يمين مغلظة يحلف بها اليهود في الشيء الكثير: يحضر اليهود إلى بيعتهم وهو صائم أو في يوم عيدهم ويجمع عليه جمع كبير من شيوخ دينهم وإن كان ذلك بحضرة المثيبة١ أو نائبه فهو أولى، ويقال له: قل: والله الأزلي الذي لم يزل ولا يزال الإله الذي برأ العالم وخلق حواء من آدم، وأرسل ماء الطوفان وتقبل من هابيل القربان، وكلّم موسى من الشجرة ونصره على فرعون والسحرة، وغرف فرعون في بحر سوف، وأهلك قورح ومن معه بالخسوف، ونَجَّى بني إسرائيل بيد القوية وأطعمهم منّاً وسلوى بالبرية، ما يُستحق على شيء من مطلبك على مقتضى مذهبك وإلاّ فرفضت موسى المكلَّم واتّبعت عيسى بن مريم، وإن كان لك في ذمتي مثقال ذرّة ونيتي في حلفي هذا غير برة، فعبدت الصلبان وعظمت الأوثان، وهدمت قبة الزمان٢، وبنيت بها دير الرهبان، وكذبت التوراة وصدّقت الإنجيل، وفضلت يسوع الراوي على موسى وشمؤيل، وإن كنت قد جنحت لتأويل في هذه الأقاويل فقذفت مريم النبية٣، وانسللت من اليهودية، والتزمت المجوسية وفارقت الملة الإسرائيلية بالكلّيّة، وكفرت بالعشر الآيات٤، وبقيت محروماً إلى الممات، وحشرت في اليوم المعلوم بين عامورا وسدوم٥، وهذه اليمين في عنقي وأعناق عقبي إلى الأبد". أهـ.
قال المؤلِّف: "لا تستبعد منا نظم هذه الكلمات وإلزامهم بها فقد قال الفقهاء من أئمتنا ﵃ إنّ اليهود والنصارى والمجوس - أبعدهم الله -
стр. 37
يغلظ عليهم اليمين بإحضارهم بيوت متعبداتهم عند الحلف، مع أنه لا حرمة لها، وكأن المطلوب من ذلك حمل الذمي على الخروج من الحقّ بتكليفه التلفظ بما يعظم موقعه في قلبه ليكن أدعى إلى حصول المقصود، كما يكلف المسلم حضور المسجد الجامع يوم الجمعة بعد صلاة العصر عند المنبر بحضرة جمع من المسلمين وزيادة ألفاظ معظمة كقوله: الطالب الغالب جل وعلا". ا. هـ١.
وقد ظهر لي من خلال ما ذكره الحافظ الذهبي في ترجمة المؤلِّف بأنه سمع من المُحَدِّث عليّ بن البنا، ثم تحديثه للعلامة الدمياطي، ومن خلال كثرة استشهاده واستدلاله بالأحاديث النبوية والآثار في كتابه التخجيل وكتبه الأخرى، أنّ المؤلِّف ﵀ كان له اهتمام كبير وحرص شديد على طلب الحديث وسماعه وروايته.
تلك بعض الجوانب العلمية لشخصية المؤلِّف ﵀ التي استعطت إثبات أدلتها، وقد تكون هناك جوانب أخرى نجهلها. فإنّ المؤلِّف بلا شكّ من الشخصيات العلمية المرموقة في عصره، ومن أصحاب المواهب والاهتمامات المختلفة، والله أعلم.
أما ثناء العلماء عليه، فقد كان المؤلِّف متخلقاً بأخلاق القاضي العدل والعالم الجاد الوقور، مما دعا المترجمين أن يثنوا عليه ثناءً حسناً، ويكفيه في ذلك شهادة إمامين وعالمين من ثقات المؤرّخين: أوّلهما: الشيخ الإمام العالم بقية السلف٢
стр. 38
قطب الدين أبو الفتح موسى بن محمّد اليونيني الذي قال عنه: "صالح بن الحسين، أبو البقاء، تقي الدين، كان أحد الفضلاء العارفين بالأدب وغيره، والرؤساء المذكورين بالفضل والنبل، وتولى قضاء قوص مدّة، ونظرها أيضاً مدّة أخرى ... ".
وثانيهما: مؤرّخ الإسلام وشيخ المُحدِّثين والحفاظ الحافظ شمس الدين أبو عبد الله محمّد بن عثمان الذهبي الذي ترجم له بقوله: "صالح بن الحسين، القاضي الجليل، الإمام تقي الدين، أبو البقاء الهاشمي، كان رئيساً نبيلاً عارفاً بالأدب، ولي قضاء قوص مدّة، وله خطب، ونظم، ونثر، وتصانيف، وأبخس نفسه بولاية نظر قوص وفاعل ذلك منقوص ... ".
٧- وفاته:
عاش المؤلِّف سبعة وثمانين عاماً قضاها في القضاء والولاية والتأليف والدعوة إلى الله، فقد مرّ بنا أنّ ولايته كانت سنة: (٥٨١هـ) ، وكانت وفاته سنة: (٦٦٨هـ) ١ بالقاهرة في مستهل ذي القعدة، ودفن من الغد بسفح المقطم٢. رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
стр. 39
القسم الأول: الباب الثاني: دراسة الكتاب وبيان منهج التحقيق
الفصل الأول: دراسة الكتاب
...
الفصل الأوّل: التّعريف بالكتاب
١- اسم الكتاب:
ذكر للكتاب اسمان بينهما اختلاف يسير:
الأوّل: (تخجيل مَنْ حرَّف الإنجيل) وقد نصّ عليه المؤلِّف في المقدمة والخاتمة، وكتب على الصفحة الأولى من المخطوطة، كما نصّ عليه أيضاً في مقدمة كتابه: (الرّدّ على النصارى) ١، وذكره أبو الفضل المالكي في مقدمة مختصره المسمَّى: (المنتخب الجليل من تخجيل مَنْ حرَّف الإنجيل) ٢، وأورده بهذا الاسم كلّ من حاجي خليفة في كشف الظنون، والبغدادي في هداية العارفين وبروكلمان في تاريخ العربي.
الثاني: (تخجيل مَنْ حرَّف التّوراة والإنجيل) ، وقد نصّ عليه المؤلِّف في مقدمة كتابه: (البيان الواضح المشهود من فضائح النصارى واليهود) ٣، وقد رجحت هذا الاسم على الاسم السابق واخترته عنواناً للكتاب؛ لأنه يطابق موضوع الكتاب وهو الرّدّ على اليهود والنصارى، ويدلّ عليه دلالة واضحة، إذ إنّ تحريف التوراة ينسب لليهود، وتحريف الإنجيل إلى النصارى، وقد غلب على ظنّه أنّه الاسم الذي ارتضاه المؤلِّف أخيراً لكتابه حيث نصّ عليه في كتابه (البيان الواضح) الذي ألّفه بعد كتاب (التخجيل) ، وفي أيام الشيخوخة كما يفهم منه في المقدمة.
стр. 40
٢- توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلِّف:
إنّ الأدلة التي تثبت صحّة نسبة كتاب التخجيل إلى القاضي صالح ابن الحسين الجعفري، أدلة متنوعة ومتعددة، لا تدع مجالاً للشّكّ في صحة تلك النسبة، ومن تلك الأدلة:
١- تصريح المؤلِّف بتأليفه للكتاب في مقدمة كتبه الأخرى (البيان الواضح المشهود من فضائح النصارى واليهود) ، و (الرّدّ على النصارى) .
٢- تأكيد الشيخ أبي الفضل المالكي السعودي صحّة تلك النسبة في مقدمة مختصره للكتاب والمُسمَّى (المنتخب الجليل من تخجيل مَنْ حرَّف الإنجيل) ١.
٣- اتّفاق المصادر التي ذكرت المؤلِّف وكتبه على نسبة الكتاب إليه تلك المصادر هي:
أ- كشف الظنون ١/٣٧٩، للعلامة حاجي خليفة.
ب- هداية العارفين ٥/٤٢٢، لإسماعيل البغدادي.
ج- معجم المؤلِّفين ٥/٦، لعمر رضا كحالة.
د- الأدب الجدلي والدفاعي في اللغة العربية بين المسلمين والنصارى واليهود ص ٣٦، ١٤١، ٤٠٩، للمستشرق مورتز شتاينشيندر (باللغة الألمانية) .
هـ- تاريخ الأدب العربي ١/٥٥٣، وفي ذيله ١/٧٦٦، للمستشرق بروكلمان.
стр. 41
يضاف إلى ما سبق ذكر اسم المؤلِّف على الصفحات الأولى لنسخ المخطوطة وتصريح المؤلِّف بتأليفه للكتاب في المقدمة.
٣- موضوع الكتاب:
لقد بين المؤلِّف موضوع الكتاب بقوله في المقدمة: "كتاب تخجيل مَنْ حرَّف الإنجيل، يتضمن الرّدّ على النصارى واليهود من كتبهم التي بأيديهم"١.
قد تحدّث المؤلِّف في مقدمة كتابه عن عدّة أمور منها:
١- سبب تأليف الكتاب.
٢-بيان منهجه في التأليف.
٣- بيان بعض الفوائد التي اشتمل عليهاالكتاب ومنهافوائد دراسة الأديان.
٤- بيان حكم قراءة كتب أهل الكتاب كالتوراة والأناجيل وغيرها.
أما موضوعات الكتاب فقد قسمها المؤلِّف في الأبواب الاتية:
الباب الأوّل: في كون المسيح عبداً من عبيد الله لقوله وفتواه:
وقد ذكر المؤلِّف فيه عشرين دليلاً على عبودية المسيح من أقواله وأفعاله في الأناجيل.
الباب الثاني: في إثبات نبوّة المسيح ﵇ وتحقيق رسالته:
وقد صدّره ببيان ضلال اليهود والنصارى في أمر المسيح ﵇ وأنّ في إثبات نبوّته وتحقيق رسالته ردّاً عليهم وإبطالاً لزعمهم، ثم ذكر اثنين وثلاثين دليلاً من معجزات المسيح وأقواله وأفعاله الشاهدة بنبوّته من الأناجيل.
стр. 42
الباب الثّالث: في تأويل ظواهر الإنجيل:
وقد بيّن فيه تفسير الألفاظ التي ضلّ فيها النصارى وهي: الأب، والابن، والإله، والرّبّ، ما تحتمله من المعاني الواردة في التوراة والأناجيل وإيراد الشواهد على ذلك، ثم إبطال ما يدعيه النصارى من اختصاص المسيح بظواهر تلك الألفاظ.
الباب الرّابع: في تعريف مواطن التحريف في الأناجيل:
وقد ذكر فيه خمسين موضعاً من مواضع التحريف في الأناجيل بدلالة تناقض بعضها ببعض وتعارضه وتكاذبه وتهافته ومصادمته بعضها بعضاً.
الباب الخامس: في أنّ المسيح ﵇ وإن قصد وطلب فما قتل وصلب:
افتتحه بذكر رواية الأناجيل في قتل المسيح وصلبه، ثم أبطلها بدليل عام وأبتعه بعشر حجج مفصلة نقلية وعقلية، ثم أورد بعدها عشر مسائل مفحمات للنصارى، ثم أبطل دعاوى للنصارى فيما يقصدون من ادعاء قتل المسيح وصلبه وألوهيته.
الباب السّادس: في الأجوبة المسعدة عن أسئلة الملحدة:
أجاب المؤلِّف فيه على تسعة عشر سؤالاً واعتراضاً من النصارى على المسلمين، ثم أبطل المؤلِّف سبعة أدلة للنصارى استدلوا بها على ألوهية المسيح من أسفار العهد القديم.
الباب السابع: في إفساد دعوى الاتّحاد:
وذكره فيه اختلاف فرق النصارى في دعواهم اتّحاد اللاهوت بالناسوت في
стр. 43
المسيح ﵇، ثم ردّ على فرقه منها وأبطل دعواها بأدلة عقلية ونقلية، ثم تناول بالرّدّ والإبطال عقيدة التّثليث عند النصارى.
- الباب الثّامن: في الإبانة عن تناقض الأمانة:
حيث بيّن فيه بطلان ما يسمّيه النصارى بالأمانة بأدلة نقلية وعقلية وأنّها تناقض بعضها بعضاً وتخالفها من خمسة عشر وجهاً.
- الباب التّاسع: في إثبات الواضح المشهود من فضائح النصارى واليهود: وقد ذكر فيه ثلاثاًوتسعين فضيحة من فضائح اليهودوالنصارى مأخوذة من كتبهم المقدسة لديهم واعتقاداتهم الباطلة وعباداتهم المنحرفة.
- الباب العاشر: في البشائر الإلهية بالعزّة المحمّدية:
وقد قسمه المؤلِّف إلى قسمين:
الأوّل: ذكر فيه أربعاً وثمانين بشارة من البشارات الواردة في النبي ﷺ من الكتاب المقدس عند اليهود والنصارى.
الثاني: ذكر فيه معجزات النبي ﷺ ودلائل نبوّته وما أظهره الله على يد أصحابه وأمّته ﷺ من الكرامات والآيات البيات.
أما خاتمة الكتاب فقد ناقش فيه ادعاء النصارى بأنه لا نبي بعد المسيح وبيّن تكذيب ما بأيديهم لدعواهم.
٤- سبب تأليف الكتاب:
ذكر المؤلِّف في المقدمة أن سببين قد دفعاه إلى تأليف هذا الكتاب هما:
١- سؤال بعض أهل العلم له أن يؤلِّف كتاباً في الرّدّ على النصارى وبيان
стр. 44
ما هم عليه من الضلال وإزالة الشبهات التي أعانت على ضلالهم، لعلّ ذلك يكون سبباً في هدايتهم.
٢-القيام بواجب الدعوة إلى الله عملاً بقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيْلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلُوهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ... ﴾ . [سورة النحل، الآية: ١٢٥] .
ولعلّي أضيف سبباً ثالثاً وهو أنّ الأحداث السياسية التي عاصرها المؤلِّف والبيئة الاجتماعية المحيطة به كان لها دور أيضاً في تأليف هذا الكتاب كما سبق الحديث عنه.
٥- زمن تأليف الكتاب:
لم يذكر المؤلِّف زمن تأليف هذا الكتاب، إلاّ أنّه ذكر في نهاية المجلد الأوّل من المخطوطة أنّ الفراغ من نسخها كان يوم السبت الثالث من شهر صفر نم سنة سبع وثلاثين وستمائة من الهجرة النّبوّية الشريفة، وقد ظهر لي من مقدمة الكتاب أنه من أوّل مؤلَّفات المؤلِّف ﵀ في هذا العلم، ويؤكّد ذلك تصريح المؤلِّف في مقدمة مؤلَّفاته الأخرى (البيان الواضح) و (الرّدّ على النصارى) باقتباسه من كتابه (التخجيل) واختصار أبوابه فيهما.
٦- منهج المؤلِّف في الكتاب:
١- استدل المؤلِّف على كلّ باب في الكتاب بآيات من القرآن الكريم تكون له منهجاً ونبراساً فيما يريد إثباته من القضايا أو نفيها.
٢- أنه لم يبدأ في تأليف هذا الكتاب حتّى قرأ التوراة والأناجيل وبقية أسفار العهد القديم والعهد الجديد قراءة متأنية متفحصة عدّة مرات، وكانت طريقته في النقل من تلك الأسفار أن منها ما نقله بنصه، منها ما أوجزه لركاكة نصّه، وقد كان استدلال المؤلِّف بهذه النصوص لإلزام اليهود والنصارى من باب
стр. 45
التسليم لهم بصحة كتبهم المقدسة لديهم، ومن باب التنزيل في الجدال مع الخصم.
٣- إنّ موضوع الكتاب الرّدّ على اليهود والنصارى، غير أنّ الرّدّ على النصارى قد استأثر بمعظم أبواب الكتاب نظراً لأنهم كانوا سبب تأليف للكتاب.
ويتخلص منهج المؤلِّف في الرّدّ على اليهود بالآتي:
أ- إثبات جواز النسخ عقلاً ونقلاً من التوراة وبقية أسفار العهد القديم، وإبطال شبههم في أبدية شريعة التوراة وعدم نسخها من كتبهم المقدسة لديهم.
ب- ذكر فرق اليهود واختلاف عقائدهم، وإن كلّ فرقة تضلِّل الأخرى وتبدِّعها وإن من فضائحهم فسادهم وكفرهم بما هو ثابت عنهم في توراتهم وكتبهم المقدسة لديهم.
ج- نقد التوراة المحرفة التي بأيدي اليهود والنصارى بأدلة متنوعة هي:
١- ذكر ما فيها من صفات التجسيم والتشبيه والنقائص التي نسبوها إلى الله عزوجل كالتعب والندم والجهل وغيرها.
٢- ذكر ما فيها من صفات العيب والنقائص التي نسبوها إلى أنبياء الله عزوجل كالشرك بالله والظلم والغشّ وشرب الخمر والزنا بالمحارم والقتل المحرم وغيرها.
٣- بيان ما فيها من التناقض ومخالفة الحقائق التاريخية والعلمية.
د- إثبات نبوّة المسيخ ﵇ بإثبات معجزاته بالطرق التي ثبتت بها معجزات موسى وغيره من الأنبياء.
стр. 46
هـ- إثبات نبوّة النّبيّ محمّد ﷺ بالبشارات الواردة فيه ﷺ .
أما منهجه في الرّدّ على النصارى فكالآتي:
أ- أنه اطلع على كثير من مصنفات النصارى في نصرة دينهم واحتجاجهم لأغاليطهم وما ردّت به كلّ فرقة من الفق الثلاث: الملكية والنسطورية واليعقوبية على الأخرى وما نصرت به مذبها.
ثم إنه قرأ عدداً من مؤلَّفات علماء المسلمين في الرّدّ على النصارى وسيأتي بيانها في المصادر التي اعتمد عليها المؤلِّف.
ب- اهتم المؤلِّف بنقد أسس العقيدة النصرانية وهي:
١- التّثليث، واتّحاد اللاهوت بالناسوت في المسيح.
٢- صلب المسيح تكفيراً عن خطيئة آدم الأزلية.
٣- محاسبة المسيح للناس يوم القيامة.
٤- شريعة إيمان النصارى (قانون الأمانة) المشتملة على الأسس السابقة والتي لا يعتبر الإنسان نصرانياً دون الإقرار بها.
وكانت طريقته في الاستدلال بالأدلة النقلية كالآتي:
١- ذكر النصوص الدالة على عبودية ونبوة المسيح ﵇ من الأناجيل وما يتبعها من أسفار العهد الجديد.
٢- إيراد النصوص المصرحة بوحدانية الله عزوجل، ونفي التعدد والشريك عنه تعالى من أسفار العهد القديم والجديد.
٣- مقارنة معجزات المسيح ﵇ في الأناجيل بمعجزات من سبقوه
стр. 47
من الأنبياء في أسفار العهد القديم، وأنّ هذه المعجزات دليل نبوته وليست دليلاً على ألوهيته كما يزعم النصارى.
٤- ذكر النصوص الأناجيل الدالة على نجاة المسيح من القتل والصلب، وأنّ المصلوب هو مَنْ أُلقي عليه شبه المسيح.
٥- ذكر نصوص الأناجيل التي غلط النصارى في فهمها وفي نسبة المسيح إلى الألوهية، والاستدلال على تفسيرها بنصوص أسفار العهد القديم والعهد الجديد.
٦- نقد الأناجيل المحرفة ببيان انقطاع سندها وعدم تواتر رواتها، ثم ببيان مواطن التناقض والتكاذب والتهافت في الأناجيل ومصادقة بعضها بعضاً.
كما بيّن المؤلِّف بالأدلة العقلية استحالة العقائد النصرانية وعدم معقوليتها ورفض العقل الصحيح والفطرة السليمة لها، ومخالفتها للواقع المعاين المحسوس لأمر المسيح، وتناقضها مع الأناجيل.
كما ناقش المؤلِّف أدلة النصارى وشبهاتهم حول ألوهية المسيح وبنوته لله، وبَيَّن بطلان ما استدلوا به وأوضح الحقّ الذي يجب أن يعتقدوه.
ج- تطرق المؤلِّف إلى نقد بعض شعائر النصارى وعبادتهم كالقربان المقدس، والاعتراف بالذنوب للقسيس، وصلواتهم وما يتعلق بها كالقبلة والطهارة والقراءة فيها، والصوم، والأعياد، والسجود للصور والتماثيل، وعدم الختان، والحجّ، وتعظيم الصليب وأكل لحم الخنْزِير.
د- ذكر فضائح القسيسين ومخاريق رهبانهم وما يروجونه من الحيل على ضعفاء النصارى ليقووا به واهي أباطيلهم.
стр. 48
هـ- ذكر فرق النصارى واختلاف عقائدهم وتكفير كلّ فرقة منهم الأخرى، وذكر ما ردت به كلّ فرقة على الأخرى في دعواهم اتّحاد اللاهوت بالناسوت في المسيح، ليكون أبلغ في بيان الفساد والباطل الذي هم عليه.
٤- اهتم المؤلِّف بالغاً بدلائل نبوّة نبيّنا محمّد ﷺ ، حيث إنّ المقصود من كتابه دعوة اليهود والنصارى إلى الإسلام بعد بيان بطلان عقائدهم وكتبهم.
لذلك استطرد في ذكر البشارات الواردة في النّبيّ ﷺ في التوراة والأناجيل وبقية أسفار العهد القديم والجديد، ثم ذكر بعض المعجزات الكثيرة للنّبيّ ﷺ والإرهاصات التي بشِّرت ببعثته ﷺ والكرامات التي كانت لأصحابه ﷺ وأمّته من بعده ﷺ .
وقد كان ذلك بمثابة خاتمة الكتاب والنتيجة الحتمية التي يتوصل إليها كلّ منصف عاقل من اليهود والنصارى بعد قراءة الأبواب السابقة من الكتاب.
٥- وخلاصة القول في منهج المؤلِّف أنه جمع مناهج من سبقه من علماء المسلمين في الرّدّ على اليهود والنصارى ويتركز في الآتي:
أ- المنهج التفسيري: الذي يقوم على افتراض صحة الأناجيل، ثم تفسير الألفاظ التي زلّ فيها النصارى وبيان ما تحتمله من المعاني الصحيحة بشواهد من الأناجيل والتوراة وغيرها.
ب- منهج المحدِّثين: الذي يستند على نقد السند والمتن أيضاً، وبيان ما فيها من التهافت والتناقض والتكاذب.
ج- المنهج العقلي: الذي يبيّن استحالة عقائد النصارى وعدم معقوليتها وتناقضها.
стр. 49
٧- مصادر الكتاب:
لقد كان المؤلِّف من القلائل الذين ذكروا بعض مصادرهم وذلك من المميّزات العديدة التي تسجل للمؤلِّف ﵀، على الرغم من أنه لم يحدد المواضع التي نقلها من تلك المصادر إلاّ نادراً، كما كانت عادة المؤلِّفين المتقدمين، وتنقسم المصادر التي ذكرها المؤلِّف أو أشار إليها من خلال كتابه إلى قسمين رئيسين هما: مصادر شفهية، ومصادر كتابية.
أما المصادر الشفهية: فهي التي سجل المؤلِّف معلوماته عن طريق المشافهة بالسؤال أو المناظرة لأحبار اليهود والنصارى ومن أمثلة ذلك:
- قال المؤلِّف: "سألت حبراً من أحبار اليهود عن هذا المزمور (يقصد النصّ الوارد في مزمور داود وهو: "قال الرّبّ لربِّ"، قال: (قال الرّبّ لربّي) تفسيره عندنا بالعبرانية: "قال الرّبّ لوليّي"، قال: "والرّبّ"، عندنا يطلق على المعظَّم في الدين، ثم تلا قول إبراهيم ولوط الذي حكيناه". أهـ.
- وقال المؤلِّف: "سألت حَبْراً من أحبار اليهود عن قوله داود: "ثقبوا يدي" بالمزمور، فأجابني بنحو ما ذكرته في الوجه الأوّل على الفور من غير توقف، فتعجبت من اتّفاقه لنصّ ما عندهم". أهـ.
- قال المؤلِّف: "لقد فاوضني بعض الرهبان ممن يدعي بناناً في البيان فأفضى الحديث معه إلى ذكر الابن والبنوة، فألزمته قول التوراة: "ابني بكري"، وقلت له: لعلّ البكر يكون أحظى عند والده بطريف بره وتالده، فما تقول في بنوة إسرائيل، فقال: إسرائيل وغيره ابن النعمة والمسيح ابن على الحقيقة، فعكست عليه كلامه، فتلبد واختزى ولجأ إلى ضعف العبارة لا واختزى". أهـ.
стр. 50
ويلاحظ على هذه المصادر عدم ذكر المؤلِّف لأسماء من سألهم أو ناظرهم من الأحبار والرهبان أو ذكر رتبتهم الدينية خاصّة، وأنّ أولئك الأحبار لا بدّ أن يكونوا من رؤساء أهل ملتهم وممن يحتج بقولهم نظراً إلى مكانة المؤلِّف العلمية والاجتماعية.
وأما المصادر الكتابية: فمما هو معلوم أن القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة من المصادر العامّة التي لا يستغني كلّ مسلم عن الرجوع إليهما في جمع أموره العلمية والعملية.
وأما المصادر الأخرى الخاصّة فقد ذكر المؤلِّف في مقدمة المخطوطة بعض مصادره الأساسية في مجال الرّدّ على اليهود والنصارى، وذكر بعضها خلال كتابه، وبعضها الآخر مما لم يصرح به المؤلِّف ولكن وقفت عليها عن طريق مقارنة النصوص في الكتب الأخرى.
المصادر التي ذكرها المؤلِّف في مقدمة المخطوطة فهي:
قال المؤلِّف: "كتاب تخجيل مَنْ حرَّف الإنجيل، يتضمن الرّدّ على النصارى واليهود من كتبهم التي بأيديهم كتوراة موسى الخمسة الأسفار، والأربعة الأناجيل متَّى، ومرقس، ولوقا، ويوحنا، ومزامير داود، ونبوة أشعيا، ونبوة هوشاع، ونبوة ميخا، ونبوة حبقوق، ونبوة دانيال، ورسائل فولس الرسول، وسفر الملوك وسير التلاميذ"١.
قال مؤلِّفه - عفا الله عنه -: "وقد وقفت على كثير من مصنفاتهم وتواليفهم في نصرة دينهم، واحتجاجهم لأغاليطهم، وما ردّت به كلّ فرقة من الفرق الثلاث: الملكية والنسطورية واليعقوبية على الأخرى وما نصرت به مذهبها وقرأت عدّة
стр. 51
ردود لأصحابنا عليهم مثل: كتاب الرهاي١، وكتاب عمرو بن بحر الجاحظ٢، وكتاب عبد الجبار المعتزلي٣، ومقالة أبي بكر٤، وكلام الجويني٥، وكتاب لبعض المغاربة٦، وكتاب لابن الطيب٧، وكتاب للطرطوشي٨، وكتاب لابن عوف٩.
стр. 52
وكتاب الدمياطي١، وكتاب لعض معاصرينا٢، ثم نظرت جزءاً من كتاب لابن ربن من المتقدمين٣، وأرجو أن يكون هذا المختصر - إن شاء الله- قد جمع شتاتهم واستدرك ما فاتهم، والله الموفِّق بحمده"٤.أهـ.
وأما المصادر الكتابية التي أشار إليها المؤلِّف ضمن كتابه فهي:
١- بعض أسفار العهد القديم التي قد تقدم ذكر بعضها وهي: سفر صفنيا، وسفر زكريا، وسفر أرميا، وسفر حزقيال.
٢- بعض الأناجيل غير المعتمدة عند النصارى وهي: إنجيل الصبوة ويسمّى (إنجيل بطرس) ٥، ونسخ أخرى للأناجيل.
٣- كتاب (الملل والنحل) لأبي الفتح محمّد بن عبد الكريم الشهرستاني.
وأما المصادر التي وقفت عليها عن طريق مقارنة نصوص الكتاب في الكتب الأخرى فهي:
стр. 53
١- كتاب (الشفا بتعريف حقوق المصطفى ﷺ للقاضي عياض بن موسى اليحصبي (توفي سنة: ٥٤٤هـ) .
وقد تبيّن لي أنّ المؤلِّف قد اعتمد على كتاب الشفا اعتماداً كلّيّاً، حيث نقل الباب الرابع مع القسم الأوّل من كتاب الشفا وهو: "فيما أظهره الله على يديه (النبيّ محمّد ﷺ من الآيات والمعجزات وشرَّفه به من الخصائص والكرامات وفيه ثلاثون فصلاً" نقله المؤلِّف في القسم الثاني من الباب العاشر من كتابه نقلاً حرفياً مع حذف واختصار بعض الأحاديث الواردة فيه١.
٢- كتاب (حلية الأولياء وطبقات الأصفياء) - للحافظ أبي نعيم الأصفهاني توفي سنة ٤٣٠هـ.
٣- كتاب (صفة الصفوة) للإمام جمال الدين أبي الفرج ابن الجوزي توفي سنة ٥٩٧هـ، وقد استفاد المؤلِّف من هذين المصدرين في نهاية الباب العاشر في ذكر ما أظهره الله على يد أصحاب النّبيّ ﷺ وأمّته من الكرامات والآيات البيّنات.
٨- قيمة الكتاب العلمية:
إن من مواصفات الكتاب العلمية البارز أن يحوز على ثناء العلماء واهتمام المتخصصين منهم باختصاره أو بالاعتماد عليه في كتبهم ومؤلَّفاتهم، أو بالإشارة إليه والنقل منه، وأن يحرص العلماء والأمراء على اقتنائه وقرائته.
وإنّ الكتاب الذي بين أيدينا قد جمع - بحمد الله - تلك الصفات السابقة، مما يؤكِّد قيمته العلمية والعالية والبارزة، وإليكم الأدلة على ذلك:
стр. 54
أوّلاً: لقد سجّل لنا المؤلِّف مدى تأثير كتابه عند العلماء ومدى اهتمامهم به في مقدمة كتابه: "البيان الواضح المشهود من فضائح النصارى واليهود) الذي يعتبر اختصاراً لكتاب (التخجيل) فقال: "وعمدت إلى تكابي الملقَّب بـ: (تخجيل مَنْ حرَّف التوراة والإنجيل) وهو كتاب وضعته في أيام الشباب والنشاط، وجودة القريحة والانبساط فأكب على نقله علماء أهل الفسطاط واغتبطوا به غاية الاغتباط، ولا شكّ أنّ علماءنا - أيّدهم الله - يردّون عليهم بالحجج العقلية والطرق الكلامية، وعقول النصارى قاصرة عن المعقول مائلة إلى المنقول، وكنت قد طالعت التوراة الخمسة الأسفار والأناجيل الأربعة وإنجيل الصبوة ومزامير داود المائة وخمسين مزموراً ورسائل فولوس وسير التلاميذ ونبوات الأنبياء الأوّل والأمانة التي ألفها قدماؤهم، وقرأت كتب اليعاقبة والروم والنسطور، وتلوت عليهم من كتبهم وخاطبتهم باصطلاحهم، فجاء الكتب ندرة في فنّه، غاية في باب لا يسمع به أمير أو مأمور إلاّ حصله واقتناه وبلغ من مناظرة أهل الكتاب مناه، فجردت منه عشر مسائل مسألة من كلّ باب من أبواب الكتاب ... "١ الخ. اهـ.
ثانياً: إنّ مما يؤكِّد كلام المؤلِّف في اهتمام العلماء بكتابه اعتماد الإمام أحمد بن إدريس القرافي (توفي سنة ٦٨٤هـ) في كتابه (الأجوبة الفاخرة في الرّدّ على الأسئلة الفاجرة) ٢، اعتماداً مباشراً عليه، فقد نقل منه نصوصاً كثيرةً جدّاً بحيث يشبه
стр. 55
أن يكون اختصاراً له، ولى الرغم من أن الإمام القرافي لم يصرِّح بنقله من كتاب التخجيل، إلاّ أنّ ذلك يبدو واضحاً بمقارنة النصوص١.
ثالثاً: اختصره الشيخ أبو الفضل المالكي السعودي بعنوان: (المنتخب الجليل من تخجيل مَنْ حرَّف الإنجيل) ٢، وقد فرغ من اختصاره في شوال سنة ٩٤٢هـ، إلاّ أنّ أبا الفضل المالكي قد حشا مختصره بمخاريق الصوفية وخزعبلاتهم٣، وخرافاتهم.
رابعاً: نقل منه محمّد بن عبد القادر الشهير بابن الصلف المحلي المالكي في كتابه: (المنقذ من الضلالة الشاهد لمحمّد وعيسى - عليهما الصلاة السلام - بالرسالة) ٤.
خامساً:
اعتمد عليه الشيخ رحمة الله الهندي (المتوفى سنة: ١٣٠٨هـ) في مناظرته
стр. 56
الكبرى مع القسيس فندر في بلدة أكبر آباد بالهند١، واستشهد فيها بثلاثة نصوص من كتاب التخجيل من الباب الثاني والتاسع٢.
كما نقل منه الشيخ رحمة الله الهندي في كتابه القيم: (إظهار الحقّ) ٣ الذي يعتبر من خير ما ألّف في العصر الحديث في الرّدّ على النصارى وافتراءاتهم، وأصبح من المراجع التي لا يستغني عنها أي باحث في الرّدّ على اليهود والنصارى٤.
وإن قراءة الشيخ ﵀ الهندي لكتاب التخجيل ونقله منه ليدل دلالة قوية على مدى أهمية كتاب التخجيل وقيمته العلمية الكبيرة.
ويوجهنا ذلك إلى إبراز بعض مميّزات كتاب التخجيل وهي:
أ- حسن ترتيبه لأبواب الكتاب وتناسقها.
ب- اعتماده في مجادلة أهل الكتاب على ما جاء في كتبهم المقدسة لديهم وفي كتب فرقهم وأحبارهم ليكون أبلغ في الحجّة وأفحم للخصم.
стр. 57
ج- إحاطته بالموضوع وشموليته في إبطال أهمّ العقائد الباطلة لأهل الكتاب.
د- قوّة مناقشته وكثرة استدلالاته وتنوعها، وطول نفسه في المناظرة.
هـ بساطة أسلوب الكتاب وسلاسته.
تلك أبرز المميّزات في نظري. والله أعلم.
٩- المآخذ على الكتاب:
لقد تبيّن لنا مما سبق قيمة الكتاب العلمية الكبيرة ومكانته البارزة بين كتب الرد على اليهود والنصارى بما يروي الغليل ويشفي العليل ويثلج صدور قوم مؤمنين، ومع ذلك فإنّ كلّ إنسان يؤخذ من كلامه ويُرَدُّ إلاّ الأنبياء والمرسلين، وإنّ المؤلِّف مع سعة علمه لم يخل كتابه هذا من بعض المآخذ التي ارتأيتها - رغم قصر باعي وقلة اطلاعي - ومنها:
١- التكلف في السجع-في بعض المواطن وخاصة في خطبة الكتاب-الذي يؤدّي إلى غموض المعنى وصعوبة فهمه. (ر: ص:٨٩-٩٢) .
٢- التكرار لبعض المسائل والقضايا الواردة فيه، مثال ذلك:
стр. 58
٣- إيراد بعض الأحاديث والآثار الموضوعة والضعيفة دون بيانها، مع أنّ في الأحاديث والآثار الصحيحة التي أوردها المؤلِّف ما يغني عنها، (ر: ص: ٧٣٣، ٧٦٦، ٧٦٧، ٧٧٣، ٨٢١، وغيرها) .
٤- ذكر بعض البشارات التي فيها تكلف ظاهر لإثباتها في نبيّنا محمّد ﷺ . (ر: ص: ٦٦٥، ٦٧٨، ٦٧٩، ٦٨٧، ٦٨٨، ٦٩٧) .
٥- عدم ذكر المؤلِّف لكتاب (الشفا بتعريف حقوق المصطفى ﷺ للقاضي عياض -) من بين المصادر التي اعتمد عليها، مع أنّه قد نقل من كتاب الشفا جزءاً كبيراً كما سبق بيانه.
стр. 59
الفصل الثّاني: التّعريف بالمخطوطة وبيان منهج التّحقيق
أوّلاً: وصف المخطوطة:
لقد بذلت ما وسعي من الجهد في سبيل جمع نسخ المخطوطة حسب ما يقتضيه التحقيق العلمي، فاطلعت على معظم فهارس المخطوطات الموجودة بمكتبات العالم، وسافرت إلى تركيا ومصر، وراسلت مكتبة المخطوطات بجامعة لندن بهولندا، ومكتبة المتحف البريطاني بلندن وغيرهما من المكتبات، وقد كانت نتيجة تلك الجهود - بعد عون الله عزوجل وتوفيقه - ما يأتي:
١- وقفت على نسخة خطيةكاملةللكتاب مكونةمن مجلدين كبيرين في مكتبة السليمانية بتركيا، وهي نسخة فريدة حصلت على ميكروفيلم لها، وقدكتبت هذه النسخة بخط نسخ واضح، ولم يذكر الناسخ اسمه عليها.
وأما تاريخ نسخها، فقد كتب في نهاية المجلد الأوّل أنّ الناسخ انتهى من النسخ في يوم السبت في شهر صفر من سنة ٦٣٧هـ.
وكتب في نهاية المجلد الثاني عبارة: "نظر فيه مؤلِّفه صالح بن الحسين عفا الله عنه برحمته".
مميّزات النسخة:
تتميّز بأنها نسخة كاملة كتبت في عصر المؤلِّف وقرأت عليه وراجعها١، كما تتميّز أيضاً بقلة الأخطاء وندرة السقط فيها، ووجود التصحيحات والتعليقات واستدراك النقص على الهامش.
إنّ تلك المميّزات تجعلها بحقّ النسخة الأم أو الأصل التي يسعى للحصول عليها كلّ باحث في مجال التحقيق، وقد رمزت لها بالرمز (ص) ووصفها
стр. 60
كالآتي:
أ- وصف المجلد الأوّل: هو نسخة خطية موجودة بمكتبة رئيس الكتاب مصطفى باشا تحت رقم (٦) بمكتبة السليمانية، وتحتوى على مقدمة الكتاب إلى منتصف الباب السادس منه.
عدد الأوراق والأسطر: تتكون من (١٨٤) ، ورقة، وتحتوي كلّ صفحة منها على (١٧) سطراً في المتوسط، ويتراوح عدد الكلمات في السطر الواحد ما بين ٧-٩ كلمات تقريباً.
وصف الصفحة الأولى والأخيرة: كتب على الصفحة الأولى ما يأتي: "الجزء الأوّل من تخجيل مَنْ حرَّف الإنجيل - تصنيف الشيخ الفقيه الإمام الفاضل تقي الدين صالح - وفقه الله لما يرضيه برحمته"، وعليها ختم مكتبة رئيس الكتاب مصطفى، وكتب في أعلى الصفحة العبارة الآتية: "من كتب العبد ويسما سنة ١٠٢١هـ".
وأما الصفحة الأخيرة فقد كتب في نهايتها: "ولله الحمد والمنّة، تَمَّ الجزء الأوّل ويتلوه الجزء الثاني من كتاب تخجيل مَنْ حرّف الإنجيل، ووافق الفراغ منه في يوم السبت في شهر صفر الثالث من سنة سبع وثلاثين وستمائة".
ب- وصف المجلد الثاني: هو نسخة خطية بمكتبة دماد إبراهيم باشا تحت رقم: (٤) ، بمكتبة السليمانية، وتشتمل على منتصف الباب السادس - من حيث ما انتهى إليه المجلد الأوّل - إلى خاتمة الكتاب.
عدد الأوراق والأسطر: تتكون من (١٨٨) ورقة، وعدد الأسطر فيها (١٧) سطراً في المتوسط، وعدد الكلمات في السطر الواحد ما بين ٧-٩ كلمات تقريباً.
ووصف الصفحة الأولى والأخيرة: لم يكتب على الصفحة الأولى اسم الكتاب
стр. 61
والمؤلِّف، وإنما كتب في أعلاها عبارة: "من كتب العبد ويسما سنة ١٠٢٠هـ) . وفي منتصفها ختم مكتبة دماد إبراهيم باشا.
وأما الصفحة الأخيرة من الكتاب فقد كتب فيها: "والله أعلم وأحكم نجز الكتاب الملقب بتخجيل مَنْ حرَّف الإنجيل. ولله الحمد.
رحم الله من قرأه ودعا لمؤلِّفه بالرحمة والرضوان وكاتبه وجميع المسلمين. وصلى الله على محمّد وآله وسلم".
وكتب على الصفحة الأخيرة من المجلد الثاني (ورقة ١٨٨/أ) العبارة الآتية: "تَمَّ الكتاب وحسبي الله وبه التوفيق برحمته، وصلواته على خير خلقه سيدنا محمّد وآله وسلم تسليماً كثيراً. الحمد لله وحده".
وكتب فيها أيضاً ما نصُّه: "نظر فيه مؤلِّفه صالح بن الحسين - عفا الله عنه برحمته - ". وكتب تحته الاسم الآتي: "ذو النون المصري ﵁".
ثم كتب في أسفل الصفحة دعاء نصّه: "لك سجدت الحيتان في البحار الزاخرات، ولعظمتك اضطربت الأمواج في البحار والمتلاطمات، وبقدرتك قامت السماوات العاليات، ولهيبتك تدكدكت الجبال الراسيات، لك سجد سواد الليل وضياء النهار والنجم الزهار والبحر الزخار وكلّ شيء عندك بمقدار، لبيك أنت الله المتكبّر. تَمَّ الدعاء والحمد لله وصلى الله وسلم". اهـ.
٢- وقفت على نسخة خطية للمجلد الثاني من المخطوط في مكتبة عارف حكمت تحت رقم: (١٣٠توحيد) بالمدينة المنورة وتوجد لها مصورة ميكروفيلم بمكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلاميّة تحت رقم: (٦١٨٨) .
وتشتمل هذه النسخة الناقصة على منتصف الباب السادس من الكتاب إلى نهايته، وفي ظني أنها نسخة منقولة عن المجلد الثاني بمكتبة دمار إبراهيم باشا
стр. 62
التي تقدم وصفها، وقد رمزت لهذه النسخة بالرمز: (م) في المقابلة على النسخة الكاملة.
اسم الناسخ وتاريخ النسخ: كتب فيها أن اسم الناسخ: فضل الله، دون ذكر بقية نسبه، وقد كتبت النسخة بخط نسخ جميل، وانتهى من نسخها في العاشر من شهر ذي الحجة سنة ١١٧٧هـ.
عدد الأوراق والأسطر: عدد أوراق هذه النسخة (١٢١) ، ورقة، وعدد الأسطر في الصفحة الواحدة (١٧) سطراً، ويتراوح عدد الكلمات في السطر الواحد ما بين ١٠-١٤ كلمة تقريباً.
وصف الصفحة الأولى والأخيرة: كتب في منتصف الصفحة الأولى عبارة: "رد فرق النصارى"، وفي أعلاها عبارة: "من كُتُب الفقير مصطفى بهجت - رئيس الأطباء السلطاني".
وأما الصفحة الأخيرة فقد كتب فيها عبارة: "تَمَّ الكتاب بعناية الملك الوهّاب من نسخة مؤلِّفه وهو الشيخ صالح بن الحسين عفا الله عنه برحمته ورضوانه، في عاشر ذي الحجة سنة ١١٧٧هـ".
٣- حصلت على ميكروفيلم لثلاث مخطوطات، اثنتان منها مختصرتان من كتاب التخجيل للمؤلِّف نفسه، والأخرى لأبي الفضل المالكي السعودي، وقد رجعت إلى هذه المخطوطات لتأكيد قراءة نص في النسخة الأصلية أو إكمال بعض السقط فيها، وقد أشرت في الهامش إلى ذلك، ولم أضع رموزاً لهذه المخطوطات نظراً لقلة اعتمادي عليها ووضوح النسخة الأصلية، وهذه المخطوطات هي:
أ- نسخة خطية لكتاب "البيان الواضح المشهود من فضائح النصارى
стр. 63
واليهود - للمؤلِّف نفسه) وتسمّى أيضاً بكتاب: (العشر المسائل) توجد في المتحف البريطاني بلندن ضمن مجموع يحمل رقم: (أ. د. د ١٦٦٦١) ، ولم يذكر الناسخ اسمه عليها ولا تاريخ النسخ، وقد كتبت بخط نسخ جميل، وعدد أوراقها (٧٤) ورقة، في كل صفحة منها ١٨ سطراً، في كل سطر منها ما بين ٦-٩ كلمات تقريباً.
ب- نسخة خطية لكتاب (الرّدّ على النصارى - للمؤلّف نفسه) في مكتبة مسجد أيا صوفيا تحت رقم: ٢٢٤٦م، وتقع في (١١٥) ورقة، في كل صفحة منها ما بين ١١-١٢ سطراً، وفي كل سطر ما بين ٦-٧ كلمات، وقد كتبت بخط نسخ جميل جداً، ولم يذكر الناسخ اسمه عليها ولا تاريخ النسخ.
ج- نسخة خطية لكتاب (المنتخب الجليل من تخجيل مَنْ حرَّف الإنجيل - لأبي الفضل المالكي السعودي) في مكتبة أحمد الثالث تحت رقم: (١٧٦٥) بتركيا، وتوجد مصورة ميكروفيلم عنها بمكتبة مركز البحث العلمي، تحت رقم: (٦٨/١٥ عقيدة) بجامعة أم القرى، وقد نسخها إسماعيل بن محمّد الزرقاني الحنفي المصري بخط نسخ جميل، وانتهى من نسخها عام ٩٨٩هـ، وتقع في (١٣٤) ورقة، في كل صفحة منها ١٩ سطراً تقريباً.
وقد طبعت هذه النسخة في مكتبة الحلبي بمصر بدون تحقيق.
ومما تجدر الإشارة إليه أنّ ناسخ المخطوطة الفريدة الكاملة الأولى - التي رمزتُ إليها بالرمز (ص) - كان ناسخاً عادياً، لم تكن له ثقافة واسعة ورفيعة، مما أدى به إلى الوقوع في الكثير من الأخطاء النحوية واللغوية والإملائية، وكان يرسم بعض الكلمات رسماً دون إدراك أو فهم لمعناها، إضافة إلى صعوبة قراءة خطِّه في بعض المواضع، مما أرهقني كثيراً في قراءة المخطوطة.
стр. 64
ثانياً: منهجي في التحقيق:
يتلخص عملي في تحقيق الكتاب بالأمور الآتية:
١- ضبط النّصّ وتقويمه، وذلك بتصحيح ما اعتراه من تصحيف أو تحريف، وإكمال ما سقط منه، وإضافة ما يقتضي السياق إضافته، واعتمدت في ذلك على مقابلة النسخ الناقصة للنسخة الفريدة الكاملة، وعلى مخطوطات الكتب الأخرى للمؤلِّف، وهي الرّدّ على النصارى والبيان الواضح المشهود من فضائح النصارى واليهود، وعلى مختصر الكتاب المسمّى: (المنتخب الجليل من تخجيل مَنْ حرَّف الإنجيل) لأبي الفضل المالكي السعودي، وعلى كتاب الشفا للقاضي عياض، وعلى المصادر الأخرى التي نقل منها المؤلِّف في كتابه.
٢- عزوت الآيات القرآنية الكريمة إلى سور القرآن الكريم مُبيِّناً اسم السورة ورقم الآية.
٣- خرَّجتُ الأحاديث النبوية الشريفة من مظانِّها في كتب السنة المطهرة، فإن كان الحديث في الصحيحين اكتفيت بالعزو إليهما وقد أزيد عليهما، وإن كان في غيرهما عزوته إلى مظاّنه ما أمكن، وأجتهد في النقل عمن تكلم على إسناده من العلماء، وإن لم أجد اجتهدت في بيان رأيي في إسناده بالنظر في تراجم رجال الإسناد إلاّ في القليل منها.
٤- عزوت الآثارإلى مظانِّها من الكتب الحديثية أوالتأريخية أو التراجم.
٥- عزوت نصوص التوراة والأناجيل وبقية أسفار العهد القديم والجديد إلى مصادرها مُوَضِّحاً رقم الإصحاح والفقرة، مُشيراً إلى اختلاف النصوص في النسخة الحالية للكتاب المقدس عند اليهود والنصارى وبين النسخة التي كانت بين يدي المؤلِّف.
стр. 65
٦- ترجمت للأعلام والأماكن الواردة في الكتاب، مشيراً إلى مصادر الترجمة باختصار.
أما أعلام الصحابة ﵃ فلم أترجم للمشهورين منهم، ولكني قد أشير إلى عدد الأحاديث المروية لهم في كتب السنة معتمداً في ذلك على مقدمة مسند الإمام بقي بن مخلد - بتحقيق د. أكرم ضياء العمري، وأما مَنْ عَدَا المشهورين من الصحابة ومن اختلف في صحبته فإني أجتهد في ترجمته ترجمة مختصرة.
٧- ترجمت الأديان والفرق الواردة في الكتاب، مشيراً إلى مصادر الترجمة بإيجاز.
٨- رقمت الأدلة والشواهد التي أوردها المؤلِّف.
٩- شرحت المفردات اللغوية التي بدت لي غريبة، والمصطلحات اليهودية والنصرانية شرحاً واضحاً.
١٠- نسبت الأبيات الشعرية إلى قائلها وعزوت ما أمكن منها إلى مظانّها من دواوين الشعر وكتب اللغة إلاّ في القليل منها.
١١- علقت على بعض فقرات الكتاب لاستكمال جوانب البحث، مراعياً عدم الإكثار من التعليقات نظراً لضخامة حجم الكتاب.
١٢- صحَّحت الأخطاء النحوية والكتابية المخالفة لقواعد الكتابة والإملاء الحديثة.
١٣- بيَّنت في خاتمة البحث أهمّ النتائج التي توصلت إليها والصعوبات التي عانيتها في البحث والتوصيات التي ارتأيتها.
١٤- وضعت في نهاية البحث جملة من الفهارس التي تسهِّل على القارئ الوصول إلى ما يريده من الكتاب بأسرع السبل وأسهلها وهي:
стр. 66
أ- فهرس الآيات القرآنية.
ب- فهرس الأحاديث الشريفعة.
ج- فهرس الآثار.
د- فهرس نصوص أسفار العهد القديم والجديد.
هـ فهرس الأبيات الشعرية.
وفهرس الأعلام.
ز- فهرس الأماكن.
ح- فهرس الأديان والفِرق.
ط- فهرس المصادر والمراجع.
ي- فهرس الموضوعات.
ثالثاً: المصطلحات والرموز المستخدمة في التحقيق:
ص: نسخة الأصل.
ش: تعليقات على هامش نسخة الأصل.
م: نسخة مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة المجلد الثاني.
[] : ما بين المعقوفتين من إضافات المحقِّق وزياداته على النصّ.
توجد رموز وأرقام وسط المتن تشير إلى ما يقابلها من نسخة المخطوطة فمثلاً:
стр. 67
القاموس: القاموس المحيط (قاموس لغوي) .
قاموس: قاموس الكتاب المقدس.
فتح: صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري للحافظ ابن حجر.
ر: راجع أو انظر.
стр. 68
القسم الثاني: خطبة الكتاب
...
خطبة الكتاب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الواحد الذي لا يتكثر بالأعداد، الماجد١ الذي لا تضارعه الأشكال والأنداد، المقدس عن الشريك والصاحبة والأولاد، المنَزَّه الذات والصفات عما يقول أهلُ الإلحاد، الصمد المتعالي عن الأكل والشرب كما اعتقد من حاد، القديم٢ لا بِكُرور العصور ومرور الدهور والآباد، العظيم لا بِكبر أجسام وأجساد، القيوم الذي لو نام فشا في الكون الفساد، خالق الآباء والأبناء والأزواج والأحفاد، سامك السماء بالملائكة الكرام وماسك الأرض بالأطواد، مظلم الليل ومضيء النهار ومفجِّر الأنهار من الصلد الجماد، مقدِّر الأقوات
стр. 69
ومدبِّر الأوقات الانتقاص والازدياد، مالك السماوات والأرض وواهب الرفع / (١/٣/أ) والخفض والبسط والقبض الملك الجواد، مرسل أنبيائه بلطائف أنبائه لإرشاد العباد، مهلك كسرى١ وقيصر٢ وتبع٣وحمير٤ وعاد٥ وشداد٦، واهب موسى النصر والعون وخاذل فرعون ذي الأوتاد٧، جاعل بنَ مريم
стр. 70
وأمَّه آية للعالم وما هما بأعجب من حواء وآدم، فتعسا لعباد الأنداد، ضلّوا بالمشي على الماء، وصعود السماء وإحياء الموتى وتكثير الأزواد، هذا موسى قد فلق وإدريس قد صعد وإلياس قد أحيا من أنتن وداد١، ولم يكونوا أرباباً بذلك، فكيف يغلط فيما هنالك لولا الشقاء والعناد؟!.
أحمده على ما أسدى وأفاد، وأمدحه على ما أبدى وأعاد، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له شهادة تضمن للصدر الثَّلَج، وكلمة تعصم المهج بأوفى الدَّرَج٢ وأقوى الحجج، وأشهد أنّ محمّداً عبده الذي نصّ عليه موسى، ونبيّه الذي طرق بين يديه عيسى، وصفيه الذي أخدمه جبريل، ونجيّه الذي رسمه في التوراة والإنجيل، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة/ (١/٣/ب) تزيدهم تبجيلاً إلى تبجيل وتخلد جيلاً بعد جيل.
قال من عفا الله له٣ عن ذنبه وحباه بحبّه: "حضرت محفلا تحفَّل بالمعارف [أخلافه] ٤ وتكفَّلبالعوارف٥ [أُلاَّفُه] ٦، فأذاعوا مزائد الفوائد وأعادوا ودائع العوائد وأفاضوا في العلوم الدينية، وأضافوا إلى ذلك ذكر الأمة النصرانية
стр. 71
فتعجب مَنْ حضر كيف زلت بهم القدم، حتى اعتقدوا اتّحاد العَدَم بالقِدَم؟ ومن أين قادهم الخبيث إلى القول بالتثليث وروَّج عليهم المحال، فدانوا بعبادة الرجال؟ واستعبدوا أن يعتقد لبيب أن الإله يصلب على صليب، أو يستقرّ في الأحلام أن تشتمل على القديم الأرحام!!!.
فقلت: إن من المستحيل أن يضلّ السالك مع وجود الدليل، وعيسى ﵇ فهو خِرِّيت١ عارف بالطريق، وله من ربّه تعالى أوفى رفيق، وقد شهد له المصطفى - وهو المُزكَّى المعدَّل - بأنه بلغ عن الله، ولم يبدِّل، قال ربّنا جلّ اسمه حكاية عنه: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُم وَكُنْتُ عَلَيْهُم شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِم ... ﴾ . [سورة المائدة، الآية: ١١٧] .
لكن ربما خلف من بعده خُلُوف٢ كالخلوف٣ واستعوص٤/ (١/٤/أ) عليهم كلامه فتناولوا بأيدي التحريف الحروف، وأتاهم العدوّ من قبل الألفاظ فغلظهم وجرأهم على الكفر بإجرائها على الظاهر فورطهم. ومعلوم أنّ كلّ تنْزِيل [لا يخلو] ٥ عن جملة من الظواهر لعرض التأويل يضلّ بها الجاهلون وما يعقلها إلاّ العالمون.
стр. 72
وهذا كما هفا١ قوم في لفظ الاستواء٢ والنُّزُول إلى سماء الدنيا٣ ولفظ الوجه٤ والعين٥ واليد٦ والقدم٧ وغير ذلك فحملوا الأمر في هذه
стр. 73
التّسميات على ما يبتدر إلى أفهامالعوام١ فزلوا.
وإذا كان النصارى إنما أتوا٢ من قبل الألفاظ وعدم الحفَّاظ فيتعين على من له دُرْبة٣ بهذا الشأن حل إشكالهم وفكّ الشبهات التي أعانت على ضلالهم، فزعم الجماعة أني عارف بكتبهم خبير بمخاريقهم وكذبهم دَريّ بمرادهم بالجوهر والأقنوم، دَرِب بالفَرق بين فِرَق النسطور واليعاقبة والروم، وقالوا: لو أَنرتَ لَمعا تكون على الحق علما فرب كلمة واحدة تهدي أمماً، فأجبتهم لوجوب حقّهم ورجوت الحيا٤ عند رميض برقهم، واستخرت الله تعالى وشجعت جنانا جبانا وأطلقت من ضعيف / (١/٤/ب) العناية ودأبت٥ في تحصيل ما لم أقف عليه من كتب القوم ولم أجتز٦ بما كان في يدي منها حتى استكملت