Полный текст (443 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
الوقوف مع حده، فإن ذلك عسر جداً، بل لا بد من مجاوزته إلى الفضل أو التقصير عنه إلى الظلم، فهو [لخوفه] من تضييع الحق والدخول فى الظلم يختار الإيثار بما لا ينقصه ولا يضره ويكتسب به جميل الذكر فى الدنيا وجزيل الأجر فى الآخرة، مع ما يجلبه له الإيثار من البركة وفيضان الخير عليه، فيعود عليه من إيثاره أفضل مما بذله. ومن جرب هذا عرفه، ومن لم يجربه فليستقر أحوال العالم. والموفق من وفقة الله
فصل
والإيثار المتعلق بالخالق أجل من هذا وأفضل، وهو إيثار [رضاه على] رضى غيره، وإيثار حبه على حب غيره، وإيثار خوفه ورجائه على خوف غيره ورجائه، وإيثار الذل له [و] الخضوع والاستكانة والضراعة والتملق على بذل ذلك لغيره. وكذلك إيثار الطلب منه والسؤال وإنزال الفاقات به على تعلق ذلك بغيره، فالأول آثر بعض العبيد على نفسه فيما هو محبوب له، وهذا آثر الله على غيره ونفسه من أعظم الأغيار. فآثر الله عليها فترك محبوبها لمحبوب الله.
وعلامة هذا الإيثار شيئان، أحدهما: فعل ما يحب الله إذا كانت النفس تكرهه وتهرب منه، الثانى: ترك ما يكرهه إذا كانت النفس تحبه وتهواه، فبهذين الأَمرين يصح مقام الإيثار، ومؤنة هذا الإيثار شديدة لغلبة الأغيار وقوة داعى العادة والطبع، فالمحنة فيه عظيمة والمؤنة فيه شديدة والنفس عنه ضعيفة، ولا يتم فلاح العبد وسعادته إلا به، وأنه ليسير على من يسره الله عليه، فحقيق بالعبد أن يسمو إليه وإن صعب المرتقى، وأن يشمر إليه وإن عظمت فيه المنحة، ويحمل فيه خطراً يسيراً لملك عظيم وفوز كبير، فإن ثمرة هذا فى العاجل والآجل ليست تشبه ثمرة شيء من الأعمال، ويسير منه يرقى العبد ويسيره ما لا يرقى غيره إليه فى المدد المتطاولة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاءُ، ولا تتحقق المحبة إلا بهذا الإيثار.
والذى يسهله على العبد أُمور: أحدها: أن تكون طبيعته لينة منقادة سلسة ليست بجافية ولا قاسية، بل تنقاد معه بسهولة. الثانى: أن يكون إيمانه راسخاً ويقينه قوياً، فإن هذا ثمرة الإيمان ونتيجته. الثالث: قوة صبره وثباته.
فبهذه الأمور الثلاثة الأُمور ينهض إلى هذا المقام ويسهل عليه دركه. والنقص والتخلف فى النفس عن هذا يكون من أمرين: أن تكون جامدة غير سريعة الإدراك، بل بطيئة ولا تكاد ترى حقيقة الشيء إلا بعد عسر، وإن رأتها اقترنت به الأوهام والشكوك والشبهات والاحتمالات، فلا
стр. 317
يتخلص له رؤيتها وعيانها، الثانى أن تكون القريحة وقادة دراكة، لكن النفس ضعيفة مهينة إذا أبصرت الحق والرشد ضعفت عن إيثاره، فصاحبها يسوقها سوق العليل المريض، كلما ساقه خطوة وقف خطوة، أو كسوق الطفل الصغير الذى تعلقت نفسه بشهواته ومأْلوفاته، فهو يسوقه إلى رشده وهو ملتفت إلى لهوه ولعبه لا ينساق معه إلا كرهاً. فإذا رزق العبد قريحة وقادة، وطبيعة منقادة: إذا زجرها انزجرت وإذا قادها انقادت بسهولة وسرعة ولين، [وأُيد] مع ذلك بعلم نافع وإيمان راسخ، أقبلت إليه وفود السعادة من كل جانب.
ولما كانت هذه القرائح والطبائع ثابتة للصحابة رضى الله عنهم، وكملها الله لهم بنور الإسلام وقوة اليقين ومباشرة الإيمان لقلوبهم، كانوا أفضل العالمين بعد الأنبياء والمرسلين وكان من بعدهم لو أنفق مثل جبل أُحد ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه.
ومن تصور هذا الموضع حق تصوره علم من أين يلزمه النقص والتأخر، ومن أين يتقدم [ويتأخر] ويترقى فى درجات السعادة وبالله التوفيق. والله أعلم.
فصل
[عود لمعرفة حدود المحبة]
قال: "وقيل: المحبة موافقة المحبوب فيما ساءَ وسر، ونفع وضر، كما قيل:
وأَهنتنى فأَهنتُ نفسى صاغراً ... ما من يهون عليك ممن أُكرم
فيقال: وهذا الحد أيضاً [من] جنس ما قبله، فإن موافقة المحبوب من موجبات المحبة وثمراتها، وليست نفس المحبة، بل المحبة تستدعى الموافقة، وكلما كانت المحبة أقوى كانت الموافقة أتم، قال الله تعالى: ﴿قُل إِن كنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١] ، قال الحسن: قال قوم على عهد النبى ﷺ : إنا نحب ربنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿قُل إِن كنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١] ، وقال الجنيد: ادَّعى قوم محبة الله فأنزل الله آية المحبة: ﴿قُل إِن كنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١] ،
стр. 318
يعنى أن متابعة الرسول هى موافقة حبيبكم، [فإنه] المبلغ عنه ما يحبه وما يكرهه [وهى قوله] [فمتابعته موافقة لله فى فعل ما يحب وترك ما يكره] .
وقال مالك فى هذه الآية: من أحب طاعة الله أحبه الله وحببه إلى خلقه وإنما كانت موافقة المحبوب دليلاً على محبته لأن من أحب حبيباً فلا بد أن يحب ما يحبه ويبغض ما يبغضه، وإلا لم يكن محباً له محبة صادقة، بل تخلف ذلك عنه وإلا لم يكن [محباً] له، بل يكون محباً لمراده [أحبه محبوبه أم كرهه ومحبوبه عنده وسيلة إلى ذلك المراد] فلو حصل له حظه من غيره ترحل عوضه. فهذه المحبة المدخولة الفاسدة، وإذا كانت المحبة الصحيحة تستدعى حب ما يحبه المحبوب وبغض ما يبغضه فلا بد أن يوافقه فيه.
ولكن هاهنا مسألة يغلط فيها كثير من المدعين للمحبة، وهى أن موافقة المحبوب فى مراده ليس المعنى بها مراده الخلقى الكونى، فإن كل الكون مراده، وكل ما يفعله الخلائق فهو موجب مشيئته وإرادته الكونية، فلو كانت موافقته فى هذا المراد هى محبته لم يكن له عدو أصلاً، وكانت الشياطين والكفار والمشركون عباد الأوثان والشمس والقمر أولياءَه وأحبابه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
وإنما يظن ذلك من يظنه من أعدائه الجاحدين لمحبته ودينه، الذين يسوون بين أوليائه وأعدائه. قال الله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفسِدِينَ فِى الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّار﴾ [ص: ٢٨] ، وقال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيئَاتِ أَنْ نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ، سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١] ، وقال الله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلَ المُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥- ٣٦] [فأنكر سبحانه على من سوى بين المسلمين والمجرمين] ، وبين المطيعين والمفسدين مع أن الكل تحت المراد الكونى والمشيئة العامة.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية [قدس الله روحه] يقول: قال لى بعض شيوخ هؤلاءِ المحبة نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب، والكون كله مراده، فأى شيء أبغض منه"، قال: فقلت له: فإذا كان المحبوب قد أبغض بعض ما فى الكون، فأبغض قوماً ومقتهم ولعنهم وعاداهم فأحببتهم أنت وواليتهم، تكون موالياً للمحبوب موافقاً له، أو مخالفاً له معادياً له؟ قال: فكأنما أُلقم حجراً. ويبلغ الجهل والكفر ببعض هؤلاءِ إلى حد بحيث إذا فعل محظوراً يزعم أنه مطيع لله ، ويقول
стр. 319
أَنا مطيع لإرادته، وينشد فى ذلك:
أصبحتُ منفعلاً لما يختاره ... منى ففعلى كله طاعات
ويقول أحدهم: إبليس وإن عصى الأمر، لكنه أطاع الإرادة، يعنى أن فعله طاعة لله من حيث موافقة إرادته، وهذا انسلاخ من ربقة العقل والدين، وخروج عن الشرائع كلها، فإن طاعة الله إنما هى موافقة الأمر الدينى الذى يحبه الله ويرضاه، وأما دخوله تحت القدر الكونى الذى يبغضه ويسخطه ويكفر فاعله ويعاقبه، فهى المعصية والكفر ومعاداته ومعاداة دينه. ولا ريب أن المسرفين على أنفسهم المنهمكين فى الذنوب والمعاصى المعترفين بأنهم عصاة مذنبون أقرب إلى الله من هؤلاءِ العارفين المنسلخين عن دين الأنبياءِ كلهم، والذين لا عقل لهم ولا دين فنسأل الله أن يثبت قلوبنا على دينه:
أما البيت الذى استشهد به فهو من أبيات لأبى الشيص من قصيدة يقول فيها:
وقف الهوى بى حيث أنت ... فليس لى متأخر عنه ولا متقدم
وأهنتنى فأَهنت نفسى جاهداً ... ما من يهون عليك ممن يكرم
أشبهت أعدائى فصرت أحبهم ... إذ كان حظى منك حظى منهم
أجد الملامة فى هواك لذيذة ... حباً لذكرك فلْيلُمنى اللوم
وقد ناقض فيها فى دعواه مناقضة بينه، فإنه أخبر أن هواه قد صار وقفاً عليها لا يزول ولا يتحول بتقدم ولا تأخر، ثم أخبر أنه قد بلغ به حبها وهواها إلى أن صار مرادها من نفسه غير مراده هو، فلما أرادت إهانته بالصد والهجران والبعد سعى هو فى إهانة نفسه بجهده موافقة لها فى إرادتها، فصارت إهانته لنفسه مرادة محبوبة له من حيث هى مرادة محبوبة لها، وزعم أنه لو أكرم نفسه لكان مخالفاً لمحبوبته مكرماً لمن أهانته.
ثم نقض هذا الغرض من حيث شبهها بأعدائه الذين هم أبغض شيء إليه. ووجه هذا التشبيه أنه لم يحصل منها من حظه ومراده على شيء، بل الذى يحصل له منها مثل ما يحصل له من أعدائه [من إهانتهم له وأذاه فصار حظه منها ومن أعدائه] واحداً، فصارت شبيهة [بهم] ، فأين هذا من الموافقة التامة لها فى مرادها، بحيث يهين نفسه لمحبتها فى إهانته؟ ثم أخبر أن له منها حظاً مراداً وأن ذلك الحظ الذى يريده لم يحصل له،
стр. 320
وإنما حصل له منه نظير ما يحصل له من أعدائه.
وهذه شكاية فى الحقيقة وإخبار عن [محبه معلول] بالحظ، وشكاية للحبيب بتفويته عليه [ثم إنه أخبر عن جناية أخرى وهى أنه شرك بينها وبين أعدائه] فى حبه لها، فصار حبه منقسماً بعضه له وبعضه لأعدائه لشبههم إياها، ثم إن فى الشعر جناية أُخرى عليها وهو أنه شبهها بمن جبلت القلوب على بغضه وهو العدو، واللائق تشبيه الحبيب بما هو أحب الأشياء إلى النفس كالسمع والبصر والحياة والروح والعافية، كما هو عادة الشعراءِ والناس فى نظمهم ونثرهم كما هو معروف بينهم وهو جادة كلاهم.
ثم أخبر بمحبته لأعدائه لشبههم بها، فتضمن كلامه معاداة من يحبه ومحبة من يعاديه، فإنها إذا أشبهت أعداءه لزم أن يحصل لها نصيب من معاداته وإذا أشبهها أعداؤه لزم أن يحصل لهم نصيب من محبته كما صرح به فى جانبهم وترك التصريح فى جانبها، وهو مفهوم من كلامه، ثم أخبر أنه يلتذ بملامة اللوام فى هواها لما يتضمن من ذكراها، وهذا يدل على قوة محبتها وسماع ذكرها، وهذا غرض صحيح مع أنه مدخول أيضاً، فإن محبوبته قد تكره ذلك لما يتضمن من فضيحتها به وجعلها مضغة للماضغين، فيكون محباً لنفس ما تكرهه، وهذه محبة فاسدة معلولة ناقضة [لدعواه] موافقتها فى محابها.
فصل
قال: "وقيل: المحبة القيام بين يديه وأنت قاعد، ومفارقة المضجع وأنت راقد، والسكوت وأنت ناطق، ومفارقة المأْلوف والوطن وأنت مستوطن".
فيقال: وهذا أيضاً أثر من آثار المحبة وموجب من موجباتها وحكم من أحكامها. وهو صحيح، فإن المحبة توجب سفر القلب نحو المحبوب دائماً، والمحبة وطنه وتوجب مثوله وقيامه بين يدى محبوبه وهو قاعد، وتجافيه عن مضجعه ومفارقته إياه وهو فيه راقد، وفراغه لمحبوبه كله وهو مشغول فى الظاهر بغيره. كما قال بعضهم:
وأُديم نحو محدثى ليرى ... أن قد عقلت وعندكم عقلي
وقال بعض المريدين لشيخه: أيسجد القلب بين يدى الله؟ فقال: نعم سجدة لا يرفع رأْسه منها إلى يوم القيامة. فهذه سجدة متصلة بقيامه وقعوده وذهابه ومجيئه وحركته وسكونه.
وكذلك يكون جسده فى مضجعه وقلبه قد قطع المراحل مسافراً إلى حبيبه، فإذا أخذ مضجعه اجتمع عليه حبه وشوقه، فيهزه المضجع إلى مسكنه. كما
стр. 321
قال الله تعالى فى حق المحبين: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَعَماً﴾ [السجدة: ١٦] ، فلما تجافت جنوبهم عن المضاجع جافت الجنوب عنها واستخدمتها وأمرتها فأطاعتها. وقال القائل:
نهارى نهار الناس، حتى إذا ... بدا لى الليل هزتنى إليك المضاجع
ويحكى أن بعض الصالحين اجتاز بمسجد، فرأَى الشيطان واقفاً ببابه لا يستطيع دخوله فنظر فإذا فيه رجل نائم وآخر قائم يصلى. فقال له: أيمنعك هذا المصلى من دخوله؟ فقال: كلا، إنما يمنعنى ذلك الأسد الرابض، ولولا مكانه لدخلت.
وبالجملة فقلب المحب دائماً فى سفر لا ينقضى نحو محبوبه، كلما قطع مرحلة له ومنزلة تبدّت له أُخرى كما قيل: "إذا قطعت علماً بدا علم"، فهو مسافر بين أهله، وظاعن وهو فى داره، وغريب وهو بين إخوانه وعشيرته، ويرى كل أحد عنده ولا يرى نفسه عند أحد. فقوة تعلق المحب [بمحبوبه] توجب له أن لا يستقر قلبه دون الوصول إليه، وكلما هدأَت حركاته وقلت شواغله اجتمعت عليه شئون قلبه، بل قوى سيره إلى محبوبه.
ومحك هذا الحال يظهر فى مواطن أربعة:
أحدها: عند أخذ مضجعه وتفرغ حواسه وجوارحه الشواغل، واجتماع قلبه على ما يحبه. فإنه لا ينام إلا على ذكر من يحبه وشغل قلبه به.
الموطن الثانى: عند انتباهه من النوم، فأول شيء يسبق إلى قلبه ذكر محبوبه. [فإنه] إذا استيقظ وردت إليه روحه رد معها إليه ذكر محبوبه الذى كان قد غاب عنه فى النوم. ولكن كان قد خالط روحه وقلبه، فلما ردت إليه الروح أسرع من الطرف رد إليه ذكر محبوبه متصلاً بها، مصاحباً لها.
فورد عليه قبل كل وارد، وهجم عليه قبل كل طارق. فإذا وردت عليه الشواغل والقواطع وردت على محل ممتليء بمحبة ما يحبه فوردت على ساحته من ظاهرها، فإذا قضى وطره منها قضاه بمصاحبته لما فى قلبه من الحب.
فإنه قد لزمه ملازمة الغريم لغريمه ولذلك يسمى غراماً، وهو الحب اللازم الذى لا يفارق: فسمع بمحبوه وأبصر به وبطش به ومشى به، فصار [محبوبه فى وجوده فى] محل سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها،
стр. 322
ورجله التى يمشى بها. هذا مثل محبوبه فى وجوده وهو غير متحد به، بل هو قائم بذاته مباين له.
وهذا المعنى مفهوم بين الناس لا ينكره منهم إلا غليظ الحجاب، أو قليل العلم، ضعيف العقل، يجد محبوبه قد استولى على قلبه وذكره، فيظن أنه هو نفس ذاته الخارجة قد اتحدت به أو حلت فيه، فينشأُ من قسوة الأول وكثافته غلظ حجاب، ومن قله علم الثانى ومعرفته وضعف تمييزه ضلال الحلول والاتحاد وضلال الإنكار والتعطيل والحرمان، ويخرج [للبصير] من بين فرث هذا ودم هذا لبن الفطرة الأُولى خالصاً سائغاً للشاربين.
الموطن الثالث: عند دخوله فى الصلاة، فإنها محك الأحوال وميزان الإيمان، بها يوزن إيمان الرجل [و] يتحقق حاله ومقامه ومقدار قربه من الله ونصيبه منه، فإنها محل المناجاة والقربة ولا واسطة فيها بين العبد وبين ربه، فلا شيء أقر لعين المحب ولا ألذ لقلبه ولا أنعم لعيشه منها [إن] كان محباً فإنه لا شيء آثر عند المحب ولا أطيب له من خلوته بمحبوبه ومناجاته له ومثوله بين يديه، وقد أقبل [بقلبه على محبوبه] ، وكان قبل ذلك معذباً بمقاساة الأغيار ومواصلة الخلق والاشتغال بهم فإذا قام إلى الصلاة هرب من سوى الله إليه وآوى عنده واطمأن بذكره وقرت عينه بالمثول بين يديه ومناجاته، فلا شيء أهم إليه من الصلاة، كأنه فى سجن وضيق وغم حتى تحضر الصلاة فيجد قلبه قد انفسخ وانشرح واستراح، كما قال النبى ﷺ لبلال: "يا بلال، أرحنا بالصلاة"، ولم يقل: أرحنا منها، كما يقول المبطلون الغافلون.
وقال بعض السلف: ليس بمستكمل الإيمان من لم يزل فى هم وغم حتى تحضر الصلاة فيزول همه وغمه، أو كما قال. فالصلاة قرة عيون المحبين وسرور أرواحهم، ولذة قلوبهم، وبهجة نفوسهم، يحملون هم الفراغ منها إذا دخلوا فيها كما يحمل الفارغ البطال همها حتى يقضيها بسرعة، فَلَهُمْ فيها شأْن وللنفَّارين شأْن، يشكون إلى الله سوءَ صنيعهم بها إذا ائتموا بهم، كما يشكوا الغافل [وللنقارين شأن يشكون إلى الله سوء صنيعهم بها إذا ائتموا بهم كما يشكوا] المعرض تطويل إمامه، فسبحان من فاضل بين النفوس وفاوت بينها هذا التفاوت العظيم. وبالجملة فمن كان قرة عينه فى الصلاة فلا شيء أحب إليه ولا أنعم عنده منها، ويودّ أَن لو قطع عمره بها غير مشتغل بغيرها، وإنما يسلى نفسه إذا فارقها بأنه سيعود إليها عن قرب فهو دائماً يثوب إليها ولا يقضى منها وطراً،
стр. 323
..
فلا يزنُ العبد إيمانه ومحبته لله بمثل ميزان الصلاة، فإنها الميزان العادل، الذى وزنه غير عائل.
الموطن الرابع: عند الشدائد والأهوال، فإن القلب فى هذا الموطن لا يذكر إلا أحب الأشياء إليه، ولا يهرب إلا إلى محبوبه الأعظم عنده. ولهذا كانوا يفتخرون بذكرهم من يحبونهم عند الحرب واللقاءِ، وهو كثير فى أشعارهم كما قال:
ذكرتك والخطى يخطر بيننا ... وقد نهلت منى المثقفة السمر
وقال غيره:
ولقد ذكرتك والرماح كأنها ... أَشطان بئر فى لبان الأَدهم
وقد جاءَ فى بعض الآثار: يقول ﵎: "إن عبدى كل عبدى الذى يذكرنى وهو ملاق قرنه"، والسر فى هذا- والله أعلم- أن عند مصائب الشدائد والأهوال يشتد خوف القلب من فوات أحب الأشياءِ إليه، وهى حياته التى لم يكن يؤثرها إلا لقربه من محبوبه، فهو إنما يحب حياته لتنعمه بمحبوبه، فإذا خاف فوتها بدر إلى قلبه ذكر المحبوب الذى يفوت بفوات حياته.
ولهذا- والله أعلم- كثيراً ما يعرض للعبد عند موته لهجه بما يحبه وكثرة ذكره له، وربما خرجت روحه وهو يلهج به. وذكر ابن أبى الدنيا فى كتاب "المحتضرين" عن زفر [﵀] أنه جعل يقول عند موته: لها ثلاثة أخماس الصداق، لها ربع الصداق، لها كذا ومات، لامتلاءِ قلبه من محبة الفقه والعلم، وأيضاً فإنه عند الموت تنقطع شواغله وتبطل حواسه فيظهر ما فى القلب ويقوى سلطانه، فيبدو ما فيه من غير حاجب ولا مدافع. وكثيراً ما سمع من بعض المحتضرين عند الموت: شاه مات، وسمع من آخر بيت شعر لم يزل يغنى به حتى مات وكان مغنياً، وأخبرنى رجل عن قرابة له أنه حضره عند الموت- وكان تاجراً يبيع القماش- قال: فجعل يقول: هذه قطعة جيدة هذه على قدرك، هذه مشتراها رخيص يساوى كذا وكذا حتى مات.
والحكاية فى هذا كثيرة جداً، فمن كان مشغولاً بالله وبذكره ومحبته فى حال حياته، وجد ذلك أحوج ما هو إليه عند خروج روحه إلى الله، ومن
стр. 324
كان مشغولاً بغيره فى حال حياته وصحته فيعسر عليه اشتغاله بالله وحضوره معه عند الموت ما لم تدركه عناية من ربه، ولأجل هذا كان جديراً بالعاقل أن يلزم قلبه ولسانه ذكر الله حيثما كان لأَجل تلك اللحظة التى إن فاتت شقى شقاوة الأبد. فنسأَل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
فصل
وقد قيل فى المحبة حدود كثيرة غير ما ذكره أبو العباس، فقيل: المحبة ميل القلب إلى محبوبه. وهذا الحد لا يعطى تصور حقيقة المحبة. فإن المحبة أَعرف عند القلب من الميل. وأيضاً فإن الميل لا يدل على حقيقة المحبة.
فإنها أخص من مجرد ميل القلب، إذ قد يميل قلب العبد إلى الشيء ولا يكون محباً له لمعرفته بمضرته له، فإن سمى هذا الميل محبة فهو اختلاف عبارة. وقيل: المحبة علم المحب بجمال المحبوب ومحاسنه. وهذا حد قاصر، فإن العلم بجماله ومحاسنه هو السبب الداعى إلى محبته، فعبر عن المحبة بسببها. وقيل: المحبة تعلق القلب بالمحبوب. وقيل: انصباب القلب إلى المحبوب. وقيل: سكون القلب إليه. وقيل: اشتغال القلب بالمحبوب، بحيث لا يتفرغ قلبه لغيره. وقيل: المحبة بذل المجهود فى معرفة محبوبك، وبذل المجهود فى مرضاته. وقيل: هيجان القلب عند ذكر المحبوب، وقيل: شجرة تنبت فى القلب تسقى بماء [الموافقة] ، وإيثار رضى المحبوب. وقيل: المحبة حفظ الحدود، فليس بصادق من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده. وقيل: المحبة إرادة لا تنقص بالجفاءِ ولا تزيد بالبر [وقيل: فطام والجوارح عن إستعمالها فى غير مرضاة المحبوب] وقيل: المحبة هى السخاءُ بالنفس للمحبوب وقيل: المحبة أن لا يزال عليك رقيب من المحبوب لا يمكنك من الانصراف عنه أبداً. وأنشد فى ذلك:
أبت غلبات الشوق إلا تقرباً ... إِليك، ويأْبى العذل إلا تجنباً
وما كان صدى عنك صد ملامة ... ولا ذلك الإعراض إلا تقربا
وما كان ذاك العذل إلا نصيحة ... ولا ذلك الإغضاءُ إلا تهيباً
على رقيب منك حل بمهجتى ... إذا رمت تسهيلاً على تصعباً
وقيل: المحبة سقوط كل محبة من القلب سوى محبة حبيبك، وقيل: المحبة صدق المجاهدة فى أوامر الله، وتجريد المتابعة لسنة رسول الله؟ ﷺ . وقيل: المحبة أن
стр. 325
يفتر من ذكره، [ولا يمل من حقه] ولا يأْنس بغيره.
وقال أبو يزيد: المحبة استقلال الكثير من نفسك واستكثار القليل من حبيبك. وقيل: المحبة أن يميتك حبيبك وتحيا به. وقال أبو عبد الله القرشى: المحبة أن تهب كلك لمن أحببت، فلا يبقى لك منك شيء. وقيل: أن تمحو من قلبك ما سوى المحبوب، وقيل: المحبة نسيان حظك من محبوبك وفقرك بكلك إليه.
وقال النصر أباذى: المحبة مجانبة السلوّ على كل حال. وقال الحارث بن أسد: المحبة ميلك إلى المحبوب بكليتك، ثم إيثارك له على نفسك وروحك ومالك، ثم موافقتك له سراً وجهراً، ثم علمك بتقصيرك فى حبه.
وقيل: المحبة سكر لا يصحو إلا بمشاهدة المحبوب. وقيل: المحبة إقامتك بالباب على الدوام. وقيل: المحبة حرفان: حاءٌ، وباءٌ. فالحاءُ الخروج عن الروح، وبذلها للمحبوب، والباءُ الخروج عن البدن وصرفه فى طاعة المحبوب.
وقال أبو عمر الزجاجى: سألت الجنيد عن المحبة فقال: تريد الإشارة؟ قلت: لا. قال: تريد الدعوى؟ قلت: لا. قال: فإيش تريد؟ قلت: عين المحبة، فقال: أن تحب ما يحب الله فى عباده، وتكره ما يكرهه الله فى عباده. وقيل: المحبة معية القلب والروح مع المحبوب معيةً لا تفارقه، فإن المرءَ مع من أحب، وقد قيل فى المحبة حدود أكثر من هذا وكل هذا تعن، ولا توصف المحبة ولا تحد بحد أوضح من المحبة، ولا أقرب إلى الفهم من لفظها.
وأما ذكر الحدود والتعريفات فإنما يكون عند حصول الإشكال والاستعجام على الفهم، فإذا زال الإشكال وعدم الاستعجام، فلا حاجة إلى ذكر الحدود والتعريفات، كما قال بعض العارفين: إن كل لفظ يعبر به عن الشيء فلا بد أن يكون ألطف وأرق منه. والمحبة ألطف وأرق من كل ما يعبر به عنها.
فصل
قال أبو العباس: "وقال قوم: ليس للمحبة صيغة يعبر بها عن حقيقتها.
فإن الغيرة من أوصاف المحبة، والغيرة تأْبى إلا التستر والاختفاءَ، وكل من بسط لسانه بالعبارة عنها والكشف عن سرها فليس له منها ذوق، وإنما حركه وجدان الرائحة، ولو ذاق منها شيئاً لغاب عن الشرح والوصف. فإن المحبة لا تظهر على المحب بلفظه وإنما تظهر عليه بشمائله ونحوله ولا يفهم حقيقتها من المحب سوى المحبوب، لموضع اقتداح الأسرار من القلوب، كما قيل:
стр. 326
تشير فأَدرى ما تقول بطرفها ... وأُطرق طرفى عند ذاك فتعلم
تكلم منا فى الوجوه عيوننا ... فنحن سكوت والهوى يتكلم
قلت: كل معنى فله صيغة تعبر به عنه، ولا سيما إذا كانت من المعانى المعروفة للخاص والعام. ولكن العبارة قد تكون كاشفة للمعنى مطابقة له، كلفظ الدراهم والخبز والماء واللبن ونحوها، وهى أكبر الألفاظ.
وقد يكون المعنى فوق ما يشير إليه اللفظ ويعبر عنه، وهو أجل من أن يدل لفظه على كمال ماهيته وهذا كأسماءِ الرب سبحانه وأسماء كتابه.
وكذلك اسم الحب فإنه لا يكشف اسمه مسماه، بل مسماه فوق لفظه، وكذلك اسم الشوق والعشق والموت والبلاءِ ونحوها. وقد يكون المعنى دون اللفظ بكثير، واللفظ أجل منه وأعظم.
وهذا كلفظ الجوهر الفرد الذى هو عبارة عن أَقل شيء وأصغره وأدقه وأحقره، فليس معناه على قدر لفظه، وإذا عرف هذا فقولهم: "ليس للمحبة صيغة يعبر بها عن حقيقتها" المراد به أن لفظها لا يفهم حقيقة معناها ومعناها فوق ما يفهم من لفظها.
وقوله: "الغيرة من أوصاف المحبة، وهى تأْبى إلا التستر والاختفاءَ" هذا كلام فى حكم المحبة ومقتضاها، لا فى حقيقتها ومعناها، والمحبون متباينون فى هذا الحكم، فمنهم من يجعل الغيرة من لوازم المحبة وعلامة ثبوتها وتمكنها ويجعل نداءَ المرءِ عليها وبسط لسانه بالإخبار بها دليلاً على أنه دعى فيها، وأن ما معه منها رائحتها لا حقيقتها، وحقيقتها تأْبى إلا التستر والكتمان. وهذه طريقة الملاميين، كما قيل:
لا تنكرى جحدى هواك، فإنما ... ذاك الجحود عليه ستر مسبل
ولهذا قيل: المحبة كتمان الإرادة، وإظهار الموافقة. وهذه الطائفة رأت أن كمال المحبة بكتمانها لأسباب عديدة:
أحدها: أن الحب كلما كان مكتوماً كان أشد وأعظم سرياناً وسكوناً فى أجزاءِ القلب كلها، كما قيل: الحب أَقتله أكتمه فإذا أفشاه المحب وأظهره وباح به ونادى عليه ضعف أثره وصار عرضة للزوال.
الثانى: أن الحب كنز من الكنوز، بل هو أعظم الكنوز المودعة فى سر العبد
стр. 327
وقلبه، فلا طريق للصوص إليه، فإذا باح به ونادى عليه فقد دل قطاع الطريق واللصوص على موضع كنزه، وعرضه لسلبه منه، فإن النفوس غيارة مغيرة، تغار على المحبوب أن يشاركها فى حبه أحد. فإذا غارت عليه أغارت على القلوب التى فيها حبه فانتزعته منه.
وهذه الآفة قد ابتلى بها كثير من السالكين الذين هم فى الحقيقة قطاع الطريق على السالكين إلى الله، وسولت لهم أنفسهم أن هذه غيرة منهم على محبوبهم أن يجب مثل هذه النفوس المتلوثة بالدنيا، وغرتهم أنفسهم ومنتهم أنهم يغارون على الله [ويحولون بين تلك النفوس وبين محبته فغاروا وأغاروا ونهبوا واستلبوا وهذه الطريقة عند المحبين المخلصين أولياء الله الداعين إلى الله] عداوة لله فى الحقيقة ومعاونة للشيطان، وقعود على طريق الله المستقيم الذى خلق عباده لأجله وأمرهم به.
فالحذر من هؤلاء القطاع اللصوص حمل أهل المحبة على المبالغة فى كتمانها، وإظهار التخلى منها بأسباب يلامون عليها ظاهراً وقلوبهم مغمورة بالمحبة مأْهولة بها.
وهذا الذى ظنوه غيرة هو من تلبيس الشيطان وخدعه لهم ومكره بهم، وإنما [هو حسد حملهم على أن يردوه وصالوا به وسموه غيرة] ، وإنما غيرة المحبين لله أن يغار أحدهم لمحارم الله إذا انتهكت، فيغار لله لا على الله، كما قال النبى ﷺ : "إن الله يغار، وإن المؤمن يغار وغيرة الله أن يأْتى العبد ما حرم عليه"، فغيرة المحب هى الموافقة لغيرة محبوبه، وهى أن يغار مما يغار منه المحبوب [وأما] ، وإذا كان المحبوب ممن يحبه وهذا يغار ممن يحبه الله فهو فى الحقيقة ساع فى خلاف مراد محبوبه، وفى إعدام ما يحبه محبوبه، فأَين هذا من الغيرة المحبوبة لله؟ وإنما هذه غيرة من أخيه المسلم كيف خصه الله بعطائه وألبسه ثوب نعمائه، فهى غيرة منه لا غيرة على الله، فإن الله لا يغار عليه بل يغار له. وسنفرد إن شاءَ الله للغيرة فصلاً نذكر فيه أقسامها وحقيقتها.
الثالث: أن المحبة التامة تستدعى شغل القلب بالمحبوب وعدم تفرغه للشرح والوصف، فلو صدقت محبته لاستغرق فيها عن شرح حاله ووصفه، فهذه طريقة هولاء، ومنهم من يجعل تهتكه وبوحه بها وإعلامه لها من تمامها وقوتها، ومن علامات قهرها له وأنها غلبت على سره حتى لم يطق صبره كتمانها، كما قال النووى: المحبة هتك
стр. 328
الأستار، وكشف الأسرار. فهذا حال النووى وأضرابه.
وعند هؤلاء التكتم ضعف فى المحبة وجور فيها، وحقيقتها أن تخليها ومقتضاها من ظهور آثارها على الجوارح والبدن، فإن أثرت حركة لم يسكنها وإن [أثرت دمعه لم يرسلها وإن أثرت تنفساً لم يكظمه وإن] أثرت بذلاً وإيثاراً لم يمسكه.
وكمال المحبة عندهم أن تنادى عليه أعضاؤه وألفاظه وألحاظه وحركاته وسكناته بالحب نداء لا يملك إنكاره.
وقال على بن عبيد وكتب يحيى بن معاذ إلى أبى يزيد: سكرت من كثرة ما شربت من كأْس محبته، فكتب إليه أبو يزيد: غيرك شرب بحور السموات والأرض ما روى بعد، ولسانه خارج وهو يقول هل من مزيد. فلم ير هذان العارفان التكتم بها وإخفاءَها وجحدها وهما هما. وكان الأُستاذ أبو على الدقاق ينشد كثيراً:
لى سكرتان وللندمان واحدة ... شيء خصصت به من بينهم وحدي
وجاء رجل إلى عبد الله بن المنازل فقال: رأَيت فى المنام كأَنك تموت إلى سنة، فقال عبد الله: لقد أجلتنى إلى أجل بعيد أعيش إلى سنة، لقد كان لى أنس ببيت سمعته من أبى على [الثقفى] :
يا من شكى شوقه من طول فرقته ... اصبر لعلك تلقى من تحب غداً
وقال الشبلى: المحب إذا سكت هلك، والعارف إن لم يسكت هلك.
والتحقيق: أن هذا هو حال المتمكن فى حبه، الذى تزول الجبال الراسيات وقلبه على الود لا يلوى ولا يتغير.
والأول حال المريد المبتديء الذى قد علقت نار المحبة فى قلبه، ولم يتمكن اشتعالها، فهو يخاف عليها عواصف الرياح أن تطفئها، فهو يخبئها ويكتمها ويسترها من الرياح جهده، فإذا اشتغلت وتمكن وقودها فى القلب لم تزدها كثرة الرياح إلا وقوداً واشتعالاً.
فهذا يختلف باختلاف الناس وتفاوتهم فى قوة المحبة وضعفها. والمقصود أن من بسط لسانه بالعبارة عنها والكشف عن سرها وأحكامها لن يؤمن أن يكون من أهل العلم بالمحبة لا من المتصفين بها حالاً، فكم بين العلم بالشيء والاتصاف به ذوقاً وحالاً، فعلم المحبة شيء ووجودها فى القلب شيء. وكثير من المحبين الذين
стр. 329
..
...
...
امتلأت قلوبهم محبة لو سئل عن حدها وأحكامها وحقيقتها لم يطق أن يعبر عنها، ولا يتهيأ له أن يصفها ويصف أحكامها، وأكثر المتكلمين فيها إنما تكلموا فيها بلسان العلم لا بلسان الحال.
وهذا والله أعلم هو معنى قول بعض المشايخ: أعظم الناس حجاباً عن الله أكثرهم إليه إشارة، فإنه إنما حظه منه الإشارة إليه لا [عكوف] القلب عليه، كالفقير الذى دأْبه وصف الأغنياء وأموالهم، ووصف الدنيا وممالكها، وهو خلو من ذلك.
ولا ريب أن وجود الحب فى القلب وترك الكلام [منه] علماً، [غير من كثرة الكلام فى هذه المسألة وخلو القلب منها] ، وخير من الرجلين من امتلأ قلبه منها حالاً وذوقاً، وفاضت على لسانه إرشاداً وتعليماً ونصيحة للأُمة. فهذا حال الكملة من الناس. والله المسئول من فضله وكرمه.
قوله: "المحبة لا تظهر على المحب بلفظه، وإنما تظهر عليه بشمائله ونحوله" هذا حق، فإن دلالة الحال على المحبة أعظم من دلالة القال عليها، بل الدلالة عليها فى الحقيقة هو شاهد الحال لا صريح المقال. ففرق بين من يقول لك بلسانه: إنى أحبك، ولا شاهد عليه من حاله، وبين من هو ساكت لا يتكلم وأنت ترى شواهد أحواله كلها ناطقة بحبه لك.
قال جعفر: قال الجنيد: دفع السرى إليه رقعة، وقال: هذه خير لك من سبعمائة قصة وكذا [وكذا] فإذا فيها:
ولما ادعيت الحب قالت كذبتنى ... فما لى أَرى الأعضاء منك كواسيا
فما الحب حتى يلصق القلب بالحشا ... وتذبل حتى لا تجيب المناديا
وتبخل حتى [لا] يبقى لك الهوى ... سوى مقلة تبكى بها وتناجيا
وبالجملة فشاهد [المحبه] الذى لا يكذب هو شاهد الحال، وأما شاهد المقال فصادق وكاذب.
قوله: "ولا يفهم حقيقتها من المحب سوى المحبوب، لموضع اقتداح الأسرار من القلوب" يعنى أن حقيقة المحبة وسرها لا يفهمه من المحب إلا محبوبه. وذلك لشدة الاتصال الذى بينه وبين محبوبه فى الباطن، فروحه أَقرب شيء إليه، [وأما] الغير وإن علم أنه محب بظهور أثر المحبة عليه وقيام شاهدها لكن لا يدرك تلك اللطيفة والحقيقة التى يدركها المحبوب من محبه، لموضع اتصال سره، وقرب ما بين الروحين، ولا سيما إذا
стр. 330
كانت المحبة من الطرفين فهناك العجب والمناجاة والملاطفة والإشارة والعتاب والشكوى، وهما ساكنان لا يدرى جليسهما بشأْنهما [فعجيب شأنهما] .
فصل فى محبة العوام:
قال: "وأما محبة العوام فهى محبة تنبت من [مطالعة] المنة وتثبت باتباع السنة، وتنمو على الإجابة للغاية، وهى محبة تقطع الوسواس، وتلذذ الخدمة، وتسلى عن المصائب، وهى [فى] طريق العوام عمدة الإيمان". فيقال: لا ريب أن المحبة درجات متفاوتة، بعضها أكمل من بعض. وكل درجة خاصة بالنسبة إلى ما تحتها، عامة بالنسبة إلى ما فوقها، فليس انقسامها إلى خاص وعام انقساماً حقيقياً متميزاً بالنسبة بفصل يميز أحد النوعين عن الآخر، وإنما تنقسم باعتبار الباعث عليها وسببها، وتنقسم بذلك إلى قسمين:
أحدهما: محبة تنشأُ من الإحسان، ومطالعة الآلاء والنعم، فإن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليه، ولا أحد أعظم إحساناً من الله سبحانه، فإن إحسانه على عبده فى كل نفس ولحظة، وهو يتقلب فى إحسانه فى جميع أحواله، ولا سبيل له إلى ضبط أجناس هذا الإحسان فضلاً عن أنواعه أو عن أفراده، ويكفى أن من بعض أنواعه نعمة النفس التى لا تكاد تخطر ببال العبد، وله عليه فى كل يوم وليلة فيه أربعة وعشرون ألف نعمة، فإنه يتنفس فى اليوم والليلة أربعة وعشرون ألف نفس، وكل نفس نعمة منه سبحانه، فإذا كان أدنى نعمة عليه فى كل يوم أربعة وعشرين ألف نعمة فما الظن بما فوق ذلك وأعظم منه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] [النحل: ١٨] ، هذا إلى ما يصرف عنه من المضرات وأنواع الأذى التى تقصده، ولعلها توازن النعم فى الكثرة، والعبد لا شعور به بأكثرها أصلاً، والله سبحانه يكلؤه منها بالليل والنهار كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء:٤٢] ، وسواء كان المعنى من يكلؤكم ويحفظكم منه إذا أراد بكم سوءاً ويكون يكلؤكم مضمناً معنى يجيركم وينجيكم من بأْسه، أو كانت "من" البدلية أى من يكلؤكم بدل الرحمن [سبحانه] أى هو الذى يكلؤكم وحده لا كاليء لكم غيره، ونظير "من" هذه قوله: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا
стр. 331
مِنكُمْ مَلائِكَةً فِى الأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠] ، على أحد القولين، أى عوضكم وبدلكم، واستشدوا على ذلك بقول الشاعر:
جارية لم تأْكل المرقَّقا ... ولم تذق من البقول الفستقا
أى لم تأكل الفستق بدل البقول، وعلى كلا القولين فهو سبحانه منعم عليهم بكلاءَتهم وحفظهم وحراستهم مما يؤذيهم بالليل والنهار وحده، لا حافظ لهم غيره. هذا مع غناه التام عنهم وفقرهم التام إليه من كل وجه، وفى بعض الآثار يقول تعالى: "أنا الجواد، ومن أعظم منى جوداً وكرماً؟ أبيت أكلأُ عبادى فى مضاجعهم وهم يبارزوننى بالعظائم".
وفى الترمذى أن النبى ﷺ لما رأى السحاب قال: "هذه روايا الأرض يسوقها الله إلى قوم لا يذكرونه، ولا يعبدونه".
وفى الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: "لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم ليجعلون له الولد، وهو يرزقهم ويعافيهم".
وفى بعض الآثار: "يقول الله: ابن آدم، خيرى إليك نازل، وشرك إلى صاعد، كم أتحبب إليك بالنعم، وأنا غنى عنك، وكم تتبغض إلى بالمعاصى، وأنت فقير إلى، وإلا يزال الملك الكريم يعرج إلى منك بعمل قبيح"
ولو لم يكن من تحببه إلى عباده وإحسانه إليهم وبره بهم إلا أنه [سبحانه] خلق لهم ما فى السموات والأرض وما فى الدنيا والآخرة، ثم أهلهم وكرمهم، وأرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه وشرع لهم شرائعه، وأذن لهم فى مناجاته كل وقت أرادوا وكتب لهم بكل حسنة يعملونها عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وكتب لهم بالسيئة واحدة، فإن تابوا منها محاها وأَثبت مكانها حسنة، وإذا بلغت ذنوب أحدهم عَنان السماءِ ثم استغفره غفر له، لو لقيه بقراب، الأرض خطايا ثم لقيه بالتوحيد لا يشرك به شيئاً لأَتاه بقرابها، مغفرة وشرع لهم التوبة الهادمة للذنوب فوفقهم لفعلها ثم قبلها منهم وشرع لهم الحج الذى يهدم ما قبله فوفقهم لفعله وكفر عنهم سيئاتهم به، وكذلك ما شرعه لهم من الطاعات والقربات وهو الذى أمرهم بها وخلقها لهم وأعطاهم إياها ورتب عليها جزاءَها، فمنه السبب ومنه الجزاءُ، ومنه التوفيق ومنه العطاءُ أولاً وآخراً.
وهم محل إحسانه كله منه [ليس منهم شيئاً إنما الفضل كله والنعمة كلها والإحسان كله] أولاً وآخراً: أعطى عبده [ماله] وقال: تقرّب بهذا إلى أقبله منك،
стр. 332
فالعبد له والمال له والثواب منه، فهو المعطى أولاً وآخراً فكيف لا يحب من هذا شأْنه؟ وكيف لا يستحى العبد أن يصرف شيئاً من محبته إلى غيره؟ ومن أولى بالحمد والثناءِ والمحبة منه؟ ومن أولى بالكرم والجود والإحسان منه؟ فسبحانه وبحمده لا إله إلا هو العزيز الحكيم ويفرح بتوبة أحدهم إذا تاب إليه أعظم فرح وأكمله، ويكفر عنه ذنوبه، ويوجب له محبته بالتوبة، وهو الذى ألهمه إياها ووفقه لها وأعانه عليها، وملأ سماواته من ملائكته، واستعملهم فى الاستغفار لأهل الأرض واستعمل حملة العرش منهم فى الدعاءِ لعباده المؤمنين والاستغفار لذنوبهم ووقايتهم عذاب الجحيم، والشفاعة إليه بإذنه أن يدخلهم جناته.
فانظر إلى هذه العناية وهذا الإحسان وهذا التحنن والعطف والتحبب إلى العباد واللطف التام بهم، ومع هذا كله بعد أن أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه وتعرف إليهم بأسمائه وصفاته وآلائه، ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا يسأل عنهم ويستعرض حوائجهم بنفسه ويدعوهم إلى سؤاله، فيدعو مسيئهم إلى التوبة ومريضهم إلى أن يسأله أن يشفيه وفقيرهم إلى أن يسأله غناه وذا حاجتهم يسأله قضاءَها كل ليلة، ويدعوهم إلى التوبة وقد حاربوه وعذبوا أولياءَه وأحرقوهم بالنار. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠] .
وقال بعض السلف: انظروا إلى كرمه كيف عذبوا أولياءه وحرقوهم بالنار، ثم هو يدعوهم إلى التوبة. فهذا الباب يدخل منه كل أحد إلى محبته ، فإن نعمته على عباده مشهودة لهم، يتقلبون فيها على عدد الأنفاس واللحظات.
وقد روى فى بعض الأحاديث مرفوعاً: "أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبونى بحب الله"، فهذه محبة تنشأْ من مطالعة المنن [والإحسان] ورؤية النعم والآلاء، وكلما سافر القلب [بفكره] فيها ازدادت محبته وتأكدت، ولا نهاية لها فيقف سفر القلب عندها، بل كلما ازداد فيها نظراً ازداد فيها اعتباراً وعجزاً عن ضبط القليل منها، فيستدل بما عرفه على ما لم يعرفه، والله دعا عباده إليه من هذا الباب، حتى إدا دخلوا منه دعوا من الباب الآخر وهو باب الأسماءِ والصفات الذى إنما يدخل منه إليه خواص عباده وأوليائه، وهو باب المحبين حقاً الذى لا يدخل منه غيرهم، ولا يشبع من معرفته أحد منهم، بل كلما بدا له منه علم ازداد شوقاً ومحبة
стр. 333
..
...
[وظمأ] .فإذا انضم داعى الإحسان والإنعام إلى داعى الكمال والجمال لم يتخلف عن محبة من هذا شأنه إلا أردأ القلوب وأخبثها وأشدها نقصاً وأبعدها من كل خير، فإن الله فطر القلوب على محبة المحسن الكامل فى أوصافه وأخلاقه، وإذا كانت هذه فطرة الله التى فطر عليها قلوب عباده، فمن المعلوم أنه لا أحد أعظم إحساناً منه ولا شيء أكمل منه ولا أجمل، فكل كمال وجمال فى المخلوق من آثار صنعه ، وهو الذى لا يجد كماله، ولا يوصف جلاله وجماله، ولا يحصى أحد من خلقه ثناءً عليه بجميل صفاته وعظيم إحسانه وبديع أفعاله، بل هو كما أثنى على نفسه.
وإذا كان الكمال محبوباً لذاته ونفسه وجب أن يكون الله هو المحبوب لذاته وصفاته، إذ لا شيء أكمل منه، وكل اسم من أسمائه وصفة من صفاته [تستدعى محبه خاصة فإن اسمائه كلها حسنى وهى مشتقة من صفاته] ، وأفعاله دالة عليها [فهو المحبوب المحمود لذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه] .
فهو المحبوب المحمود على كل ما فعل وعلى كل أمر، إذ ليس فى أفعاله عبث ولا فى أوامره سفه، بل أفعاله كلها لا تخرج عن الحكمة والمصلحة والعدل والفضل والرحمة، وكل واحد من ذلك يستوجب الحمد والثناءَ والمحبة عليه، وكلامه كله صدق وعدل، وجزاؤه كله فضل وعدل: فإنه إن أعطى فبفضله ورحمته ونعمته، وإن منع أو عاقب فبعدله وحكمته:
ما للعباد عليه حق واجب ... كلا ولا سعى لديه ضائع
إن عذبوا فبعدله، أو نعموا ... فبفضله، وهو الكريم الواسع
فصل
ولا يتصور نشر هذا المقام حق تصوره فضلاً عن أن يوفاه حقه، فأعرف خلقه به وأحبهم له ﷺ يقول: "لا أُحصى ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك"، ولو شهد بقلبه صفة واحدة من أوصاف كماله لاستدعت منه المحبة التامة عليها، وهل مع المحبين محبة إلا من آثار صفات كماله فإنهم لم يروه فى هذه الدار، وإنما وصل إليهم العلم بآثار صفاته وآثار صنعه، فاستدلوا بما علموه على ما غاب، فلو شاهدوه ورأوا جلاله وجماله وكماله لكان لهم فى حبه شأْن آخر، وإنما تفاوتت منازلهم ومراتبهم فى محبته على حسب تفاوت مراتبهم فى معرفته والعلم به. فأعرفهم بالله أشدهم حباً له، ولهذا كانت رسله أعظم الناس حباً له [من غيره] والخليلان من بينهم أعظمهم حباً، وأعرف الأُمة به أشدهم له حباً، ولهذا كان المنكرون لحبه من أجهل الخلق به، فإنهم
стр. 334
منكرون لحقيقة إلهيته ولخلة الخليلين [ ﷺ ] ولفطرة الله التى فطر الله عباده عليها، ولو رجعوا إلى قلوبهم لوجدوا حبه فيها، ووجدوا معتقدهم [وبحثهم] يكذب فطرهم، وإنما بعثت الرسل بتكميل هذه الفطرة وإعادة ما فسد منها إلى الحالة الأوُلى التى فطرت عليها، وإنما دعوا إلى القيام بحقوقها ومراعاتها لئلا تفسد وتنتقل عما خلقت له.
وهل الأوامر والنواهى إلا خدم وتوابع ومكملات ومصلحات لهذه الفطرة؟ وهل خلق الله خلقه إلا لعبادته التى هى غاية محبته والذل له؟ وهل هييء الإنسان إلا لها؟ كما قيل:
قد هيئوك لأمر لو فطنت له ... فاربأْ بنفسك أَن ترعى مع الهمل
وهل فى الوجود محبة حق غير باطلة إلا محبته سبحانه؟ فإن كل محبة متعلقة بغيره فباطلة زائلة ببطلان متعلقها، وأما محبته سبحانه فهو الحق الذى لا يزول ولا يبطل، كما لا يزول متعلقها ولا يفنى. وكل ما سوى الله باطل، ومحبة الباطل باطل.
فسبحان الله كيف ينكر المحبة الحق التى لا محبة أحق منها، ويعترف بوجود المحبة الباطلة المتلاشية؟ وهل تعلقت المحبة بوجود محدث إلا الكمال فى وجوده بالنسبة إلى غيره؟ وهل ذلك الكمال إِلا من آثار صنع الله الذى أتقن كل شيء؟ وهل الكمال كله إلا له" فكل من أحب شيئاً لكمال ما يدعوه إلى محبته فهو دليل وعبرة على محبة الله، وأنه أولى بكمال الحب من كل شيء. ولكن إذا كانت النفوس صغاراً كانت محبوباتها على قدرها، وأما النفوس الكبار الشريفة فإنها تبذل حبها لأجلّ الأشياء وأشرفها.
والمقصود أن العبد إذا اعتبر كل كمال فى الوجود وجده من آثار كماله سبحانه، فهو دال على كمال مبدعه، كما أن كل علم فى الوجود فمن آثار علمه، وكل قدرة فمن آثار قدرته، ونسبة الكمالات الموجودة فى العالم العلوى والسفلى إلى كماله كنسبة علوم الخلق وقدرهم وقواهم وحياتهم إلى علمه سبحانه وقدرته وقوته وحياته، فإذن لا نسبة أصلاً بين كمالات العالم وكمال الله [ ﷻ ] ، فيجب أن لا يكون بين محبته ومحبة غيره من الموجودات له، بل يكون حب العبد له أعظم من حبه لكل شيء بما لا نسبة بينهما، ولهذا قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبَّاً للهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] ، فالمؤمنون أشد حباً لربهم ومعبودهم [تعالى] من كل محب لكل محبوب. هذا مقتضى عقد الإيمان الذى لا يتم
стр. 335
إلا به. وليست هذه المسألة من المسائل التى للعبد عنها غنى أو منها بد، كدقائق العلم والمسائل التى يختص بها بعض الناس دون بعض، بل هذه مسألة تفرض على العبد، وهى أصل عقد الإيمان الذى لا يدخل فيه الداخل إلا بها ولا فلاح للعبد ولا نجاة له من عذاب الله إلا بها، فليشتغل بها العبد أو ليعرض عنها، ومن لم يتحقق بها علماً وحالاً وعملاً لم يتحقق بشهادة أن لا إِله إلا الله، فإنها سرها وحقيقتها ومعناها، وإن أبى ذلك الجاحدون وقصر عن علمه الجاهلون.
فإن الإِله هو المحبوب المعبود الذى تؤلهه القلوب بحبها وتخضع له وتذل له وتخافه وترجوه وتنيب إليه فى شدائدها وتدعوه فى مهماتها وتتوكل عليه فى مصالحها وتلجأ إليه وتطمئن بذكره وتسكن إلى حبه وليس ذلك إلا الله وحده، ولهذا كانت [لا إله إلا الله] أصدق الكلام، وكان أهلها أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أعداؤه، وأهل غضبه ونقمته.
فهذه المسألة قطب رحى الدين الذى عليه مداره، وإذا صحت صح بها كل مسألة وحال وذوق، وإذا لم يصححها العبد فالفساد لازم له فى علومه وأعماله، وأحواله وأقواله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فلنرجع إلى شرح كلامه فقوله: "وأما محبة العوام فهى محبة تنبت من مطالعة المنة" يعنى أن لهذه المحبة منشأ وثبوتاً ونمواً. [فمنشأها] الإحسان ورؤية فضل الله ومنته على عبده، وثبوتها باتباع أوامره التى شرعها على لسان رسول الله ﷺ ، ونموها وزيادتها يكون بإجابة العبد لدواعى فقره وفاقته إلى ربه، فكلما دعاه فقره وفاقته إلى ربه أجاب هذا الداعى وهو فقير بالذات فلا يزال فقره يدعوه إليه، فإن دامت استجابته له بدوام الداعى لم تزل المحبة تنمو وتتزايد، فكلما أخطر الرّب فى قلبه خواطر الفقر والفاقة بادر قلبه بالإجابة والانكسار بين يديه ذلاً وفاقة وحباً وخضوعاً، وإنما كانت هذه محبة العوام عنده لأن منشأها من الأفعال، لا من الصفات والجمال، ولو قطع الإحسان عن هذه القلوب لتغيرت وذهبت محبتها أو ضعفت، فإن باعثها إنما هو الإحسان، ومن ودَّك لأمر ولى عند انقضائه، فهو برؤية الإحسان مشغول، وبتوالى النعم عليه محمول.
قوله: "وهى محبة تقطع الوسواس، وتلذذ الخدمة، وتسلى على المصائب، وهى فى طريق العوام عمدة للإيمان". إنما كانت هذه المحبة قاطعة للوسواس لإحضار المحب
стр. 336
قلبه بين يدى محبوبه. والوسواس إنما ينشأُ من الغيبة والبعد، وأما الحاضر المشاهد فماله وللوسواس؟ فالموسوس يجاهد نفسه وقلبه ليحضر بين يدى معبوده، والمحب لم يغب قلبه عن محبوبه فيجاهده على إحضاره، فالوسواس والمحبة متنافيان، ومن وجه آخر أن [المحب قد انقطعت عن قلبه وساوس الأطماع لامتلأ قلبه من] محبة حبيبه فلا تتوارد على قلبه جواذب الأطماع والأمانى لاشتغاله بما هو فيه.
وأيضاً فإن الوسواس والأمانى إنما تنشأُ من حاجته وفاقته إلى ما تعلق طمعه به. وهذا عبد قد جنى من الإحسان، وأُعطى من النعم ما سد حاجته وأغنى فاقته، فلم يبق له طمع ولا وسواس، بل بقى حبه للمنعم عليه وشكره له وذكره إياه فى محل وساوسه وخواطره لمطالعة نعم الله عليه، وشهوده منها ما لم يشهد غيره.
وقوله: "وتلذذ الخدمة" هو صحيح، فإن المحب يتلذذ بخدمة محبوبه وتصرفه فى طاعته، وكلما كانت المحبة أقوى كانت لذة الطاعة والخدمة أكمل، فليزن العبد إيمانه ومحبته لله بهذا الميزان، ولينظر هل هو ملتذ [بخدمته كالمد والمحب بخدمة محبوبه] ، أو متكره لها يأْتى بها على السآمة والملل [واللوامة] ؟ فهذا [محل] إيمان العبد ومحبته لله.
قال بعض السلف: إنى أدخل الصلاة فأحمل هم خروجى منها ويضيق صدرى إذا [عرفت] أنى خارج منها، ولهذا قال النبى ﷺ "جعلت قرة عينى فى الصلاة"، ومن كانت قرة عينه فى شيء فإنه يود أن لا يفارقه ولا يخرج منه فإن قرة عين العبد نعيمه وطيب حياته به.
وقال بعض السلف: إنى لأفرح بالليل حين يقبل، لما يلتذ به عيشى وتقر به عينى من مناجاة من أُحب، "وخلوتى بخدمته والتذلل بين يديه، وأغتم للفجر إذا طلع، لما اشتغل به بالنهار عن ذلك، فلا شيء ألذ للمحب من خدمة محبوبه وطاعته.
وقال بعضهم: تعذبت بالصلاة عشرين سنة، ثم تنعمت بها عشرين سنة. وهذه اللذة والتنعم بالخدمة إنما تحصل بالمصابرة [على النكرة] والتعب أولاً، فإذا صبر عليه وصدق فى صبره أفضى به إلى هذه اللذة.
قال أبو زيد: سقت نفسى إلى الله وهى تبكى، فما زلت أسوقها حتى انساقت إليه وهى تضحك، ولا يزال السالك عرضة للآفات والفتور والانتكاس حتى يصل إلى هذه الحالة، فحينئذ يصير نعيمه فى سيره ولذته فى اجتهاده وعذابه فى فتوره ووقوفه، فترى أشد الأشياء عليه ضياع شيء من وقته ووقوفه عن سيره، ولا سبيل إلى هذا إلا بالحب المزعج.
стр. 337
وقوله: " [تسلى] عن المصائب" صحيح، فإن المحب يتسلى [بمحبوبه] عن كل مصيبة يصاب بها دونه، فإذا سلم له محبوبه لم يبال لما فاته فلا يجزع على ما ناله، فإنه يرى فى محبوبه عوضاً عن كل شيء، ولا يرى فى شيء غيره عوضاً منه أصلاً، فكل مصيبة عنده هينة إذا أبقت عليه محبوبه.
ولهذا لما خرجت تلك المرأة الأنصارية يوم أُحد تنظر ما فعل برسول الله ﷺ مرت بأبيها وأخيها مقتولين، فلم تقف عندهما، وجاوزتهما تقول: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ فقيل لها: ها هو ذا حى، فلما نظرت إليه قالت: ما أُبالى إذا سلمتَ هلك من هلك.
ولو لم يكن فى المحبة من الفوائد إلا هذه الفائدة وحدها لكفى بها شرفاً، فإن المصائب لازمة للعبد لا محيد له عنها، ولا يمكن دفعها بمثل المحبة وهكذا مصائب الموت وما بعدها إنما تسهل وتهون بالمحبة، وكذلك مصائب القيامة، وأعظم المصائب مصيبة النار ولا يدفعها إلا محبة الله وحده ومتابعة رسوله ﷺ .
فالمحبة أصل كل خير فى الدنيا والآخرة كما قال سمنون: ذهب المحبون لله بشرف الدنيا والآخرة، فإن النبى ﷺ قال: "المرءُ مع من أحب" فهم مع الله تعالى.
وقوله: "وهى فى طريق العوام عمدة الإيمان" كلام قاصر، فإنها عمود الإيمان وعمدته وساقه الذى لا يقوم إلا عليه، فلا إيمان بدونها البتة.
وإنما [أن] مراده هذه المحبة الخاصة التى تنشأُ من رؤية النعم هى عمدة إيمان العوام، وأما الخواص فعمدة إيمانهم محبة تنشأُ من معرفة الكمال ومطالعة الأسماءِ والصفات. والله أعلم.
قال أبو العباس: "وأما محبة الخواص فهى محبة خاطفة: تقطع العبارة، وتدقق الإشارة، ولا تنتهى بالنعوت، ولا تعرف إلا بالحيرة والسكوت."
وقال بعضهم:
يقول وقد أُلبست وجدا وحيرة ... وقد ضمَّنا بعد التفرق محضر
ألست الذى كنا نحدث أنه ... ولوع بذكراها، فأَين التذكر؟
فرد عليها الوجد:
أفنيت ذكره فلم ... يبق إلا زفرة وتحسر
فيقال: [ها هنا] مرتبتان من المحبة مختلف فى أيتهما أكمل من الأُخرى: إحداهما هذه المرتبة التى أشار إليها المصنف، وهى الدرجة الثالثة التى ذكرها شيخ الإسلام
стр. 338
فى منازله: فقال: "والدرجة الثالثة محبة خاطفة تقطع العبارة، وتدقق الإشارة، ولا تنتهى بالنعوت وهذه المحبة قطب هذا الشأْن، وما دونها مجال تنادى عليها الأَلسن، وادعتها الخليقة، وأوجبتها العقول".
والمرتبة الثانية عند صاحب المنازل ومن تبعه دون هذه المرتبة، وهى المحبة التى تنشأُ من مطالعة الصفات، فقال فى منزله: "والدرجة الثانية محبة تبعث على إيثار الحق على غيره، ويلهج اللسان بذكره، ويعلق القلب بشهوده، وهى محبة تظهر من مطالعة الصفات والنظر فى الآيات والارتياض بالمقامات"، وإنما جعل هؤلاء هذه المحبة أنقص من المحبة الثالثة بناءً على أُصولهم، فإن الفناءَ هو غاية السالك التى لا غاية له وراءَها، فهذه المحبة لما أفنت المحب واستغرقت روحه، بحيث غيبته عن شهوده وفنى فيها المحب وانمحت رسومه بالكلية ولم يبق هناك إلا محبوبه وحده، فكأَنه هو المحب لنفسه بنفسه، إذ فنى من لم يكن وبقى من لم يزل.
ولما ضاق نطاق النطق بهم عن التعبير عنها عدلوا إلى التعبير عنها بكونها "قاطعة للعبارة، مدققة للإشارة" يعنى تدق عنها الإشارة، ولأن الإشارة تتناول محباً ومحبوباً، وفى هذه المحبة قد فنى المحب فانقطع تعلق الإشارة به إذ الإشارة لا تتعلق بمعدوم.
وسر هذا المقام عندهم هو الفناءُ فى الحب بحيث لا يشاهد له رسماً ولا محبة ولا سبباً، ولهذا كانت الدرجتان اللتان قبله عنه معلولتين، لأنهما [مصحوبان] بالبقاءِ وشهود الأسباب، بخلاف الثالثة، ولهذا قال: "ولا تنتهى بالنعوت" يعنى أن النعت لا يصل إليها ولا يدركها.
وهذا بناء على قاعدته فى كل باب من أبواب كتابه، يجعل الدرجة [الثالثة] التى تتضمن الفناءَ أكمل مما قبلها والصواب أن الدرجة الثانية أكمل من هذه وأتم، وهى درجة الكملة من المحبين، ولهذا كان إمامهم وسيدهم وأعظمهم حبا ًصلى الله عليه وسلم فى الذروة العليا من المحبة، وهو مراع لجريان الأُمور ولجريان الأُمة، مثل سماعه بكاءَ الصبى فى الصلاة فيخففها لأجله، ومثل التفاتة فى صلاته إلى الشِّعب الذى بعث منه العين يتعرف له أَمر العدو، وهذا هو فى أعلى درجة المحبة.
ولهذا رأى ما رأى فى ليلة الإسراءِ وهو ثابت الجأْش حاضر القلب لم يفن عن تلقى خطاب ربه وأوامره، ومراجعته فى أمر الصلاة مراراً ولا ريب أن هذا الحال أكمل من حال موسى الكليم [صلوات الله وسلامه عليهما] فإن موسى خرَّ صعقاً وهو فى مقامه فى الأرض لما تجلى ربه للجبل، والنبى
стр. 339
صلى الله عليه وسلم قطع تلك المسافات وخرق تلك الحجب ورأى ما رأى وما زاغ بصره وما طغى، ولا [اضطرب] فؤاده ولا صعق [صلوات الله وسلامه عليه] .
ولا ريب أن الوراثة المحمدية أكمل من الوراثة الموسوية وتأَمل شأْن النسوة اللاتى رأَين يوسف كيف [أدهشهن] حسنه وتعلقت [قلوبهن] ، به، وأفناهن عن أنفسهن حتى قطعن أيديهن وامرأة العزيز أكمل حباً منهن له وأشد ولم يعرض لها ذلك، مع أن حبها أقوى وأتم، لأن حبها كان مع البقاءِ وحبهن كان مع الفناءِ، فالنسوة غيبهن حسنه وحبه عن أنفسهن، فبلغن من تقطيع أيديهن ما بلغن، امرأة العزيز لم [يغيبها حبها له] عن نفسها، بل كانت حاضرة القلب متمكنة فى حبها، فحالها حال الأقوياءِ من المحبين، وحال النسوة حال أصحاب الفناءِ.
ومما يدل على أن حال البقاء فى الحب أكمل من حال الفناءِ أن الفناءَ إنما يعرض لضعف النفس عن وارد المحبة، فتمتليء به وتضعف عن حمله فيفنيها ويغيبها عن تمييزها وشهودها فيورثها الحيرة والسكوت، وأما حال البقاءِ فيدل على ثبات النفس وتمكنها، وأنها حملت من الحب ما لم يطق حمله صاحب الفناءِ، فتصرفت فى حبها ولم يتصرف فيها، والكمال من إذا ورد عليه الحال تصرف هو فيه ولا يدع حاله يتصرف فيه.
وأيضاً فإن البقاءَ متضمن لشهود كمال المحبوب، ولشهود ذل عبوديته ومحبته، ولشهود مراضيه وأوامره، والتمييز بين ما يحبه ويكرهه، والتمييز بين المحبوب إليه والأحب، والعزم على إيثار الأحب إليه، فكيف يكون [الفانى عن شهوة هذا يتعيب الحب له أكمل وأقوى؟ وأى عبودية للمحبوب فى فناءِ المحب فى محبته؟] .
وهل العبودية كل العبودية إلا فى البقاءِ والصحو وكمال التمييز وشهود عزة محبوبه وذله وهو فى حبه واستكانته فيه، واجتماع إرادته كلها فى تنفيذ مراد محبوبه؟ فهذا وأمثاله مما يدل على أن الدرجة الثانية التى أشار إليها أكمل من الثالثة وأتم وهكذا فى جميع أبواب الكتاب والله أعلم.
وكأَنى بك تقول لا يقبل فى هذا إلا كلام من قطع هذه المفاوز حالاً وذوقاً، وأما الكلام فيها بلسان [العلم] المجرد فغير مقبول، والمحبون أصحاب الحال والذوق فى المحبة لهم شأْن وراءَ الأدلة والحجج.
فاعلم أولاً أن كل حال وذوق ووجد وشهود لا يشرق عليه نور العلم المؤيد بالدليل فهو من عبث النفس وحظوظها، فلو قدر أن المتكلم إنما تكلم بلسان العلم المجرد فلا ريب أن ما كشفه العلم الصحيح المؤيد بالحجة أنفع من حال
стр. 340
يخالف العلم والعلم يخالفه.
وليس من الإنصاف رد العلم الصحيح بمجرد الذوق والحال، وهذا أصل الضلالة، ومنه دخل الداخل على كثير من السالكين فى تحكيم أذواقهم ومواجيدهم على العلم، فكانت فتنة فى الأرض وفساد كبير. وكم قد ضل وأضل محكم الحال على العلم، بل الواجب تحكيم العلم على الحال ورد الحال إليه، فما زكاه شاهد العلم فهو المقبول، وما جرحه شاهد العلم فهو المردود، وهذه وصية أرباب الاستقامة من مشايخ الطريق [رضى الله عنه] يوصون بذلك ويخبرون أن كل ذوق ووجد لا يقوم عليه شاهدان اثنان من العلم فهو باطل، ويقال ثانياً: ليس من شرط قبول العلم بالشيء من العالم به أن يكون ذائقاً له، أفتراك لا تقبل معرفة الآلام والأوجاع وأدويتها إلا ممن قد مرض بها وتداوى بها؟ أفيقول هذا عاقل؟ ويقال ثالثاً: أتريد بالذوق أن يكون القائل قد بلغ الغاية القصوى فى هذه المرتبة فلا يقبل إلا ممن هذا شأْنه، أو تريد أنه لا بد أن يكون له أذواق أهله من حيث [الحملة] ؟ فإن أردت الأول لزمك أن لا يقبل أحد من أحد، إذ ما من ذوق إلا وفوقه أكمل منه، وإن أردت الثانى فمن أين لك نفيه عن صاحب العلم؟ ولكن لإعراضك عن العلم وأهله صرت تظن أن أهل العلم لهم العلم والكلام والوصف، وللمعرضين عنه الذوق والحال والاتصاف، والظن يخطيء تارة ويصيب، والله أعلم.
فصل
قال أبو العباس: "فعند القوم كل ما هو من العبد فهو علة تليق بعجز العبد وفاقته، وإنما عين الحقيقة عندهم أن يكون قائماً بإقامته له، محباً بمحبته له، ناظراً بنظره، لا من غر أن يبقى معه بقية تناط باسم أو تقف على رسم أو تتعلق بنظر أو تنعت بنعت أو توصف بوصف أو تنسب إلى وقت، صم بكم عمى لدينا محضرون".
فيقال: هذا هو مقام الفناءِ الذى يشير إليه كثير من المتأخرين، ويجعلونه غاية الغايات ونهاية النهايات وكل ما دونه فمرقاة إليه وعيلة عليه. ولهذا كانت المحبة عندهم آخر منازل الطريق، وأول أودية الفناءِ، والعقبة التى ينحدر منها على منازل المحو، وهى آخر منزل يلقى فيه مقدمة العامة ساقة الخاصة، وما دونها إعراض الإعراض.
فجعلوا المحبة منزلاً من المنازل ليست غاية، وجعلوها أول الأودية التى يسلك فيها أصحاب الفناءِ، فهى أول أوديتهم والعقبة التى ينحدرون منها إلى منازل الفناءِ والمحو.
فليست هى الغاية عندهم، وأصحابها عندهم مقدمة العامة، وساقة أصحاب الفناءِ عندهم مقدمون عليهم
стр. 341
سابقون لهم، فإنهم ساقة الخاصة وهؤلاءِ مقدمة العامة، فهذا كله بناء على أن الفناءَ هو الغاية التى لا غاية للعبد وراءَها ولا كمال له يطلبه فوقها. وقد تبين ما فى ذلك، وما هو الصواب بحمد الله، فقوله [﵀] : "كل ما هو من العبد فهو علة تليق بعجز العبد وفاقته" يقال له: إذا كان إنما [منه] العبودية التى يحبها الله كسباً ومباشرة فهو قائم بها شاهد لمقيمه فيها مطالع [لمنه] ، وفضله، فأى علة هنا سوى وقوفه مع شهودها منه، وغيبته عن شهود إقامة الله وتحريكه إياه، وتوفيقه له؟ فالعلة هى بهذا الشهود وهذه الغيبة المنفاية لكمال الافتقار والفاقة إلى الله، وأما شهود فقره وفاقته ومجموع حالاته وحركاته وسكناته إلى وليه [وبارئه] مستعيناً به أن يقيمه فى عبودية خالصة له، فلا علة هناك.
قوله: "وإنما عين الحقيقة أَن يكون قائماً بإقامته له" إلى آخر كلامه، يقال: إن أردت أنه يشهد إقامة الله له حتى قام ومحبته له حتى أحبه ونظره إلى عبده حتى أقبل عبده عليه ناظراً إليه بقلبه فهذا حق، فإن ما من الله سبق ما من العبد، فهو الذى أحب عبده أولاً فأحبه العبد، وأقام العبد فى طاعته فقام بإقامته، ونظر إليه فأقبل العبد عليه، وتاب عليه أولاً فتاب إليه [عبده] .
وإن أردت أنه لا يشهد فعله البتة بل يفنى عنه جملة ويشهد أن الله وحده هو الذاكر لنفسه الموحد لنفسه المحب لنفسه، وأن هذه الأسباب والرسوم تصير عدماً [حرماً] فى شهوده، وإن لم تفن وتعدم فى الخارج- وهذا هو مراد القوم- فدعوى [أن هذا هو الكمال الذى لا كمال فوقه ولا غاية وراءه دعوى] مجردة لا يستدل عليها مدعيها بأكثر من الذوق والوجد، وقد تقدم أن هذا ليس بغاية، وإنما غايته أن يكون من عوارض الطريق، وأن شهود الأشياء فى مراتبها ومنازلها التى أنزلها سبحانه إياها أكمل وأتم.
ويكفى فى بعض هذا الاحتجاج عليه بصفات الكفار، فإن الله ذمهم بأنهم صم بكم عمى، فهذه صفات نقص وذم لا صفات كمال ومدحة، وهل الكمال إلا فى حضور السمع والبصر والعقل وكمال التمييز وتنزيل الخلق والأمر منازلهما والتفريق بين ما فرق الله بينه؟ فالأَمر كله فرقان وتمييز وتبيين، فكلما كان تمييز العبد وفوقانه أتم كان حاله أكمل وسيره أصح وطريقه أقوم وأقرب. والحمد لله رب العالمين.
فصل
قال أبو العباس: وأما الشوق فهو هبوب القلب إلى غائب، وإعواز الصبر عن فقده، وارتياح السر إلى طلبه. وهو من مقامات العوام، وأما الخواص
стр. 342
فهو عندهم مخلة عظيمة لأن الشوق إنما يكون إلى غائب. ومذهب هذه الطائفة إنما قام على المشاهدة والطريق عندهم أن يكون العبد غائباً والحق ظاهراً. ولهذا المعنى لم ينطق بالشوق كتاب ولا سنة صحيحة.
[لأن] الشوق مخبر عن بعد ومشير [إلى] غائب، وهو يطلع إلى إدراك: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] ، وقيل:
ولا معنى لشكوى الشوق يوماً ... إلى من لا يزول عن العيان
اختلف الناس فى الشوق والمحبة أيهما أعلى؟ فقالت طائفة: المحبة أعلى من الشوق هذا قول ابن عطاء وغيره، واحتجوا بأن الشوق غايته أن يكون أثراً من آثار المحبة، ومتولداً عنها: فهى أصله وهو فرعها. قالوا: والمحبة توجب آثاراً كثيرة فمن آثارها الشوق. وقالت طائفة منهم سرى السقطى وغيره: الشوق أعلى. قال الجنيد: سمعت السرى يقول: الشوق أجل مقامات العارف، إذا تحقق فى الشوق لها عن كل شيء يشغله عمن يشتاق إليه. وإنما يظهر سر المسألة بذكر فصلين: الأول فى حقيقة الشوق، والثانى فى الفرق بينه وبين المحبة.
ويتبع ذلك خمس مسائل:
إحداها: هل يجوز إطلاقه على الله كما يطلق عليه أنه يحب عباده أم لا؟
الثانية: هل يجوز إطلاقه على العبد فيقال: يشتاق إلى الله كما يقال يحبه؟
الثالثة: أنه هل يقوى بالوصول والقرب، أم يضعف بهما؟ فأى الشوقين أعلى: شوق القريب الدانى، أم شوق البعيد الطالب؟
الرابعة: ما الفرق بينه وبين الاشتياق، فهل هما بمعنى واحد أم بينهما فرق؟
الخامسة: فى بيان مراتبه وأقسامها ومنازل أهله فيه.
الفصل الأول - فى حقيقة الشوق:
هو سفر القلب فى طلب محبوبه، بحيث لا يقر قراره حتى يظفر به ويحصل له. وقيل: هو لهيب ينشأ بين أثناء الحشا، سببه الفرقة، فإذا وقع اللقاء أطفأ ذلك اللهيب. وقيل: الشوق هبوب القلب إلى محبوب غائب.
وقال ابن خفيف [الشوق ارتياح القلوب ومحبه اللقاء بالقرب: وقيل] الشوق [تروح] القلوب نحو المحبوب من غير منازع. ويقال: الشوق انتظار اللقاء بعد البعاد. فهذه الحدود ونحوها مشتركة فى أن الشوق إنما يكون مع الغيبة من المحبوب وأما مع حضوره ولقائه فلا شوق.
وهذه حجة من جعل المحبة أعلى منه، فإن المحبة لا تزول باللقاءِ، وبهذا يتبين الكلام فى الفصل الثانى وهو الفرق بينه وبين المحبة.
стр. 343
الفصل الثانى - الفرق بينهما:
فرق ما بين الشيء وأثره. فإن الحامل على الشوق هو المحبة، ولهذا يقال: لمحبتى له اشتقت إليه وأحببته فاشتقت إلى لقائه، ولا يقال: لشوقى إليه أحببته، ولا اشتقت إلى لقائه فأحببته.
فالمحبة بذر فى القلب، والشوق بعض ثمرات ذلك البذر، وكذلك من ثمراتها حمد المحبوب والرضى عنه وشكره وخوفه ورجاؤه والتنعيم بذكره والسكون إليه والأُنس به والوحشية بغيره، وكل هذه من أحكام المحبة ... وثمراتها، وهو حياتها، فمنزلة الشوق من المحبة منزلة الهرب من البغضاءِ والكراهة: فإن القلب إذا أبغض الشيء وكرهه جد فى الهرب منه، وإذا أحبه جد فى الهرب إليه وطلبه، فهو حركة القلب فى الظفر بمحبوبه ولشدة ارتباط الشوق بالمحبة يقع كل واحد منهما موقع صاحبه ويفهم منه ويعبر عنه.
فصل
وأما المسائل [الخمس] فإحداها: هل يجوز إطلاقه على الله؟ فهذا مما لم يرد به القرآن ولا السُّنَّة بصريح لفظه. قال صاحب "منازل السائرين" وغيره: وسبب ذلك أن الشوق إنما يكون لغائب.
ومذهب هذه الطائفة إنما قام على المشاهدة، ولهذا السبب عندهم لم يجيء فى حق الله ولا فى حق العبد.. وجوزت طائفة إطلاقه كما يطلق عليه سبحانه، ورووا فى أثر أنه يقول: "طال شوق الأبرار إلى لقائى، وأنا إلى لقائهم أشوق". قالوا: وهذا الذى تقتضيه الحقيقة، وإن لم يرد به لفظ صريح، فالمعنى حق، فإن كل محب فهو مشتاق إلى لقاء محبوبه.
قالوا: وأما قولكم إن الشوق إنما يكون إلى الغائب وهو سبحانه لا يغيب عن عبده ولا يغيب العبد عنه، فهذا حضور العلم، وأما اللقاءُ والقرب فأمر آخر، فالشوق يقع بالاعتبار الثانى وهو قرب الحبيب ولقاؤه والدنو منه، وهذا له أجل مضروب لا ينال قبله.
قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يرْجُو لِقَاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥] ، قال أبو عثمان الحيرى: هذا تعزية للمشتاقين، معناه: إنى أعلم أن اشتياقكم إلى غالب، وأنا أجلت للقائكم أجلاً، وعن قريب يكون وصولكم إلى من تشتاقون إليه. والصواب أن يقال: إطلاقه [اللفظ] متوقف على السمع، ولم يرد به، فلا ينبغى إطلاقه. وهذا كلفظ العشق أيضاً، فإنه لما لم يرد به سمع فإنه يمتنع إطلاقه عليه سبحانه.
واللفظ الذى أطلقه سبحانه على نفسه وأخبر به عنها أتم من هذا وأجل شأْناً هو لفظ المحبة، فإنه سبحانه يوصف من كل صفة كمال بأكملها وأجلها
стр. 344
وأعلاها، فيوصف من الإرادة بأكملها وهو الحكمة وحصول كل ما يريد بإرادته كما قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] [البروج: ١٦] ، وبإرادة اليسر لا العسر كما قال: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ، وبإرادة الإحسان وإتمام النعمة على عباده كقوله: ﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتَ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ [النساء: ٢٧] ، [فإرادة] التوبة [له] وإرادة الميل لمبتغى الشهوات.
وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيجْعَلَ عَلَيْكُمْ مَّنْ حَرَجٍ وَلَكِنُ يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] ، وكذلك الكلام يصف نفسه منه بأعلى أنواعه كالصدق والعدل والحق، وكذلك الفعل [يصنف] نفسه منه بأكمله وهو العدل والحكمة والمصلحة والنعمة.
وهكذا المحبة وصف نفسه منها بأعلاها وأشرفها فقال: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهَ﴾ [المائدة: ٥٤] ، ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ، ﴿يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] [آل عمران: ١٣٤] [آل عمران: ١٤٨] [المائدة: ١٣] [المائدة: ٩٣] ، و ﴿يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] .
ولم يصف نفسه بغيرها من العلاقة والميل والصبابة والعشق والغرام ونحوها، فإن مسمى المحبة أشرف وأكمل من هذه [المسميات] ، فجاء فى حقه إطلاقه دونها. وهذه [المسميات] لا تنفك عن لوازم ومعان تنزه تعالى عن الاتصاف بها، وهكذا جميع ما أطلقه على نفسه من صفاته العلى أكمل معنى ولفظاً مما لم يطلقه.
فالعليم الخبير أكمل من الفقيه والعارف، والكريم الجواد أكمل من السخى، والخالق الباريء المصور أكمل من الصانع الفاعل، ولهذا لم تجيء هذه فى أسمائه الحسنى، والرحيم والرؤوف أكمل من الشفيق [والمشفق] فعليك بمراعاة ما أطلقه سبحانه على نفسه من الأسماءِ والصفات والوقوف معها، وعدم إطلاق ما لم يطلقه على نفسه ما لم يكن مطابقاً لمعنى أسمائه وصفاته، وحينئذ فيطلق المعنى لمطابقته له دون اللفظ ولا سيما إذا كان مجملاً أو منقسماً إلى ما [يمدح] به، وغيره فإنه لا يجوز إطلاقه إلا مقيداً، وهذا كلفظ الفاعل والصانع، فإنه لا يطلق عليه فى أسمائه الحسنى إلا إطلاقاً مقيداً أطلقه على نفسه كقوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] ، ﴿وَيَفعلُ الله مَا يَشَآءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧] ، وقوله: ﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِى أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] ، فإن اسم الفاعل والصانع
стр. 345
منقسم المعنى إلى ما يمدح عليه ويذم.
ولهذا المعنى- والله أعلم- لم يجئ فى الأسماء الحسنى المريد كما جاءَ فيها السميع البصير، ولا المتكلم ولا الآمر الناهى لانقسام مسمى هذه الأسماء بل وصف نفسه بكمالاتها وأشرف أنواعها.
ومن هنا يعلم غلط بعض المتأخرين وزلقة الفاحش فى اشتقاقه له سبحانه من كل فعل أخبر به عن نفسه اسماً مطلقاً فأدخله فى أسمائه الحسنى، فاشتق له اسم الماكر، والخادع، والفاتن، والمضل، والكاتب، ونحوها من قوله: ﴿وَيَمْكُرُ اللهُ﴾ [الأنفال: ٣٠] ، ومن قوله: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] ، ومن قوله: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه: ١٣١] ، ومن قوله: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَاءُ﴾ [الرعد: ٢٧] [النحل: ٩٣] [فاطر: ٨] ، وقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَ﴾ [المجادلة: ٢١] ، وهذا خطأ من وجوه:
أحدها: أنه سبحانه لم يطلق على نفسه هذه السماء، فإطلاقها عليه لا يجوز.
الثانى: أنه سبحانه أخبر عن نفسه بأفعال مختصة مقيدة، فلا يجوز أن ينسب إليه مسمى الاسم عند الإطلاق.
الثالث: أن مسمى هذه الأسماءِ منقسم إلى ما يمدح عليه المسمى به، وإلى ما يذم، فيحسن فى موضع، ويقبح فى موضع، فيمتنع إطلاقه عليه سبحانه من غير تفصيل.
الرابع: أن هذه ليست من الأسماء الحسنى التي يسمى بها سبحانه [فلا يجوز أن يسمى بها فإن أسماء الرب تعالى كلها حسنى] ، كما قال تعالى: ﴿وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] ، وهى التي يحب سحبانه أن يثنى عليه ويحمد بها دون غيرها.
الخامس: أن هذا القائل لو سُمي بهذه الأسماء، وقيل له هذه مدحتك وثناءٌ عليك، فأنت الماكر الفاتن المخادع المضل اللاعن الفاعل الصانع ونحوها لما كان يرضى بإطلاق هذه الأسماء عليه ويعدها مدحة، ولله المثل الأعلى سبحانه وتعالى عما يقول الجاهلون به علواً كبيراً.
السادس: أن هذا القائل يلزمه أن يجعل من أسمائه اللاعن والجائي والآتي والذاهب والتارك والمقاتل والصادق والمنزل والنازل [والمذموم] والمدمر وأضعاف أضعاف ذلك، فيشتق له اسماً من كل فعل أخبر به عن نفسه، وإلا تناقض تناقضاً بيناً، ولا أحد من العقلاءِ طرد ذلك، فعلم بطلان قوله والحمد لله رب العالمين.
فصل
وأَما المسأَلة الثانية وهى: هل يطلق على العبد أنه يشتاق إلى الله وإلى لقائه؟ فهذا غير ممتنع، فقد روى الإمام أحمد فى مسنده والنسائى وغيرهما من حديث
стр. 346
حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن أبيه قال: صلى بنا عمار بن ياسر صلاة فأوجز فيها، فقلت: خففت يا أَبا اليقظان، فقال: وما على من ذلك ولقد دعوت الله بدعوات سمعتها من رسول الله ﷺ ، فلما قام تبعه رجل من القوم فسأله عن الدعوات فقال: "اللَّهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحينى ما علمت الحياة خيراً لى وتوفنى إذا علمت الوفاة خيراً لى، اللَّهم إنى أسألك خشيتك فى الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق فى الغضب والرضا، وأسألك القصد فى الفقر والغنى، وأسألك نعيماً لا ينفد وقرة عين لا تنقطع وأسألك الرضا بعد القضاء وبرد العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر فى وجهك والشوق إلى لقائك، فى غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين".
فهذا فيه إثبات لذة النظر إلى وجهه الكريم، وشوق أحبابه إلى لقائه، فإن حقيقة الشوق إليه هو الشوق إلى لقائه، قال أبو القاسم القشيرى: سمعت الأستاذ أبا على يقول فى [قوله] ، ﷺ : " أسألك الشوق إلى لقائك" قال: كان الشوق مائة جزءٍ فتسعة وتسعون له، وجزءٌ متفرق فى الناس فأراد أن يكون ذلك الجزءُ له أيضاً، فغار أن تكون شظية من الشوق فى لغيره. قال: وسمعته يقول فى قول موسى: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤] ، قال: معناه شوقاً إليك، فستره بلفظ [الرضا] ، وهذا أكثر مشايخ الطريق يطلقونه ولا يمتنعون منه.
وقيل: إن شعيباً بكى حتى عمى بصره، فأوحى الله إليه: إن كان هذا لأجل الجنة فقد أبحتها لك، وإن كان لأجل النار فقد أجرتك منها. فقال: لا بل شوقاً إليك، وقال بعض العارفين: من اشتاق إلى الله اشتاق إليه كل شيء.
وقال بعضهم: قلوب [المشتاقين] منوّرة بنور الله [ ] فإذا تحرك اشتياقهم أضاء النور ما بين السماء والأرض، فيعرضهم الله على الملائكة فيقول: هؤلاء المشتاقون إلّى، أشهدكم أنى إليهم أشوق، وإذا كان الشوق هو سفر القلب فى طلب محبوبه ونزوعه إليه فهو من أشرف مقامات العبيد وأجلها وأعلاها، ومن أنكر شوق العبد إلى ربه فقد أنكر محبته له، لأن المحبة [تستلذم] الشوق [فالمحب] دائماً مشتاق إلى لقاء [حبيبه] : لا يهدأُ قلبه ولا يقر قراره إلا بالوصول إليه.
[وأما] قوله:"إن الشوق عند الخواص علة عظيمة، لأن الشوق إنما يكون إلى غائب، ومذهب [هذه] الطائفة إنما قام على المشاهدة" فيقال: المشاهدة نوعان: مشاهدة عرفان،
стр. 347
ومشاهدة عيان، وبينهما من التفاوت ما بين اليقين والعيان، ولا ريب أن مشاهدة العرفان متفاوتة بحسب تفاوت الناس بالمعرفة ورسوخهم فيها، وليس للمعرفة نهاية تنتهى إليها بحيث إذا وصل إليها العارف سكن قلبه عن الطلب، بل كلما وصل منها إلى معلم ومنزلة اشتد شوقه إلى ما وراءَه، وكلما ازداد معرفة ازداد شوقاً، فشوق العارف أعظم الشوق فلا يزال فى مزيد من الشوق ما دام فى مزيد من المعرفة، فكيف يكون الشوق عنده علة عظيمة؟ هذا من المحال البين.
بل من عرف الله اشتاق إليه، وإذا كانت المعرفة لا نهاية لها فشوق العارف لا نهاية له. هذا مع الشوق الناشيء عن طلب اللقاءِ والرؤية والمعرفة العيانية، فإذا كان القلب حاضراً عند ربه وهو غير غائب عنه لم يوجب له هذا أن لا يكون مشتاقاً إلى لقائه ورؤيته، بل هذا يكون أتم لشوقه وأعظم.
فظهر أن قوله: "وإن الشوق علة عظيمة فى طريق الخواص" كلام باطل على كل تقدير، وإن الشوق بالحقيقة إنما هو شوق الخواص العارفين بالله، والعبد إذا كان له مع الله حال أو مقام وكشف له عما هو أفضل منه وأجل اشتاق إليه بالضرورة، ولم يكن شوقه علة له ونقصاً فى حاله بل زيادة وكمالاً، ويكون ترك الشوق هو العلة.
وقد تقدم أن لا غاية للمعرفة تنتهى إليها فيبطل الشوق بنهايتها، بل لا يزال العارف فى مزيد من معرفته وشوقه والله المستعان.
فصل
وأما المسألة [الثالثة] وهى: هل يزول الشوق باللقاء أم يقوى؟ فقالت طائفة: الشوق يزول باللقاء، لأنه طلب، فإذا حصل المطلوب زال الطلب، لأن تحصيل الحاصل محال، ولا معنى للشوق إلى شيء حاصل، وإنما يكون الشوق إلى شيء مراد الحصول محبوب الإدراك، وقالت طائفة أُخرى: ليس كذلك بل الشوق يزيد بالوصول واللقاء ويتضاعف بالدنوّ، ولهذا قال القائل:
وأعظم ما يكون الشوق يوماً ... إذ دنت الديار من الديار
ولهذا قال بعضهم: شوق أهل القرب أتم من شوق المحبوبين واحتجت هذه الطائفة بأن الشوق من آثار الحب ولوازمه، [وكما] أن الحب لا يزول باللقاءِ فهكذا الشوق الذى لا يفارقه.
قالوا: ولهذا لا يزول الرضى والحمد والإجلال والمهابة التى هى من آثار المحبة باللقاء، فهكذا الشوق يتضاعف ولا يزوال، والقولان حق.
وفصل
стр. 348
الخطاب فى المسألة أن المحب إذا اشتاق إلى لقاءِ محبوبه فإذا حصل له اللقاءِ زال ذلك الشوق الذى كان متعلقاً بلقائه وخلفه شوق آخر أَعظم منه وأبلغ إلى ما [مزيد] قربه والخظوة عنده، وأما إذا قدر أنه لقيه ثم احتجب عنه ازداد شوقه إلى لقاءِ آخر ولا يزال يحصل له الشوق كلما احتجب عنه، فهذا لا ينقطع شوقه أبداً، فهو إذا رآه بلّ شوقه برؤيته. وإذا زال عنه الطرف عاوده الشوق كما قيل:
ما يرجع الطرف عنه عند رؤيته ... حتى يعود إليه الطرف مشتاقاً
وإنما الشأْن فى دوام الشوق حال الوصول واللقاءِ، فاعلم أن الشوق نوعان:
شوق إلى اللقاء، فهذا يزول باللقاء. وشوق فى حال اللقاء، وهو تعلق الروح بالمحبوب تعلقاً لا ينقطع [أبدلاً] ، فلا تزال الروح مشتاقة إلى مزيد هذا التعلق وقوته اشتياقاً لا يهدأُ. وقد أفصح بعد المحبين للمخلوق عن هذا المعنى بقوله:
أعانقها والنفس بعد مشوقة ... إليها وهل بعد العناق [تدانى]
وأَلثم فاها كى تزول صبابتى ... فيشتد ما ألقى من الهيمان
فالشوق فى حال الوصل والقرب إلى مزيد النعيم واللذة لا ينقطع والشوق فى حال السير إلى اللقاءِ ينقطع. ونستغفر الله من الكلام فيما لسنا بأهل له:
فالخوف أولى بالمسي ... إذا تأله والحزن
والحب يحمل بالتقي ... و [ب] النقاءِ من الدرن
لكن إذا ما لم يحب ... كم المسيء إذن فمن
وإذا تخوّن فعلنا ... فعل المحبة مؤتمن
أيحب شيء غيركم ... وحياتكم كلا ولن
أيحب من تأْتى محب ... ته بأَنواع المحن
والسعد فيها ذابح ... والقلب فيها ممتحن
دون الذى فى حبه ... نيل السعادة والمنن
ومحل بدر كمالها ... سعد السعود هو الوطن
والقلب حين يحل فى ... تلك المنازل والدمن
يمسى ويصبح من رضا ... هـ ومن مناه فى وطن
أيحبهم قلب ويخ ... شى أَن يضام؟ فلا إِذن
стр. 349
فصل
وأما المسألة الرابعة وهى: الفرق بين الشوق والاشتياق، فقال أبو عبد الرحمن السلمى: سمعت النصر أباذى يقول: للخلق كلهم مقام الشوق، وليس لهم مقام الاشتياق. ومن دخل فى حال الاشتياق هام فيه حتى لا يرى له أثر ولا قرار. وهذا يدل على أن الاشتياق عنده غير الشوق.
ولا ريب أن الاشتياق مصدر اشتاق يشتاق اشتياقاً، كما أن التشوق مصدر تشوق تشوقاً، والشوق فى الأصل اسم مصدر شاقه يشوقه شوقاً مثل شاقه شوقاً إذا دعاه إلى الاشتياق، فالاشتياق مطاوع شاقة يقال شاقنى فاشتقت إليه، ثم صار الشوق اسم مصدر الاشتياق وغلب عليه حتى لا يفهم [منه] عند الإطلاق إلا الاشتياق القائم بالمشوق والمشوق هو الصب المشتاق، والشائق هو الذى قام به وادعى الشوق.
[فهاهنا] ألفاظ الشوق والاشتياق والتشوق والشائق والمشوق والشيق. فهذه ستة ألفاظ: أحدها: الشوق، وهو فى الأصل مصدر الفعل المتعدى شاقه يشوقه، ثم صار اسم مصدر الاشتياق. اللفظ الثانى: الاشتياق، وهو مصدر اشتاق اشتياقاً، والفرق بينه وبين الشوق هو الفرق بين المصدر واسم المصدر. اللفظ الثالث: التشوق وهو مصدر تشوق إذا اشتاق مرة بعد مرة كما يقال: تجرع وتعلم وتفهم. وهذا البناءُ مشعر بالتكلف وتناول الشيء على مهلة. اللفظ الرابع: الشائق، وهو الداعى للمشوق إلى الاشتياق. واللفظ الخامس: المشوق، وهو المشتاق الذى قد حصل له الشوق. اللفظ السادس: الشيق، وهو فعل بمنزلة هين ولين، وهو المشتاق.
فهذه فروق ما بين هذه الألفاظ، وأما كون الاشتياق أبلغ من الشوق فهذا قد يقال فيه: إنه الأصل وهو أكثر حروفاً من الشوق، وهو يدل على المصدر الفاعل. وأما المشوق ففرع عليه لأنه اسم مصدر وأقل حروفاً وهو إنما يدل على المصدر المجرد، فهذه ثلاثة فروق [بينهما] . والله أعلم.
فصل
وأما المسألة الخامسة وهى فى مراتب الشوق ومنازله، فقال صاحب "منازل السائرين": "هو على ثلاث درجات: الدرجة الأولى: شوق العابد إلى
стр. 350
الجنة ليأْمن الخائف ويفرح الحزين ويظفر الآمل.
والدرجة الثانية: شوق إلى الله [ ] زرعه الحب الذى ينبت على حافات المنن تعلق قلبه بصفاته المقدسة واشتاق إلى معانيه لطائف كرمه وآيات بِرّهِ وعلامة فضله. وهذا شوق تغشاه المبار، وتخالجه المسار ويقارنه الاصطبار. والدرجة الثالثة: نار أضرمها صفو المحبة فنغصت العيش وسلبت السلو، ولم ينهنهها مقر دون اللقاءِ".
قلت: الدرجة الأولى هى شوق إلى فضل الله وثوابه. والثانية: شوق إلى لقائه ورؤيته. والثالثة: شوق إليه لا لعلة ولا لسبب ولا ملاحظة فيه غير ذاته.
فالأول: حظ المشتاق من إفضاله وإنعامه، والثانى: حظه من لقائه ورؤيته، والثالث: قد فنيت فيه الحظوظ واضمحلت فيه الأقسام.
وقوله فى الدرجة الأُولى: "ليأْمن الخائف ويفرح الحزين ويظفر الآمل" هذه ثلاث فوائد ذكرها فى هذا الشوق:
أمن الخائف، وفرح الحزين، والظفر [بالأمل] . فهذه المقاصد لما كانت حاصلة بدخول الجنة كانت مصورة للنفس أشد الشوق لها حصول هذه المطالب وهى الفوز والفرح.
وجماع ذلك أمران: أحدهما: النجاة من كل مكروه، والثانى: الظفر بكل محبوب. فهذان هما المشوقان إلى الجنة.
وقوله فى الثانية: "شوق إلى الله زرعه الحب" قد تقدم أن الشوق ثمرة الحب.
وقوله: "الذى ينبت على حافات المنن" أى أنشأه الفكر فى منن الله [تعالي] وأياديه وأنعامه المتواترة، وفيه إشارة إلى أن هذا الحب الذى هو نابت على الحافات والجوانب بعده حب أكمل منه وهو الحب الناشيء من شهود كمال الأسماء والصفات، وذلك ليس من نبات الحافات، ولكن من الحب الأول يدخل فى هذا كما تقدم، ولهذا قال: "تعلق قلبه بصفاته المقدسة".
وقوله: "اشتاق إلى معاينة لطائف كرمه وآيات بره وعلامة فضله" يشير به إلى ما يكرم الله به عبده من أنواع كراماته التى يستدل بها على أنه مقبول عند ربه ملاحظ بعنايته، وأنه قد استخدمه وكتبه فى ديوان أوليائه وخواصه.
ولا ريب أن العبد متى شاهد تلك العلامات والآيات قوى قلبه وفرح بفضل ربه وعلم [أنه] أهل فطاب له السير ودام اشتياقه وزالت عنه العلل، وما لم ينعم عليه بشيء من ذلك لم يزل كئيباً حزيناً خائفاً أن يكون ممن لا يصلح لذلك الجناب ولم يصل لتلك المنزلة.
وقوله: "وهذا شوق تغشاه المبارّ" هى جمع مبرة وهى البر، أى أن هذا الشوق
стр. 351
مشحون بالبر مغشى به، وهو إِما بر القلب وهو كثرة خيره، فهذا القلب أكثر القلوب خيراً، فيفعل البر [تقرباً] إلى من هو مشتاق إليه، فهو يجيش بأَنواع البر، وهذه من فوائد المحبة أن قلب صاحبها ينبع منه عيون الخير وتتفجر منه ينابيع البر، يريد به بأن مبارّ الله ونعمه تغشاه على الدوام.
وقوله: "وتخالجه المسار" [أى مخالطة] السرور فى غضو أشواقه، فإنها أشواق لا وحشة معها ولا ألم، بل هى محشوة بالمسرات.
وقوله: "ويقارنه الاصطبار" أى صاحبه له قوة على اصطباره على مرضاة حبيبه شوقه إليه، وإنما يضعف الصبر لضعف المحبة والمحب من أصبر الخلق كما قيل:
نفس المحب على الآلام صابرة ... لعل مسقمها يوماً يداويها
وقوله فى الدرجة الثالثة: "إنها نار أضرمها صفو المحبة" يعنى أن هذا الشوق يتوقد من خالص المحبة التى لا تشوبها علة، فهو أشد أنواع الشوق، ولهذا " [نغصت] العيش" أى كدرته ونغصت المشتاق فيه لأنه لا يصل إلى محبوبه ما دام فيه، فهو يترقب مفارقته.
وقوله: "وسلبت السلوّ" يعنى أن صاحبه لم يبق له مطمع فى سلوه أبداً، وهذا أعظم ما يكون من الحب والشوق، أن المحب أَيس من السلو [وينقطع] طمعه منه كما [ييأس] من الأُمور الممتنعة كرجوع أيام الشباب عليه وعوده طفلاً ونحو ذلك.
وقوله: "ولم ينهنهها مقرّ دون اللقاءِ" أى أن هذه النار لا يبردها ولا يفتر حرها مقصود ولا مطلب ولا مراد دون لقاءِ محبوبه، فليس لا سبيل إلى تبريدها وتسكينها إلا بلقاءِ محبوبه.
فصل
قال أبو العباس: "فهذه كلها علل أنف الخواص منها وأسباب انفطموا عنها، فلم يبق لهم مع الحق إرادة، ولا فى عطائه تشوق إلى استزادة.
فهو منتهى زادهم وغاية رغبتهم فيعتقدون أن ما دونه قاطع عنه: ﴿قُلْ أَى شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ﴾ [الأنعام: ١٩] ، وإنما زهدهم جمع الهمة عن تعريفات الكون لأَن الحق عافاهم بنور الكشف عن التعلق بالأَحوال: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَينَ الأَخْيَارِ﴾ [سورة ص: ٤٦- ٤٧] .
قلت: يشير بذلك إلى المحو ومقام الفناءِ الذى هو غاية الغايات عنده، وقد تقدم الكلام عليه وأن مقام الصحو والبقاءِ أفضل منه وأتم عبودية. وينبغى أن يعرف أن مراعاة مقام الفناءِ الذى جعلوه غاية آلَ
стр. 352
بكثير من طالبيه إلى ترك القيام بالأعمال جملة ورأَوا أنها علل قاطعة عنه، واشتد نكير الشيوخ والأئمة عليهم حتى قال شيخ الطائفة الجنيد [﵀] إن الذى يزنى ويسرق خير من هؤلاء.
وهم نوعان: نوع جردوا الفناءَ فى شهود الحكم: وهو الحكم القدرى ورأوا أنه نهاية التوحيد، فآل بهم استغراقهم فيه إلى اطراح الأسباب حتى قال قائلهم: العارف لا يعرّف معروفاً ولا ينكر منكراً لاستبصاره بشر الله فى القدر.
والنوع الثانى: أصحاب تجريد الفناءِ والإرادة فجردوا الفناءَ والإرادة تجريداً آل بهم إلى ترك الأسباب جملة، والطائفتان منحرفتان ضالتان خارجتان عن العلم والدين، ولهذا قال لهم شيخ القوم الجنيد: عليكم بالفرق الثانى. يعنى أن الفرق فرقان: فرق بالطبع والهوى، وهو الفرق الذى شهدوه وفروا منه إلى معنى الجمع.
ولكن بعد الجمع فرق ثان وهو الفرق بالأمر والمحبة، لا بالشهوة والطبع، وهو دين الرسل [صلوات الله عليهم وسلم] فإن دينهم مبناه على الفرق الأَمرى الشرعى بين محبوب الرب ومأْموره وبين مسخوطه ومنهيه، فمن لم يشهد هذا الفرق ولم يكن من أهله لم يكن من أَتباع الرسل، فإن الكمال شهود الجمع فى هذا الفرق فيشهد انفراد الله وحده بالخلق والأمر، ويشهد الفرق بين ما يحبه فيؤثره ويقدمه وبين ما يبغضه فيتركه ويتجنبه فيصير له هذا الفرق فى محل فرقه الطبعى الحسى بين ما يلائمه وينافره.
ومن المعلوم أن صاحب الجمع لا بد أن يفرق بطبعه وحسه، وإن ادعى عدم التفريق طبعاً فإنه كاذب مفتر، إذا كان لا بد من الفرق فالفرق الشرعى الإيمانى الذى بعث الله به رسله أدلى به من الفرق الطبعى الحيوانى الذى شاركه فيه سائر البهائم.
وأبطل من هذا الجمع الجمع فى الوجود، وهو أن يرى الوجود كله واحداً لا فرق فيه أصلاً، وإنما التفريق بالعادة والوهم فقط ما يقوله زنادقة القائلين بوحدة الوجود الذين لا يفرقون بين الخالق والمخلوق بل يجعلون وجود أحدهما وجود الآخر بل ليس عندهم فرق بين أحدهما والآخر إذ ما ثم غير.
فهذا جمع فى الوجود وجمع أُولئك جمع فى الشهود: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] [فكانوا أصحاب الجمع فى الفرق ففرقوا بين ما فرق الله بينه بإذنه وجمعوا الأشياء كلها فى خلقه وأمره وجمعوا إراداتهم ومحبتهم وشهودهم فيه] ، فكانوا أصحاب جمع فى فرق وفرق فى جمع. فهؤلاء خواص الخلق، فنسأل الله العظيم من فضله وكرمه أن يجعلنا منهم. فهؤلاء هم
стр. 353
الذين لم يبق لهم مع الحق إرادة، بل صارت إرادتهم تابعة لإرادته، فحصل الاتحاد فى المراد فقط لا فى الإرادة ولا فى المريد، فأصحاب الوحدة ظنوا الاتحاد فى المريد وأصحاب الحلول توهموا الاتحاد فى الإرادة: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] ، فعلموا أن المراد واحد فالاتحاد وقع فى المراد فقط، لا فى الإرادة ولا فى المريد.
وقوله "فيعتقدون أن ما دونه قاطع عنه" إنما يكون ما دونه قاطعاً عنه إذا وقف العبد معه وتعلقت إرادته به وانصرف طلبه إليه، وأما إذا جعله وسيلة إلى الله وطريقاً يصل بها إليه لم يكن قاطعاً ولا حجاباً، بل يكون حاجباً موصلاً إليه، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَى شَيءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩] ، المراد بالآية شهادته سبحانه لرسوله بتصديقه على رسالته، فإن المشركين قالوا لرسول الله ﷺ : من يشهد لك على ما تقول؟ فأنزل الله [تعالى] آيات شهادته له وشهادة ملائكته وشهادة علماءِ أهل الكتاب [له] ، فقال تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣] ، أى ومن عنده علم الكتاب يشهد لى وشهادته مقبولة لأنها شهادة بعلم، قال الله تعالى: ﴿لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ، وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ، وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً﴾ [النساء: ١٦٦] ، وقال تعالى ﴿قُلْ أَى شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً، قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩] ، فأخبر سبحانه فى هذه المواضع بشهادته لرسوله وكفى بشهادته إثباتاً لصدقه وكفى به شهيداً.
فإن قيل: وما شهادته [سبحانه] لرسوله؟ قيل: هى ما أقام على صدقه من الدلالات والآيات المستلزمة لصدقه بعد العلم بها ضرورة، فدلالتها على صدقه أعظم من دلالة كل بينة وشاهد على حق، فشهادته سبحانه لرسوله أصدق شهادة وأعظمها وأدلها على ثبوت المشهود به، فهذا وجه.
ووجه آخر: أنه صدقه بقوله وأقام الأدلة القاطعة على صدقه فيما يخبر به عنه، فإذا أخبر عنه أنه شهد له قولاً لزم ضرورة صدقه فى ذلك الخبر وصحت الشهادة له به قطعاً، فهذا معنى الآية وكان أجنبياً عما [استشهد] به المصنف.
ونظير هذا استشهادهم بقوله تعالى: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ، قُلِ اللهُ، ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾ [الأنعام: ٩١] حتى رتب على ذلك بعضهم أن الذكر بالاسم المفرد
стр. 354
وهو "الله، الله" أفضل من الذكر بالجملة المركبة كقوله: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"، وهذا فاسد مبنى على فاسد. فإن الذكر بالاسم المفرد غير مشروع أصلاً، ولا مفيد شيئاً، ولا هو كلام أصلاً، ولا يدل على مدح ولا تعظيم، ولا يتعلق به إيمان، ولا ثواب ولا يدخل به الذاكر فى عقد الإسلام جملة.
فلو قال الكافر: "الله، الله" من أول عمره إلى آخره لم يصر بذلك مسلماً فضلاً عن أن يكون من جملة الذكر [أو يكون أفضل الأذكار وبالغ بعضهم فى ذلك حتى قال الذكر] بالاسم المضمر أفضل من الذكر [بالاسم الظاهر، يذكر بقوله [هو، هو أفضل من الذكر] بقولهم: "الله، الله"، وكل هذا من أنواع الهوس والخيالات الباطلة المفضية بأهلها إلى أنواع من الضلالات، فهذا فساد هذا البناءِ الهائر، وأما فساد المبنى عليه فإنهم ظنوا أن قوله تعالى: ﴿قُلِ اللهُ﴾ [الأنعام: ١٩] ، أى قل هذا الاسم، فقل: الله الله، وهذا من عدم فهم القوم لكتاب الله، فإن اسم الله هنا جواب لقوله: ﴿قُلِ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِى جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَه قَرَاطِيس تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ [الأنعام: ٩١] ، إلى أن قال: ﴿قُلِ اللهُ﴾ ، أى قل: الله أنزله: فإن السؤال معاد فى الجواب فيتضمنه فيحذف اختصاراً كما يقول: من خلق السموات والأرض؟ فيقال: الله. أى الله خلقهما، فيحذف الفعل لدلالة السؤال عليه، فهذا معنى الآية الذى لا تحتمل غيره.
قوله: "وإنما زهدهم جمع [الهمة] عن تعريفات الكون لأَن الحق عافاهم بنور الكشف عن التعلق بالأَحوال" فيقال: الكشف الذى أوجب لهم هذا الجمع وقطع هذا التعلق هو الكشف الإيمانى القرآنى فهو فى الحقيقة الكشف النافع الجاذب لصاحبه إلى سلوك منازل الأبرار والوصول إلى مقامات القرب، ولا سيما إذا قارنه الكشف عن عيوب النفس وعلى الأعمال، فناهيك به من كشف.
والكرامة المرتبة عليه هى لزوم الاستقامة ودوام العبودية، فهذا أفضل كشف يعطاه العبد، وهذه أفضل كرامة يكرم بها الولى. رزقنا الله من فضله وبره.
وأما استشهاده بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدّارِ﴾ [ص: ٦٤] فهذه الآية يخبر فيها سبحانه عما أخلص له أنبياؤه ورسله من اختصاصهم بالآخرة، وفيها قولان: أحدهما أن المعنى نزعنا من قلوبهم
стр. 355
حب الدنيا وذكرها وإيثارها والعمل بها. والقول الثانى: إنا أخلصناهم بأفضل ما في الدار الآخرة واختصصناهم به عن العالمين.
قوله: وتوكلهم رضاهم بتدبير الحق، وتخلصهم من تدبيرهم، وفراغ [همهم] من احتيالها في إصلاح شئونها، بوقوفهم على فراغ المدبر منها، ومرها على علمه بمصالحهم فيها، ونفوسهم مطمئنة بذلك: ﴿يَأَيتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧] الآية.
وقد تقدم الكلام على التوكل وبيان أنه من مقامات العارفين، وأنه لا انفكاك للمؤمن منه، وذكر العلة فيه ما هى. وقوله: "وتوكلهم رضاهم بتدبير الحق" الرضا بالتدبير ثمرة التوكل وموجبه لا أنه نفس التوكل والمقدور، يكشفه أمران: التوكل قبل وقوعه، والرضا به بعد وقوعه.
ومن هنا قال بعضهم: حقيقة التوكل الرضا لأنه لما كان ثمرته وموجبه استدل له عليه استدلالاً بالأثر على المؤثر وبالمعلول على العلة، ولهذا قال فى الحديث الذى رواه الإمام أحمد والنسائى: وغيرهما عن النبى ﷺ أنه قال فى دعائه: "اللهم إنى أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيراً لى، وتوفنى إذا كانت الوفاة خيراً لي، اللهم وأسألك خشيتك فى الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق فى الغضب والرضا، وأسألك القصد فى الفقر والغنى، وأسألك نعيماً لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاءِ، وأسألك برد العيش بعد الموت" الحديث. وقد تقدم، فقال: "وأسألك الرضا بعد القضاء".
وأما التوكل فإنما يكون قبله، وقوله: "وتخلصهم من تدبيرهم" هذا مقام كثيراً ما يشير إليه السالكون، وهو ترك التدبير، وينبغى أن لا يؤخذ على إطلاقه بل لا بد فيه من التفصيل فيقال: العبد دائر بين مأمور يفعله، ومحظور يتركه. وقد يجري عليه بلا إرادة منها ولا كسب فوظيفته فى المأْمور كمال التدبير والجد والتشمير، وأن يدبر الحيلة فى [تنفيذه] بكل ما يمكنه، فترك التدبير هنا تعطيل للأمر. بل يدبر فعله ناظراً إلى تدبير الحق له، وأن تدبيره إنما يتم بتدبير الله له، فلا يكون هنا قدرياً مجوسياً ناظراً إلى فعله جاحداً لتدبير الله وتقديره ومعونته، ولا قدرياً مجبراً ولا واقفاً مع القدر جاحداً لفعله وتدبيره ومجلي أمر الله ونهيه.
فإن فعله الاختيارى هو محل الأمر والنهى، فمن جحد فعل نفسه فقد عطل الأمر والنهي وجحد محلهما، ووظيفته فى المحظور الفناءُ عن إرادته وفعله،
следующие страницы →