قصده، حقيقة الإيمان واختياره، ومحبته، ورضاه، وتصديقه؛ وعمل الجوارح، كالصلاة، والزكاة، والحج، والجهاد، ونحو ذلك من الأعمال الظاهرة (١) . فإذا زال تصديق، القلب، ورضاه، ومحبته لله، وصدقه، زال الإيمان بالكلية؛ وإذا زال شيء من الأعمال، كالصلاة، والزكاة والحج، والجهاد, مع بقاء تصديق القلب وقبوله، فهذا محل خلاف: هل يزول الإيمان بالكلية إذا ترك أحد الأركان الإسلامية، كالصلاة، والحج، والزكاة، والصيام، أو لا يكفر؟ وهل يفرق بين الصلاة وغيرها، أو لا يفرق؟
فأهل السنة مجمعون على أنه لا بد من عمل القلب، الذي هو محبته، ورضاه، وانقياده، والمرجئة / تقول/ (٢) : يكفي التصديق فقط، ويكون به مؤمناً.
والخلاف في أعمال الجوارح (٣) ، هل يكفر /أو/ (٤) لا يكفر؟ واقع بين أهل السنة، والمعروف عن السلف، تكفير من ترك أحد المباني الإسلامية، كالصلاة والزكاة، والصيام، والحج (٥) .
стр. 177
(والقول الثاني) : أنه لا يكفر إلا من جحدها (١) .
(والثالث) :الفرق بين الصلاة وغيرها (٢) . وهذه الأقوال معروفة.
وكذلك المعاصي والذنوب، التي هي فعل المحظورات، فرقوا فيها بين ما يصادم /أصل/ (٣) الإسلام وينافيه (٤) ، وما دون ذلك (٥) ، وبين ما سماه الشارع كفراً (٦) ، وما لم يسمه.
هذا ما عليه أهل, الأثر المتمسكون بسنة رسول الله ﷺ . وأدلة هذا مبسوطة في أماكنها.
стр. 178
الأصل الرابع: أنواع الكفر
...
الأصل الرابع: أن الكفر نوعان،
كفر عمل، وكفر جحود وعناد، وهو أن يكفر بما علم أن الرسول ﷺ جاء به من عند الله، جحوداً وعناداً، من أسماء الرب، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه التي أصلها توحيده، وعبادته، وحده لا شريك له، وهذا مضاد للإيمان من كل وجه.
وأما كفر العمل، فمنه ما يضاد الإيمان، كالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي، وسبه.
وأما الحكم بغير ما أنزل الله، وترك الصلاة، فهذا كفر عمل، لا كفر اعتقاد، وكذلك قوله / ﷺ : (١) ((لا ترجعوا بعدي كفاراً، يضرب بعضكم رقاب بعض)) (٢) ، وقوله: ((من أتى كاهناً فصدقه, أو امرأة في دبرها، فقد كفر بما أنزل على محمد/ ﷺ / (٣)(٤) ، فهذا من الكفر العملي،
стр. 179
وليس كالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي، وسبه، وإن كان الكل يطلق عليه الكفر، وقد سمى الله /سبحانه/ (١) من عمل ببعض كتابه، وترك العمل ببعضه, مؤمناً بما عمل به، /وكافراً/ (٢) بما ترك العمل به. /قال/ (٣) تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ إلى قوله ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (٤) . فأخبر -سبحانه- أنهم أقروا بميثاقه الذي أمرهم به، والتزموه، وهذا يدل على تصديقهم به، وأخبر أنهم عصوا أمره، وقتل فريق منهم فريقاً آخرين، وأخرجوهم من ديارهم، وهذا كفر بما أخذ عليهم، ثم أخبر أنهم يفدون من أسر من ذلك الفريق، وهذا إيمان منهم بما أخذ عليهم في الكتاب، وكانوا مؤمنين بما عملوا به من الميثاق، كافرين بما تركوه منه. فالإيمان العملي (٥) يضاده الكفر العملي (٦) ، والإيمان الاعتقادي (٧) يضاده الكفر الاعتقادي (٨) .
وفي الحديث الصحيح: ((سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)) (٩) /و/ (١٠) فرق بين
стр. 180
سبابه، وقتاله، وجعل أحدهما فسوقاً لا يكفر به، والآخر/كفراً/ (١) ، ومعلوم أنه إنما أراد الكفر العملي، لا الاعتقادي، وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية، والملة بالكلية، كما لم يخرج الزاني، والسارق، والشارب، من الملة، وإن زال عنه اسم الإيمان (٢) .
وهذا التفصيل هو قول الصحابة، الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله، وبالإسلام، والكفر، ولوازمها، فلا تلقى هذا المسائل إلا عنهم، والمتأخرون لم يفهموا مرادهم، فانقسموا فريقين: /فريق/ (٣) أخرجوا من الملة بالكبائر، وقضوا على أصحابها بالخلود في النار (٤) ، و/فريق/ (٥) جعلوهم مؤمنين كاملي الإيمان (٦) . فأولئك غلوا, وهؤلاء جفوا، فهدى الله أهل السنة، للطريق المثلى، والقول الوسط (٧) ، الذي هو في المذهب، كالإسلام في الملل (٨) ، فها هنا كفر دون كفر، ونفاق دون نفاق، وشرك دون شرك، وظلم دون ظلم. فعن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٩) ...............
стр. 181
قال: "ليس هو بالكفر (١) الذي تذهبون إليه" رواه عنه سفيان (٢) ، وعبد الرزاق (٣)(٤) .
وفي رواية عنه أخرى: "كفر لا ينقل عن الملة" (٥) . وعن عطاء (٦) : "كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق" (٧) .
وهذا بيّن في القرآن لمن تأمله، فإن الله -سبحانه- سمى الحاكم بغير ما أنزل الله كافراً (٨) ، وسمى الجاحد لما أنزل الله على رسوله كافراً (٩) ، وليس الكافران على حد سواء. وسمى الكافر ظالماً،/كما/ (١٠) في قوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ
стр. 182
الظَّالِمُونَ﴾ (١) . وسمى من يتعد حدوده في النكاح والطلاق والرجعة والخلع ظالماً (٢) ، وقال ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (٣) .
وقال يونس ﵇: ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٤) ، وقال آدم ﵇ ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ (٥) ، وقال موسى ﵇ ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ (٦) . وليس هذا الظلم مثل ذلك الظلم، وسمى الكافر
فاسقاً في قوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ﴾ (٧) وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلا الْفَاسِقُونَ﴾ (٨) وسمى العاصي فاسقاً في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٩) ، وقال في الذين يرمون المحصنات:
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١٠) , وقال: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (١١) ، وليس
стр. 183
الفسق كالفسوق.
وكذلك الشرك شركان: شرك ينقل عن الملة، وهو الشرك الأكبر (١) ، وشرك لا أنواع الشرك والنفاق ينقل عن الملة، وهو الأصغر، كشرك الرياء (٢) . وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (٣) ، وقال: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ (٤) ، وقال في شرك الرياء: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ (٥) . وفي الحديث: ((من حلف بغير الله فقد أشرك)) (٦) .
ومعلوم أن حلفه بغير لا يخرجه عن الملة، ولا يوجب له حكم
стр. 184
الكفار، ومن هذا قوله ﷺ ((الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل)) (١) ، فانظر كيف انقسم الشرك والكفر، والفسوق والظلم، إلى ما هو كفر ينقل
стр. 185
عن الملة، وإلى ما لا ينقل عنها.
وكذلك النفاق نفاقان: نفاق اعتقاد، ونفاق عمل (١) . ونفاق الاعتقاد مذكور في القرآن في غير موضع، أوجب لهم تعالى به الدرك الأسفل من النار (٢) ، ونفاق العمل جاء في قوله ﷺ ((أربع من كن فيه كان منافقاً /خالصاً/ (٣) ، ومن كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا ائتمن خان)) (٤) ، وقوله ﷺ ((آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان)) (٥) .
وقال بعض الأفاضل (٦) : "وهذا النفاق قد يجتمع مع أصل الإسلام، ولكن إذا
стр. 186
استحكم وكمل، فقد ينسلخ صاحبه عن الإسلام بالكلية، وإن صلى، وصام، وزعم أنه مسلم، فإن الإيمان ينهى عن هذه الخلال، فإذا كملت للعبد، لم يكن له ما ينهاه عن شيء منها، فهذا لا يكون إلا منافقاً خالصاً". انتهى (١) .
стр. 187
الأصل الخامس: لا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد أن يسمى مؤمنا
...
الأصل الخامس (١) : أنه /لا/ (٢) يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان /بالعبد/ (٣) ، أن يسمى مؤمناً،
ولا يلزم من قيام شعبة من شعب الكفر، أن يسمى كافراً (٤) ، وإن كان ما قام به /كفراً/ (٥) ، كما أنه لا يلزم من قيام جزء من أجزاء العلم به، أو من أجزاء الطب، أو من أجزاء الفقه، أن يسمى عالماً، أو طبيباً، أو فقيهاً. وأما الشعبة نفسها، فيطلق عليها اسم الكفر، كما في /حديث/ (٦) : "اثنتان /بأمتي/ (٧) هما بهم كفر: الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت " (٨) ، وحديث: ((من حلف بغير الله فقد كفر)) (٩) ، لكنه لا يستحق اسم الكافر على الإطلاق. فمن عرف هذا، عرف فقه السلف، وعمق
стр. 188
علومهم، وقلة تكلفهم. قال ابن مسعود /﵁/" (١) من كان متأسياً /فليتأس/ (٢) بأصحاب رسول الله ﷺ ؛ فإنهم أبرُّ هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، / وأقلها/ (٣) تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، فاعرفوا لهم حقهم؛ فإنهم على الهدى المستقيم" (٤) . وقد كاد الشيطان بني آدم بمكيدتين عظيمتين، لا يبالي بأيهما ظفر:
إحداهما: الغلو، ومجاوزة, الحد, والإفراط.
والثانية هي: الإعراض، والترك، والتفريط.
قال العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- لما ذكر شيئاً من مكايد الشيطان: قال بعض السلف: "ما أمر الله سبحانه بأمر، إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وتقصير، وإما إلى مجاوزة وغلو، ولا يبالي بأيهما ظفر". وقد اقتطع أكثر الناس، إلا أقل القليل، في هذين الواديين: /واد/ (٥) التقصير، /وواد/ (٦) المجاوزة والتعدي، والقليل
стр. 189
منهم جداً، الثابت على الصراط الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه, -وعدّ ﵀ كثيراً من هذا النوع، إلى أن قال:- وقصر بقوم حتى قالوا: إيمان أفسق الناس وأظلمهم، كإيمان جبريل وميكائيل، فضلاً عن أبي بكر وعمر، وتجاوز بآخرين حتى أخرجوا (١) من الإسلام بالكبيرة الواحدة (٢) .
قال جامع الرسائل:
هذا آخر ما وجد من هذه الرسالة، العظيمة المنافع، القاضية بالبراهين والأدلة القواطع. وصلى الله على محمد، وآله، وصحبه، وسلم [تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. ١٩ ذي ... ١٣٣١هـ] (٣) .
стр. 190
مسألة في من يعمل سنة ختمة في ليلة مولد النبي ﷺ هل ذلك مسنون أو لا
...
مسألة١: فيمن يعمل سنة ختمة في ليلة مولد النبي ﷺ ، هل ذلك مسنون أو٢ أو لا؟
الجواب:
الحمد لله، جمع الناس للطعام في العيدين وأيّام التشريق سنة، وهو من شعائر الإسلام التي سنّها رسول الله ﷺ للمسلمين، وإعانة الفقراء بإطعامهم في شهر رمضان، هو من سنن الإسلام، فقد قال النبي ﷺ من فطّر صائماً فله مثل أجره"٣ وإعطاء /قرّاء/٤ القرآن ما يستعينون به على القرآن، عمل صالح في كل وقت، ومن أعانهم على ذلك كان شريكهم في الأجر.
أما اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية، كبعض ليلي شهر ربيع الأول، التي يقال إنّها ليلة المولد، أو بعض ليلي رجب، أو ثمان عشر ذي الحجة، أو أول جمعة من رجب، أو ثامن شوال، الذي يسمّيه الجهال عيد الأبرار، فإنها من البدع التي لم يستحبها السلف، ولم يفعلوها٥، والله أعلم.
стр. 191
فائدة:١ ذكر في اختيارات الشيخ تقي الدين، كميّة التراويح، فقال:
"التراويح إن صلاها كمذهب أبي حنيفة، والشافعية، وأحمد، عشرين ركعة٢، أو كمذهب مالك ستّاً وثلاثين، أو ثلاث عشرة، أو إحدى عشرة، فقد أحسن، كما نص عليه الإمام أحمد، لعدم التوقيف، فيكون تكثير الركعات وتقليلها، بحسب طول القيام وقصره. ومن صلاّها قبل العشاء، فقد سلك سبيل المبتدعة المخالفين للسنة.
ويقرأ أول ليلة من رمضان، في العشاء الآخر سورة القلم؛ لأنها أول ما نزل، ونقله إبراهيم بن محمد الحارث، عن الإمام أحمد، وهو أحسن مما نقله غيره، أنه يبتدئ بها التراويح" أ. هـ٣.
стр. 192
مسألة: في النوم في المسجد ،
والكلام والمشي في النعال في أماكن الصلاة، هل يجوز ذلك أو٤ لا؟
الجواب:
أمّا النوم للمحتاج، مثل الغريب، والفقير الذي لا مسكن له، فجائزٌ، أمّا اتخاذه مبيّتاً
стр. 193
ومقيلاً، فينهون عنه.
أمّا الكلام -الذي يحبه الله ورسوله- في المسجد فحسن، وأمّا المحرم، فهو في المسجد أشدُّ تحريماً، وكذلك المكروه. ويكره فيه فضول المباح.
وأمّا المشي بالنعال فجائز، كما كان الصحابة يمشون في نعالهم في مسجد النبي ﷺ ، ولكن ينبغي للرجل إذا أتى المسجد، أن يفعل ما أمره النبي ﷺ ، فينظر في نعليه، فإن كان بهما أذى فليدلكهما بالتراب١، فإنّ التراب لهما طهور، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 194
الرسالة الثانية: إلى إبراهيم بن عبد الملك
تقديم جامع الرسائل
...
الرِّسَالَةُ الثَّانِيََةُ١: قال جامع الرسائل
وله٢ أيضاً -قدّس الله روحه، ونوّر ضريحه- رسالة إلى الشيخ إبراهيم بن عبد الملك٣، جواباً عن المسائل التي ستقف عليها قريباً- /إن شاء الله تعالى/٤ وترى من لطائف التعريف، ورصانة التأليف أمراً عجيباً، وترد من نمير معينها، الصافي القراح٥، ما يزيح صدى الإشكال، ويبعث الانشراح، خصوصاً ما ذكره في جواب المسألة الثانية، من البيان والإيضاح، من غائلة كلام هذا الجاهل، الذي لا يعقل ما به /بذر/٦ وهذر٧، من أنه حصل بهم٨ راحة للناس، وعدم ظلم وتعدٍّ على الحضر٩، وبيان أن الحكم المقيم للتجارة والتكسب في بلاد المشركين على التحقيق، حكمه وما يقال فيه، حكم المستوطن من غير /ما/١٠ تفريق، إذا كان
стр. 195
عاجزاً عن إظهار دينه، وكان عليه خطراً بالإقامة في يقينه، ولا تنفعه دعوى البغض والكراهة، مع التلبّس بتلك المنكرات، فإنّ ذلك لا يكفي في النجاة، وهذا نصها:
стр. 196
المسألة الأولى: الإنكار على من كفر أناسا شمتوا بانتصار أعداء المسلمين عليهم
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الابن المكرم النجيب إبراهيم بن عبد الملك، سلّمه الله /تعالى/١، ورحم أباه، وزيّنه بزينة خاصته، /وأوليائه/٢، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد، فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل الإنكار على من كفّر أُناساً شمتوا بانتصار أعداء المسلمين عليهم، شيء قدير. والخط وصل، وقد سَألْتَ فيه عن خمس مسائل:
أُوْلاها: قولك: إنه وقع من بعض الإخوان تكفير من أحبّ انتصار آل شامر٣ على المسلمين، وفرح بذبحهم، هل له مستند في ذلك أو٤ لا؟
فالجواب:
إنِّي لا أعلم مستنداً٥ لهذا القول، والتجاسر على تكفير من ظاهره الإسلام، من
стр. 197
غير مستند شرعي، ولا برهان مرضي، يخالف ما عليه أئمة العلم من أهل السنة والجماعة، وهذه الطريقة هي طريقة أهل البدع والضلال، ومن عدم الخشية والتقوى فيما يصدر عنه من الأقوال والأفعال.
والفرح بمثل هذه القضيّة قد يكون له أسباب متعدّدة، لا سيّما /و/١ قد كثر الهرج٢، وخاضت الأمة في الأموال والدماء، واشتدّ الكرب والبلاء، وخفي الحق والهدى، وفشى الجهل والهوى، وكثر الخوض والردى، وغلب الطغيان والعمى، وقلَّ المتمسك٣ بالكتاب والسنة، بل قلَّ من يعرفهما، ويدري حدود ما أنزل الله من الأحكام الشرعية، كالإسلام والإيمان٤،...................
стр. 198
والكفر والشرك والنفاق، ونحوها١، وقد جاء في الحديث: " من قال لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما "٢، فإطلاق القول بالتكفير والحالة هذه، دليل على جهل المكفِّر، وعدم علمه بمدارك الأحكام.
وقد تأوّل أهل العلم ما ورد من إطلاق الكفر على بعض المعاصي، كما في حديث: " سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر "٣، وحديث: "لا ترجعوا بعدي كفّاراً، يضرب بعضكم رقاب بعض "٤، وحديث: " لا ترغبوا عن آبائكم، فإنّه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم "٥، فهذا ونحوه تأوّلوه على أنّه كفر عملي، ليس كالكفر الاعتقادي الذي ينقل عن الملة، كما جزم به العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- وغيره من المحققين٦،هذا مع أنه باشره عمل وفرح، وأطلق عليه الشارع هذا الوصف، فكيف بمجرد الفرح!
وذكر عن الإمام أحمد –﵀ /تعالى/٧ أنه قال: "أمروا هذه النصوص
стр. 199
كما جاءت، ولا تعرضوا لتفسيرها"١.
وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ في الفتاوى المصرية أن السلف متفقون على عدم تكفير البغاة٢، فكيف بمجرد الفرح.
وقد قابل هذا الصنف من الإخوان، قومٌ كفّروا أهل العارض٣، أو جمهورهم في هذه الفتنة، واشتهر عن بعضهم أنه تلا عند سماع وقعة آل شامر، قوله تعالى ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ ٤، وعلّلوا بأشياء متعدّدة، من فرح، ومكاتبة وموالاة، وغير ذلك. والفريقان ليس لهم لسان صدق، ولا هدى، ولا كتاب منير.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله تعالى-:" لا بد للمتكلم في هذه المباحث ونحوها، أن يكون معه مباحث كليّة يردّ إليها الجزئيات؛ ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت، وإلاّ فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات"٥، وأطال الكلام في الفريقين، بين المتأول والمتعمد، ومن قامت عليه الحجة، وزالت عنه الشبهة، والمخطئ الذي التبس عليه الأمر، وخفي عليه الحكم، وقرر مذهب علي بن أبي طالب، في عدم تكفير الخوارج، المقاتلين له، المكفّرين له، ولعثمان ولمن والاهما، ﵄. ونقل قول علي لما سئل عن الخوارج: أكفّر هم؟ قال:"من الكفر فرّوا"٦. وقوله:"إنّ لكم علينا أن لا نقاتلكم حتى
стр. 200
تبدؤونا١ بالقتال، ولا نمنعكم مساجد الله، ولا نمنعكم حقاً هو لكم في مال الله"٢. ومع هذا هم مصرحون بتكفيره، مقاتلون له، ومستحلون لدمه، فكيف بمجرّد الفرح.
وقد ذكر في الزواجر: أن الفرح بمثل هذه المعاصي من المحرمات. ولم يقل إنه كفر٣.
ثم اعلم أنّ الفتنة في هذا الزمان بالبادية والبغاة، وبالعساكر الكفرة الطغاة، فتنة عمياء صماء، عمّ شرُّها، وطار شررها، ووصل لهيبها٤ إلى العذارى في خدورهنّ، والعواتق وسط بيوتهنّ، ولم يتخلّص منها إلاّ من سبقت له الحسنى، وكان له نصيب وافر من نور الوحي، والنور الأول، يوم خلق الله الخلق في ظلمة، وألقى عليهم من نوره، وما أعزّ/من يعرف/٥ هذا الصنف، بل ما أعز من لا يعاديهم، ويرميهم بالعظائم، وأكثر الناس-كما وصفهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فيما رواه كميل بن زياد٦: " لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق"٧.
стр. 201
ومجرد الانتساب إلى الإيمان والإخوان، والتزيّي بزيّ أهل العلم والإيمان، مع فقد الحقيقة لا يجدي.
والناس مشتبهون في إيرادهم ... وتفاضل١ الأقوام في الإصدار٢
стр. 202
المسألة الثانية: في حظر الإقامة حيث يهان الإسلم ويعظم الكفر
...
وأما المسألة الثانية:
فيمن يجيء من الإحساء -بعد استيلاء هذه الطائفة الكافرة١/على/٢ أهل الإحساء- ممن يقيم فيه للتكسب أو التجارة، ولا اتخذه وطناً، وأنّ بعضهم يكره هذه الطائفة ويبغضها، يعلم منه ذلك، وبعضهم يرى ذلك ولكن يعتقد أنه حصل بهم راحة للناس، وعدم ظلم وتعد على/الحضر/٣ إلى آخر ما ذكرت. في حظر الإقامة حيث يهان الإسلام ويعظم الكفر. فالجواب٤:
أنّ الإقامة٥ ببلد يعلو فيها الشرك والكقر، ويظهر الرفض، ودين الإفرنج، ونحوهم،
стр. 203
من المعطلة للربوبية والإلهية، وترفع فيها شعارهم، ويهدم الإسلام، والتوحيد، ويعطّل التسبيح، والتكبير، والتحميد، وتقلع قواعد الملّة والإيمان، ويحكم بينهم بحكم الإفرنج واليونان، ويُشتم السابقون من أهل بدر، وبيعة الرضوان، فالإقامة بين ظهرانيهم، والحالة هذه، لا تصدر عن قلب باشره حقيقة الإسلام، والإيمان، والدين، وعرف ما يجب من حق الله في الإسلام على المسلمين، بل لا يصدر عن قلب رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً؛ فإنّ الرضا بهذه الأصول الثلاثة قطب رحى الدين، وعليه تدور حقائق العلم واليقين، وذلك يتضمن من محبة الله، وإيثار مرضاته، والغيرة
стр. 204
لدينه، والانحياز إلى أوليائه، ما يوجب البراءة، كلّ البراءة، والتباعد، كلّ التباعد، عمن تلك نحلته، وذاك دينه، بل نفس الإيمان المطلق في الكتاب والسنة، لا يجامع هذه المنكرات، كما يعلم من تقرير شيخ الإسلام في كتاب" الإيمان" (١) . وفي قصة إسلام جرير بن عبد الله (٢) أنّه قال: يا رسول الله، بايعني واشترط، فقال ﷺ تعبد الله، ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتفارق المشركين (٣) " خرَّجه أبو عبد الرحمن النسائي (٤) . وفيه إلحاق مفارقة المشركين بأركان الإسلام، ودعائمه/العظام/ (٥) . وقد عرف من آية براءة أنّ قصد أحد/الأغراض/ (٦) الدنيوية، ليس بعذر شرعي، بل فاعله فاسق لا يهديه الله كما هو نص الآية (٧) .
والفسوق إذا أطلق ولم يقترن بغيره، فأمره شديد، ووعيده أشدّ وعيد.
стр. 205
وأي خير يبقى مع مشاهدة تلك المنكرات، والسكوت عليها، وإظهار الطاعة، والانقياد، لأوامر من هذا دينه، وتلك نحلته! والتقرب إليه بالبشاشة، والزيارة، والهدايا، والتنوق (١) في المآكل، والمشارب، وإن زعم أنّ له غرضاً من الأغراض الدنيوية، فذلك لا يزيده إلا مقتاً، كما لا يخفى على من له أدنى ممارسة للعلوم الشرعية، واستئناس بالأصول الإسلامية.
وقد جاء القرآن العظيم بالوعيد الشديد، والتهديد الأكيد على مجرّد ترك الهجرة، كما في سورة النساء (٢) ، وقد ذكر المفسرون هناك ما به الكفاية، والشفاء، وتكلم عليها شيخنا محمد بن عبد الوهاب-﵀ /تعالى/ (٣) - وأفاد وأوفى (٤) . ودعوى التقية لا تجدي مع القدرة على الهجرة. ولذلك لم يستثن (٥) الله تعالى إلا المستضعفين
стр. 206
من الأصناف الثلاثة (١) . وقد ذكر علماؤنا تحريم الإقامة والقدوم إلى بلد يعجز فيها عن إظهار دينه (٢) ، والمقيم للتجارة والتكسب، والمستوطن، حكمهم، وما يقال فيهم حكم المستوطن لا فرق. وأما دعوى البغض والكراهة، مع التلبس بتلك/الفضائح/ (٣) ، فذلك لا يكفي في النجاة، ولله حكم، وشرع، وفرائض، وراء ذلك كله.
إذا تبين هذا، فالأقسام مشتركون في التحريم، متفاوتون في العقوبة، قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ (٤) . وأخبث هؤلاء وأجهلهم، من قال إنه حصل بهم راحة للناس، وعدم ظلم وتعد على الحضر (٥) ، وهذا الصنف أضل القوم، وأعماهم عن الهدى، وأشدّهم محاداة لله، ورسوله، ولأهل الإيمان والتقلى، لأنه لم يعرف الراحة التي حصلت بالرسل، وبما جاءوا به في الدنيا والآخرة، ولم يؤمن بها الإيمان النافع. والمسلم يعلم أن الراحة، كل الراحة، والعدل، كل العدل، واللذة، كل اللذة، في الإيمان بالله، ورسله، والقيام بما أنزل من الكتاب، والحكمة (٦) ، وإخلاص الدين له، وجهاد أعدائه، وأعداء رسله، وأنه باب من أبواب الجنة، يحصل به النعيم،
стр. 207
والفرح، واللّذة في الدور الثلاث، قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (١) .
ولو علم هذا المتكلم أنّ الشرك أظلم الظلم (٢) ، وأكبر الكبائر، وأقبح الفساد، وأفحشه، لكان له مندوحة عن مثل هذا الجهل الموبق، قال تعالى: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ﴾ (٣) ، وقال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاّ الْفَاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٤) ، فجعل الخسار كله بحذافيره، في أهل هذه الخصال الثلاثة، كما يفيده الضمير المقحم بين المبتدأ والخبر (٥) ، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (٦) ، فهذا الفساد المشار إليه في هذه الآيات الكريمات، هو الفساد الحاصل بالكفر، والشرك، وترك الجهاد في سبيل الله، واتخاذ أعداء الله أولياء من دون المؤمنين. وبالجملة فمن عرف غور (٧) هذا الكلام
стр. 208
أعني قول بعضهم إنّه حصل بهم راحة للناس، وعدم ظلم وتعد /على الحضر/ (١) ، تبين له ما فيه من المحادة، والمشاقة لما جاءت به الرسل، وعرف أن قائله ليس من الكفر ببعيد، والواجب على مثلك أن يجاهدهم بآيات الله، ويخوِّفهم من الله، وانتقامه، ويدعو إلى دينه، وكتابه.
والهجر مشروع إذا كان فيه مصلحة راجحة، ونكاية لأرباب الجرائم (٢) ،وهذا يختلف باختلاف الأحوال، والأزمان، والله المستعان.
стр. 209
المسألة الثالثة: حكم تصرف الوالد في مال ولده الصغير
...
وأما المسألة الثالثة:
هل للوالد أن يتصرف في مال ولده الصغير بما ليس فيه مصلحة، أم هو أسوة غيره من الأولياء، ليس له النظر إلاّ ما فيه المصلحة؟
/فالجواب/ (١) :
أنّ الواجب على كل من كانت له ولاية، أن يتقي الله فيها، ويصلح ولا يتبع
стр. 210
حكم تصرّف الولد في مال ولده الصغير. سبيل المفسدين.
وفي الحديث: " كلّكم راعٍ، وكلّكم مسئول عن رعيّته " (١) ، بل يحرم على المكلف إضاعة مال نفسه، وإنفاقه في غير مصلحة (٢) ،وهو من الإسراف، إلاّ أنّ الوالد ليس كغيره في العزل، ورفع اليد إذا ثبت رشده.
стр. 211
المسألة الرابعة: حكم تملك الوالد جميع مال ولده
...
وأما المسألة الرابعة:
هل للوالد أن يمتلك جمع مال ولده الصغير، أو بعض ماله الذي يضر به، أم حكم الصغير حكم الكبير، يعتبر للتملّك من ماله، ما يعتبر للتملك من مال الكبير؟ وهل يفرّق بين الغني والفقير، أم الحكم واحد؟ حكم تملك الوالد جميع مال ولده.
/ فالجواب / (١) :
أنّ للأب أن يتملّك من مال ولده ما شاء، صغيراً كان الولد أو كبيراً، غنياً كان الأب أو فقيراً (٢) ، بشروط ستة مقررة في محلّها، منها:
стр. 212
أن لا يضرَّ بالولد ضرراً يلحقه في الحاجات الضرورية، كتملّك سريّته، ونحو ذلك.
وأن لا يكون في مرض موت أحدهما. وألا يعطيه ولداً آخر. وأن (١) يكون عيناً /موجوداً/ (٢) .
وله الرجوع في الهبة إذا كانت عيناً باقية في ملك الابن، لم يتعلق بها حق أجنبي، ولا رغبة، كمداينة الأجنبي، وأن لا تزيد زيادة متصلة، وعنه الرجوع فيما زاد زيادة متصلة كالمنفصلة، وليس من جنس النماء –كما توهمه السائل- بل ذلك من التصرفات في الهبة (٣) . رجوع الوالد في هبة ولده؛ وقد نص فقهاؤنا على أن كل تصرف للابن لا يمنعه من التصرف في العين، ليس بمانع للأب من الرجوع في هبته، والتصرف فيها، والنقص الحاصل بقلع الغراس وأخذ الحلية، لا يمنع الرجوع.
стр. 213
المسألة الخامسة: إذا كان لرجل على آخر دين مثل الصقيب يكون له الدين الكثير يصطلحان بينهما
...
وأما المسألة الخامسة:
وهي إذا كان لرجل على آخر دين، مثل الصّقيب (١) يكون له الدين الكثير، يصطلحان /ينهما/ (٢) ، على أن الدين يكون نجوماً (٣) ... إلى آخر ما ذكرت.
/ فالجواب / (٤) :
إنّ هذا ليس بصلح، ولا يدخل في حدّ الصلح كما نص عليه الحجاوي (٥) ، وغيره، بل هو وعدٌ، يستحب الوفاء به على المشهور. وكونه فيه /إرفاق/ (٦) فذاك لا يغيّر الحدود الشرعية، ولا يدخل في مسمّى الصلح، كما لا تدخله، الهبة والعطية. والله أعلم. /تمّت ولله/ (٧) الحمد والمنّة.
стр. 214
الرسالة الثالثة: إلى إبراهيم بن عبد الملك
...
الرِّسَالَةُ الثَّالِثََةُ (١) :
قال جامع الرسائل
وله/أيضاً-رحمه الله تعالى (٢) -/ (٣) ، رسالة في تحريم السفر إلى بلاد المشركين، والفرق بين البلاد التي هجم عليها الكافر الحربي، فاستولى عليها، واجتهد في هدم قواعد الإسلام، وطمس أصوله العظام كالإحساء، وبين غيرها من بلاد المشركين، ولو مع إظهار دينه، وهذا نصها (٤) :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، إلى الإبن المكرم إبراهيم بن عبد الملك، سلّمه الله تعالى. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد، فأحمد إليك الله الذي لا إله إلاّ هو على نعمائه. والخط الذي سألت فيه عمّا نفتي به في مسألة السفر إلى بلاد المشركين، قد وصل إلينا. والذي/كتبناه/ (٥) حكم السفر إلى بلاد الأعداء من الكفار. للإخوان، به (٦) كفاية للطالب وبيان، ولم نخرج فيه عمّا عليه أهل الفتوى عند جماهير المتأخرين.
نعم، فيه التغليظ على من يسافر إلى بلاد هجم عليها العدو الكافر الحربي، المتصدي لهدم قواعد الإسلام، وقلع أصوله، وشعائره العظام، ورفع أعلام الكفر
стр. 215
والتعطيل، وتجديد معاهد الشرك والتمثيل، وإطفاء أنوار الإسلام الظاهرة، وطمس منار أركانه الباهرة، وهو العدو الذي اشتدّت به الفتنة على الإسلام والمسلمين، وعزّ بدولته جانب الرافضة (١) ، والمرتدين، ومن على سبيلهم من المنحرفين، والمنافقين فمثل هذه البلدة تخص من عمومات الرخصة، لوجوه، منها:
أنّ إظهار الدين على الوجه الذي تبرأ به الذمّة متعذّر غير حاصل، كما هو مشاهد معلوم عند من خبر القوم، مع من يجالسهم، ويقدم إليهم. وقلّ أن يتمكّن ذو حاجة لديهم إلاّ بإظهار عظيم من الركون، والموالاة، والمداهنة. وهذا مشهور متواتر، لا ينكره إلاّ جاهل، أو مكابر، لا غيرة له على دين الله، وشرعه، ولا توقير لعظمته، ومجده، قد اتخذ ظواهر عبارات- لم يعرف حقيقتها، ولا يدري مراد الفقهاء منها- تُرساً يدفع به في صدور الآيات، والسنة، ويصدف به عن أهدى منهج، وسنن، فهو كحجر في الطريق بين السائرين إلى الله، والدار الآخرة، يحول بينهم وبين مرادههم، ويثبطهم عن سيرهم، وعزماتهم. وقد كثر هذا الضرب من الناس في المتصدّين للفتوى في مثل هذه المسائل، وبهم حصل الإشكال، وضلّت الأفهام، /واستبيحت/ (٢) مساكنة عباد الأوثان، والأصنام، وافتُتِنَ بهم جملة الرِّجال، وقصدهم الركائب، والأحمال، وسار إليهم ربَّات الخدور، والحجال، عملاً بقول رؤوس الفتنة، والضلال، ولا يصل إلى الله، ويحظى بقربه، ويرد نمير التحقيق، وعذبه، مَنْ أصغى إليهم سمعه، واتخذهم أخداناً يرجع إليهم في أمر دينه، ومهمات أمره.
وقد قال بعض السلف:" إنّ هذا العلم دين، فانظروا عمّن تأخذون دينكم" (٣) .