← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12031

صفة الصفوة

ابن الجوزي

Полный текст (1 666 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

ثم يقول: وأيم الله ما تلك الغفلة إلا رحمة من الله لهم ونعمة من الله عليهم. ولولا ذلك لألفي المؤمنون طائشة عقولهم طائرة أفئدتهم منخلقة علوبهم لا ينتفعون مع ذكر الموت بعيش أبداً. داود بن المحبر عن أبيه قال: مر بنا الربيع بن برة ونحن نسوي نعشاً لميت فقال: من هذا الغريب الذي بين أظهركم؟ قلنا ليس بغريب بل هو قريب حبيب. قال: فبكى وقال: من أغرب من الميت بين الأحياء؟ قال: فبكى القوم جميعاً. عن محمد بن سلام قال: سمعت الربيع بن عبد الرحمن يقول: رضيت لنفسك، وأنت الحول القلب، أن تعيش عيش البهائم، نهارك هائم وليلك نائم والأمر أمامك جد. محمد بن سلام الجمحي قال: كان الربيع بن برة يقول: نصب المتقون الوعيد من الله أمامهم فنظرت إليه قلوبهم بتصديق وتحقيق فهم والله في الدنيا منغصون، ووقفوا ثواب الأعمال الصالحة خلف ذلك فمتى سمت أبصار القلوب إلى ثواب الأعمال تشوقت القلوب وارتاحت إلى حلول ذلك، فهم والله إلى الآخرة متطلعون بين وعيد هائل ووعد حق صادق لا ينفكون من خوف وعيد إلا رجعوا إلى شوق موعود. فهم كذلك وعلى ذلك في الموت جعلت لهم الراحة. ثم بكى. عاصم الخلقاني قال: قال الربيع بن عبد الرحمن: إن لله عباداً أخمصوا له البطون عن مطاعم الحرام، وغضوا له الجفون عن مناظر الآثام، وأهملوا له العيون لما اختلط عليهم الظلام رجاء أن ينير لهم قلوبهم إذا تضمنتهم الأرض بين أطباقها، فهم في الدنيا مكتئبون وإلى الآخرة متطلعون، نفذت أبصار قلوبهم بالغيب إلى الملكوت فرأت فيه ما رجت من عظيم ثواب الله فازدادوا لله بذلك جداً واجتهاداً عند معاينة أبصار قلوبهم ما انطوت عليه آمالهم فهم الذين لا راحة لهم في الدنيا وهم الذين تقر أعينهم غدا ًبطلعة ملك الموت عليهم. قال: ثم يبكي حتى يبل لحيته بالدموع. محمد بن سلام الجمحي قال: سمعت الربيع بن عبد الرحمن يقول في كلامه: قطعتنا غفلة الآمال عن مبادرة الآجال فنحن في الدنيا حيارى لا ننتبه من رقدة إلا أعقبتنا في أثرها غفلة، فيا إخوتاه نشدتكم بالله هل تعلمون مؤمناً بالله أغر ولنقمته أقل حذراً من قوم هجمت بهم العبر على مصارع النادمين فطاشت عقولهم وضلت حلومهم مما رأوا العبر

стр. 1157

والأمثال، ثم رجعوا عن ذلك إلى غير قلعة ولا نقلة؟ فبالله لتبلغن من طاعة الله ورضاه أو لتنكرن به ماتعرفون من حسن بلائه وتواتر نعمائه - إن تحسن أيها المرء يحسن إليك وإن تسيء فعلى نفسك بالعتب فارجع فقد بين وحذر وأعذر فما للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً. زعم بعض نقلة الحديث أن الربيع بن برة أسند عن الحسن، وذكر له حديثاً. وإنما الربيع المذكور في ذلك الحديث هو الربيع بن صبيح، وأما ابن برة فلا نعلم له مسنداً.

стр. 1158

٥٥٠ - الحجاج العابد محمد بن صالح التميمي قال: قال أبو عبد الله مؤذن مسجد بني جدار: جاورني شاب فكنت إذا أذنت للصلاة وأقمت كأنه في نقرة قفاي. فإذا صليت صلى ثم لبس نعليه فدخل منزله. فكنت أتمنى أن يكلمني أو يسألني حاجة. فقال لي ذات يوم: يا أبا عبد الله عندك مصحف تعيرني أقرأ فيه؟ فأخرجت إليه مصحفاً فدفعته إليه فضمه إلى صدره ثم قال: ليكونن اليوم لي ولك شأن. ففقدته ذلك اليوم فلم أره يخرج. فأقمت المغرب فلم يخرج. وأقمت العشاء الآخرة فلم يخرج. فساء ظني فلما صليت العشاء الآخرة جئت إلى الدار التي هو فيها فإذا فيها دلو ومطهرة وإذا على بابه ستر فدفعت الباب فإذا به ميت والمصحف في حجرة. فأخذت المصحف من حجرة واستعنت بقوم على حمله حتى وضعناه على سريره. وبقيت ليلتي أفكر من أكلم حتى أكفنه فأذنت الفجر بوقت ودخلت المسجد لأركع، فإذا بضوء في القبلة فدنوت منه فإذا كفن ملفوف في القبلة فأخذته وحمدت الله وأدخلته البيت وخرجت فأقمت الصلاة فلام سلمت إذا عن يميني ثابت البناني ومالك بن دينار وحبيب الفارسي وصالح المري، فقلت لهم يا إخواني ما غدا بكم؟ قالوا: مات في جوارك الليلة أحد؟ قلت: مات شاب كان يصلي معي الصلوات. فقالوا لي: أرناه. فلما دخلوا عليه كشف مالك بن دينار الثوب عن وجهه قبل موضع سجوده ثم قال: بأبي أنت يا حجاج إذا عرفت في موضع تحولت منه إلى موضع غيره حتى لا تعرف، خذوا في غسله. وإذا مع كل واحد منهم كفن، فقال كل واحد منهم: أنا أكفنه، فلما طال ذلك منهم قلت لهم: إني فكرت في أمره

стр. 1159

هذه الليلة فقلت: من أكلم حتى يكفنه. فأتيت المسجد فأذنت ثم دخلت لأركع فإذا كفن ملفوف لا أدري من وضعه؟ فقالوا: يكفن في ذلك الكفن فكفناه وأخرجناه، فما كدنا نرفع جنازته، من كثرة من حضره من الجمع.

стр. 1160

٥٥١ - ضيغم بن مالك أبو مالك العابد. أبو أيوب مولى ضيغم بن مالك قال: قال لي ضيغم ليلة: لو أعلم أن رضاه أن أقرض لحمي لدعوت بالمقراض فقرضته. قال: قال سيار رأيت ضيغماً صلى نهاره أجمع وليله حتى بقي راكعاً لا يقدر أن يسجد فرأيته رفع رأسه إلى السماء ثم قال: قرة عيني، ثم خر ساجداً فسمعته يقول وهو ساجد: إلهي كيف عزفت قلوب الخليقة عنك؟ قال: وربما أصابته الفترة فإذا وجد ذلك اغتسل ثم دخل بيتاً فأغلق بابه وقال: إلهي إليك جئت. قال: فيعود إلى ما كان من الركوع والسجود. قال: وسمعت سيار بن حاتم يقولك كان ورد ضيغم كل يوم أربعمائة ركعة. عبيد الله بن عمر قال: أتيت صاحباً لي يقال له عمران بن مسلم فأراني موضعين مبتلين في مسجده أحدهما بحذاء الآخر فقلت: ما هذا؟ قال: هذا والله من دموع ضيغم البارحة بين المغرب والعشاء وهو راكع. أزهر بن مروان الرقاشي قال: رأيت ضيغماً العابد وكنت إذا رأيته رأيت رجلاً لا يشبه الناس من الخشوع والضر وطول الحزن. قال القرشي: وحدثني شيخ يكنى بأبي يعقوب عن سعيد البكاء قال: قال رجل لأم ضيغم: ما أطول حزن ضيغم. فبكت وقالت: لمثل ما ندب إليه فليحزن، ذهب الحسن وأصحابه بالحزن وهل رأيت يا بني محزوناً. محمد بن الحسين قال: حدثني مالك بن ضيغم قال: قالت أمه، يعني ضيغماً، ذات يوم: ضيغم! قال: لبيك يا أماه. قالت: كيف فرحك بالقدوم على الله؟ قال: فحدثني غير واحد من أهله أنه صاح صيحة لم يسمعوه صاح مثلها قط وسقط مغشياً عليه، فجلست العجوز تبكي عند رأسه وتقول: بأبي أنت ما نستطيع أن نذكر بين يديك شيئاً من أمر ربك.

стр. 1161

قال: وقالت له يوماً: ضيغم! قال: لبيك يا أماه. قالت: تحب الموت؟ قال: نعم يا أماه. قالت: ولم يا بني؟ قال: رجاء خير ما عند الله قال: فبكت العجوز وبكى فتسامع أهل الدار فجلسوا يبكون لبكائهم. قال: وقالت له يوماً آخر: ضيغم! قال: لبيك يا أماه. قالت: تحب الموت؟ قال: لا أماه. قالت: لم يا بني؟ قال: لكثرة تفريطي وغفلتي عن نفسي، قال: فبكت العجوز وبكى ضيغم واجتمع أهل الدار وجعلوا يبكون، وكانت أمه عربية كأنها من أهل البادية. مالك بن ضيغم قال: حدثني الحكم بن نوح قال: بكى أبوك ليلة من أول الليل إلى آخره لم يسجد فيها سجدة ولم يركع فيها ركعة ونحن معه في البحر، فلما أصبحنا قلنا: يا مالك لقد طالت ليلتك لا مصلياً ولا داعياً، قال: فبكى ثم قال: لو يعلم الخلائق ما يستقبلون غداً ما لذوا بعيش أبداً، والله إني لما رأيت الليل وهوله وشدة سواده ذكرت به الموقف وشدة الأمر هناك، وكل امرئ يومئذ تهمه نفسه: ﴿لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ قال: ثم شهق ولم يزل يضطرب ما شاء الله. مالك بن ضيغم قال: حدثتني خالتي حبابة بنت ميمون العتكية قالت: رأيت أباك ضيغماً نزل ذات ليلة من فوق البيت بكوز وقد برد له حتى صبه ثم اكتاز من الحب ماء حاراً فشرب فقلت له بعد ذلك: بأبي أنت قد رأيت الذي صنعت فمم ذاك؟ قال: حانت مني مرة نظرة إلى امرأة فجعلت على نفسي أن لا تذوق الماء البارد أيام الدنيا. فقلت: أنغص عليها الحياة. محمد بن مالك بن ضيغم قال: حدثني مولانا أيوب قال: قال لي أبو مالك يوماً: يا أبا أيوب احذر نفسك على نفسك فإني رأيت هموم المؤمنين في الدنيا لا تنقضي، وأيم الله لئن لم تأت الآخرة المؤمن بالسرور لقد اجتمع عليه الأمران: هم الدنيا وشقاء الآخرة. قال قلت: بأبي أنت وكيف لا تأتيه الآخرة بالسرور وهو ينصب لله في دار الدنيا ويدأب؟ قال: يا أبا أيوب فكيف بالقبول وكيف بالسلامة؟ ثم قال: كم من رجل يرى أنه قد أصلح شأنه، قد أصلح قربانه، قد أصلح همته، قد أصلح عمله، يجمع ذلك يوم القيامة ثم يضرب به وجهه. يحبى بن بسطام قال: قلت لجار ضيغم: هل سمعت أبا مالك يذكر من الشعر شيئاً؟ قال: ما سمعته يذكر إلا بيتاً واحداً. قلت: ما هو؟ قال:

стр. 1162

قد يخزن الورع التقي لسانه ... حذر الكلام وإنه لمفوه سعيد الوراق قال: حدثني ابن ثعلبة، وكان من العابدين، قال: رأيت ضيغماً في منامي بعد موته فقال لي: يا ابن ثعلبة أما صليت علي؟ قال: فذكرت علة كانت، فقال: أما لو كنت صليت علي لقد كنت ربحت رأسك.

стр. 1163

٥٥٢ - حماد بن سلمة يكنى أبا سلمة مولى لبني تميم، وهو ابن أخت حميد الطويل. عبد الرحمن بن مهدي قال: لو قيل لحماد بن سلمة إنك تموت غداً ما قدر أن يزيد في العمل شيئاً. مقاتل بن صالح الخراساني قال: دخلت على حماد بن سلمة فإذا ليس في البيت إلا حصير، وهو جالس عليه، ومصحف يقرأ فيه، وجراب فيه علمه، ومطهرة يتوضأ منها، فبينما أنا عنده جالس إذ دق داق الباب فقال: يا صبية اخرجي فانظري من هذا؟ فقالت: رسول محمد بن سليمان. قال: قولي له يدخل وحده. فدخل فناوله كتاباً فإذا فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من محمد بن سليمان إلى حماد بن سلمة. أما بعد فصبحك الله بما صبح به أولياءه وأهل طاعته: وقعت مسألة فأتنا نسألك عنها والسلام. قال: يا صبية هلمي الدواة. ثم قال لي: اقلب الكتاب واكتب: أما بعد وأنت فصبحك الله بما صبح به أولياءه وأهل طاعته، إنا أدركنا العلماء وهم لا يأتون أحداً فإن كانت وقعت مسألة فإتنا واسألنا عما بدا لك وإن أتيتني فلا تأتني إلا وحدك ولا تأتني بخيلك ورجلك فلا أنصحك، ولا أنصح نفسي والسلام. فبينا أنا عنده دق داق الباب فقال: يا صبية اخرجي فانظري من هذا؟ فقالت: محمد بن سليمان. قال: قولي له ليدخل وحده، فدخل فسلم ثم جلس بين يديه فقال: ما لي إذا نظرت إليك امتلأت رعباً فقال حماد: سمعت ثابتاً البناني يقول: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن العالم إذا أراد بعلمه وجه الله هابه كل

стр. 1164

شيء، وإذا أراد أن يكتنز به الكنوز هاب من كل شيء" ١ فقال: أربعون ألف درهم تأخذها تستعين بها على ما أنت عليه؟ قال: قال ارددها على من ظلمته بها. قال: والله ما أعطيتك إلا ما ورثته. قال: لا حاجة لي فيها ازوها عني زوى الله عنك أوزارك. قال: فتقسمها. قال: فلعلي إن عدلت في قسمتها أن يقول بعض من لم يرزق منها لم يعدل، ازوها عني زوى الله عنك أوزارك. موسى بن إسماعيل قال: لو قلت لكم إني رأيت حماد بن سلمة ضاحكاً قط صدقتكم كان مشغولاً بنفسه، إما أن يحدث وإما أن يقرأ وإما أن يسبح، وإما أن يصلي. كان قد قسم النهار على هذه الأعمال. سوار بن عبد الله قال: حدثنا أبي قال: كنت آتي حماد بن سلمة في سوقه فإذا ربح في ثوب حبة أو حبتين شد جونته فلم يبع شيئاً. فكنت أظن أن ذلك يقوته. فإذا وجد قوته لم يزد عليه شيئاً. يونس بن محمد قال: مات حماد بن سلمة في المسجد وهو يصلي. أسند حماد بن سلمة عن خلق لا يحصون من التابعين. وتوفي في سنة ثمان وستين ومائة. أبو عبد الله التميمي عن أبيه قال: رأيت حماد بن سلمة في النوم فقلت: ما فعل بك ربك؟ قال: خيراً. قلت: وماذا؟ قال: قيل لي طال ما كددت نفسك فاليوم أطيل راحتك وراحة المتعوبين في الدنيا، بخ بخ ماذا أعددت لهم.

стр. 1165

٥٥٣ - الحسن بن أبي جعفر أبو سعيد الجفري. واسم أبي جعفر عجلان. أبو عمران التمار قال: غدوت يوماً قبل الفجر إلى مسجد الجفري فإذا باب المسجد مغلق وإذا حسن جالس يدعو، وإذا ضجة في المسجد وجماعة يؤمنون على دعائه وحسن يدعو. قال: فجلست على باب المسجد حتى فرغ من دعائه فقام فأذن وفتح باب المسجد فلم أر في

стр. 1166

المسجد أحداً، فلما أصبح وتفرق عنه الناس قلت له: يا أبا سعيد إني والله رأيت عجباً. قال: ما رأيت؟ فأخبرته بالذي رأيت وسمعت. فقال: أولئك جن من أهل نصيبين يجيئون فيشهدون معي ختم القرآن كل ليلة جمعة ثم ينصرفون. أسند الجفري عن أبي الزبير وثابت البناني وغيرهما. وتوفي سنة ستين وقيل سنة سبع وستين ومائة.

стр. 1167

٥٥٤ - شداد المجذوم عن مخلد بن الحسين قال: كان بالبصرة رجل يقال له شداد، أصابه الجذام فتقطع فدخل عليه عواده من أصحاب الحسن فقال: كيف تجدك؟ قال: بخير: أما إنه ما فاتني جزئي بالليل، وقد سقطت وما بي إلا أني لا أقدر أن أحضر صلاة الجماعة.

стр. 1168

الطبقة السادسة حماد بن زيد بن درهم ... ومن الطبقة السادسة من أهل البصرة: ٥٥٥ - حماد بن زيد بن درهم يكنى أبا إسماعيل. عبد الرحمن بن مهدي قال: ما رأيت أحداً أعرف بالسنة من حماد بن زيد. أمية بن بسطام قال: سمعت يزيد بن زريع يقول يوم مات حماد بن زيد: مات اليوم سيد المسلمين. أسند حماد بن زيد عن خلق كثير من التابعين، وتوفي لعشر ليال خلون من رمضان سنة تسع وسبعين ومائة وهو ابن إحدى وثمانين سنة.

стр. 1169

٥٥٦ - يزيد بن زريع أبو معاوية العيشي، من بني عائش وهم من ولد بكر بن وائل. أبو بكر المروزي قال: سمعت عبد الوهاب يقول: سمعت أبا سليمان الأشقر، وكفاك بأبي سليمان، يقول: تنزه يزيد بن زريع عن خمس مائة ألف من ميراث أبيه فلم يأخذه. وقال المروزي: وسمعت أمية بن بسطام ابن عم يزيد بن زريع يقول: كان يزيد يعمل الخوص، وكان يكون في هذا البيت، وأشار إلى بيت لطيف في المسجد، وسمعت أبا الخطاب يذكر أن زريعاً كان والياً. قال أحمد بن حنبل: يزيد بن زريع كان يعمل الخوص وكان أبوه زريع والي البصرة، ولم يكن يأكل من ماله شيئاً وما أتقنه وما أحفظه، وصدوق متقن. سمع يزيد من أيوب ومن ابن عروبة وغيرهما. وتوفي بالبصرة سنة اثنتين وثمانين وقيل سنة سبع وسبعين ومائة.

стр. 1170

٥٥٧ - يحيى بن سعيد القطان يكنى أبا سعيد. عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي يقول: حدثني يحيى القطان: وما رأت عيناي مثله. سفيان قال: قال علي: كان يحيى يختم القرآن في يوم وليلة ما بين المغرب والعشاء. يحيى بن معين قال: أقام يحيى بن سعيد عشرين سنة يختم القرآن في كل ليلة ولم يفته الزوال في المسجد أربعين سنة، وما رئي يطلب جماعة قط. عمرو بن علي قال: قلت ليحيى في مرضه الذي مات فيه، يعاقبك الله. فقال: أحبه إلي أحبه إلى الله . علي بن عبد الله قال: كنا عند يحيى بن سعيد فقال لرجل: اقرأ. فقرأ ﴿حم﴾ الدخان فلما أخذ في القراءة نظرت إلى يحيى بن سعيد يتغير فلما بلغ: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ الدخان صعق يحيى وغشي عليه وارتفع صدره من الأرض وتقوص وانقلب فأصاب الباب فقار ظهره وسال الدم وصرخ النساء. فخرجنا فوقفنا بالباب حتى أفاق بعد كذا وكذا. ثم دخلنا عليه فإذا هو نائم على فراشه وهو يقول: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قال علي: فما زالت به تلك القرحة حتى مات ﵀. أسند يحيى بن سعيد عن كبار الأئمة كالأعمش وابن جريج والثوري ومالك وغيرهم. وتوفي بالبصرة سنة ثمان وتسعين ومائة. علي بن المديني قال: سنح لي ليلة خالد بن الحارث فقلت له: ما فعل بك ربك؟ قال: غفر لي، إن الأمر شديد. قلت: فما فعل يحيى بن سعيد القطان؟ قال: نراه كما ترون، الكوكب الدري في أفق السماء.

стр. 1171

٥٥٨ - رياح بن عمرو القيسي يكنى أبا المعاصر. يحيى بن راشد قال: حدثني محمد بن الحرب بن عبد ربه القيسي، وكان ذا قرابة لرياح، قال: كنت أدخل عليه المسجد وهو يبكي وأدخل عليه البيت وهو يبكي وآتيه في الجبان وهو يبكي، فقلت له يوماً: أنت دهرك في مأتم، فبكى ثم قال: يحق لأهل المصائب والذنوب أن يكونوا هكذا. معاذ بن عون الضرير قال: كنت أكون قريباً من الجبان فكان يمر بي رياح القيسي بعد المغرب إذا خلت الطريق فكنت أسمعه وهو يتشنج بالبكاء وهو يقول: إلى كم يا ليل يا نهار تحطان من أجلي وأنا غافل عم يراد بي؟ إنا لله إن الله. فهو كذلك حتى يغيب عن وجهه. علي بن الحسين بن أبي مريم قال: قال رياح القيسي: لي نيف وأرعون ذنباً قد استغفرت لكل ذنب مائة ألف مرة. عن محمد بن يحيى قال: قال رياح القيسي، كما لا تنظر الأبصار إلى شعاع الشمس، كذلك لا تنظر قلوب محبي الدنيا إلى نور الحكمة أبداً. مالك بن ضيغم قال: جاء رياح القيسي يسال عن أبي بعد العصر فقلنا هو نائم. فقال: أنوم في هذه الساعة؟ أهذا وقت نوم؟ ثم ولى منصرفاً. فأتبعناه رسولاً فقلنا: قل له ألا نوقظه لك؟ قال: فأبطأ علينا الرسول. ثم جاء وقد غربت الشمس فقلنا: أبطأ جداً. فهل قلت له؟ قال: هو كان أشغل من أن يفهم عني شيئاً، أدركته وهو يدخل المقابر وهو يعاتب نفسه ويقول: قلت: نوم هذه الساعة؟ أفكان هذا عليك؟ ينام الرجل متى شاء. وقلت: هذا وقت نوم؟ وما يدريك أن هذا ليس بوقت نوم؟ تسألين عما لا يعنيك وتتكلمين بما لا يعنيك، أما إن لله علي عهداً لا أنقضه أبداً. ألا أوسدك الأرض لنوم حولاً إلا لمرض حائل أو لذهاب عقل زائل، سوءة لك سوءة لك، أما تستحيين؟ كم توبخين وعن غيك لا تنتهين.

стр. 1172

قال وجعل يبكي وهو لا يشعر بمكاني، فلما رأيت ذلك انصرفت وتركته. محمد بن عبد الله قال: صليت مع رياح القيسي الظهر، فصليت إلى جانبه فجعلت دموعه تقع على البواري مثل الوكف: طق طق. قال وكان رياح ربما أخذ حفنة من تراب ثم يضعها على البوري ويسجد عليها. وربما وجد رياح في بعض السكك، وقد غشي عليه فيحمل إلى أهله مغشياً عليه. محمد بن مسعر قال: كان لرياح القيسي غل من حديد قد اتخذه وكان إذا جنه الليل وضعه في عنقه وجعل يتضرع ويبكي حتى يصبح. عثمان قال: أخبرتني مخة وكانت إحدى العوابد قالت: رأيت رياح بن عمرو القيسي ليلة خلف المقام فذهبت فقمت خلفه حتى أزحفت ثم اضطجعت وهو قائم، وأنا أنظر إليه، فقلت بصوت حزين: سبقني العابدون وبقيت وحدي، والهف نفساه، فإذا رياح قد شهق وانكب على وجهه مغشياً عليه. فامتلأ فمه رملاً، فما زال كذلك حتى أصبحنا ثم أفاق. الحارث بن سعيد قال: أخذ بيدي رياح فقال: هلم يا أبا محمد حتى نبكي على مر الساعات ونحن على هذه الحال. قال وخرجت معه إلى المقابر، فلما نظر إلى القبور صرخ ثم خر مغشياً عليه، قال: فجلست والله عند رأسه أبكي فأفاق فقال: ما يبكيك؟ قلت: لما أرى بك. قال: لنفسك فابك. ثم قال: وانفساه، وانفساه، ثم غشي عليه. قال: فرحمته والله مما نزل به فلم أزل عند رأسه حتى أفاق فوثب وهو يقول: ﴿تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ ﴿تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ النازعات. ومضى على وجهه وأنا أتبعه لا يكلمني حتى انتهى إلى منزله فدخل وأصفق بابه ورجعت إلى أهلي ولم يلبث بعد ذلك إلا يسيراً حتى مات. أسند رياح عن حسان بن أبي سنان وغيره.

стр. 1173

٥٥٩ - عتبة الغلام وهو عتبة بن أبان بن صمعة وإنما سمي بالغلام لجده واجتهاده لصغر سنه. وكان يفتل الشريط. سوار أبو عبيدة قال: بكى عتبة الغلام في مجلس عبد الواحد بن زيد تسع سنين لا يفتر

стр. 1174

بكاء من حين يبتدئ عبد الواحد في الموعظة إلى أن يقوم لا يكاد يسكت عتبة. فقيل لعبد الواحد إنا لا نفهم كلامك من بكاء عتبة. قال: فأصنع ماذا؟ يبكي عتبة على نفسه وأنهاه أنا، لبئس واعظ قوم أنا. سليم الحنيف قال: رمقت عتبة ذات ليلة بساحل البحر فما زاد ليلته تلك حتى أصبح على هذه الكلمات وهو قائم يقول: إن تعذبني فإني لك محب وإن ترحمني فإني لك محب، فلم يزل يرددها ويبكي حتى طلع الفجر. أبو توبة قال: كان عتبة الغلام يأكل خبزاً وملحاً ويقول: العرس في الدار الأخرى. عبد الله بن الفرج العابد قال: كان عتبة يعجن دقيقه ويجففه في الشمس ثم يأكله ويقول: كسرة وملح حتى نهنأ في الدار الأخرى الشواء والطعام الطيب. سلمة الفراء قال: كان عتبة الغلام من نساك أهل البصرة وكان من أصحاب الفلق. وكان قد قوت لنفسه ستين فلقة يتعشى كل ليلة بفلقة ويتسحر بأخرى، وكان يصوم الدهر ويأتي السواحل والجبابين. عن مخلد بن الحسين قال: كان عتبة يجالسنا فقال لنا يوماً: إنه لا يعجبني رجل لا يكون في يده حرفة. فقلنا: ما نراك تحترف. فقال: بلى رأس مالي طسوج أشتري به خوصاً أعمله وأبيعه بثلاثة طساسيج فطسوج رأس مالي وقيراط خبزي. أبو عمر الضرير قال: سمعت رياحاً القيسي يقول: قال لي عتبة: يا رياح إن كنت كلما دعتني نفسي إلى الكلام تكلمت فبئس الناظر لها أنا. يا رياح إن لي موقفاً تغتبط فيه بطول الصمت عن الفضول. مسلمة بن عرفجة العنبري قال: سمعت عنبسة الخواص يقول: كان عتبة الغلام يزورني فربما بات عندي. قال ذات ليلة فبكى من السحر بكاءاً شديداً فلما أصبح قلت له: قد فزعت قلبي الليلة ببكائك. فمم ذاك يا أخي؟ قال: يا عنبسة إني والله ذكرت يوم العرض على الله. ثم مال ليسقط فاحتضنته فجعلت أنظر إلى عينيه تتقلبان قد اشتدت حمرتهما. قال: ثم أزبد وجعل يخور فناديته: عتبة عتبة! فأجابني بصوت خفي: قطع ذكر يوم العرض على الله أوصال المحبين. قال: ثم جعل يحشرج بالبكاء ويردد حشرجة الموت ويقول: تراك مولاي تعذب محبيك وأنت الحي الكريم؟ قال: فلم يزل يرددها حتى والله أبكاني.

стр. 1175

داود بن المحبر قال: سمعت عبد الواحد بن زيد يقول: ربما سهرت مفكراً في طول حزن عتبة، وقد كلمته ليرفق بنفسه فبكى وقال: إنما أبكي تقصيري. الخليل بن عمرو البكري قال: سمعت مهدي بن ميمون يقول: خرجت في بعض الليالي إلى الجبان فإذا عتبة الغلام، فقال لي جئت؟ قد دعوت الله أن يجيء بك. قلت: أطعمنا رطباً. قال: فدعا فإذا دوخلة رطب بين أيدينا فأكلنا منه. زيدان قال: قال عتبة الغلام: كابدت الصلاة عشرين سنة وتنعمت بها عشرين سنة. عبد الله بن مبشر قال: دعا عتبة الغلام ربه أن يهب له ثلاث خصال في دار الدنيا: دعا الله أن يمن عليه بصوت حزين، ودمع غزير، وغذاء من غير تكلف. قال: فكان إذا قرأ بكى وأبكى، وكانت دموعه جارية دهره، وكان يأوي إلى منزله فيصيب قوته لا يدري من أين يأتيه. الحسن بن دعامة قال: رأيت عتبة الغلام إذا استحسن الطير دعاه فيجيء حتى يسقط على فخذه فيمسه ثم يسيبه فيطير. عن عبد الواحد بن زيد قال: انطلقت أنا وعتبة الغلام في حاجة حتى إذا كنا برحبة القصابين جعلت أنظر إلى عتبة يعرق عرقاً شديداً حتى رشح وذلك في يوم شات شديد البرد فقلت: عتبة ترشح عرقاً في مثل هذا اليوم الشديد البرد؟ فسكت ولم يخبرني فقلت: بالذي بيني وبينك، ولم أزل به، فقال: ذكرت ذنباً أذنبته في هذا الموضع. إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي قال: سألت يوسف بن عطية فقلت له: ما كان لباس عتبة؟ قال: كان يلبس كساءين يأتزر بواحد ويرتدي بآخر، إذا رأيته قلت بعض الأكرة. قال إبراهيم: كان عتبة عربياً شريفاً من عوذ. قال إبراهيم: وحدثني مضر قال: قال رجل لعبد الواحد بن زيد، تعلم أحداً يمشي في الطريق مشتغلاً بنفسه؟ قال: ما أعرف إلا رجلاً واحداً الساعة يدخل عليكم. فدخل عتبة. قال: وطريقه على السوق فقال له: يا عتبة من تلقاك في الطريق؟ قال: ما رأيت أحداً. قال عبد الواحد: وكان عتبة يسجد السجدة الطويلة على الحصا يوم الجمعة فما أراه يعقل بحره. أحمد بن زهير المروزي قال: ركب عتبة في زورق مع قوم فأراد الملاح أن يعدل ببعضهم

стр. 1176

السفينة فلم يجد أحداً منهم أحقر في عينيه من عتبة: فضرب جنبه فقال: استو فقال عتبة: الحمد لله الذي لم ير فيهم أحقر في عينه مني. أبو عبد الله الشحام قال: كان عتبة يبيت عندي. فقلت له: ما كانت عبادته؟ قال: كان يستقبل القبلة فلا يزال في فكر وبكاء حتى يصبح، وربما جاءني مساء فيقول: أخرج إلي شربة من ماء وتمرات أفطر عليها فيكون لك مثل أجري. عبد الخالق العبدي قال: كان لعتبة بيت يتعبد فيه فلما خرج إلى الشام أقفله وقال: لا تفتحوه إلى أن يبلغكم موتي، فلما بلغهم قتله فتحوه فأصابوا فيه قبراً محفوراً وغلاً حديداً. اشتغل عتبة بالعبادة عن الرواية وقتل شهيداً في بعض الغزوات. قدامة بن أيوب، وكان من أصحاب عتبة، قال: رأيت عتبة الغلام في المنام فقلت: ما صنع الله بك؟ قال: يا قدامة دخلت الجنة بتلك الدعوات المكتوبة في بيتك، فلما أصبحت أتيت إلى بيتي فإذا خط عتبة في الحائط مكتوب: يا هادي المضلين وراحم المذنبين ومقيل عثرات العاثرين، ارحم عبدك ذا الخطر العظيم والمسلمين كلهم أجمعين، واجعلنا مع الأحياء المرزوقين، مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين آمين رب العالمين.

стр. 1177

٥٦٠ - بشر بن منصور السليمي العباس بن الوليد قال: أتينا بشر بن منصور بعد العصر فخرج إلينا وكأنه متغير. فقلت له: يا أبا محمد لعلنا شغلناك عن شيء؟ فرد رداً ضعيفاً ثم قال: ما أكتمكم، أو كلمة نحوها، كنت أقرأ في المصحف فشغلتموني. ثم قال: ما أكاد ألقى أحداً فأربح عليه شيئاً. غسان بن المفضل قال: كان بشر بن منصور من الذين إذا رؤوا ذكر الله وإذا رأيت وجهه ذكرت الآخرة، رجل منبسط ليس بمتماوت ذكي فقيه، وكان بشر رجلاً من العرب وعلم بنيه عمل الخوص. أسيد بن جعفر ابن أخي بشر بن منصور قال: ما رأيت عمي بشر بن منصور ما فاتته التكبيرة الأولى قط ولا رأيته قام في مسجدنا سائل قط فلم يعط شيئاً إلا أعطاه.

стр. 1178

زهير السجستاني قال: سمعت بشر بن منصور يقول: ما جلست إلى أحد ولا جلس إلي فقمت من عنده أو قام من عندي إلا علمت أني لو لم أقعد إليه أو يقعد إلي كان خيراً لي. عبد الخالق أبو همام الزهراني قال: قال بشر بن منصور لرجل: أقلل من معرفة الناس فإنك لا تدري ما يكون، فإن كان شيء، يعني فضيحة في القيامة، كان من يعرفك قليلاً. قال علي بن المديني: بلغني عن عبد الرحمن بن مهدي قال: قال بشر بن منصور: إني لأذكر الشيء من أمر الدنيا ألهي به نفسي عن ذكر الآخرة أخاف على عقلي. عن ابن عيينة قال: قال رجل لبشر بن منصور: عظني، قال: عسكر الموتى ينتظرونك. عبيس بن مرحوم قال: حدثتني عبدة بنت أبي شوال قالت: رأيت رابعة في المنام فقلت: ما فعل ضيغم: قالت: يزور الله متى شاء. فقلت: ما فعل بشر بن منصور؟ قالت: بخ بخ أعطي والله فوق ما كان يأمل. أسند بشر عن الثوري وغيره.

стр. 1179

٥٦١ - عبد العزيز بن سلمان ويكنى أبا محمد. أبو طارق التبان قال: كان عبد العزيز بن سلمان إذا ذكر القيامة والموت صرخ كما تصرخ الثكلى ويصرخ الخائفون من جوانب المسجد. قال: وربما رفع الميت والميتان من جوانب مجلسه. مسمع بن عاصم قال: بت أنا وعبد العزيز بن سلمان وكلاب بن جري وسلمان الأعرج على ساحل من بعض السواحل فبكى حتى خشيت أن يموت، ثم بكى عبد العزيز لبكائه. ثم بكى سلمان لبكائهما. وبكيت والله لبكائهم لا أدري ما أبكاهم. فلما كان بعد سألت عبد العزيز فقلت: أبا محمد ما الذين أبكاك ليلتك؟ قال: إني نظرت والله إلى أمواج البحر تموج فذكرت أطباق النيران وزفراتها فذاك الذي أبكاني. ثم سألت كلاباً وسلمان فقالا لي نحواً من ذلك. قال مسمع: ما كان في القوم شر مني، ما كان بكائي إلا لبكائهم رحمة لما يصنعون بأنفسهم.

стр. 1180

عن محمد بن عبد العزيز بن سلمان قال: كان أبي إذا قام من الليل ليتهجد سمعت في الدار جلبة شديدة واستسقاء للماء الكثير. قال فنرى أن الجن كانوا يستيقظون للتهجد فيصلون معه. محمد بن عبد العزيز سلمان العابد البصري قال: سمعت دهثماً، وكان من العابدين، يقول: اليوم الذي كنت لا آتي فيه عبد العزيز كنت مغبوناً فأبطأت عليه ذات يوم ثم أتيته فقال: ما الذي أبطأ بك؟ قلت: خير. قال: على حال. قلت: شغلنا العيال، كنت ألتمس لهم شيئاً. قال: فوجدته لهم؟ قلت: لا. قال: هلم فلندع، قال: فدعا وأمنت ودعوت وأمن. ثم نهضنا لنقوم فإذا والله الدنانير والدراهم تتناثر في حجورنا. فقال: دونكها ومضى ولم يلتفت إلي. قال: فأخذتها فإذا مائة دينار ومائة درهم. قال محمد: فقلت له: ما صنعت بها؟ قال: احتبست قوت عيالي جمعة حتى لا يشغلني عن عبادته وشكره وخدمته فكر في شيء من عرض الدنيا، ثم أمضيتها والله في سبيل الله. قال محمد: يحق والله أن يرزقوا بغير حساب. أحمد بن أبي الحواري قال: أنبأنا عبد العزيز بن عمير قال: قيل لعبد العزيز الراسبي، وكانت رابعة تسميه سيد العابدين، ما بقي مما تلذ به؟ قال: سردان أخلو به فيه. محمد بن عبد العزيز بن سلمان قال: حدثتني أمي قالت: قال أبوك: ما للعابدين وما للنوم؟ لا نوم والله في دار الدنيا إلا نوم غالب. قال: فكان والله لا يكاد ينام إلا مغلوباً. محمد بن الحسين قال: حدثني محمد بن عبد العزيز بن سلمان قال: حدثني واقد الصفار قال: دعا عبد العزيز بن سلمان يوماً لمقعد كان في مجلسه وأمن إخوانه، قال: فوالله ما انصرف المقعد إلى أهله إلا ماشياً على رجليه.

стр. 1181

٥٦٢ - مطهر السعدي عبد العزيز بن سلمان العابد، وكان يرى الآيات والأعاجيب. قال: حدثني مطهر السعدي، وكان قد بكى شوقاً إلى الله تعالى ستين عاماً، قال: أريت كأني على ضفة نهر يجري بالمسك الأذفر، حافتاه شجر لؤلؤ وقضبان الذهب، فإذا أنا بجوار مزينات يقلن بصوت واحد: سبحان المسبح بكل لسان، سبحانه، سبحان الموجود بكل مكان، سبحانه، سبحان الدائم في كل الأزمان، سبحانه.

стр. 1182

قال: فقلت: من أنتن؟ فقلن: خلق من خلق الرحمن سبحانه فقلت: ما تصنعن ههنا فقلن: ذرانا إله الناس رب محمد ... لقوم على الأطراف بالليل قوم يناجون رب العالمين إلههم ... فتسري هموم الدنيا والناس نوم قال: فقلت: بخ بخ لهؤلاء، من هؤلاء؟ لقد أقر الله أعينكم بكن، فقلن: أو ما تعرفهم؟ قلت: لا والله ما أعرفهم. قلن: بلى هؤلاء المتهجدون أصحاب القرآن والسهر.

стр. 1183

٥٦٣ - كلاب بن جري حكيم بن جعفر قال: كان مسمع يحدثني بحالات كلاب بن جري فأسمع شيئاً ما كنت أرى أن يكون في هذه الأمة مثله، من شدة الخوف وطرب الشوق، فقلت له: يا أبا سيار فكيف كان ليله؟ قال: شهدته ليلة في بعض السواحل وهو يصرخ من أول الليل إلى آخره. فلما كان بعد ذلك قلت له: رحمك الله لقد أويت لك من طول ما كنت فيه ليلتك. قال: فبكى ثم قال: يا أبا سيار فبمن أستغيث إذاً؟ قال: فأبكاني والله.

стр. 1184

٥٦٤ - عبد الله بن ثعلبة الحنفي محمد بن علي الهاشمي قال: قال عبد الله بن ثعلبة الله يحفظك بأحراسه فإذا أصبحت غدوت على معاصيه خلافاً له؟ فإذا أمسيت أعاد حراسه عليك لا يمنعه ما كان منك. يوسف بن أبي عبد الله قال: سمعت عبد الله بن ثعلبة يقول: تضحك؟ ولعل أكفانك قد خرجت من عند القصار. عن حامد بن عمرو البكراوي قال: سمعت عبد الله بن ثعلبة يقول لسفيان بن عيينة: يا أبا محمد واحزناً على الحزن. فقال سفيان: هل حزنت قط لعلم الله فيك، فقال عبد الله: آه آه تركتني لا أفرح أبداً. أبو الحسن البصري قال: أنا أبو عروة، وكان جاراً لعبد الله بن ثعلبة الحنفي حتى انمحق خداه من الدموع، وكان يقول: لكل أناس مقبر بفنائهم ... فهم ينقصون والقبور تزيد

стр. 1185

وما إن تزال دار حي قد أخرجت ... وبيت لميت بالفناء جديد فهم جيرة الأموات أما مزارهم ... فدان وأما الملتقى فبعيد ولا نعرف لعبد الله مسنداً.

стр. 1186

٥٦٥ - ناشرة بن سعيد الحنفي مسمع بن عاصم قال: انطلقت أنا وعبد العزيز بن سلمان إلى ناشرة بن سعيد الحنفي؛ وكان قد بكى حتى أظلمت عيناه، فاستأذنا عليه فأذن لنا فدخلنا فسلم عليه عبد العزيز، فقال له ناشرة: أبو محمد؟ قال: نعم. قال: ما جاء بك؟ قال: نبكي معك على ما تقدم من سالف الذنوب. قال: فشهق شهقة خر مغشياً عليه، وجلس عبد العزيز يبكي عند رأسه. قال: وتنادى أهله فجعلوا يبكون حوله وهو صريع بينهم. فلما رأيت البكاء قد كثر انسللت فخرجت.

стр. 1187

الطبقة السابعة عبد الرحمن مهدي ... ومن الطبقة السابعة من أهل البصرة: ٥٦٦ - عبد الرحمن بن مهدي يكنى أبا سعيد العنبري. ويقال: هو مولى للأزد. ولد في سنة خمس وثلاثين ومائة. علي بن المديني قال: كان عبد الرحمن بن مهدي يختم في كل ليلتين، وكان ورده في كل ليلة نصف القرآن. هارون بن سفيان قال: سمعت عبيد الله بن عمر القواريري يقول: أملي علي عبد الرحمن بن مهدي عشرين ألف حديث حفظاً. عبد الرحمن بن عمر قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: كان يقال إذا لقي الرجل من فوقه في العلم: كان يوم غنيمة، وإذا لقي من هو مثله دارسه وتعلم منه، وإذا لقي من هو دونه تواضع له وعلمه. ولا يكون إماماً في العلم في العلم من يحدث بكل ما سمع ولا يكون إماماً في العلم من يحدث عن كل أحد، ولا يكون إماماً في العلم من يحدث بالشاذ من العلم والحفظ والإتقان. قال: وسمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: لولا أني أكره أن يعصى الله تمنيت أن لا يبقى في هذا المصر أحد إلا وقع في واغتابني، فأي شيء أهنأ من حسنة يجدها الرجل في صحيفته يوم القيامة لم يعملها ولم يعلم بها. وسمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول، وأراد أن يبيع أرضاً له فقال الدلال: أعطيت بالجريب خمسين ومائتي دينار ولكن نظر إلى أرض خراب ونخل بادية العروق، فلولا كانت مسمدة رجوت أن أبيع الجريب بفضل خمسين ديناراً وهذا كثير أربعة آلاف دينار؟ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ المائدة: ١٠٠ لا ولا كذا. أظنه قال: ولا مائة ألف.

стр. 1188

قال عبد الرحمن بم عمر: وحدثني يحيى بن عبد الرحمن بن مهري أن أباه كان يحيى الليل كله. قال عبد الرحمن بن عمر: وسمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: والله لا تجد فقد شيء تركته ابتغاء وجه الله، كنت أنا وأخي شريكين فأصبنا مالاً كثيراً فدخل قلبي من ذلك شيء فتركته لله وخرجت منه فما خرجت من الدنيا حتى رد الله علي ذلك المال عامة إلي وإلى ولدي، زوج أخي ثلاث بنات من بني وزوجت ابنتي من ابنه، ومات أخي فورثه أبي، ومات أبي فورثنه أنا، فرجع ذلك كله إلي وإلى ولدي في الدنيا. أسند عبد الرحمن عن الأئمة كمالك بن أنس والثوري وشعبة والحمادين، وقد أدرك جماعة من التابعين منهم: جرير بن حازم، والمثنى بن سعيد، وصالح بن درهم. وتوفي بالبصرة في جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ومائة، وهو ابن ثلاث وستين سنة.

стр. 1189

٥٦٧ - عفان بن مسلم أبو عثمان الصفار جمع بين العلم والتقى. صالح بن أحمد بن عبد الله العجلي قال: ثنا أبي قال: عفان بن مسلم بصري ثقة ثبت، صاحب سنة، جعل له عشرة آلاف دينار على أن يقف عن تعديل رجل ولا يقول: عدل ولا غير عدل. فأبى وقال: لا أبطل حقاً من الحقوق. حنبل بن إسحاق قال: سمعت عفان يقول: دعاني إسحاق بن إبراهيم فقرأ علي الكتاب الذي كتب به المأمون وإذا فيه: امتحن عفان وادعه إلى أن يقول: القرآن كذا وكذا. فإن قال ذلك فأقرأه على أمره وإن لم يجبك فاقطع عنه الذي يجري عليه وكان يجري عليه خمسمائة درهم كل شهر. قال عفان: فقال لي: ما تقول؟ فقرأت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ الإخلاص: ١ حتى ختمتها وقلت: مخلوق هذا؟ فقال: إن أمير المؤمنين يقول إن لم تجبه يقطع عنك ما يجرى عليك فقلت يقول الله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ الذاريات فسكت عني، فانصرفت.

стр. 1190

أسند عفان عن جماعة من الأئمة كشعبة والحمادين. وتوفي ببغداد في سنة عشرين ومائتين، وقيل تسع عشرة، وله خمس وثمانون سنة.

стр. 1191

٥٦٨ - زهير بن نعيم الباني يكنى أبا عبد الرحمن. أحمد بن عصام قال: قال زهير بن نعيم: عن هذا الأمر لا يتم إلا بشيئين: الصبر واليقين، فإن كان يقين ولم يكن معه صبر لم يتم، وإن كان صبر ولم يكن معه يقين لم يتم، وقد ضرب لهما أبو الدرداء مثلاً فقال: مثل اليقين والصبر مثل فدادين يحفران الأرض فإذا جلس واحد جلس الآخر. قال أحمد بن عصام: وسمعت خالي عبد العزيز بن يوسف يقول: أردت الخروج من البصرة فبدأت بيحيى بن سعيد فودعته ثم ودعت عبد الرحمن بن مهدي، ثم ودعت زهيراً فقلت: هل من حاجة؟ فقال: نعم إلا أنها مهمة. قال: ففرحت. فقال: إتق الله، فوالله لأن يتقيه عبد أحب غلي من أن تتحول هذه السواري كلها ذهباً. عبد الرحمن بن عمر قال: انتهى إلينا يوماً رجل من هؤلاء الخبثاء القدرية فقال له: يا أبا عبد الرحمن بلغني انك رجل زنديق. فقال له زهير: أما زنديق فلا، ولكني رجل سوء. عبد الله بن عبد الغفار الكرماني قال: سمعت زهير بن نعيم الباني يقول: لوددت أن جسدي قرض بالمقاريض وأن هذا الخلق أطاع الله. عبد الله بن عبد الغفار الكرماني قال: دخلت على زهير بن نعيم الباني وقد سقط من سطح، وقد تهشم وجهه، وهو مكفوف فقلت: يا أبا عبد الرحمن كيف خبرك قال: هو ذا تراني كيف أنا وهي الدنيا فليجهد جهدها. محمد بن يونس بن موسى قال: سمعت زهير بن نعيم الباني. وقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن توصي بشيء؟ قال: نعم إحذر أن يأخذك الله وأنت على غفلة.

стр. 1192

٥٦٩ - أبو عبد الله الحربي الزاهد إبراهيم بن شبيب بن شيبة قال: كنا نتجالس في الجمعة فأتى رجل عليه ثوب واحد ملتحف به فجلس إلينا فألقى مسألة فما زلنا نتكلم في الفقه حتى انصرفنا. ثم جاءنا في الجمعة المقبلة فأحببناه وسألناه عن منزله فقال: أنزل الحربية فسألناه عن كنيته فقال: أبو عبد الله. فرغبنا في مجالسته ورأينا مجلسنا مجلس فقه. فمكثنا بذلك زماناً ثم انقطع عنا فقال بعضنا لبعض: ما حالنا؟ قد كان مجلسنا عامراً بأبي عبد الله وقد صار موحشاً فوعد بعضنا بعضاً إذا أصبحنا أن نأتي الحربية فنسأل عنه. فأتينا الحربية وكنا عدداً فجعلنا نستحي أن نسأل عن أبي عبد الله فنظرنا إلى صبيان قد انصرفوا من الكتاب فقلنا: أبو عبد الله. فقالوا: لعلكم تعنون الصياد؟ قلنا نعم. قالوا هذا وقته الآن يجيء. فقعدنا ننتظره فإذا هو قد أقبل مؤتزراً بخرقة وعلى كتفه خرقة ومعه أطيار مذبحة وأطيار أحياء. فلما رآنا تبسم إلينا وقال: ما جاء بكم؟ فقلنا: فقدناك وقد كنت غمرت مجلسنا فما غيبك عنا؟ قال: إذاً أصدقكم. كان لنا جار كنت أستعير منه كل يوم ذاك الثوب الذي كنت آتيكم فيه وكان غريباً فخرج إلى وطنه فلم يكن لي ثوب آتيكم فيه هل لكم أن تدخلوا المنزل فتأكلوا مما رزق الله ؟ فقال بعضنا لبعض: ادخلوا منزله فجاء إلى الباب فسلم ثم صبر قليلاً ثم دخل فأذن لنا فدخلنا فإذا هو قد أتى بقطع من البواري فبسطها لنا فقعدنا فدخل إلى المرأة فسلم إليها الأطيار المذبحة وأخذ الأطيار الأحياء ثم قال: أنا آتيكم إن شاء الله عن قريب فأتى السوق فباعها واشترى خبزاً فجاء وقد صنعت المرأة ذلك الطير وهيأته فقدم إلينا خبزاً ولحم طير فأكلنا فجعل يقوم فيأتينا بالملح والماء فكلما قام قال بعضنا لبعض: رأيتم مثل هذا؟ ألا تغيرون أمره وأنتم سادة أهل البصرة؟ فقال أحدهم: علي خمسمائة. وقال الآخر: علي ثلثمائة. وقال هذا وقال هذا، وضمن بعضهم أن يأخذ له غيره. فبلغ الذي جمعوا في الحساب خمسة آلاف درهم فقالوا: قوموا بنا نذهب فنأتيه بهذا ونسأله أن يغير بعض ما هو فيه. فقمنا فانصرفنا على حالنا ركباناً فمررنا بالمربد فإذا محمد بن سليمان أمير البصرة قاعد في منظرة له فقال: يا غلام ائتني بإبراهيم بن شبيب بن شيبة من بين القوم. فجئت فدخلت عليه فسألني عن قصتنا ومن أين أقبلنا فصدقته الحديث. فقال: أنا أسبقكم إلى بره،

стр. 1193

يا غلام ائتني ببدرة دراهم فجاء بها فقال: ائتني بغلام فراش فجاء فقال: احمل هذه البدرة مع هذا الرجل حتى تدفعها إلى من أمرنا. ففرحت ثم قمت مسرعاً فلما أتيت الباب سلمت فاجابني أبو عبد الله ثم خرج إلي. فلما رأى الفراش والبدرة على عنقه كأني سفيت في وجهه الرماد وأقبل علي بغير الوجه الأول فقال: ما لي ولك يا هذا؟ أتريد أن تفتنني؟ فقلت: يا عبد الله اقعد حتى أخبرك أنه من القصة كذا وكذا، وهو الذي تعلم أحد الجبارين، يعني محمد بن سليمان، ولو كان أمري أن أضعها حيث أرى لرجعت إليه فأخبرته إني قد وضعتها. فالله الله في نفسك. فازداد علي غيظاً وقام فدخل منزله وأصفق الباب في وجهي، فجعلت أقدم وأؤخر ما أدري ما أقول للأمير. ثم لم أجد بداً من الصدق فجئت فأخبرته الخبر فقال: حروري والله، يا غلام علي بالسيف. فجاء بالسيف فقال له: خذ بيد هذا الغلام حتى يذهب بك إلى هذا الرجل فإذا أخرجه إليك فاضرب عنقه وائتني برأسه، قال إبراهيم: فقلت أصلح الله الأمير، الله الله، فوالله لقد رأينا رجلاً ما هو من الخوارج ولكني أذهب فآتيك به وما أريد بذلك إلا افتداء منه. قال فضمننيه فمضيت حتى أتيت الباب فسلمت فإذا المرأة تحن وتبكي، ثم فتحت الباب وتوارت فأذنت لي فدخلت فقالت: ما شأنكم وشأن أبي عبد الله؟ فقلت: ما حاله؟ قالت: دخل فمال إلى الركى فنزع منها ماء فتوضأ ثم سمعته يقول: اللهم اقبضني إليك ولا تفتني. ثم تمدد وهو يقول ذلك. فلحقته وقد قضى فهو ذاك ميت. فقلت: يا هذه إن لنا قصة عظيمة فلا تحدثوا فيه شيئاً. فجئت محمد بن سليمان وأخبرته الخبر فقال: أنا أركب فأصلي على هذا. قال: وشاع خبره بالبصرة فشهده الأمير وعامة أهل البصرة. رحمة الله عليه.

стр. 1194

وممن تأخر عن هذه الطبقة أبو الحسن البصري ... وممن تأخر عن هذه الطبقات: ٥٧٠ - أبوا الحسن البصري أصله من مكة وسكن البصرة وإنما يعرف بالمكي. أنبأنا محمد بن أبي القاسم علي بن المحسن التنوخي عن أبيه قال: كان أبو الحسن المكي يسف الخوص وكان لا يملك إلا داراً فلما ضعف عن سف الخوص باعها على شرط أن يكريه المشتري إياها وأودع الثمن عند المشتري، وكان يأخذ منه في كل شهر خمسة دراهم لنفقته ويعطي المشتري أجرة الدار. فمات قبل أن ينفذ الثمن، وكانت له جبة صوف بيضاء أقامت معه عشرين سنة شتاء وصيفاً ما لبس غيرها، وكانت في نهاية الحسن والنقاء والنظافة والصحة. وكان موته حوالي سنة خمسين وثلثمائة وكانت جنازته عظيمة.

стр. 1195

ذكر المصطفين من عباد البصرة المجاهيل الأسماء ٥٧١ - عابد عن الحسن قال: احترقت أخصاص بالبصرة وبقي في وسطها خص لم يحترق وأمير البصرة يومئذ أبو موسى الأشعري. فخبر بذلك فبعث إلى صاحب الخص فأتي به فإذا شيخ فقال: يا شيخ ما بال خصك لم يحترق؟ قال: إني أقسمت على ربي أن لا يحرقه فقال أبو موسى: أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يكون في أمتي رجال طلس رؤوسهم، دنس ثيابهم، لو أقسموا على الله لأبرهم" ١. ٥٧٢ - عابد آخر قال إبراهيم بن عبد الله بن المديني: قيل للحسن: ههنا رجل لم نره قط جالساً إلى أحد إنما هو أبداً خلف سارية وحده. فقال الحسن: إذا رأيتموه فأخبروني به. قال فمر به ذات يوم ومعهم الحسن فأشاروا له إليه فقالوا: ذلك الرجل الذي أخبرناك. فقال: امضوا حتى آتيه. فلما جاءه قال: يا عبد الله أراك قد حببت إليك العزلة فما يمنعك من مخالطة الناس؟ قال: ما أشغلني عن الناس. قال: فيأتي هذا الرجل الذي يقال له الحسن فتجلس إليه. قال ما أشغلني عن الحسن وعن الناس. قال: له الحسن: فما الذي شغلك -يرحمك الله - عن الناس وعن الحسن؟ قال: إني أمسي وأصبح بين ذنب ونعمة، فرأيت أن أشغل نفسي عن الناس بالاستغفار للذنب والشكر لله على النعمة. فقال له الحسن: أنت يا عبد الله أفقه عندي من الحسن، الزم ما أنت عليه. ٥٧٣ - عابد آخر عطية بن سليمان قال: صليت الجمعة ثم انصرف فجلست إلى يونس بن عبيد حتى صلينا العصر فقال: هل لكم في جنازة فلان؟ فمشينا إلى ناحية بني سعد فصلينا على الجنازة ثم قال: هل لكم في فلان العابد نعوده فأتينا رجلاً قد وقعت في فيه الخبيثة حتى أبدت عن أضراسه فكان إذا أراد أن يتكلم دعا بعقب من ماء وبقطنة فيبل لسانه حتى يبتل ثم يتكلم بكلمات يحسن فيهن.
следующие страницы →