Полный текст (2 398 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
مِنْهُمْ١ لَكِنْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى٢ أَنَّ التَّخْلِيدَ لا يَكُونُ إلاَّ بِالْكُفْرِ، فَخُصِّصَتْ بِهِ الآيَةُ٣.
وَأَمَّا التَّمْيِيزُ فَمُقْتَضَى كَلامِ النُّحَاةِ وَبَعْضِ الأُصُولِيِّينَ: عَوْدُهُ إلَى الْجَمِيعِ, وَلَنَا خِلافٌ فِي الْفُرُوعِ, قَالَهُ الْبَعْلِيُّ فِي أُصُولِهِ٤.
وَقَالَ فِي قَوَاعِدِهِ الأُصُولِيَّةِ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْفُرُوعِ عَلَى وَجْهَيْنِ, أَصَحُّهُمَا: أَنَّ الأَمْرَ كَذَلِكَ, فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ -مَثَلاً- أَلْفٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا, فَالْجَمِيعُ دَرَاهِمُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ: يُرْجَعُ فِي تَفْسِيرِ الأَلْفِ إلَيْهِ٥.
стр. 1437
فصل تخصيص الكتاب ببعضه وتخصيصه بالسنة مطلقا
...
فَصْلٌ يُخَصَّصُ الْكِتَابُ بِبَعْضِهِ وَبِالسُّنَّةِ مُطْلَقًا:
"يُخَصَّصُ الْكِتَابُ بِبَعْضِهِ وَ" يُخَصَّصُ أَيْضًا "بِالسُّنَّةِ مُطْلَقًا" أَيْ سَوَاءً كَانَتْ مُتَوَاتِرَةً أَوْ آحَادًا. "وَ" تُخَصَّصُ "السُّنَّةُ بِهِ" أَيْ بِالْقُرْآنِ "وَبِبَعْضِهَا" أَيْ تُخَصَّصُ١ السُّنَّةُ بِبَعْضِهَا "مُطْلَقًا" أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَوَاتِرَةً أَوْ آحَادًا٢.
فَمِنْ أَمْثِلَةِ تَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ٣: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ٤ فَإِنَّ عُمُومَهُ خُصَّ بِالْحَوَامِلِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ٥ وَخُصَّ أَيْضًا عُمُومُهُ الشَّامِلُ لِلْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِهَا بقَوْلِهِ تَعَالَى٦ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ
стр. 1438
عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ ١.
وَنَحْوُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ٢ خُصَّ بِقَوْلِهِ : ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ٣.
وَنَحْوُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ ٤ خُصَّ بِقَوْلِهِ : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ٥.
وَالْمُخَالِفُ فِي مَسْأَلَةِ تَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ٦، وَتَمَسَّكُوا
стр. 1439
بِأَنَّ التَّخْصِيصَ بَيَانٌ لِلْمُرَادِ بِاللَّفْظِ. فَلا يَكُونُ إلاَّ بِالسُّنَّةِ، لِقَوْلِهِ١ تَعَالَى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ ٢.
وَمَا ذَكَر٣ مِنْ الأَمْثِلَةِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّخْصِيصُ فِيهِ بِالسُّنَّةِ. كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي السَّنَابِلِ بْنِ بَعْكَكٍ مَعَ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةِ٤ حِينَ قَالَ: مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا: فَجَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَفْتَاهَا بِأَنَّهَا قَدْ حَلَّتْ بِوَضْعِ حَمْلِهَا٥.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّخْصِيصَ لا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُبَيِّنًا إذَا بَيَّنَ مَا٦ أُنْزِلَ بِآيَةٍ أُخْرَى،
стр. 1440
مُنَزَّلَةً١ كَمَا بَيَّنَ مَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ السُّنَّةِ. فَإِنَّ الْكُلَّ مُنْزَلٌ٢.
وَمِثَالُ تَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ، حَتَّى مَعَ كَوْنِهَا آحَادًا عِنْدَ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ٣ ﵃: قَوْلُهُ : ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ٤ فَإِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ ﷺ : "لا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلا عَلَى خَالَتِهَا" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ٥.
وَنَحْوُهُ تَخْصِيصُ آيَةِ السَّرِقَةِ بِمَا دُونَ النِّصَابِ٦، وَقَتْلُ الْمُشْرِكِينَ بِإِخْرَاجِ
стр. 1441
الْمَجُوسِ١، وَغَيْرُ ذَلِكَ٢.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إنْ كَانَ خُصَّ بِدَلِيلٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ جَازَ وَإِلاَّ فَلا.
وَقِيلَ: بِالْوَقْفِ.
وَقِيلَ: يَجُوزُ وَلَمْ يَقَعْ٣.
وَمِثَالُ تَخْصِيصِ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ٤: قَوْلُهُ ﷺ : "مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ
стр. 1442
مَيِّتٌ" ١ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ٢, خُصَّ بِقَوْلِهِ : ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إلَى حِينٍ﴾ ٣.
وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ أَيْضًا: قَوْلُهُ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ٤ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: "خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي ٥, قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ, وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ: جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ ٦ " فَإِنَّ ذَلِكَ يَشْمَلُ الْحُرَّ وَالْعَبْدَ بِقَوْلِهِ : ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ
стр. 1443
أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ﴾ ١.
وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ" خُصَّ بِقَوْلِهِ : ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ٢.
وَمِثَالُ تَخْصِيصِ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ. قَوْلُهُ ﷺ : "فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ" ٣ فَإِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ ﷺ : "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ" ٤ وَهُوَ كَثِيرٌ٥.
стр. 1444
وَالْمُخَالِفُ فِي تَخْصِيصِ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ دَاوُد الظَّاهِرِيُّ وَطَائِفَةٌ. فَقَالَ١: إنَّهُمَا يَتَعَارَضَانِ٢.
وَمَنْشَأُ الْخِلافِ: مَا ذَكَرْنَا٣ مِنْ أَنَّ السُّنَّةَ إنَّمَا٤ تَكُونُ مُبَيِّنَةً لا مُحْتَاجَةً لِلْبَيَانِ٥.
"وَ"يُخَصَّصُ٦ لَفْظٌ "عَامٌّ بِمَفْهُومٍ مُطْلَقًا" أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مَفْهُومُ٧ مُوَافَقَةِ٨ أَوْ مَفْهُومِ مُخَالَفَةِ٩.
فَمِثَالُ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ: قَوْلُهُ ﷺ : "لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ. وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ. قَالَ الْحَاكِمُ صَحِيحُ الإِسْنَادِ١٠.
стр. 1445
وَ " اللَّيُّ " الْمَطْلُ, وَالْمُرَادُ بِحِلِّ١ عِرْضِهِ: أَنْ يَقُولَ غَرِيمُهُ: ظَلَمَنِي٢ وَعُقُوبَتُهُ٣ الْحَبْسُ.
خُصَّ مِنْهُ الْوَالِدَانِ٤ بِمَفْهُومٍ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ٥ فَمَفْهُومُهُ: أَنَّهُ لا يُؤْذِيهِمَا بِحَبْسٍ وَلا غَيْرِهِ فَلِذَلِكَ لا يُحْبَسُ الْوَالِدُ بِدَيْنِ وَلَدِهِ، بَلْ وَلا لَهُ مُطَالَبَتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ, وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ٦.
وَمَحِلُّ هَذَا حَيْثُ لَمْ يُجْعَلْ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ, فَأَمَّا إنْ قُلْنَا: إنَّهُ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ فَيَكُونُ مُخَصَّصًا بِالْقِيَاسِ.
وَمِثَالُ التَّخْصِيصِ بِمَفْهُومِ الْمُخَالِفِ٧ -الْقَائِلِ بِهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ الصَّحِيحُ٨-
стр. 1446
قَوْلُهُ ﷺ : "إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ" رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ١.خُصَّ بِمَفْهُومِهِ٢ -وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ- عُمُومُ٣ قَوْلِهِ ﷺ : "الْمَاءُ طَهُورٌ ٤ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، إلاَّ مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ أَوْ طَعْمِهِ أَوْ لَوْنِهِ" رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ٥, فَإِنَّهُ أَعَمُّ مِنْ الْقُلَّتَيْنِ، وَمَا لَمْ يَبْلُغْهُمَا يَصِيرُ٦
стр. 1447
تَنْجِيسُ الْقُلَّتَيْنِ١ فِي الْحَدِيثِ الأَوَّلِ مَخْصُوصًا٢ بِالتَّغْيِيرِ بِالنَّجَاسَةِ، وَيَبْقَى مَا دُونَهُمَا يُنَجَّسُ بِمُجَرَّدِ الْمُلاقَاةِ فِي غَيْرِ الْمَوَاضِعِ الْمُسْتَثْنَاةِ بِدَلِيلٍ آخَرَ٣.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَالْمَالِكِيَّةُ وَابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُمْ, فَقَالُوا: لا يُخَصُّ٤ الْعُمُومُ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ٥.
"وَبِإِجْمَاعٍ" يَعْنِي أَنَّ الْعَامَّ يُخَصُّ٦ بِإِجْمَاعٍ٧ "وَالْمُرَادُ دَلِيلُهُ" أَيْ دَلِيلُ الإِجْمَاعِ، لا أَنَّ الإِجْمَاعَ نَفْسَهُ مُخَصَّصٌ؛ لأَنَّ الإِجْمَاعَ لا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ يَسْتَنِدَ٨ إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ نَعْرِفْهُ٩.
стр. 1448
وَمَثَّلُوهُ بِقَوْلِهِ : ﴿وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ ١ خُصَّ بِالإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ الْقَاذِفَ يُجْلَدُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرِّ٢، لَكِنْ قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: فِي التَّمْثِيلِ بِذَلِكَ نَظَرٌ، لاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ التَّخْصِيصُ بِالْقِيَاسِ، ثُمَّ قَالَ فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لا تَقُولُونَ٣ بِأَنَّ٤ الإِجْمَاعَ يَكُونُ نَاسِخًا، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ نَاسِخًا؟ فَجَوَابُهُ: أَنَّ سَنَدَ الإِجْمَاعِ قَدْ يَكُونُ مِمَّا لا يُنْسَخُ بِهِ, فَلَيْسَ فِي كُلِّ إجْمَاعٍ تَضَمُّنٌ لِمَا يَسُوغُ النَّسْخُ بِهِ, وَأَمَّا التَّخْصِيصُ: فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْبَيَانِ كَانَ كُلُّ دَلِيلٍ مُخَصَّصًا بِهِ. اهـ.
وَجَعَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَمْثَلِهِ الْمَسْأَلَةَ: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ ٥ خُصَّ بِالإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ عَلَى الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ٦.
"وَلَوْ عَمِلَ أَهْلُهُ" أَيْ أَهْلُ الإِجْمَاعِ "بِخِلافِ نَصٍّ خَاصٍّ" فِي مَسْأَلَةِ "تَضَمُّنِ"٧ إجْمَاعِهِمْ عَلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ دَلِيلاً "نَاسِخًا" لِذَلِكَ النَّصِّ، فَيَكُونَ الدَّلِيلُ الَّذِي تَضْمَنَّهُ الإِجْمَاعُ وَدَلَّ عَلَيْهِ٨: نَاسِخًا لِذَلِكَ النَّصِّ٩.
стр. 1449
"وَ" يُخَصَّصُ الْعَامُّ أَيْضًا " بِفِعْلِهِ ﷺ إنْ شَمِلَهُ الْعُمُومُ" عِنْدَ الأَئِمَّةِ١ الأَرْبَعَةِ, رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ٢.
وَقَدْ خَصَّ أَحْمَدُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ ٣ بِفِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٤ وَقَالَ: دَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْجِمَاعَ٥.
стр. 1450
وَقَالَ جَمْعٌ، مِنْهُمْ الْكَرْخِيُّ: لا يُخَصُّ بِهِ مُطْلَقًا١.
وَقِيلَ: إنْ فَعَلَهُ مَرَّةً فَلا تَخْصِيصَ، لاحْتِمَالِ كَوْنِهِ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ .
"وَإِنْ ثَبَتَ وُجُوبُ اتِّبَاعِهِ" ﷺ "فِيهِ" أَيْ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ "بِدَلِيلٍ خَاصٍّ فَالدَّلِيلُ نَاسِخٌ لِلْعَامِّ٢" وَقَدْ مَثَّلَ لِذَلِكَ٣ بِالنَّهْيِ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارِهَا٤، ثُمَّ جَلَسَ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ٥.
стр. 1451
فَعَلَى الْقَوْلِ١ بِأَنَّ٢ النَّهْيَ شَامِلٌ٣ لِلصَّحْرَاءِ وَالْبُنْيَانِ، فَيَحْرُمَ فِيهِمَا, وَبِهِ قَالَ جَمْعٌ، وَيَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ خُصَّ بِذَلِكَ وَخَرَجَ مِنْ عُمُومِ النَّهْيِ.
وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ ﷺ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِذَلِكَ, فَالتَّخْصِيصُ لِلْبُنْيَانِ مِنْ الْعُمُومِ سَوَاءٌ هُوَ وَالأَمَةُ فِي ذَلِكَ٤.
"وَ" يُخَصُّ٥ الْعَامُّ أَيْضًا "بِإِقْرَارِهِ" أَيْ إقْرَارِ النَّبِيِّ " ﷺ عَلَى فِعْلٍ٦" عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرِ٧
стр. 1452
"وَهُوَ" أَيْ التَّخْصِيصُ "أَقْرَبُ مِنْ نَسْخِهِ" أَيْ نَسْخِ الْحُكْمِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْعَامُّ نَسْخًا "مُطْلَقًا، أَوْ" نَسْخًا١ "عَنْ فَاعِلِهِ٢".
وَقِيلَ: نُسِخَ، إنْ نُسِخَ بِالْقِيَاسِ٣.
وَاسْتَدَلَّ لِلأَوَّلِ بِأَنَّ سُكُوتَهُ عَنْ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهِ وَإِلاَّ لَوَجَبَ إنْكَارُهُ٤.
قَالَ٥ الْمُنْكِرُونَ: التَّقْرِيرُ لا صِيغَةَ لَهُ، فَلا يُقَابِلُ الصِّيغَةَ٦.
رُدَّ بِجَوَازِهِ٧
стр. 1453
وَحَيْثُ جَازَ التَّخْصِيصُ بِالتَّقْرِيرِ، فَهَلْ الْمُخَصَّصُ١ نَفْسُ تَقْرِيرِهِ ﷺ أَوْ الْمُخَصَّصُ مَا تَضْمَنَّهُ التَّقْرِيرُ مِنْ سَبْقِ قَوْلٍ بِهِ، فَيَكُونُ مُسْتَدِلاًّ بِتَقْرِيرِهِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ خُصَّ بِقَوْلٍ سَابِقٍ، إذْ لا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا مَا فِيهِ مُخَالَفَةٌ: لِلْعَامِّ إلاَّ بِإِذْنٍ صَرِيحٍ، فَتَقْرِيرُهُ دَلِيلُ ذَلِكَ؟
فِيهِ٢ وَجْهَانِ.
قَالَ ابْنُ فُورَكٍ وَالطَّبَرِيُّ. الظَّاهِرُ الأَوَّلُ.
[وَ] يَجُوزُ تَخْصِيصُ اللَّفْظِ الْعَامِّ أَيْضًا "بِمَذْهَبِ صَحَابِيٍّ" عِنْدَ مَنْ يَقُولُ: إنَّهُ حُجَّةٌ٣.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: إذَا قُلْنَا: قَوْلُ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ. جَازَ تَخْصِيصُ الْعَامِّ بِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁. وَبِهِ قَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ٤.
стр. 1454
وَابْنُ حَزْمٍ وَعِيسَى بْنُ أَبَانَ١.
وَلِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ٢.إذَا قَالُوا بِقَوْلِهِ الْقَدِيمِ فِي كَوْنِهِ حُجَّةً٣. اهـ.
[وَبِقَضَايَا الأَعْيَانِ٤] يَعْنِي أَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ يُخَصُّ بِقَضَايَا الأَعْيَانِ، مِثَالُ ذَلِكَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ لِلرِّجَالِ٥ ثُمَّ أَذِنَ فِي لُبْسِهِ لِعَبْدِ
стр. 1455
الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَامّ١، لِقَمْلٍ كَانَ بِهِمَا٢، ٣إذْنُهُ لَهُمَا قَضِيَّةُ عَيْنٍ فَيَكُونُ الإِذْنُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ النَّهْيِ٤.
"وَ" يَجُوزُ تَخْصِيصُ اللَّفْظِ الْعَامِّ أَيْضًا "بِالْقِيَاسِ" قَطْعِيًّا كَانَ أَوْ ظَنِّيًّا٥
стр. 1456
ثُمَّ إنْ كَانَ قَطْعِيًّا خُصَّ١ بِهِ الْعَامُّ قَطْعًا, قَالَهُ الإِبْيَارِيُّ٢ فِي شَرْحِ الْبُرْهَانِ٣ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ ظَنِّيًّا, فَاَلَّذِي عَلَيْهِ الأَئِمَّةُ الأَرْبَعَةُ وَالأَشْعَرِيُّ وَالأَكْثَرُ: جَوَازُ التَّخْصِيصِ بِهِ٤.
وَعِنْدَ ابْنِ سُرَيْجٍ وَالطُّوفِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا: يُخَصَّصُ الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ دُونَ غَيْرِهِ, وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ٥.
وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ, فَقِيلَ: الْجَلِيُّ قِيَاسُ الْعِلَّةِ, وَالْخَفِيُّ٦ قِيَاسُ الشَّبَهِ٧.
стр. 1457
وَقِيلَ: الْجَلِيُّ: مَا تَبَادَرَتْ١ عِلَّتُهُ إلَى الْفَهْمِ عِنْدَ سَمَاعِ الْحُكْمِ. كَتَعْظِيمِ الأَبَوَيْنِ عِنْدَ سَمَاعِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ٢.
وَقِيلَ: الْجَلِيُّ مَا يَنْقُضُ٣ قَضَاءَ الْقَاضِي بِخِلافِهِ٤ وَالْخَفِيُّ خِلافُهُ٥.
وَقَالَ ابْنُ أَبَانَ: يُخَصُّ بِالْقِيَاسِ إنْ كَانَ الْعَامُّ مُخَصَّصًا, فَقَالَ: إنْ خُصَّ الْعَامُّ بِغَيْرِ الْقِيَاسِ, جَازَ تَخْصِيصُهُ بِالْقِيَاسِ وَإِلاَّ فَلا, وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ٦.
وَمَنَعَ قَوْمٌ التَّخْصِيصَ بِالْقِيَاسِ فِي الْقُرْآنِ خَاصَّةً, وَعُزِيَ إلَى الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَنَّ التَّخْصِيصَ عِنْدَهُمْ نَسْخٌ, وَلا يُنْسَخُ الْقُرْآنُ بِالْقِيَاسِ وَلَوْ كَانَ جَلِيًّا٧.
стр. 1458
وَاسْتَدَلَّ لِلتَّخْصِيصِ بِالْقِيَاسِ بِأَنَّ الْقِيَاسَ خَاصٌّ لا يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ, وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَهُمَا، فَقَدَّمَ التَّخْصِيصَ بِهِ١.
"وَيُصْرَفُ بِهِ" أَيْ بِالْقِيَاسِ مَعْنًى "ظَاهِرٌ غَيْرُ عَامٍّ" مِنْ أَحَدِ مَعْنَيَيْنِ يَحْتَمِلُهُمَا لَفْظٌ وَاحِدٌ، هُوَ فِي أَحَدِهِمَا٢ ظَاهِرٌ وَفِي الآخَرِ مَرْجُوحٌ "إلَى احْتِمَالٍ مَرْجُوحٍ" أَيْ إلَى الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ مَرْجُوحٌ لِكَوْنِ٣ اللَّفْظِ غَيْرَظَاهِرٍ فِيهِ لأَجْلِ مُوَافَقَتِهِ الْقِيَاسَ.
"وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَنَحْوُهَا" وَهِيَ٤ صَرْفُ الظَّاهِرِ إلَى الْمُحْتَمَلِ الْمَرْجُوحِ "ظَنِّيَّةٌ" لأَنَّ أَدِلَّتَهَا ظَنِّيَّةٌ لا قَطْعِيَّةٌ, فَتَكُونَ مِنْ ظَاهِرِ٥ بَابِ الظُّنُونِ.
وَخَالَفَ الْبَاقِلاَّنِيُّ، لِلْقَطْعِ بِالْعَمَلِ بِالظَّنِّ الرَّاجِحِ
стр. 1459
"وَفِعْلِ الْفَرِيقَيْنِ" مِنْ الصَّحَابَةِ "إذْ قَالَ" النَّبِيُّ, ﷺ لَهُمْ١ لَمَّا فَرَغَ مِنْ الأَحْزَابِ وَ٢أَمَرَهُ جِبْرِيلُ ﵊ بِالْمَسِيرِ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ: "لا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ الْعَصْرَ إلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ". يَرْجِعُ إلَى تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ وَعَدَمِهِ٣, فَإِنَّهُ ﷺ لَمَّا ذُكِرَ لَهُ: أَنَّ طَائِفَةً صَلَّتْ فِي الطَّرِيقِ فِي الْوَقْتِ، وَطَائِفَةً صَلَّتْ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ بَعْدَ الْوَقْتِ: لَمْ يَعِبْ طَائِفَةً مِنْهُمَا.
فَمَنْ أَخَّرَ الصَّلاةَ حَتَّى وَصَلَ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، أَخَذَ بِعُمُومِ قَوْلِهِ: "لا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ الْعَصْرَ إلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ".
وَمَنْ صَلَّى فِي الْوَقْتِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، أَخَذَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ: التَّأْكِيدُ فِي سُرْعَةِ الْمَسِيرِ إلَيْهِ، لا فِي تَأْخِيرِ الصَّلاةِ عَنْ وَقْتِهَا.
"وَالْمُصِيبُ" مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ "الْمُصَلِّي فِي الْوَقْتِ فِي قَوْلٍ" اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، لَكِنَّ٤ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ: التَّأَهُّبُ وَسُرْعَةُ الْمَسِيرِ، لا تَأْخِيرُ الصَّلاةِ.
وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: التَّمَسُّكُ بِالْعُمُومِ هُنَا أَرْجَحُ، وَأَنَّ الْمُؤَخِّرَ لِلصَّلاةِ حَتَّى وَصَلَ ٥بَنِي قُرَيْظَةَ هُوَ الْمُصِيبُ فِي فِعْلِهِ, وَاخْتِلافُ الْعُلَمَاءِ فِي الرَّاجِحِ مِنْ الْفِعْلَيْنِ يَدُلُّ عَلَى٦ أَنَّ كُلاًّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ فَعَلَ مَا فَعَلَهُ بِاجْتِهَادٍ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُعَنِّفْ النَّبِيُّ ﷺ طَائِفَةً مِنْهُمَا.
стр. 1460
فصل تقديم الخاص على العام مطلقا سواء كانا مقترنين أو غير مقترنين:
"إذَا وَرَدَ" عَنْ الشَّارِعِ لَفْظٌ "عَامٌّ وَ" لَفْظٌ "خَاصٌّ، قُدِّمَ الْخَاصُّ مُطْلَقًا١" أَيْ سَوَاءٌ كَانَا مُقْتَرِنَيْنِ، مِثْلَ: مَا لَوْ قَالَ فِي كَلامٍ مُتَوَاصِلٍ: اُقْتُلُوا الْكُفَّارَ وَلا تَقْتُلُوا الْيَهُودَ، أَوْ يَقُولُ: زَكُّوا الْبَقَرَ، وَلا تُزَكُّوا الْعَوَامِلَ، أَوْ كَانَا غَيْرَ مُقْتَرِنَيْنِ، سَوَاءٌ٢ كَانَ الْخَاصُّ مُتَقَدِّمًا أَوْ مُتَأَخِّرًا، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. لأَنَّ فِي تَقْدِيمِ الْخَاصِّ عَمَلاً بِكِلَيْهِمَا، بِخِلافِ الْعَكْسِ, فَكَانَ أَوْلَى٣.
وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ فِي صُورَةِ الاقْتِرَانِ تَعَارُضُ الْخَاصِّ لِمَا قَابَلَهُ مِنْ الْعَامِّ، وَلا يُخَصَّصُ بِهِ٤.
وَعَنْ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ رِوَايَةٌ فِي غَيْرِ الْمُقْتَرِنَيْنِ مُوَافَقَةٌ لِقَوْلِ أَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ: أَنَّهُ إنْ تَأَخَّرَ الْعَامُّ نُسِخَ، وَإِنْ تَأَخَّرَ الْخَاصُّ نُسِخَ مِنْ
стр. 1461
الْعَامِّ بِقَدْرِهِ, فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ: إنْ جُهِلَ التَّارِيخُ وُقِفَ الأَمْرُ حَتَّى يُعْلَمَ١.
وَجْهُ الْقَوْلِ الأَوَّلِ الَّذِي هُوَ الصَّحِيحُ’ ٢سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ ٣ خَصَّ٤ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ ٥.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: عَلَى هَذَا عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ، وَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ. مِنْهُمْ: عُثْمَانُ وَطَلْحَةُ٦ وَحُذَيْفَةُ وَجَابِرٌ
стр. 1462
وَابْنُ عَبَّاسٍ١.
وَأَيْضًا: الْخَاصُّ قَاطِعٌ أَوْ أَشَدُّ تَصْرِيحًا، وَأَقَلُّ احْتِمَالاً، وَلأَنَّهُ لا فَرْقَ لُغَةً بَيْنَ تَقْدِيمِ الْخَاصِّ وَتَأْخِيرِهِ٢.
"وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا" أَيْ مِنْ اللَّفْظَيْنِ الْوَارِدَيْنِ "عَامًّا مِنْ وَجْهٍ. خَاصًّا مِنْ وَجْهٍ" آخَرَ٣.
مِثَالُهُ قَوْلُهُ ﷺ : "مَنْ نَامَ عَنْ صَلاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا" ٤ مَعَ قَوْلِهِ ﷺ : "لا صَلاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ" ٥
стр. 1463
فَالأَوَّلُ: خَاصٌّ فِي الصَّلاةِ الْمَكْتُوبَةِ الْفَائِتَةِ، عَامٌّ فِي الْوَقْتِ، وَالثَّانِي: عَامٌّ فِي الْمَكْتُوبَةِ وَالنَّافِلَةِ، خَاصٌّ فِي الْوَقْتِ١.
وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ ﷺ : "مَنْ بَدَّلَ دَيْنَهُ فَاقْتُلُوهُ" مَعَ قَوْلِهِ ﷺ : "نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ" ٢.
فَالأَوَّلُ عَامٌّ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، خَاصٌّ فِي الْمُرْتَدِّينَ. وَالثَّانِي: خَاصٌّ فِي النِّسَاءِ، عَامٌّ فِي الْحَرْبِيَّاتِ وَالْمُرْتَدَّاتِ٣.
إذَا عُلِمَ ذَلِكَ: فَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا إذَا وَرَدَا "تَعَارَضَا" لِعَدَمِ أَوْلَوِيَّةِ أَحَدِهِمَا بِالْعَمَلِ بِهِ دُونَ الآخَرِ "وَطُلِبَ الْمُرَجِّحُ" مِنْ خَارِجٍ٤.
وَقَدْ تَرَجَّحَ قَوْلُهُ: "مَنْ بَدَّلَ دَيْنَهُ فَاقْتُلُوهُ" عَلَى اخْتِصَاصِ الثَّانِي، وَهُوَ قَوْلُهُ: "نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ" بِسَبَبِهِ النَّاشِئِ عَنْ قَتْلِ الْحَرْبِيَّاتِ٥.
وَقِيلَ: الْمُتَأَخِّرُ مِنْهُمَا نَاسِخٌ. وَحُكِيَ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ٦.
стр. 1464
"وَإِذَا وَافَقَ خَاصٌّ عَامًّا ١" بِأَنْ. يَرِدْ٢ لَفْظٌ عَامٌّ، وَيَأْتِي لَفْظٌ خَاصٌّ، هُوَ٣ بَعْضٌ لِذَلِكَ٤ الْعَامِّ وَدَاخِلٌ فِيهِ، نَحْوُ قَوْلِهِ ﷺ فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ: "دِبَاغُهَا طُهُورُهَا" ٥ فَهَذَا خَاصٌّ وَهُوَ بَعْضُ أَفْرَادِ الْعَامِّ٦ "لَمْ يُخَصِّصْهُ" أَيْ لَمْ يُخَصِّصْ الْخَاصُّ الْعَامَّ لِمُوَافَقَتِهِ لَهُ٧.
وَقِيلَ: بَلَى٨،
стр. 1465
اسْتَدَلَّ لِلأَوَّلِ بِأَنَّهُ لا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا فَيُعْمَلَ بِهِمَا١.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ٢ ذَلِكَ أَيْضًا٣: قَوْله تَعَالَى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ ٤ فَذِكْرُهُ٥ بَعْدَهُ لَيْسَ تَخْصِيصًا لِلأَوَّلِ بِإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، بَلْ اهْتِمَامًا بِهَذَا النَّوْعِ، فَإِنَّ عَادَةَ الْعَرَبِ ٦إذَا اهْتَمَّتْ بِبَعْضِ أَنْوَاعِ الْعَامِّ خَصَّصَتْهُ بِالذِّكْرِ، إبْعَادًا لَهُ عَنْ الْمَجَازِ وَالتَّخْصِيصِ بِذَلِكَ النَّوْعِ٧.
وَكَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ ٨ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ ٩.
وَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فِيهَا ١٠ فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ ١١ لأَنَّ فَاكِهَةً مُطْلَقٌ١٢
" وَلا تَخُصُّ١٣ عَادَةٌ عُمُومًا، وَلا تُقَيِّدُ" الْعَادَةُ "مُطْلَقًا" نَحْوُ:
стр. 1466
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ١ الرِّبَا فِي الطَّعَامِ وَعَادَتُهُمْ الْبُرُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالشَّافِعِيَّةِ٢، خِلافًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ٣, وَلِهَذَا لا نَقْضَ بِنَادِرٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ, قَصْرًا لِلْغَائِطِ عَلَى الْمُعْتَادِ, وَذَكَرَهُ٤ الْقَاضِيَ فِي مَوَاضِعَ.
وَجْهُ الأَوَّلِ: الْعُمُومُ لُغَةً وَعُرْفًا، وَالأَصْلُ عَدَمُ مُخَصَّصٍ٥.
وَفِي شَرْحِ الْعُنْوَانِ لابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّ الصَّوَابَ التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْعَادَةِ الرَّاجِعَةِ إلَى الْفِعْلِ، وَالرَّاجِعَةِ إلَى الْقَوْلِ، فَيُخَصَّصُ بِالثَّانِيَةِ الْعُمُومُ لِسَبْقِ الذِّهْنِ عِنْدَ الإِطْلاقِ إلَيْهِ دُونَ الأُولَى، أَيْ٦ إذَا تَقَدَّمَتْ أَوْ تَأَخَّرَتْ، وَ٧لَكِنْ لَمْ
стр. 1467
يُقَرِّرْهَا١ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٢.
"وَلا يُخَصُّ عَامٌّ بِمَقْصُودِهِ" عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرِ، خِلافًا لِعَبْدِ الْوَهَّابِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ٣
وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: الْمُتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ مِنْ٤ لَمْسِ النِّسَاءِ مَا يُقْصَدُ مِنْهُنَّ غَالِبًا مِنْ الشَّهْوَةِ، ثُمَّ لَوْ عَمَّتْ خُصَّتْ٥ بِهِ, وَخَصَّهُ حَفِيدُهُ أَيْضًا بِالْمَقْصُودِ٦.
"وَلا" يُخَصُّ عَامٌّ "بِرُجُوعِ ضَمِيرٍ إلَى بَعْضِهِ" أَيْ بَعْضِ الْعَامِّ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَالشَّافِعِيَّةِ٧.
وَعَنْهُ ٨: بَلْ٩ كَأَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ١٠.
стр. 1468
وَقِيلَ: بِالْوَقْفِ١.
مِثَالُ ذَلِكَ: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ٢ ثُمَّ قَالَ ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ٣﴾ ٤ فَإِنَّ الْمُطَلَّقَاتِ يَعُمُّ الْبَوَائِنَ وَالرَّجْعِيَّاتِ وَالضَّمِيرُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ عَائِدٌ إلَى الرَّجْعِيَّاتِ؛ لأَنَّ الْبَائِنَ لا يَمْلِكُ الزَّوْجُ رَدَّهَا٥.
وَلَوْ وَرَدَ بَعْدَ٦ الْعَامِّ حُكْمٌ لا يَأْتِي إلاَّ فِي بَعْضِ أَفْرَادِهِ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الضَّمِيرِ, صَرَّحَ بِهِ الرَّازِيّ وَغَيْرُهُ٧
стр. 1469
وَمِثْلُهُ الرَّازِيّ بِقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ ١ ثُمَّ قَالَ: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ ٢ يَعْنِي الرَّغْبَةَ فِي مُرَاجَعَتِهِنَّ، وَالْمُرَاجَعَةُ لا تَأْتِي فِي الْبَائِنِ٣.
وَجْهُ الأَوَّلِ: أَنَّ الْمَظْهَرَ عَامٌّ، وَالأَصْلَ بَقَاؤُهُ, فَلا يَلْزَمُ مِنْ تَخْصِيصِ الْمُضْمَرِ تَخْصِيصُهُ٤.
قَالُوا: يَلْزَمُ وَإِلاَّ لَمْ يُطَابِقْهُ٥.
رُدَّ، لا يَلْزَمُ كَرُجُوعِهِ مَظْهَرًا٦, وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1470
باب المطلق:
"الْمُطْلَقِ" مَأْخُوذٌ مِنْ مَادَّةٍ تَدُورُ عَلَى مَعْنَى الانْفِكَاكِ مِنْ الْقَيْدِ١، فَلِذَلِكَ قُلْنَا: هُوَ [مَا تَنَاوَلَ وَاحِدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ بِاعْتِبَارِ حَقِيقَةٍ شَامِلَةٍ لِجِنْسِهِ] .
فَخَرَجَ بِقَوْلِنَا "مَا تَنَاوَلَ وَاحِدًا" أَلْفَاظُ الأَعْدَادِ الْمُتَنَاوِلَةُ لأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ.
وَخَرَجَ بِ "غَيْرَ مُعَيَّنٍ" الْمَعَارِفُ كَزَيْدٍ وَنَحْوِهِ.
وَبِبَاقِي٢ الْحَدِّ: الْمُشْتَرَكُ وَالْوَاجِبُ الْمُخَيَّرُ، فَإِنَّ كُلاًّ مِنْهُمَا يَتَنَاوَلُ وَاحِدًا لا بِعَيْنِهِ لا بِاعْتِبَارِ حَقَائِقَ مُخْتَلِفَةٍ.
وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ٣ وَقَوْلُهُ ﷺ : "لا نِكَاحَ إلاَّ بِوَلِيٍّ" ٤ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ لَفْظِ "الرَّقَبَةِ" وَ "الْوَلِيِّ" قَدْ يَتَنَاوَلُ وَاحِدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ مِنْ جِنْسِ الرِّقَابِ٥ وَالأَوْلِيَاءِ.
وَفِيهِ حُدُودٌ غَيْرُ ذَلِكَ، قَلَّ أَنْ يَسْلَمَ مِنْهَا حَدٌّ٦
стр. 1471
"وَ" يُقَابِلُ الْمُطْلَقَ "الْمُقَيَّدُ" وَهُوَ "مَا تَنَاوَلَ مُعَيَّنًا أَوْ مَوْصُوفًا بِزَائِدٍ١" أَيْ٢ بِوَصْفٍ زَائِدٍ "عَلَى حَقِيقَةِ جِنْسِهِ"٣ نَحْوُ " شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ وَ "٤ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ٥ وَهَذَا الرَّجُلُ.
وَتَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُهُ فِي تَقْيِيدِهِ بِاعْتِبَارِ قِلَّةِ الْقُيُودِ وَكَثْرَتِهَا، فَمَا كَثُرَتْ فِيهِ قُيُودُهُ كَقَوْله تَعَالَى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ﴾ ٦ الآيَةَ٧أَعْلَى رُتْبَةً مِمَّا قُيُودُهُ أَقَلُّ.
"وَقَدْ يَجْتَمِعَانِ" أَيْ الإِطْلاقُ وَالتَّقْيِيدُ "فِي لَفْظٍ" وَاحِدٍ "بِا" عْتِبَارِ "الْجِهَتَيْنِ" فَيَكُونَ اللَّفْظُ مُقَيَّدًا مِنْ وَجْهٍ مُطْلَقًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ٨.
نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ٩ قُيِّدَتْ الرَّقَبَةُ١٠ مِنْ حَيْثُ الدِّينُ وَالإِيمَانُ١١ فَتَتَعَيَّنُ١٢ الْمُؤْمِنَةُ لِلْكَفَّارَةِ، وَأُطْلِقَتْ مِنْ حَيْثُ مَا سِوَى الإِيمَانِ مِنْ
стр. 1472
الأَوْصَافِ، كَكَمَالِ الْخِلْقَةِ وَالطُّولِ وَالْبَيَاضِ وَأَضْدَادِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ, فَالآيَةُ مُطْلَقَةٌ فِي كُلِّ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَفِي كُلِّ كَفَّارَةٍ مُجْزِئَةٍ, مُقَيَّدَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مُطْلَقِ١ الرِّقَابِ وَمُطْلَقِ الْكَفَّارَاتِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الإِطْلاقَ وَالتَّقْيِيدَ تَارَةً يَكُونَانِ فِي الأَمْرِ، كَأَعْتِقْ رَقَبَةً وَأَعْتِقْ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، وَتَارَةً فِي الْخَبَرِ، كَـ "لا نِكَاحَ إلاَّ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ" ٢، وَ "لا نِكَاحَ إلاَّ بِوَلِيٍّ مرشد ٣ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ ٤ ".
قَالَ الطُّوفِيُّ: وَهُمَا فِي الأَلْفَاظِ مُسْتَعَارَانِ مِنْهُمَا فِي الأَشْخَاصِ, يُقَالُ: رَجُلٌ أَوْ حَيَوَانٌ مُطْلَقٌ: إذَا خَلا عَنْ قَيْدٍ أَوْ عِقَالٍ، وَمُقَيَّدٌ إذَا كَانَ فِي رِجْلِهِ قَيْدٌ أَوْ عِقَالٌ أَوْ شِكَالٌ وَنَحْوُهُ مِنْ مَوَانِعِ الْحَيَوَانِ مِنْ الْحَرَكَةِ الطَّبِيعِيَّةِ الاخْتِيَارِيَّةِ.
فَإِذَا قُلْنَا: أَعْتِقْ رَقَبَةً فَهَذِهِ الرَّقَبَةُ شَائِعَةٌ فِي جِنْسِهَا شُيُوعُ الْحَيَوَانِ الْمُطْلَقِ بِحَرَكَتِهِ الاخْتِيَارِيَّةِ بَيْنَ جِنْسِهِ, وَإِذَا قُلْنَا: أَعْتِقْ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، كَانَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ لَهَا كَالْقَيْدِ الْمُمَيِّزِ لِلْحَيَوَانِ الْمُقَيَّدِ مِنْ بَيْنِ أَفْرَادِ جِنْسِهِ، وَمَانِعَةً لَهَا مِنْ الشُّيُوعِ, كَالْقَيْدِ الْمَانِعِ لِلْحَيَوَانِ مِنْ الشُّيُوعِ بالْحَرَكَةِ ٥فِي جِنْسِهِ.
وَهُمَا أَمْرَانِ نِسْبِيَّانِ بِاعْتِبَارِ الطَّرَفَيْنِ، فَمُطْلَقٌ لا مُطْلَقَ بَعْدَهُ كَمَعْلُومٍ،
стр. 1473
وَمُقَيَّدٌ لا مُقَيَّدَ بَعْدَهُ كَزَيْدٍ, وَبَيْنَهُمَا وَسَائِطُ تَكُونُ مِنْ الْمُقَيَّدِ بِاعْتِبَارِ مَا قَبْلُ، وَمِنْ الْمُطْلَقِ بِاعْتِبَارِ مَا بَعْدُ، كَجِسْمٍ وَحَيَوَانٍ وَإِنْسَانٍ١.
قَالَ الْهِنْدِيُّ: فَالْمُطْلَقُ الْحَقِيقِيُّ: مَا دَلَّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ فَقَطْ وَالإِضَافِيُّ مُخْتَلِفٌ٢.
"وَهُمَا" أَيْ الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ "كَعَامٍّ وَخَاصٍّ" فِيمَا ذُكِرَ مِنْ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ مِنْ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ وَمُخْتَلَفٍ فِيهِ وَمُخْتَارٍ مِنْ الْخِلافِ.
فَيَجُوزُ تَقْيِيدُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ وَبِالسُّنَّةِ، وَتَقْيِيدُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ وَبِالْكِتَابِ، وَتَقْيِيدُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِالْقِيَاسِ, وَمَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ وَالْمُخَالَفَةِ وَفِعْلُ٣ النَّبِيِّ ﷺ وَتَقْرِيرُهُ، وَمَذْهَبُ الصَّحَابِيِّ وَنَحْوُ ذَلِكَ، عَلَى الأَصَحِّ فِي الْجَمِيعِ٤.
"لَكِنْ" بَيْنَهُمَا فَرْقٌ٥ مِنْ وُجُوهٍ:
فَمِنْ٦ ذَلِكَ: "إنْ وَرَدَا" أَيْ الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ "وَاخْتَلَفَ٧ حُكْمُهُمَا" أَيْ حُكْمُ٨ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ "فَلا حَمْلَ مُطْلَقًا" أَيْ سَوَاءٌ اتَّفَقَ السَّبَبُ أَوْ اخْتَلَفَ٩.
стр. 1474
مِثَالُ اتِّفَاقِهِ: التَّتَابُعُ فِي صِيَامِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ١.فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ٢, وَإِطْلاقِ الإِطْعَامِ فِيهَا.
وَمِثَالُ اخْتِلافِ السَّبَبِ: الأَمْرُ بِالتَّتَابُعِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ. وَإِطْلاقُ الإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ.
"وَإِلاَّ" أَيْ وَإِنْ لَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، فَتَارَةً يَتَّحِدُ سَبَبُهُمَا وَتَارَةً يَخْتَلِفُ:
"فَإِنْ اتَّحَدَ سَبَبُهُمَا" أَيْ سَبَبُ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ وَ٣مَعَ اتِّحَادِ سَبَبِهِمَا: تَارَةً يَكُونَانِ مُثْبَتَيْنِ، وَتَارَةً يَكُونَانِ نَهْيَيْنِ، وَتَارَةً يَكُونُ أَحَدُهُمَا أَمْرًا وَالآخَرُ نَهْيًا.
"فَإِنْ كَانَا مُثْبَتَيْنِ" أَوْ٤ فِي مَعْنَى الْمُثْبَتِ, كَالأَمْرِ كَأَعْتِقْ فِي الظِّهَارِ رَقَبَةً، ثُمَّ قَالَ: أَعْتِقْ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، حُمِلَ مِنْهُمَا مُطْلَقٌ وَلَوْ تَوَاتُرًا عَلَى مُقَيَّدٍ وَلَوْ آحَادًا" عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ٥
стр. 1475
وَغَيْرِهِمْ١, وَذَكَرَهُ الْمَجْدُ إجْمَاعًا٢.
وَحُكِيَ فِيهِ خِلافٌ عَنْ٣ الْحَنَفِيَّةِ٤ وَالْمَالِكِيَّةِ٥.
وَقِيلَ لِلْقَاضِي أَبِي يَعْلَى فِي تَعْلِيقِهِ: فِي خَبَرِ ابْنِ عُمَرَ "أَمَرَ الْمُحْرِمَ بِقَطْعِ الْخُفِّ"٦ وَأَطْلَقَ فِي خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ٧، فَيُحْمَلَ عَلَيْهِ؟
следующие страницы →