← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12019

شرح الكوكب المنير = شرح مختصر التحرير

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (2 398 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ بِالْمِلْكِ١. قَالَ الرَّازِيّ٢: وَالْحَقُّ أَنَّهُ لا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِالصِّفَاتِ الْمُقَدَّرَةِ، خِلافًا ٣ لِلْفُقَهَاءِ الْبَصْرِيِّينَ. قَالَ صَاحِبُ تَنْقِيحِ الْمَحْصُولِ: أَنْكَرَ الإِمَامُ وَجَمْعٌ تَصْوِيرَ التَّقْدِيرِ فِي الشَّرْعِ، فَضْلاً عَنْ التَّعْلِيلِ بِهِ٤. قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ٥: قُلْت: الْفُرُوعُ الْفِقْهِيَّةُ كَثِيرَةٌ بِالتَّعْلِيلِ٦ بِالأُمُورِ التَّقْدِيرِيَّةِ، لا يَكَادُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ خِلافٌ، وَكَأَنَّهَا٧ عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ التَّحْقِيقِيَّاتِ. أَلا تَرَى أَنَّ الْحَدَثَ عِنْدَهُمْ وَصْفٌ وُجُودِيٌّ مُقَدَّرٌ قِيَامُهُ٨ ٩بِالأَعْضَاءِ يَرْفَعُهُ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ، وَلا يَرْفَعُهُ التَّيَمُّمُ وَنَحْوُ ذَلِكَ٩!!

стр. 1752

١"وَقَدْ تَكُونُ" الْعِلَّةُ "حُكْمًا شَرْعِيًّا" عِنْدَ الأَكْثَرِ٢. وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ٣ أَصْحَابِنَا، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ أَمَارَةٌ. وَالْعِلَّةُ الَّتِي يُحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِهَا فِي الأَصْلِ الْمُتَعَدِّيَةُ إلَى الْفَرْعِ. وَأَيْضًا قَدْ يَدُورُ حُكْمٌ مَعَ حُكْمٍ، وَالدَّوَرَانُ عِلَّةٌ كَمَا يَأْتِي. وَمَنَعَهُ آخَرُونَ. قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: اخْتَلَفُوا فِي تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، كَقَوْلِنَا: مَنْ صَحَّ طَلاقُهُ صَحَّ ظِهَارُهُ عَلَى أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: الْجَوَازُ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا، ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَطَائِفَةٌ مِنْ الأُصُولِيِّينَ. وَقِيلَ: لا يَجُوزُ، وَ٤يُعْزَى إلَى بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَابْنِ عَقِيلٍ وَابْنِ الْمُنَى.

стр. 1753

وَقِيلَ: يَجُوزُ كَوْنُهُ عِلَّةً، بِمَعْنَى الأَمَارَةِ، لا فِي أَصْلِ الْقِيَاسِ؛ لأَنَّ الْعِلَّةَ فِيهِ تَكُونُ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ، لا بِمَعْنَى الأَمَارَةِ. اهـ "وَتَكُونُ١ صِفَةُ الاتِّفَاقِ" فِي مَسْأَلَةٍ "وَ" صِفَةُ "الاخْتِلافِ" فِي أُخْرَى "عِلَّةً" لِلْحُكْمِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرِ٢، كَالإِجْمَاعِ حَادِثٌ، وَهُوَ دَلِيلٌ، وَالاخْتِلافُ يَتَضَمَّنُ خِفَّةَ حُكْمِهِ، وَعَكْسُهُ الاتِّفَاقُ، كَقَوْلِنَا فِي٣ الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الظِّبَاءِ وَالْغَنَمِ: مُتَوَلِّدٌ مِنْ٤ أَصْلَيْنِ يُزَكَّى أَحَدُهُمَا إجْمَاعًا، فَوَجَبَ فِيهِ، كَمُتَوَلِّدٍ بَيْنَ سَائِمَةٍ وَمَعْلُوفَةٍ. وَقَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْكَلْبِ: مُخْتَلَفٌ فِي حِلِّ لَحْمِهِ، فَلَمْ يَجِبْ فِي وُلُوغِهِ عَدَدٌ كَالسَّبُعِ. وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ لِحُدُوثِهَا بَعْدَ الأَحْكَامِ. وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ ضِمْنَ مَسْأَلَةِ النَّبِيذِ لَنَا "وَيَتَعَدَّدُ الْوَصْفُ وَيَقَعُ" يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِالْوَصْفِ الْمُتَعَدِّدِ ٥عِنْدَنَا وَعِنْدَ الأَكْثَرِ٦، وَيُسَمَّى الْوَصْفَ الْمُرَكَّبَ؛ لأَنَّ

стр. 1754

الَّذِي يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْعِلَّةِ الْمُفْرَدَةِ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْعِلَّةِ١ الْمُرَكَّبَةِ، فَهُمَا سَوَاءٌ. وَذَلِكَ كَمَا نَقُولُ٢ فِي قِصَاصِ النَّفْسِ: قَتْلٌ مَحْضٌ عُدْوَانٌ. وَقِيلَ: لا؛ لأَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْمُرَكَّبِ يُؤَدِّي إلَى مُحَالٍ. فَإِنَّهُ بِانْتِفَاءِ جُزْءٍ مِنْهُ تَنْتَفِي عِلِّيَّتُهُ، فَبِانْتِفَاءِ٣ آخَرَ يَلْزَمُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ؛ لأَنَّ انْتِفَاءَ الْجُزْءِ عِلَّةٌ لِعَدَمِ الْعِلِّيَّةِ٤. رُدَّ لا نُسَلِّمُ أَنَّهُ عِلَّةٌ، وَإِنَّمَا هُوَ عَدَمُ شَرْطٍ، فَإِنَّ كُلَّ جُزْءٍ شَرْطٌ لِلْعِلِّيَّةِ٥. وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ عِلَّةٌ، فَحَيْثُ لَمْ يَسْبِقْهُ غَيْرُهُ إلَى انْتِفَاءِ ٦جُزْءٍ آخَرَ، كَمَا فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ٧. "وَمَا حَكَمَ بِهِ الشَّارِعُ مُطْلَقًا، أَوْ فِي عَيْنٍ، أَوْ فَعَلَهُ" الشَّارِعُ "أَوْ أَقَرَّهُ" أَيْ أَقَرَّ الشَّارِعُ غَيْرَهُ عَلَى فِعْلِهِ "لا يُعَلَّلُ بِمُخْتَصَّةٍ" أَيْ

стр. 1755

بِعِلَّةٍ مُخْتَصَّةٍ "بِذَلِكَ الْوَقْتِ؛ بِحَيْثُ يَزُولُ الْحُكْمُ مُطْلَقًا" بِزَوَالِهَا١. "وَقَدْ تَزُولُ الْعِلَّةُ وَيَبْقَى الْحُكْمُ كَالرَّمَلِ"٢ قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا - وَعَنَى بِهِ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ - مَا حَكَمَ بِهِ الشَّارِعُ مُطْلَقًا، أَوْ فِي عَيْنٍ، أَوْ فَعَلَهُ، أَوْ أَقَرَّهُ: هَلْ يَجُوزُ تَعْلِيلُهُ بِعِلَّةٍ مُخْتَصَّةٍ بِذَلِكَ الْوَقْتِ، بِحَيْثُ يَزُولُ الْحُكْمُ مُطْلَقًا؟ جَوَّزَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ. ذَكَرَهُ فِي مَسْأَلَةِ التَّحْلِيلِ، وَذَكَرَهُ الْمَالِكِيَّةُ فِي حُكْمِهِ بِتَضْعِيفِ الْغُرْمِ عَلَى سَارِقِ الثَّمَرِ٣ الْمُعَلَّقِ، وَالضَّالَّةِ الْمَكْتُومَةِ٤، وَمَانِعِ الزَّكَاةِ، وَتَحْرِيقِ مَتَاعِ الْغَالِّ وَهُوَ شُبْهَتُهُمْ أَنَّ٥ حُكْمَ الْمُؤَلَّفَةِ انْقَطَعَ. وَمَنَعَهُ أَصْحَابُنَا وَالشَّافِعِيَّةُ.

стр. 1756

ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ - يَعْنِي بِهِ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ أَيْضًا - قَدْ تَزُولُ الْعِلَّةُ وَيَبْقَى الْحُكْمُ، كَالرَّمَلِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: النُّطْقُ حُكْمٌ مُطْلَقٌ، وَإِنْ كَانَ سَبَبُهُ خَاصًّا١ فَقَدْ٢ ثَبَتَتْ٣ الْعِلَّةُ مُطْلَقًا. وَهَذَانِ جَوَابَانِ لا حَاجَةَ إلَيْهِمَا. وَاحْتُجَّ بِأَنَّ هَذَا رَأْيٌ مُجَرَّدٌ، وَبِتَمَسُّكِ الصَّحَابَةِ بِـ"نَهْيِهِ عَنْ ادِّخَارِ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ " فِي الْعَامِ الْقَابِلِ٤. وَمُرَادُهُ: أَنَّهُ صَحَّ٥ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَقَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ٦، وَقَوْلِ جَابِرٍ "كُنَّا لا نَأْكُلُ، فَرَخَّصَ

стр. 1757

لَنَا"١. "وَتَعْلِيلُهُ" أَيْ الْحُكْمِ "بِعِلَّةٍ زَالَتْ. وَإِذَا عَادَتْ" الْعِلَّةُ عَادَ الْحُكْمُ "فِيهِ نَظَرٌ" "وَعَكْسُهُ" أَيْ عَكْسُ مَا تَقَدَّمَ تَعْلِيلُ حُكْمٍ نَاسِخٍ بِمُخْتَصَّةٍ أَيْ بِعِلَّةٍ مُخْتَصَّةٍ بِذَلِكَ الزَّمَنِ، بِحَيْثُ إذَا زَالَتْ ٢تِلْكَ الْعِلَّةُ "زَالَ" الْحُكْمُ. قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: وَالْحُكْمُ هُنَا أَقْسَامٌ: أَعْلاهَا: أَنْ يَكُونَ٣ بِخِطَابٍ مُطْلَقٍ٤. الثَّانِي: أَنْ يَثْبُتُ فِي أَعْيَانٍ. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ فِعْلاً أَوْ إقْرَارًا.

стр. 1758

فَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ١ مُطْلَقًا، فَهَلْ يَجُوزُ تَعْلِيلُهُ بِعِلَّةٍ قَدْ زَالَتْ؟ لَكِنْ إذَا عَادَتْ يَعُودُ. فَهَذَا أَخَفُّ٢ مِنْ الأَوَّلِ، وَفِيهِ نَظَرٌ. قُلْت: نَظِيرُهُ٣ قَوْلُ مَنْ قَالَ٤ بِانْقِطَاعِ نَصِيبِ الْمُؤَلَّفَةِ عِنْدَ عَدَمِ الاحْتِيَاجِ إلَيْهِ. فَإِنْ وُجِدَتْ الْحَاجَةُ إلَى التَّأْلِيفِ عَادَ جَوَازُ الدَّفْعِ لِعَوْدِ الْعِلَّةِ. اهـ. أَمَّا تَعْلِيلُهُ بِعِلَّةٍ زَالَتْ، لَكِنْ إذَا عَادَتْ فَفِيهِ نَظَرٌ! وَعَكْسُهُ: تَعْلِيلُ النَّاسِخِ بِعِلَّةٍ مُخْتَصَّةٍ بِذَلِكَ الزَّمَنِ، بِحَيْثُ إذَا زَالَتْ زَالَ، وَيَقَعُ الْفُقَهَاءُ فِيهِ كَثِيرًا. "وَوُقُوعُهُ" أَيْ وُقُوعُ هَذَا التَّعْلِيلِ "فِي خِطَابٍ عَامٍّ فِيهِ نَظَرٌ"! وَفِي وَاضِحِ ابْنِ عَقِيلٍ: أَلْحَقَ الْحَنَفِيَّةُ النَّسْخَ بِزَوَالِ الْعِلَّةِ، كَالْخَمْرِ حُرِّمَتْ أَوَّلاً وَأَلِفُوا٥ شُرْبَهَا، فَنُهِيَ عَنْ تَخْلِيلِهَا٦ تَغْلِيظًا، وَزَالَتْ بِاعْتِيَادِ التَّرْكِ، فَزَالَ الْحُكْمُ، ثُمَّ أَبْطَلَهُ بِأَنَّهُ٧ نَسْخٌ بِالاحْتِمَالِ كَمَنْعِهِ فِي حَدٍّ وَفِسْقٍ وَنَجَاسَتِهَا.

стр. 1759

" فَصْلٌ" "لا يُشْتَرَطُ الْقَطْعُ بِحُكْمِ الأَصْلِ " يَعْنِي أَنَّهُ لا يُشْتَرَطُ فِي الْعِلَّةِ، وَلَوْ كَانَتْ مُسْتَنْبَطَةً: أَنْ تَكُونَ مِنْ أَصْلٍ مَقْطُوعٍ بِحُكْمِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، إذْ يَجُوزُ الْقِيَاسُ عَلَى مَا ثَبَتَ حُكْمُهُ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالْعُمُومِ وَالْمَفْهُومِ وَغَيْرِهَا؛ لأَنَّهُ غَايَةُ الاجْتِهَادِ فِيمَا يُقْصَدُ بِهِ الْعَمَلُ١. وَاشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ: أَنْ تَكُونَ مِنْ أَصْلٍ مَقْطُوعٍ بِحُكْمِهِ. "وَلا" يُشْتَرَطُ أَيْضًا الْقَطْعُ "بِوُجُودِهَا" أَيْ وُجُودِ الْعِلَّةِ "فِي الْفَرْعِ" عَلَى الصَّحِيحِ٢؛ لأَنَّ الْقِيَاسَ إذَا كَانَ ظَنِّيًّا، فَلا يَضُرُّ كَوْنُ مُقَدِّمَاتِهِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهَا ظَنِّيًّا.

стр. 1760

وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ. "وَلا" يُشْتَرَطُ فِيهَا أَيْضًا "انْتِفَاءُ مُخَالَفَةِ مَذْهَبِ صَحَابِيٍّ إنْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً" عَلَى الصَّحِيحِ١. وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ حُجَّةٌ، فَيُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ. وَاشْتَرَطَهُ بَعْضُهُمْ. "وَلا" يُشْتَرَطُ أَيْضًا لِصِحَّةِ الْعِلَّةِ "النَّصُّ عَلَيْهَا أَوْ الإِجْمَاعُ عَلَى تَعْلِيلِهِ" أَيْ تَعْلِيلِ حُكْمِ الأَصْلِ. الصَّحِيحِ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: أَنَّهُ لا يُشْتَرَطُ أَنْ يَرِدَ نَصٌّ دَالٌّ عَلَى عَيْنِ٢ تِلْكَ الْعِلَّةِ، وَلا الاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الأَصْلِ مُعَلَّلٌ٣. وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ بِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ٤، فَاشْتَرَطَ أَحَدَهُمَا. عَلَى

стр. 1761

ظَاهِرِ كَلامِهِ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ١. وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الرَّازِيّ فِي الْمَحْصُولِ عَنْ بِشْرٍ: اشْتِرَاطُ الأَمْرَيْنِ مَعًا٢. "وَإِذَا كَانَتْ عِلَّةُ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ وُجُودَ مَانِعٍ" كَالأُبُوَّةِ فِي الْقِصَاصِ "أَوْ عَدَمَ شَرْطٍ" كَعَدَمِ الرَّجْمِ بِعَدَمِ٣ الإِحْصَانِ "لَزِمَ وُجُودُ الْمُقْتَضِي" مِثْلُ بَيْعِ مَنْ أَهْلُهُ فِي مَحَلِّهِ عِنْدَ الأَكْثَرِ٤. قَالَ الآمِدِيُّ: لأَنَّ٥ الْحُكْمَ شُرِعَ لِمَصْلَحَةِ الْخَلْقِ، فَمَا٦

стр. 1762

لا فَائِدَةَ فِيهِ لَمْ يُشْرَعْ، فَانْتَفَى لِنَفْيِ فَائِدَتِهِ١. وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الرَّازِيّ٢ وَأَتْبَاعُهُ٣ "وَيَصِحُّ كَوْنُ الْعِلَّةِ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ" نَحْوَ: يَصِحُّ رَهْنُ٤ مُشَاعٍ٥، كَرَهْنِهِ مِنْ شَرِيكِهِ. وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ. حَكَى ابْنُ عَقِيلٍ الْقَوْلَيْنِ، وَقَالَ عَنْ الأَوَّلِ: إنَّهُ أَصَحُّ، وَإِنَّ بَعْضَهُمْ صَحَّحَهُ أَيْضًا. "وَحُكْمُ الأَصْلِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ لا بِهَا" أَيْ لا٦ بِالْعِلَّةِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ٧.

стр. 1763

قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: لأَنَّهُ قَدْ يَثْبُتُ١ تَعَبُّدًا. فَلَوْ ثَبَتَ بِالْعِلَّةِ لَمْ يَثْبُتْ مَعَ عَدَمِهَا؛ وَلأَنَّهَا مَظْنُونَةٌ٢، وَفَرَّعَ عَلَيْهِ، وَمُرَادُهُمْ٣: أَنَّهُ مُعَرِّفٌ لَهُ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: بِالْعِلَّةِ. وَمُرَادُهُمْ الْبَاعِثَةُ عَلَيْه. فَالْخِلافُ لَفْظِيٌّ٤ اهـ.

стр. 1764

فصل شروط الفرع ... "فصل" لَمَّا فَرَغَ مِنْ تَعْرِيفِ حُكْمِ الأَصْلِ وَشُرُوطِهِ، وَتَعْرِيفِ الْعِلَّةِ وَشُرُوطِهَا، وَتَعْرِيفِ الْفَرْعِ شَرَعَ فِي ذِكْرِ شُرُوطِهِ، فَقَالَ: "شَرْطُ فَرْعٍ: أَنْ تُوجَدَ" الْعِلَّةُ "فِيهِ" أَيْ فِي الْفَرْعِ "بِتَمَامِهَا" أَيْ الْعِلَّةِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ ذَاتَ أَجْزَاءٍ، فَلا بُدَّ مِنْ اجْتِمَاعِ الْكُلِّ فِي الْفَرْعِ "فِيمَا يُقْصَدُ مِنْ عَيْنِهَا" أَيْ عَيْنِ الْعِلَّةِ "أَوْ جِنْسِهَا"١. "فَإِنْ كَانَتْ" الْعِلَّةُ "قَطْعِيَّةً" كَقِيَاسِ الضَّرْبِ لِلْوَالِدَيْنِ عَلَى قَوْلِ أُفٍّ، بِجَامِعِ أَنَّهُ إيذَاءٌ "فَ" الْقِيَاسُ "قَطْعِيٌّ، وَهُوَ" أَيْ هَذَا الْقِيَاسُ يُسَمَّى "قِيَاسَ الأَوْلَى"٢؛ لأَنَّ الإِيذَاءَ بِالضَّرْبِ أَوْلَى بِالْمَنْعِ

стр. 1765

مِنْ الإِيذَاءِ بِقَوْلِ "أُفٍّ". وَإِنْ١ كَانَتْ الْعِلَّةُ قَطْعِيَّةً، وَلَكِنْ٢ لَيْسَتْ بِأَوْلَى، كَالنَّبِيذِ يُقَاسُ عَلَى الْخَمْرِ بِجَامِعِ الإِسْكَارِ. فَالْقِيَاسُ أَيْضًا قَطْعِيٌّ "وَ" يُسَمَّى قِيَاسَ "الْمُسَاوَاةِ"٣. "أَوْ" كَانَتْ الْعِلَّةُ "ظَنِّيَّةً" كَقِيَاسِ التُّفَّاحِ عَلَى الْبُرِّ فِي أَنَّهُ لا يُبَاعُ إلاَّ يَدًا بِيَدٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ بِجَامِعِ الطُّعْمِ، فَالْمَعْنَى الْمُعْتَبَرُ - وَهُوَ الطُّعْمِ - مَوْجُودٌ فِي الْفَرْعِ بِتَمَامِهِ "فَ" الْقِيَاسُ "ظَنِّيٌّ وَهُوَ" أَيْ هَذَا الْقِيَاسُ يُسَمَّى "قِيَاسَ الأَدْوَنِ"٤؛ لأَنَّهُ لَيْسَ مُلْحَقًا بِالأَصْلِ إلاَّ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ الْعِلَّةَ فِيهِ الطُّعْمُ، فَإِنْ كَانَتْ فِيهِ تُرَكَّبُ٥ مِنْ الطُّعْمِ مَعَ التَّقْدِيرِ بِالْكَيْلِ، أَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ الْقُوتَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمْ يُلْحَقْ بِهِ التُّفَّاحُ. وَظَهَرَ بِذَلِكَ: أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالأَدْوَنِ أَنْ لا يُوجَدَ فِيهِ الْمَعْنَى بِتَمَامِهِ، بَلْ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ فِي الأَصْلِ ظَنِّيَّةً. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ تَبَعًا لابْنِ الْحَاجِبِ٦: مِنْ شُرُوطِ

стр. 1766

الْفَرْعِ مُسَاوَاةُ عِلَّتِهِ١ عِلَّةَ الأَصْلِ فِيمَا يُقْصَدُ مِنْ عَيْنِ الْعِلَّةِ٢ أَوْ جِنْسِهَا، كَالشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ فِي النَّبِيذِ، وَكَالْجِنَايَةِ فِي قِيَاسِ قِصَاصِ طَرْفٍ عَلَى نَفْسٍ. أَمَّا الْعَيْنُ٣: فَقِيَاسُ٤ النَّبِيذِعَلَى الْخَمْرِ، بِجَامِعِ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ، وَهِيَ بِعَيْنِهَا مَوْجُودَةٌ فِي النَّبِيذِ. وَأَمَّا الْجِنْسُ: فَقِيَاسُ الأَطْرَافِ عَلَى الْقَتْلِ فِي الْقِصَاصِ، بِجَامِعِ الْجِنَايَةِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ جِنْسَ الْجِنَايَةِ هُوَ جِنْسٌ لإِتْلافِ النَّفْسِ وَالأَطْرَافِ٥، وَهُوَ الَّذِي قُصِدَ٦ الاتِّحَادُ٧ فِيهِ. وَعَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ: يَكْفِي مُجَرَّدُ الشَّبَهِ٨. لَنَا اعْتِبَارُ الصَّحَابَةِ الْمَعْنَى الْمُؤَثِّرَ فِي الْحُكْمِ، وَلاشْتِرَاكِ٩ الْعَامِّيِّ وَالْعَالِمِ فِيهِ١٠؛ وَلأَنَّهُ لَيْسَ هَذَا الشَّبَهُ بِأَوْلَى مِنْ عَكْسِهِ.

стр. 1767

وَكَالْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ. قَالُوا: لَمْ تَعْتَبِرْ الصَّحَابَةُ سِوَى مُجَرَّدِ الشَّبَهِ. رُدَّ١ بِالْمَنْعِ اهـ. "وَ" يُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ "أَنْ تُؤَثِّرَ" الْعِلَّةُ "فِي أَصْلِهَا الْمَقِيسِ عَلَيْهِ"٢ عِنْدَ أَصْحَابِنَا٣ وَالْحَنَفِيَّةِ٤ وَالشَّافِعِيَّةِ٥. وَاكْتَفَى الْحَلْوَانِيُّ وَأَبُو الطَّيِّبِ بِتَأْثِيرِهَا فِي أَصْلٍ، أَيَّ أَصْلٍ كَانَ٦. "وَ" مِنْ شُرُوطِ الْفَرْعِ أَيْضًا "أَنْ يُسَاوِيَ حُكْمُهُ حُكْمَ الأَصْلِ فِيمَا يُقْصَدُ كَوْنُهُ وَسِيلَةً لِلْحِكْمَةِ مِنْ عَيْنِ الْحُكْمِ" كَالْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ بِالْمُثْقَلِ عَلَى الْمُحَدَّدِ "أَوْ جِنْسِهِ" أَيْ جِنْسِ الْحُكْمِ٧، كَالْوِلايَةِ فِي نِكَاحِ الصَّغِيرَةِ عَلَى الْوِلايَةِ فِي مَالِهَا، فَإِنَّ

стр. 1768

وِلايَةَ النِّكَاحِ مُسَاوِيَةٌ لِوِلايَةِ الْمَالِ فِي جِنْسِ الْوِلايَةِ لا فِي عَيْنِ تِلْكَ الْوِلايَةِ؛ فَإِنَّهَا سَبَبٌ لِنَفَاذِ١ التَّصَرُّفِ، وَلَيْسَتْ عَيْنَهَا، لاخْتِلافِ التَّصَرُّفَيْنِ٢. وَأَمَّا إذَا اخْتَلَفَ الْحُكْمُ لَمْ يَصِحَّ، كَقَوْلِ الْحَنْبَلِيِّ: يُوجِبُ الظِّهَارُ الْحُرْمَةَ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ كَالْمُسْلِمِ. قَالَ٣ الْحَنَفِيَّةُ: الْحُرْمَةُ فِي الْمُسْلِمِ مُتَنَاهِيَةٌ بِالْكَفَّارَةِ، وَالْحُرْمَةُ فِي الذِّمِّيِّ مُؤَبَّدَةٌ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكَفَّارَةِ، فَيَخْتَلِفُ الْحُكْمُ فِيهِمَا٤. وَجَوَابُهُ: أَنْ يُبَيِّنَ الْمُسْتَدِلُّ٥ الاتِّحَادَ، فَيَمْنَعُ كَوْنَ الذِّمِّيِّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكَفَّارَةِ، بَلْ عَلَيْهِ الصَّوْمُ بِأَنْ يُسْلِمَ وَيَأْتِيَ بِهِ، وَيَصِحُّ إعْتَاقُهُ وَإِطْعَامُهُ مَعَ الْكُفْرِ اتِّفَاقًا، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْكَفَّارَةِ، فَالْحُكْمُ مُتَّحِدٌ، وَالْقِيَاسُ صَحِيحٌ.

стр. 1769

"وَ" مِنْ شُرُوطِ الْفَرْعِ أَيْضًا "أَنْ لا يَكُونَ مَنْصُوصًا عَلَى حُكْمِهِ بِمُوَافِقٍ"١. قَالَ الْكُورَانِيُّ: مِنْ شُرُوطِ الْفَرْعِ: أَنْ لا يَكُونَ حُكْمُهُ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ بِنَصٍّ مُوَافِقٍ؛ لأَنَّ وُجُودَ النَّصِّ يُغْنِي عَنْ الْقِيَاسِ لِتَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ، خِلافًا لِمَنْ يُجَوِّزُ قِيَامَ دَلِيلَيْنِ عَلَى مَدْلُولٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ يَجْتَمِعُ عِنْدَهُ النَّصُّ وَالْقِيَاسُ عَلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ. فَالتَّحْقِيقُ: أَنَّهُ إنْ أَرَادَ طَائِفَةً جَوَّزَتْ قِيَامَ دَلِيلَيْنِ، بِمَعْنَى أَنَّ كُلاًّ مِنْهُمَا يُفِيدُ الْعِلْمَ بِالْمَدْلُولِ: فَهَذَا غَيْرُ مَعْقُولٍ؛ لأَنَّهُ تَحْصِيلُ

стр. 1770

الْحَاصِلِ. وَإِنْ أَرَادَ إيضَاحًا وَاسْتِظْهَارًا: فَلَمْ يُخَالِفْ فِيهِ أَحَدٌ. أَلا تَرَاهُمْ يَقُولُونَ: الدَّلِيلُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ١ الإِجْمَاعُ وَالنَّصُّ وَالْقِيَاسُ؟! وَأَمَّا إذَا كَانَ النَّصُّ مُخَالِفًا: فَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقِيَاسِ. قَالَ الْحَنَفِيَّةُ٢ وَالآمِدِيُّ٣ وَابْنُ الْحَاجِبِ٤ وَابْنُ حَمْدَانَ: "وَلا مُتَقَدِّمًا عَلَى حُكْمِ الأَصْلِ"٥ زَادَ الآمِدِيُّ: إلاَّ أَنْ يَذْكُرَهُ إلْزَامًا لِلْخَصْمِ٦. وَقَالَ الْمُوَفَّقُ٧ وَالْمَجْدُ٨ وَالطُّوفِيُّ٩: يُشْتَرَطُ لِقِيَاسِ الْعِلَّةِ، لا لِقِيَاسِ الدَّلالَةِ.

стр. 1771

قَالَ الْكُورَانِيُّ: وَمِنْ شُرُوطِهِ: أَنْ لا يَتَقَدَّمَ عَلَى حُكْمِ الأَصْلِ، كَقِيَاسِ الْوُضُوءِ عَلَى التَّيَمُّمِ فِي وُجُوبِ النِّيَّةِ، فَإِنَّ التَّيَمُّمَ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ، فَلَوْ ثَبَتَ بِهِ ثَبَتَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ بِلا دَلِيلٍ، إذْ الْفَرْضُ١ أَنَّهُ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ سِوَى الْقِيَاسِ. نَعَمْ لَوْ قِيلَ ذَلِكَ إلْزَامًا صَحَّ، كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ٢ لِلْحَنَفِيَّةِ: طَهَارَتَانِ، أَنَّى يَفْتَرِقَانِ٣؟ هَكَذَا قِيلَ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لأَنَّ الْحَنَفِيَّةَ لَيْسَ عِنْدَهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ قِيَاسٌ حَتَّى يُلْزَمُوا، وَلا الشَّافِعِيُّ قَائِلٌ بِالْقِيَاسِ، بَلْ وُجُوبُ النِّيَّةِ فِيهِمَا إنَّمَا٤ ثَبَتَ بِقَوْلِهِ ﷺ "إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" ٥. "وَلا" يُشْتَرَطُ فِي الْفَرْعِ "ثُبُوتُ حُكْمِهِ بِنَصٍّ جُمْلَةً" أَيْ فِي الْجُمْلَةِ، خِلافًا لأَبِي هَاشِمٍ وَأَبِي زَيْدٍ٦.

стр. 1772

مِثَالُ ذَلِكَ: إذَا قُلْنَا فِي اجْتِمَاعِ الْجَدِّ مَعَ الإِخْوَةِ: يَرِثُ مَعَهُمْ، قِيَاسًا عَلَى أَحَدِهِمْ؛ لأَنَّ كُلاًّ مِنْ الْجَدِّ وَالأَخِ يُدْلِي بِالأَبِ، فَلَوْلا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى إرْثِ الْجَدِّ فِي الْجُمْلَةِ لَمَا سَاغَ الْقِيَاسُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ. رُدَّ بِأَنَّ الْعُلَمَاءَ قَاسُوا أَنْتِ عَلَيَّ١ حَرَامٌ: إمَّا عَلَى الطَّلاقِ، لا فِي تَحْرِيمِهَا، أَوْ٢ عَلَى الظِّهَارِ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، أَوْ عَلَى الْيَمِينِ فِي كَوْنِهِ إيلاءً. وَلَمْ يُوجَدْ فِي ذَلِكَ نَصٌّ يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ لا جُمْلَةً وَلا تَفْصِيلاً.

стр. 1773

" مَسَالِكُ الْعِلَّةِ ١" لَمَّا فَرَغَ مِنْ شُرُوطِ الْعِلَّةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ شَرَعَ٢ فِي بَيَانِ الطُّرُقِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً، وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِمَسَالِكِ الْعِلَّةِ. الْمَسْلَكُ الأَوَّلُ "الإِجْمَاعُ"٣. وَقُدِّمَ لِقُوَّتِهِ. سَوَاءٌ كَانَ قَطْعِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا، وَأُخِّرَ النَّصُّ لِطُولِ الْكَلامِ عَلَى تَفَاصِيلِهِ٤.

стр. 1774

وَالْمُرَادُ بِثُبُوتِ١ الْعِلَّةِ بِالإِجْمَاعِ: أَنْ تُجْمِعَ الأُمَّةُ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ عِلَّتُهُ كَذَا. كَإِجْمَاعِهِمْ٢ فِي قَوْلِهِ ﷺ "لا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ" عَلَى أَنَّ عِلَّتَهُ شَغْلُ الْقَلْبِ، وَكَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى تَعْلِيلِ تَقْدِيمِ الأَخِ مِنْ الأَبَوَيْنِ فِي الإِرْثِ عَلَى الأَخِ لِلأَبِ بِامْتِزَاجِ النَّسَبَيْنِ، أَيْ وُجُودِهِمَا فِيهِ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ تَقْدِيمُهُ فِي وِلايَةِ النِّكَاحِ، وَصَلاةِ الْجِنَازَةِ، وَتَحَمُّلِ الْعَقْلِ، وَالْوَصِيَّةِ لأَقْرَبِ الأَقَارِبِ وَالْوَقْفِ عَلَيْهِ وَنَحْوِهِ٣. فَإِنْ قُلْت: إذَا أَجْمَعُوا عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ فَكَيْفَ يَتَّجِهُ٤ الْخِلافُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ؟ قُلْت: لَعَلَّ مَنْشَأَ الْخِلافِ التَّنَازُعُ فِي وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الأَصْلِ أَوْ الْفَرْعِ أَوْ فِي حُصُولِ شَرْطِهَا أَوْ مَانِعِهَا، لا فِي كَوْنِهَا عِلَّةً. قَالَهُ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ وَغَيْرُهُ. وَكَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى تَعْلِيلِ الْوِلايَةِ عَلَى الصَّغِيرِ بِكَوْنِهِ٥ صَغِيرًا، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ الْوِلايَةُ عَلَيْهِ٦ فِي النِّكَاحِ.

стр. 1775

الْمَسْلَكُ "الثَّانِي" مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ "النَّصُّ" مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ١. "وَمِنْهُ" أَيْ مِنْ النَّصِّ مَا هُوَ "صَرِيحٌ" وَهُوَ مَا وُضِعَ لإِفَادَةِ التَّعْلِيلِ، بِحَيْثُ لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْعِلَّةِ٢. "كَ" أَنْ يُقَالَ "لِعِلَّةِ"٣ كَذَا "أَوْ سَبَبِ" كَذَا "أَوْ أَجْلِ" كَذَا "أَوْ مِنْ أَجْلِ كَذَا"٤ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ﴾ ٥ وَقَوْلِهِ ﷺ ٦ "إنَّمَا جُعِلَ٦

стр. 1776

١الاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْه٢ِ وَقَوْلِهِ ﷺ "إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ - يَعْنِي٣ عَنْ ادِّخَارِ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ - مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ فَكُلُوا وَادَّخِرُوا٤" رَوَاهُ مُسْلِمٌ٥. أَيْ ٦لأَجْلِ التَّوْسِعَةِ عَلَى الطَّائِفَةِ الَّتِي قَدِمَتْ الْمَدِينَةَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ. وَالدَّافَّةُ: الْقَافِلَةُ السَّائِرَةُ، مُشْتَقَّةٌ مِنْ الدَّفِيفِ، وَهُوَ السَّيْرُ اللَّيِّنُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: دَفَّتْ عَلَيْنَا مِنْ بَنِي فُلانٍ دَافَّةٌ٧. قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ٨. "أَوْ" يُقَالَ "كَيْ" يَكُونَ كَذَا، سَوَاءٌ كَانَتْ مُجَرَّدَةً مِنْ "لا" نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ﴾ ٩ أَوْ مَقْرُونَةً بِهَا نَحْوَ ﴿لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ ١٠ ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ ١١ فَلا يَحْصُلُ لِلْفُقَرَاءِ شَيْءٌ.

стр. 1777

"أَوْ" يُقَالَ "إذًا"، نَحْوَ١ قَوْلِهِ ﷺ لأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَقَدْ قَالَ لَهُ: أَجْعَلُ لَك صَلاتِي كُلَّهَا؟ قَالَ: "إذًا يَغْفِرُ اللَّهُ٢ لَك ذَنْبَك كُلَّهُ" وَفِي رِوَايَةٍ "إذًا يَكْفِيَك اللَّهُ هَمَّ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ٣". "وَكَذَا" يَكُونُ مِنْ الصَّرِيحِ "إنَّ" الْمَكْسُورَةُ الْهَمْزَةِ الْمُشَدَّدَةُ النُّونِ٤ عِنْدَ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَأَبِي الْخَطَّابِ وَالآمِدِيِّ٥ وَابْنِ

стр. 1778

الْحَاجِبِ١ وَغَيْرِهِمْ٢، نَحْوَ قَوْلِهِ ﷺ لَمَّا أَلْقَى الرَّوْثَةَ أَمَا٣ "إنَّهَا رِجْسٌ٤" وَقَوْلِهِ ﷺ فِي الْهِرَّةِ "إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ" مُعَلِّلاً طَهَارَتَهَا بِذَلِكَ٥. "وَهِيَ" يَعْنِي "إنَّ" الْمُشَدَّدَةَ النُّونِ حَالَ كَوْنِهَا "مُلْحَقَةً بِالْفَاءِ آكَدُ" نَحْوُ قَوْلِهِ ﷺ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ٦ " فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا٧" وَقَوْلِهِ ﷺ فِي الشُّهَدَاءِ "زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ يُبْعَثُونَ يَوْمَ

стр. 1779

الْقِيَامَةِ وَأَوْدَاجُهُمْ تَشْخَبُ دَمًا١". وَوَجْهُ كَوْنِهَا مُلْحَقَةً بِالْفَاءِ آكَدَ٢ لِدَلالَتِهَا عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَهَا سَبَبٌ لِلْحُكْمِ قَبْلَهَا. وَعِنْدَ الْبَيْضَاوِيِّ٣ وَابْنِ السُّبْكِيّ٤ وَغَيْرِهِمَا: أَنَّ التَّعْلِيلَ بِـ "إنَّ" مِنْ قِسْمِ٥ الظَّاهِرِ. وَعِنْدَ ابْنِ الْبَنَّاءِ وَغَيْرِهِ: أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قِسْمِ٦ الإِيمَاءِ. "وَزِيدَ" أَيْ وَزَادَ بَعْضُهُمْ فِي قِسْمِ الصَّرِيحِ "الْمَفْعُولَ لَهُ" نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنْ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ ٧ لأَنَّ ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ عِلَّةٌ لِلْفِعْلِ. "وَ" مِنْ النَّصِّ أَيْضًا٨ مَا هُوَ "ظَاهِرٌ" وَهُوَ مَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْعِلِّيَّةِ٩ احْتِمَالاً مَرْجُوحًا "كَاللاَّمِ".

стр. 1780

ثُمَّ تَارَةً تَكُونُ "ظَاهِرَةً"، أَيْ مَلْفُوظًا بِهَا، نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إلَيْك لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ﴾ ١ ﴿أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ ٢ ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ ٣ وَهُوَ كَثِيرٌ. "وَ" تَارَةً تَكُونُ "مُقَدَّرَةً" نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ، أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ ٤ أَيْ: لأَنْ كَانَ. وَمِنْهُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ٥ فِي قِصَّةِ الزُّبَيْرِ مِنْ قَوْلِ الأَنْصَارِيِّ٦ لَمَّا خَاصَمَهُ فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ٧ " أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِك!

стр. 1781

وَكَمَا يُقَالُ فِي الْكَلامِ: أَنْ كَانَ كَذَا. فَالتَّعْلِيلُ مُسْتَفَادٌ مِنْ اللاَّمِ الْمُقَدَّرَةِ لا مِنْ " أَنْ". وَيَدْخُلُ فِي هَذَا " إذَا كَانَ " الْوَاقِعُ بَعْدَ١ " أَنْ ": " كَانَ " وَحُذِفَتْ وَاسْمُهَا وَبَقِيَ خَبَرُهَا، وَعُوِّضَ عَنْ ذَلِكَ " مَا " كَقَوْلِهِ٢: أَبَا خُرَاشَةَ، أَمَّا أَنْتَ ذَا نَفَرٍ ... فَإِنَّ قَوْمِي لَمْ تَأْكُلْهُمْ الضَّبُعُ٣ أَيْ لأَنْ كُنْت ذَا نَفَرٍ؟ وَإِنَّمَا لَمْ تُجْعَلْ اللاَّمُ وَمَا سَيَأْتِي٤ بَعْدَهَا مِنْ الصَّرِيحِ؛ لأَنَّ كُلاًّ مِنْهَا٥ لَهُ٦ مَعَانٍ غَيْرُ التَّعْلِيلِ.

стр. 1782

"وَالْبَاءِ" عَطْفٌ عَلَى " كَاللاَّمِ١ " نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ ٢ أَيْ بِسَبَبِ الرَّحْمَةِ وقَوْله تَعَالَى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٣. فَهِيَ - وَإِنْ كَانَ أَصْلُ مَعْنَاهَا الإِلْصَاقَ وَلَهَا مَعَانٍ غَيْرُهُ - فَقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهَا فِي التَّعْلِيلِ. وَ٤عِنْدَ الأَصْحَابِ٥ وَغَيْرِهِمْ٦ "إنْ قَامَ دَلِيلٌ أَنَّهُ" أَيْ إنَّ٧ الْمُتَكَلِّمَ "لَمْ يَقْصِدْ" بِكَلامِهِ "التَّعْلِيلَ" فَاسْتِعْمَالُ أَدَاةِ التَّعْلِيلِ فِيمَا لا يَصْلُحُ عِلَّةً "مَجَازٌ"٨. وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى عَدَمِ صَلاحِيَّتِهِ عِلَّةً "كَ" أَنْ يُقَالَ لِفَاعِلِ شَيْءٍ٩ "لِمَ فَعَلْت؟ فَيَقُولُ: لأَنِّي أَرَدْت" فَإِنَّ هَذَا لا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً؛ لأَنَّ الْعِلَّةَ فِي الاصْطِلاحِ: هُوَ١٠ الْمُقْتَضِي

стр. 1783

الْخَارِجِيُّ لِلْفِعْلِ، أَيْ الْمُقْتَضِي لَهُ مِنْ خَارِجٍ. وَالإِرَادَةُ إمَّا١ مُوجِبَةٌ لِلْفِعْلِ أَوْ مُصَحِّحَةٌ لَهُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ "لأَنِّي أَرَدْت" اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ٢ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، فَيَكُونُ مَجَازًا. "وَ" مِنْ النَّصِّ أَيْضًا "إيمَاءٌ وَتَنْبِيهٌ" يَعْنِي أَنَّ النَّصَّ يَنْقَسِمُ إلَى ثَلاثَةِ أَقْسَامٍ: الأَوَّلُ: الصَّرِيحُ، وَالثَّانِي: الظَّاهِرُ، وَالثَّالِثُ: الإِيمَاءُ وَالتَّنْبِيهُ. وَالإِيمَاءُ: هُوَ اقْتِرَانُ الْوَصْفِ بِحُكْمٍ لَوْ لَمْ يَكُنْ الْوَصْفُ - أَوْ نَظِيرُهُ - لِلتَّعْلِيلِ لَكَانَ ذَلِكَ الاقْتِرَانُ بَعِيدًا مِنْ فَصَاحَةِ كَلامِ الشَّارِعِ، وَكَانَ إتْيَانُهُ٣ بِالأَلْفَاظِ٤ فِي غَيْرِ مَوَاضِعِهَا، مَعَ كَوْنِ كَلامِ الشَّارِعِ مُنَزَّهًا٥ عَنْ٦ الْحَشْوِ الَّذِي لا فَائِدَةَ فِيهِ٧. وَيَتَنَوَّعُ الإِيمَاءُ إلَى أَنْوَاعٍ أُشِيرَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: "وَمِنْ أَنْوَاعِهِ: تَرَتُّبُ حُكْمٍ عَقِبَ وَصْفٍ بِالْفَاءِ، مِنْ كَلامِ الشَّارِعِ وَغَيْرِهِ"٨.

стр. 1784

"فَإِنَّهَا" أَيْ الْفَاءَ "لِلتَّعْقِيبِ ظَاهِرًا، وَيَلْزَمُ مِنْهُ السَّبَبِيَّةُ" نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا﴾ ١ وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ ٢ وقَوْله تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ ٣ وَنَحْوَ قَوْلِهِ ﷺ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ٤. فَالْفَاءُ فِي الآيَاتِ دَاخِلَةٌ عَلَى الْحُكْمِ، وَفِي الْحَدِيثِ دَاخِلَةٌ عَلَى الْعِلَّةِ، وَالْحُكْمُ مُتَقَدِّمٌ، وَتَقَدُّمُ الْعِلَّةِ ثُمَّ مَجِيءُ الْحُكْمِ بِالْفَاءِ أَقْوَى٥ مِنْ عَكْسِهِ. وَتَارَةً تَأْتِي "الْفَاءُ" فِي غَيْرِ كَلامِ الشَّارِعِ، كَقَوْلِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ٦ ﵁ سَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

стр. 1785

فَسَجَدَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد١ وَغَيْرُهُ٢. زَنَى مَاعِزٌ٣ فَرُجِمَ٤. وَلا فَرْقَ فِي الْعَمَلِ بِذَلِكَ بَيْنَ كَوْنِ الرَّاوِي صَحَابِيًّا أَوْ فَقِيهًا أَوْ غَيْرَهُمَا؛ لَكِنْ إذَا كَانَ صَحَابِيًّا٥ فَقِيهًا كَانَ أَقْوَى. فَإِنْ قِيلَ: إذَا قَالَ الرَّاوِي: هَذَا الْحَدِيثُ مَنْسُوخٌ! أَوْ حَمَلَ

стр. 1786

حَدِيثًا رَوَاهُ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِهِ، لا يُعْمَلُ بِهِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ عَنْ اجْتِهَادٍ. فَكَيْفَ إذَا قَالَ لِلرَّاوِي سَهَا فَسَجَدَ وَنَحْوُهُ يُعْمَلُ بِهِ، مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عَنْ اجْتِهَادٍ١؟! فَالْجَوَابُ٢: أَنَّ هَذَا مِنْ قَبِيلِ فَهْمِ الأَلْفَاظِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ، لا أَنَّهُ٣ يَرْجِعُ لِلاجْتِهَادِ، بِخِلافِ قَوْلِهِ: هَذَا مَنْسُوخٌ وَنَحْوُهُ. وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَذَا، أَوْ نَهَى عَنْ كَذَا: يُعْمَلُ بِهِ، حَمْلاً عَلَى الرَّفْعِ، لا عَلَى الاجْتِهَادِ. إذَا عُلِمَ ذَلِكَ: فَإِذَا رَتَّبَ الشَّارِعُ حُكْمًا عَقِبَ وَصْفٍ بِالْفَاءِ، إذْ الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ، فَتُفِيدُ تَعْقِيبَ٤ حُكْمِ٥ الْوَصْفِ، وَأَنَّهُ سَبَبُهُ، إذْ السَّبَبُ مَا ثَبَتَ الْحُكْمُ عَقِبَهُ. وَلِهَذَا تُفْهَمُ السَّبَبِيَّةُ - مَعَ عَدَمِ الْمُنَاسَبَةِ كَ "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ". وَالصَّحِيحُ: أَنَّ هَذَا نَوْعٌ٦ مِنْ الإِيمَاءِ. وَقِيلَ: مِنْ أَقْسَامِ الصَّرِيحِ. وَقِيلَ: مِنْ أَقْسَامِ الظَّاهِرِ.

стр. 1787

"وَ" مِنْ أَنْوَاعِ الإِيمَاءِ أَيْضًا "تَرَتُّبُ حُكْمٍ عَلَى وَصْفٍ بِصِيغَةِ الْجَزَاءِ". نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ ١ وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ ٢ وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ٣ أَيْ لِتَقْوَاهُ، وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٤ "مَنْ اتَّخَذَ كَلْبًا - إلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ - نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ٥" وَكَذَا مَا أَشْبَهَهُ. فَإِنَّ الْجَزَاءَ يَتَعَقَّبُ شَرْطَهُ وَيُلازِمُهُ، وَلا مَعْنَى لِلسَّبَبِ إلاَّ مَا يَسْتَعْقِبُ الْحُكْمَ وَيُوجَدُ بِوُجُودِهِ٦. "وَ" مِنْ أَنْوَاعِهِ أَيْضًا "ذِكْرُ حُكْمٍ جَوَابًا لِسُؤَالٍ لَوْ لَمْ يَكُنْ"

стр. 1788

السُّؤَالُ "عِلَّتَهُ١" أَيْ عِلَّةَ الْحُكْمِ٢ لَ "كَانَ اقْتِرَانُهُ" أَيْ السُّؤَالِ "بِهِ" أَيْ بِالْحُكْمِ "بَعِيدًا شَرْعًا وَلُغَةً" أَيْ فِي الشَّرْعِ وَاللُّغَةِ "وَلَتَأَخَّرَ الْبَيَانُ" أَيْ وَلَكَانَ يَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ تَأْخِيرُ٣ الْبَيَانِ "عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ"٤. "كَقَوْلِ الأَعْرَابِيِّ "وَاقَعْت أَهْلِي فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: أَعْتِقْ رَقَبَةً" أَخْرَجَهُ السِّتَّةُ٥. وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ٦. فَكَأَنَّهُ قِيلَ: كَفِّرْ؛ لِكَوْنِك وَاقَعْت فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فَكَانَ الْحَذْفُ الَّذِي تَرَتَّبَ عَلَيْهِ٧ الْحُكْمُ لَفْظًا مَوْجُودًا هُنَا. فَيَكُونُ

стр. 1789

مَوْجُودًا تَقْدِيرًا. وَأَيْضًا: لَوْ كَانَ الْمُرَادُ غَيْرَ ذَلِكَ كَانَ يَلْزَمُ خُلُوُّ السُّؤَالِ عَنْ الْجَوَابِ، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ. "وَيُسَمَّى" هَذَا النَّوْعُ "إنْ حُذِفَ" مِنْهُ "بَعْضُ الأَوْصَافِ" الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهَا الْجَوَابُ؛ لِكَوْنِهِ لا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْعِلَّةِ، كَكَوْنِهِ أَعْرَابِيًّا أَوْ زَيْدًا، وَكَوْنِ الْمُجَامَعَةِ زَوْجَةً أَوْ أَمَةً، أَوْ فِي قُبُلِهَا، وَكَوْنِهِ١ شَهْرَ تِلْكَ السَّنَةِ أَوْ غَيْرِهَا "تَنْقِيحَ الْمَنَاطِ". فَالتَّنْقِيحُ٢ لُغَةً: التَّخْلِيصُ٣ وَالتَّهْذِيبُ. يُقَالُ: نَقَحْت الْعَظْمَ إذَا اسْتَخْرَجْت مُخَّهُ٤. وَالْمَنَاطُ: مَفْعَلٌ مِنْ نَاطَ نِيَاطًا٥ أَيْ عَلَّقَ٦. ٧وَالْمُرَادُ أَنَّ الْحُكْمَ تَعَلَّقَ بِذَلِكَ الْوَصْفِ. فَمَعْنَى تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ: الاجْتِهَادُ٧ فِي تَحْصِيلِ الْمَنَاطِ الَّذِي رَبَطَ بِهِ الشَّارِعُ الْحُكْمَ، فَيَبْقَى مِنْ الأَوْصَافِ مَا يَصْلُحُ وَيُلْغَى مَا لا

стр. 1790

يَصْلُحُ١. وَقَدْ أَقَرَّ بِهِ أَكْثَرُ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ. وَأَجْرَاهُ٢ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْكَفَّارَاتِ، مَعَ مَنْعِهِ الْقِيَاسَ فِيهَا. وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ - كَالتَّاجِ٣ السُّبْكِيّ وَالْبِرْمَاوِيِّ وَغَيْرِهِمَا - أَنَّهُ أَجْوَدُ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ بِأَنْ يُبَيِّنَ إلْغَاءَ٤ الْفَارِقِ. "وَمِنْهَا" أَيْ وَ٥مِنْ أَنْوَاعِ الإِيمَاءِ "تَقْدِيرُ الشَّارِعِ وَصْفًا لَوْ لَمْ يَكُنْ" ذَلِكَ الْوَصْفُ "لِلتَّعْلِيلِ كَانَ" تَقْدِيرُهُ "بَعِيدًا" إذْ "لا فَائِدَةَ فِيهِ" أَيْ فِي التَّقْدِيرِ حِينَئِذٍ٦.
следующие страницы →