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ، وَخَرَجْتُ فِيمَا يَبْعَثُ مِنَ الْبُعُوثِ تِسْعَ غَزَوَاتٍ، مَرَّةً عَلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ، وَمَرَّةً عَلَيْنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ. وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ- فِي كِلْتَيْهِمَا-: سَبْعَ غَزَوَاتٍ. [خ: ٤٢٧١] قوله: ((قَاتَلَ فِي ثَمَانٍ)) هذه الثماني التي قاتل فيها ﷺ هي: بدر، وأحد، والأحزاب، وخيبر، والفتح، وهوزان، والطائف، وتبوك. وفي حديث زيد بن أرقم وحديث عبد الله بن بريدة ﵄: أن النبي ﷺ غزا تسع عشرة، وفي حديث جابر ﵁ أنه قال: تسع عشرة، وهو قد تخلف عن بدر وأحد، فدل على أنها أكثر من تسع عشرة، وهي على حديث جابر ﵁ إحدى وعشرين، فدل على أن قول زيد بن أرقم وعبد الله بن بريدة ﵄ تسع عشرة، يعنيان: أن منها تسع عشرة، وليس المراد الحصر. وذكر ابن سعد في الطبقات: ((كان عدد مغازي رسول الله ﷺ التي غزا بنفسه سبعًا وعشرين غزوة، وكانت سراياه التي بعث بها سبعًا وأربعين سرية)) (١).

стр. 2740

بَابُ غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ . [١٨١٦] حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي عَامِرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ، وَنَحْنُ سِتَّةُ نَفَرٍ، بَيْنَنَا بَعِيرٌ نَعْتَقِبُهُ، قَالَ: فَنَقِبَتْ أَقْدَامُنَا، فَنَقِبَتْ قَدَمَايَ، وَسَقَطَتْ أَظْفَارِي، فَكُنَّا نَلُفُّ عَلَى أَرْجُلِنَا الْخِرَقَ، فَسُمِّيَتْ: غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ؛ لِمَا كُنَّا نُعَصِّبُ عَلَى أَرْجُلِنَا مِنَ الْخِرَقِ، قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: فَحَدَّثَ أَبُو مُوسَى بِهَذَا الْحَدِيثِ، ثُمَّ كَرِهَ ذَلِكَ قَالَ: كَأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَكُونَ شَيْئًا مِنْ عَمَلِهِ أَفْشَاهُ، قَالَ أَبُو أُسَامَةَ: وَزَادَنِي غَيْرُ بُرَيْدٍ: وَاللَّهُ يُجْزِي بِهِ. [خ: ٤١٣٨] [غزوة ذات الرقاع هي غزوة محارب خصفة، وجمهور أهل المغازي على ذلك وأنهما غزوة واحدة، وجزم بذلك ابن إسحاق، وهو اختيار الإمام البخاري (١)، أما الواقدي فقال: هما غزوتان مختلفتان فذات الرقاع غزوة، ومحارب خصفة غزوة أخرى، وقد وقع خلاف حول غزوة ذات الرقاع هل هي سنة أربع أو سنة خمس. قوله: ((خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ، وَنَحْنُ سِتَّةُ نَفَرٍ، بَيْنَنَا بَعِيرٌ نَعْتَقِبُهُ)) يعني: نركبه عقبة عقبة، وهو أن يركب الرجل قليلًا ثم ينزل ويركب الآخر بالنوبة، فيتناوبون على البعير واحدًا بعد واحد، وإذا كانوا اثنين فواحد يمشي، وإذا كانوا أربعة فيمشي ثلاثة، ثم بعد ذلك إذا مشى البعير وقتًا نزل الراكب وركب أحد المشاة، وهكذا. قوله: ((فَنَقِبَتْ أَقْدَامُنَا)) يعني: رقت جلودها وتأثرت من المشي. قوله: ((فَكُنَّا نَلُفُّ عَلَى أَرْجُلِنَا الْخِرَقَ، فَسُمِّيَتْ: غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ)) المقصود من تسمية ذات الرقاع، فقد اختلفوا في تسميتها، فأبو موسى ﵁ رأى أنها سميت ذات الرقاع؛ لأنهم كانو ايعصبون على أرجلهم الخرق، وقيل: إنها سميت بذلك لاسم الجبل، وقيل: للسببين معًا.] [*] هذا الحديث فيه: ما أصاب الصحابة رضوان الله عليهم من الشدة، ففي قصة أبي موسى ﵁ أنه نُقبت قدمه، وأصابتها الجروح وسقطت أظفاره ولف قدميه بالرِّقاع، ثم كره أن يكون أفشى شيئًا من عمله؛ ولهذا قال: ((واللهُ يَجْزِي بِهِ))، لكن ذكره من باب نشر العلم.

стр. 2741

بَابُ كَرَاهَةِ الِاسْتِعَانَةِ فِي الْغَزْوِ بِكَافِرٍ . [١٨١٧] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ مَالِكٍ. ح، وحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكِ ابْنِ أَنَسٍ، عن الفُضَيْلِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نِيَارٍ الْأَسْلَمِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ بَدْرٍ، فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ أَدْرَكَهُ رَجُلٌ قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جُرْأَةٌ وَنَجْدَةٌ، فَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَأَوْهُ، فَلَمَّا أَدْرَكَهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : جِئْتُ لِأَتَّبِعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ؟ ))، قَالَ: لَا، قَالَ: ((فَارْجِعْ؛ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ))، قَالَتْ: ثُمَّ مَضَى حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالشَّجَرَةِ أَدْرَكَهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، قَالَ: ((فَارْجِعْ؛ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ))، قَالَ: ثُمَّ رَجَعَ فَأَدْرَكَهُ بِالْبَيْدَاءِ، فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ: ((تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ؟ ))، قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((فَانْطَلِقْ)). هذا الحديث فيه: أن النبي ﷺ لم يستعن بمشرك؛ لأنه لا يأمنه، فرده مرتين حتى أسلم.

стр. 2742

كِتَابُ الْإِمَارَةِ

стр. 2743

كِتَابُ الْإِمَارَةِ بَابُ النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ وَالْخِلَافَةُ فِي قُرَيْشٍ [١٨١٨] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ- يَعْنِيَانِ: الْحِزَامِيَّ- ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَفِي حَدِيثِ زُهَيْرٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، وقَالَ عَمْرٌو رِوَايَةً: ((النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ؛ مُسْلِمُهُمْ لِمُسْلِمِهِمْ، وَكَافِرُهُمْ لِكَافِرِهِمْ)). [خ: ٣٤٩٥] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ؛ مُسْلِمُهُمْ تَبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ، وَكَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِرِهِمْ)). [١٨١٩] وَحَدَّثَنِي يَحيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي الْخَيْرِ، وَالشَّرِّ)). [١٨٢٠] وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنَ النَّاسِ اثْنَانِ)). [خ: ٣٥٠١] قوله: ((روايةً))، يعني: يرفعه إلى النبي ﷺ .

стр. 2744

قوله: ((مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم))، يعني: أن الولاية والإمارة والشرف فيهم في الجاهلية، وفي الإسلام. هذه الأحاديث فيها: أن الإمارة والزعامة والخلافة تكون في قريش، سواء في الجاهلية، أو في الإسلام، وأن الناس تبعٌ لقريش، مسلمهم لمسلمهم، وكافرهم لكافرهم، في الخلافة والإمارة والولاية، وأنه فيهم ما بقي منهم اثنان، وهذا دليل على أن الخلافة تكون في قريش عند الاختيار والانتخاب. وهناك قيد في رواية البخاري، وهو: ((مَا أَقَامُوا الدِّينَ)) (١)، وهذا قيد لا بد منه، ومفهومه: أنهم إذا لم يقيموا الدين فإن الخلافة تنتقل إلى غيرهم، وأنه إذا وجد فيهم من يقيم الدين عند الاختيار والانتخاب فإنه يجب أن يكون الخليفة من قريش، فإذا كان الاختيار والانتخاب للمسلمين فإنه يجب عليهم أن يختاروا من قريش إذا وجد من يقيم الدين فتثبت الخلافة، كما اختار الصحابة، وانتخبوا أبا بكر الصديق ﵁، فلما توفي النبي ﷺ اجتمع الأنصار في ثقيفة بني ساعدة لاختيار خليفة وأمير فجاءهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ي، ولما أرادوا أن يختاروا خليفة من الأنصار بين لهم الصديق وعمر م أن الخلافة لا تكون إلا في قريش، وبين لهم قول النبي ﷺ : ((الأئمة من قريش)) (٢)، وأن الناس تبع لهم؛ فاختاروا أبا بكر ﵁ وانتخبوه للخلافة، ثم ثبتت الخلافة لعمر ﵁ بولاية العهد من أبي بكر ﵁، واتفق الناس عليه، ثم ثبتت الخلافة لعثمان ﵁ أيضًا- بانتخاب أهل الحل والعقد وهو من قريش، ثم ثبتت الخلافة لعلي ﵁ بمبايعة أكثر أهل الحل والعقد وهو من قريش؛ فإذا كان الاختيار والانتخاب للمسلمين فإنه يجب أن يكون الخليفة من قريش إذا وجد فيهم من يقيم الدين؛ فإن لم يوجد فيهم من يقيم الدين فتكون الولاية في غيرهم، كما حصل في الخلافة الراشدة

стр. 2745

والدولة الأموية، والدولة العباسية، ثم لما سقطت بغداد في أيدي التتار سنة ٦٥٦ هـ انتقلت الخلافة من قريش. فيه: منقبة لقريش؛ فالناس تبع لقريش في هذا الشأن- يعني: في الإمارة والولاية- لأن أصولهم شريفة، ومعادنهم طيبة، وأنسابهم عالية. وهذه الأحاديث الخبر فيها بمعنى الأمر، والمعنى: اجعلوا هذا الأمر فيهم، ولو كان خبرًا حقيقيًّا لما تخلف، ولما سقطت الخلافة العباسية على أيدي التتار، وانتقلت الخلافة إلى الأعاجم، وإلى الدولة العثمانية. والخلافة والولاية إنما تثبت بواحد من ثلاثة أمور: الأول: الاختيار والانتخاب من أهل الحل والعقل: كما ثبتت الخلافة لأبي بكر الصديق ﵁، وكذلك ثبتت الخلافة لعثمان ﵁، وكذلك لعلي ﵁. الثاني: ولاية العهد من الخليفة السابق: كما ثبتت الخلافة لعمر ﵁ بعهدٍ من الصديق، وأجمع عليه الصحابة. الثالث: القوة والغلبة: فإذا غلب الناسَ بسيفه وسلطانه وخضعوا له، وجب له عليهم السمع والطاعة، وثبتت له الإمارة بذلك؛ وذلك لأن الشرع يتشوف إلى استتباب الأمن والاستقرار وعدم الفوضى والاضطراب، ويدل على ذلك الأحاديث التي فيها الأمر بالسمع والطاعة لولاة الأمور، مثل: قوله ﷺ : ((وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ)) (١)، ومعروف أن العبد الحبشي ليس من قريش، والخلافة من بعد الخلفاء الراشدين إلى الآن لم تثبت بالاختيار والانتخاب، ووقعت كلها بالقوة والغلبة. أما تولية الحكم عن طريق التصويت والانتخابات- كما يُفعل الآن في الدول الكافرة وأشباهها- فهذا باطل مخالف للشرع؛ لأنهم لا يعملون بالشريعة الإسلامية من الأساس، فهم إما كفار وإما أشباه كفار.

стр. 2746

[١٨٢١] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ. ح وَحَدَّثَنَا رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْوَاسِطِيُّ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ اللهِ الطَّحَّانَ- عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَنْقَضِي حَتَّى يَمْضِيَ فِيهِمُ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً))، قَالَ: ثُمَّ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ خَفِيَ عَلَيَّ، قَالَ: فَقُلْتُ لِأَبِي: مَا قَالَ؟ قَالَ: ((كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ)). [خ: ٧٢٢٣] حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((لَا يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ مَاضِيًا مَا وَلِيَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا))، ثُمَّ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَلِمَةٍ خَفِيَتْ عَلَيَّ، فَسَأَلْتُ أَبِي مَاذَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: ((كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ)). وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: ((لَا يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ مَاضِيًا)). حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((لَا يَزَالُ الْإِسْلَامُ عَزِيزًا إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً))، ثُمَّ قَالَ كَلِمَةً لَمْ أَفْهَمْهَا، فَقُلْتُ لِأَبِي: مَا قَالَ؟ فَقَالَ: ((كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ)). حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ دَاوُدَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ عَزِيزًا إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً))، قَالَ: ثُمَّ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ لَمْ أَفْهَمْهُ، فَقُلْتُ لِأَبِي: مَا قَالَ؟ فَقَالَ: ((كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ)). حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَزْهَرُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى

стр. 2747

رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَعِي أَبِي، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ عَزِيزًا مَنِيعًا إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً))، فَقَالَ كَلِمَةً صَمَّنِيهَا النَّاسُ، فَقُلْتُ لِأَبِي: مَا قَالَ؟ قَالَ: ((كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ)). قوله: ((لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ عَزِيزًا مَنِيعًا إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً)) المعنى: أن الإسلام لا يزال عزيزًا قويًّا وفي ازدياد في خلافة هؤلاء الاثني عشر خليفة، ثم بعد ذلك يكون الأمر فيه ضعف. وهؤلاء الاثنا عشر خليفة هل هم متوالون، أم لا؟ على قولين: القول الأول: أنهم متوالون، وهم: الخلفاء الراشدون الأربعة، ومعاوية بن أبي سفيان، وابنه يزيد، وعبد الملك بن مروان، وأولاده الأربعة: الوليد بن عبد الملك، وسليمان بن عبد الملك، وهشام بن عبد الملك، ويزيد بن عبد الملك، وبينهم عمر بن عبد العزيز، فهؤلاء الاثنا عشر خليفة لايزال أمر الإسلام ماضيًا وعزيزًا في زمانهم، ثم بعد ذلك حصل الضعف والنقص، كما هو معروف الآن. فهم اثنا عشر خليفة يكون الإسلام في زمنهم عزيزًا منيعًا ولا يزال أمر الناس ماضيًا، أما عبد الله بن الزبير ﵄ فلم يجتمع الناس عليه، وأما علي ﵁ ففي حكم المُجْتَمع عليه؛ فقد بايعه أكثر أهل الحل والعقد، وأما الحسن بن علي ﵄ فولايته تابعة لولاية أبيه. القول الثاني: ذكر الحافظ ابن كثير ﵀ أن الأظهر أنهم غير متوالين، وأن المهدي منهم في آخر الزمان. والصواب: أنهم متوالون، والواقع يؤيد هذا، وأما قول: إن المهدي منهم فهذا بعيد؛ لأن المهدي لا يخرج إلا في آخر الزمان، وفي زمانه يخرج الدجال، ويحصل اختلاف، والنبي ﷺ يقول: ((لا يزال أمر الناس ماضيًا))، وأين المضي وقد حصل اختلاف قبل المهدي في سنوات خدَّاعة؟ !

стр. 2748

وفي الحديث: الرد على الرافضة الذي يقولون: إن النبي ﷺ نص على اثني عشر خليفة وأنهم معصومون، وأن الخليفة الأول هو عليٌّ ﵁ هو الخليفة الأول، ثم الحسن ﵁ الخليفة الثاني، ثم الحسين ﵁ الخليفة الثالث، ثم الباقي كلهم من نسل الحسين: علي بن الحسين زين العابدين، ثم محمد بن علي الباقر، ثم جعفر بن محمد الصادق، ثم موسى بن جعفر الكاظم، ثم علي بن موسى الرضا، ثم محمد بن علي الجواد، ثم علي بن محمد الهادي، ثم الحسن بن علي العسكري، ثم المهدي المنتظر الذي دخل سرداب سامراء محمد بن الحسن سنة ستين ومائتين ولم يخرج إلى الآن، وشيخ الإسلام يقول: ((دخل السرداب من أكثر من أربعمائة سنة، ولا يعرف له عين ولا أثر ولا يدرك له حس ولا خبر)) (١)، ونحن نقول: مضى عليه ألف ومائتا سنة ولم يخرج، لأنه شخص موهوم لا حقيقة له؛ لأن أباه الحسن بن علي العسكري مات عقيمًا، ولكنهم اختلقوا له ولدًا وأدخلوه السرداب، وهم يقولون: إنه دخل السرداب بعد موت أبيه، وعمره إما سنتان، وإما ثلاث، وإما خمس، وإما نحو ذلك، ومثل هذا بنص القرآن يتيم يجب أن يحفظ له ماله حتى يؤنس منه الرشد، ويحضنه من يستحق حضانته من أقربائه، فإذا صار له سبع سنين أمر بالطهارة، والصلاة، فمن لا توضأ، ولا صلى، وهو تحت حجر وليه في نفسه، وماله بنص القرآن لو كان موجودا يشهده العيان لما جاز أن يكون هو إمام أهل الإيمان، فكيف إذا كان معدوما، أو مفقودا مع طول هذه الغيبة؟ ! (٢).

стр. 2749

[١٨٢٢] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ- عَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ مِسْمَارٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ مَعَ غُلَامِي نَافِعٍ: أَنْ أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيَّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمَ جُمُعَةٍ عَشِيَّةَ رُجِمَ الْأَسْلَمِيُّ يَقُولُ-: ((لَا يَزَالُ الدِّينُ قَائِمًا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، أَوْ يَكُونَ عَلَيْكُمُ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ)). وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((عُصَيْبَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَفْتَتِحُونَ الْبَيْتَ الْأَبْيَضَ، بَيْتَ كِسْرَى، أَوْ آلِ كِسْرَى))، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ كَذَّابِينَ فَاحْذَرُوهُمْ))، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((إِذَا أَعْطَى اللهُ أَحَدَكُمْ خَيْرًا فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ))، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((أَنَا الْفَرَطُ عَلَى الْحَوْضِ)). حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ مُهَاجِرِ بْنِ مِسْمَارٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ سَمُرَةَ الْعَدَوِيِّ: حَدِّثْنَا مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ حَاتِمٍ. قوله: ((الْبَيْتَ الْأَبْيَضَ)): هو قصر كِسرَى - كما قال ((بَيْتَ كِسْرَى، أَوْ آلِ كِسْرَى))، وكَانَ مَبنيًّا بالجص (١)، وهذا من المعجزات الظاهرة لرسول الله ﷺ وقد فتحوه بحمد الله في زمن عمر بن الخطاب ﵁. وقوله: ((إِذَا أَعْطَى اللهُ أَحَدَكُمْ خَيْرًا فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ)) والخير هنا: المال، فإذا أعطى الله أحدنا مالًا فليبدأ بنفسه وأهل بيته، يعني: بمن تلزمه النفقتة عليهم وعولهم، وفي الحديث: ((ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ

стр. 2750

شَيْءٌ، فَهَكَذَا وَهَكَذَا- يَقُولُ فَبَيْنَ يَدَيْكَ، وَعَنْ يَمِينِكَ، وَعَنْ شِمَالِكَ)) (١). وقوله: ((أَنَا الْفَرَطُ عَلَى الْحَوْضِ)) الفرط هو: السابق الذي يتقدم القوم ليهيئ لهم المكان، ويعد لهم الماء ليسقيهم، وهذا في الموقف يوم القيامة، فحوض نبينا ﷺ في الموقف يوم القيامة: طوله مسافة شهر، وعرضه مسافة شهر، وهو أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج، من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدًا حتى يدخل الجنة، وهناك أقوام يذادون عنه - أي: يُطردون- كما تذاد الإبل العطاش؛ لأنهم غيروا وبدلوا، قال ﷺ : ((ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم، فأقول: إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا لمن غير بعدي))، وفي نفس الحديث: ((يرد علي يوم القيامة رهط من أصحابي فيجلون عن الحوض، فأقول: يا رب أصحابي)) - وفي لفظ: ((أصيحابي أصيحابي)) (٢) - ((فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى)) (٣)، يعني: بعدًا بعدًا. وفي هذا الحديث: عَلَمٌ من أعلام نبوة رسول الله ﷺ وهي: إخباره عن أمور وقعت بعد موته ﷺ ، فقد تم فتح بلاد الفرس في زمن الخليفة عمر بن الخطاب ﵁، ووُجد الكذابون.

стр. 2751

بَابُ الِاسْتِخْلَافِ وَتَرْكِهِ [١٨٢٣] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: حَضَرْتُ أَبِي حِينَ أُصِيبَ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ، وَقَالُوا: جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا، فَقَالَ: رَاغِبٌ وَرَاهِبٌ، قَالُوا: اسْتَخْلِفْ، فَقَالَ: أَتَحَمَّلُ أَمْرَكُمْ حَيًّا وَمَيِّتًا؟ لَوَدِدْتُ أَنَّ حَظِّي مِنْهَا الْكَفَافُ: لَا عَلَيَّ، وَلَا لِي، فَإِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدِ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي- يَعْنِي: أَبَا بَكْرٍ- وَإِنْ أَتْرُكْكُمْ فَقَدْ تَرَكَكُمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُ حِينَ ذَكَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ. [خ: ٧٢١٨] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ- وألفاظهم متقاربة- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقَالَتْ: أَعَلِمْتَ أَنَّ أَبَاكَ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ؟ قَالَ: قُلْتُ: مَا كَانَ لِيَفْعَلَ، قَالَتْ: إِنَّهُ فَاعِلٌ، قَالَ: فَحَلَفْتُ أَنِّي أُكَلِّمُهُ فِي ذَلِكَ، فَسَكَتُّ حَتَّى غَدَوْتُ وَلَمْ أُكَلِّمْهُ، قَالَ: فَكُنْتُ كَأَنَّمَا أَحْمِلُ بِيَمِينِي جَبَلًا حَتَّى رَجَعْتُ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَسَأَلَنِي عَنْ حَالِ النَّاسِ وَأَنَا أُخْبِرُهُ، قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ مَقَالَةً فَآلَيْتُ أَنْ أَقُولَهَا لَكَ، زَعَمُوا أَنَّكَ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ، وَإِنَّهُ لَوْ كَانَ لَكَ رَاعِي إِبِلٍ، أَوْ رَاعِي غَنَمٍ، ثُمَّ جَاءَكَ وَتَرَكَهَا رَأَيْتَ أَنْ قَدْ ضَيَّعَ، فَرِعَايَةُ النَّاسِ أَشَدُّ! قَالَ: فَوَافَقَهُ قَوْلِي، فَوَضَعَ رَأْسَهُ سَاعَةً، ثُمَّ رَفَعَهُ إِلَيَّ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ يَحْفَظُ دِينَهُ، وَإِنِّي لَئِنْ لَا أَسْتَخْلِفْ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَسْتَخْلِفْ، وَإِنْ أَسْتَخْلِفْ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدِ اسْتَخْلَفَ، قَالَ: فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ ذَكَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَأَبَا بَكْرٍ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَعْدِلَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَحَدًا، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ.

стр. 2752

قوله: ((حَضَرْتُ أَبِي حِينَ أُصِيبَ))، يعني: لما طعنه أبو لؤلؤة المجوسي- وهو يصلي بالناس الفجر- ست طعنات إحداهن تحت سرته (١). وقوله: ((رَاغِبٌ وَرَاهِبٌ))، أي: أنا راغب فيما عند الله تعالى، وراهب من عذابه. وقوله: ((لَوَدِدْتُ أَنَّ حَظِّي مِنْهَا الْكَفَافُ: لَا عَلَيَّ، وَلَا لِي)) هذا من تواضعه ﵁، فهو يودُّ حين يلقى ربه أن يكون الأمر كفافًا، ما له حسنات، ولا عليه سيئات، مع أنه من السابقين ﵁، وهذا من عظيم خوفه من الله . وقوله: ((قَالُوا: اسْتَخْلِفْ، فَقَالَ: أَتَحَمَّلُ أَمْرَكُمْ حَيًّا وَمَيِّتًا))، يعني: يكفي أني تحملت تبعاتها في حياتي، فهل أتحملها- أيضًا- بعد مماتي؟ وهذا من ورع عمر ﵁ مع سيرته العادلة، وجهاده، وصحبته الطويلة للنبي (، فودَّ أن يحصل على الكفاف، وترك الأمر شورى بين الستة المعروفين، وهم: الزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وعثمان وعلي ﵃. وقوله: ((فَإِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدِ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي- يَعْنِي: أَبَا بَكْرٍ- وَإِنْ أَتْرُكْكُمْ فَقَدْ تَرَكَكُمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي رَسُولُ اللهِ ﷺ ) وهذا دليل على أنه يجوز للخليفة أن يستخلف وليًّا للعهد بعده، ويجوز أن يترك، أما دليل الاستخلاف فيؤخذ من عزمه ﷺ الذي حكته عائشة، وهو لا يعزم إلا على أمر جائز، وقد فهم أبوبكر ﵁ من عزمه الجواز، ولهذا استخلف أبو بكر عمر ﵄ واتفق الناس على قبوله، ورجح عمر الترك؛ لأنه الذي وقع من رسول الله ﷺ . مسألة: هل ما فعله أبو بكر ﵁ من الاستخلاف أولى أو ما فعله عمر ﵁؟ والجواب: ما فعله أبو بكر ﵁ من عهده إلى واحد بعده أولى من ترك الشورى لستة؛ لما فيه من جمع الكلمة.

стр. 2753

وفي الحديث: دليل أن على خلافة أبي بكر ﵁ ثبتت بالانتخاب والاختيار، لا بالنص، ومن أدلة هذا: قول عمر ﵁. وقيل: إنها ثبتت بالنص، والذين قالوا بالنص اختلفوا، فمنهم من قال: بالنص الجلي، ومنهم من قال: بالنص الخفي، واستدلوا بأدلة، منها: ١ - أن النبي ﷺ قدَّم أبا بكر ليؤم الناس في مرض موته (١). ٢ - حديث المنام، الدلو الذي دلي من السماء وأخذه بعرقيها ﷺ ثم أخذ بعرقيها أبو بكر (٢). ٣ - حديث المرأة التي جاءت، وقالت للنبي ﷺ : إن لم أجدك قال ﷺ : «فائتي أبا بكر» (٣). ٤ - قول النبي ﷺ : «لو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا» (٤). لكن الواقع أن هذه ليست صريحة، والصواب: أن خلافة أبي بكر إنما ثبتت بالاختيار والانتخاب من أهل الحل والعقد، وأما هذه الأمور التي ذكروها فهي مرشدة، ترشد الناس وتدلهم على اختيار أبي بكر، كما قال شيخ الإسلام (٥).

стр. 2754

بَابُ النَّهْيِ عَنْ طَلَبِ الْإِمَارَةِ، وَالْحِرْصِ عَلَيْهَا [١٦٢٥] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ أُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا)). وَحَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ يُونُسَ، وَمَنْصُورٍ، وَحُمَيْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ سِمَاكِ بْنِ عَطِيَّةَ، وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَهِشَامِ بْنِ حَسَّانَ كُلُّهُمْ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ جَرِيرٍ. هذا الحديث فيه: النهي الصريح عن طلب الولايات من قضاء وإمارة وغيرها، وأن من طلب الولاية لا يعطاها؛ لأنه إذا طلبها فهذا دليل على أنه متساهل، وأنه قد يقصر في بعض ما تتطلبه الولاية، وسيأتي قول النبي ﷺ : ((إِنَّا لَا نُوَلِّي هَذَا مَنْ سَأَلَهُ، وَلَا مَنْ حَرَصَ عَلَيْهِ)) (١)، وأما من أُلزم بها من غير طلب فإنه يعان عليها؛ ولهذا قال هنا: ((وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا)). ويستثنى من هذا: ١ - الإمامة في الصلاة، فلا بأس بطلبها لمن هو لها أهل لها وكان قادرًا عليها؛ لحديث عثمان بن أبي العاص: أنه قال لرسول الله ﷺ : اجعلني إمام قومي، قال: ((أَنْتَ إِمَامُهُمْ)) (٢)؛ ولأنها ولاية خاصة بمن يؤمهم.

стр. 2755

٢ - طلب الولاية إذا كان يرى أنه أحسن من غيره فيها، وأن غيره لا يقوم مقامه فيها، كما حكى تعالى طلب يوسف لها من العزيز، فَقَالَ: ﴿اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم﴾. [١٧٣٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَمِّي، فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمِّرْنَا عَلَى بَعْضِ مَا وَلَّاكَ اللهُ ، وَقَالَ الْآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: ((إِنَّا- وَاللهِ- لَا نُوَلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ، وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ)). [خ: ٦٩٢٣] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ حَاتِمٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى: أَقْبَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَمَعِي رَجُلَانِ من الأَشْعَرِيِّينَ، أَحَدُهُمَا: عَنْ يَمِينِي، وَالْآخَرُ: عَنْ يَسَارِي، فَكِلَاهُمَا سَأَلَ الْعَمَلَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَسْتَاكُ، فَقَالَ: ((مَا تَقُولُ يَا أَبَا مُوسَى- أَوْ: يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ؟ -))، قَالَ: فَقُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَطْلَعَانِي عَلَى مَا فِي أَنْفُسِهِمَا، وَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ الْعَمَلَ، قَالَ: وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى سِوَاكِهِ تَحْتَ شَفَتِهِ، وَقَدْ قَلَصَتْ، فَقَالَ: ((لَنْ- أَوْ: لَا- نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ، وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ يَا أَبَا مُوسَى- أَوْ: يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ-))، فَبَعَثَهُ عَلَى الْيَمَنِ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ قَالَ: انْزِلْ، وَأَلْقَى لَهُ وِسَادَةً، وَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ مُوثَقٌ، قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا كَانَ يَهُودِيًّا، فَأَسْلَمَ، ثُمَّ رَاجَعَ دِينَهُ- دِينَ السَّوْءِ- فَتَهَوَّدَ، قَالَ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللهِ وَرَسُولِهِ، فَقَالَ: اجْلِسْ نَعَمْ، قَالَ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللهِ وَرَسُولِهِ- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- فَأَمَرَ بِهِ

стр. 2756

فَقُتِلَ، ثُمَّ تَذَاكَرَا الْقِيَامَ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا مُعَاذٌ: أَمَّا أَنَا فَأَنَامُ وَأَقُومُ، وَأَرْجُو فِي نَوْمَتِي مَا أَرْجُو فِي قَوْمَتِي. [خ: ٦٩٢٣] هذا الحديث فيه من الفوائد: ١ - دليل على قوة معاذ ﵁ في الحق. ٢ - وجوب قتل المرتد. ٣ - المبادرة إلى تنفيذ الحكم الشرعي؛ لأن التأخير قد يؤدي إلى تعطيل الحكم. ٤ - المبادرة إلى إنكار المنكر وإقامة الحدود على من وجب عليه. ٥ - التذاكر في أمور العبادة، قال ابن حجر: ((في رواية سعيد بن أبي بردة، فَقَالَ كيف تقرأ القرآن أي في صلاة الليل قوله، فَقَالَ أحدهما هو معاذ ووقع في رواية سعيد بن أبي بردة، فَقَالَ أبو موسى أقرؤه قائما وقاعدا وعلى راحلتي وأتفوقه بفاء وقاف بينهما واو ثقيلة أي ألازم قراءته في جميع الأحوال)) (١)، فكان الحديث بينهما في أمور العبادة للحث والترغيب والتنشيط والتأسي، وهكذا مجالس سماحة شيخنا عبدالعزيز بن باز ﵀ ليس فيها شيء من حديث الدنيا. ٦ - دليل على فضل الصحابة، فهم لم يتذاكرا في أمور الدنيا ولا خاضوا في البيع ولا في الشراء. ٧ - دليل على أن الإنسان يؤجر على نومه إذا نوى به التقوي على طاعة الله، والقيام بمصالح العباد. ٨ - تزاور الإخوان والأمراء والعلماء؛ فكان أبو موسى ﵁ على مخلاف

стр. 2757

ومعاذ ﵁ على مخلاف، وكانا يتزاوران ويتذاكران. ٩ - إكرام الضيف. ١٠ - أن المباحات يؤجر عليها بالنية إذا صارت وسائل للمقاصد الواجبة أو المندوبة أو تكميلًا لشيء منهما.

стр. 2758

بَابُ كَرَاهَةِ الْإِمَارَةِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ [١٨٢٥] حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ الْحَضْرَمِيِّ عَنِ ابْنِ حُجَيْرَةَ الْأَكْبَرِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي، ثُمَّ قَالَ: ((يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا)). [١٨٢٦] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنِ الْمُقْرِئِ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الْقُرَشِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي سَالِمٍ الْجَيْشَانِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ)). قوله: ((يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟ ))، يعني: ألا تجعلني في ولاية؟ فَقَالَ له: ((يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ))، يعني: بسبب زهده وورعه، ((وَإِنَّهَا أَمَانَةُ))، يعني: مسؤولية ((وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا)) فالولاية تكون على أصحابها يوم القيامة خزيًا وندامة وفضيحة بسبب تفريطهم وعدم قيامهم بالواجب المنوط بهم. هذا الحديث فيه: أن أمر الولايات والمناصب وتقلُّدها أمر عظيم، فينبغي لمن تولى ولاية أن يقوم بحقوقها، ويؤدي الواجب الذي عليه فيها، وإلا صارت يوم القيامة حسرة وندامة.

стр. 2759

بَابُ فَضِيلَةِ الْإِمَامِ الْعَادِلِ، وَعُقُوبَةِ الْجَائِرِ، وَالْحَثِّ عَلَى الرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ، وَالنَّهْيِ عَنْ إِدْخَالِ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ [١٨٢٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو- يَعْنِي: ابْنَ دِينَارٍ- عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو بَكْرٍ: يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، وَفِي حَدِيثِ زُهَيْرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ- الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ، وَأَهْلِيهِمْ، وَمَا وَلُوا)). قوله: ((إِنَّ الْمُقْسِطِينَ)) جمع مقسط، وهو العادل، ومنه: قوله تعالى: ﴿وأقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾. وقوله: ((الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا))، أي: الذين يعدلون في حكمهم، ومن ذلك: حكم الرجل في أهله وأولاده، وفي الولايات التي يتولاها. هذا الحديث فيه: فضل العادلين في حكمهم، ولكن في الحديث السابق أن النبي ﷺ قال- لأبي ذر لما طلب الولاية-: ((يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةُ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا)) فكيف الجمع بينه وبين حديث الباب؟ نقول: إن الأحاديث التي فيها الوعيد على تولِّي الإمارة محمولة على من لم يكن أهلًا لها، أو كان أهلًا لها، ولكن لم يعدل فيها، أما من كان أهلًا للولاية وعدل فيها فقد دلت النصوص على فضله، كما في حديث الباب، وحديث: ((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ

стр. 2760

فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ؛ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ، وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ)) (١)؛ ذلك لأنه به تؤمَّن السبل، وتقام الحدود، ويُنتصف للمظلوم من الظالم، ويؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويجاهَد في سبيل الله تحت رايته، ويقام معه الحج. وفي الحديث: إثبات صفة اليدين لله ، قال الله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، وقال تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾، وأن يديه كلتيهما يمين، يعني: في الشرف والفضل وعدم النقص، وإلا فقد ثبت في صحيح مسلم أن لله سبحانه يمينًا وشمالًا (٢)، لكن كلٌّ منهما يمين في البركة والشرف والفضل وعدم النقص، بخلاف المخلوق فإن يده الشمال أضعف من اليمين في الغالب.

стр. 2761

[١٨٢٨] حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنْ شَيْءٍ، فَقَالَتْ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، فَقَالَتْ: كَيْفَ كَانَ صَاحِبُكُمْ لَكُمْ فِي غَزَاتِكُمْ هَذِهِ؟ فَقَالَ: مَا نَقَمْنَا مِنْهُ شَيْئًا، إِنْ كَانَ لَيَمُوتُ لِلرَّجُلِ مِنَّا الْبَعِيرُ، فَيُعْطِيهِ الْبَعِيرَ، وَالْعَبْدُ فَيُعْطِيهِ الْعَبْدَ، وَيَحْتَاجُ إِلَى النَّفَقَةِ، فَيُعْطِيهِ النَّفَقَةَ، فَقَالَتْ: أَمَا إِنَّهُ لَا يَمْنَعُنِي الَّذِي فَعَلَ فِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخِي أَنْ أُخْبِرَكَ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقُولُ- فِي بَيْتِي هَذَا-: ((اللهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ)). وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ حَرْمَلَةَ الْمِصْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ. قوله: ((عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ)) شماسة مثلثة الشين، يقال: شمُاسة، أو شَماسة، أو شِماسة، وذكر الحافظ أنه بالكسر (١). هذا الحديث فيه: فضيلة لعمرو بن العاص ﵁، فقد كان واليًا على مصر، وكان يعتني بالرعية، فمن مات له بعير أعطاه من بيت المال بعيرًا، ومن مات له عبد أعطاه عبدًا، ومن احتاج إلى النفقة أنفق عليه. وفيه: فضل عائشة ﵂، وأنها لم تكتم الحديث، رغم ما حصل من عمرو ﵁ لأخيها محمد. وفيه: فضل الولاة الذين يرفقون بالرعية، والوعيد الشديد على من شق عليهم. ودعاء النبي ﷺ على الولاة الظلمة بأن يشق الله عليهم، ودعاؤه للولاة العادلين بأن يرفق الله بهم- مستجاب.

стр. 2762

[١٨٢٩] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)). [خ: ٢٥٥٤] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ-.ح. وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَحيَى- يَعْنِي: الْقَطَّانَ- كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، وَأَبُو كَامِلٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، جَمِيعًا عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ- يَعْنِي: ابْنَ عُثْمَانَ-.ح وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أُسَامَةُ كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَ حَدِيثِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِهَذَا، مِثْلَ حَدِيثِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ. وَحَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ، بِمَعْنَى حَدِيثِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنَّهُ قَدْ قَالَ: ((الرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ، وَمَسْئُولٌ

стр. 2763

عَنْ رَعِيَّتِهِ)). وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمِّي عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي رَجُلٌ سَمَّاهُ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِهَذَا الْمَعْنَى. هذا الحديث فيه: دليل على عظم المسؤولية، وليس هناك أحد يستطيع التنصل منها، كل واحد مسؤول أمام الله، لكن هذه المسؤولية تختلف، وأعظمها: مسؤولية إمام المسلمين ورئيس الدولة، ثم الأمراء، وكل أمير مسؤول عن إمارته، ثم الوزراء، وكل وزير مسؤول عن وزارته، ثم القضاة مسؤولون، ومدراء المدارس ورؤساء الأقسام كلهم مسؤولون، وإمام المسجد مسؤول عن جماعة المسجد، وإن كانت ولايته ضعيفة، والمؤذن مسؤول، والرجل مسؤول عن زوجته وأولاده وخدمه ودوابه، هل يحسن إليهم، أو يسيء، والمرأة راعية في بيت زوجها على أولادها وبناتها، وهي مسؤولة عنهم، وكذلك الخادم راعٍ في مال سيده، والإنسان مسؤول عن نفسه وحده، هل يستقيم على طاعة الله، وهل يكبح جماح نفسه، ولا يتبع الهوى والشيطان، أم يستجيب لداعي الهوى والنفس؟ !

стр. 2764

[١٤٢] وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْهَبِ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: عَادَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيَادٍ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ الْمُزَنِيَّ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ لِي حَيَاةً مَا حَدَّثْتُكَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ)). وَحَدَّثَنَاهُ يَحيَى بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: دَخَلَ ابْنُ زِيَادٍ عَلَى مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، وَهُوَ وَجِعٌ، بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي الْأَشْهَبِ، وَزَادَ قَالَ: أَلَّا كُنْتَ حَدَّثْتَنِي هَذَا قَبْلَ الْيَوْمِ؟ ! قَالَ: مَا حَدَّثْتُكَ- أَوْ: لَمْ أَكُنْ لِأُحَدِّثَكَ. وَحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ: أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ زِيَادٍ دَخَلَ عَلَى مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ فِي مَرَضِهِ، فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ، لَوْلَا أَنِّي فِي الْمَوْتِ لَمْ أُحَدِّثْكَ بِهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ لَا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ إِلَّا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ)). وَحَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنِي سَوَادَةُ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ، حَدَّثَنِي أَبِي: أَنَّ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ مَرِضَ، فَأَتَاهُ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيَادٍ يَعُودُهُ، نَحْوَ حَدِيثِ الْحَسَنِ عَنْ مَعْقِلٍ. وهو كقوله: ((مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ)). هذا الحديث فيه: وعيد شديد للولاة الظلمة الذين يغشون رعيتهم. وفيه: أن غش الرعية وعدم النصح لهم من كبائر الذنوب، وأن الغاش متوعد بالنار.

стр. 2765

وعبيد الله بن زياد هذا كان أميرًا على العراق وكان ظالمًا، فمرض معقل بن يسار الصحابي الجليل، فدخل عليه عبيد الله يزوره، فحدثه بهذا الحديث خشيةً من كتمان العلم، وكان لم يحدثه قبل ذلك؛ لأنه كان ظالمًا فكان يخشى من شره وظلمه له حال حياته، فَقَالَ لمعقل: ((أَلَّا كُنْتَ حَدَّثْتَنِي هَذَا قَبْلَ الْيَوْمِ؟ ! ، فَقَالَ: مَا حَدَّثْتُكَ- أَوْ: لَمْ أَكُنْ لِأُحَدِّثَكَ)). فأبلغه بأن غش الرعية من كبائر الذنوب، وأنه متوعد عليه بالنار، والحرمان من دخول الجنة. [١٨٣٠] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ أَنَّ عَائِذَ بْنَ عَمْرٍو- وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى عُبَيْدِ اللهِ بْنِ زِيَادٍ، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ شَرَّ الرِّعَاءِ الْحُطَمَةُ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ))، فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ، فَإِنَّمَا أَنْتَ مِنْ نُخَالَةِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَقَالَ: وَهَلْ كَانَتْ لَهُمْ نُخَالَةٌ؟ ! إِنَّمَا كَانَتِ النُّخَالَةُ بَعْدَهُمْ، وَفِي غَيْرِهِمْ. قوله: ((أَيْ بُنَيَّ))، أي: حرف نداء، والمنادى: عبيد الله. وقوله: ((إِنَّ شَرَّ الرِّعَاءِ الْحُطَمَةُ)) يقال: الرِّعاء والرُّعاء: بكسر الراء المشددة وضمها، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ والرعاء: جمع راعٍ، وهو الذي يرعى الأمة ويليها. والحطمة: الذي يحطم رعيته من الغنم والإبل وغيرها، ويسلك بها المسالك الوعرة في سَوقها ومرعاها، ولا يرفق بها، بل يعنف فيها، وإذا كان هذا في رعاية الإبل والغنم فرعاية الأمم والناس والدول أعظم وأعظم، فهذا يدل على الوعيد الشديد على الولاة الظلمة. وقوله: ((فَإِنَّمَا أَنْتَ مِنْ نُخَالَةِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ): هذا كلام قبيح من

стр. 2766

عبيد الله غلب عليه طبعه الجاف وشراسة خلقه وظلمه، وكان الواجب عليه أن يقول: جزاك الله خيرًا، أسأل الله أن لا يجعلنا منهم، ولا يقول مقولته الشنيعة التي قال.

стр. 2767

بَابُ غِلَظِ تَحْرِيمِ الْغُلُولِ [١٨٣١] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، فَذَكَرَ الْغُلُولَ، فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ، ثُمَّ قَالَ: ((لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ نَفْسٌ لَهَا صِيَاحٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ)). [خ: ٣٠٧٣] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي حَيَّانَ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ أَبِي حَيَّانَ، وَعُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ جميعا عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِمِثْلِ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي حَيَّانَ، وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ- يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ- عَنْ أَيُّوبَ عَنْ يَحيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْغُلُولَ فَعَظَّمَهُ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، قَالَ حَمَّادٌ: ثُمَّ سَمِعْتُ يَحيَى بَعْدَ ذَلِكَ يُحَدِّثُهُ، فَحَدَّثَنَا بِنَحْوِ مَا حَدَّثَنَا عَنْهُ أَيُّوبُ.

стр. 2768

وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ يَحيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ. هذا الحديث فيه: الوعيد الشديد على الغلول، والغلول أصله: الخيانة والسرقة من الغنيمة قبل أن تقسم، والغلول يشمل: الأخذ من الأموال المشتركة خُفية، من بيت المال، أو من الصدقات التي جمعت، أو من الأوقاف. قال الله تعالى: ﴿ومن يغلل يأتِ بما غل يوم القيامة، ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون﴾، أي: ومن غل شيئًا فإنه يأتي به يوم القيامة يعذَّب به. والنبي ﷺ قد نصح الأمة وحذرهم من الغلول، فَقَالَ: ((لَا أُلْفِيَنَّ))، يعني: لا أجدنَّ أحدَكم يأتي يوم القيامة على رقبته البعير الذي أخذه من الغنيمة وأخفاه، لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته بقرة لها صوت، لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى رقبته شاة، لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق، أي: أوراق، والمراد صحائف سيآته، وقيل: ما يكتب عليه من الحقوق التي أثم بتأخير وفائها، لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى رقبته نفس لها صياح، يعني: عبدٌ غله، أو حرٌّ تملكه، لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته ذهبًا وفضة غلهما. والمعنى: أن الغالَّ يأتي يوم القيامة حاملًا على رقبته ما غله يعذَّب به، فيكون فضيحة له أمام الناس- نعوذ بالله من ذلك. وإذا تاب الغالُّ فيجب عليه أن يرد ما غله إذا استطاع، وقال بعضهم: يخرج الخمس لولي الأمر، ويتصدق بالباقي، إذا تعذر عليه أن يرده.

стр. 2769

بَابُ تَحْرِيمِ هَدَايَا الْعُمَّالِ [١٨٣٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا مِنَ الْأَسْدِ، يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ- قَالَ عَمْرٌو، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ: عَلَى الصَّدَقَةِ- فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا لِي، أُهْدِيَ لِي قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: ((مَا بَالُ عَامِلٍ أَبْعَثُهُ، فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، أَفَلَا قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ- أَوْ: فِي بَيْتِ أُمِّهِ- حَتَّى يَنْظُرَ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لَا؟ ! وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَنَالُ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْهَا شَيْئًا، إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ؛ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةٌ تَيْعِرُ))، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((اللهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ ! )) مَرَّتَيْنِ. [خ: ٦٦٣٦] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حميد قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ﷺ ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ- رَجُلًا مِنَ الْأَزْدِ- عَلَى الصَّدَقَةِ، فَجَاءَ بِالْمَالِ، فَدَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: هَذَا مَالُكُمْ، وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : ((أَفَلَا قَعَدْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ فَتَنْظُرَ أَيُهْدَى إِلَيْكَ، أَمْ لَا؟ ))، ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ خَطِيبًا، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ سُفْيَانَ. هذا الحديث فيه: أن ما يهدى للعمال فهو من الغلول، فإذا أعطي عامل على الصدقة هدية فإنه لا يقبلها، وعليه أن يردها إلى بيت المال؛ لأنه ما أهدي إليه إلا لكونه عاملًا، ولو لم يكن عاملًا ما جاءته الهدية، وقال النبي

стр. 2770

صلى الله عليه وسلم: ((مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ رِزْقًا، فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ)) (١). حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا مِنَ الْأَزْدِ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ- يُدْعَى ابْنَ الْأُتْبِيَّةِ- فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ قَالَ: هَذَا مَالُكُمْ، وَهَذَا هَدِيَّةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((فَهَلَّا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ، إِنْ كُنْتَ صَادِقًا؟ ! ))، ثُمَّ خَطَبَنَا، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى الْعَمَلِ مِمَّا وَلَّانِي اللهُ، فَيَأْتِي، فَيَقُولُ: هَذَا مَالُكُمْ، وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، أَفَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ، إِنْ كَانَ صَادِقًا؟ ! وَاللهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْهَا شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ، إِلَّا لَقِيَ اللهَ تَعَالَى يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلَأَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَقِيَ اللهَ يَحْمِلُ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ))، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((اللهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ ! )) بَصُرَ عَيْنِي، وَسَمِعَ أُذُنِي. وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وأبو معاوية. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدَةَ، وَابْنِ نُمَيْرٍ: فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ، كَمَا قَالَ أَبُو أُسَامَةَ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ: ((تَعْلَمُنَّ وَاللهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مِنْهَا شَيْئًا))، وَزَادَ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ: قَالَ: بَصُرَ عَيْنِي، وَسَمِعَ أُذُنَايَ، وَسَلُوا زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ؛ فَإِنَّهُ كَانَ حَاضِرًا مَعِي، وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ ذَكْوَانَ- وَهُوَ أَبُو الزِّنَادِ- عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى الصَّدَقَةِ، فَجَاءَ بِسَوَادٍ كَثِيرٍ، فَجَعَلَ
следующие страницы →