Полный текст (2 398 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
الْمَاءَ"١.
وَرَدَ ذَلِكَ بِالْفَاءِ، فَإِنَّهَا لِلسَّبَبِيَّةِ٢.
"وَالْخِطَابُ الْخَاصُّ بِهِ" أَيْ بِالنَّبِيِّ٣ ﷺ نَحْوُ قَوْلِهِ : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ ٤ وَنَحْوُهُ عَامٌّ لِلْأُمَّةِ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، فَلا يَخْتَصُّ٥ إلاَّ بِدَلِيلٍ يَخُصُّهُ٦, وَمِنْهُ قَوْله
стр. 1297
تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك﴾ ١.
وَالْقَائِلُونَ بِالشُّمُولِ لا يَقُولُونَ: إنَّهُ بِاللُّغَةِ، بَلْ لِلْعُرْفِ٢ فِي مِثْلِهِ حَتَّى لَوْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ ذَلِكَ كَانَ مِنْ بَابِ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ, وَلا يَقُولُونَ: إنَّهُمْ دَاخِلُونَ بِدَلِيلٍ آخَرَ، لأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ مَحَلُّ النِّزَاعِ، فَيَتَّحِدُ الْقَوْلانِ٣.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ وَالأَشْعَرِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ: لا يَعُمُّهُمْ الْخِطَابُ إلاَّ بِدَلِيلٍ يُوجِبُ التَّشْرِيكَ، إمَّا مُطْلَقًا وَإِمَّا فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ بِخُصُوصِهِ مِنْ قِيَاسٍ أَوْ غَيْرِهِ, وَحِينَئِذٍ فَشُمُولُ الْحُكْمِ لَهُ بِذَلِكَ لا بِاللَّفْظِ، لأَنَّ اللُّغَةَ تَقْتَضِي أَنَّ خِطَابَ الْمُفْرَدِ لا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ٤.
وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِالْعُمُومِ بِقَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ ٥ فَعَلَّلَ
стр. 1298
الإِبَاحَةَ بِنَفْيِ الْحَرَجِ عَنْ أُمَّتِهِ. وَلَوْ اخْتَصَّ بِهِ الْحُكْمُ لَمَا كَانَ عِلَّةً لِذَلِكَ وَأَيْضًا ﴿خَالِصَةً لَك مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١ وَلَوْ كَانَ اللَّفْظُ مُخْتَصًّا لَمْ يَحْتَجْ إلَى التَّخْصِيصِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْفَائِدَةُ فِي التَّخْصِيصِ٢ عَدَمُ الإِلْحَاقِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ وَلِذَلِكَ رُفِعَ الْحَرَجُ٣.
قُلْنَا٤ ظَاهِرُ اللَّفْظِ مُقْتَضٍ لِلْمُشَارَكَةِ، لأَنَّهُ عَلَّلَ إبَاحَةَ التَّزْوِيجِ بِرَفْعِ الْحَرَجِ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ, وَكَذَلِكَ قَضَاؤُهُ بِالْخُصُوصِيَّةِ. فَالْقِيَاسُ بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ٥.
وَأَيْضًا مَا٦ فِي مُسْلِمٍ "أَنَّهُ ﷺ سَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: تُدْرِكُنِي الصَّلاةُ وَأَنَا جُنُبٌ، أَفَأَصُومُ٧؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَأَنَا تُدْرِكُنِي الصَّلاةُ وَأَنَا جُنُبٌ فَأَصُومُ" فَقَالَ: لَسْت مِثْلَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ، فَقَالَ "وَاَللَّهِ إنِّي لأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي" ٨
стр. 1299
فَدَلَّ الْحَدِيثُ مِنْ١ وَجْهَيْنِ.
أَحَدِهِمَا: أَنَّهُ أَجَابَهُمْ بِفِعْلِهِ٢، وَلَوْ اخْتَصَّ الْحُكْمُ بِهِ لَمْ يَكُنْ جَوَابًا لَهُمْ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ مُرَاجَعَتَهُمْ لَهُ بِاخْتِصَاصِهِ بِالْحُكْمِ، فَدَلَّ عَلَى٣ أَنَّهُ لا يَجُوزُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ.
وَلأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَرْجِعُونَ إلَى أَفْعَالِهِ ﷺ فِيمَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ مِنْ الأَحْكَامِ، كَرُجُوعِهِمْ فِي الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ٤، وَفِي صِحَّةِ صَوْمِ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا، وَغَيْرِ ذَلِكَ٥.
قَالَ الْمُخَالِفُونَ: الْمُفْرَدُ لا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ لُغَةً.
قُلْنَا: مَحَلُّ النِّزَاعِ لَيْسَ فِي اللُّغَةِ، بَلْ فِي الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ٦.
стр. 1300
قَالُوا: يُوجِبُ كَوْنَ خُرُوجِ غَيْرِهِ تَخْصِيصًا١.
قُلْنَا: مِنْ الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ مُسَلَّمٌ٢، إذَا ظَهَرَتْ لَهُ مُشَارَكَتُهُمْ لَهُ٣. فِي الأَحْكَامِ ثَبَتَتْ٤ مُشَارَكَتُهُ لَهُمْ أَيْضًا، لِوُجُودِ التَّلازُمِ ظَاهِرًا, فَإِنَّ مَا ثَبَتَ لأَحَدِ الْمُتَلازِمَيْنِ٥ ثَبَتَ لِلآخَرِ؛ إذْ لَوْ ثَبَتَ لَهُمْ حُكْمٌ انْفَرَدُوا بِهِ دُونَهُ لَثَبَتَ نَقِيضُهُ فِي حَقِّهِ دُونَهُمْ, وَقَدْ ظَهَرَ الدَّلِيلُ عَلَى خِلافِهِ٦
وَمَحَلُّ الْخِلافِ فِيمَا يُمْكِنُ إرَادَةُ الأُمَّةِ مَعَهُ أَمَّا مَا لا يُمْكِنُ إرَادَةُ الأُمَّةِ مَعَهُ فِيهِ٧، مِثْلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ٨ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْك مِنْ رَبِّك﴾ ٩ وَنَحْوِهِ١٠، فَلا تَدْخُلُ الأُمَّةُ فِيهِ قَطْعًا، وَمِنْهُ مَا قَامَتْ قَرِينَةٌ فِيهِ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ مِنْ خَارِجٍ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ ١١.
وَأَمَّا إنْ١٢ كَانَ الْخِطَابُ خَاصًّا بِالأُمَّةِ نَحْوُ خِطَابِ اللَّهِ لِلصَّحَابَةِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ أَوْ بِالأُمَّةِ، لا يَخْتَصُّ بِالْمُخَاطَبِ إلاَّ بِدَلِيلٍ فَيَعُمُّ
стр. 1301
النَّبِيَّ ﷺ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِلافِ١.
لَكِنْ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْوَاضِحِ: نَفَى دُخُولَهُ هُنَا عَنْ الأَكْثَرِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ, وَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لا يَأْمُرُ نَفْسَهُ، كَالسَّيِّدِ مَعَ عَبِيدِهِ٢.
وَرُدَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُ مَخْبَرٌ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَكَذَا أَيْ وَكَمَا٣. قُلْنَا فِي الصُّوَرِ٤ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ كَوْنِ الْخِطَابِ لا يَخْتَصُّ بِالْمُخَاطَبِ خِطَابُهُ ﷺ لِوَاحِدٍ مِنْ الأُمَّةِ فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْمُخَاطَبَ وَغَيْرَهُ؛ لأَنَّهُ لَوْ اخْتَصَّ بِهِ الْمُخَاطَبُ لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ ﷺ مَبْعُوثًا إلَى الْجَمِيعِ٥.
رُدَّ بِالْمَنْعِ؛ فَإِنَّ مَعْنَاهُ تَعْرِيفُ٦ كُلِّ وَاحِدٍ مَا يَخْتَصُّ بِهِ. وَلا يَلْزَمُ شَرِكَةُ الْجَمِيعِ فِي الْجَمِيعِ٧.
стр. 1302
وَقَالُوا: هُوَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ؛ لِرُجُوعِهِمْ إلَى قِصَّةِ مَاعِزٍ١، وَبِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ٢، وَأَخْذِهِ٣ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ٤ وَغَيْرِ ذَلِكَ٥.
وَ٦ رُدَّ بِدَلِيلٍ هُوَ التَّسَاوِي فِي السَّبَبِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إنْ وَقَعَ جَوَابًا لِسُؤَالٍ٧ كَقَوْلِ الأَعْرَابِيِّ وَاقَعْتُ
стр. 1303
أَهْلِي فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ لَهُ١: "أَعْتِقْ رَقَبَةً ٢ " كَانَ عَامًّا وَإِلاَّ فَلا٣, كَقَوْلِ النَّبِيِّ٤ ﷺ "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ" ٥ فَلا يَدْخُلُ فِيهِ غَيْرُهُ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ -مِنْهُمْ الْحَنَفِيَّةُ- أَنَّهُ لا يَعُمُّ, قَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: لأَنَّهُ عَمَّ٦ فِي الَّتِي٧ قَبْلَهَا لِفَهْمِ٨ الاتِّبَاعِ، لأَنَّهُ مُتَّبَعٌ٩.
وَمَحَلُّ الْخِلافِ فِي ذَلِكَ إذَا لَمْ يَخُصَّ ذَلِكَ١٠
стр. 1304
الْوَاحِدَ١، كَقَوْلِهِ ﷺ لأَبِي بُرْدَةَ "اذْبَحْهَا وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَك ٢ " وَمِثْلُهُ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، فَإِنَّهُ وَقَعَ لَهُمَا مِثْلُ ذَلِكَ، فَرَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ لِزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، كَمَا فِي أَبِي دَاوُد٣، كَمَا رَخَّصَ لأَبِي بُرْدَةَ، وَرَخَّصَ أَيْضًا لَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ٤.وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى تَخْصِيصِ الْعُمُومِ٥ بَعْدَ تَخْصِيصٍ٦
стр. 1305
اُسْتُدِلَّ١ لِلأَوَّلِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، بِرُجُوعِ الصَّحَابَةِ٢ إلَى التَّمَسُّكِ بِقَضَايَا الأَعْيَانِ٣، كَقَضِيَّةِ٤ مَاعِزٍ، وَدِيَةِ الْجَنِينِ٥، وَالْمُفَوَّضَةِ٦، وَالسُّكْنَى لِلْمَبْتُوتَةِ٧، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
стр. 1306
وَأَما١ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٢ لأَبِي بُرْدَةَ: "وَلا تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ٣ بَعْدَك" فَلَوْلا٤ أَنَّ الإِطْلاقَ يَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ لَمْ يَخُصَّ, وَكَذَلِكَ تَخْصِيصُ خُزَيْمَةَ بِجَعْلِ شَهَادَتِهِ كَشَهَادَتَيْنِ٥.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ ٦ وَقَوْلُهُ ﵊ "بُعِثْتُ إلَى الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ" ٧.
قَالُوا: لِتَعْرِيفِ٨ كُلِّ مَا يَخْتَصُّ٩.
стр. 1307
قُلْنَا: إذَا لَمْ يَكُنْ اخْتِصَاصٌ ظَهَرَ اقْتِصَارُ الْحُكْمِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَأَيْضًا فَقَوْلُ١ الرَّاوِي "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَوْ قَضَى" يَعُمُّ، وَلَوْ اخْتَصَّ بِمَنْ سَوْقُهُ لَهُ٢ لَمْ يَعُمَّ لاحْتِمَالِ سَمَاعِ الرَّاوِي أَمْرًا أَوْ٣ نَهْيًا لِوَاحِدٍ، فَلا يَكُونُ عَامًّا٤.
قَالُوا: لَنَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْقَطْعِ وَالتَّخْصِيصِ.
قُلْنَا: سِيقَ جَوَابُهُمَا.
قَالُوا: يَلْزَمُ مِنْهُ٥ عَدَمُ فَائِدَةٍ حُكْمِيٍّ٦ عَلَى الْوَاحِدِ٧.
стр. 1308
قُلْنَا: الْحَدِيثُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ أَصْلاً.
"وَفِعْلُهُ" أَيْ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ "فِي تَعَدِّيهِ إلَيْهَا" أَيْ إلَى الأُمَّةِ "كَخِطَابٍ خَاصٍّ بِهِ" أَيْ بِالنَّبِيِّ ﷺ ، يَعْنِي١ أَنَّ فِعْلَهُ مُخْرَجٌ عَلَى الْخِلافِ فِي الْخِطَابِ الْمُتَوَجَّهِ إلَيْهِ ٢عِنْدَ الأَكْثَرِ٣.وَالْخِطَابُ الْمُتَوَجَّهُ إلَيْهِ لا٤ يَخْتَصُّ بِهِ إلاَّ بِدَلِيلٍ، فَكَذَا٥ فِعْلُهُ٦.
وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: يَتَعَدَّى فِعْلُهُ إذَا عُرِفَ وَجْهُهُ. يَعْنِي وَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ خِطَابُهُ٧.
"فَائِدَةٌ":
"نَحْوُ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ٨" وَقَوْلُهُ: قَضَى رَسُولُ
стр. 1309
اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ ١ "يَعُمُّ كُلَّ غَرَرٍ" وَكُلَّ جَارٍ٢.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ الأُصُولِيِّينَ٣.
لَنَا: أَنَّ الصَّحَابِيَّ الرَّاوِيَ٤ عَدْلٌ عَارِفٌ بِاللُّغَةِ، فَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ صِيغَةَ الْعُمُومِ، وَهِيَ الْجَارُ وَالْغَرَرُ، لِكَوْنِهِمَا مُعَرَّفَيْنِ فَاللاَّمُ الْجِنْسِ، إلاَّ إذَا عَلِمَ أَوْ ظَنَّ صِيغَةَ الْعُمُومِ, وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الظَّاهِرُ٥ أَنَّهُ سَمِعَ٦ صِيغَةَ الْعُمُومِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ الصِّدْقُ فِيمَا فَعَلَهُ، فَوَجَبَ اتِّبَاعُهُ٧.
стр. 1310
وَاحْتَجَّ١ الْخَصْمُ عَلَى أَنَّهُ لا عُمُومَ لَهُ٢؛ لأَنَّهُ حِكَايَةُ الرَّاوِي، وَحِينَئِذٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِأَنْ رَأَى٣ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ نَهَى عَنْ غَرَرٍ خَاصٍّ، أَوْ قَضَى لِجَارٍ٤ خَاصٍّ, فَنَقَلَ صِيغَةَ الْعُمُومِ لِظَنِّهِ عُمُومَ الْحُكْمِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ صِيغَةً خَاصَّةً، فَتَوَهَّمَ أَنَّهَا عَامَّةٌ، فَنَقَلَهَا عَامَّةً، وَحِينَئِذٍ فَلا يُمْكِنُ الاحْتِجَاجُ بِهِ؛ لأَنَّ الاحْتِجَاجَ بِالْمَحْكِيِّ، لا٥ بِالْحِكَايَةِ، إلاَّ إذَا طَابَقَتْهُ، وَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِلاحْتِمَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ٦.
قُلْنَا: مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ الاحْتِمَالَيْنِ، وَإِنْ كَانَ قَادِحًا فَهُوَ خِلافُ الظَّاهِرِ, لأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الرَّاوِي مَا ذَكَرْنَاهُ، وَلأَنَّ اللاَّمَ غَالِبًا لِلاسْتِغْرَاقِ، فَحَمْلُهُ عَلَى
стр. 1311
الْعَهْدِ خِلافُ الْغَالِبِ١.
стр. 1312
فَصْلٌ لَفْظُ الرِّجَالِ وَالرَّهْطِ لا يَعُمُّ النِّسَاءَ وَلا الْعَكْسَ:
وَهُوَ أَنَّ لَفْظَ النِّسَاءِ لا يَعُمُّ الرِّجَالَ. وَلا الرَّهْطَ١ قَطْعًا٢
"وَيَعُمُّ نَحْوُ" لَفْظِ "النَّاسِ، وَ" لَفْظِ "الْقَوْمِ" كَالإِنْسِ وَالآدَمِيِّينَ "الْكُلِّ" أَيْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ٣ ثُمَّ الرَّهْطُ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ خَاصَّةً٤.
وَفِي مَدْلُولِ " الْقَوْمِ " ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْقَوْمُ: الْجَمَاعَةُ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مَعًا٥، أَوْ مِنْ الرِّجَالِ خَاصَّةً، أَوْ يَدْخُلُ النِّسَاءُ عَلَى التَّبَعِيَّةِ، وَيُؤَنَّثُ٦.اهـ.
стр. 1313
وَيُسْتَأْنَسُ لِلأَوَّلِ بِقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ ١ فَيَدْخُلُ النِّسَاءُ فِي ذَلِكَ٢ اهـ.
وَنَحْوُ: الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُصَلِّينَ وَالْمُزْكِينَ٣ "كَالْمُسْلِمِينَ، وَ" نَحْوُ٤ "فَعَلُوا" كَكُلُوا وَشَرِبُوا، وَكَذَا٥ افْعَلُوا كَكُلُوا وَاشْرَبُوا٦، وَيَفْعَلُونَ كَيَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ، وَفَعَلْتُمْ كَأَكَلْتُمْ وَشَرِبْتُمْ، وَكَذَا اللَّوَاحِقُ، كَذَلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَغْلِبُ فِيهِ الْمُذَكَّرُ٧ "يَعُمُّ النِّسَاءَ تَبَعًا" عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَالْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ رضي الله تعالى عنه٨.
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى: لا يَعُمُّ، اخْتَارَهُ٩ أَبُو الْخَطَّابِ وَالطُّوفِيُّ وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ وَالأَشْعَرِيَّةِ وَنَقَلَهُ١٠ ابْنُ بُرْهَانٍ عَنْ مُعْظَمِ الْفُقَهَاءِ١١.
стр. 1314
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ عَنْ الْقَوْلِ الأَوَّلِ: إنَّ عُمُومَهُ لَيْسَ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ، بَلْ بِالْعُرْفِ١، أَوْ بِعُمُومِ الأَحْكَامِ أَوْ٢ نَحْوُ ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: انْدِرَاجُ النِّسَاءِ تَحْتَ لَفْظِ "الْمُسْلِمِينَ" بِالتَّغْلِيبِ لا بِأَصْلِ الْوَضْعِ٣.
وَ٤ قَالَ الإِبْيَارِيُّ٥: لا خِلافَ بَيْنَ الأُصُولِيِّينَ وَالنُّحَاةِ فِي عَدَمِ تَنَاوُلِهِنَّ لِجَمْعٍ كَجَمْعِ الذُّكُورِ. وَإِنَّمَا ذَهَبَ بَعْضُ الأُصُولِيِّينَ إلَى ثُبُوتِ التَّنَاوُلِ، لِكَثْرَةِ اشْتِرَاكِ النَّوْعَيْنِ فِي الأَحْكَامِ لا غَيْرُ، فَيَكُونُ الدُّخُولُ عُرْفًا لا لُغَةً.
ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا قُلْنَا بِالتَّنَاوُلِ: هَلْ يَكُونُ دَالاًّ عَلَيْهِمَا ٦بِالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ أَوْ٧ عَلَيْهِمَا مَجَازًا صِرْفًا٨؟ خِلافَ٩, ظَاهِرُ مَذْهَبِ الْقَاضِي الْبَاقِلاَّنِيِّ١٠: الثَّانِي١١، وَالْقِيَاسُ١٢ قَوْلُ أَبِي الْمَعَالِي
стр. 1315
الأَوَّلِ١. اهـ.
وَاسْتَدَلَّ لِلأَوَّلِ بِمُشَارَكَةِ الذُّكُورِ فِي الأَحْكَامِ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ٢.
رُدَّ بِالْمَنْعِ بِلا لِدَلِيلٍ٣ وَلِهَذَا لَمْ يَعُمَّهُنَّ الْجِهَادُ وَالْجُمُعَةُ وَغَيْرُهُمَا٤.
أُجِيبَ بِالْمَنْعِ, ثُمَّ لَوْ كَانَ لَعُرِفَ٥. وَالأَصْلُ عَدَمُهُ، وَخُرُوجُهُنَّ٦ مِنْ بَعْضِ الأَحْكَامِ لا يُمْنَعُ كَبَعْضِ الذُّكُورِ، وَلأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ غَلَّبُوا الْمُذَكَّرَ٧ بِاتِّفَاقٍ بِدَلِيلِ ﴿اهْبِطُوا﴾ ٨ لآدَمَ وَحَوَّاءَ وَإِبْلِيسَ٩.
رُدَّ بِقَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ، وَيَكُونُ مَجَازًا١٠.
أُجِيبَ: لَمْ يَشْتَرِطْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ الْعِلْمَ بِقَصْدِهِ، ثُمَّ لَوْ لَمْ يَعُمَّهُنَّ لَمَا عَمَّ١١ بِالْقَصْدِ، بِدَلِيلِ جَمْعِ الرِّجَالِ، وَالأَصْلُ الْحَقِيقَةُ، وَلَوْ كَانَ مَجَازًا لَمْ يُعَدَّ الْعُدُولُ عَنْهُ عِيًّا١٢.
стр. 1316
قَالَ الْمَانِعُونَ: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "مَا لَنَا لا نُذْكَرُ فِي الْقُرْآنِ كَمَا يُذْكَرُ١ الرِّجَالُ؟ فَنَزَلَتْ ﴿إنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ..﴾ الآيَةَ٢ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ٣. وَلَوْ دَخَلْنَ لَمْ يَصْدُقْ نَفْيَهَا، وَلَمْ يَصِحَّ تَقْرِيرُهُ لَهُ٤.
رُدَّ: يَصْدُقُ، وَيَصِحُّ، لأَنَّهَا إنَّمَا٥ أَرَادَتْ التَّنْصِيصَ تَشْرِيفًا لَهُنَّ لا تَبَعًا٦.
قَالُوا: الْجَمْعُ تَضْعِيفُ الْوَاحِدِ، وَمُسْلِمٌ لِرَجُلٍ، فَمُسْلِمُونَ لِجَمْعِهِ٧.
رُدَّ: يُحْتَمَلُ مَنْعُهُ٨, قَالَهُ الْحَلْوَانِيُّ.
стр. 1317
وَقَدْ احْتَجَّ أَصْحَابُنَا١ بِأَنَّ٢ قَوْله تَعَالَى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ ٣ عَامٌّ لِلذَّكَرِ وَالأُنْثَى٤.
وَأَمَّا الْخَنَاثَى٥: فَعَلَى الْقَوْلِ بِدُخُولِ النِّسَاءِ: الْخَنَاثَى٦ أَوْلَى وَعَلَى الْمَنْعِ: فَالظَّاهِرُ مِنْ تَصَرُّفِ الْفُقَهَاءِ: دُخُولُهُمْ فِي خِطَابِ النِّسَاءِ فِي التَّغْلِيظِ، وَالرِّجَالِ فِي التَّخْفِيفِ٧.
قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَمِمَّا يُخَرَّجُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَسْأَلَةُ الْوَاعِظِ الْمَشْهُورَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ لِلْحَاضِرِينَ عِنْدَهُ: طَلَّقْتُكُمْ ثَلاثًا، وَامْرَأَتُهُ فِيهِمْ، وَهُوَ لا يَدْرِي, فَأَفْتَى أَبُو الْمَعَالِي بِالْوُقُوعِ, قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَفِي الْقَلْبِ مِنْهُ شَيْءٌ, قُلْت: الصَّوَابُ عَدَمُ الْوُقُوعِ.
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ لا يَقَعَ, وَلَهُمْ فِيهَا٨ كَلامٌ كَثِيرٌ٩.
" وَإِخْوَةٌ وَعُمُومَةٌ لِذَكَرٍ وَأُنْثَى١٠"
стр. 1318
قَالَ١ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الإِخْوَةَ وَالْعُمُومَةَ يَعُمُّ الذُّكُورَ وَالإِنَاثَ, قَطَعَ بِهِ فِي الْمُغْنِي٢ وَالشَّرْحِ٣ وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ٤ وَصَاحِبِ الْفُرُوعِ فِيهِ٥ وَغَيْرُهُمْ, وَظَاهِرُ كَلامِهِ فِي الْوَاضِحِ: أَنَّ الإِخْوَةَ لا تَعُمُّ الإِنَاثَ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنَ لا يَعُمُّهُنَّ٦.
"وَتَعُمُّ٧ "مَنْ" الشَّرْطِيَّةُ الْمُؤَنَّثَ"٨ لِقَوْلِهِ٩ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ ١٠ فَالتَّفْسِيرُ١١ بِالذَّكَرِ وَالأُنْثَى دَلَّ عَلَى تَنَاوُلِ١٢ الْقِسْمَيْنِ, وَلِقَوْلِهِ : ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ
стр. 1319
وَرَسُولِهِ﴾ ١ وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ٢ ﷺ "مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إلَيْهِ". فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ تَصْنَعُ النِّسَاءُ٣ بِذُيُولِهِنَّ؟ ٤ فَأَقَرَّهَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى فَهْمِ دُخُولِ النِّسَاءِ فِي مَنْ الشَّرْطِيَّةِ" ٥.وَلأَنَّهُ لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ دَارِي فَهُوَ حُرٌّ، فَدَخَلَهُ الإِمَاءُ عَتَقْنَ بِالإِجْمَاعِ, قَالَهُ فِي الْمَحْصُولِ٦.
وَحَكَى غَيْرُهُ قَوْلاً: أَنَّهَا تَخْتَصُّ بِالذُّكُورِ. وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ٧، وَأَنَّهُمْ تَمَسَّكُوا بِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُرْتَدَّةِ، فَجَعَلُوا قَوْلَهُ ﷺ : "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ" ٨
стр. 1320
لا يَتَنَاوَلُهَا١, وَالصَّحِيحُ خِلافُهُ٢.
"وَيَعُمُّ النَّاسُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَنَحْوُهُمَا" كَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَيَا عِبَادِي "عَبْدًا" كُلُّهُ رَقِيقٌ "وَمُبَعَّضًا" قَلَّ الرِّقُّ فِيهِ أَوْ كَثُرَ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ وَأَكْثَرِ أَتْبَاعِهِ وَالأَئِمَّةِ٣ الأَرْبَعَةِ، لأَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ فِي الْخَبَرِ، فَكَذَا فِي الأَمْرِ، وَبِاسْتِثْنَاءِ الشَّارِعِ لَهُمْ فِي الْجُمُعَةِ٤.
وَقِيلَ: لا يَدْخُلُونَ إلاَّ بِدَلِيلٍ٥.
وَقِيلَ: إنْ تَضَمَّنَ تعبداً٦ دَخَلُوا،
стр. 1321
وَإِلاَّ فَلا١.
قَالَ الْهِنْدِيُّ: الْقَائِلُونَ بِعُمُومِ دُخُولِ الْعَبِيدِ وَالْكُفَّارِ٢ فِي لَفْظِ "النَّاسِ" وَنَحْوِهِ، إنْ٣ زَعَمُوا أَنَّهُ لا يَتَنَاوَلُهُمْ لُغَةً فَمُكَابَرَةٌ، وَإِنْ زَعَمُوا أَنَّ الرِّقَّ وَالْكُفْرَ أَخْرَجَهُمْ شَرْعًا فَبَاطِلٌ؛ لأَنَّ الإِجْمَاعَ أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ فِي الْجُمْلَةِ٤.
"وَ" يَدْخُلُ الَّذِينَ هُمْ "كُفَّارٌ وَجِنٌّ٥ فِي" مُطْلَقِ لَفْظِ "النَّاسِ وَنَحْوِهِ" مِثْلَ ﴿أُولِي الأَلْبَابِ﴾ ٦ فِي الأَصَحِّ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ لُغَةً, وَبِهِ قَالَ الأُسْتَاذُ٧ أَبُو إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ, إذْ لا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ٨.
أَمَّا إذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ بِعَدَمِ دُخُولِهِمْ، أَوْ أَنَّهُمْ هُمْ الْمُرَادُ، لا الْمُؤْمِنُونَ: عُمِلَ بِهَا، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا
стр. 1322
لَكُمْ﴾ ١ لأَنَّ الأَوَّلَ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقَطْ: أَمَّا نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الأَشْجَعِيُّ٢، وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ الْمُفَسِّرُونَ٣، أَوْ أَرْبَعَةٌ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الرِّسَالَةِ٤. وَالثَّانِي: لِكُفَّارِ مَكَّةَ.
لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: بِأَنَّ اللاَّمَ فِي ذَلِكَ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، وَالْكَلامُ فِي الاسْتِغْرَاقِيَّةِ.
وَقَوْلُهُ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ ٥ الْمُرَادُ الْكُفَّارُ بِدَلِيلِ بَاقِي الآيَةِ, نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الرِّسَالَةِ، وَجَعَلَهُ مِنْ الْعَامِّ
стр. 1323
الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ١, فَقَدْ يَدَّعِي ذَلِكَ أَيْضًا فِي الآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، فَلا تَكُونُ أَلْ٢ فِيهَا عَهْدِيَّةً.
"وَ" قَوْلُهُ : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ ٣ لا يَشْمَلُ الأُمَّةَ" أَيْ أُمَّةَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ٤ ﷺ عِنْدَ الأَكْثَرِ, وَقَطَعَ بِهِ بَعْضُهُمْ٥.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ ٦ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا﴾ ٧ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ ٨ إلاَّ أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى مُشَارَكَةِ الأُمَّةِ لَهُمْ, وَذَلِكَ لأَنَّ اللَّفْظَ قَاصِرٌ عَلَيْهِمْ فَلا يَتَعَدَّاهُمْ٩.
وَالْمُرَادُ بِأَهْلِ الْكِتَابِ: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى١٠.
стр. 1324
قَالَ١ الْمَجْدُ فِي الْمُسَوَّدَةِ٢: يَشْمَلُ الأُمَّةَ إنْ شَرَكُوهُمْ٣ فِي الْمَعْنَى, قَالَ: لأَنَّ شَرْعَهُ عَامٌّ لِبَنِي إسْرَائِيلَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ، كَالْمُؤْمِنِينَ٤، فَثَبَتَ الْحُكْمُ فِيهِمْ، كَأُمِّيِّ٥ أَهْلِ الْكِتَابِ, وَذَلِكَ كَافٍ لِوَاحِدٍ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ، فَإِنَّهُ يَعُمُّ غَيْرَهُ وَإِنْ لَمْ يُشْرِكْهُمْ فَلا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى لأَهْلِ بَدْرٍ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾ ٦ وَلأَهْلِ أُحُدٍ ﴿إذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا﴾ ٧ فَإِنَّ ذَلِكَ لا يَعُمُّ غَيْرَهُمْ.
قَالَ: ثُمَّ الشُّمُولُ هُنَا بِطَرِيقِ الْعَادَةِ الْعُرْفِيَّةِ أَوْ٨ الاعْتِبَارِ الْعَقْلِيِّ، وَفِيهِ الْخِلافُ الْمَشْهُورُ.
قَالَ: وَعَلَى هَذَا يَنْبَنِي اسْتِدْلالُ الآيَةِ عَلَى حُكْمِنَا، مِثْلَ٩ ﵁ ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ ١٠الآيَةَ فَإِنَّ هَذِهِ الضَّمَائِرَ رَاجِعَةٌ لِبَنِي إسْرَائِيلَ١١.
قَالَ١٢: وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْخِطَابِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ , أَمَّا خِطَابُهُ لَهُمْ
стр. 1325
عَلَى لِسَانِ مُوسَى١ وَغَيْرِهِ٢ مِنْ الأَنْبِيَاءِ ﵈: فَهِيَ مَسْأَلَةُ شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا: هَلْ هُوَ شَرْعٌ لَنَا؟ وَالْحُكْمُ هُنَا لا يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ الْخَطَّابِيِّ قَطْعًا، بَلْ بِالاعْتِبَارِ الْعَقْلِيِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ٣.
"وَيَعُمُّهُ" أَيْ يَعُمُّ٤ النَّبِيَّ ﷺ قَوْلُهُ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ ٥، وَ ﴿يَا عِبَادِي﴾ ٦ وَنَحْوُ ذَلِكَ٧، كَيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ [حَيْثُ لا قَرِينَةَ تَخُصُّهُمْ] ٨ نَحْوُ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ٩ لأَنَّا مَأْمُورُونَ بِالاسْتِجَابَةِ.
وَقِيلَ: يَعُمُّهُ١٠ خِطَابُ الْقُرْآنِ دُونَ خِطَابِ السُّنَّةِ١١.
стр. 1326
وَقِيلَ: لا يَعُمُّهُ١ خِطَابُ الْقُرْآنِ وَلا خِطَابُ السُّنَّةِ لِقَرِينَةِ الْمُشَافَهَةِ، وَلأَنَّ الْمُبَلِّغَ -بِكَسْرِ اللاَّمِ- غَيْرُ الْمُبَلَّغِ - بِفَتْحِهَا, وَالآمِرَ وَالنَّاهِيَ غَيْرُ الْمَأْمُورِ وَالْمَنْهِيِّ، فَلا يَكُونُ دَاخِلاً٢.
رُدَّ ذَلِكَ بِأَنَّ الْخِطَابَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ مِنْ اللَّهِ لِلْعِبَادِ، وَهُوَ مِنْهُمْ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُبَلِّغٌ لِلْأُمَّةِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ٣ هُوَ الآمِرُ وَالنَّاهِي، وَجِبْرِيلَ هُوَ الْمُبَلِّغُ لَهُ، وَلا يُنَافِي كَوْنَ النَّبِيِّ ﷺ مُخَاطِبًا مُخَاطَبًا وَ٤مُبَلِّغًا وَ٥مُبَلَّغًا بِاعْتِبَارَيْنِ٦.
وَرُبَّمَا اعْتَلَّ الْمَانِعُ مِنْ ذَلِكَ، بِأَنَّهُ ﷺ لَهُ خَصَائِصُ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ لِخُصُوصِيَّتِهِ٧، بِخِلافِ الأَمْرِ٨ الَّذِي خَاطَبَ بِهِ النَّاسَ٩.
وَرُدَّ١٠ بِأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُهُ، حَتَّى يَأْتِيَ
стр. 1327
دَلِيلٌ١.
وَتَظْهَرَ فَائِدَةُ الْخِلافِ فِي ذَلِكَ فِيمَا إذَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ: هَلْ يَكُونُ نَسْخًا فِي حَقِّهِ؟
إنْ قُلْنَا: يَعُمُّهُ٢ الْخِطَابُ فَنَسْخٌ، أَيْ إذَا دَخَلَ وَقْتُ الْعَمَلِ، لأَنَّ ذَلِكَ شَرْطُ الْمَسْأَلَةِ، وَإِلاَّ فَلا٣.
"وَيَعُمُّ" الْخِطَابُ "غَائِبًا وَمَعْدُومًا" حَالَتُهُ٤ "إذَا وُجِدَ وَكُلِّفَ لُغَةً" أَيْ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ, قَالَهُ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ٥.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: لَيْسَ النِّزَاعُ فِي قَوْلِنَا "وَيَعُمُّ الْغَائِبَ وَالْمَعْدُومَ إذَا وُجِدَ وَكُلِّفَ" فِي الْكَلامِ النَّفْسِيِّ، بَلْ هَذِهِ خَاصَّةٌ بِاللَّفْظِ اللُّغَوِيِّ, وَلأَنَّنَا
стр. 1328
مَأْمُورُونَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَحَصَلَ١ ذَلِكَ إخْبَارًا عَنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ وُجُودِنَا فَاقْتَضَى٢ بِطَرِيقِ التَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ، وَأَنْ لا يَكُونَ قَسِيمًا٣ لِلْخَبَرِ٤. اهـ.
وَقِيلَ: لا يَعُمُّهُ٥ الْخِطَابُ إلاَّ بِدَلِيلٍ آخَرَ٦.
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَمِمَّا اُخْتُلِفَ فِي عُمُومِهِ: الْخِطَابُ الْوَارِدُ شِفَاهًا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، مِثْلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ - ﴿يَا عِبَادِي﴾ لا٧ خِلافَ في٨ انه عَامٌّ فِي الْحُكْمِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ مَنْ٩ لَمْ يُشَافَهْ بِهِ،
стр. 1329
سَوَاءٌ كَانَ مَوْجُودًا غَائِبًا وَقْتَ تَبْلِيغِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ مَعْدُومًا بِالْكُلِّيَّةِ, فَإِذَا بَلَغَ الْغَائِبُ وَ١ الْمَعْدُومُ بَعْدَ وُجُودِهِ تَعَلَّقَ بِهِ الْحُكْمُ, وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ فِي جِهَةِ عُمُومِهِ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْعَامَّ الْمُشَافَهَ فِيهِ بِحُكْمٍ، لا خِلافَ فِي شُمُولِهِ لُغَةً لِلْمُشَافَهِينَ، وَفِي غَيْرِهِمْ حُكْمًا، وَكَذَا الْخِلافُ فِي غَيْرِهِمْ هَلْ٢ الْحُكْمُ شَامِلٌ لَهُمْ بِاللُّغَةِ أَوْ بِدَلِيلٍ آخَرَ؟
ذَهَبَ جَمْعٌ مِنْ الْحَنَابِلَةِ وَالْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّهُ مِنْ اللَّفْظِ، أَيْ اللُّغَوِيِّ.
وَذَهَبَ الأَكْثَرُ إلَى أَنَّهُ بِدَلِيلٍ آخَرَ٣.
وَذَلِكَ مِمَّا عُلِمَ مِنْ عُمُومِ٤ دِينِهِ ﷺ بِالضَّرُورَةِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ, وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ ٥ وَقَوْلُهُ ﷺ "وَبُعِثْتُ إلَى النَّاسِ كَافَّةً" ٦.
قَالَ: وَهَذَا مَعْنًى قول٧ كَثِيرٌ، كَابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ مِثْلَ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾
стр. 1330
لَيْسَ خِطَابًا لِمَنْ بَعْدَهُمْ، أَيْ لِمَنْ بَعْدَ١ الْمُوَاجِهِينَ. وَإِنَّمَا ثَبَتَ الْحُكْمُ بِدَلِيلٍ آخَرَ مِنْ إجْمَاعٍ أَوْ نَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ٢.
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ لا يُقَالُ لِلْمَعْدُومِينَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ٣.
وَأَجَابُوا عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ الْخَصْمُ، بِأَنَّهُ٤ لَوْ لَمْ يَكُنْ الْمَعْدُومُونَ مُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ ﷺ مُرْسَلاً إلَيْهِمْ، بِأَنَّهُ٥ لا يَتَعَيَّنُ الْخِطَابُ الشِّفَاهِيُّ٦ فِي الإِرْسَالِ، بَلْ مُطْلَقُ الْخِطَابِ كَافٍ٧.وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
" وَالْمُتَكَلِّمُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ كَلامِهِ٨" أَيْ كَلامِ نَفْسِهِ "مُطْلَقًا" أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْكَلامُ خَبَرًا أَوْ إنْشَاءً، أَوْ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا "إنْ صَلَحَ" عِنْدَ دُخُولِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ٩، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ
стр. 1331
عَلِيمٌ﴾ ١ إذَا قُلْنَا بِصِحَّةِ إطْلاقِ لَفْظِ ﴿شَيْءٍ﴾ عَلَيْهِ تَعَالَى٢. وَقَوْلُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ: مَنْ أَحْسَنَ إلَيْك فَأَكْرِمْهُ، أَوْ فَلا تُهِنْهُ, ذَكَرَهُ الآمِدِيُّ عَنْ الأَكْثَرِ, وَلأَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ، وَلا مَانِعَ مِنْ الدُّخُولِ, وَالأَصْلُ عَدَمُهُ٣.
وَعَنْ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁, رِوَايَةٌ أُخْرَى: لا يَدْخُلُ إلاَّ بِدَلِيلٍ.
وَقِيلَ: لا يَدْخُلُ مُطْلَقًا٤.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَالأَكْثَرُ: لا فِي الأَمْرِ وَلا فِي٥ النَّهْيِ٦.
وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا "إنْ صَلَحَ" مَا إذَا كَانَ الْكَلامُ٧ بِلَفْظِ الْمُخَاطَبَةِ، نَحْوُ
стр. 1332
قَوْلِهِ ﷺ : "إنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ" ١.
"وَتَضَمَّنَ" كَلامٌ "عَامٌّ مَدْحًا أَوْ ذَمًّا كَالأَبْرَارِ وَالْفُجَّارِ" نَحْوُ قَوْلِهِ : ﴿إنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ٢ وَقَوْلِهِ : ﴿وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٣ وَقَوْلِهِ : ﴿وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ ٤: "لا يُمْنَعُ عُمُومُهُ" أَيْ لا يُغَيَّرُ عُمُومُهُ عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ٥، إذْ لا تَنَافِيَ بَيْنَ قَصْدِ الْعُمُومِ، وَبَيْنَ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ، فَيَحْمِلُ٦ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَغَيْرَهُمَا عَلَى الْعُمُومِ، إذْ لا صَارِفَ لَهُ عَنْهُ٧.
стр. 1333
وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ الْعُمُومَ، لِوُرُودِ ذَلِكَ لِقَصْدِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْحَثِّ وَالزَّجْرِ، فَلَمْ يَعُمَّ١.
رُدَّ ذَلِكَ بِأَنَّ الْعُمُومَ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ، وَلا مُنَافَاةَ٢.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ فِيهِ تَفْصِيلٍ, قَالَ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ: الثَّالِثُ أَنَّهُ لِلْعُمُومِ، إلاَّ إنْ عَارَضَهُ عَامٌّ آخَرُ لا يَقْصِدُ بِهِ الْمَدْحَ أَوْ الذَّمَّ، فَيَتَرَجَّحُ الَّذِي لَمْ يُسَقْ٣ لِذَلِكَ عَلَيْهِ٤، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ ٥ مَعَ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ٦ فَالأُولَى سِيقَتْ لِبَيَانِ الْحُكْمِ، فَقُدِّمَتْ عَلَى سِيَاقِهَا
стр. 1334
الْمِنَّةُ بِإِبَاحَةِ الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ, وَقَدْ رَدَّ أَصْحَابُنَا بِهَذَا عَلَى داود١ الظَّاهِرِيِّ احْتِجَاجَهُ, بِالثَّانِيَةِ عَلَى٢ إبَاحَةُ الأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ٣. اهـ.
"وَمِثْلَ" أَيْ وَنَحْوُ قَوْلِهِ ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ ٤ يَعُمُّ "فَيَقْتَضِي" الْعُمُومُ "أَخْذَهَا مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ الْمَالِ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ" فِي ظَاهِرِ كَلامِ أَبِي الْفَرَجِ الشِّيرَازِيِّ مِنَّا٥، وَقَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ فِي الْمُقْنِعِ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَغَيْرُهُمْ٦، إلاَّ أَنْ يَخُصَّ بِدَلِيلٍ مِنْ السُّنَّةِ. وَهَذَا نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِي الرِّسَالَةِ٧.
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ: يَكْفِي الأَخْذُ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ٨.
стр. 1335
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: خِلافًا لِلأَكْثَرِينَ, ثُمَّ قَالَ: لَنَا أَنَّهُ بِصَدَقَةٍ وَاحِدَةٍ، يَصْدُقُ١ أَنَّهُ٢ أُخِذَ مِنْهَا صَدَقَةٌ، فَيَلْزَمُ الامْتِثَالُ, وَأَيْضًا: فَإِنَّ كُلَّ دِينَارٍ مَالٌ, وَلا يَجِبُ ذَلِكَ بِإِجْمَاعٍ٣. اهـ.
وَأُجِيبَ عَنْ الأَوَّلِ: بِمَنْعِ صِدْقِ ذَلِكَ، لأَنَّ ﴿أَمْوَالَهُمْ﴾ جَمْعٌ مُضَافٌ. فَكَانَ٤ عَامًّا فِي كُلِّ نَوْعٍ نَوْعٌ وَفَرْدٍ فَرْدٌ٥, إلاَّ مَا خَرَجَ بِالسَّنَةِ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ٦.
وَعَنْ الثَّانِي: بِأَنَّ الْمُرَادَ: عَنْ كُلِّ نِصَابٍ نِصَابٌ، كَمَا بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ٧.
وَمِمَّا ذَكَرَ احْتِجَاجًا٨ لِلْكَرْخِيِّ٩: أَنَّ "مِنْ" فِي الآيَةِ لِلتَّبْعِيضِ، وَلَوْ كَانَتْ الآيَةُ عَامَّةً. وَالتَّبْعِيضُ: يَصْدُقُ بِبَعْضِ الْمَجْمُوعِ، وَلَوْ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ١٠.
следующие страницы →