← Акыда

Акыда · id 12034

غاية الأماني في الرد على النبهاني

محمود شكري الألوسي

Полный текст (1 119 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المجلد الأول مقدمة ... غاية الأماني في الرد على النبهاني تأليف: أبو المعالي محمود شكري الألوسي تحقيق: أبو عبد الله الداني بن منير آل زهوي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه أستعين (مقدمة المحقق) إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرور أنفُسِنَا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضْلِلْ فلا هَادِيَ له. وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبدُهُ ورسولُهُ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء: ١] . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٧٠- ٧١] . أما بعد؛ فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ اللهِ، وخيرَ الهَدْي هديُ محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشَرَّ الأمور مُحْدَثَاتُهَا، وكلَّ مُحْدَثَةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالة في النار. "فإن الله تعالى أَيَّدَ دِينَهُ بالآيات البينات، والبراهين الساطعات، التي لو تجرَّد كل إنسان من داعية الهوى، وسَلِمَتْ آلاته وأنعم النظر فيها؛ لساقته إلى الإيمان سوقاً، ولدفعته إليه دفعاً.

стр. 2

لكن لما كان في نفوس بعض المخاطبين قصور في الفهم، أو تَلَكُّؤٌ في الاستجابة، أو مكابرة وعناد، أو العيش في بيئة يسودها الكدر والضلال، والبعد عن هدي السنة والكتاب؛ احتاج هؤلاء إلى أسلوب آخر في الاستدلال، يتضمن مجادلة ومناظرة بين الحق من جهة، والباطل من الجهة الأخرى، تثارُ أثناءها كَوَامِنُ الحق في فِطَرِ بني آدم، فيزول عن القلوب رَيْنُها، وعن الأبصار غَشَاوتُها، وعن العقول أقفالها، حتى يعودَ الحق واضحاً جَلِيّاً لكل ذي بصر وبصيرة، فلا يبقى أمامه إلا إعلان الإيمان، وإشهار الإذعان، أو الرضا بالخنوع للباطل، والهروب من الحق. ولقد شهدت البريّةُ- ولا تزال- أنماطاً من الجدل والمناظرة، والأخذ والرد، والكتابة والمناقشة، في شتى الموضوعات؛ ولكن: ليست هناك حجة كَحُجَجِ الله تعالى التي بعثَ بها رسله، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ [النساء: ٨٧] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ [النساء: ١٢٢] . فالجدل والمناظرة، والرد على الخصوم والمخالفين؛ ضربٌ من ضروب بيان الحق وتأييده، وقمع الباطل وتزهيقه، وقد استخدمه الله تعالى في القرآن الكريم كثيراً، وبأساليب شتى، وفي حالات متنوعة؛ من تنبيه لغافل، أو إرشاد لمُسترشد، أو إفحام لمعاند. فالقرآن واجه الخصوم والمخالفين وتصدّى لهم، وناظرهم فيما يعتقدونه، وقطعهم بالحجة البالغة، والسلطان القاهر، فما استطاعوا له ردّاً، ولا عنه حِوَلاً. والرسول ﷺ واجه أصنافاً من الناس؛ منهم المسترشد يطلب الحق، والجاهل يبتغي العلم، والجاحد يسلك سبيل المدافعة والمنازعة، ومنهم المعاند الذي لا يلوي على شيء غيرَ الوقوف أمام كل جديد بالصدّ والإنكار، والتزام ما كان عليه الآباء والأجداد. ومن هؤلاء وهؤلاء من ينتسب إلى كتاب مُنَزَّلٍ أصابه التحريف والتبديل، ومنهم من يعبد الوثن ...

стр. 3

وهناك بعض حديثي العهد بالإسلام قد بقيت معه بعض الشبه والشكوك، التي تقلّدها عن الجاهلية، فهي تحتاج إلى تجلية وكشف حتى يرسخ الإيمان في قلبه، وتصحح الفكرة في عقله. كل هؤلاء وغيرهم واجههم رسول الله ﷺ ، فأقام الحق وبيّنه، ودفع الباطل وأذهبه، ودفع الشبه والشكوك، وأقام الله تعالى به الدين؛ فصلوات الله وسلامه عليه تسليماً مزيداً. وكان لأصحاب رسول الله ﷺ النصيب الأعظم في إقامة الحجة، وإصابة الحق، فهم أعلى الناس به علماً وعملاً، ونظراً ومناظرةً، وجدلاً ومجادلة، وذلك ببركة متابعتهم لنبيهم ﷺ وتأسّيهم به. ثم تعرّض الإسلام إلى حملة شرسة من أعدائه؛ من أرباب الديانات المنحرفة، وأساطين الفلسفات القديمة؛ حيث ذهبوا يشكّكون في مسلّماته، ويتعرضون له بإثارة الشبهات، وبحث الوثنية من جديد، قاصدين لدولة الإسلام التي انداحت فشملت أصقاعهم، ونسفت ملكهم، وصدّعت صروحهم. فانبرى لهم أهل الدين والإيمان، من علماء الأمة وحرّاس العقيدة؛ يدفعون صولة الصائلين، وعداية المعتدين، فأقيمت المناظرات، وكتبت الردود، حتى ظهرت الحجة، واتّضحت المحجة. فحماية الدين من العاديات وكفُّ العدوان والمعتدين؛ من أعظم وأخطر مهمات أهل العلم والإيمان وأشرفها. فلا أقوى من سلطان الحجة، ولا أسطع من نور الدليل والبرهان، وهذا من أعظم ما يمتاز به دين الله الحق؛ إذ هو حجة وبيّنة، ودليل وآية، وبرهان ونور، وهدى وشفاء لما في الصدور. ولأهل الإسلام مع أهل الكفر والبدع والأهواء مواقف عَلِيَّة، ومشاهد

стр. 4

سَنِيَّة"١ من كتب وردود، وكشف لأباطيلهم وألاعيبهم، ودحض لأكاذيبهم. وقد كتب العلماء الربانيون قديماً وحديثاً في الرد على أهل البدع والأهواء، حماية للشريعة الغراء، وصيانة للسنة النبوية من أهل الافتراء. ومن هؤلاء العلماء الذين كتبوا في الرد على أهل البدع؛ الإمام العلامة أبي المعالي محمود شكري الألوسي البغدادي الحسيني، كتب كتاباً في الرد على أحد هؤلاء الذين أوقفوا أنفسهم في وجه السنة وأهلها؛ وهو المدعو يوسف بن إسماعيل بن حسن النبهاني، المولود سنة (١٢٦٦ هـ) والمتوفي سنة (٣٥٠ هـ) - أحد العاملين في المحاكم المدنية التي يحكم فيها أهلها بغير ما أنزل الله!! في وقته آنذاك-. وقد ردَّ المصنف- ﵀ على كتاب النبهاني "شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق" ردًّا علمياً منهجياً وافياً، تعرض فيه للمسائل والكلام الذي افتراه النبهاني على دين الله وسنة رسول الله، وعلى العلماء الربانيين من هذه الأمة. وجلَّ المسائل المتكلم فيها في هذا الرد: مسائل التوسل والاستغاثة بغير الله ، وما يتعلّق بهما. ومسألة شدّ الرحال لزيارة القبور والاستنجاد بأهلها ودعائهم من دون الله تعالى. وقد أطنب المصنف في هذا الكتاب في الدفاع عن العالم الرباني، الإمام شيخ الإسلام أحمد بن تيمية الحراني طيّب الله ثراه، وذلك بنقل كلام أهل العلم من شتى المذاهب في ثنائهم على شيخ الإسلام، وتبرئتهم له مما ينسبه إليه المفترون الظالمون. عدا مسائل عقدية وفقهية هامة، تجدها في ثنايا هذا الرد.

стр. 5

والكتاب طبع قديماً طبعة رديئة، ثم طبعت في مصر على نفقة عبد العزيز ومحمد العبد الله الجميع، ثم صوّرت طبعات عدة عن هذه الطبعة، فأحببتُ القيام بتجديد نشر الكتاب في طبعة أنيقة حديثة، مخرّجة الآيات والأحاديث، عليها بعض التعليقات الطفيفة فيما تقتضيه الحاجة دون توسع في ذلك، مصحّحاً فيها الأخطاء التي وقعت في الطبعة القديمة. واعلم أيها القاريء الكريم أن عملي في هذا الكتاب عن أصل مطبوع، وقد بذلت الجهد الذي بمستطاعي في إصلاح الأخطاء والتصحيفات، فإن وجدتَ زللاً أو خطأً أو تقصيراً؛ فادعُ الله لنا أن يتجاوزَ عنا، وأن يرحمنا. هذا وإني أشكر الأخ الفاضل الأستاذ فهد الحمدان- وفقه الله تعالى- على قيامه بنشر هذا الكتاب، وغيره من الكتب النافعة، أجزل الله له المثوبة، ووفقه لكل خير. اللهم إني أسألك السداد فيما أقول وأكتب، اللهم تجاوز عن سيئاتنا وارحم ضعفنا، وسدّد خطانا للحق، اللهم لا تفتنا بعد إذ هديتنا، وثبتنا على دينك. اللهم اغفر لي ولوالدي وارحمهما كما ربياني صغيراً. اللهم صل على محمد وعلى آله وسلّم تسليماً مزيداً. وكتب: أبو عبد الله السَّلفي الداني بن منير آل زهوي كان الله له الجية، منطقة جبل لبنان الموافق للخامس عشر من شهر جمادى الأولى لعام اثنتين وعشرين وأربعمائة وألف

стр. 6

وفي أثناء كتابتي لهذه المقدمة فجعنا كما فُجِعَ المسلمون في أقطار الأرض بوفاة العلامة المحدث الإمام الحافظ ريحانة الديار اليمنية وشامتها أبي عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، وذلك يوم السبت في الرابع عشر من شهر جمادى الأولى لهذا العام. والشيخ مقبل- ﵀ علم من أعلام السنة، ووالد رحيم لأبناء كثيرين من طلاب العلم من شتى بقاع الأرض، قام على رعايتهم وتعليمهم وتنشئتهم في دار أهل الحديث في"دماج" قرب مدينة "صعدة" اليمنية. وقد أمضى- ﵀ عمره وحياته في تعليم الناس وإرشادهم لدعوة الحق، وكان حصناً منيعاً للسنة وأهلها، وسيفاً مسلولاً على أهل البدع والأهواء، وعلماً شامخاً، ومرجعاً عزيزاً، وحافظاً كبيراً، وداعيةً رحيماً، وقد نفع الله به نفعاً عظيماً، غفر الله له وحشره مع النبيين والصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقاً. رحمك الله يا أبا عبد الرحمن، وأجزل لك المثوبة، وأخلف الله لنا خلفاً صالحاً يسيروا سيرك، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 7

ترجمة المصنف اسمه ونسبه: هو: محمود شكري، أبو المعالي جمال الدين بن السيد عبد الله بهاء الدين ابن السيد محمود شهاب الدين بن عبد الله صلاح الدين بن محمد الخطيب الألوسي البغدادي الحسيني، يرجع نسبه للسيد السبط الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب ﵇. مولده: ولد المصنف في بغداد، في التاسع عشر من شهر رمضان سنة ثلاث وسبعين ومائتين وألف (١٩رمضان ١٢٧٣) الموافق (١٢/ أيار/ ١٨٥٦) بالتاريخ الأجنبي. وقد وُلِدَ في دار جدّه أبي الثناء ﵀. أسرته: ينتسب المصنف- ﵀ إلى الأسرة الألوسية، نسبة إلى (أَلُوس) وهذا ما رجّحه العلامة محمد بهجة الأثري في"أعلام العراق" (ص ٧) . وقيل: نسبة إلى (آلوسة) بالمد. وهي جزيرة على الفرات في العراق. والأسرة الألوسية بغدادية الأصل، ارتحلت بسبب الفتن والحروب التي كانت تقع في بغداد أواخر المائة الحادية عشرة. وفي أواخر القرن الثاني عشر رجع

стр. 8

جدّ أبي الثناء إلى بغداد، واتخذها وطناً له. والألوسيون أسرة شريفة يرجع نسبها إلى آل بيت النبي ﵌. قال الأستاذ محمد بهجة الأثري- ﵀:"والألوسيون سادة أشراف، محبوكوا الأطراف، ضموا إلى زينة النسب حلية الأدب، فتفيّؤوا في الثرف مكاناً عَلِيّاً. وهم- على ثبوت نسبهم- من أبعد الناس عن التفاخر بالأنساب، ولعمري! إن انتسابهم إلى العلم ليكفيهم، ومحك النسب العمل: إن فاتكم أصل امرىء ففعاله ... تنبيكم عن أصله المتناهي". والأسرة الألوسية أسرة علمية، وجذ المصنف العلامة شهاب الدين محمود الألوسي (١٢١٧- ١٢٧٥) هو صاحب التفسير المعروف بـ "روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني". شيوخه: ١- والده عبد الله بهاء الدين الألوسي (١٢٤٨- ١٢٩١ هـ) ، وكان تأثره به شديداً. ٢- عمه العلامة السلفي نعمان خير الدين أبو البركات الألوسي. ٣- إسماعيل بن مصطفى الموصلي (- ١٣٠٢ هـ) . ٤- الشيخ بهاء الحق الهندي نزيل بغداد، درس عليه طرفا من التفسير (١٢٥٦ - ١٣٠٠ هـ) . وقد ترجمه المصنف في"المسك الأذفر" (ص ٢١٢) . ٥- الشيخ عبد السلام بن محمد بن سعيد النجدي الشهير بالشواف (١٢٤٣ - ١٣١٨) . درس عليه مصطلح الحديث. ٦- الشيخ محمد أمين الخراساني الفارسي. وغيرهم. تلاميذه:

стр. 9

١- الأستاذ العلامة محمد بهجة الأثري (١٣٢٢- ١٤١٦هـ) . ٢- الشاعر معروف الرصافي، شاعر العراق المشهور (١٢٩٤- ١٣٦٤) . ٣- نعمان بن أحمد بن الحاج إسماعيل الأعظمي العبيدي (١٢٩٣- ١٣٥٨) . ٤- علي علاء الدين الألوسي- ابن عم المصنف- (١٢٧٧-١٣٤٠) . ٥- عبد العزيز الرشيد الكويتي، المؤرخ (توفي سنة: ١٣٥٧) . ٦- طه بن صالح الداوي، الأديب المؤرخ (١٣١٠- ١٣٦٥) . ٧- عبد اللطيف ثنيان، اللغوي (ت: ١٣٦٣) . ٨- عباس الغزاوي، المؤرخ العراقي المشهور (ت: ١٩٧١م) . ٩- منير القاضي (١٣١٣- ١٣٩٠) . ٠ ١- سليمان الدخيل النجدي (١٢٩٤- ١٣٦٤) . وغيرهم كثير. عقيدته بالتتبع والاستقراء لعقيدة الألوسي- من خلال كتبه وسيرته- يلاحظ أنه مرّ في أطوار ثلاثة في اعتقاده: الطور الأول: كان فيه صوفياً خالصاً: وهذا الطور يبدأ من أول حياته إلى أن تجاوز الثلاثين من عمره. وفي هذا يقول العلامة الأثري- ﵀ في كتابه "أعلام العراق" (ص: ٩١) : ".. ولكن الشاب المتأثر بالعقيدة الخلفية، والمتشبع بالروح الصوفية الموروثة له من أبيه وأستاذه الأول لم يستطع ملازمة عمه المستقل بعلمه وآرائه الضارب بالخزعبلات الصوفية والمذاهب التقليدية عرض الحائط، فصرف التعصب بصره عن عمه". الطور الثاني: كان فيه مازجا بين الصوفية والعقيدة السلفية، ولم يستمر هذا الطور معه طويلاً. وفي هذا يقول العلامة الأثري:"لما بلغ الألوسي هذا الطور من حياته،

стр. 10

واتسعت آفاقه الذهنية والعلمية؛ رأيناه يبدأ حالاً جديدة من أحوال التفكير والاجتهاد، ويعيد النظر فيما تعاوره في أثناء الشباب من اختلاط العقائد والنزعات المذهبية المختلفة ... " ["محمود شكري الألوسي وآراؤه اللغوية" (ص ٧٦) ] . الطور الثالث: وهو آخر ما استقر عليه المصنف ﵀؛ وهو طور نبذ التصوف، والمجاهرة بدعوة التوحيد. وفي هذا يقول العلامة الأثري: "ثم ما لبث الألوسي أن أصحر عن انحيازه في جراءة وقوة إلى الحركة السنية السلفية، مع مقاومة الدولة العثمانية الصوفية لهذه الحركة الإصلاحية بكل قواها الرجعية، واستعلن وقوفه إلى جانبها بكتابه "فتح المنان تتمة منهاج التأسيس رد صلح الإخوان" الذي فرغ من تأليفه في غرة ذي الحجة سنة (١٣٠٦هـ) وطبع بالهند سنة (١٣٠٩هـ) ". مؤلفاته: ١- غاية الأماني في الرد على النبهاني: وهو هذا الكتاب. ٢- الآية الكبرى على ضلال النبهاني في رائيته الصغرى: بعد أن صدر كتاب العلامة الألوسي الأول "غاية الأماني" واطّلع النبهاني عليه؛ نظم قصيدة ركيكة طعن فيها على علماء الملة، فردّ عليه الألوسي بهذا الكتاب. وتوجد نسخة من الكتاب بخط المؤلف كتبها سنة (١٣٣٠) في مكتبة الآثار العامة، المتحف العراقي في (٥٢) صفحة، برقم: ٨٧٢١. ٣- إتحاف الأمجاد في ما يصحّ به الاستشهاد: نشر ببغداد بتحقيق الدكتور عدنان بن عبد الرحمن الدوري، مطبعة الإرشاد سنة (١٩٨٢م) في (١٢٦) صفحة. ٤- الأجوبة المرضية عن الأسئلة المنطقية: في (٤٣) صفحة، كتبه بخطه سنة (١٣٤٠) ، ومنه نسخة في مكتبة الآثار العامة ببغداد، تحت رقم: (٨٧٧٤) .

стр. 11

٥- أخبار الوالد وبنيه الأماجد: ترجم فيه أباه؛ السيد عبد الله بهاء الدين الألوسي. يقع في (١٠٢) صفحة بخط المصنف. منه نسخة في مكتبة الآثار العامة (٨٦٢٣) . ٦- إزالة الظما بما ورد في الما: منه نسخة خطية بخط المصنف، كتبها سنة (١٣٠٢) في مكتبة المجمع العلمي العراقي (٣١/ مجاميع- ورقة: ٣٠-٥١) . ٧- الأسرار الإلهية شرح القصيدة الرفاعية: طبع في المطبعة الخيرية بالقاهرة سنة ١٣٠٥ هـ، في (٩٦) صفحة. ٨- أسواق العرب في الجاهلية: بحث نشر في مجلة"المشرق" البيروتية سنة (١٨٩٨م) . ٩- ألعاب العرب: أو"لعب العرب"منه نسخة بخط المؤلف في مكتبة الآثار العامة (٨٢٢٠) في (١٤) صفحة. ١٠- أمثال العوام في مدينة دار السلام: جمع فيه الأمثال العامية في بغداد، ورتبها على حروف الهجاء. منه نسخة خطية في مكتبة الآثار العامة (١٧٩٨ و ٨٥١٣) في (٧٦) صفحة. ١١- الأندلس وما فيها من البلاد: منه نسخة خطية في مكتبة الآثار العامة رقم (٨٧٩٩) . ١٢- البابية: منه نسخة خطية في أربع صفحات بخط المصنف، كتبه سنة (١٣١٩هـ) في مكتبة الدراسات العليا، رقم: (١٠٥) . ١٣- بدائع الإنشاء: الجزء الأول والثاني منه بخط المصنف في مكتبة الآثار العامة رقم (٨٥٥٠ -٨٥٥١) .

стр. 12

ومنه قطعة في (١٦) ورقة في مكتبة الأوقاف العامة رقم (١٣٧١٧) . ١٤- بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب: منه أجزاء مخطوطة في مكتبة الآثار برقم (٨٥٠١، ٨٥٠٢، ٨٥٠٦) . وقد طبع الكتاب في بغداد وفي القاهرة بتحقيق الأستاذ محمد بهجة الأثري. ١٥- تاريخ بغداد: كتاب كبير في ثلاثة أقسام: الأول: أخبار بغداد وما جاورها من البلاد: ألّفه المصنف سنة (١٣٣٧هـ) في (١٥٥) ورقة. منه نسخة خطية في مكتبة الأوقاف العامة ببغداد في (١٢٨) ورقة برقم (٢٤٢٠٦) . ومنه نسخة في مكتبة الآثار العامة. ومنه نسخة في المكتبة المركزية ببغداد رقم (٩) . ومنه نسخة في معهد المخطوطات العربية بالقاهرة رقم (١٣٤٢) . الثاني: المسك الأذفر في نشر مزايا القرن الثاني عشر والثالث عشر: طبع بتحقيق الدكتور عبد الله الجبوري بدار العلوم بالرياض سنة (١٤٠٢هـ) . الثالث: تاريخ مساجد بغداد وآثارها: منه نسخ خطية كثيرة في المكتبات البغدادية. ١٦- تاريخ نجد: حققه ونشره الأستاذ محمد بهجة الأثري. ومنه نسخة خطية في مكتبة الأوقاف العامة ببغداد. ١٧- تجريد السنان في الذب عن أبي حنيفة النعمان: ومنه نسخة خطية بمكتبة الآثار العامة برقم (٨٥٨٩) . ١٨- ترجمة الأصمعي: منه نسخة في مكتبة الآثار العامة برقم (٨٦٥٣) .

стр. 13

١٩- الجواب عما استبهم من الأسئلة المتعلقة بحروف المعجم: أجاب فيه عن أسئلة لغوية سبعة، كان قد وجّهها جلال الدين السيوطي إلى علماء عصره، ولم يُجِبْهُ عنها أحد. منه نسخة بخط المؤلف كتبها سنة (١٣١٩هـ) في مكتبة الآثار العامة برقم (٨٦٠٥) في (٤١) صفحة. ٢٥- الجوهر الثمين في بيان حقيقة التضمين: أي التضمين النحوي. منه نسخة في مكتبة الآثار العامة (برقم: ٨٥٣٣) . ٢١- الدر اليتيم في شمائل ذي الخلق العظيم ﷺ : قال العلامة الأثري في كتابه"محمود شكري الألوسي وآراؤه اللغوية" (ص١١٧) : "لم يتمه". منه نسخة في مكتبة الآثار العامة برقم (٨٥٤٧) في (٣٧) صفحة. ٢٢- رسالة في إثبات خاتمية نبوّة الرسول ﷺ : منه نسخة بخط المؤلف، كتبها سنة (١٣١٩هـ) في مكتبة الآثار العامة برقم (٨٥٤٧) . ٢٣- رسالة في التوحيد والتثليث: في الرد على رسالة إيليا مطران نصيبين. ألّفها سنة (١٣٢١هـ) منه نسخة بخط عبد الرزاق بن ملا محمد الحاج فليّح في مكتبة الأوقاف العامة ببغداد (٢٤٣١٧) في ٣٦ صفحة، وأخرى في المكتبة القادرية ببغداد برقم (٦٤٣) في ٢٨ صفحة. ٢٤- رسالة في قوله جاء المسيح رسولاً: منها نسخة خطية في ١٢ صفحة بمكتبة الدراسات العليا برقم (١١٤٣) . ٢٥- رسالة في كلمات التسبيح: في ست ورقات بخط إبراهيم محمد ثابت الألوسي، في مكتبة الأوقاف العامة ببغداد رقم (٩/٢٤٣٠٩ مجاميع) .

стр. 14

٢٦- رسالة فيما كانت عليه بغداد: في (١٢) صفحة بالمتحف العراقي (٨٧٩٨) . ٢٧- رسائل محمود شكري الألوسي إلى الأب أنستاس ماري الكرملي: طبعت بعنوان "أدب الرسائل بين الألوسي والكرملي، بتحقيق كوركيس وميخائيل عواد. ٢٨- الروضة العناء شرح دعاء الثناء: ألّفها سنة (١٢٩٤هـ) ، ومنه نسخة في المتحف العراقي (٨٥٨٠/١) . ٢٩- رياض الناظرين في مراسلات المعاصرين: وهي الرسائل المتبادلة بين الألوسي وبين علماء عصره. منه نسخة بخط المؤلف في المتحف العراقي برقم (٨٥٣٤) في (٥٦٠) صفحة. ٣٠- سعادة الدارين في شرح حديث الثقلين: كتبه بالفارسية العلامة عبد العزيز بن ولي الله الدهلوي صاحب كتاب "التحفة الإثنى عشرية". وقد عربه الألوسي، وزاد عليه بعض الفوائد. ومنه نسخة بمكتبة الآثار العامة برقم (٨٨٧٢) في (٢٦) صفحة، كتبها سنة (١٣٣٦هـ) . ٣١- السواك: رسالة في العيدان التي كانت تستاك بها العرب في أيام الجاهلية. نشرها الأستاذ االأثري في مجلة الحرية العراقية. ٣٢- السيوف المشرقة مختصر الصواعق المرسلة: منه نسخة بخط المصنف في (٣٠٣) صفحة في مكتبة الآثار العامة برقم (٨٦٢٨) . ٣٣- شرح الدر المنضود: وهو شرح القصيدة الأحمدية التي نظمها الشاعر أحمد بك الشاوي الحميري، في مدح السيد محمود شكري الألوسي، فأجازه عليها بشرحها

стр. 15

شرحاً أدبياً، في ثمانين صفحة. وهي بخط المؤلف في مكتبة الآثار العامة برقم (٨٧٢١/١) . ٣٤- شرح منظومة الشيخ حسن العطار في فن الوضع: منه نسخه خطية في مكتبة الأوقاف العامة ببغداد برقم (٢٤٣٠٩) . وأخرى في المكتبة القادرية ضمن مجموع برقم (١٤٥٣/ ١) . ٣٥- شرح منظومة عمود النسب وأخبار أخبار سلف العرب: والمنظومة هي للنسابة الشيخ أحمد البدوي المجلي الشنقيطي البوحمدي. وهي في مكتبة الأوقاف العامة برقم (٢٤٣٥٣) . ونسخة بخط العلامة محمد بهجة الأثري في خزانة كتبه. ٣٦- صب العذاب على من سبّ الأصحاب: منه عدة نسخ خطية في بغداد، وقد طبع الكتاب في مكتبة أضواء السلف بالرياض، بتحقيق عبد الله البخاري، سنة ١٤١٧هـ. ٣٧- الضرائر السائغة: وهذا اختصار لكتابه "الضرائر وما يسوغ للشاعر دون الناثر". منه نسخة في (٧٠) صفحة بخط المصنف في مكتبة الآثار العامة برقم (٨٥٧٩) . ٣٨- الضرائر وما يسوغ للشاعر دون الناثر: منه نسختان بخط المؤلف في مكتبة الآثار العامة برقم (٨٥٢٠، ٨٦٨٠) . وقد حققه ونشره الأستاذ الأثري وطبع بالقاهرة ثم في بيروت. ٣٩- عقد الدرر في شرح مختصر نخبة الفكر: منه نسخة خطية في مكتبة الآثار العامة برقم (٨٥٠٤) ، ونسخة أخرى في مكتبة الأوقاف العامة. وقد طبع الكتاب حديثاً في مكتبة الرشد بالرياض، بتحقيق: إسلام بن محمود درباله. ٤٠- فتح المنان تتمة منهاج التأسيس رد صلح الإخوان:

стр. 16

كتاب"صلح الإخوان"لداود بن سليمان. وقد رَدَّ عليه الشيخ العلامة عبد اللطيف النجدي بكتاب أسماه: "منهاج التأسيس في الرد على ابن جرجيس" ولم يتمه. فأتمه العلامة الألوسي في هذا الكتاب، وفرغ منه سنة (١٣٠٦هـ) . منه نسخة خطية في مكتبة الأوقاف العامة ببغداد برقم (٦٤٩٣) . وطبع على الحجر في بومبي بالهند سنة (١٣٠٩هـ) في (١٥٨) صفحة، على نفقة الأمير الشيخ قاسم بن محمد آل ثاني حاكم قطر. ٤١- فصل الخطاب في شرح مسائل الجاهلية لإمام محمد بن عبد الوهاب: منه نسخة في مكتبة الآثار العامة برقم (٨٧٣٨/ ١) . ونسخة أخرى في المكتبة القادرية برقم (٦٠٠) . وطبع باسم "مسائل الجاهلية". ٤٢- القول الأنفع في الردع عن زيارة المدفع: منه نسخة الأوقاف العامة رقم (١١٣٧٩١) . ٤٣- القول الظريف في تزييف دعوى ناصيف: وهو نقد المقالات التي ألّفها ناصيف اليازجي (ت: ١٢٨٧ هـ) بعنوان"مجمع البحرين". قال الأستاذ الأثري في كتابه"أعلام العراق" (ص١٤٧) : "فُقِدَ هذا النقد في جملة ما فُقد في مؤلفات الأستاذ، ولكنني وجدتُ منه عدة أوراق من أوائله". وقال في كتابه"محمود شكري الألوسي وآراؤه اللغوية" (ص١٢٠) :"تبعثر إبان نفيه إلى الأناضول وفُقد أكثره، وعندي قطعة من أوله بخط المؤلف". ٤٤- كنز السعادة في شرح كلمتي الشهادة: منه نسخة في مكتبة الآثار العامة برقم (٨٦٩٤) في (٥٦) صفحة. ونسحة أخرى في مكتبة الأوقاف العامة (١٣٧١٩) . وطبع بتحقيق علي فريد دحروج في بيروت بدار الكتاب العربي.

стр. 17

٤٥- اللؤلؤ المنثور من حلي الصدور: جمع فيه مكاتيب ومراسلات والده وجده. منه نسخة بخط المؤلف في مكتبة الآثار العامة برقم (٨٦٥٤) . ٤٦- ما اشتمل عليه حروف المعجم من الدقائق والحقائق والحكم: منه نسخة بخط المؤلف في مكتبة الآثار العامة برقم (٨٥٠٧) في (١١٦) صفحة. ٤٧- ما دلّ عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة القويمة البرهان: نشر بالمكتب الإسلامي ببيروت. ٤٨- مجموعة تراجم العلماء: وهو في تراجم مشاهير المتأخرين من أهل بغداد. وما في "المسك الأذفر" من تراجم غير ما ترجم في هذه المجموعة. منه نسخة خطية في مكتبة الآثار العامة (٢٠٩٩) . ٤٩- مختصر مسند الشهاب في الحكم والمواعظ والآداب: قال الأستاذ الأثري عنه: "اختصرناه معاً، ونسخته بخطي ... ". وهو في مكتبة الآثار العامة برقم (٨٦١٦) . ٥٠- المسفر عن الميسر: منه نسخة في مكتبة الآثار العامة برقم (٨٥٠٥/ ١) ، وأخرى بمكتبة الأوقاف العامة برقم (٣٤٢٥٨) . ٥١- المسك الأذفر: انظر مادة"تاريخ بغداد". ٥٢- المفروض من علم العروض: استخرجه من كتاب"لسان العرب" لابن منظور. انظر "أعلام العراق" للأثري (ص ١٤٧) . ٥٣- ملخص كتاب الأصنام: وهو تلخيص كتاب "الأصنام" لهشام بن السائب الكلبي.

стр. 18

منه نسخة في مكتبة الآثار العامة برقم (٨٧٩٥/٥) . ٥٤- منتهى العرفان والنقل المحض في ربط بعض الآي ببعض: قال الأستاذ الأثري:"شرع في تأليفه في أوائل سنة ١٣٤١هـ، فوافته المنية قبل إتمامه". منه نسخة في مكتبة الآثار العامة برقم (٨٨٤١) . ٥٥- المنحة الإلهية تلخيص ترجمة التحفة الإثني عشرية: أهل الكتاب "التحفة الإثني عشرية" للعلامة عبد العزيز الدهلوي الفاروقي (ت:١٢٤٠هـ) ، وترجمه إلى العربية: غلام محمد أسلمي الهندي. ولخصه المؤلف وهذبه وضم إليه فوائد جزيلة. وقد طبع الكتاب بالهند ومصر. ٥٦- النحت وبيان حقيقته: رسالة صغير في (١٣) صفحة، نسختها في مكتبة الآثار العامة برقم (٨٧٦٦) . وغير ذلك من كتبه وتحقيقاته الكثيرة. - مصادر الترجمة: "أعلام العراق" للأثري: محمد بهجة. "محمود شكري الألوسي وآراؤه اللغوية" للسابق. "مشاهير علماء نجد وغيرهم". "مقدمة كتاب المسك الأذفر"له بتحقيق الجبورك. "مقدمة كتاب أدب الرسائل". "الأعلام" للزركلي (٧/ ١٧٢- ١٧٣) . "معجم المؤلفين العراقيين في القرنين التاسع عشر والعشرين" لكوركيس عواد. وغيرها.

стр. 19

قالوا في الكتاب قال الشيخ محمد رشيد رضا في تقريظه لهذا الكتاب: "كتاب مؤلف من سفرين كبيرين، لأحد علماء العراق، المكني: بأبي المعالي الحسيني السلامي الشافعي؛ ردّ فيهما ما جاء به النبهاني في كتابه "شواهد الحق" من الجهالات والنقول الكاذبة، والآراء السخيفة، والدلائل المقلوبة، في جواز الاستغاثة بغير الله، وما تعدى به طوره من سبّ أئمة العلم وأنصار السنة؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية ... إلى أن قال: وفي هذا الكتاب ما لا أحصيه من الفوائد العلمية في التوحيد، والحديث، والفقه، والآداب، وغير ذلك.. [مجلة المنار/ عدد: ١٢/ ص: ٧٨٥] . وقال الشيخ تقي الدين الهلالي: "غاية الأماني في الرد على النبهاني لمؤلفه العالم السَّلفي محمود الألوسي البغدادي- ﵀، وهذا الكتاب من أنفس كتب السلفية؛ جادل المبتدعين من المتصوفة، وشدّد عليهم الخناق بعبارات بليغة، كأنها عقود الجمان في أجياد الحسان، فيه من المتعة والفوائد ما يقل نظيره في الكتب". [الهدية الهادية إلى الطائفة التيجانية/ ص: ٢٢] .

стр. 20

خطبة الكتاب ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله على ما عرفنا من نفسه، وألهمنا من شكره، وفتح لنا من أبواب العلم بربوبيته، ودلّنا عليه من الإخلاص في توحيده، وجنّبنا من الإلحاد والشك في أمره، وهو ربّ العالمين، وقَيُّوم السموات والأرضين. نحمدُه حمداً يضيء لنا به ظلمات البرزخ، ويسهل علينا به سبيل المبعث، ويشرف به منازلنا عند مواقف الأشهاد يوم تُجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون، يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً ولا هم ينصرون. ونشهد أن لا إله إلا الله العظيم السلطان، والملك الديان، الذي لا شريك له ولا ند، ولا وزير ولا معين، وهو الربّ المستعان، فسبحانه من إله وقفت سيارات العقول حيارى في مواقف عظمته، وتاهت ثوابت أبكار الأفكار سكارى في فيافي قدرته، وأقام أدلة وحدانيته على رؤوس عرائس الكائنات، ونظم براهين تفرده بربوبيته في سلك امتناع تسلسل الموجودات. ونرفع إليه جلّ شأنهُ أَكُفَّ التضرّع والابتهال، ونبسط له- تعالى سلطانه- أيدي التذلل والسؤال، أن يُدِيَم ديم صلاته وسلامه هاطلة على أَجَلِّ من نشر رايات التوحيد، وعقد خنصر قلبه على تقديس ربه المجيد، وتمسِّك بكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، سيّدنا ومولانا محمد أمينك على وحيك، ونجيبك من خلقك، وصفّيك من عبادك، إمام الرحمة، وقائد الخير ومفتاح البركة، الذي نصب لأمرك نفسه، وعرض فيك للبلاء بدنه، وكاشف إليك في الدعاء خاصته، وحارب في رضاك أسرته، وقطع في إحياء دينك رحمه، وأدأب نفسه في تبليغ رسالتك، وأتعبها بالدعاء إلى

стр. 21

ملّتك، وشغلها بالنصح لأهل دعوتك، إرادة منه لإعزاز دينك، واستنصاراً على أهل الكفر بك، حتى استتبّ له ما حاول في أعدائك، واستتم له ما دبر في أوليائك، فنهد إليهم مستفتحاً بعونك، ومتقوياً على ضعفه بنصرك، صلى الله عليه وعلى اله وأصحابه؛ الذين أخلصوا في أعمالهم فخلصوا عن كل نقص حتى لم يبق فيهم كلام، ولخصوا زبدة أعمارهم بالتجرد عن شوائب الغفلة فلم يشبهم شيء من دواعي الملام، شنّوا غارات عزائمهم حتى بددوا كتائب الزيغ والضلالة، ودمغوا بأسنة حججهم رؤوس أهل الشرك والجهالة، الذين أسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالته، وعلى من تبعهم بإحسان، ولم يكن لهم غير الله ملجأ ولا مستعان. أما بعد؛ فقد وصل إليّ- في أواخر رجب الفرد، سنة خمس وعشرين وثلثمائة وألف، من هجرة من تقصر دون كعب علاه بردة المدح والوصف- كتاب قد اشتمل على بهتان عظيم، وعدول عن الصراط المستقيم، ألّفه بعض الجهلة لمصادمة الحق، ومعارضة الصواب بالخطأ المطلق، ومناقضة ما جاءت به رسل الله، وصدحت به الكتب المنزلة، ودلت عليه الدلائل القطعية؛ وهو توحيد الله وإفراده بخصائص الربوبية، وتخصيصه بالالتجاء إليه، والتوكل عليه، والاستعانة به في كل كلية وجزئية، فجاء هذا الغبيّ الجاهل المكابر، وأعرض عن الحق الصريح الظاهر، وجمع كتاباً سماه (شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق) وحشاه من الكذب والافتراء والظلم والعدوان، وشتم أهل الحق ونصرة التوحيد، والحكايات الكاذبة، وكان الحَرِيّ به أن يسمي كتابه هذا شبه الباطل والضلال. ولما تصفحته وجدته كتاباً لا يروج ما فيه حتى على ضعفاء العقول، فضلاً عمن تضلع من فنون المنقول والمعقول، لما اشتمل عليه من واهي الأسانيد وأكاذيب النقول، مباحثه متناقضة، ومطالبه متعارضة، جهل بها مؤلفه، وغفل عنها مصنفه، وبقيت أُقَدّمُ رجلاً وأؤخّر أخرى في الإقدام على إبطاله، وتزييف أقواله، حيث تكلم بالجزاف، وأبان عن قلة معرفة وعدم إنصاف، وكان الرأي عندي أن يعرض عن جهله المستأصل لشافته، ولا يتعرض لغثاثته وسخافته، ولا

стр. 22

يلتفت إلى تخليطه وخرافته، غير أن بعض الإخوان لما علم مقصدي ووقف على ما تقرر عندي التمس مني ذلك، وطلب إبطال ما هنالك، وذكر لي أن النبي ﷺ لما قال أبو سفيان يوم أحد: أفيكم محمد؟ أفيكم أبو بكر، أفيكم ابن الخطاب؟ قال لأصحابه: "لا تجيبوه". تهاوناً به وتحقيراً لشأنه، فلما قال أُعل هبل، قال لهم رسول الله ﷺ : "قولوا: الله أعلى وأجل". ولما قال: لنا العزى ولا عزى لكم، قال لهم:"قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم"١. فحينئذ جرّدتْ أسنّة العزائم والرد، واستعنتُ على رد أباطيله بالواحد الفرد، وليت مصنف ذلك الهذيان تنكب عن ميدان الفرسان، ليسلم من أسنة ألسنتهم عرضه، وينطوي من بساط المشاجرة طوله وعرضه، ولم يسمع ما يضيق به صدره، ولم ينتهك بين أفاضل الأمة ستره، وإذا أبى إلا المهارشة والمناقشة، والمواحشة والمفاحشة، فليصبر على حزّ الحلاقم، ونكز الأراقم٢، ونهش الضراغم٣، والبلاء المتراكم المتلاطم، ومتون الصوارم. فوالذي نفسي بيده؛ ما بارز أهل الحق قط قرن إلا كسروا قرنه، فقرع من ندم سنه، ولا ناحرهم خصم إلا بشّروه بسوء منقلبه، وسدّوا عليه طريق مذهبه لمهربه، ولا فاصحهم أحد -ولو كان مثل خطباء إياد- إلا فصحوه وفضحوه، ولا كافحهم مقاتل -ولو كان من بقية قوم عاد- إلا كبُّوه على وجهه وبطحوه، هذا فعلهم مع الكماة الذين وردوا المنايا تبرعاً، وشربوا كؤوسها تطوعاً، وسعوا إلى الموت الزؤام٤ سعياً، وحسبوا طعم الحمام أرياً، والكفاة الذين استحقروا الأقران فلم يهلهم أمر مخوف، وجالوا في ميادين المناضلة واخترقوا الصفوف، وتجالدوا لدى المجادلة بقواطع السيوف.

стр. 23

وقد حان أن نشرع بالمقصود، والذب عن شريعة صاحب المقام المحمود، والحوض المورود. اللهم اجعلني أصول بك عند الضرورة، وأسألك عند الحاجة، وأتضرع إليك عند المسكنة، ولا تفتني بالاستعانة بغيرك إذا اضطررت، ولا بالخضوع لسؤال غيرك إذا افتقرت، ولا بالتضرع إلى من هو دونك إذا رهبت، فأستحق بذلك خذلانك ومنعك وإعراضك يا أرحم الراحمين. اللهم اجعل ما يلقي الشيطان في روعي من التمنّي والتطني والحسد ذكراً لعظمتك، وتفكّراً في قدرتك، وتدبيراً على عدوك، وما أجري على لساني من لفظة فحش، أو انتهاك عرض، أو شهادة باطل، أو اغتياب مؤمن غائب، أو سب حاضر، وما أشبه ذلك؛ نطقاً بالحمد لك، واعترافاً في الثناء عليك، وذهاباً في تمجيدك، وشكراً لنعمتك، واعترافاً بإحسانك، وإحصاءً لمننك، إنك مجيب الدعاء. ولا بد قبل الخوض في إبطال الباطل، ورد الكلام العاطل، من معرفة أمور تزيد من علمها بصيرة في التمييز بين الخطأ والصواب، وتعين على الوقوف على الحق من طرق هذا الباب، ومن الله نستمد التوفيق، وبيده أزمة التدقيق والتحقيق.

стр. 24

(الأمور التي يجب التنبيه عليها، والإشارة بيسير العبارة إليها) الأمر الأول: إن الكتب المصنفة في حقائق الدين وما جاء به الرسول ﷺ لا تحصى كثرة في كل عصر من الأعصار، ولاسيما في هذه الأزمان الأخيرة، فقد انتشرت الكتب الإسلامية -بواسطة صناعة الطبع -انتشاراً لم يُعْهَدُ مثله في الأعصر الخالية، ومع ذلك لم تؤثر في القلوب القاسية شيئاً. فإن أمثال النبهاني١ المعرضين عن الحق المتبعين لأهوائهم، كثيرون في الأقطار والبلاد، ودلائل الحق واضحة جلية، ولم يلتفتوا إليها، ولا عرجوا عليها، وهذا وإن اغترَّ به العوام، والجهلة الطغام، فهو لا يضر الحق ولا يمس شرف

стр. 25

أهله، فإن الأسباب المانعة من قبول الحق كثيرة جداً، كما ذكر ذلك الحافظ ابن القيم في الهداية١. فمنها: الجهل به، وهذا السبب هو الغالب على أكثر النفوس، فإن من جهل شيئاً عاداه وعادى أهله، فإن انضاف إلى هذا السبب بغض من أمره بالحق ومعاداته له وحسده كان المانع من قبول الحق أقوى، فإن انضاف إلى ذلك إلفه وعادته ومرباه على ما كان عليه آباؤه ومن يحبه ويعظّمه قوي المانع، فإن انضاف إلى ذلك توهّمه أن الحق الذي دُعي إليه يحول بينه وبين جاهه وعن شهواته وأغراضه قوي المانع من القبول جداً، فإن انضاف إلى ذلك خوفه من أصحابه وعشيرته وقومه على نفسه وماله وجاهه كما وقع لهرقل ملك النصارى بالشام على عهد رسول الله ﷺ ، وكما نرى كثيراً ممن ينتسب إلى العلم من أهل المناصب والجرايات ينتسبون إلى الطرائق المبتدعة، ويظهرون ما يروج من العقائد لدى حكومتهم ودولتهم، ويتجنبون من العقائد السّلفية، وإظهار السنن النبوية مع علمهم بحقية حقائقها، ووقوفهم على دقائقها محافظة على الزخارف الدنيوية، والسفاسف الدنية، وأعرف من هؤلاء عددا ًكثيراً؛ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ٢. فإذا كان الأمر على ما ذكر ازداد المانع من قبول الحق قوة، فإن هرقل عرف الحق وهمّ بالدخول في الإسلام فلم يطاوعه قومه، وخافهم على نفسه، واختار الكفر على الإسلام بعدما تبين له الهدى، وقصته مشهورة٣. ومن أعظم هذه الأسباب؛ الحسد، فإنه داء كامن في النفس، ويرى الحاسد المحسود قد فضل عليه، وأوتي ما لم يؤتَ نظيره، فلا يدعه الحسد أن ينقاد له ويكون من أتباعه، وهل منع إبليس من السجود لآدم إلا الحسد؟! فإنه لما رآه قد

стр. 26

فضل عليه ورفع فوقه؛ غص بريقه واختار الكفر على الإيمان بعد أن كان بين الملائكة. وهذا الداء هو الذي منع اليهود من الإيمان بعيسى ابن مريم، وقد علموا علمًا لا شك فيه أنه رسول الله جاء بالبينات والهدى، فحملهم الحسد على أن اختاروا الكفر على الإيمان، وأطبقوا عليه، وهم أمة فيهم الأحبار والعلماء والزهّاد، والقضاة والملوك والأمراء، هذا وقد جاء المسيح بحكم التوراة ولم يأت بشريعة تخالفها ولم يقاتلهم وإنما أتى بتحليل بعض ما حرم عليهم تخفيفاً ورحمة وإحساناً، وجاء مكمّلاً لشريعة التوراة، ومع هذا فاختاروا كلهم الكفر على الإيمان. فكيف يكون حالهم مع نبيّ جاء بشريعة مستقلة ناسخة لجميع الشرائع، مبكتاً لهم بقبائحهم، ومنادياً على فضائحهم، ومخرجاً لهم من ديارهم، وقد قاتلوه وحاربوه وهو في ذلك كله ينصر عليهم ويظفر بهم، ويعلو هو وأصحابه، وهم معه دائماً في سفاك؟ فكيف لا يملك الحسد والبغي قلوبهم؟ وأين تقع حالهم معه من حالهم مع المسيح، وقد أطبقوا على الكفر به من بعد ما تبين لهم الهدى، وهذا السبب وحده كاف في رد الحق، فكيف إذا انضاف إليه زوال الرياسات والمآكل كما تقدم؟! وقد أطنب ابن القيم الكلام، وأتى بما تعشقه الأسماع والأفهام، وله كلام مفصل يتعلق بهذا الباب ذكره في كتاب (مفتاح دار السعادة) ولعلنا نذكر منه شيئاً فيما سيأتي إن شاء الله. والمقصود؛ أن لعدم قبول الحق والإذعان له أسباباً كثيرة كلها موجودة في الغلاة، والغالب منها قسوة قلوبهم، كما أخبر الله تعالى عن اليهود بقوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ١.

стр. 27

وفي (باب فضل من علم وعلم) من كتاب (صحيح الإمام البخاري) حدثنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا حماد بن أسامة، عن بريد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير، أصاب أرضاً فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به"١. قال شارحه الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني -بعد كلام له ناقلاً عن الإمام القرطبي وغيره-: "ضرب النبي ﷺ ما جاء به من الدين مثلاً بالغيث العام الذي يأتي الناس في حال حاجتهم إليه، وكذا كان حال الناس قبل مبعثه، فكما أن الغيث يحي البلد الميت فكذا علوم الدين تحيي القلب الميت، ثم شبه السامعين له بالأرض المختلفة التي ينزل بها الغيث، فمنهم: العالم العامل المعلم؛ فهو بمنزلة الأرض الطيبة شربت فانتفعت في نفسها وأنبتت فنفعت غيرها. ومنهم: الجامع للعلم المستغرق لزمانه فيه، غير أنه لم يعمل بنوافله ولم يتفقه فيما جمع، لكنه أداه لغيره، فهو بمنزلة الأرض التي يستقر فيها الماء فينتفع الناس به، وهو المشار إليه بقوله: "نضّر الله امرأً سمع مقالتي فأداها كما سمعها" ٢. ومنهم من يسمع العلم فلا يحفظه ولا يعمل به ولا ينقله لغيره؛ فهو بمنزلة الأرض السبخة أو الملساء التي لا تقبل الماء أو تفسده على غيرها. وإنما جمع في المثل بين الطائفتين الأوليين المحمودتين لاشتراكهما في الانتفاع بهما، وأفرد الطائفة الثالثة المذمومة لعدم النفع بها والله أعلم. قال: ثم ظهر لي أن في كل مثل طائفتين، فالأول قد أوضحناه، والثاني:

стр. 28

الأولى منه: من دخل في الدين ولم يسمع العلم، أو سمعه فلم يعمل به ولم يعلمه، ومثالها من الأرض السباخ وأشير إليها بقوله ﷺ :"من لم يرفع بذلك رأساً" أي: أعرض عنه لم ينتفع به ولا نفع، والثانية منه: من لم يدخل في الدين أصلاً بل بلغه فكفر به، ومثالها من الأرض الصماء الملساء المستوية التي يمر عليها الماء فلا ينتفع به، وأشير إليها بقوله ﷺ :"ولم يقبل هدى لله الذي جئت به". وقال الطيبي: بقي من أقسام الناس قسمان: أحدهما: الذي انتفع بالعلم ولم يعلمه غيره. والثاني: من لم ينتفع به في نفسه وعلمه غيره. قلت: والأول داخل في الأول، لأن النفع حصل في الجملة وإن تفاوتت مراتبه، وكذلك ما تنبت الأرض فمنه ما ينتفع الناس به ومنه ما يصير هشيماً، وأما الثاني: فإن كان عمل الفرائض وأهمل النوافل فقد دخل في الثاني كما قررناه، وإن ترك الفرائض أيضاً فهو فاسق لا يجوز الأخذ عنه، ولعله يدخل في عموم من لم يرفع بذلك رأساً والله أعلم". انتهى كلام الإمام العسقلاني١. والمقصود: أن الحديث قد دل على أن بعض القلوب كالأرض النقية التي قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، كقلوب الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومن تبعهم بإحسان. وبعضها: كالأجادب التي أمسكت الماء، فشربوا منها وسقوا وزرعوا، ويؤيده قوله ﷺ :"رب مبلغ أوعى من سامع"٢. وبعضها: كالقيعان التي لا تمسك ماءً، ولا تنبت كلأ، كقلوب كثير من الغلاة وأهل البدع والضلالات، فإنها لا يؤثر فيها الهدى والعام، كما أن الأرض السبخة لاتمسك ماءً ولا تنبت كلأً. الأمر الثاني: أنه ورد في الحديث المتفق على صحته: "إنكم لتتبعن سنن من

стр. 29

كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه"١. أخبر ﷺ أنه سيكون في أمته من يحذو حذو الأمم السابقة، وهم جاهلية الكتابيين وغيرهم، كما فُسّر في الحديث، ولا شك أن ما أخبره به ﷺ كائن لا محالة، فإنه الصادق المصدوق، وما ينطق عن الهوى، ومن اليقين أن من استمسك بهديه، واتبع ما ثبت من سنته غير مقصودين بالحديث، لما ثبت في حديث الفرق أنهم الفرقة الناجية، وهم من كان على ما عليه النبي ﷺ وأصحابه كما هو الوارد٢؛ فلا بد أن يكون الذين يحذون حذوهم هم من بدَّل وغير، وابتدع وحرف، وحاكى الذاهبين الأوّلين في أفعالهم وأعمالهم، من بناء المشاهد والمساجد على قبور صالحيهم، وندائهم في المهمات والملمات، وغير ذلك مما كان يفعله اليهود والنصارى والمشركون، مما دلت عليه الأحاديث الصحيحة. وفي الغلاة ومبتدعة أهل القبور من خصال الجاهلين من الكتابيين والمشركين ما يصدق به عليهم اتباع سننهم حذو القذة بالقذة، ونحن نذكر بعض ذلك ليكون كالمثال الموضح لما نحن بصدده. فمن خصالهم: أنهم كانوا يتعبدون بإشراك الصالحين في عبادة الله تعالى، ويرون ذلك من تعظيمهم الذي يحبه الله، ويقصدون به أيضاً التقرب والزلفى والفوز بشفاعتهم، لظنهم أن الصالحين يحبون ذلك منهم، وقد أخبر القرآن عن هذه الخصلة قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ

стр. 30

اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ١ وعبادة المشركين لهم كانت بدعائهم لهم وطلب حاجاتهم منهم، والذبح والنذر لهم، والحلف بهم. وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٢. وهذه أعظم مسألة خالفهم فيها رسول الله ﷺ ، فأتى بالإخلاص وأخبرهم أنه دين الله الذي لا يقبل من أحد سواه، وأن من فعل ما استحسنه حرم الله عليه الجنة ومأواه النار، وهذه المسألة هي الدين كله ولأجلها تفرق الناس بين مسلم وكافر، وعندها وقعت العداوة، ولأجلها شرع الجهاد، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ ٣، ومن المعلوم أن للغلاة الحظ الوافر من خصلة أسلافهم هذه كما هو المشاهد. ومن خصالهم: أن دينهم كان مبنياً على أصول أعظمها التقليد، فهو القاعدة الكبرى لجميع من كان قبل ظهور الإسلام من الأمم الأولى، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ ٤. فأمرهم الله تعالى أن يتبعوا الحق فقال: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ٥. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ ٦. إلى غير ذلك مما يدل على أن أهل الجاهلية كانوا مقيدين بربقة التقليد لا يحكّمون لهم رأياً، ولا يستعملون نظراً، ولا يشغلون فكراً، فلذلك

стр. 31

تاهوا في أودية الجهالة، وقضوا أعمارهم في الضلالة، وهكذا الغلاة وعبدة الأموات قلّدوا آباءهم في تلك العادات، فلا يمكن نقلهم عنها ولو ظهرت الآيات البينات، ولكم بحثت مع عقلائهم فما زادهم ذلك إلا نفوراً، وعتوا على الحق وغرّهم غروراً، فطابق بين الفريقين تجد الموافقة ظاهرة لكل ذي عينين. ومن خصالهم: الإقتداء بفسقة أهل العلم وجهالهم وعبادهم، قال تعالى محذراً للمؤمنين أن يحذوا حذوهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ١. وقال: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ ٢ إلى آيات أخر تنادي ببطلان الإقتداء بالفسقة والغواة الضالين المضلين. ومن نظر إلى حال النبهاني وأضرابه الصادّين عن سبيل الله تجده على ما كان عليه القرون الأولى الجاهليون. ومن خصالهم: الاحتجاج بما كان عليه القرون السالفة من غير تحكيم للعقل ولا أخذ بالدليل الصحيح، كما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى * قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآياتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ * وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ * فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ

стр. 32

يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ * إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ ٢. فهؤلاء الأمم كلهم جعلوا مدار احتجاجهم على عدم قبول ما جاءت به الرسل أنه لم يكن عليه أسلافهم، ولا عرفوه منهم، فانظر إلى سوء مداركهم، وجمود قرائحهم، ولو كانت لهم قلوب يفقهون بها وآذان يسمعون بها وأعين يبصرون بها لعرفوا الحق بدليله، وانقادوا لليقين من غير تزييفه ولا تعليله، وهكذا أخلافهم وورّاثهم، هذا النبهاني لم يفد فيه ما ألف من الكتب المفصلة لإثبات الحق وإبطال الباطل، ولم يلتفت إليها بسبب مخالفتها لما كان عليه السبكي٣، وابن حجر المكي٤. ومن خصائصهم: الاعتماد على الكثرة، والاحتجاج بالسواد الأعظم، وإبطال الشيء بسبب قلة أهله، فأبطل الله تعالى ذلك بقوله: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ

стр. 33

أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ١ فالكثرة على خلاف الحق لا تستوجب العدول عن اتباعه لمن كان له بصيرة وقلب، فالحق أحق بالاتباع وإن قلَّ أنصاره، كما قال تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ ٢. فأخبر الله سبحانه عن أهل الحق أنهم قليلون غير أن القلة لا تضرهم، وما أحسن قول القائل ٣: تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها إن الكرام قليل والمقصود؛ أن من له بصيرة ينظر إلى الدليل، ويأخذ بما يستنتجه البرهان وإن قلّ العارفون به والمنقادون له، ومن أخذ ما عليه الأكثر وما أَلِفَتْهُ العامة -كما هو ديدن الغلاة وعادتهم من غير نظر لدليل -فهو مخطىء سالك غير سبيل المؤمنين، متبع سنن الجاهلية، مقدوح عند أهل البصائر، وهذه مكيدة عظيمة للغلاة، ولذلك ترى النبهاني لم يزل يردّد في كتابه هذا القول في تصحيح عقائده، ويقول: ما نحن عليه مذهب الجمهور، ومقصوده جمهور العوام الذين هم كالأنعام. ومن خصائصهم: الاستدلال على بطلان الشيء بكونه غريباً، فرد الله تعالى ذلك بقوله: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ ٤. ومعنى الآية: (فلولا كان) تحضيض فيه معنى التفجّع، أي: فهلاّ كان (من القرون) أي: الأقوام المقترنة في زمان واحد (من قبلكم أولوا بقية) أي: ذوو

стр. 34

خصلة باقية من الرأي والعقل، أو ذوو فضل، على أن يكون البقية اسماً للفضل، والهاء للنقل، ومن هنا يقال: فلان من بقية القوم، أي: من خيارهم، ومنه قولهم: في الزواية خبايا، وفي الرجال بقايا. (ينهون عن الفساد في الأرض) الواقع فيما بينهم حسبما ذكر في قصصهم وفسر الفساد بالكفر وما اقترن به من المعاصي. (إلا قليلاً ممن أنجينا منهم) استثناء منقطع، أي: ولكن قليلاً منهم أنجيناهم لكونهم كانوا ينهون. والغلاة يقولون: إن كثيراً من الصلحاء وأهل الطرائق يستغيثون بغير الله ويندبون الصالحين، وأرواحهم تتصرف في هذا العالم، والقول بعدم جواز ذلك غريب جداً لا نلتفت إليه، وأرواح الصالحين تتصرف وتدبر، والقول المخالف له أيضاً نادر شاذ لا يلتفت إليه، وهذا كثيراً ما يكرره النبهاني، ويقول: إن أقوال ابن تيمية شاذة ونحو ذلك، فانظر تشابه قلوبهم، واحمد الله تعالى على السلامة في الدنيا والدين. ومن خصالهم: الغلوّ في الصالحين من العلماء والأولياء، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ١. فاتخاذ أحبار الناس أرباباً يحلّلون ويحرّمون، ويتصرّفون في الكون، وينادون في رفع ضرّ أو جَلْبِ نفعٍ من جاهلية الكتابيين، ثم سَرَتْ إلى غيرهم من جاهلية العرب، ولهم اليوم بقايا في مشارق الأرض ومغاربها وهم الغلاة في أهل القبور، فإنك ترى غالب الناس اليوم معرضين عن الله، وعن دينه

стр. 35

الذي ارتضاه، متوغلين في البدع، تائهين في أودية الضلال الأشنع، معادين لكتاب الله والسنة ومن قام بهما، فأصبح الدين منهم في أنين، والإسلام في بلاء مبين، والنبهاني له من ذلك الحظ الوافر، كما أخبر عنه بذلك من يعرفه وأيدته كتبه، والله المستعان. ومن خصالهم: الاعتياض عن شرع الله ووحيه بالخوارق الكاذبة وكتب السحر، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ * وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ ١ الآية. والكلام عليها في كتب التفسير مشهور. وعلى هذه الخصلة اليوم كثير من الناس، لاسيما بعض الغلاة المنتسبين إلى بعض المشايخ والصالحين -وهم بريئون منهم- فإنهم قد تعاطوا بعض الأعمال السحرية من إمساك الحيات، وضرب السلاح، والدخول في النيران، وغير ذلك مما وردت الشريعة بإبطاله، ولم يلتفتوا إليه، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، واتبعوا ما ألقنه إليهم شياطينهم، وادّعوا أن ذلك من الكرامات وخوارق العادات! ومن المعلوم أن الكرامة لا تصدر عن فاسق ومخالف للشريعة، ومن يتعاطى تلك الأعمال فسقه ظاهر للعيان، وقد اتخذوا دينهم لعباً ولهواً، وليت شعري لم اختصّت الكرامة بمسك بعض الحيّات والعقارب، والضرب بسلاح مخصوص، والضرب بأيديهم؟! فهلا وقفوا أمام مدفع من المدافع فدلع لسانه عليهم وقرأ سورة الدخان وأطلق كراته على وجوههم لنرى كراماتهم حينئذ أين تبقى؟! ومن مشايخ النبهاني -على ما سمعت- من هو أبو هذه الخبائث وأمها، وسَنُلِمُّ إن شاء الله تعالى على هؤلاء الزائغين مرة بعد أخرى. ومن خصالهم: التحريف لكتب الدين، قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ * فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ

стр. 36

يََقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ ١. ومن نظر إلى متصوفة زماننا وغلاته وما صرفوه من النصوص إلى ما تقتضيه شهواتهم وبدعهم رأى أمراً منكراً، وهكذا كثير من القضاة والحكام، وما تلاعبوا به من الأحكام. ومن خصالهم؛ معاداة الدين الذي دانوا به، وموالاتهم للزائغين، كما فعل اليهود مع النبي ﷺ لما أتاهم بما أتى به موسى أعرضوا عنه واتبعوا كتب السحر، وهو من دين آل فرعون، والغلاة هجروا السنة وعادوها، ونصروا أقوال شيوخ القرامطة٢ والباطنية وأمثالهم. ومن خصالهم: التعصب لباطلهم، فإنهم لما افترقوا خطأ كل فريق منهم الآخرين، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ٣. وهكذا تجد الغلاة من أهل الطرائق المبتدعة، فالرفاعي يقول: ليس القادري على شيء، والقادري يقول: ليس الرفاعي على شيء، وهذا يقول شيخي أخذ زنبيل٤ الأرواح من عزرائيل٥ وأعاد كل روح إلى جسدها، وهذا يقول: مرّ شيخي على جهنم فأراد أن يطفيها ببزاقه فحالت الملائكة بينها وبينه!! ومن اتبع العيدروسي يقول:

стр. 37

العيدروسي كان يُحيي ... من الأموات من قد مات دهراً وهكذا تجدهم يتضاربون بالأقوال، ولم يزالوا قائمين على ساق المخاصمة والجدال، والحازم ينظر إلى الدليل فما أداه إليه نظره من الحق أخذ به وترك ما سواه. ومن خصالهم: التعبُّد بما لم يأذن به الله، قال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ ١. المراد بالفاحشة في الآية؛ عبادة الأصنام، وكشف العورة في الطواف ونحو ذلك مما كان عليه مشركوا العرب في الجاهلية، وفي الآية حذف، أي: وإذا فعلوا فاحشة فنهوا عنها قالوا: وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها، محتجين بأمرين: تقليد الآباء، والافتراء على الله. وكان من سنة الحمس أنهم لا يخرجون أيام الموسم إلى عرفات إنما يقفون بالمزدلفة، وكانوا لا يسلؤون ولا يأتقطون، ولا يربطون عنزاً ولا بقرة، ولا يغزلون صوفاً ولا وبراًَ، ولا يدخلون بيتاً من الشَّعر والمدر، وإنما يكتنون في القباب الحمر في الأشهر الحرم، ثم فرضوا على العرب قاطبة أن يطرحوا أزواد الحل إذا دخلوا الحرم، وأن يتركوا ثياب الحل ويستبدلوها بثياب الحرم، إما شراء وإما عارية، وإما هبة، فإن وجدوا ذلك فبها وإلا طافوا بالبيت عَرايا، وفرضوا على نساء العرب مثل ذلك، غير أن المرأة كانت تطوف في درج مفرج القوائم والمآخير، قالت امرأة وهي تطوف بالبيت: اليوم يبدو بعضه أوكله ... وما بدا منه فلا أحله أحثم مثل القعب باد ظله ... كان حمى خيبر لا تمله

стр. 38

وكلفوا العرب أن يفيضوا من مزدلفة وقد كانوا يفيضون من عرفة، إلى غير ذلك من الأمور التي ابتدعوها وشرعوها مما لم يأذن به الله، وقد فصلت في كتب أحوالهم، ومع ذلك كانوا يدعون أنهم على شريعة أبيهم إبراهيم ﵇. وقد حذا حذوهم حذو القذة بالقذة غلاة هذه الأمة ومتصوفتها، ترى طائفة منهم قد اتخذوا ضرب المعازف وآلات اللهو عبادة يتعبدون بها في بيوت الله ومساجد، وطائفة اتخذوا الطواف على قبور الصالحين أعظم طاعة وعبادة وقصدوها في طلب الحاجات ونذروا لها، ومنهم من ابتدع الرهبانية والحيل الشيطانية والمكائد التي لم تهتد إليها النفوس الإنسانية، وزعم أنه سلك سبيل الزهاد، وطريق العباد، ومقصده الأعلى نيل شهواته الحيوانية، والفوز بزخارف هذه الدنيا الدنية، إلى غير ذلك مما يطول، ولا يعلم الموحد ماذا يقول. إلى ديان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم ولبعض أكابر أهل العلم رسالة جمع فيها المسائل التي خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية، وهي ما يزيد على مائة مسألة، ولنا عليها شرح مفصل١، وخصالهم كلها صادقة على الغلاة ولاسيما النبهاني منهم. وما ذكرناه كاف في التمثيل، ويتبين منه أنه حذا حذو أسلافه الجاهليين، نسأله تعالى العافية في الدنيا والدين. الأمر الثالث؛ من الأمور التي يجب التنبيه عليها، والإشارة بصريح العبارة إليها: أن من مكايد الغلاة؛ التشنيع على أهل الحق ودعاة التوحيد من المؤمنين أنهم يكفّرون المسلمين، ومقصودهم من ذلك تنفير القلوب عنهم، ولذلك يلقبونهم بألقاب مشعرة بالذم، كالمجسّمة والحشوية، وفي هذه الأزمنة يلقبونهم

стр. 39

بالوهَابية، وبالمنكرين ونحو ذلك، وقد برأهم الله تعالى من كل ما لا يرضيه سبحانه، ومعلوم أن المسلمين من يعتقد عقيدة الإسلام، وقد فُسِّرت في حديث جبريل المشهور١، فمن كان معتقداً تلك العقيدة كان مسلماً، ولا يخرج عن الإسلام إلا إذا أخل بتلك العقيدة، كأن يعتقد أن مع الله إلهاً آخر يعبده بأي عبادة كانت، فإنها أنواع مختلفة، فحينئذ يخرج عن الإسلام، ولا يقال لمن عبد غيره تعالى مسلماً، ولا لمن كفّره أنه كفر مسلماً، ومنه يُعلم أمر الغلاة، وأما أهل البدع فلم يكفَرهم أهل الحق. وقد سئل شيخ الإسلام عن المسائل التي وقع فيها خلاف ونزاع بين أهل السنة والخوارج والروافض فهل يستوجب ذلك التكفير؟ فإنهم كفّروا المسلمين وأهل السنة بمخالفتهم فيما ابتدعوه، وأصلوه، ووضعوه، وذهبوا إليه وانتحلوه. فأجاب الشيخ بقوله: "أصل التكفير للمسلمين من الخوارج والروافض الذين يكفّرون أئمة المسلمين بما يعتقدون أنهم أخطؤوا فيه من الدين، وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن علماء المسلمين لا يجوز تكفيرهم بمجرد الخطأ المحض، بل كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ ، وليس كل من يترك قوله لخطأ أخطأه يكفر ولا يفسق ولا يأثم، فإن الله قال في دعاء المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ٢. وفي الصحيح عن النبي ﷺ :"أن الله قال: قد فعلت" إلخ٣. وقال ﵀ في أثناء كلام له في النهي عن التفرق والاختلاف وترك التعصب لمذهب أو قبيلة أو طريقة، قال: "فليس كل من أخطأ يكون كافراً ولا فاسقاً ولا عاصياً، بل قد عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، وقد قال تعالى في

стр. 40

كتابه في دعاء المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ وثبت في الصحيح "أن الله قال: قد فعلت". لاسيما وقد يكون من يوافقكم في أخص من الإسلام، مثل أن يكون مثلكم على مذهب الشافعي، أو منتسباً إلى الشيخ عدي، ثم بعد هذا قد يخالف في شيء وربما كان الصواب معه، فكيف يستحل عرضه أو دمه أو ماله مع ما قد ذكر الله من حقوق المسلم والمؤمن، وكيف يجوز التفريق بين الأمة بأسماء مبتدعة لا أصل لها في كتاب الله ولا سنة رسوله؟! وهذا التفرق الذي حصل بين الأمة- علمائها ومشائخها وأمرائها وكبرائها- هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليهم، وذلك بتركهم العمل بطاعة الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ١. وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا، فإن الجماعة رحمة، ديان الفرقة عذاب، وجماع ذلك: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ٢. فمن الأمر بالمعروف؛ الأمر بالائتلاف والاجتماع، والنهي عن الاختلاف والفرقة، ومن النهي عن المنكر؛ إقامة الحدود على من خرج عن شريعة الله تعالى، فمن اعتقد في بشر أنه إله أو دعا ميتاً، أو طلب منه الرزق والنصر والهداية، وتوكّل عليه، وسجد له؛ فإنه يستتاب فإن تاب وإلاّ ضُربت عنقه"٣ انتهى. فعُلم منه حكم من ابتدع وحكم الغلاة، فإن من اعتقد في بشر أنه إله أو دعا ميتاً أو طلب منه الرزق وغير ذلك ليس حكمه حكم المبتدع كما قال، ولا يشترط في الخروج عن الدين- والعياذ بالله- أن يكفر المكلّف بجميع ما جاء به الرسول، بل يكفي في الكفر والردة أن يأتي بما يوجب ذلك ولو في بعض الأصول، وهذا ذكره الفقهاء من أهل كل مذهب، ومن أراد الوقوف على جزئيات وفروع في الكفر
следующие страницы →