← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12019

شرح الكوكب المنير = شرح مختصر التحرير

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (2 398 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

وَقَالَ الْقَفَّالُ الْمَرْوَزِيُّ١ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ: مَنْ حَفِظَ مَذْهَبَ إمَامٍ أَفْتَى بِهِ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ: يُفْتِي الْمُتَبَحِّرُ فِيهِ. وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي عَامِّيٍّ عَرَفَ حُكْمَ حَادِثَةٍ بِدَلِيلِهَا٢: يُفْتِي، أَوْ إنْ كَانَ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ، أَوْ الْمَنْعُ٣ مُطْلَقًا، وَهُوَ أَصَحُّ،

стр. 2207

وَ١فِيهِ أَوْجُهٌ٢. انتهى٣. وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي آدَابِ الْمُفْتِي: فَمَنْ أَفْتَى وَلَيْسَ عَلَى٤ صِفَةٍ مِنْ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ: فَهُوَ عَاصٍ آثِمٌ٥. وَظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ تَقْلِيدُ أَهْلِ الْحَدِيثِ. قَالَ: سَأَلَ عَبْدُ اللَّهِ الإِمَامَ أَحْمَدَ فِيمَنْ أَهْلُ مِصْرِهِ٦ أَصْحَابُ رَأْيٍ، وَأَصْحَابُ حَدِيثٍ لا يَعْرِفُونَ الصَّحِيحَ: لِمَنْ يَسْأَلُ؟ قَالَ: أَصْحَابَ الْحَدِيثِ٧. قَالَ الْقَاضِي: وَظَاهِرُهُ تَقْلِيدُهُمْ٨. وَقَالَ فِي الْوَاضِحِ: ظَاهِرُ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ صَاحِبَ

стр. 2208

الْحَدِيثِ أَحَقُّ بِالْفُتْيَا، وَحَمَلَهَا عَلَى أَنَّهُمْ١ فُقَهَاءُ، أَوْ٢ أَنَّ السُّؤَالَ يَرْجِعُ إلَى الرِّوَايَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْقَاضِي قَوْلَ أَحْمَدَ: "لا يَكُونُ فَقِيهًا حَتَّى يَحْفَظَ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ٣ حَدِيثٍ" وَحَمَلَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ وَالاحْتِيَاطِ٤، وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ "الأُصُولُ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْهَا الْعِلْمُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ أَلْفًا، أَوْ أَلْفًا وَمِائَتَيْنِ"٥. وَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّ ابْنَ شَاقِلا اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِهِ٦، فَقَالَ: إنْ كُنْت لا أَحْفَظُ فَإِنِّي أُفْتِي بِقَوْلِ مَنْ يَحْفَظُ٧ أَكْثَرَ مِنْهُ. قَالَ الْقَاضِي: لا يَقْتَضِي هَذَا: أَنَّهُ٨ كَانَ يُقَلِّدُ أَحْمَدَ، لِمَنْعِهِ الْفُتْيَا بِلا عِلْمٍ٩.

стр. 2209

قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: ظَاهِرُهُ تَقْلِيدُهُ، إلاَّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَخْذِ١ طُرُقِ الْعِلْمِ مِنْهُ. ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ ابْنِ بَطَّةَ: لا يَجُوزُ أَنْ يُفْتِيَ بِمَا يَسْمَعُ٢ مِنْ٣ مُفْتٍ. وَرُوِيَ٤ عَنْ ابْنِ بَشَّارٍ٥: مَا أَعِيبُ عَلَى رَجُلٍ حَفِظَ لأَحْمَدَ خَمْسَ مَسَائِلَ اسْتَنَدَ٦ إلَى سَارِيَةِ الْمَسْجِدِ يُفْتِي بِهَا٧. قَالَ الْقَاضِي: هَذَا مُبَالَغَةٌ فِي فَضْلِهِ٨. قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هَذَا٩ صَرِيحٌ فِي١٠ الإِفْتَاءِ بِتَقْلِيدِ أَحْمَدَ.

стр. 2210

وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: مَنْ لَمْ يُجَوِّزْ إلاَّ تَوْلِيَةَ١ قَاضٍ مُجْتَهِدٍ: إنَّمَا عَنَى قَبْلَ اسْتِقْرَارِ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ وَانْحِصَارِ٢ الْحَقِّ فِيهَا٣. وَقَالَ الآمِدِيُّ: بِجَوَازِ٤ بَعْضِ الإِفْتَاءِ بِالتَّقْلِيدِ٥. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلامِ ابْنِ بَشَّارٍ الْمُتَقَدِّمِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْفَرَجِ فِي الإِيضَاحِ٦، وَصَاحِبُ الرِّعَايَةِ، وَالْحَاوِي مِنْ أَصْحَابِنَا. كَالْحَنَفِيَّةِ؛ لأَنَّهُ نَاقِلٌ كَالرَّاوِي. رُدَّ، لَيْسَ إذًا مُفْتِيًا٧، بَلْ مُخْبِرٌ. ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ: أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ وَالْمُوَفَّقُ، وَزَادَ٨: فَيَحْتَاجُ٩ مُخْبِرٌ١٠ عَنْ مُعَيَّنٍ مُجْتَهِدٍ١١، فَيُعْمَلُ بِخَبَرِهِ لا بِفُتْيَاهُ١٢.

стр. 2211

"وَلا يَجُوزُ خُلُوٌّ عَنْهُ" أَيْ: عَنْ١ مُجْتَهِدٍ. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: لا يَجُوزُ خُلُوُّ الْعَصْرِ عَنْ مُجْتَهِدٍ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَطَوَائِفَ. قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا٢: ذَكَرَهُ أَكْثَرُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الأُصُولِ فِي مَسَائِلِ الإِجْمَاعِ. وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ عَقِيلٍ خِلافَهُ، إلاَّ عَنْ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَالِكِيُّ وَجَمْعٌ مِنْهُمْ، وَمِنْ غَيْرِهِمْ٣.

стр. 2212

قَالَ الْكَرْمَانِيُّ١ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ فِي قَوْلِهِ ﷺ : "لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ" إلَى آخِرِهِ٢ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ٣؛ لأَنَّ أُمَّتَهُ آخِرُ الأُمَمِ. وَعَلَيْهَا تَقُومُ السَّاعَةُ، وَإِنْ ظَهَرَتْ أَشْرَاطُهَا، وَضَعُفَ الدِّينُ، فَلا بُدَّ أَنْ يَبْقَى مِنْ أُمَّتِهِ مَنْ

стр. 2213

يَقُومُ بِهِ١. قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لا يَقُولَ أَحَدٌ: اللَّهُ اللَّهُ"٢ وَقَالَ أَيْضًا "لا تَقُومُ السَّاعَةُ إلاَّ عَلَى شِرَارِ النَّاسِ" ٣. قُلْنَا: هَذِهِ الأَحَادِيثُ لَفْظُهَا عَلَى الْعُمُومِ، وَالْمُرَادُ مِنْهَا الْخُصُوصُ. فَمَعْنَاهُ: لا تَقُومُ عَلَى أَحَدٍ يُوَحِّدُ اللَّهَ تَعَالَى إلاَّ بِمَوْضِعِ كَذَا، ٤إذْ لا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الطَّائِفَةُ الْقَائِمَةُ بِالْحَقِّ الَّتِي تُوَحِّدُ اللَّهَ

стр. 2214

تَعَالَى هِيَ١ شِرَارُ الْخَلْقِ. وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مُبَيَّنًا فِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ: أَنَّهُ ﷺ قَالَ: "لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ٢. قِيلَ: وَأَيْنَ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، أَوْ أَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ" ٣ انتهى٤. وَقَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَاخْتَارَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الْعُنْوَانِ مَذْهَبَ الْحَنَابِلَةِ، وَكَذَا فِي أَوَّلِ شَرْحِ٥ الإِلْمَامِ٦، بَلْ٧ أَشَارَ٨ إلَى ذَلِكَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ٩، وَكَذَا ابْنُ بُرْهَانٍ فِي الأَوْسَطِ، لَكِنَّ كَلامَهُمْ مُحْتَمِلٌ الْحَمْلَ عَلَى عِمَارَةِ الْوُجُودِ

стр. 2215

بِالْعُلَمَاءِ، لا عَلَى خُصُوصِ الْمُجْتَهِدِينَ. انتهى. وَاخْتَارَ صَاحِبُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ: جَوَازَ ذَلِكَ، إلاَّ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ١. وَقِيلَ: إنَّ الْمُجْتَهِدَ الْمُطْلَقَ عُدِمَ مِنْ زَمَنٍ طَوِيلٍ. قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي آدَابِ الْمُفْتِي: وَمِنْ زَمَنٍ طَوِيلٍ عُدِمَ الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ٢، مَعَ أَنَّهُ٣ الآنَ أَيْسَرُ مِنْهُ فِي الزَّمَنِ الأَوَّلِ؛ لأَنَّ الْحَدِيثَ، وَالْفِقْهَ قَدْ دُوِّنَا، وَكَذَا٤ مَا يَتَعَلَّقُ بِالاجْتِهَادِ مِنْ الآيَاتِ وَالآثَارِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ وَالْعَرَبِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، لَكِنَّ الْهِمَمَ قَاصِرَةٌ، وَالرَّغَبَاتِ فَاتِرَةٌ، وَنَارَ الْجِدِّ وَالْحَذَرِ٥ خَامِدَةٌ، ٦وَعَيْنَ الْخَوْفِ وَالْخَشْيَةِ٧ جَامِدَةٌ، اكْتِفَاءً٨ بِالتَّقْلِيدِ، وَاسْتِغْنَاءً٩ عَنْ١٠

стр. 2216

التَّعَبِ الْوَكِيدِ١، وَهَرَبًا مِنْ٢ الأَثْقَالِ، وَأَرَبًا فِي تَمْشِيَةِ الْحَالِ، وَبُلُوغِ الآمَالِ، وَلَوْ بِأَقَلِّ الأَعْمَالِ٣. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: فُقِدَ الآنَ الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ، وَمِنْ دَهْرٍ طَوِيلٍ٤، نَقَلَهُ السُّيُوطِيّ٥ فِي شَرْحِ مَنْظُومَتِهِ لِجَمْعِ٦ الْجَوَامِعِ٧. وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: لأَنَّ النَّاسَ الْيَوْمَ كَالْمُجْمِعِينَ أَنْ لا مُجْتَهِدَ الْيَوْمَ. نَقَلَهُ الأَرْدَبِيلِيُّ٨

стр. 2217

فِي الأَنْوَارِ١. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: لَمَّا نَقَلَ كَلامَهُمَا: وَفِيهِ نَظَرٌ. قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَهُوَ كَمَا قَالَ، فَإِنَّهُ وُجِدَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ بَعْدَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ. مِنْهُمْ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀. قَالَ٢ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ٣ وَالْبُلْقِينِيُّ٤. "وَمَا يُجِيبُ بِهِ الْمُقَلِّدُ عَنْ حُكْمٍ فَإِخْبَارٌ٥ عَنْ مَذْهَبِ إمَامِهِ، لا فُتْيَا" قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ وَالْمُوَفَّقُ. وَتَقَدَّمَ النَّقْلُ عَنْهُمْ بِذَلِكَ٦. "وَيُعْمَلُ بِخَبَرِهِ" أَيْ: بِخَبَرِ الْمُخْبِرِ "إنْ كَانَ عَدْلاً" لأَنَّهُ نَاقِلٌ. كَالرَّاوِي.

стр. 2218

"وَلِعَامِّيٍّ تَقْلِيدُ مَفْضُولٍ" مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ عِنْدَ الأَكْثَرِ مِنْ أَصْحَابِنَا، مِنْهُمْ: الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ وَصَاحِبُ الرَّوْضَةِ١، وَقَالَهُ٢ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ٣. وَقِيلَ: يَصِحُّ إنْ اعْتَقَدَهُ فَاضِلاً أَوْ مُسَاوِيًا، لا٤ إنْ اعْتَقَدَهُ مَفْضُولاً٥؛ لأَنَّهُ٦ لَيْسَ مِنْ الْقَوَاعِدِ: أَنْ يُعْدَلَ٧ عَنْ الرَّاجِحِ إلَى الْمَرْجُوحِ٨.

стр. 2219

وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ سُرَيْجٍ وَالْقَفَّالُ وَالسَّمْعَانِيُّ: يَلْزَمُهُ الاجْتِهَادُ. فَيُقَدَّمُ الأَرْجَحُ. وَمَعْنَاهُ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ وَالْمُوَفَّقِ فِي الْمُقْنِعِ١. وَلأَحْمَدَ رِوَايَتَانِ٢. وَاسْتَدَلَّ لِلأَوَّلِ بِأَنَّ الْمَفْضُولَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ كَانَ يُفْتِي مَعَ وُجُودِ الْفَاضِلِ، مَعَ الاشْتِهَارِ وَالتَّكْرَارِ٣، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ، فَكَانَ إجْمَاعًا عَلَى جَوَازِ اسْتِفْتَائِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِفْتَاءِ٤ الْفَاضِلِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٥ وَأَيْضًا: فَالْعَامِّيُّ٦ لا يُمْكِنُهُ التَّرْجِيحُ لِقُصُورِهِ. وَلَوْ كُلِّفَ بِذَلِكَ لَكَانَ تَكْلِيفًا بِضَرْبٍ مِنْ الاجْتِهَادِ. لَكِنْ زَيَّفَ ابْنُ الْحَاجِبِ ذَلِكَ بِأَنَّ التَّرْجِيحَ يَظْهَرُ بِالتَّسَامُعِ، وَرُجُوعِ الْعُلَمَاءِ إلَيْهِ، وَإِلَى٧ غَيْرِهِ لِكَثْرَةِ الْمُسْتَفْتِينَ، وَتَقْدِيمِ

стр. 2220

الْعُلَمَاءِ لَهُ١. "وَيَلْزَمُهُ" أَيْ٢: وَيَلْزَمُ الْعَامِّيَّ "إنْ بَانَ لَهُ الأَرْجَحُ" مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ "تَقْلِيدُهُ" فِي الأَصَحِّ. زَادَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: فِي الأَظْهَرِ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: لا يَجُوزُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فَفِيهِ نَظَرٌ٣، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ سُؤَالِ آحَادِ الصَّحَابَةِ مَعَ وُجُودِ أَفَاضِلِهِمْ٤. "وَيُقَدَّمُ الأَعْلَمُ" مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ "عَلَى الأَوْرَعِ" فِي الأَصَحِّ؛ لأَنَّ الظَّنَّ الْحَاصِلَ بِالأَعْلَمِ؛ وَلأَنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِمَسَائِلِ الاجْتِهَادِ بِالْوَرَعِ٥. "وَيُخَيَّرُ" الْعَامِّيُّ "فِي" تَقْلِيدِ أَحَدِ "مُسْتَوَيَيْنِ" عِنْدَ الأَكْثَرِ مِنْ

стр. 2221

أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ١. قَالَ٢ فِي الرِّعَايَةِ: وَلا يَكْفِيهِ مَنْ لَمْ تَسْكُنْ نَفْسُهُ إلَيْهِ فَلا بُدَّ مِنْ سُكُونِ النَّفْسِ وَالطُّمَأْنِينَةِ بِهِ. وَقِيلَ لأَحْمَدَ: مَنْ نَسْأَلُ بَعْدَك؟ قَالَ: عَبْدُ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقُ٣، فَإِنَّهُ صَالِحٌ، مِثْلُهُ يُوَفَّقُ لِلْحَقِّ٤. "وَلا يَلْزَمُهُ" أَيْ: لا يَلْزَمُ٥ الْعَامِّيَّ "التَّمَذْهُبُ بِمَذْهَبٍ يَأْخُذُ بِرُخَصِهِ وَعَزَائِمِهِ" فِي أَشْهَرِ الْوَجْهَيْنِ٦.

стр. 2222

قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الأَخْذِ بِرُخَصِهِ وَعَزَائِمِهِ١ " طَاعَةُ غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ فِي كُلِّ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ: وَ٢هُوَ خِلافُ الإِجْمَاعِ، وَتَوَقَّفَ أَيْضًا فِي جَوَازِهِ٣، وَقَالَ أَيْضًا: إنْ خَالَفَهُ لِقُوَّةِ دَلِيلٍ٤، أَوْ زِيَادَةِ عِلْمٍ، أَوْ تَقْوَى، فَقَدْ٥ أَحْسَنَ، وَلَمْ يَقْدَحْ فِي عَدَالَتِهِ بِلا نِزَاعٍ. وَقَالَ أَيْضًا: بَلْ يَجِبُ فِي هَذِهِ الْحَالِ، وَأَنَّهُ نَصُّ أَحْمَدَ. وَكَذَا قَالَ الْقُدُورِيُّ الْحَنَفِيُّ٦: مَا ظَنَّهُ أَقْوَى،

стр. 2223

فَعَلَيْهِ١ تَقْلِيدُهُ فِيهِ، وَلَهُ الإِفْتَاءُ بِهِ حَاكِيًا مَذْهَبَ مَنْ قَلَّدَهُ. وَذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: أَنَّ مِنْ مَكَائِدِ الشَّيْطَانِ: أَنْ يُقِيمَ أَوْثَانًا فِي الْمَعْنَى تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، مِثْلَ: أَنْ يَتَبَيَّنَ الْحَقُّ، فَيَقُولَ٢: هَذَا لَيْسَ٣ مَذْهَبُنَا، تَقْلِيدًا لِمُعَظَّمٍ عِنْدَهُ، قَدْ قَدَّمَهُ عَلَى الْحَقِّ. وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لا يَحِلُّ لِحَاكِمٍ وَلا لِمُفْتٍ تَقْلِيدُ رَجُلٍ، فَلا يَحْكُمُ، وَلا يُفْتِي إلاَّ بِقَوْلِهِ٤. وَقِيلَ: بَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَمَذْهَبَ بِمَذْهَبٍ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: هَذَا الأَشْهَرُ، فَلا يُقَلِّدُ غَيْرَ أَهْلِهِ٥، وَقَالَ فِي مُصَنَّفِهِ آدَابِ الْمُفْتِي: يَجْتَهِدُ فِي أَصَحِّ الْمَذَاهِبِ فَيَتَّبِعُهُ٦ وَقَطَعَ إلْكِيَا مِنْ

стр. 2224

الشَّافِعِيَّةِ بِلُزُومِهِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا كَلامُ الأَصْحَابِ، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ: أَنَّهُ لا يَلْزَمُهُ. "وَلا" يَلْزَمُهُ١ أَيْضًا "أَنْ لا يَنْتَقِلَ مِنْ٢ مَذْهَبٍ عُمِلَ بِهِ" عِنْدَ الأَكْثَرِ "فَيَتَخَيَّرُ فِي الصُّورَتَيْنِ" وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى ذَلِكَ فِي كَلامِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ وَغَيْرِهِ٣. "وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ" أَيْ: عَلَى الْعَامِّيِّ "تَتَبُّعُ الرُّخَصِ" وَهُوَ أَنَّهُ كُلَّمَا وَجَدَ رُخْصَةً فِي مَذْهَبٍ عَمِلَ بِهَا، وَلا يَعْمَلُ بِغَيْرِهَا فِي ذَلِكَ الْمَذْهَبِ. "وَيَفْسُقُ بِهِ" أَيْ: بِتَتَبُّعِ الرُّخَصِ. لأَنَّهُ لا يَقُولُ بِإِبَاحَةِ جَمِيعِ الرُّخَصِ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ: فَإِنَّ٤ الْقَائِلَ٥ بِالرُّخْصَةِ فِي

стр. 2225

هَذَا الْمَذْهَبِ لا يَقُولُ بِالرُّخْصَةِ١ الأُخْرَى الَّتِي٢ فِي غَيْرِهِ٣. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لا يَجُوزُ لِلْعَامِّيِّ تَتَبُّعُ الرُّخَصِ إجْمَاعًا٤. وَمِمَّا يُحْكَى: أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ تَتَبَّعَ رُخَصَ الْمَذَاهِبِ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ. وَجَمَعَهَا فِي كِتَابٍ، وَذَهَبَ بِهِ٥ إلَى بَعْضِ الْخُلَفَاءِ، فَعَرَضَهُ عَلَى بَعْضِ الْعُلَمَاءِ الأَعْيَانِ، فَلَمَّا رَآهَا قَالَ " يَا٦ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذِهِ زَنْدَقَةٌ فِي الدِّينِ، وَلا يَقُولُ بِمَجْمُوعِ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ"٧. وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ، فِي فِسْقِ مَنْ٨ أَخَذَ بِالرُّخَصِ رِوَايَتَيْنِ، وَحَمَلَ الْقَاضِي ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ مُتَأَوِّلٍ أَوْ مُقَلِّدٍ.

стр. 2226

قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَرُوِيَ عَدَمُ فِسْقِهِ عَنْ ابْنِ١ أَبِي هُرَيْرَةَ٢. "وَيَجِبُ أَنْ يَعْمَلَ مُجْتَهِدٌ بِمُوجَبِ اعْتِقَادِهِ فِيمَا لَهُ، وَ" فِيمَا "عَلَيْهِ" حَكَاهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إجْمَاعًا، وَهُوَ وَاضِحٌ٣. "وَإِنْ عَمِلَ عَامِّيٌّ" فِي حَادِثَةٍ "بِمَا٤ أَفْتَاهُ مُجْتَهِدٌ لَزِمَهُ" الْبَقَاءُ عَلَيْهِ قَطْعًا، وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ إلَى فَتْوَى غَيْرِهِ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ بِعَيْنِهَا إجْمَاعًا. نَقَلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ٥ وَالْهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا٦. "وَإِلاَّ" أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ بِمَا أَفْتَاهُ الْمُجْتَهِدُ "فَلا" يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِهِ

стр. 2227

"إلاَّ بِالْتِزَامِهِ" ذَلِكَ١. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: هَذَا الأَشْهَرُ. وَقِيلَ: مَعَ ظَنِّهِ أَنَّهُ حَقٌّ، فَعَلَى هَذَا لا بُدَّ مِنْ شَيْئَيْنِ: الْتِزَامُهُ، وَظَنُّهُ أَنَّهُ حَقٌّ، اخْتَارَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِهِ بِظَنِّهِ٢ أَنَّهُ حَقٌّ فَقَطْ٣. "وَإِنْ اخْتَلَفَ عَلَيْهِ" أَيْ: عَلَى الْعَامِّيِّ "مُجْتَهِدَانِ" بِأَنْ أَفْتَاهُ أَحَدُهُمَا بِحُكْمٍ، وَالآخَرُ بِغَيْرِهِ "تَخَيَّرَ٤" فِي الأَخْذِ بِأَيِّهِمَا شَاءَ عَلَى الصَّحِيحِ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَالْمَجْدُ٥، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ٦ ظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ٧، فَإِنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فِي الطَّلاقِ؟ فَقَالَ: إنْ فَعَلَ حَنِثَ، فَقَالَ السَّائِلُ: إنْ أَفْتَانِي

стр. 2228

إنْسَانٌ أَنْ١ لا أَحْنَثَ. قَالَ: تَعْرِفُ٢ حَلْقَةَ الْمَدَنِيِّينَ٣؟ قُلْت: فَإِنْ أَفْتَوْنِي حَلَّ. قَالَ: نَعَمْ٤. وَقِيلَ. يَأْخُذُ بِقَوْلِ الأَفْضَلِ٥ عِلْمًا وَدِينًا. فَإِنْ اسْتَوَيَا تَخَيَّرَ٦، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْمُوَفَّقِ فِي الرَّوْضَةِ٧. وَقِيلَ: يَأْخُذُ بِالأَغْلَظِ وَالأَثْقَلِ مِنْ قَوْلَيْهِمَا. وَقِيلَ: بِالأَخَفِّ. وَقِيلَ: بِالأَرْجَحِ دَلِيلاً. وَقِيلَ: يَسْأَلُ ثَالِثًا٨.

стр. 2229

فصل: للمفتي رد الفتوى ... "فَصْلٌ" "لِمُفْتٍ رَدُّهَا" أَيْ: رَدُّ١ الْفُتْيَا "وَ" مَحَلُّهُ إذَا كَانَ "فِي الْبَلَدِ غَيْرُهُ" أَيْ: الرَّادِّ. وَهُوَ "أَهْلٌ لَهَا" أَيْ: لِلْفُتْيَا٢ "شَرْعًا" وَهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ؛ لأَنَّ الْفُتْيَا - وَالْحَالَةُ هَذِهِ - فِي حَقِّهِ سُنَّةٌ. وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ الشَّافِعِيُّ٣: لَيْسَ لَهُ رَدُّهَا، وَلَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ غَيْرُهُ. لأَنَّهُ بِالسُّؤَالِ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجَوَابُ٤. "وَإِلاَّ" أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ غَيْرُهُ "لَزِمَهُ الْجَوَابُ" قَطْعًا،

стр. 2230

ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا١. "إلاَّ عَمَّا٢ لَمْ يَقَعْ" فَإِنَّهُ لا يَلْزَمُهُ٣ الْجَوَابُ عَنْهُ٤ "وَ" إلاَّ "مَا لا٥ يَحْتَمِلُهُ سَائِلٌ٦" فَإِنَّهُ لا يَلْزَمُهُ إجَابَتُهُ٧ "وَ" إلاَّ "مَا لا يَنْفَعُهُ" أَيْ: يَنْفَعُ السَّائِلَ مِنْ الْجَوَابِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُجِيبَهُ٨، وَقَدْ سُئِلَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ. أَمُسْلِمُونَ هُمْ؟ فَقَالَ لِلسَّائِلِ: أَحْكَمْتَ الْعِلْمَ حَتَّى تَسْأَلَ عَنْ ذَا؟ وَسُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فِي اللِّعَانِ؟ فَقَالَ: سَلْ -رَحِمَك اللَّهُ- عَمَّا اُبْتُلِيتَ بِهِ، وَسَأَلَهُ مُهَنَّا عَنْ مَسْأَلَةٍ؟ فَغَضِبَ وَقَالَ: خُذْ -وَيْحَكَ- فِيمَا تَنْتَفِعُ بِهِ، وَإِيَّاكَ وَ٩هَذِهِ الْمَسَائِلَ الْمُحْدَثَةَ١٠، وَخُذْ

стр. 2231

مَا١ فِيهِ حَدِيثٌ. وَسُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ؟ فَقَالَ: لَيْتَ إنَّا٢ نُحْسِنُ مَا جَاءَ فِيهِ الأَثَرُ. وَلأَحْمَدَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ "لا تَسْأَلُوا عَمَّا لَمْ يَكُنْ، فَإِنَّ عُمَرَ نَهَى عَنْ ذَلِكَ٣ "٤ وَلَهُ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ عَنْ الصَّحَابَةِ: مَا كَانُوا يَسْأَلُونَ إلاَّ عَمَّا يَنْفَعُهُمْ٥. وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى كَرَاهَةِ السُّؤَالِ عَنْ الشَّيْءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ٦ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ٧ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاَللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ٨ وَكَانَ ﷺ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ وَفِي لَفْظٍ "إنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ذَلِكَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا٩. وَفِي حَدِيثِ اللِّعَانِ فَكَرِهَ صَلَّى اللَّهُ

стр. 2232

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا١ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: كُرِهَ السُّؤَالُ عَنْ الْمَسْأَلَةِ قَبْلَ كَوْنِهَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا كِتَابٌ أَوْ سُنَّةٌ؛ لأَنَّ الاجْتِهَادَ إنَّمَا يُبَاحُ ضَرُورَةً، ثُمَّ رُوِيَ عَنْ مُعَاذٍ: "أَيُّهَا النَّاسُ: لا تُعَجِّلُوا بِالْبَلاءِ قَبْلَ نُزُولِهِ"٢ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُرْسَلاً: مَعْنَاهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِعِكْرِمَةَ "مَنْ سَأَلَك عَمَّا لا يَعْنِيهِ٣ فَلا تُفْتِهِ" وَسَأَلَ الْمَرْوَزِيُّ٤ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْعَدْلِ٥. فَقَالَ: لا تَسْأَلْ عَنْ هَذَا، فَإِنَّك لا تُدْرِكُهُ٦، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ:

стр. 2233

أَنَّهُ يَحْرُمُ إلْقَاءُ عِلْمٍ لا يَحْتَمِلُهُ السَّامِعُ١، لاحْتِمَالِ أَنْ يَفْتِنَهُ وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: أَنَّهُ لا يَنْبَغِي إلْقَاءُ عِلْمٍ لا يَحْتَمِلُهُ السَّامِعُ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ٢ عَلِيٌّ٣ " حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟ "٤. وَفِي مُقَدِّمَةِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ " مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إلاَّ كَانَ فِتْنَةً لِبَعْضِهِمْ"٥. وَعَنْ مُعَاوِيَةَ مَرْفُوعًا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْغُلُوطَاتِ ٦ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد٧. قِيلَ٨ -بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَاحِدُهَا غَلُوطَةٌ- وَهِيَ الْمَسَائِلُ الَّتِي

стр. 2234

يُغَالَطُ بِهَا، وَقِيلَ: بِضَمِّهَا، وَأَصْلُهَا الأُغْلُوطَاتُ١. "وَكَانَ السَّلَفُ يَهَابُونَهَا وَيُشَدِّدُونَ فِيهَا٢، وَيَتَدَافَعُونَهَا" وَأَنْكَرَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَلَى مَنْ تَهَجَّمَ٣ فِي الْجَوَابِ، وَقَالَ: لا يَنْبَغِي أَنْ يُجِيبَ فِي كُلِّ مَا يُسْتَفْتَى فِيهِ٤. "وَيَحْرُمُ التَّسَاهُلُ فِيهَا وَتَقْلِيدُ مَعْرُوفٍ بِهِ" أَيْ: بِالتَّسَاهُلِ؛ لأَنَّ أَمْرَ الْفُتْيَا خَطَرٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتْبَعَ السَّلَفَ فِي ذَلِكَ، فَقَدْ كَانُوا يَهَابُونَ الْفُتْيَا كَثِيرًا٥، وَقَدْ قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: إذَا هَابَ الرَّجُلُ شَيْئًا لا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنْ يَقُولَهُ٦. وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: مَنْ اكْتَفَى فِي فُتْيَاهُ بِقَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ٧

стр. 2235

فِي الْمَسْأَلَةِ، مِنْ١ غَيْرِ نَظَرٍ فِي تَرْجِيحٍ وَلا تَقَيُّدٍ٢ بِهِ: فَقَدْ جَهِلَ وَخَرَقَ الإِجْمَاعَ٣. وَذُكِرَ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ الْبَاجِيِّ: أَنَّهُ ذَكَرَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِمْ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الَّذِي لِصَدِيقِي عَلَيَّ: أَنْ أُفْتِيَهُ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي تُوَافِقُهُ. قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: وَهَذَا لا يَجُوزُ عِنْدَ أَحَدٍ يُعْتَدُّ بِهِ فِي الإِجْمَاعِ. "وَلا بَأْسَ" لِمَنْ سُئِلَ "أَنْ يَدُلَّ" مَنْ سَأَلَهُ "عَلَى" رَجُلٍ "مُتَّبَعٍ" أَيْ: يَجُوزُ اتِّبَاعُهُ٤. قِيلَ لِلإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁: الرَّجُلُ يَسْأَلُ عَنْ الْمَسْأَلَةِ٥، فَأَدُلُّهُ عَلَى إنْسَانٍ. هَلْ عَلَيَّ شَيْءٌ؟ قَالَ: إنْ٦ كَانَ رَجُلاً مُتَّبَعًا فَلا بَأْسَ، وَلا يُعْجِبُنِي رَأْيُ أَحَدٍ٧. وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي وَاضِحِهِ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إعْلامُ الْمُسْتَفْتِي بِمَذْهَبِ غَيْرِهِ إنْ كَانَ أَهْلاً لِلرُّخْصَةِ. كَطَالِبِ التَّخَلُّصِ مِنْ الرِّبَا، فَيَدُلُّهُ عَلَى مَنْ يَرَى التَّحَيُّلَ لِلْخَلاصِ مِنْهُ، وَالْخُلْعِ بِعَدَمِ وُقُوعِ

стр. 2236

الطَّلاقِ١. انْتَهَى. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ فِي فُرُوعِهِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُمْ جَاءُوهُ بِفَتْوَى، فَلَمْ تَكُنْ عَلَى مَذْهَبِهِ. فَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِحَلْقَةِ الْمَدَنِيِّينَ. فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُفْتِيَ إذَا جَاءَهُ الْمُسْتَفْتِي، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ رُخْصَةٌ لَهُ٢: أَنْ يَدُلَّهُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ لَهُ فِيهِ رُخْصَةٌ. انْتَهَى. قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَلا يَسَعُ النَّاسَ فِي هَذِهِ الأَزْمِنَةِ غَيْرُ هَذَا. وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ٣: عَجَبًا لِقَوْمٍ عَرَفُوا الإِسْنَادَ وَصِحَّتَهُ، يَدَعُونَهُ وَيَذْهَبُونَ إلَى رَأْيِ سُفْيَانَ وَغَيْرِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ٤ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ٥ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٦ الْفِتْنَةُ: الْكُفْرُ. وَقَالَ رَجُلٌ لأَحْمَدَ: إنَّ٧ ابْنَ الْمُبَارَكِ قَالَ كَذَا وَكَذَا٨.

стр. 2237

قَالَ: ابْنُ الْمُبَارَكِ لَمْ يَنْزِلْ مِنْ السَّمَاءِ. وَقَالَ أَحْمَدُ: مِنْ ضِيقِ عِلْمِ الرَّجُلِ أَنْ يُقَلِّدَ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: التَّقْلِيدُ لِلأَكَابِرِ أَفْسَدُ الْعَقَائِدِ، وَلا يَنْبَغِي أَنْ يُنَاظِرَ بِأَسْمَاءِ الرِّجَالِ، إنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يَتْبَعَ الدَّلِيلَ، فَإِنَّ أَحْمَدَ أَخَذَ فِي الْجَدِّ بِقَوْلِ زَيْدٍ، وَخَالَفَ أَبَا بَكْرٍ١ الصِّدِّيقَ٢. وَفِي وَاضِحِ ابْنِ عَقِيلٍ: مِنْ أَكْبَرِ الآفَاتِ: الإِلْفُ لِمَقَالَةِ مَنْ سَلَفَ، أَوْ السُّكُونُ٣ إلَى قَوْلِ مُعَظَّمٍ فِي النَّفْسِ لا بِدَلِيلٍ، فَهُوَ أَعْظَمُ حَائِلٍ عَنْ الْحَقِّ، وَبَلْوَى تَجِبُ مُعَالَجَتُهَا. وَقَالَ فِي الْفُنُونِ: مَنْ قَالَ فِي مُفْرَدَاتِ أَحْمَدَ: الانْفِرَادُ لَيْسَ بِمَحْمُودٍ، قَالَ: الرَّجُلُ مِمَّنْ يُؤْثِرُ الْوَحْدَةَ. ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ عَلِيٍّ " اعْرَفْ الْحَقَّ تَعْرِفْ أَهْلَهُ "٤ وَانْفِرَادُ الشَّافِعِيِّ، وَصَوَابُ عُمَرَ ﵁ فِي أُسَارَى بَدْرٍ، فَمَنْ يُعَيَّرُ٥ بَعْدَ هَذَا بِالْوَحْدَةِ.

стр. 2238

"فَصْلٌ" فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِآدَابِ١ الْمُسْتَفْتِي وَالْمُفْتِي٢. مِمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ حَمْدَانَ فِي كِتَابِهِ٣ آدَابِ الْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي٤. فَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّهُ "يَنْبَغِي حِفْظُ الأَدَبِ٥ مَعَ مُفْتٍ وَإِجْلالُهُ" إيَّاهُ "فَلا يَفْعَلُ مَعَهُ مَا جَرَتْ عَادَةُ الْعَوَامّ بِهِ، كَإِيمَاءٍ بِيَدِهِ فِي وَجْهِهِ، وَلا" يَقُولُ٦ لَهُ مَا لا يَنْبَغِي٧، وَلا "يُطَالِبُهُ بِالْحُجَّةِ" عَلَى مَا يُفْتِي بِهِ٨ "وَلا يُقَالُ لَهُ: إنْ كَانَ جَوَابُك٩ مُوَافِقًا١٠ فَاكْتُبْ، وَإِلاَّ فَلا" تَكْتُبْ "وَنَحْوَهُ" كَقَوْلِهِ١١: مَا مَذْهَبُ إمَامِك

стр. 2239

فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؟ أَوْ مَا تَحْفَظُ فِي كَذَا؟ أَوْ أَفْتَانِي غَيْرُك بِكَذَا، أَوْ أَفْتَانِي فُلانٌ بِكَذَا١، أَوْ قُلْت أَنَا كَذَا، أَوْ وَقَعَ لِي كَذَا٢. "لَكِنْ إنْ عَلِمَ" الْمُفْتِي "غَرَضَ السَّائِلِ" فِي شَيْءٍ "لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكْتُبَ غَيْرَهُ". وَلا يَسْأَلُهُ٣ فِي حَالَةِ ضَجَرٍ، أَوْ هَمٍّ، أَوْ غَضَبٍ، أَوْ٤ نَحْوِ ذَلِكَ٥. وَقَالَ الْبِرْمَاوِيُّ وَغَيْرُهُ: لِلْعَامِّيِّ سُؤَالُ الْمُفْتِي عَنْ مَأْخَذِهِ اسْتِرْشَادًا، وَيَلْزَمُ الْعَالِمَ حِينَئِذٍ أَنْ يَذْكُرَ لَهُ الدَّلِيلَ، إنْ كَانَ مَقْطُوعًا بِهِ، لا الظَّنِّيَّ؛ لافْتِقَارِهِ إلَى مَا يَقْصُرْ فَهْمُ الْعَامِّيِّ عَنْهُ٦. "وَلا يَجُوزُ" لِلْمُفْتِي "إطْلاقُ الْفُتْيَا فِي اسْمٍ مُشْتَرَكٍ"٧.

стр. 2240

قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي فَنُونِهِ: إجْمَاعًا. قَالَ: وَمِنْ هُنَا إرْسَالُ أَبِي١ حَنِيفَةَ: مَنْ سَأَلَ أَبَا يُوسُفَ عَمَّنْ دَفَعَ ثَوْبًا إلَى قَصَّارٍ، فَقَصَرَهُ وَجَحَدَهُ: هَلْ لَهُ أُجْرَةٌ٢ إنْ عَادَ فَسَلَّمَهُ٣ لِرَبِّهِ؟ وَقَالَ٤: إنْ قَالَ نَعَمْ أَوْ لا، فَقَدْ أَخْطَأَ. فَجَاءَ إلَيْهِ٥، فَقَالَ: إنْ كَانَ قَصَرَهُ قَبْلَ جُحُودِهِ: فَلَهُ الأُجْرَةُ. وَإِنْ كَانَ بَعْدَ جُحُودِهِ فَلا أُجْرَةَ لَهُ٦؛ لأَنَّهُ قَصَرَهُ لِنَفْسِهِ٧. وَاخْتَبَرَ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ أَصْحَابًا لَهُ فِي بَيْعِ رِطْلِ تَمْرٍ، بِرِطْلِ تَمْرٍ٨، فَأَجَازُوا فَخَطَّأَهُمْ، فَمَنَعُوا فَخَطَّأَهُمْ، فَخَجِلُوا، فَقَالَ: إنْ تَسَاوَيَا كَيْلاً تَجُوزُ٩، فَهَذَا يُوَضِّحُ١٠ خَطَأَ الْمُطْلَقِ فِي كُلِّ مَا احْتَمَلَ التَّفْصِيلَ.

стр. 2241

قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: كَذَا قَالَ١، وَيُتَوَجَّهُ عَمَلُ٢ بَعْضِ٣ أَصْحَابِنَا بِظَاهِرِهِ٤. "وَلا" يَجُوزُ لِلْمُفْتِي "أَنْ يُكَبِّرَ خَطَّهُ، أَوْ يُوَسِّعَ الأَسْطُرَ" لِتَصَرُّفِهِ فِي مَالِ٥ غَيْرِهِ بِلا إذْنِهِ وَلا حَاجَةَ، كَمَا لَوْ أَبَاحَهُ قَمِيصَهُ، فَاسْتَعْمَلَهُ فِيمَا يَخْرُجُ عَنْ الْعَادَةِ٦ بِلا حَاجَةٍ٧. "أَوْ يُكْثِرَ" مِنْ الأَلْفَاظِ٨ "إنْ أَمْكَنَهُ اخْتِصَارٌ فِيهَا"٩ أَيْ: فِي١٠ فُتْيَا "وَلا فِي شَهَادَةٍ بِلا إذْنِ مَالِكٍ" قَالَهُ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ. قَالَ١١ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ. قُلْت: وَفِيهِ نَظَرٌ. لا سِيَّمَا فِي الْفَتَاوَى، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ لَمْ يَزَالُوا إذَا كَتَبُوا عَلَيْهَا أَطْنَبُوا، وَزَادُوا عَلَى

стр. 2242

الْمُرَادِ، بَلْ كَانَ بَعْضُهُمْ يُسْأَلُ عَنْ الْمَسْأَلَةِ، فَيُجِيبُ فِيهَا بِمُجَلَّدٍ أَوْ أَكْثَرَ وَقَدْ وَقَعَ هَذَا كَثِيرًا لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَيُتَوَجَّهُ مَعَ قَرِينَةٍ: خِلافٌ لَنَا١، يَعْنِي عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ٢.

стр. 2243

" بَابُ تَرْتِيبِ الأَدِلَّةِ، وَالتَّعَادُلِ، وَالتَّعَارُضِ، وَالتَّرْجِيحِ " اعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا انْتَهَى الْكَلامُ فِي مَبَاحِثِ أَدِلَّةِ الْفِقْهِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا، وَكَانَتْ الأَدِلَّةُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا رُبَّمَا تَعَارَضَ مِنْهَا١ دَلِيلانِ بِاقْتِضَاءِ حُكْمَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ، وَكَانَ مِنْ مَوْضُوعِ٢ نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ وَضَرُورَاتِهِ: تَرْجِيحُ أَحَدِهِمَا، اُحْتِيجَ إلَى ذِكْرِ مَا يَحْصُلُ بِهِ مَعْرِفَةُ التَّرْتِيبِ وَالتَّعَادُلِ وَالتَّعَارُضِ، ٣وَالتَّرْجِيحِ، وَحُكْمُ كُلٍّ مِنْهَا٤. وَذَلِكَ إنَّمَا يَقُومُ بِهِ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِذَلِكَ، وَهُوَ الْمُجْتَهِدُ، فَلِذَلِكَ قَدَّمَ الْمُوَفَّقُ وَالآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ٥ وَابْنُ مُفْلِحٍ وَغَيْرُهُمْ بَابَ

стр. 2244

الاجْتِهَادِ عَلَى هَذَا الْبَابِ١. وَإِنَّمَا جَازَ دُخُولُ التَّعَارُضِ فِي أَدِلَّةِ الْفِقْهِ لِكَوْنِهَا ظَنِّيَّةً. إذَا٢ تَقَرَّرَ هَذَا فَ "التَّرْتِيبُ" هُوَ "جَعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شَيْئَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي رُتْبَتِهِ٣ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا" أَيْ يَسْتَحِقُّ جَعْلَهُ٤ فِيهَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ٥. وَأَدِلَّةُ الشَّرْعِ: الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ وَنَحْوُهُ. "فَيُقَدَّمُ" مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ "إجْمَاعٌ" عَلَى بَاقِي الأَدِلَّةِ لِوَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: كَوْنُهُ قَاطِعًا مَعْصُومًا٦ مِنْ الْخَطَإِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: كَوْنُهُ

стр. 2245

آمِنًا مِنْ النَّسْخِ وَالتَّأْوِيلِ، بِخِلافِ بَاقِي الأَدِلَّةِ١. وَهُوَ أَنْوَاعٌ. أَحَدُهَا: الإِجْمَاعُ النُّطْقِيُّ٢ الْمُتَوَاتِرُ، وَهُوَ أَعْلاهَا، ثُمَّ يَلِيهِ الإِجْمَاعُ النُّطْقِيُّ الثَّابِتُ بِالآحَادِ، ثُمَّ يَلِيهِ الإِجْمَاعُ السُّكُوتِيُّ الْمُتَوَاتِرُ، ثُمَّ يَلِيهِ الإِجْمَاعُ السُّكُوتِيُّ الثَّابِتُ بِالآحَادِ، فَهَذِهِ الأَنْوَاعُ الأَرْبَعَةُ كُلُّهَا مُقَدَّمَةٌ عَلَى بَاقِي الأَدِلَّةِ٣. ثُمَّ "سَابِقٌ" يَعْنِي أَنَّهُ٤ إذَا نُقِلَ إجْمَاعَانِ مُتَضَادَّانِ، فَالْمَعْمُولُ بِهِ مِنْهُمَا: هُوَ السَّابِقُ مِنْ الإِجْمَاعَيْنِ. فَيُقَدَّمُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى إجْمَاعِ التَّابِعِينَ، وَإِجْمَاعُ التَّابِعِينَ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ٥، وَهَلُمَّ جَرَّا٦؛ لأَنَّ السَّابِقَ دَائِمًا أَقْرَبُ إلَى
следующие страницы →