صَاحِبِهِ، غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ؛ لِكَوْنِهِمْ جَمِيعًا كَانُوا فِي الْعَصْرِ الَّذِي اتَّفَقُوا فِيهِ.
وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ الَّذِي أَحْدَثَهُ الْقَائِلُ الَّذِي حَكَيْنَاهُ فِي تَوْهِينِ الْحَدِيثِ بِالْعِلَّةِ الَّتِي وَصَفَ أَقَلَّ مِنْ أَنْ يُعَرَّجَ عَلَيْهِ، وَيُثَارَ ذِكْرُهُ؛ إِذْ كَانَ قَوْلا مُحْدَثًا، وَكَلامًا خَلْفًا، لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ سَلَفَ، وَيَسْتَنْكِرُهُ مَنْ بَعْدَهُمْ خَلَفَ، فَلا حَاجَةَ بِنَا فِي رَدِّهِ بِأَكْثَرَ مِمَّا شَرَحْنَا؛ إِذْ كَانَ قَدْرُ الْمَقَالَةِ وَقَائِلِهَا الْقَدْرَ الَّذِي وَصَفْنَاهُ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ- عَلَى دَفْعِ مَا خَالَفَ مَذْهَبَ الْعُلَمَاءِ- وَعَلَيْهِ التُّكْلانُ.
قوله: ((وَأَسْنَدَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ- وَهُوَ مِمَّنْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ، وَكَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلًا)) ، أي: أن أبا عمرٍو الشيباني بلغ مبلغ الرجال في زمن النبي ﷺ .
وقوله: ((وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ الَّذِي أَحْدَثَهُ الْقَائِلُ الَّذِي حَكَيْنَاهُ فِي تَوْهِينِ الْحَدِيثِ بِالْعِلَّةِ الَّتِي وَصَفَ أَقَلَّ مِنْ أَنْ يُعَرَّجَ عَلَيْهِ، وَيُثَارَ ذِكْرُهُ؛ إِذْ كَانَ قَوْلا مُحْدَثًا)) : قال النووي ﵀: ((حاصل ما ذكره مسلم: أنه ادعى إجماع العلماء- قديمًا وحديثًا- على أن المعنعن محمول على الاتصال إذا أمكن لقاء من أضيفت العنعنة إليهم بعضهم بعضًا مع براءتهم من التدليس.
ونقل مسلم عن بعض أهل عصره أنه قال: لا تقوم الحجة بها، ولا تحمل على الاتصال حتى يثبت تلاقيهما مرة فأكثر، ولا يكفي إمكان تلاقيهما.
قال مسلم: وهذا قول ساقط مخترع مستحدث، لم يُسبق قائله إليه، ولا مساعد له من أهل العلم عليه، وإن القول به بدعة باطلة.
وأطنب مسلم ﵀ في الشناعة على قائله، واحتج مسلم ﵀ بكلام مختصره: أن المعنعن- عند أهل العلم- محمول على الاتصال إذا ثبت التلاقي مع احتمال الإرسال، وكذا إذا أمكن التلاقي، وهذا الذي صار إليه مسلم قد أنكره المحققون، وقالوا: هذا الذي صار إليه ضعيف، والذي رده هو المختار الصحيح، الذي عليه أئمة هذا الفن: علي بن المديني،
стр. 43
والبخاري، وغيرهما)). (١)
قال بعضهم: لعله أراد بذلك الإمام البخاري- وهو شيخه- ولكنَّ مسلمًا أضرب صفحًا عن تسمية هذا القائل.
والصواب: أن الإمام مسلمًا لا يعني بذلك البخاريَّ، وعليَّ بنَ المديني وغيرَهما؛ لأنهم يقولون: يحتج بحديث المعنعن غيرِ المدلس؛ ولهذا يحتج البخاري بالحديث المعنعن في الأدب المفرد، وفي التاريخ، لكنه في الجامع الصحيح شرط شرطًا متينًا أقوى من شرط مسلم، وهو ثبوت التلاقي بين الراويين، ولو مرة، واكتفى مسلم بإمكان اللقاء؛ ولهذا قُدِّم صحيحُ البخاري على صحيح مسلم عند المحققين؛ لقوة شرطه على شرط مسلم؛ وإنما شنَّع مسلم على بعض أهل العلم الذين لا يحتجُّون بالحديث المعنعن من غير المدلس؛ لاحتمال الانقطاع، والجمهور- من السلف والخلف من أصحاب الحديث والفقه والأصول- على أن الحديث المعنعن محمول على الاتصال بشرطه، وهو أن يكون من غير المدلس، فشنَّع مسلم على من خالفهم؛ لضعفِ قولهم وردِّ السلف والخلف له.
стр. 44
كِتَابُ الإِيمَانِ
стр. 45
كِتَابُ الإِيمَانِ
بدأ الإمام مسلم بكتاب الإيمان، وهكذا كتب الجوامع، فالبخاري ﵀ ابتدأ بكتاب بدء الوحي؛ لأن الهدى والخير والعلم إنما جاء من طريق الوحي، ولأن الإيمان إنما يُعلَم بالوحي، والعلم إنما طريقه الوحي.
ومسلم ﵀ يجعل الحديث في سياق واحد ويجمع طرقه في مكان واحد، فتحصل بذلك فوائد متعددة، مما يظهر قوة الحديث، ويسهل الاستنباط، ويبين المبهم، ويوضح المشكل، ويبين الزيادة والنقص ويوضح ما خفي، ويُظهِر اسم مَن لم يُسَمَّ.
بينما الإمام البخاري ﵀ يكثر التراجم، ويقطع الأحاديث للاستدلال بها على التراجم؛ ولهذا قال العلماء: فقه البخاري في تراجمه، وبهذا فاق الإمام مسلم ﵀ الإمام البخاري ﵀ في الصنعة الحديثية، وإن كان البخاري ﵀ قد فاقه من جهة الصحة.
ولهذا قال القائل- لما سُئل عن الشيخين البخاري ومسلم (١) -:
تَشَاجَرَ قَوْمٌ فِي البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ ... لَدَيَّ وَقَالُوا أَيَّ ذَيْنِ تُقَدِّمُ
فَقَلْتُ لَقَدْ فَاقَ البُخَارِي صِحَّةً ... كَمَا فَاقَ فِي حُسْنِ الصِّنَاعَةِ مُسْلِمُ
والنسائي ﵀ جمع بين طريقة البخاري في كثرة التراجم للفقه في الأحكام، وطريقة الإمام مسلم في جمع طرق الحديث في مكان واحد.
قوله: ((حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ))، هذا السند سند متابع للحديث السابق، وفيه مطر الوراق، وهو ليس من الأثبات، ويعتبر من الطبقة الثانية التي وصفها الإمام مسلم ﵀ في مقدمته بأن رواتها فيهم: ((من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان، كالصنف المقدم قبلهم، على أنهم وإن كانوا فيما وصفنا دونهم، فإن اسم الستر، والصدق، وتعاطي العلم يشملهم)) (١).
وقد ذكره المؤلف ﵀ من باب المتابعة والتقوية، وإلا فالعمدة على السند الأول.
مختصرًا، وأما الرواية المطولة السابقة عن عمر بن الخطاب فقد انفرد بها مسلم ﵀، ولم يروها الإمام البخاري.
وحديث أبي هريرة ﵁ فيه: ((أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، ومَلَائِكَتِهِ، وَكِتَابِهِ)) بإفراد ((وَكِتَابِهِ))، وأما حديث عمر ﵁ فورد فيه مجموعًا: ((وَكُتُبِهِ))، وهما بمعنى واحد، فقوله: ((وَكِتَابِهِ)) جنس، والمراد: الكتب؛ لأن المفرد إذا أضيف أفاد العموم (١).
ثم قال: ((واليَوْمِ الآخِرِ))، ويوم القيامة سمي اليوم الآخِر؛ لأنه في مقابلة اليوم الأول، فالدنيا هي اليوم الأول، والآخرة هي اليوم الآخر.
وفي رواية أبي هريرة ﵁ لما سأله عن الإسلام قال: ((أَنْ تَعْبُدَ اللهَ، وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا))، وأما في رواية عمر بن الخطاب ﵁ فقال: ((أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ﷺ )، وهذا يدل على أن المراد بالشهادتين: توحيد الله ، ونفي الشرك، وليس المراد: لفظهما، ومجرد النطق بهما؛ لأن الروايات يفسر بعضها بعضًا.
والتوحيد: إفراد الله ﵎ بالعبادة، وعدم إشراك غيره معه، كما جاء في هذه الرواية: ((أَنْ تَعْبُدَ اللهَ، وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا))، وفي حديث عمر ﵁: ((أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ﷺ )، والمعنى واحد، فالمراد: توحيد الله وإخلاص الدين له، ونفي الشرك، فتشهد لله بالوحدانية، ولنبيه ﷺ بالرسالة، مع العلم واليقين والإخلاص والصدق والمحبة والانقياد والقبول.
وهنا لما سأله عن الساعة قال: ((سَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا، إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا))، وفي رواية عمر ﵁ قال: ((أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا))، وفي الرواية الأخرى ((بَعْلَهَا)).
ومعنى ربها وربتها: سيدها ومالكها وسيدتها ومالكتها، أو زوجها، أو بمعنى: ابن سيدها، وبنت سيدها.
стр. 51
فإن قيل: كيف تلد زوجها؟ قلنا: فسَّره العلماء بكثرة السراري والإماء، فيتبادلهنَّ الناس، فيتسرَّى أحدهم الأمة حتى تلد منه، ثم يبيعها، ولا تزال تتداولها الأيدي حتى ترجع إلى ابنها، وهو لا يعلم أنها أمه، فيتزوجها، فتكون الأمة ولدت زوجها، وهذا على تفسير أن تلد الأمة بعلها- أي: زوجها.
وأما بمعنى: أنها تلد سيدها، فمعناه: أن الإماء يلدن الملوك، فيكون ولدها هو سيدها؛ لأنه يملكها، وهو الملِك على أمه وعلى غير أمه؛ لأن ابن الملِك يكون ملِكًا بعد أبيه.
وأما بمعنى ابن سيدها، فمعناه: أن تلد الأمَة من الملك ابنًا له، وابنها- ابن الملك- سيد كالملك، فتكون المرأة ولدت ابن سيدها، أو ولدت سيدها؛ لأنه سيكون مَلِكًا فيما بعد.
وقوله: ((وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ البَهْم يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ)) المراد: أنَّ أسافلَ الناس يصيرون رؤساءهم، وتكثر أموالهم حتّى يتباهون بطول البنيان وزخرفته وإتقانه (١)، قال القاضي: ((قيل: هو تنبيه على فشو النعمة آخر الزمان، وكثرة السبي، كما قال في بقية الحديث عن تطاول رعاء الشاء في البنيان. وقيل: المراد به: ارتفاع أسافل الناس، وأن الإماء والسبايا يلدن من ساداتهن أمثالهم، فشرفن بسببهم، كما قال- فى الحديث الآخر-: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ أَسْعَدَ النَّاسِ بِالدُّنْيَا لُكَعُ بْنُ لُكَعٍ)) (٢))) (٣)، وهذه بعض أشراط الساعة.
قوله: ((ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَليًّا))، يعني: بقيت مدة طويلة، قيل: ثلاثة أيام، قال النووي: ((وفي رواية أبي داود (٤) والترمذي (٥) أنه قال ذلك بعد ثلاث،
стр. 52
وفي شرح السنة للبغوي (بعد ثالثة) (١)، وظاهر هذا: أنه بعد ثلاث ليالٍ، وفي ظاهر هذا مخالفة لقوله في حديث أبي هريرة بعد هذا: (ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُدُّوا عَلَيَّ الرَّجُلَ فَأَخَذُوا لِيَرُدُّوهُ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا جِبْرِيلُ)، فيحتمل الجمع بينهما أن عمر ﵁ لم يحضر قول النبي ﷺ لهم في الحال، بل كان قد قام من المجلس، فأخبر النبي ﷺ الحاضرين في الحال، وأخبر عمر ﵁ بعد ثلاث؛ إذ لم يكن حاضرًا وقت إخبار الباقين، والله أعلم)) (٢).
ثُمّ لعل النبي ﷺ لقي عمر ﵁ فيما بعد وسأله: ((يَا عُمَرُ أتَدْرِيْ من السَّائِل؟ ))، أي: أتعلم من هو؟ فقال عمر: ((اللهُ وَرَسُوْله أَعْلَمُ))، وهذا يدل على أن عمر ﵁ لم يكن عنده علم بهذا السائل، فقال النبي ﷺ : ((فَإِنَّهُ جِبْرِيْلُ))، وفي الرواية الأخرى: ((هَذَا جِبْرِيل جَاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ))، والإشارة إلى شيء معلوم في الذهن.
قوله: ((أتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِيْنَكَمُ)) جاء التعليم بصيغة السؤال والجواب؛ لأنه أمكن في النفس وأقوى في التأثير.
والدين هو الإسلام والبر والتقوى والهدى والإيمان، إذا أُطلق واحد منها شمل أمور الدين: الاعتقادية والعملية، وإذا قرن مع غيره كان له معنى آخر.
وقد سمى النبي ﷺ الإسلامَ والإيمانَ والإحسانَ دينًا ((أتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِيْنَكَمُ))؛ لأن الدين على هذه المراتب الثلاث: الإسلامُ والإيمانُ والإحسانُ.
تصور يومها بصورة آدمي ورآه الصحابة ﵃، فجاء للرسول ﷺ ، فسأله عن هذه المسائل.
وفيه: بيان الحكمة الإلهية من إرساله جبريل ﵇، وذلك في قول النبي ﷺ : ((أَرَادَ أَنْ تَعَلَّمُوا إِذْ لَمْ تَسْأَلُوا))، أي: لتتعلموا أمور دينكم.
وفيه: أنه لما سأله عن الإسلام قال: ((لَا تُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا))، وإذا انتفى الشرك جاء التوحيد، وهذه الرواية تبين أن المراد في حديث عمر بن الخطاب ﵁ في قوله ﷺ : ((أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ)): التوحيد ونفي الشرك؛ لأن الروايات يفسر بعضها بعضًا.
وفيه: أنه قال: ((لَا تُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ))، وفي بعض الروايات ذكر له التوحيد والصلاة والزكاة فقط، ولم يذكر الصوم والحج.
والحكمة من ذلك: أنه إذا استقام المسلم على هذه العبادات الثلاث، وأقام الصلاة وآتى الزكاة بإخلاص وصدق؛ فلا بد أن يؤدي الواجبات الأخرى.
وقوله ﷺ : ((وَإِذَا رَأَيْتَ الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الصُّمَّ الْبُكْمَ مُلُوكَ الأَرْضِ، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا)) معناه: أنه يتولى على الناس السفلةُ الذين ليس عندهم بصيرة، وسماهم: صمًّا بكمًا؛ لأنهم لا ينتفعون بأسماعهم ولا بأبصارهم وإن كانوا يسمعون ويبصرون؛ ذلك أنهم لم يستعملوها في طاعة الله، فلا يتكلمون بالحق، ولا يسمعون الحق، ولا ينظرون للحق، فصاروا صمًّا بكمًا عُميًا، وإن كانوا يسمعون في أمور دنياهم، ويعقلون، وينظرون، فهم كما قال تعالى: ﴾ ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعًا وأبصارًا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ﴿، وكقوله تعالى: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ
стр. 55
آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴿.
قال الإمام النووي: ((قد أجاب القاضي عياض وغيره عن اختلاف الروايات للحديث الواحد بجواب لخصه الشيخ ابن الصلاح وهذبه، فقال: ليس هذا باختلاف صادر من رسول الله ﷺ ، بل هو من تفاوت الرواة في الحفظ والضبط، فمنهم من قصَّر فاقتصر على ما حفظه، فأداه ولم يتعرض لما زاده غيره بنفي ولا إثبات، وإن كان اقتصاره على ذلك يشعر بأنه الكل، فقد بان بما أتى به غيره من الثقات أن ذلك ليس بالكل، وأن اقتصاره عليه كان لقصور حفظه عن تمامه، ألا ترى حديث النعمان بن قوقل الآتي قريبًا اختلفت الروايات في خصاله بالزيادة والنقصان، مع أن راوي الجميع راوٍ واحد، وهو جابر بن عبد الله ﵄ في قضية واحدة، ثم إن ذلك لا يمنع من إيراد الجميع في الصحيح لما عرف في مسألة زيادة الثقة من أنا نقبلها. هذا آخر كلام الشيخ ﵀، وهو تقرير حسن)) (١).
стр. 56
بَابُ بَيَانِ الصَّلَوَاتِ الَّتِي هِيَ أَحَدُ أَرْكَانِ الإِسْلَامِ
[١١] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَمِيلِ بْنِ طَرِيفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ- فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ- عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، ثَائِرُ الرَّأْسِ، نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ، وَلَا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ))، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: ((لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ، وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ))، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ فَقَالَ: ((لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ))، وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((الزَّكَاةَ))، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: ((لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ))، قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ، وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ)).
في هذا الحديث: سؤال الرجل للنبي ﷺ فيما أوجبه الله عليه، فذكر له الصلاة، والزكاة، والصيام.
وقوله: ((هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ)) استدل به العلماء على أن الفريضة الواجبة هي الصلوات الخمس، وليس منها تحية المسجد، فدل على أنها مستحبة، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء (١)، وذهب الظاهرية إلى أنها واجبة (٢)؛ لأن لها سببًا، والرسول ﷺ ذكر هنا الواجبات اليومية فقط.
وكذلك استدل به الجمهور على أن صلاة العيد ليست واجبة، وإنما هي
стр. 57
مستحبة (١)، والصواب: أنها فرض كفاية؛ ولهذا أمر النبي ﷺ بإخراج النساء والعواتق والحُيَّض، فدل على أنها فرض كفاية، ولما سألت إحداهن وقالت: ((إِحْدَانَا لَا تَجِدُ جِلْبَابًا، قال رسول الله ﷺ : ((لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا، وَلْتَشْهَدِ الخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ)))) (٢).
وكذلك- أيضًا- استدل به الجمهور على أن صلاة الوتر ليست بواجبة (٣)؛ لأنها زائدة عن الصلوات الخمس، وهو الصواب، واستدل البخاري بحديث: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَيَّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ، وَيُوتِرُ عَلَيْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ عَلَيْهَا)) (٤) على أن الوتر ليس بواجب (٥)، وذهب الإمام أبو حنيفة وجماعة إلى أن الوتر واجب (٦)، لكن الصواب: أنه مستحب.
وكذلك استُدلَّ بهذا الحديث على أن صيام عاشوراء ليس بواجب؛ لأنه ﷺ أخبره أنه لا يجب عليه إلا صوم رمضان.
стр. 58
حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ، أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ)).
قوله: ((أَفْلَحَ وَأَبِيهِ)): فيه إشكال؛ لأن النبي ﷺ نهى عن الحلف بغير الله، فكيف يحلف بغيره؟ !
واختلف العلماء في هذه اللفظة، فمن العلماء من قال: هذه اللفظة جرت مما يجري على اللسان بغير قصد، وليس المقصود بها الحلف، كقوله ﷺ في الحديث: ((عَقْرَى حَلْقَى)) (١) فهذا دعاء، لكن ليس المراد به الشر، ومثله- أيضا- قوله: ((تَرِبَتْ يَدَاكَ)) (٢)، وقوله: ((ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ)) (٣)، ومعناه: فقدتك أمك، وهو دعاء عليه أن تفقده أمه، لكن ليس المراد المعنى الحقيقي للعبارة، بل ذلك مما يجري على اللسان بغير قصد.
وقد يكون المقصود به: الحث على الشيء والترغيب فيه، وليس المقصود منه الحلف.
وقال آخرون: إنها تَصَحَّفت على الراوي، فالرواية: ((أَفْلَحَ واللهِ إِنْ صَدَقَ))، والراوي قال: ((أَفْلَحَ، وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ)).
وقال آخرون- وهذا هو الصواب-: إن هذا كان قبل النهي عن الحلف بغير الله، وهذا في أول الإسلام، حيث كان الناس يحلفون بآبائهم، ثم جاء النهي في عدة أحاديث، كما في حديث عمر ﵁ لما جاءه النبي ﷺ وهو
في هذا الحديث: بيان ما كان عليه الصحابة ﵃ من الأدب مع رسول الله ﷺ ، وقد كان منهم ﵃ من لا يرفع طرف عينه إلى النبي ﷺ ، حتى قال عمرو بن العاص: ((وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ؛ لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ)) (١).
وقد كانوا ﵃ نُهوا أن يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبي ﷺ ، ونُهوا أن يسألوه، فكانوا يهابون أن يسألوا النبي ﷺ ، وكان يعجبهم أن يأتي رجل من البادية حتى يسأل فيستمعون ويستفيدون، فجاء أحد الأعراب يومًا، فسأل النبي ﷺ فأجابه، واستفاد الصحابة من أجوبته ﷺ ، أما الأعرابي فكان لا يهاب، وليس عنده من الإجلال مثل ما عند الصحابة ﵃، فيأتي ويسأل عن كل شيء، وعن جميع ما في نفسه.
قوله: ((أَتَانَا رَسُولُكَ، فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ، قالَ: صَدَق)): الزعم يطلق ويراد به القول المحقق، كما في قوله ﷺ : ((كَمَا زَعَمَ لِي جِبْرِيلُ ﵇) (٢)، ويطلق ويراد به القول المكذوب، كما في قوله تعالى: ﴾ زعم الذين كفروا ألن يُبعثوا﴾، معناه: قالوا قولًا كذبوا فيه، ويطلق ويراد به القول المشكوك فيه، وهو مراد السائل هنا، فقوله: ((زَعَمَ رَسُولُك))، يعني: قال رسولك قولًا نشك فيه.
وفي هذا الحديث: دليل للعلماء القائلين: إن من أدى الفرائض وانتهى عن المحارم دخل الجنة، ولو لم يكن عنده نشاط في عمل النوافل والمستحبات، وهؤلاء هم أصحاب اليمين المقتصدون، الذين يؤدون الفرائض والواجبات، وينتهون عن المحرمات فقط، ولا يزيدون، وهم من أهل الجنة، ولكن أفضل منهم السابقون المقربون، الذين يأتون بالواجبات والفرائض، وعندهم نشاط
стр. 62
في فعل النوافل والمستحبات، ويتركون المحرمات، كما يتركون المكروهات- أيضًا- ويتركون التوسع في المباحات خشية وقوعهم في المكروهات؛ فهؤلاء يقال لهم: السابقون المقربون.
وهناك صنف ثالث أقل من المقتصدين، وهم الظالمون لأنفسهم، الذين يُقصِّرون في بعض الواجبات، أو يفعلون بعض المحرمات، وهم موحدون مؤمنون، لم يتلبسوا بشرك، لكنهم قصَّروا في بعض الواجبات، أو فعلوا بعض المحرمات، فهم ظالمون لأنفسهم، وكلُّ هؤلاء من أصحاب الجنة، وكلُّهم ممن اصطفاهم الله ، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾.
لكنَّ الظالمين لأنفسهم الذين قصَّروا في الواجبات وفعلوا بعض المحرمات، وماتوا عليها من غير توبة، كمن مات على الزنا، أو على السرقة، أو على شرب الخمر، أو على عقوق الوالدين- على خطر من عذاب القبر، ومن الأهوال التي تصيبهم في موقف القيامة، وعلى خطر من دخول النار، وهم تحت المشيئة، قد يُعفى عنهم، وقد يعذبون، قال تعالى: ﴾ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، فإذا عُذبوا فإنهم يُعذبون على حسب جرائمهم، ثم يشفع فيهم الشفعاء، فيشفع فيهم نبينا ﷺ أربع مرات، يحد الله له حدًّا في كل مرة، ثم يشفع بقية الأنبياء، ويشفع الملائكة، ويشفع الشهداء، ويشفع المؤمنون، وتبقى البقية لا تنالهم الشفاعة وهم عصاة الموحدين، ثم تنالهم رحمة رب العالمين، فيقول الحق ﵎: ((شَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قَدْ عَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهَرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ: نَهَرُ الْحَيَاةِ، فَيَخْرُجُونَ كَمَا
стр. 63
تَخْرُجُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ)) (١)، يعني: البذرة، فإذا عُذبوا ونُقُّوا أُذن لهم بدخول الجنة، فإذا تكامل خروج العصاه الموحدين أطبقت النار على الكفرة بجميع أصنافهم- والعياذ بالله- فلا يخرجون منها أبدًا.
وقوله: ((نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ)): يحمل على قوله تعالى: ﴾ لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ﴿.
بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : ((بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ))
[١٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ- يَعْنِي: سُلَيْمَانَ بْنَ حَيَّانَ الأَحْمَرَ- عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسَةٍ، عَلَى أَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَالْحَجِّ))، فَقَالَ رَجُلٌ: الْحَجِّ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ؟ قَالَ: لا، صِيَامِ رَمَضَانَ، وَالْحَجِّ، هَكَذَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
في هذا الحديث: بيان أركان الإسلام الخمسة، وهو حديث اتفق عليه الشيخان عن ابن عمر ﵄.
وقوله: ((بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسَةٍ، عَلَى أَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ)) هذا يفسر ما جاء به جبريل ﵇ ((شَهَادَة أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ))، بأن المراد بها: التوحيد، فلو قالها بلسانه، وخالفها بفعاله فوقع في عمل الشرك، فلا تنفعه، فلا بد أن يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ينطق بها بلسانه، ويلتزم بالتوحيد، ويبتعد عن الشرك؛ لأن الروايات يفسر بعضها بعضًا.
وقوله: ((الْحَجِّ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ؟ قَالَ: لا، صِيَامِ رَمَضَانَ، وَالْحَجِّ، هَكَذَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ): فيه دليل لمن قال: لا تجوز الرواية بالمعنى، بل باللفظ، ولكن قد يقال: إن المعنى هنا مختلف؛ لأن الصوم مقدم على الحج، وهو الركن الرابع.
ثم إن العلماء اختلفوا في إنكار ابن عمر ﵄ على الرجل الذي قدَّم الحج، مع أن ابن عمر ﵄ رواه كذلك، كما وقع في الطريقين المذكورين، والأظهر- والله أعلم-: أنه يحتمل أن ابن عمر ﵄ سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 68
مرتين، مرة بتقديم الحج، ومرة بتقديم الصوم، فرواه على وجهين، فلما رد عليه الرجل بتقديم الحج، قال ابن عمر ﵄: لا تردَّ على ما لا علم لك به، ولا تعترضن بما لا تعرفه، ولا تقدح فيما لا تتحققه، بل هو بتقديم الصوم، هكذا سمعت من رسول ﷺ ، وليس في هذا نفي لسماعه على هذا الوجه.
قال الإمام النووي: ((قال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح رحمه الله تعالى: محافظة ابن عمر ﵄ على ما سمعه من رسول الله ﷺ ، ونهيه عن عكسه، تصلح حجة لكون الواو تقتضي الترتيب، وهو مذهب كثير من الفقهاء الشافعيين، ومن قال: لا تقتضي الترتيب- وهو المختار، وقول الجمهور- فله أن يقول: لم يكن ذلك لكونها تقتضي الترتيب؛ بل لأن فرض صوم رمضان نزل فى السنة الثانية من الهجرة، ونزلت فريضة الحج سنة ست، وقيل: سنة تسع، والصواب: في آخر السنة التاسعة سنة تسع بعد غزوة تبوك)) (١).
وَحَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ طَارِقٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ السُّلَمِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، عَلَى أَنْ يُعْبَدَ اللَّهُ، وَيُكْفَرَ بِمَا دُونَهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ)).
قوله: ((أَنْ يُعْبَدَ اللَّهُ، وَيُكْفَرَ بِمَا دُونَهُ))، أي: أن يوحَّد الله .
стр. 69
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ- وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَر- عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ)).
وَحَدَّثَنِي ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ بْنَ خَالِدٍ، يُحَدِّثُ طَاوُسًا أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَر: أَلَا تَغْزُو؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ الإِسْلَامَ بُنِيَ عَلَى خَمْسٍ، شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ)).
في رد ابن عمر ﵄ على من سأله: ((أَلَا تَغْزُو؟ )): بيان أن الغزو ليس من أركان الإسلام، أو أن معناه: ليس الغزو بلازم على الأعيان؛ لأن الجهاد من فروض الكفاية، وقد يكون واجبًا عينيًّا، وذلك في إحدى حالات ثلاث:
١ - إذا داهم العدو البلاد.
٢ - إذا استنفر الإمام طائفة، أو بعض الناس.
٣ - من وقف في الصف.
وأما غير ذلك فهو مستحب.
وإنما خص هذه الأركان الخمسة بالذكر، ولم يذكر معها الجهاد- مع أنه به أُظهر الدين وكُسرت شوكة الكافرين-؛ لأن هذه الخمسةَ فرائضُ دائمةٌ على الأعيان، لا تسقط عمن اتصف بشروطها، أما الجهاد فمن فروض الكفايات، وقد يسقط في بعض الأوقات، بل ذهبت جماعة كبيرة إلى أن فرض الجهاد سقط بعد فتح مكة، وذُكر أنه مذهب ابن عمر ﵄، والثوري ﵀، وابن معمر ﵀، وابن سحنون ﵀، إلا في حالة أن ينزل العدو
стр. 70
بقوم من المسلمين، فيلزم عند ذلك دفعه، الأقرب فالأقرب (١).
وأما قوله: ((شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)) فإنه إذا أُطلقت شهادة ألا إله إلا الله دخلت فيها: شهادة أن محمدًا رسول الله، فإحداهما لازمة للأخرى.
وقوله: ((الدُّبَّاءِ)): هو القَرعُ، وكانوا ينتبذون فيه فتُسرع الشدةُ في الشراب (١).
وقوله: ((الْحَنْتَمَةِ)): كلُّ فخَّارٍ طُلِيَ بالخزف وهو الزجاج (٢).
وإنما نهى عن ذلك لسرعة الانتباذ فيهما، وقيل: نهى عن ذلك لئلَّا يبادرهم فيصير خمرًا فيشربونه وهم لا يظنُّون أنَّه خمر، فيواقعون ما نهى الله عنه، وما فيه- أيضًا- من إضاعة المال إذا صار خمرًا.
قوله: ((وَعَلَيْكُمْ بِالْمُوكَى))، أي: بالأسقية التى توكأ، أى: تُربَط أفواهها بالوكاء، وهو الخيط الذى يربط به، وإنَّما حضَّهم ﷺ على الشراب فيها؛ لرقة جلودها فلا يمكن أن يتم فيها فسادُ الأشربة وتخميرها حتى تتشقق ويظهر فيها، بخلاف غيرها من الأواني.
وفي هذا الحديث: فسر النبي ﷺ الإيمان بالأعمال، فالإسلام إذا أُطلق شمل الأمور الاعتقادية والعلمية، وكذلك الإيمان شمل الأمور الاعتقادية والعلمية، وإذا قُرن بينهما كان لكل واحد منهما معنى، فالإسلام للأمور العملية، والإيمان للأمور الاعتقادية.