стр. 246
← Фатава следующие страницы →
Фатава · id 12033
عيون الرسائل والأجوبة على المسائل
عبد اللطيف آل الشيخ
Полный текст (983 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 247
الرسالة السادسة: إلى حمد بن عبد العزيز
...
الرسالة السادسة (١) : قال جامع الرسائل
وله أيضاً-قدّس الله روحه ونوّر ضريحه- رسالة إلى الشيخ حمد بن عبد العزيز (٢) . وقد كان كتب له-أعني الشيخ حمد- رسالة ذكر له فيها أنّ الغربة اشتدّت، وأنّه قد أنكر عليه الفتوى بحل ما أخذ في درب العقير (٣) مع العسكر والزوار. فأجابه بما نصه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم حمد بن عبد العزيز، سلّمه الله تعالى، وهداه، وألهمه رشده وتقواه، آمين. فضل الغربة. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فأحمد إليك الله الذي لا إله إلاّ هو، وإن أتى الهر بمرّ القضاء. والخط وصل، وصلك الله بحبله المتين، ونظّمك في سلك أنصار الملّة والدين. وقد عرفت أنّ الله ليس كمثله شيء في أفعاله وقضائه، كما أنه ليس كمثله شيء في ذاته وصفاته (٤) .
стр. 248
وهذه الحوادث العظام التي هدمت أركان الإسلام، لله فيها سِرٌ وحكمة بالغة، يطلع من شاء من عباده على عنوان وأنموذج من سرّ القدر والقضاء، وأكثر الناس في خفارة١ جهله، وكثافة طبعه، كالبعير الذي يعقله أهله، ثم يطلقونه، لا يدري فيما عُقل؟ ولا فيما أطلق؟
وتذكر أنّ الغربة (٢) اشتدّت، والأمر كما وصفت، وأعظم مما إليه أشرت، ولكن ليكن لك على بال ما ورد في فضل الغرباء ووصفهم (٣) . فاغتنم نصرة الإسلام،
стр. 249
والدعوة إليه، ونشره وتعريفه وتقريره؛ في كل مجلس ومجمع. فإنّ أكثر الناس قد ضلّ عنه، ولا يدري عن حقيقته ومسمّاه. وقد وقع ذلك ممن ينتسب إلى الدين، ونسي ما كان عليه من تقرير التوحيد وأدلّته، وجاء بما يناقضه، ويقوِّي عضد الشرك، ويقتضي نصرة أعداء الملة والدين. وقد بلغنا عن عبد الرحمن الوهيبي وأمثاله، بعد ذهابه إليهم، ما تصان عن ذكره الأسماع، وصار يعترض على من أنكر طريقته وذمّها، ويزعم أنه قد خالف طريقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وصرّح بمسبّة من أنكر عليه، ونسبه إلى موالاتهم؛ فالذي يجادل عنه داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ (١) .
وكذلك ما ذكرت عن الذي أنكر عليكم الفتوى بحلّ ما أخذ في درب العقير، من العسكر والزوار؛ فلا يصدر هذا الإنكار إلاّ عن جهل بحقيقة الإسلام وقواعده الكبار.
وسريّة ابن الحضرمي (٢) ، في عهده ﷺ ، مشهورة معروفة، وهي
стр. 250
أوّل دم أهريق في الإسلام. وقصدت عير قريش، وقريش في ذلك الوقت -مع كفرهم وضلالتهم- أهدى من كثير من العسكر والزوار، من الرافضة بكثير (١) . فكيف وقد بلغ شركهم إلى تعطيل الربوبية، والصفات العليّة، وإخلاص العبادات للمعبودات الوثنيّة، ومعرضة الشريعة المحمديّة، بأحكام الطواغيت، والقوانين الإفرنجية؟ فمن جادل عمّن خالط هؤلاء ودخل لهم في الشورى، وترك الهجرة إلى الله ورسوله، وافتتن به كثير من خفافيش البصائر، فالمجادلة فيه، وفي حلّ ما أخذ من العسكر والزوار، لا يدري ما الناس فيه من أمر دينهم، فعليه أن يصحح عقيدته، ويراجع دين الإسلام من أصله، ويتفطّن في النزاع الذي جرى بين الرسل وأممهم (٢) في أي شيء،
стр. 251
وبأي شيء، ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ (١) .
والذي أوصيك به، الثبات والغلظة على هؤلاء الجهلة، الذين يسعون في هدم أركان الإسلام، ومحو آثاره. وبلّغ سلامنا من لديك من الإخوان وسلام. وصلى الله على محمد وآله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 252
الرسالة السابعة: إلى أهل الفرع
...
الرسالة السابعة (١)
قال جامع الرسائل
وله أيضاً /﵀، وعفا عنه-/ (٢) ، رسالة إلى الإخوان من أهل الفُرَع (٣) ، وهم عثمان بن مرشد (٤) ، ومحمد بن علي، وإبراهيم بن راشد (٥) ، وإبراهيم بن مرشد (٦) ، في قطع الوسائل والذرائع المفضية إلى محبّة من حاد الله ورسوله، /واختيار/ (٧) ديارهم ومساكنتهم وولايتهم، ومحبة ظهورهم (٨) . لأنّ اختيار /ديارهم/ (٩) ومساكنتهم وولايتهم، ومحبة ظهورهم والثناء عليهم، وتفضيلهم بالعدل على أهل الإسلام، وإعانتهم على المسلمين، وجرّهم على بلاد أهل الإسلام، ردّة صريحة بالاتفاق. فقطع ﵀ الأسباب والوسائل المفضية إلى
стр. 253
ذلك بالأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة، وهذا نصها:
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الإخوان: عثمان بن مرشد، ومحمد بن علي، وإبراهيم بن راشد، وإبراهيم بن مرشد، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
الخط وصل –وصلكم الله بما يرضيه- وما /ذكرتم/ (١) من طلب النصيحة، فقد تقدمت إليكم – بحمد الله- مراراً، وقامت الحجّة. ويبلغني تصميم الأكثر على رأيه الأول، وعدم الانتفاع.
ومن أكبر أسباب شرح الصدور للنصائح والمواعظ وقبولهما، ما يعلمه من حرص العبد على الخير والهدى (٢) ، والتجرّد من ثوب التعصب والهوى، والبعد عن الإعجاب بالنفس، وإيثار الشهوات الدنيوية. فالقلب إذا سلم من هذا، وابتهل إلى الله بالأدعية المأثورة، كدعاء الاستفتاح:" اللهم ربّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل " الحديث (٤) . لا سيّما في أوقات الإجابة (٥) ، فإنّ هذا لا تكاد تسقط له دعوة،
стр. 254
стр. 255
لا سيّما عند هذه الفتنة التي عمّت وطمّت، وأعمت وأصمّت، فإنها كما في حديث حذيفة (١)
قال: قلت يا رسول الله، إنّا كنّا في شرٍّ فذهب الله بذلك الشر، ِّ وجاء بالخير على يديك، فهل بعد الخير من شر؟ قال: "نعم"، قلت: ما هو؟ قال"فتن كقطع الليل المظلم، يتبع بعضها بعضاً، تأتيكم مشتبهة كوجوه البقر، لا تدرون أيّاً من أيّ " (٢) .
فهذه الفتن الواقعة في هذا الزمان، من جنس ما أشير إليه في هذا الحديث، الذي خرّجه الإمام أحمد في مسنده، فتعيّن الاهتمام بالمخرج منها، والنجاة فيها، ولا سبيل إلى ذلك إلاّ بالاعتصام بحبل الله، ومعرفة ما أوجب وندب إليه كتابه من شرائع الإيمان وحدوده، وما نهى عنه وحرّمه من شعب الكفر والنفاق وحدوده، وقد نصّ على هذا ﷺ ، لما سأله حذيفة عن الفتن؛ فعن حذيفة: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وأسأله عن الشرِّ، وعرفت أن الخير لن يسبقني، قلت: يا رسول الله، أبعد هذا الخير شر؟ قال: " يا حذيفة تعلّم كتاب الله، واتبع ما فيه " ثلاث مرار، قال: قلت يا رسول الله، أبعد هذا الخير شر؟ قال: " فتنة وشر "، قال قلت يا رسول الله أبعد هذا الشر من خير؟ قال: " يا حذيفة تعلّم كتاب الله، واتبع ما فيه " ثلاث مرار، قال قلت يا رسول الله أبعد هذا الشر من خير؟ قال: " هدنة على دَخَنٍ (٣) ، وجماعة على أقذاء (٤)
стр. 256
[فيها أو فيهم] " (١) ، قال: قلت يا رسول الله الهدنة على دخن ما هي؟ قال: " لا ترجع قلوب أقوام على الذي كانت عليه " (٢) ، قال:
قلت يا رسول الله أبعد هذا الخير من شر؟ [قال: " يا حذيفة تعلم كتاب الله، واتبع ما فيه " ثلاث مرار، قال: قلت يا رسول الله أبعد هذا الخير من شر؟] (٣) ، قال: " فتنة عمياء صمّاء، عليها دعاة على أبواب النار، وإن تمت (٤) يا حذيفة، وأنت عاض على جذل (٥) ، خير لك من أن تتبع أحداً منهم " (٦) .
قلت: فتأمّل ما أرشد إليه حذيفة، ووصّاه عند حدوث الفتن العظام، التي لا يبصر أهلها الحق، ولا يسمعون من الداعي والناصح، وتكريره الوصية بقراءة كتاب الله، واتباع ما فيه، لأنّ المخرج من كل فتنة موجود فيه مقرر، ولكن لا يفهمه ويفقهه إلاّ من تعلّم كتاب الله، ألفاظه ومعانيه، ووُفِّق للعمل بما فيه، فذاك جدير أن يهبه الله نوراً يمشي به في الناس، ولا يخفى عليه ما وقع فيه الأكثر من الشكّ، والريب، والالتباس، وهذا الصنف عزيز الوجود في القرّاء، ومن ينتسب إلى العلم والطلب، فكيف بغيره؟! شعر:
أما الخيام فإنها كخيامهم ... وأرى نساء الحي غير نسائها (٧)
стр. 257
فعليكم بلزوم الوصيّة النبويّة لصاحب السرّ، حذيفة بن اليمان، وبتدبر القرآن، والتفقه في معانيه، /لعلّه بذلك/ (١) يعرف العبد -إنْ عقل عن الله- أنّ أوجب واجب /فيه/ (٢) وأهمّه وآكده وزبدته، معرفة الله تعالى، بما تعرّف به إلى عباده، من صفات كماله، ونعوت جلاله، وبديع أفعاله، وإحاطة علمه، وشمول قدرته، وكمال عزته، وعميم رحمته.
وبمعرفة ذلك يهتدي العبد إلى محبته وتعظيمه، وإسلام الوجه له، وإنابة القلب إليه، وإفراده بالقصد والطلب، وسائر العبادات، كالخشية، والرجاء، والاستعانة، والاستغاثة، والتوكل، والتقوى، ويرضى به رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، ويذوق من طعم الإيمان ما يوجب له كمال حب الله، وحب رسوله، وكمال الحب بجلاله، ويعرف الوسائل إلى هذا المطلوب الأكبر، والمقصود الأعظم، ويهتم بها غاية الاهتمام، ويطلبها منتهى الطلب، ويعرف ما يضاد هذا الأصل ويناقضه، من تعطيل وكفر وشرك، ويعرف وسائلها وذرائعها الموصلة إليها، المفضية إلى اقتحامها وارتكابها، فيهتم بتحصيل وسائل التوحيد، ويهتم بالتباعد عن وسائل الكفر والتعطيل والتنديد، كما يستفاد من قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٣) .
فمن عرف /هذا/ (٤) الأصل الأصيل، عرف ضرر الفتنة الواقعة في هذه الأزمان، بالعساكر التركية، وعرف أنها تعود على هذا الأصل الأصيل، بالهدم والهدّ والمحو بالكليّة، وتقتضي ظهور الشرك والتعطيل، ورفع أعلامه الفكريّة، وأنّ مرتبتها من الكفر، وفساد البلاد والعباد، فوق ما يتوهّم المتوهِّمون، ويظنُّه الظانُّون، وبه يعلم أن ما وقع من المسائل إلى تهوين تلك الفتنة، وتسهيل أمرها، والسكوت عن التغليظ فيها،
стр. 258
من أكبر أسباب وقوع الشر، ومحو أعلام التوحيد، والوسيلة لها حكم الغاية، فإن انضاف إلى تسهيلها إكرام من أقام بديارهم، وتلطَّخ بأوضارهم (١) ، وشهد مهرجانهم (٢) ، وتوقيرهم، والمشي إليه، وصنع الولائم له، فعند ذلك يَنْعى الإسلامَ ويبكيه، مَنْ كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد (٣) ، وفي الحديث: " من وقّر صاحب بدع، فقد أعان على هدم الإسلام " (٤) ، فكيف بما هو أعظم وأطمّ من البدع؟! فالله المستعان.
стр. 259
وأعجب من هذا، أن بعض من يتولَّى خدمة من حاد الله ورسوله، ويحسِّن أمرهم، ويرغَّب في ولايتهم، ويقدح في أهل الإسلام، وربَّما أشار بحربهم، فإذا قدم بعض بلاد أهل الإسلام، تلقَّاه منافقوها وجهَّالُها، بما لا يليق إلاّ مع خواص الموحِّدين؛ فافهم أسباب الشرك ووسائله.
ومن كان في قلبه حياة، وله رغبة، وله غيرة وتوقير لرب الأرباب، يأنف ويشمئزّ مما هو دون ذلك، ولكن الأمر، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: "إنَّما تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهليّة" (١) .
وما جاء في القرآن من النهي والتغليظ والتشديد في موالاتهم وتولِّيهم، دليل على أنّ أصل الأصول، لا استقامة له ولا ثبات، إلا بمقاطعة أعداء الله، وحربهم وجهادهم، والبراءة منهم، والتقرب إلى الله بمقتهم وعيبهم؛ وقد قال تعالى - لما عقد الموالاة بين المؤمنين، وأخبر أنّ الذين كفروا بعضهم أولياء بعض- (٢) قال: ﴿إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (٣) ، وهل الفتنة إلا الشرك، والفساد الكبير هو انتثار عقد التوحيد والإسلام، وقطع ما أحكم القرآن من الأحكام والنظام؛ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (٤) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا
стр. 260
تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ الآية (١) .
قال بعض السلف: ليتق أحدكم أن يكون يهودياً أو نصرانياً وهو لا يشعر (٢) .
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ (٣) .
قلت: فليتأمل من نصح نفسه، ما يجري من هؤلاء العساكر، عند سماع الأذان، من المعارضة بالطبل والبوق والمزمار، استبدالاً به عمّا اشتمل عليه الأذان، من توحيد الله وتعظيمه، وتكبير الملك القهار، فقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٤) . وقال تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً (٥) ﴾ (٦) .
стр. 261
وقد جزم ابن جرير (١) /في تفسيره/ (٢) بكفر من فعل ذلك (٣) . قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ (٤) ، فليتأمّل من نصح نفسه هذه الآيات الكريمات،
стр. 262
وليبحث عمّا /قاله/ (١) المفسِّرون وأهل العلم في /تأويلها/ (٢) ، ولينظر ما وقع من أكثر الناس اليوم، فإنّه يتبين له -إن وُفِّق وسُدِّد- أنّها تتناول من ترك جهادهم، وسكت عن عيبهم، وألقى إليهم السلم (٣) ، فكيف بمن أعانهم، أو جرَّهم على بلاد أهل الإسلام، أو أثنى عليهم، أو فضَّلهم بالعدل على أهل الإسلام، واختار ديارهم ومساكنتهم وولايتهم، وأحبَّ ظهورهم، فإنّ هذا رِدَّة صريحة بالاتفاق، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ (٤) .
وقد عرفتم ما كان عليه أسلافكم من أهل الإسلام، وما منَّ الله به عليكم من دعوة شيخنا ﵀ إلى توحيد الله، والإيمان به، وإخلاص الدين له، والبراءة من أعدائه، وجهادهم، وببركة دعوته وبيانه، حصل للإسلام من الظهور والنصر وإعلاء كلمة الله، ما لم يحصل مثله في دياركم وأوطانكم منذ قرون متطاولة. فيجب شكر هذه النعمة، ورعايتها حق الرعاية، والعض عليها بالنواجذ، وأن لا تستبدل بموالاة أعداء الله ورسله، والانحياز إلى دولتهم، والرضا بطاعتهم، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ (٥) . فاتقوا الله عباد الله، ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ (٦) ، ودَعوا اللجاج والمراء، وتمسّكوا بما جاء عن الله ورسوله من البينات والهدى، ولا يسهل لديكم مبارزة ربِّ السموات العلى، بما عليه غالب الناس اليوم، من الكفر والتعطيل والشرك والجدل والمراء، ولا تفتحوا أبواب الفتن، للمشاقة والتفرُّق والقدح في أهل الإسلام، فإنَّ ذلك من الصدِّ عن سبيل الله، ومن الفتنة عن دينه الذي ارتضاه.
стр. 263
وقد جاء الحديث: " إنَّ هذا الحيّ من مضر، لا تدع في الأرض لله عبداً صالحاً إلاّ فتنته وأهلكته، حتى يدركها الله بجنود من عنده، فيذلُّها حتى لا تمنع ذنب تلعة (١) " (٢) .
وبعض من يدّعي الدين، إنّما يتعبد بما يحسن في العادة، ويُثني عليه به، وما فيه مقاطعة ومجاهدة وهجرة في ذات الله، ومراغمة لأعدائه، فذاك ليس منه على شيء، بل ربّما ثَبَّط عنه، وقدح في فاعله. وهذا كثير في المنتسبين إلى العبادة، والمنتسبين إلى العلم والدين، والشيطان أحرص شيء على ذلك منهم، لأنهم لا يرونه غالباً ديناً وحسن خلق، فلا يتاب منه ولا يستغفر (٣) ؛ ولأن غيرهم يقتدي بهم ويسلك سبيلهم، فيكونون فتنة لغيرهم؛ ولهذا حذّر الشارع من فتنة م فسد من العلماء
стр. 264
والعباد، و/خافه/ (١) على أمّته (٢) . فالمؤمن إذا حصل له، وظفر بحقائق الإيمان، وصار على نصيب من مرضاة الملك الرحمن، فقد حصل له الحظ الأوفر والسعادة، وإن قيل ما قبل: شعر:
أقام الحي أم جدّ الرحيل (٣) ... إذا رضي الحبيب فلا أبالي
وينبغي لك يا عثمان أن تقرأ هذه النصيحة على جماعتك، وتبيّن لهم معانيها، وما في الفرق والاختلاف من فتح أبواب الشر والفساد، فاحرص على ذلك واعتدّ به من صالح أعمالك، فقد قال ﷺ لعلي: " فوالله، لأن يهدي الله بك /رجلاً واحداً/ (٤) خيرٌ لك من حمر النَّعَم " (٥) . والشيطان قاعد على الصراط المستقيم، فإن عاض أحد بشبهة، فيلزمكم تبليغها وطلب كشفها، ولا يحلُّ السكوت على الشبه التي تُقع في الريب والشك، وتفضي غلى ما تقدم من المفاسد. وإن رأيتم في كلامي مجازفة أو مخالفة لما قاله أهل العلم، فاذكروه لي. وإن جاءني عنكم نصيحة أو تنبيه على شيء من الغلط، فنشهد الله على قبوله ممن كان.
стр. 265
وبلِّغوا سلامنا إخوانكم، والعيال. والإخوان ينهون إليكم السلام، والسلام. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم القيامة/ (١) .
стр. 266
الرسالة الثامنة: نصيحة إلى كافة المسلمين
...
(الرِّسَالَةُ الثَّامِنَةُ) (١)
قال جامع الرسائل:
وله أيضاً -رحمه الله تعالى، وعفا عنه بمنّه وكرمه- نصيحة إلى كافة المسلمين، في التذكير بآيات الله، والحث على لزوم الجمعة، والقيام بأصول الدين وقواعد الإسلام، التي هي أربح تجارة وبضاعة، والحض على جهاد أعداء الله ورسوله، القائمين على هدم قواعده وأصوله، وهذا نصها:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى من يراه من المسلمين، وفَّقهم الله لنصر الإسلام والدين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فموجب هذا، هو التذكير بآيات الله، والحث على لزوم جماعة المسلمين، وقد ينتفع بالنصائح من أراد الله هدايته، قال تعالى ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) .
وأهم ما يبدأ به في التعليم، هو معرفة أصول الدين وقواعد الإسلام، التي لا يحصل بدونها، ولا يستقيم بناؤها إلا عليها، لا سيما معرفة ما دلّت عليه كلمة التوحيد شهادة ألا إله إلا الله من الإيمان بالله ومعرفته وتوحيده؛ بإخلاص العبادة بأنواعها له سبحانه، والبراءة من كل معبود سواه، والقيام بذلك علماً وعملاً، فإنّ هذا هو أصل الدين وقاعدته، والحكمة التي لأجلها خلقت الخليقة (٣) ، وشرعت الطريقة، وأرسلت لأجلها الرسل (٤) ،وبها أنزلت الكتب، وجميع أحكام الأمر والنهي تدور
стр. 267
عليها وترجع إليها.
وقد رأيتم ما حدث في هذا الأصل العظيم من الإضاعة والإهمال، والإعراض عن حقائقه وواجباته، حتى ظهر الشرك، وظهرت وسائله وذرائعه ممن ينتسب إلى الإسلام، ويزعم أنه من أهله، وذلك بأسباب، منها: الجهل بحقيقة ما أمر الله به ورضيه لعباده، من أصول التوحيد والإسلام، وعدم معرفة ما ينافيه ويناقضه (١) ، أو يضاد الكمال والتّمام، من موالاة أعداء الله، على اختلاف شعبها، ومراتبها، فمنها المكفِّرات، والموبقات، ومنها ما دون ذلك.
стр. 268
وأكبر ذنب وأضله وأعظمه منافاةً لأصل الإسلام، نصرة أعداء الله ومعاونتهم، والسعي فيما يظهر به دينهم، وما هو عليه من التعطيل والشرك والموبقات العظام، وكذلك انشراح الصدر لهم وطاعتهم والثناء عليهم، ومدح من دخل أمرهم، وانتظم في سلكهم، وكذلك ترك جهادهم ومسالمتهم، وعقد الأخوة والطاعة لهم، وما هو دون ذلك من تكثير سوادهم ومساكنتهم ومجامعتهم، ويلتحق بالقسم الأول (١) : حضور المجالس المشتملة على رد أحكام الله وأحكام رسوله، والحكم بقانون الإفرنج والنصارى المعطلة، ومشاهدة الاستهزاء بأحكام الإسلام وأهله. ومن في قلبه أدنى حياة أو أدنى غيرة لله، وتعظيم له، يأنف ويشمأز من هذه القبائح، ومجامعة أهلها ومساكنتهم، ولكن "ما لجرح بميت إيلام" (٢) .
فليتق الله عبدٌ يؤمن بالله واليوم الآخر، وليجتهد فيما يحفظ إيمانه وتوحيده، قبل أن تزل القدم، فلا ينفع حينئذ الأسف والندم، ومن أهم المقاصد الشرعية، والمطالب العليّة، جهاد أعداء الله، ومن صدف عن دينه الذي ارتضاه؛ وقد أوجب الله الجهاد في سبيله، وأكّده ورّغب فيه، ووعد أهله بما أعدّه لأوليائه وأهل طاعته من مرضاته وكرامته ومجاورته في دار النعيم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣) إلى آخر السورة، فانظر ما دلّت عليه هذه الآية الكريمة من لطافة الخطاب، والإرشاد إلى منهاج الهداية والصواب، وما رتب على ذلك من غاية الفوز ومنتهى السعادة، وما فيها من البشارة بكل فلاح ونجاح في العاجل والآجل،
стр. 269
وانظر كيف ختم السورة بأم عباده المؤمنين أن يكونوا أنصاراً له، وأن يقتدوا بمن سلف من الصالحين، وانظر إلى ما حكم به من إيمان من نصره وقام بما أمر به، وتأمّل كفر الطائفة المعرضة عن طاعة رسوله، والجهاد في سبيله، وتأمّل ما وعد به عباده من النصر، والظهور على من خالفهم وخذلهم، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١) . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢) ،وقد صحّ عن النبي ﷺ أنه قال: " إنّ في الجنة مائة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض " (٣) وعنه ﷺ قال: " من مات و/لم يغز/ (٤) ولم يحدث نفسه /بالغزو/ (٥) ، مات على شعبة من النفاق " (٦) .
فاغتنموا رحمكم الله حضور المشاهد، التي يترتب عليها إعلاء كلمة الله، ونصر دينه ورسوله، ومراغمة أعدائه، فإنّ هذه المشاهد من الموجبات للرحمة، والمغفرة، والسعادة، الأبديّة: " وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " (٧) .
стр. 270
وإذا هجم العدو على بلاد الإسلام، صار الجهاد فرض عين، فأجمعوا أمركم على جهاد عدوكم لابتغاء مرضاة ربِّكم، وأطيعوا إذا أمركم، وأخلصوا النية وأصلحوا الطويَّة، فإنَّما لك امرئ ما نوى، واتقوا الله عباد الله، وراقبوه مراقبة من يعلم أنه يسمعه يراه، فقد رأت ما بلغ من مكايد الشيطان، وتفريق كلمة أهل الإيمان، حتى انسلخ الأكثر من الدين، ولحق فئام من المسلمين بأعداء الملة والدين.
نسأل الله لنا ولكم العافية، والثبات على دينه الذي ارتضاه لنفسه، وارتضاه لعباده (١) ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً.
стр. 271
الرسالة التاسعة: إلى محمد بن عجلان
...
(الرِّسَالَةُ التَّاسِعَةُ) (١) :
قال جامع الرسائل
وله أيضاً - قدس الله روحه، /ونوّر ضريحه/ (٢) - (٣) ، رسالة إلى محمد بن عجلان (٣) .وسبب ذلك، أنه كتب رسالة أيام الفتنة، التي حدثت بين عبد الله بن فيصل (٥) وأخيه سعود (٦) ، ذكر فيها جواز الاستنصار بالكفار على البغاة من أهل الإسلام (٧) ، وهي التي سمّاها الشيخ "حبالة الشيطان" فكتب عليها الشيخ عبد اللطيف، جواباً، /قطع/ (٨) فيه كلّ ما يتعلق به كل مبطل، وأزال بالبراهين والدلائل كلَّ مشكل، وقرّر فيها أن ما كتبه ونقله من آية أو سنة /أو أثر/ (٩) ، فهو عليه لا له، لأنه يدل بوضعه أو تضمّنه أو التزامه على البراءة من الشرك وأهله، ومباينتهم في المعتقد، والقول والعمل، وبغضهم وجهادهم حسب الطاقة.
стр. 272
ثم كاتبه الشيخ محمد بن عجلان، وذكر فيما كتبه الوصية بما تضمنه سورة العصر، فكتب له الشيخ ﵀ هذه الرسالة، وهذا نصها:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى جناب الشيخ محمد بن إبراهيم بن عجلان حفظه الله من طوائف الشيطان، ورزقه الفقه في السنة والقرآن.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فأحمد الله إليك، وأُثِني بنعمه عليه، والخط وصل وما ذكرت فيه من تنبيه على ما تضمّنته السورة الكريمة (سورة العصر) ، فقد سرّني، وقد عرفت ما قاله الشافعي ﵀: "لو فكر الناس فيها لكفتهم" (١) ، قلت لأنها تتضمن الأصول الدينية، والقواعد الإيمانية، والشرائع الإسلامية، والوصايا المرضية، فتفكَّر فيها (٢) .
واعلم أنك نبهتني بها على إعلامك ببعض ما تضمّنته رسالتك لابن عبيكان (٣) ، وقد كتبتُ حين رأيتها، ما شاء الله أن أكتب، ونهيت عن إشاعتها، خوفاً منك وعليك، ولكن رأيتُ ما الناس فيه من الخوض، ونسيان العلم، وعبادة الأهواء، فخشيت من مفسدة كبيرة بردّ السنة والقرآن، والدَّفع في صدر الحجة والسلطان، وقررت فيها أنّ ما كتَبْتَه ونقلته من آية أو سنّة أو أثر، فهو عليك، لا لك؛ لأنه يدل بوضعه أو تنضمُّنه أو التزامه، على البراءة من الشرك وأهله، ومباينتهم في المعتقد والقول والعمل، وبغضه، وجهادهم، والبراءة من كل من اتخذ أولياء من دون المؤمنين، ولم
стр. 273
يجاهدهم حسب طاقته، ولم يتقرب إلى الله بالبعد عنهم، وبغضهم ومراغمتهم، وأكثر نصوصك /التي/ (١) ذكرت دالة على ذلك، كقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (٢) ، والآية قبلها، والآية بعدها (٣) ، وما ذكره لبن كثير هنا، كل هذا نصٌ فيما قلناه (٤) ، وقد بسط القول في ذلك.
وكذلك كل أحاديث السمع والطاعة، وأمر بلزوم الجماعة، نص فيما قلناه، عن من فقه عن الله ورسوله، وما ذكرتَ من استعانته بابن أريقط (٥) ، فهذا اللفظ ظاهر في مشاقة قوله في حديث عائشة: " إنا لا نستعين بمشرك " (٦) ، وابن أُريقط أجيرٌ مستخدم، لا معين مكرم (٧) .
стр. 274
وكذلك قولك: إنّ شيخ الإسلام استعان بأهل مصر والشام، وهم حينئذ كفار وهلة عظيمة (١) ، وذلّة ذميمة، كيف إذا ذاك والإسلام يعلوا أمره (٢) ،ويقدّم أهله، ويهدم ما حدث من أماكن الضلال، وأوثان الجاهلية، ويظهر التوحيد، ويقرر في المساجد والمدارس، وشيخ الإسلام نفسه يسميها بلاد إسلام، وسلاطينهم سلاطين إسلام، ويستنصر بهم على التتر، وعلى /النصيرية/ (٣) ونحوها؟! وكل هذه مستفيض في كلامه وكلام أمثاله٠ وما يحصل من بعض العامة والجهال، إذا صار الغلبة لغيرهم، لا يحكم به على البلاد وأهليها٠
وكذلك ما زعمته من أنّ أكابر العسكر أهل تعبد، أو نحو هذا؛ فهذه دسيسة شيطانية وقاك الله شرها، وحماك حرّها لو سُلِّم تسليماً جدلياً، فابن عربي (٤) ، وابن سبعين (٥) ، وابن الفارض (٦) ، لهم عبادات وصدقات، ونوع تقشف وتزهد، وهم أكفر أهل الأرض، أو من أكفر أهل الأرض (٧) . وأين أنت من قوله تعالى: ﴿وَلَوْ
стр. 275
أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢) .
وأما إجازتك الانتصار بهم، فالنزاع في غير هذه المسألة، بل في توليتهم وجلبهم وتمكينهم من دار إسلامية، هدموا بها شعار الإسلام وقواعد الملّة، وأصول الدين وفروعه، وعند رؤسائهم قانون وطاغوت وضعوه للحكم بين الناس في الدماء ولأموال وغيرها (٣) ، مضاد ومخالف للنصوص، إذا وردت قضية نظروا فيه وحكموا به، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم (٤) .
وأما مسألة الاستنصار (٥) /بهم/ (٦) ، مسألة خلافية، والصحيح الذي عليه
стр. 276
стр. 277
ثم القائل به قد شرط أن يكون فيه نصح للمسلمين، ونفع لهم، وهذه القضية فيها هلاكهم ودمارهم، وشرط فيها ألا يكون /للمشرك/ (١) صولة ودولة يخشى منها، وهذا مبطل لقولك في هذه القضية؛ واشترط مع ذلك أن لا يكون له دخل في رأي ولا مشورة (٢) ، بخلاف ما هنا، كل هذا ذكره الفقهاء، وشراح الحديث، ونقله في شرح المنتقى، وضعّف مرسل الزهري جداً (٣) ، وكل هذا في قتال المشرك للمشرك مع أهل الإسلام.
وأم استنصار المسلم بالمشرك على الباغي، فلم يقل بهذا إلا من شذّ (٤) ، واعتمد القياس، ولم ينظر إلى مناط الحكم، والجامع بين الأصل وفروعه، ومن هجم على مثل هذه الأقوال الشاذة، واعتمدها في نقله وفتواه، فقد تتبع الرخص، ونبذ الأصل المقرر عند سلف الأمة وأئمتها، /المستفاد/ (٥) من حديث الحسن (٦) وحديث النعمان بن
стр. 278
بشير (١) ، وما أحسن ما قيل:
والعلم ليس بنافع أربابه ... ما لم يفد نظراً وحسن تبصُّر (٢)
وفي رسالتك مواضع أعرضنا عنها خشية الإطالة، هذا كله من التواصي بالحق، والصبر عليه، وإن لام لائم، وشنَّأ شانئ، ولولا ما تقرر في الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، من تفصيل الكم في المخطئ والمتعمد، لكان الشأن غير الشأن، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
وبلِّغ سلامنا من لديك من الإخوان، وعيالنا وإخواننا بخير، وينهون السلام، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً.
стр. 279
الرساة العاشرة: إلى عبد الله بن عبد العزيز الدوسري
التوصية بلزوم الكتاب والسنة
...
(الرِّسَالَةُ العَاشِرَةُ) (١)
قال جامع الرسائل
وله أيضاً /-قدس الله روحه، ونوّر ضريحه-/: (٢)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ عبد الله بن عبد العزيز الدوسري (٣) ، وفقه الله لما يحبه ويرضاه، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فأحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، على نعمه -جعلنا الله وإياك شاكرين. والخط
стр. 280
وصل بما تضمن من الوصية- وفّقنا الله وإياك لقبول الوصاية الشرعية، وأعاذنا من سيئات الأعمال الكسبيّة. وأوصيك بما أوصيتني به، وبلزوم الكتاب والسنة، والرغبة فيهما، فإنّ أكثر الناس نبذوهما ظهرا، وزهدوا فيما تضمناه من العلم والعمل، اللهم إلا أن يوافق الهوى.
واذكر قوله ﷺ لحذيفة، لما سأله عن الفتن، قال: " اقرأ كتاب الله، واعمل بما فيه " (١) كررها ثلاثاً، والحكمة والله أعلم شدّة الحاجة وقت الفتن، وخوف الفتنة والتقلب، وأكثر الناس من أ÷ل نجد وغيرهم، ليسوا على شيء في هذه الأزمان (٢) .
والمؤمن من اشترى نفسه، ورغب فيما أعرض عنه الجهال والمترفون، نسأل الله لنا ولكم الثبات والعفو والعافية. ولا /تدّخر/ (٣) المذاكرة فيما ابتلي به الناس من فتنة العساكر ومن والاهم، فإنّ هذا من أعظم ما دهم الإسلام وأهله، ومن أسباب محو الدين والإيمان، وهد قواعده. ومن أفضل الأعمال، القيام لله /عند/ (٤) ذلك على بصيرة، والدعوة إلى سبيله، وبلغ سلامنا الإخوان والخواص من أهل الإسلام؛ ومن
стр. 281
стр. 282
الرسالة الحادية عشرة: إلى أهل عنيزة
فتنة القبور والتوسل بالموتى
...
(الرِّسَالَةُ الحَادِيَةُ عَشَرَةَ) (١)
قال جامع الرسائل
وله أيضاً -قدس الله روحه ونوّر صريحه- رسالة إلى أهل عنيزة (٢) ، وهذا نصها:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى من يصل إليه هذا الكتاب من أهل عنيزة، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
يجري عنكم أمور، يتألم منها المؤمنون، ويرتاح لها المنافقون، ولا بد من النصيحة، معذرة إلى الله تعالى، وطلباً لرضاه، وإلاّ فالحجة قد قامت، وجمهوركم يتجشّم (٣) ما يأتي لأسباب لا تخفى، من ذلك: المشاقة والمعاندة، بإكرام داود العراقي (٤) ، مع اشتهاره بعداوة التوحيد وأهله، والتصريح بإباحة دعاء الصالحين (٥) ، والحثُّ عليه، وغير ذلك مما يطول عدّه.
ولا بد من تقديم مقدّمة ينتفع بها الواقف على هذا، فنقول: لما وقع في آخر هذه الأمة ما أخبر به نبيُّها ﷺ ، من اتباع سنن من كان قبلها من أهل الكتاب، وفارس والروم (٦) ، وتزايدت تلك السنن، حتى وقع الغلو في الدين، وعُبِدَت
стр. 283
قبور الأولياء والصالحين، وجُعِلَت أوثاناً تُقصَد من دون الله رب العالمين (١) ، عظَّمها قوم لم يعرفوا حقيقة الإسلام، ولم يشموا رائحة العلم، ولم يحصلوا على شيء من رائحة النبوّة، ولم يفقهوا من أخبار الأمم قبلهم، وكيف كان بدء شركهم (٢) ، ومنتهى نحلتهم، ونهاية طريقتهم، وما هذا الذي عابه القرآن عليهم وذمه (٣) ، وتلطّف الشيطان في كيد هؤلاء الغلاة في قبور الصالحين توسلاً ونداءً، وحُسن اعتقاد في الأولياء، وتشّفُعاً بهم (٤) ، واستظهاراً بأرواحهم الشريفة، فاستجاب لهم صبيان العقول، وخفافيش البصائر، وداروا مع الأسماء، ولم يقفوا مع الحقائق، فعادت عبادة الأولياء والصالحين، ودعاء الأوثان والشياطين، كما كانت قبل النبوة،
стр. 284
وفي زمان الفترة (١) ، حذو النعل بالنعل، وحذو القذّة بالقذّة، وهذا من أعلام النبوة، كما ذكره غير واحد (٢) ، ولم يزل ذلك في ظهور وازدياد حتى عمَّ ضرره، وبلغ شرره الحاضر والباد، ففي كل إقليم ومدينة وقرية ممن ينتسب إلى الإسلام، ولائج (٣) يدعونهم مع الله، ويلتمسون بدعائهم قرب الرب ورضاه، ويفزعون إليهم في المهمات والشدائد، ويلوذون به في النوائب والحاجات، وبعضهم لا يرد على خاطره، ولا يلم (٤) بباله دعاء الله تعالى في شيء من ذلك، لاستشعاره حصول مقصوده، ونجاح مطلوبه من جهة الأولياء والأنداد. وقد رأينا وسمعنا من ذلك ما يعز حصره واستقصاؤه، ولو كان يخفى لعرجنا على ذكره وتفصيله، ولكنه أشهر من الشمس في نحر الظهيرة.
إذا عرف هذا وتحقق، فاعلموا أن الله تعالى أطلع شمس الإيمان به وتوحيده، في
стр. 285
آخر هذه الأزمان، على يد من أقامه الله في هذه البلاد النجدية، داعياً إليه على بصيرة (١) ، فذَكر به، آمراً بتوحيده، وإخلاص الدين له، وردِّ العباد إلى فاطرهم وباريهم وإلههم الحق، الذي لا إله غيره، ولا رب سواه، يَنْهى عن الشرك به، وصرفِ شيء من العبادات إلى غيره، وابتداع دين لم يأذن به، لا سلطان ولا حجة على مشروعيته. واستدلَّ على ذلك، وألّف وقرّر، وصنّف وحرّر (٢) ، وناظر المبطلين، ونازع الغلاة والمارقين، حتى ظهر دين الله على كل دين، فتنازع المخالفون أمره، وجحدوا برهان قصده، فقوم قالوا: هذا مذهب الخوارج المارقين، وطائفة قالت: هو مذهب خامس لا أصل له في الدين (٣) ، وآخرون قلوا: هو يكفِّر أهل الإسلام، وصِنْف نسبوه إلى