← Акыда

Акыда · id 12034

غاية الأماني في الرد على النبهاني

محمود شكري الألوسي

Полный текст (1 119 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فانظر أيها المنصف إلى جهل هذا الغبيّ وما أدت إليه حماقته، فإنه إلى الآن لم يعرف أن عمارة المدن بأي شيء تكون، ولا درى أسباب الخراب ما هي، وظن أن زيارة القبور هي سبب عمارة البلاد، والإعراض عنها هو المستوجب لخرابها، ولا بدع إن اعتقد الغلاة الضالون هذا الاعتقاد الفاسد، فمثل ذلك هو اللائق بقلوبهم المختوم عليها. ويقال له: إن الشيخ لم يحرّم الزيارة ولا السفر إليها مطلقاً حتى يرد ما ذكرت، وإن الصلاة في المسجد النبوي إذا كانت بتلك المنزلة فلا شك أن المسلمين لا يهملونها، وما ذكره من قلة زوار البيت المقدس فكذب، وعلى مقتضى تعليله يلزم أن يكون البيت المقدس خراباً لقلة زواره، ومن المعلوم ما بلغ إليه من العمارة والمدنية، والرجل لا يستحي من الكذب والزور، ومقصوده بيان أنه كن رئيس المحكمة الجزائية ليعلم الناس مبلغه من العلم والإيمان قاتله الله ما أعظم حماقته ورعونته. ثم يقال: إن عمارة البلاد بالعلم والتقوى، والإيمان الكامل والعمل الصالح، والسعي للدنيا والآخرة، وأما زيارة القبور أي قبر كان إنما هي للدعاء للميت والاعتبار به، فهي شعبة من شعب الطرق الأخروية. وقد ذكر هذا الغبي أيضاً في تضاعيف كلامه نقلاً عن بعض أسلافه الغلاة: أن زيارة القبور تعظيم، وتعظيم النبي ﷺ واجب، فلا يجوز إهماله. قال الإمام الحافظ ابن قدامة في "الصارم المنكي"١: الكلام عليه من وجوه: أحدها: أن يقال: هاتان المقدمتان إن أخذتا على إطلاقهما أنتجتا أن زيارة قبره واجبة، وهو إنتاج لازم للمقدمتين لزوماً بيناً، فإن الضرب الأول من الشكل الأول، والحد الأوسط فيه محمول في الأولى موضوع في الثانية، فتكون النتيجة

стр. 282

موضوع الأولى ومحمول الثانية، وهي زيارة قبره واجبة، ثم يلزم على هذا لوازم: منها: أن تارك زيارة قبره عاص آثم مستحق للعقوبة منتفي العدالة لا تصح شهادته ولا تقبل روايته ولا فتواه، وفي هذا تفسيق جميع الصحابة إلا من صح عنه منهم الزيارة، ولا ريب أن هذا شر من قول الرافضة الذين فسّقوا جمهورهم بتركهم تولية علي، بل هو من جنس قول الخوارج الذين يكفرون بالذنب، لأن تارك هذه الزيارة عنده تارك لتعظيمه، وتارك تعظيمه كفر أو ملزوم للكفر، فإن تعظيم الرسول من لوازم الإيمان فعدمه مستلزم الكفر، وعلى هذا فكل من لم يزر قبره فهو كافر، لأنه تارك لتعظيمه ﷺ ، ولا ريب أن الروافض والخوارج لم يصلوا إلى ما وصل إليه هؤلاء من الجهل والكذب على الله ورسوله وعلى الأمة. يوضحه الوجه الثاني: أن الخوارج إنما كفّروا الأمة بمخالفة أمره ومعصيته وتمسكوا بنصوص متشابهة لم يردوها إلى المحكم، وأما عباد القبور فكفروا بموافقة الرسول في نفس مقصوده، وجعلوا تجريد التوحيد كفراً وتنقصاً، فأين المكفر بالذنب من المكفر بموافقة الرسول وتجريد التوحيد؟ يوضحه الوجه الثالث: أن زيارة قبره لو كانت تعظيماً له لكانت مما لا يتم الإيمان إلا بها، ولكانت فرضاً معيناً على كل من استطاع إليها سبيلاً من قرب أو بعد، ولما أضاع السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان هذا الفرض، وقام به الخلف الذين خلفوا من بعدهم ويزعمون أنهم بذلك أولياء الرسول، وحزبه القائمون بحقوقه، وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا أهل طاعته، والقيام بما جاء به علماً ومعرفة وعملاً وإرشاداً وجهاداً، الذين جردوا توحيد الخالق وعرفوا للرسول حقه، ووافقوه في تنفيذ ما جاء به والدعوة إليه والذب عنه. الوجه الرابع: أنه إذا كانت زيارة قبره واجبة على الأعيان كانت الهجرة إلى القبر آكد من الهجرة إليه في حياته، فإن الهجرة إلى المدينة انقطعت بعد الفتح، كما قال النبي ﷺ : "لا هجرة بعد الفتح". وعند عُبّاد القبور أن الهجرة إلى القبر فرض معين على من استطاع إليه سبيلاً، وليس يخاف أن هذا مراغمة صريحة لما

стр. 283

جاء به الرسول، وإحداث في دينه ما لم يأذن به، وكذب عليه وعلى الله، وهذا من أقبح التنقص. وقد ذكر السبكي في موضع من كتابه "شفاء السقام" أنه رأى فتيا بخط شيخ الإسلام وفيها: ولهذا كانت زيارة القبور على وجهين: زيارة شرعية، وزيارة بدعية. فالزيارة الشرعية؛ مقصودها السلام على الميت والدعاء له إن كان مؤمناً، وتذكر الموت سواء كان الميت مؤمناً أم كافراً. قال: وقال بعد ذلك: فالزيارة لقبر المؤمن نبياً كان أو غير نبي من جنس الصلاة على جنازته، [يدعى كما يدعى إذا صلى على جنازته] . وأما الزيارة البدعية؛ فمن جنس زيارة النصارى مقصودها الإشراك بالميت، مثل طلب الحوائج منه أو به، أو التمسح بقبره وتقبيله، أو السجود له ونحو ذلك، فهذا كله لم يأمر الله به ولا رسوله ﷺ ، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين، ولا أحد من السلف لا عند قبر النبي ﷺ ولا غيره. قال السبكي- بعد حكايته هذا الكلام عن الشيخ-: وبقي قسم لم يذكره، وهو أن تكون للتبرك به من غير إشراك به، فهذه ثلاثة أقسام؛ أولها السلام والدعاء له، وقد سلم جوازه وأنه شرعي. والقسم الثاني: التبرك به والدعاء عنده للزائر. قال: وهذا القسم يظهر من فحوى كلام ابن تيمية أنه يلحقه بالقسم الثالث، ولا دليل له على ذلك، بل نحن نقطع ببطلان كلامه فيه، وأن المعلوم من الدين وسير السلف الصالحين التبرك ببعض الموتى من الصالحين فكيف بالأنبياء والمرسلين؟ ومن ادعى أن قبور الأنبياء وغيرهم من أموات المسلمين سواء فقد أتى أمراً عظيماً نقطع ببطلانه وخطئه فيه، وفيه حط لرتبة النبي ﷺ إلى درجة من سواه من المؤمنين، وذلك كفر بيقين، فإن من حط رتبة النبي ﷺ عما يجب له فقد كفر. فإن قال: إن هذا ليس بحط ولكنه منع من التعظيم فوق ما يجب له؛ قلت: هذا جهل وسوء أدب، وقد تقدم في أول الباب الخامس الكلام في ذلك، ونحن نقطع بأن النبي ﷺ يستحق من التعظيم أكثر من هذا المقدار في حياته وبعد موته، ولا يرتاب من في قلبه شيء من الإيمان. هذا كله كلام المعترض.

стр. 284

فانظر إلى ما تضمنه من الغلو والجهل والتكفير بمجرد الهوى وقلة العلم، أفلا يستحي من هذا مبلغ علمه أن يرمي أتباع الرسول وحزبه وأولياءه برأيه الذي يشهد به عليه كلامه؟ لكن من يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً. الوجه الخامس: أن يقال لهذا المعترض وأشباهه من عباد القبور: أتوجبون كل تعظيم للرسول ﷺ أو نوعاً خاصاً من التعظيم؟ فإن أوجبتم كل تعظيم لزمكم أن توجبوا السجود لقبره وتقبيله واستلامه والطواف به لأنه من تعظيمه، وقد أنكر ﷺ على من عظمه بما لم يأذن به كتعظيم من سجد له، وقال: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله"١. ومعلوم أن مطريه إنما قصد تعظيمه. وقال ﷺ لمن قال له: يا محمد، يا سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا: "عليكم بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ". فمن عظّمه بما لا يحب فإنما أتى بضد التعظيم، وهذا نفس ما حرمه الرسول صلوات الله وسلامه عليه، ونهى عنه وحذر منه. وأيضاً؛ فإن الحلف به تعظيم له، فقولوا: يجب على الحالف أن يحلف به لأنه تعظيم له وتعظيمه واجب، وكذلك تسبيحه وتكبيره والتوكل عليه والذبح باسمه كل هذا تعظيم له، ومعلوم أن إيجاب هذا مثل إيجاب الحج إليه بالزيارة على من استطاع إليه سبيلاً، ولا فرق بينهما. وإن قلتم: إنما نوجب نوعاً خاصاً من التعظيم طولبتم بضابط هذا النوع وحده، والفرق بينه وبين التعظيم الذي لا يجب ولا يجوز، وبيان أن الزيارة من

стр. 285

هذا النوع الواجب، وإلا كنتم متناقضين موجبين في الدين ما لم يوجبه الله وشارعين شرعاً لم يأذن به الله. الوجه السادس: أن يقال: الصلاة عليه ﷺ كلما خطر بالبال تعظيم له فأَوْجِبُوا له هذا التعظيم، واحكموا على من قال لا يجب أنه تارك لتعظيمه، بل احكموا على من قال لا تجب الصلاة عليه كلما ذكر ولا تجب الصلاة عليه في الصلاة، أو لا تجب في العمر، إلا مرة، أو لا تجب أصلاً؛ بأنه تارك للتعظيم لأن الصلاة عليه تعظيم له بلا ريب، فهل كان أئمة الإسلام وعلماء الأمة نافين لتعظيمه تاركين له بنفيهم الوجوب؟ أم كانوا أشد تعظيماً له منكم وأعرف بحقوقه وأحفظ لدينه أن يزاد فيه ما ليس منه؟! يوضحه الوجه السابع: أن الذين كرهوا من الفقهاء الصلاة عليه عند الذبح يكونون على قولكم تاركين لتعظيمه وذلك قادح في إيمانهم، وكذلك من كره أو حزم الحلف به، وقال: لا تنعقد يمين الحالف به؛ يكون على قولكم تاركاً لتعظيمه لأن الحلف به تعظيم له بلا ريب. الوجه الثامن: أن القول بعدم وجوب زيارة قبره أو بعدم استحبابها أو بعدم جواز شد الرحال لا يقدح في تعظيمه بوجه من الوجوه، وهو بمنزلة قول من قال من أئمة الإسلام: لا تجب الصلاة عليه في التشهد الأخير. وبمنزلة قول من قال منهم: تكره الصلاة عليه عند الذبح. وبمنزلة قول من قال: لا تستحب الصلاة عليه في التشهد الأول، ولا عند التشهد في الأذان. بل قول من نفى وجوب الزيارة أو جواز شد الرحال إلى القبر أولى أن لا يكون منافياً للتعظيم من قول من نفى وجوب الصلاة عليه أو استحبابها في بعض المواضع، لأن الصلاة عليه مأمور بها، وقد ضمن للمصلّي عليه مرة أن يُصلّى عليه عشراً، بل الصلاة عليه محض التعظيم له، فنفي وجوبها أو استحبابها في موضع ليس بترك للتعظيم وليس إنكار وجوب كل من الأمرين قادحاً في تعظيمه، بل ذلك عين تعظيمه. يدل عليه الوجه التاسع: أن تعظيمه هو موافقته في محبة ما يحب،

стр. 286

وكراهة ما يكره، والرضى بما يرضى به، وفعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه، والمبادرة إلى ما رغب فيه، والبعد عما حذر منه، وأن لا يتقدم بين يديه، ولا يقدم على قوله قول أحد سواه، ولا يعارض ما جاء به بمعقول ثم يقدم المعقول عليه كما يقول أئمة هذا المعترض، الذين تلقّى عنهم أصول دينه وقدم آراءهم وهواجس ظنونهم على كلام الله ورسوله ﷺ ، ثم ينسب ورثة الرسول الواقفين مع أقواله المخالفين لما خالفها إلى ترك التعظيم، وأي إخلال بتعظيم وأي تنقص فوق من عزل كلام الرسول ﷺ عن إفادة اليقين، وقدّم عليه آراء الرجال، وزعم أن العقل يعارض ما جاء به، وأن الواجب تقديم المعقول وآراء الرجال على قوله؟! الوجه العاشر: أن إيجاب زيارة قبره واستحبابه وشد الرحال إليه لأجل تعظيمه يتضمن جعل القبر منسكاً يُحَجُّ إليه كما يُحَجُّ إلى البيت العتيق، كما يفعله عباد القبور، سيما فإنهم يأتون عنده بنظير ما يأتي به الحاج من الوقوف والدعاء والتضرع، وكثير منهم يطوف بالقبر ويستلمه ويقبله ويمسح عليه، فلم يبق عليه من أعمال المناسك إلا الحلق والنحر ورمي الجمار، فإيجاب الوسيلة إلى هذا المحذور واستحبابها من أعظم الأمور منافاة لما شرعه الله ورسوله، وقد آل الأمر بكثير من الجهال إلى النحر عند قبور من يشدون الرحال إلى قبورهم، وحلق رؤوسهم عند قبورهم، وتسمية زيارتها حجاً ومناسك، وصنف فيه بعضهم كتاباً سماه "مناسك حج المشاهد" وكان سبب هذا هو الغلو الذي يظنه من قل علمه تعظيماً، ولا ريب أن هذا أكره شيء إلى الرسول قصداً ووسيلة. الوجه الحادي عشر: أن هذا الذي قصده عُبّاد القبور من التعظيم هو بعينه السبب الذي لأجله حرم رسول الله ﷺ اتخاذ القبور مساجد، وإيقاد السرج عليها، ولعن فاعل ذلك، ونهى عن الصلاة إليها، وحزم اتخاذ قبره عيداً، ودعا ربه أن لا يجعل قبره وثناً يُعْبَد، ولأجله نهى فضلاء الأمة وساداتها عن ذلك. ولأجله أمر عمر بتعفية قبر دانيال لما ظهر في زمان الصحابة. ولأجله منع مالك من نذر إتيان المدينة وأراد القبر أن يوفي بنذره. ولأجله كره الشافعي أن يعظم قبر مخلوق حتى

стр. 287

يجعل مسجداً، كما قال: وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجداً. ولأجله كره مالك أن يقول القائل: زرتُ قبر النبي ﷺ ؛ لما يوهم هذا اللفظ من أنه إنما قصد المدينة لأجل زيارة القبر، ولما فيه من تعظيم القبر بإضافة الزيارة إليه مع كونه أعظم القبور على الإطلاق وأجلها وأشرف قبر على وجه الأرض، فالفتنة بتعظيمه أقرب من الفتنة بتعظيم غيره من القبور، فحمى مالك رحمه الله تعالى الذريعة حتى في اللفظ، ومنع الناذر من إتيانه، ولو كان إتيانه قربة عنده لأوجب الوفاء به، فإن من أصله أن كل طاعة تجب بالنذر سواء كان من جنسها واجب بالشرع أو لم يكن، ولهذا يوجب إتيان مسجد المدينة على من نذر إتيانه، وقد منع ناذر إتيان القبر من الوفاء بنذره، فلو كان ذلك عنده قربة لألزمه الوفاء به، ومن رد هذا النقل عنه وكذّب الناقل فهو من جنس من افترى الكذب وكذّب بالحق لما جاءه، فإن ناقله ممن له لسان صدق في الأمة بالعلم والأمانة والصدق والجلالة، وهو القاضي أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد أحد الأئمة الأعلام، وكان نظير الشافعي، وإماماً في سائر العلوم، حتى قال المبرد: إسماعيل القاضي أعلم مني بالتصريف. وروى عن يحيى بن أكثم أنه رآه مقبلاً فقال: قد جاءت المدنية. وقد ذكر هذا النقل عن مالك في أشهر كتبه عند أصحابه وأجلها عندهم وهو "المبسوط". فمن كذبه فهو بمنزلة من كذّب مالكاً والشافعي وأبا يوسف ونظرائهم، ومن وصل الهوى بصاحبه إلى هذا الحد فقد فضح نفسه وكفى خصمه مؤنته، ومن جمع أقوال مالك وأجوبته وضم بعضها إلى بعض، ثم جمعها إلى أقوال السلف وأجوبتهم قطع بمرادهم، وعلم نصيحتهم للأمة وتعظيمهم للرسول، وحرصهم على اتباعه وموافقته في تجريد التوحيد وقطع أسباب الشرك، وبهذا جعلهم الله أئمة، وجعل لهم لسان صدق في الأمة، فلو ورد عنهم شيء خلاف هذا لكان من المتشابه الذي يرد إلى المحكم من كلامهم وأصولهم، فكيف ولم يصح عنهم حرف واحد يخالفه، فتبين أن هذا التعظيم الذي قصده عباد القبور هو الذي كرهه أهل العلم، وهو الذي حذر منه رسول الله ﷺ ونهى أمته عنه ولعن فاعله، وأخبر بشدة غضب الله عليه حيث يقول: "اشتد

стр. 288

غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". ومعلوم قطعاً أنهم إنما فعلوا ذلك تعظيماً لهم ولقبورهم، فعلم أن التعظيم للقبور مما يَلْعَنُ الله فاعله ويشتدّ غضبه عليه. الوجه الثاني عشر: أن هذا الذي يفعله عباد القبور من المقاصد والوسائل ليس بتعظيم، فإن التعظيم محله القلب واللسان والجوارح وهم أبعد الناس منه، فالتعظيم بالقلب ما يتبع اعتقاد كونه رسولاً من تقديم محبته على النفس والولد والوالد والناس أجمعين، ويصدق هذه المحبة أمران: أحدهما: تجريد التوحيد، فإنه ﷺ كان أحرص الخلق على تجريده، حتى قطع أسباب الشرك ووسائله من جميع الجهات، ونهى عن عبادة الله بالتقرب إليه بالنوافل من الصلوات في الأوقات التي يسجد فيها عباد الشمس لها، بل قبل ذلك الوقت بعد أن تصلي الصبح والعصر لئلا يتشبه الموحدون بهم في وقت عبادتهم، ونهى أن يقال: ما شاء الله وشاء فلان. ونهى أن يُخْلَفَ بغير الله، وأخبر أدن ذلك شرك، ونهى أن يصلى إلى القبر ويتخذ مسجداً أو عيداً أو يوقد عليها سراج، وذم من شرك بين اسمه واسم ربه تعالى في لفظ واحد، فقال له: "بئس الخطيب أنت". بل مدار دينه على هذا الأصل الذي هو قطب رحى النجاة، ولم يقرر أحد ما قرره ﷺ بقوله وفعله وهديه وسد الذرائع المنافية له، فتعظيمه ﷺ بموافقته على ذلك لا بمناقضته فيه. الثاني: تجريد متابعته وتحكيمه وحده في الدقيق والجليل من أصول الدين وفروعه، والرضا بحكمه، والانقياد له والتسليم، والإعراض عمن خالفه، وعدم الالتفات إليه حتى يكون وحده الحاكم المتبع المقبول قوله، كما كان ربه تعالى وحده المعبود، المألوه، المخوف، المرجى، المستغاث به، المتوكل عليه، الذي إليه الرغبة والرهبة، وإليه الوجهة والعمل، الذي يؤمل وحده لكشف الشدائد وتفريج الكربات ومغفرة الذنوب، الذي خلق الخلق وحده ورزقهم وحده، وأحياهم وحده، ويبعثهم وحده، ويغفر، ويرحم، ويهدي، ويضل، ويسعد،

стр. 289

ويشقي وحده، وليس لغيره من الأمر شيء كائناً من كان، بل الأمر كله لله، وأقرب الخلق إليه وسيلة وأعظمهم عنده جاهاً وأرفعهم لديه ذكراً وقدراً، وأعمّهم عنده شفاعة؛ ليس له من الأمر شيء، ولا يعطى أحداً شيئاً، ولا يمنع أحداً شيئاً، ولا يملك لأحد ضراً ولا رشداً، وقد قال لأقرب الخلق إليه وهم ابنته وعمه وعمته: "يا فاطمة بنت محمد؛ لا أغني عنك من الله شيئاً، يا عباس، عم رسول الله؛ لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية، عمة رسول الله؛ لا أغني عنك من الله شيئاً"١. فهذا هو التعظيم الحق، المطابق لحال المعظم، النافع للمعظم في معاشه ومعاده، الذي هو لازم إيمانه وملزومة. وأما التعظيم باللسان فهو الثناء عليه بما هو أهله مما أثنى به على نفسه، وأثنى به عليه ربه من غير غلو ولا تقصير، فكما أن المقصر المفرط تارك لتعظيمه فالمغالي المفرط كذلك، وكل منهما شر من الآخر من وجه دون وجه، وأولياؤه سلكوا بين ذلك قواماً. وأما التعظيم بالجوارح فهو العمل بطاعته، والسعي في إظهار دينه وإعلاء كلمته، ونصر ما جاء به وجهاد ما خالفه. وبالجملة؛ فالتعظيم النافع هو تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والموالاة والمعاداة، والحب والبغض لأجله وفيه، وتحكيمه وحده والرضا بحكمه، وأن لا يتخذ من دونه طاغوت يكون التحاكم إلى أقواله، فما وافقها من قول الرسول قبله وما خالفها رده أو تأوله أو أعرض عنه، والله سبحانه يشهد -وكفى بالله شهيداً- وملائكته ورسله وأولياؤه أن عباد القبور وخصوم الموحدين ليسوا كذلك وهم يشهدون على أنفسهم بذلك، وما كان لهم أن ينصروا دينه ورسوله ﷺ ، شاهدين على أنفسهم بتقديم آراء شيوخهم وأقوال متبوعيهم على قوله، وأنه لا يستفاد من كلامه يقين، وأنه إذا عارضته آراء الرجال قدمت عليه وكان الحكم ما تحكم به.

стр. 290

أفلا يستحيي من الله من العقلاء من هذا حاله في أصول دينه وفروعه أن يتستر بتعظيم القبر ليوهم الجهال أنه معظم لرسول الله ﷺ ناصر له، منتصر له ممن ترك تعظيمه وتنقصه؟ ويأبى الله ذلك ورسوله ﷺ والمؤمنون. ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١. ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٢ انتهى. وقد أكثر شيخ الإسلام- قدس الله روحه- من الرد على الغلاة القبوريين في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم" وغيره من كتبه، وما ذكرناه وافٍ بالغرض على اختصاره، والله أعلم. ثم إن النبهاني الغبي ذكر قصة بلال التي ذكرها السبكي، وهي أن بلالاً رأى في منامه النبي ﷺ وهو يقول له: ما هذه الجفوة يا بلال؛ أما آن لك أن تزورني يا بلال؟! فانتبه حزيناً وَجِلاً خائفاً، فركب راحلته وقصد المدينة، فأتى قبر النبي ﷺ فجعل يبكي عنده ويمرغ وجهه عليه.. إلى آخرها. وقد تكلم عليها الحافظ ابن قدامة في كتابه "الصارم المنكى في الرد على السبكي"٣ وبيّن ضعفها. وذكر النبهاني الغبي أيضاً الأكذوبة المشهورة المسندة لأحمد الرفاعي، فقال: "إن الزيارة وصلة مع الحبيب، وقد وقع لبعض العارفين مخاطبته له ﷺ وردّه عليه، ومن ذلك المعنى ما ذكره بعض العارفين عن القطب الرفاعي في حال زيارته للقبر الشريف من قوله: في حالة البعد روحي كنت أرسلها ... تقبل الأرض عني وهي نائبتي وهذه دولة الأشباح قد حضرت ... فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي

стр. 291

قال: "فمد يده الشريفة من الشباك فقبّلها" انتهى كلامه١. أقول: الكلام على هذه الخرافة في مقامين؛ المقام الأول: في تكذيب وقوع القصة وافترائها على أحمد الرفاعي. المقام الثاني: في بيان عدم إمكان رؤية النبي ﷺ بعد موته وأن من ادّعى ذلك فهو كاذب. أما المقام الأول؛ وهو بيان كذب هذه القصة: فمن وجوه كثيرة نذكر منها ما خطر بالبال: الأول: أنه قد ترجم أحمد الرفاعي هذا جماعة من المؤرخين على اختلافهم المذهب، ولم يذكروا هذه القصة في ترجمته، ولو كانت ثابتة لعدّوها من أعظم مآثره وأكبر مفاخره، لاسيما التاج السبكي لتعصبه للمتصوفة، ولاسيما من هو على مذهبه ونحلته، ومع ذلك لم يذكر هذه القصة في ترجمة أحمد الرفاعي لما ترجمه في "طبقاته"٢، فإنه قال: "أحمد بن علي بن أحمد بن يحيى بن حازم بن علي بن رفاعة، الشيخ الزاهد الكبير أحد أولياء الله العارفين، والسادات المشمرين، أهل الكرامات الباهرة، أبو العباس بن أبي الحسن بن الرفاعي المغربي. قدم أبوه إلى العراق وسكن ببعض

стр. 292

القرى، وتزوج بأخت الشيخ منصور الزاهد، ورزق منها أولاداً، منهم الشيخ أحمد هذا، لكنه مات وأحمد حمل، فلما ولد رباه وأدبه خاله منصور، وكان مولده في المحرم سنة خمسمائة. وتفقه على مذهب الشافعي، وكان كتابه "التنبيه". ولو أردنا استيعاب فضائله لضاق الوقت، ولكنا نورد ما فيه بلاغ ". ثم ذكر كلاماً في محاسن أخلاقه إلى أن قال: "وقال الشيخ أحمد: سلكتُ كل طريق فما رأيت أقرب ولا أسهل ولا أصلح من الذل والافتقار والانكسار لتعظيم أمر الله، والشفقة على خلق الله، والإقتداء بسنة رسول الله ﷺ . وكان يجمع الحطب ويحمله إلى بيوت الأرامل والمساكين، وربما كان يحمل الماء لهم "إلى أن قال: "وكان لا يجمع بين قميصين لا في شتاء ولا في صيف، ولا يأكل إلا بعد يومين أو ثلاثة أكلة". ثم قال: "وعن يعقوب- وقد سُئل عن أوراد سيدي أحمد، فقال-: كان يصلي أربع ركعات بألف (قل هو الله أحد) ويستغفر كل يوم [ألف] مرة، واستغفاره أن يقول: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت مع الظالمين، عملتُ سوءاً، وظلمتُ نفسي وأسرفتُ في أمري، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لى وتب علي إنك أنت التواب الرحيم، يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت. توفي يوم الخميس ثاني عشر جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، ومناقبه أكثر من أن تحصى، وقد أفرد لها بعض الصلحاء كتاباً يخصها" انتهى. فلم يذكر قصة مد اليد التي هي من أعظم الخوارق وأعجبها لو صحّت! مع أنه ذكر أعظم مفاخره وهي قصة الهرة التي كانت نائمة على كمه فقطع الكم، وقصة البعوضة التي كانت على يده تمتص دمه، وقصة الكلاب التي كانت تأكل التمر من القوصرة في دار الطعام وهم يتهارجون، فوقف على الباب لئلا يدخل إليهم أحد يؤذيهم. وذكر القاضي أحمد الشهير بابن خلكان في كتابه "وفيات الأعيان"١ ما نصه: "أبو العباس أحمد بن أبي الحسن علي بن أبي العباس أحمد المعروف بابن

стр. 293

الرفاعي، كان رجلاً صالحاً فقيهاً شافعي المذهب، أصله من الغرب، وسكن في البطائح بقرية يقال لها أم عبيدة، وانضم إليه خلق عظيم من الفقراء، وأحسنوا الاعتقاد فيه وتبعوه، والطائفة المعروفة بالرفاعية والبطائحية من الفقراء منسوبة إليه ولأتباعه، ولهم أحوال عجيبة من أكل الحيّات وهي حية، والنزول في التنانير وهي تتضرم بالنار فيطفئونها". إلى أن قال: "ولم يكن له عقب، وإنما العقب لأخيه وأولاده يتوارثون المشيخة والولاية على تلك الناحية إلى الآن، وأمورهم مشهورة مستفيضة فلا حاجة إلى الإطالة فيها" انتهى. فلم يذكر تلك القصة من مناقبه، ولو صحّت روايتها لكانت غرة وجه مناقبه، وهكذا ذكر كل من ترجمه من الثقات وهذه مما اختلقها له أصحابه بعد موته بعدة سنين، كما ادعوا له الانتساب إلى إبراهيم المرتضى بن موسى الكاظم ﵁ ولا أصل له أيضاً، قال في مختصر "عمدة الطالب": "إن الشيخ أحمد ﵀ لم يدَّعِ ذلك، وإنما ادّعاه البطن الثالث من ولده، ويقولون هم أحمد بن علي بن الحسين بن المهدي بن أبي القاسم بن محمد بن الحسين بن أحمد الأكبر بن موسى أبي شجه بن إبراهيم المذكور. قال أبو نصر البخاري: لا يصح لإبراهيم المرتضى عقب إلا من موسى وجعفر، ومن انتسب إلى غيرهما فهو كاذب" انتهى المقصود منه. والمقصود؛ أن قصة مد اليد ونحوها من المزايا والمآثر لو صحت لكانت أحق بالذكر من جميع ما ذكروه، فلمّا لم يذكروها علمنا أنها من إفك أفاك أثيم. الوجه الثاني: أن أحسن من رواها الإمام السيوطي، وقد أسندها إلى بعض المجاميع، ولم يذكر لها سنداً واهياً فضلاً عن أن يكون صحيحاً، مع أن حاله في الرواية معلوم، فقال في كتابه (تنوير الحلك في رؤية النبي والملك) : وفي بعض المجاميع؛ وذكر القصة والبيتين على وجه الاختصار مع أن هذه القصة لو صحّت لتوفرت الدواعي على نقلها، لأنها حادث عظيم وخارق عجيب، فالشيء الذي تتوفر الدواعي على نقله ولم يذكره أحد من الثقات بل ذكره الدجالون الضالون المضلون فهو لا شك تزوير وبهتان، وكذب من إفك شيطان.

стр. 294

الوجه الثالث: أن الدجالين الذين رووا هذه القصة المكذوبة ادعوا أن من كان حاضراً هناك ورأوا اليد وسمعوا رد السلام نحو مائة ألف أو يزيدون! سبحانك هذا بهتان عظيم! كيف يمكن أن يكون هناك هذا العدد الكثير؟ وأي محل في المسجد يسعهم أو يسع عشر معشارهم؟! ثم إن القبر قد أحاطت به الجدران فمن أي شباك خرجت اليد؟! ومن المعلوم إذا كان أمر عجيب وشيء غريب يتهاجم على رؤيته الراؤون فلا يمكن الرؤية إلا للقريب، وكذلك سماع رد السلام كيف أمكن للجميع؟ فانظر إلى هذه الأكذوبة التي لا تروج حتى على ضعفاء العقول، ومع ذلك فقد تمسك بها قوم سلب الله منهم الحياء واتخذوها حبالة من حبائل مصائدهم، وأغراهم الله على مثل هذه الدعاوي الكاذبة ليفضحهم بها في الدنيا والآخرة انتقاماً لأهل الحق منهم. الوجه الرابع: أن كثيراً من أهل العلم والأدب نسب البيتين إلى غير أحمد الرفاعي. قال الشيخ صلاح الدين الصفدي في تذكرته: حكي أن ابن الفارض لما اجتمع بالشهاب السهروردي في مكة أنشده في حالة البعد روحي كنت أرسلها ... تقبل الأرض عني وهي نائبتي وهذه نوبة الأشباح قد حضرت ... فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي وكفى بما ذكره الشيخ صلاح الدين هذا شاهداً على بطلان ما ادعاه غلاة الرفاعية ومبتدعتهم، فإن هذا الشيخ كان إماماً أديباً ناظماً ناثراً، ولد سنة ست وتسعين وستمائة، وقد عقد له ابن السبكي ترجمة مجملة في "طبقاته". وممن نقل ذلك الشهاب الخفاجي الشافعي في كتابه (طراز المجالس) وأن البيتين من شعر ابن الفارض لما اجتمع بالسهروردي في مكة قال: "وقد نسب هذا لغيره، ولم يذكر الغير ولم يصرح باسمه ". الوجه الخامس: حسن الظن بأحمد الرفاعي ﵀ يقتضي عدم مخالفته للسنة النبوية والشريعة المحمدية، فقد كان على ما روى الثقات بخلاف من يدّعي

стр. 295

الانتماء إليه من المبتدعة الغلاة، وأنه لم يزل على المنهج المستقيم والصراط القويم، فمن البعيد عنه الزيارة البدعية التي وردت عن الجهلة الشيطانية، بل لا بد أن يزور الزيارة التي ذكرها الأئمة الأعلام، وأساطين دين الإسلام، وقد مر بيان ذلك مفصلاً فيما نقلناه من كتابي الشيخ، فكيف يسوغ لمن تأدب بالآداب النبوية أن يتجاسر في ذلك المقام، ويطلب منه ما لم يطلبه غيره من أكابر الصحابة وأئمة أهل البيت وغيرهم؟ ويقول له: امدد يمينك كي تحظى بها شفتي. فهل هذا إلا قول أفاك أثيم أراد أن يروّج زيف كلامه على الجهلة والعوام الطغام؟ فمن اليقين لدى العارفين أن هذه القصة كذب وزور لعن الله من وضعها وافتراها.

стр. 296

(المقام الثاني في الكلام على رؤية النبي ﷺ بعد الموت) قد ذكرنا سابقاً بعض الوجوه على القدح برواية مد اليد وقصدنا الاختصار في القول، إذ الكلام عليه طويل جداً، وقد آن أن نتكلم على المقام الثاني وهو أيضاً من بعض الوجوه السابقة، فنقول وبالله التوفيق: إن رؤية النبي ﷺ قد ادّعاها قوم كثيرون بعد وفاته بزمن طويل، وقد ألف الجلال السيوطي رسالته المسماة (بتنوير الحلك في رؤية النبي والملك) لأجل تأييد هذا القول، وحال السيوطي وتلونه معلوم، حتى جعله بعض أهل العلم حاطب ليل، وبعد أن نقل عنه صاحب "روح المعاني" في هذه المسألة ما نقل وكذا عن غيره قال في تفسيره: ثم إني أقول بعد هذا كله: إن ما نسب إلى بعض الكاملين من أرباب الأحوال من رؤية النبي ﷺ بعد وفاته وسؤاله والأخذ عنه؛ لم نعلم وقوع مثله في الصدر الأول، وقد وقع اختلاف بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم من حين توفي إلى ما شاء الله تعالى في مسائل دينية وأمور دنيوية، وفيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم، وإلى أبي بكر وعلي ينتهي أغلب سلاسل الصوفية

стр. 297

الذين تنسب إليهم تلك الرؤية، ولم يبلغنا أن أحداً منهم ادّعى أنه رأى في اليقظة رسول الله ﷺ وأخذ عنه ما أخذ، وكذا لم يبلغنا أنه ﷺ ظهر لمتحير في أمر من أولئك الصحابة الكرام فأرشده وأزال تحيره. وقد صح عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال في بعض الأمور: "ليتني كنت سألت رسول الله ﷺ عنه" ولم يصح عندنا أنه توسل إلى السؤال منه ﷺ بعد الوفاة نظير ما يحكى عن بعض أرباب الأحوال. وقد وقفتَ على اختلافهم في حكم الجد مع الأخوة، فهل وقفت على أن أحداً منهم ظهر له الرسول ﷺ فأرشده إلى ما هو الحق فيه؟ وقد بلغك ما عري فاطمة البتول رضي الله تعالى عنها من الحزن العظيم بعد وفاته ﷺ وما جرى لها في أمر فدك، فهل بلغك عنه ﵊ أنه ظهر لها كما يظهر للصوفية قبل لوعتها وهوّن حزنها وبين الحال لها؟ وقد سمعتَ بذهاب عائشة إلى البصرة وما كان من وقعة الجمل، فهل سمعت تعرضه ﷺ لها قبل الذهاب وصده إياها عن ذلك لئلا يقع أو تقوم الحجة عليها على أكمل وجه؟ إلى غير ذلك مما لا يكاد يحصى كثرة. والحاصل؛ أنه لم يبلغنا ظهوره ﵊ لأحد من أصحابه وأهل بيته مع احتياجهم الشديد لذلك، وظهوره عند باب مسجد قباء كما يحكيه بعض الشيعة افتراء محض وبهت بحت. وبالجملة؛ عدم ظهوره لأولئك الكرام وظهوره لمن بعدهم مما يحتاج إلى توجيه يقنع به ذوو الأفهام، ولا يحسن مني أن أقول كل ما يحكى عن الصوفية من ذلك كذب لا أصل له لكثرة حاكيه وجلالة مدّعيه، وكذا لا يحسن مني أن أقول إنهم إنما رأوا النبي ﷺ مناماً فظنوا ذلك لخفة النوم وقلة وقته يقظة، فقالوا رأينا يقظته لما فيه من البعد، ولعل في كلامهم ما يأباه، وغاية ما أقول إن تلك الرؤية من خوارق العادة كسائر كرامات الأولياء ومعجزات الأنبياء ﵈، وكانت الخوارق في الصدر الأول لقرب العهد بشمس الرسالة قليلة جداً، وأنى يرى النجم

стр. 298

تحت الشعاع أو يظهر كوكب وقد انتشر ضوء الشمس في البقاع، فيمكن أن يكون قد وقع ذلك لبعضهم على سبيل الندرة ولم تقتض المصلحة إفشاءه، ويمكن أن يقال: إنه لم يقع لحكمة الابتلاء، أو لخوف الفتنة، أو لأن في القوم من هو كالمرآة له ﷺ ، أو ليهرع الناس إلى كتاب الله تعالى وسنته ﷺ فيما يهمهم، فيتسع باب الاجتهاد، وتنشر الشريعة، وتعظم الحجة التي يمكن أن يعقلها كل أحد، أو لنحو ذلك، وربما يدعي أنه ﵊ ظهر ولكن كان مستتراً في ظهوره، كما روي أن بعض الصحابة أحب أن يرى رسول الله ﷺ فجاء إلى ميمونة فأخرجت له مرآته فنظر فيها فرأى صورة رسول الله ﷺ ولم ير صورة نفسه. فهذا كالظهور الذي يدّعيه الصوفية إلا أنه بحجاب المرآة وليس من باب التخيل الذي قوي بالنظر إلى مرآته ﵊، وملاحظة أنه كثيراً ما ظهرت فيها صورته حسبما ظنه ابن خلدون، فإن قبل قولي هذا وتوجيهي لذلك الأمر فبها ونعمت، وإلا فالأمر مشكل فاطلب لك ما يحله، والله سبحانه الموفق للصواب" انتهى كلامه. وتوجيهه الذي وجه به غير مقبول، إذ لا يدل عليه كتاب ولا سنّة صحيحة، وليس الأمر مشكلاً إذا لم يقبل توجيهه كما زعمه، لأن غلط الحس كثير، فإذا صدقوا بروايتهم نجيب حينئذ بما أجاب شيخ الإسلام في كتابة "الجواب الباهر" وقد ذكرناه سابقاً برمته فإنه قد قال: "وكان الصحابة خير القرون، وهم أعلم الناس بسنته وأطوع الأمة لأمره، وكانوا إذا دخلوا إلى المسجد لا يذهب أحد منهم إلى قبره لا من داخل الحجرة ولا من خارجها، وكانت الحجرة في زمانه يدخل إليها من الباب إذ كانت عائشة فيها وبعد ذلك إلى أن بني الحائط الآخر، وهم مع ذلك التمكن من الوصول إلى قبره لا يدخلوه إليه لا لسلام، ولا لصلاة، ولا لدعاء لأنفسهم، ولا لسؤال عن حديث أو علم، ولا كان الشيطان يطمع فيهم حتى يسمعهم كلاماً وسلاماً فيظنون أنه هو كلمهم وأفتاهم وبين لهم الأحاديث أو أنه قد رد ﵈ بصوت يسمع من خارج كما طمع الشيطان في غيرهم، فأضلهم عند قبره وقبر غيره، حتى ظنوا أن صاحب القبر يحدثهم ويفتيهم ويأمرهم

стр. 299

وينهاهم في الظاهر، وأنه يخرج من القبر ويرونه خارجاً من القبر، ويظنون أن نفس أبدان الموتى خرجت من القبر تكلمهم، وأن روح الميت تجسدت لهم فرأوها كما رآهم النبي ﷺ ليلة المعراج يقظة لا مناماً، فإن الصحابة رضوان الله عليهم خير قرون هذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس، وهم تلقوا الدين عن النبي ﷺ بلا واسطة ففهموا من مقاصده وعاينوا من أفعاله، وسمعوا منه شفاهاً ما لم يحصل لمن بعدهم، وهم قد فارقوا جميع أهل الأرض وعادوهم، وهجروا جميع الطوائف وأديانهم، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم" إلى آخر ما ذكره هناك. ثم إنه يؤيد ما ذكره الشيخ أن العرب في الجاهلية كثيراً ما كانوا يسمعون كلاماً من أصنامهم كما سمعوا من صنمهم المسمى بالجلسد وهو صنم كان بحضرموت. وفي كتاب أبي أحمد الحسن بن عبد الله العسكري قال: أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرني عمي الحسين بن دريد، قال: أخبرني حاتم بن قبيصة المهلبي، عن هشام بن الكلبي، عن أبي مسكين، قال: كان بحضرموت صنم يسمى الجلسد تعبده كنده وحضرموت، وكانت سدنته بني شكامة بن شبيب بن السكون بن أشرس بن ثور بن مرتع وهو كنده، ثم إلى أهل بيت منهم يقال لهم: بنو علاق، وكان الذي يسدنه منهم يسمى الأخزر بن ثابت، وكان للجلسد حمى ترعاه سوامه وغنمه، وكانت هوا في الغنم إذا رعت حمى الجلسد حرمت على أربابها، وكانوا يكلمون منه، وكان كجثة الرجل العظيم، وهو من صخرة بيضاء لها كالرأس أسود، وإذا تأمله الناظر رأى فيه كصورة وجه الإنسان (قال الأخزر) : إني كنت يوماً عند الجلسد وقد ذبح له رجل من بني الأمري بن مهرة ذبحاً إذ سمعنا فيه كهمهمة الرعد فأصغينا، فإذا قائل يقول: شعار أهل عدم، إنه قضاء حتم، إن بطش سهم، فقد فاز سهم، فقلنا: ربنا وضاح وضاح. فأعاد الصوت وهو يقول: ناء نجم العراق، يا أخزر بن علاق، هل أحسست جمعاً عما، وعدد أجما، يهوى من يمن وشام، إلى ذات الآجام، نور أظل وظلام أفل، وملك انتقل من محل إلى محل. ثم سكت فلم ندر ما هو، فقلنا: هذا أمر كائن، فلما كان في العام المقبل-

стр. 300

وقد راث علينا ما كنا نسمع من كلام الصنم وساءت ظنوننا، وقربنا قرباناً ولطخنا بدمه وكذلك كنا نفعل -فإذا الصوت قد عاد إلينا فتباشرنا، فقلنا عم صباحاً ربنا لا مصد عنك ولا محيد، تشارت الشؤون وساءت الظنون، فالعياذ من غضبك والإياب إلى صفحك. فإذا النداء من الصنم يقول: قلبت النبات، وعزاها واللات، وعلياها ومناة، منعت الأفق فلا مصعد، وحرست فلا مقعد، وأبهمت فلا متلدد، وكان قد ناجم نجم، وهاجم الجم، وصامت زجم، وقابل رجم، وداع نطق، وحق سبت، وباطل زهق، ثم سكت. فتحدثت القبائل بهذا في مخاليف اليمن، فإنا لعلى أفان ذلك، إذ أضل رجل من كندة إبلاً فأقبل إلى الجلسد فنحر جزوراً واستعار ثوبين من ثياب السدنة واكتراهما فلبسهما- وكذلك كانوا يفعلون- ثم قال:- أنشدك يا رب أبكراً ضخماً مدمومة دماً مخلوقة بالأفخاذ، مخلوطة بألحاذ، أضللتها بين جماهير النخرة، حيث الشقيقة والصفرة، فاهد رب وأرشد فلم يجب. قال الأخزر فانكسر لذلك، وقد كان فيما مضى يخبرنا بالأعاجيب، فلما جن علينا الليل بت مبيتي عنده، فإذا هاتف يقول: لا شأن للجلسد ولا رثي لهدد، استقام الأود، وعبد الواحد الصمد، وأكفى الحجر الأصلد، والرأس الأسود، قال: فنهضت مذعوراً فأتيت الصنم فإذا هو منقلب على رأسه، وكان لو اجتمع فئام من الناس ما حلحلوه، فوالذي نفسي بيده ما عرجت على أهل ولا مال حتى أتيت راحلتي وخرجت حتى أتيت صنعاء، فقلت: هل من خائبة خبر؟ فقيل: ظهر رجل بمكة يدعو إلى خلع الأوثان، ويزعم أنه نبي، فلم أزل أطوف في مخاليف اليمن حتى ظهر الإسلام، فأتيت النبي ﷺ فأسلمتُ. وفي أشعارهم: بات يجتاب شقارى كما ... بيقر من يمشي إلى الجلسد والبيقر: مشية يطأطىء الرجل فيها رأسه. والبيت للمثقب العبدي. ومنهم من قال: إنه لعدي بن الرقاع، ويروى: كما كبر من يمشي إلى الجلسد. وسمعوا أيضاً كلاماً من صنمهم المسمى بالضِمار- وهو بكسر الضاد المعجمة وميم مخففة بعدها ألف ثم راء مهملة- كأن صنماً لبني سليم، ولما

стр. 301

حضرت مرداساً الوفاة قال للعباس ولده: أي بني اعبد ضماراً فإنه ينفعك ويضرك. فبينما عباس يوماً عند ضمار إذ سمع من جوف ضمار منادياً يقول: من للقبائل من سليم كلها ... أودى ضمار وعاش أهل المسجد إن الذي ورث النبوة والهدى ... بعد ابن مريم من قريش مهتد أودى ضمار وكان يعبد مدة ... قبل الكتاب إلى النبي محمد فحرق عباس ضماراً ولحق بالنبي ﷺ . وفي لفظة: أن عباس بن مرداس كان في لقاح له نصف النهار إذ طلع عليه راكب على نعامة بيضاء وعليه ثياب بيض فقال له: يا عباس؛ ألم تر أن السماء قد تعب أحراسها، وأن الحرب قد حرقت أنفاسها، وأن الخيل وضعت أحلاسها، وأن الذي نزل عليه البر والتقوى صاحب الناقة القصوا؟ فقال عباس: فراعني ذلك فجئت وثناً لنا يقال له الضمار كنا نعبده، ونكلم من جوفه فكنست ما حوله ثم تمسحت به، فإذا صائح يصيح من جوفه: قل للقبائل من قريش كلها ... هلك الضمار وفاز أهل المسجد هلك الضمار وكان يعبد مدة ... قبل الصلاة على النبي محمد إن الذي ورث النبوة والهدى ... بعد ابن مريم من قريش مهتد قال عباس: فخرجت مع قوم بني حارثة إلى رسول الله ﷺ بالمدينة فدخلت المسجد، فلما رآني رسول الله ﷺ تبسم، فقال: يا عباس؛ كيف إسلامك؟! فقصصت عليه القصة، فقال: صدقت وأسلمت أنا وقومي". وما كفى مبتدعة الرفاعية وغلاتهم تلك الأكذوبة الظاهرة العوار، البينة الفساد حتى اتخذوا لها يوم عيد، ولا يأكلون قبله بسبعة أيام شيئاً من اللحوم، وبعد انقضائها يكون العيد فيهنىء بعضهم بعضاً به ويسمونه عيد مد اليد. ولهم في ذلك رسائل ومصنفات، منها "القواعد المرعية في أصول الطريقة الرفاعية" وفيها قاعدة في الخلوة الأسبوعية المحرمية، وفيها اشترط رجال هذه

стр. 302

الطريقة العلية دخول الخلوة المحرمية في كل سنة في اليوم الثاني عشر من محرم الحرام إلى مساء اليوم السابع عشر، وقد اشترطوا ذلك على كل من انتسب إلى هذه الطريقة، وقالوا يلزم المختلي أن يتخذ له فراشاً خالصاً لا يشاركه فيه النساء، وأن يديم الوضوء كلما حدث له ناقض جدده، ولا يتكلم بما لا يعنيه، ولا يكثر الكلام لغير ضرورة، وليلزم بيته إلا لعذر وينفرد، وليكن طعامه خالياً عن كل ذي روح، ثم ذكر ما يشرع للسالك في تلك الأيام من أوراد وأذكار. ومنها "الفخر المخلد في منقبة مد اليد" وفيها بيان ما يشرع ليلة عيد الخلوة المحرمية من البدع والأهواء، ولم ينزل الله بها من سلطان، ولم يتكلم بما حوته عالم من العلماء الأعلام، وكلها قد تلقوها عن إخوانهم الباطنية، والنحل الرافضية. وليس هذا المقام مقام الرد عليهم، وبيان ما نسب من الضلال إليهم، وقد رد عليهم شيخ الإسلام في عدة مواضع، وألف فيهم كتباً مفصلة، منها كتابه الذي سماه (كشف حال المشائخ الأحمدية وبيان أحوالهم الشيطانية) نذكر منه إن شاء الله تعالى ما يناسب مقامه. وأظن أن ما كتبه النبهاني الغبي في هذه المسألة إنما هو إرضاءً لشيخه شيخ الضلال ومقدمة الدجال، عدو المسلمين، وناصر المبتدعين، الذي، كان قربه من ولى الأمر من أعظم المصائب وأدهى النوائب، وقد روج بدع الرفاعية أي رواج، وعدل بالمسلمين عن سواء السبيل وأقوم منهاج، هذا مع ما هو عليه من الفسق والفجور، والزيغ عن الحق في كل الأمور، وما اكتفى بذلك حتى بث حزبه ومردته يصدون عن الحق في كل سبيل، وأقعدهم على صراط الله المستقيم للإغواء والتضليل، حتى استفحل أمرهم، وعم البر والبحر شرهم، فذكر النبهاني الجاهل هذه القضية التي هي إحدى حبائل شيخه ليستجلب رضاه، فعليه وعلى شيخه ما يستحقان، والردود المؤلفة في القدح على شيخه هذا كثيرة، وكلها مطبوعة ومشتهرة منها كتاب (المسامير) ومنها (الفتح المبين) ومنها (السيف الرباني) ومنها غير ذلك، ولكن الأمر كما قيل:

стр. 303

من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميت إيلام ثم إن النبهاني أخذ يتكلم على فضل المدينة النبوية، وذكر للشيخ البكري أربعين حديثاً في فضلها، والبكري هذا هو الذي رد عليه الشيخ في كتاب (الإستغاثة) - وهو مجلد كبير- ثم ذكر الخلاف في مكة والمدينة أيهما أفضل.. إلخ. أقول: فضل المدينة مما لا شك فيه، والكتب مملوءة من ذلك، قال ابن خلدون: "اعلم أن الله فضل من الأرض بقاعاً اختصها بتشريفه، وجعلها مواطن لعبادته يضاعف فيها الثواب وينمو بها الأجور، وأخبرنا بذلك على ألسن رسله وأنبيائه لطفاً بعباده وتسهيلاً لطرق السعادة لهم، وكانت المساجد الثلاثة هي أفضل بقاع الأرض حسبما ثبت في الصحيحين؛ وهي مكة، والمدينة، وبيت المقدس. أما بيت الحرام الذي بمكة فهو بيت إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه، أمره الله ببنائه وأن يؤذن في الناس بالحج إليه، فبناه هو وابنه إسماعيل كما نصه القرآن، وقام بما أمره الله فيه وسكن إسماعيل به مع هاجر ومن نزل معهم من جرهم إلى أن قبضهما الله ودفنا بالحجر منه. وبيت المقدس بناه داود وسليمان ﵉، أمرهما الله ببناء مسجد ونصب هياكله، ودفن كثير من الأنبياء من ولد إسحق ﵇ حواليه. قال: والمدينة مهاجر نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه، أمره الله تعالى بالهجرة إليها، وإقامة دين الإسلام بها، فبنى مسجده الحرام بها، وكان ملحده الشريف في تربتها. قال: فهذه المساجد الثلاثة قرة عين المسلمين، ومهوى أفئدتهم، وعظمة دينهم، وفي الآثار من فضلها ومضاعفة الثواب في مجاورتها والصلاة فيها كثير معروف". ثم إنه أشار إلى شيء من الخبر عن أولية هذه المساجد الثلاثة، وكيف تدرجت أحوالها إلى أن كمل ظهورها في العالم.

стр. 304

وقد ذكر ياقوت الحموي ذلك بتفصيل أكثر، على أنه قد أفرد لذلك كتب مخصوصة مشهورة، فلا تتعب القلم بذكرها. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في جواب سؤال ورده؛ عن صحة أصول مذهب أهل المدينة ومنزلة مالك المنسوب إليه مذهبهم في الإمامة والديانة، وضبط علوم الشريعة عند أئمة علماء الأمصار، وأهل الثقة والخبرة من سائر الأعصار. أجاب ﵁؛ "الحمد لله: مذهب أهل المدينة النبوية- دار السنة ودار الهجرة ودار النصرة، إذ فيها سن الله لرسوله محمد ﷺ سنن الإسلام وشرائعه، وإليها هاجر المهاجرون إلى الله ورسوله، وبها كان الأنصار أنصار الله الذين تبوّؤا الدار والإيمان من قبلهم- مذهبهم- في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم أصح مذاهب أهل المدائن الإسلامية شرقاً وغرباً، في الأصول والفروع. وهذه الأعصار الثلاثة هي أعصار القرون المفضّلة التي قال فيها النبي ﷺ في الحديث الصحيح من وجوه: "خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"١. فذكر ابن حبان بعد قرنه قرنين بلا نزاع. وفي بعض الأحاديث الشك في القرن الثالث بعد قرنه، وقد رُوي في بعضها بالجزم بإثبات القرن الثالث بعد قرنه فتكون أربعة. واعتمد على ذلك أبو حاتم السُّلمي ونحوه من علماء أهل الحديث في طبقات هذه الأمة، بأن هذه الزيادة ثابتة في الصحيح". ثم إنه ذكر أحاديث الثلاثة والأحاديث التي فيها ذكر القرن الرابع- إلى أن قال-: "وفي القرون التي أثنى عليها رسول الله ﷺ كان مذهب أهل المدينة، أصح مذاهب أهل المدائن، فإنهم كانوا يتأسُّون بأثر رسول الله ﷺ أكثر من سائر الأمصار، وكان غيرهم من أهل الأمصار دونهم في العلم بالسنة النبوية واتباعها، حتى أنهم لا يفتقرون إلى نوع من سياسة الملوك، وأن افتقار العلماء ومقاصد العباد أكثر من افتقار أهل المدينة حيث كانوا أغنى من غيرهم عن ذلك كله بما كان

стр. 305

عندهم من الآثار النبوية التي يفتقر إلى العلم بها واتباعها كل أحد، ولهذا لم يذهب أحد من علماء المسلمين إلى أن إجماع أهل مدينة من المدائن حجة يجب اتباعها غير المدينة، لا في تلك الأعصار ولا فيما بعدها، لا إجماع أهل مكة ولا الشام، ولا العراق، ولا غير ذلك من أمصار المسلمين. ومن حكى عن أبي حنيفة أو أحد من أصحابه أن إجماع أهل الكوفة حجة يجب اتباعها على كل مسلم فقد غلط على أبي حنيفة وأصحابه في ذلك. وأما المدينة فقد تكلم الناس في إجماع أهلها، واشتهر عن مالك وأصحابه أن إجماع أهلها حجة، وأن بقية الأئمة ينازعونهم في ذلك. والكلام إنما هو في إجماعهم في تلك الأعصار المفضلة. وأما بعد ذلك فقد اتفق الناس على أن إجماع أهلها ليس بحجة، إذ كان حينئذ في غيرها من العلماء ما لم يكن فيها، لاسيما من حين ظهر بها الرفض، فإن أهلها مستمسكون بمذهبهم القديم، منتسبين إلى مذهب مالك إلى أوائل المائة السادسة أو قبل ذلك أو بعد ذلك، فإنهم قدم إليهم من رافضة المشرق من أهل قاشان وغيرهم من أفسد مذهب كثير منهم، لاسيما المنتسبون منهم إلى العترة النبوية، وقدم عليهم بكتب أهل البدع المخالفة للكتاب والسنة، وبذل لهم أموالاً فكثرت البدعة بها من حينئذ. فأما الأعصار المفضلة فلم يكن فيها بالمدينة النبوية بدعة ظاهرة البتة، ولا خرج منها بدعة في أصول الدين، كما خرج من سائر الأمصار فإن الأمصار الكبار التي سكنها أصحاب رسول الله ﷺ وخرج منها العلم والإيمان خمسة: البحران، والعراقان، والشامان، منها خرج القرآن والحديث والفقه والعبادة وما يتبع ذلك من أمور الإسلام. وخرج من هذه الأمصار بدع أصولية غير المدينة النبوية، فالكوفة خرج منها التشيع والإرجاء، وانتشر بعد ذلك في غيرها، والبصرة خرج منها القدر والاعتزال الفاسد، وانتشر بعد ذلك في غيرها. والشام كان بها النصب والقدر. وأما التجهُّم فإنما ظهر من ناحية خراسان، وهو شر البدع، ولأن ظهور البدع بحسب البعد عن الدار النبوية، فلما حدثت الفرقة بعد مقتل عثمان ظهرت بدعة الحرورية، وتقدم

стр. 306

بعقوبتها الشيعة من الأصناف الثلاثة الغالية حيث حرّقهم عليُّ بالنار، والمفضّلة حيث تقدم جلدهم ثمانين، والسبائية حيث طلب أن يعاقب ابن سبأ بالقتل أو بغيره فهرب منه، ثم في أواخر عصر الصحابة حدثت القدرية في آخر عصر ابن عمر وابن عباس وجابر وأمثالهم من الصحابة وحدثت المرجئة قريباً من ذلك. وأما الجهمية؛ فإنما حدثوا في أواخر عصر التابعين بعد موت عمر بن عبد العزيز، وقد روي أنه أنذر بهم، وكان ظهور جهم بخراسان في خلافة هشام بن عبد الملك، وقد قتل المسلمون شيخهم الجعد بن درهم قبل ذلك، ضحى به خالد بن عبد الله القسري، وقال: يا أيها الناس ضحُّوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مُضَحٍ بالجعد بن درهم؛ إنه زعم أنه لم يتخذ الله إبراهيم خليلاً، ولم يكلّمْ موسى تكليماً، تعالى عما يقول الجعد بن درهم علواً كبيراً، ثم نزل فذبحه. وقد روى أن ذلك بلغ الحسن البصري وأمثاله من التابعين فشكروا ذلك١. وأما المدينة النبوية؛ فكانت سليمة من ظهور هذه البدع، وإن كان بها من هو مضمر لذلك كان عندهم مهاناً مذموماً، إذ كان بها قوم من القدرية وغيرهم، لكن كانوا مذمومين مقهورين، بخلاف التشيع والإرجاء بالكوفة، والاعتزال وبدع النُسَّاك بالبصرة، والنصب بالشام؛ فإنه كان ظاهراً. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أن الدجال لا يدخلها٢. ويُحْكَى أن عمرو بن عبيد وهو رأس المعتزلة ممن كان يساجي سفيان الثوري ولم يعلم سفيان به فقال عمرو لرجل: من هذا؟ فقال: سفيان الثوري، أو قال: من أهل الكوفة. قال: ولو علمت بذلك لدعوته إلى رأي ولكن ظننته من هؤلاء المدنيين الذين يجيئونك من فوق. ولم يزل العلم والإيمان بها ظاهراً إلى زمن أصحاب مالك، وهم أصل

стр. 307

القرن الرابع، حيث أخذ ذلك القرن عن مالك وأهل طبقته، كالثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وسفيان بن عيينة وأمثالهم، وهؤلاء أخذوا عن طوائف من التابعين، وأولئك أخذوا عمن أدركوا من الصحابة، والكلام في إجماع أهل المدينة في تلك الأعصار. والتحقيق في مسألة إجماع أهل المدينة، أن منه ما هو متفق عليه بين المسلمين، ومنه ما هو قول جمهور أئمة المسلمين، ومنه ما لا يقول به إلا بعضهم، وذلك أن إجماع أهل المدينة على أربع مراتب: الأولى: ما يجري مجرى النقل عن النبي ﷺ ، مثل نقلهم لمقدار الصاع والمد، وكترك صدقة الخضراوات والأجناس، فهذا مما هو حجة باتفاق العلماء. أما الشافعي وأحمد وأصحابهما فهذا حجة عندهم بلا نزاع، كما هو حجة عند مالك، وذلك مذهب أبي حنيفة وأصحابه، قال أبو يوسف ﵀ وهو أجل أصحاب أبي حنيفة، وأول من لقب قاضي القضاة، لما اجتمع بمالك وسأله عن هذه المسائل، وأجابه مالك بنقل أهل المدينة المتواتر رجع أبو يوسف إلى قوله وقال-: لو رأى صاحبي مثل ما رأيت لرجع مثل ما رجعت. فقد نقل أبو يوسف أن مثل هذا النقل حجة عند صاحبه أبي حنيفة كما هو حجة عند غيره، لكن أبو حنيفة لم يبلغه هذا النقل كما لم يبلغه ولم يبلغ غيره من الأئمة كثير من الحديث، فلا لوم عليهم في ترك ما لم يبلغهم علمه، ويهان رجوع أبي يوسف إلى هذا النقل كرجوعه إلى أحاديث كثيرة اتبعها هو وصاحبه محمد وتركا قول شيخهما لعلمهما بأن شيخهما كان يقول: إن هذه الأحاديث أيضاً صحّت؛ لكن لم تبلغه. ومن ظن بأبي حنيفة أو غيره من أئمة المسلمين أنهم يتعمدون مخالفة الحديث الصحيح لقياس أو غيره فقد أخطأ عليهم، وتكلم إما بظن، وإما بهوى، فهذا أبو حنيفة يعمل بحديث التوضي بالنبيذ بالسفر مخالفة للقياس، وبحديث القهقهة في الصلاة مع مخالفته للقياس، لاعتقاده صحّتهما،

стр. 308

وإن كان أئمة الحديث لم يصححوهما. قال: وقد بينا هذا في رسالة (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) وبتنا أن أحداً من أئمة الإسلام لا يخالف حديثاً صحيحاً بغير عذر، بل لهم نحو من عشرين عذراً: مثل أن يكون أحدهم لم يبلغه الحديث، أو بلغه من وجه لم يثق به، أو لم يعتقد دلالته على الحكم، أو اعتقد أن ذلك الدليل قد عارضه ما هو أقوى منه، كالناسخ أو ما يدل على الناسخ وأمثال ذلك، والأعذار يكون العالم في بعضها مصيباً فيكون له أجران، ويكون في بعضها مخطئاً بعد اجتهاده، فيثاب على اجتهاده وخطؤه مغفور له، لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ١. وقد ثبت في الصحيح أن الله استجاب هذا الدعاء وقال: "قد فعلت"٢. ولأن العلماء ورثة الأنبياء. وقد ذكر الله عن داود وسليمان أنهما حكما في قضية، وأنه فهمها أحدهما، ولم يجب الآخر، بل أثنى على كل واحد منهما بأنه آتاه حكماً وعلماً، فقال: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ ٣. وهذه الحكومة تتضمن مسألتين تنازع فيهما العلماء: مسألة نفش الدواب في الحرث بالليل، وهو مضمون عند جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد، وأبو حنيفة لم يجعله مضموناً. والثانية: ضمان بالمثل والقيمة، وفي ذلك نزاع في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما. والمأثور عن أكثر السلف في نحو ذلك يقتضي الضمان بالمثل إذا أمكن، كما قضى به سليمان، وكثير من الفقهاء لا يضمنون ذلك إلا بالقيمة كالمعروف من مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. والمقصود هنا؟ أن عمل أهل المدينة الذي يجري مجرى النقل حجة باتفاق

стр. 309

المسلمين، قال مالك لأبي يوسف- لما سأله عن الصاع والمد، وأمر أهل المدينة بإحضار صيعانهم، وذكروا له أن إسنادها على أسلافهم-: أترى هؤلاء يا أبا يوسف يكذبون؟ قال: لا والله ما يكذبون، فأنا حررت هذه الصيعان فوجدتها خمسة أرطال وثلث بأرطالكم يا أهل العراق. فقال: رجعت إلى قولك يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت. وسأله عن صدقة الخضراوات، فقال: هذه مباقيل أهل المدينة لم يؤخذ منها صدقة على عهد رسول الله ﷺ ، ولا أبي بكر ولا عمر رضي الله تعالى عنهما يعني وهي تنبت فيها الخضراوات. وسأله عن الأجناس، فقال: هذا جنس فلان وهذا جنس فلان، يذكر لبيان الصحابة، فقال أبو يوسف في كل منهما: قد رجعت يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت. وأبو يوسف ومحمد وافقا بقية الفقهاء في أنه ليس في الخضروات صدقة كمذهب مالك والشافعي وأحمد، وفي أنه ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة كمذهب هؤلاء، وأن الوقف عنده لازم كمذهب هؤلاء. وإنما قال مالك: برطالكم يا أهل العراق؛ لأنه لما انقرضت الدولة الأموية وجاءت دولة ولد العباس قريباً، فقام أخوه أبو جعفر الملقب بالمنصور فبنى بغداد فجعلها دار ملكه، وكان أبو جعفر يعلم أن أهل الحجاز حينئذ كانوا أعنى بدين الإسلام من أهل العراق. ويروى أنه قال ذلك لمالك أو غيره من علماء المدينة، قال: نظرت في هذا الأمر فوجدت أهل العراق أهل كذب وتدليس أو نحو ذلك، ووجدت أهل الشام إنما هم أهل غزو وجهاد، ووجدت هذا الأمر فيكم. ويقال: إنه قال لمالك: وأنت أعلم أهل الحجاز، أو كما قال. فطلب أبو جعفر علماء الحجاز أن يذهبوا إلى العراق وينشروا العلم فيه، فقدم عليهم هشام بن عروة، ومحمد بن إسحق، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة بن أبي

стр. 310

عبد الرحمن، وحنظلة بن أبي شقيق الجُمَحِي، وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، وغير هؤلاء. وكان أبو يوسف يختلف في مجالس هؤلاء ويتعلم منهم الحديث وأكثر ممن قدم الحجاز. ولهذا يقال في أصحاب أبي حنيفة: أبو يوسف أعلمهم بالحديث، وزفر أطردهم للقياس، والحسن بن زياد اللؤلؤي أكثرهم تفريعاً، ومحمد أعلمهم بالعربية والحساب، وربما قيل أكثرهم تفريعاً. فلما صارت العراق دار الملك واحتاج الناس إلى تعريف أهلها بالسنة والشريعة غير المكيال الشرعي برطل أهل العراق، وكان رطلهم بالحنطة الثقيلة والعدس إذ ذاك تسعين مثقالاً، مائة وثمانين وعشرون درهماً وأربعة أسباع الدرهم، فهذا هو المرتبة الأولى لإجماع أهل المدينة وهو حجة باتفاق المسلمين. المرتبة الثانية: العمل القديم بالمدينة قبل مقتل عثمان بن عفان، فهذا حجة في مذهب مالك، وهو المنصوص عن الشافعي، قال في رواية يونس بن عبد الأعلى إذا رأيت قدماء أهل المدينة على شيء فلا تتوقف في قلبك ريباً أنه الحق، وكذا ظاهر مذهب أحمد أن ما سنه الخلفاء الراشدون فهو حجة يجب اتباعها. وقال أحمد: كل بيعة كانت في المدينة فهي خلافة النبوة. ومعلوم أن بيعة أبي بكر وعمر وعثمان كانت بالمدينة، وكذلك بيعة عليّ كانت بالمدينة، ثم خرج منها وبعد ذلك لم يعقد بالمدينة بيعة. وقد ثبت في الحديث الصحيح حديث العرباض بن سارية عن النبي ﷺ أنه قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسّكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار"١. وفي "السنن" من حديث سفينة عن النبي ﷺ أنه قال: "خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً عضوضاً"٢.

стр. 311

فالمحكي عن أبي حنيفة يقتضي أن قول الخلفاء الراشدين يخالف سنة رسول الله ﷺ . والمرتبة الثالثة: إذا تعارض في المسألة دليلان؛ كحديثين وقياسين، جهل أيهما أرجح وأحدهما يعمل به أهل المدينة؛ ففيه نزاع، فمذهب مالك والشافعي أنه يرجح بعمل أهل المدينة، ومذهب أبي حنيفة أنه لا يرجح بعمل أهل المدينة. ولأصحاب أحمد وجهان: أحدهما: وهو قول القاضي أبي يعلى وابن عقيل أنه لا يرجح. والثاني: وهو قول أبي الخطاب وغيره أنه يرجح به، قيل: هذا هو المنصوص عن أحمد. ومن كلامه قال: إذا رأى أهل المدينة حديثاً وعملوا به فهو الغاية، وكان يفتي على مذهب أهل المدينة ويقدمه على مذهب أهل العراق تقريراً كثيراً، وكان يدل المستفتي على مذاهب أهل الحديث ومذهب أهل المدينة، ويدل المستفتي على إسحاق وأبي عبيدة وأبي ثور ونحوهم من فقهاء أهل الحديث، ويدله على حلقة المدنيين حلقة أبي مصعب الزهري ونحوه، وأبو مصعب هو آخر من مات من رواة الموطأ عن مالك، مات بعد أحمد بسنة، سنة اثنين وأربعين ومائتين. وكان أحمد يكره أن يرد على أهل المدينة كما يرد على أهل الرأي، ويقول: إنهم اتبعوا الآثار. فهذا مذهب جمهور الأئمة يوافق مذهب مالك في الترجيح لأقوال أهل المدينة. وأما المرتبة الرابعة: فهي العمل المتأخر بالمدينة؛ فهذا هل هو حجة شرعية يجب اتباعها أم لا؟ فالذي عليه أئمة الناس أنه ليس بحجة شرعية، هذا مذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم، وهو قول المحققين من أصحاب مالك، كما ذكر ذلك الفاضل عبد الوهاب في كتابه أصول الفقه وغيره، ذكر أن هذا ليس إجماعاً ولا حجة عند المحققين من أصحاب مالك، وربما جعله حجة بعض أهل الغرب من أصحابه، وليس معه للأئمة نص ولا دليل، بل هم أهل تقليد.

стр. 312

قلت: ولم أر في كلام مالك ما يوجب جعل هذا حجة، وهو في "الموطأ" إنما يذكر الأصل المجمع عليه عندهم فهو يحكي مذهبهم، وتارة يقول: الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا يصير إلى الإجماع القديم، وتارة لا يذكر. ولو كان مالك يعتقد أن العمل المتأخر حجة يجب على جميع الأمة اتباعها- وإن خالفت النصوص- لوجب عليه أن يلزم الناس بذلك حد الإمكان، كما يجب عليه أن يلزمهم اتباع الحديث والسنة الثابتة التي لا تعارض فيها، وبالإجماع. وقد عرض عليه الرشيد أو غيره أن يحمل الناس على موطئه فامتنع من ذلك، وقال: إن أصحاب رسول الله ﷺ تفرقوا في الأمصار، وإنما جمعت علم أهل بلدي أو كما قال. وإذا تبين أن إجماع أهل المدينة تفاوت فيه مذاهب جمهور الأئمة علم بذلك أن قولهم أصح أقوال أهل الأمصار رواية ورأياً، وأنه تارة يكون حجة قاطعة، وتارة حجة قوية، وتارة مرجحاً للدليل، إذ ليست هذه الخاصية لشيء من أمصار المسلمين. ومعلوم أن من كان بالمدينة من الصحابة هم خيار الصحابة إذ لم يخرج منها أحد قبل الفتنة إلا وأقام بها من هو أفضل منه، فإنه لما فتح الشام والعراق غيرهما أرسل عمر بن الخطاب إلى الأمصار من يعلمهم الكتاب والسنّة، فذهب إلى العراق عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وعمار بن ياسر، وعمران بن حصين، وسلمان الفارسي وغيرهم. وذهب إلى الشام معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وبلال بن رباح وأمثالهم. وبقي عنده مثل عثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف، ومثل أبي بن كعب، ومحمد بن مسلمة، وزيد بن ثابت وغيرهم. وكان ابن مسعود وهو أعلم من كان بالعراق من الصحابة يفتي بالفتيا، ثم يأتي المدينة فيسأل علماء أهل المدينة فيردونه عن قوله فيرجع، كما جرى في مسألة أمهات النساء لما ظن ابن مسعود أن الشرط فيها وفي الربيبة، وأنه إذا طلق امرأته قبل الدخول حلت أمها كما تحل ابنتها، فلما جاء إلى المدينة وسأل عن ذلك أخبره علماء الصحابة أن الشرط في الربيبة دون الأمهات فرجع إلى قولهم، وأمر الرجل بفراق امرأته بعدما حلت.

стр. 313

وكان أهل المدينة فيما يعملون؛ إما سنة من رسول الله ﷺ ، وإما أن يرجعوا إلى قضايا عمر بن الخطاب. ويقال: إن مالكاً أخذ جل الموطأ عن ربيعة، وربيعة عن سعيد بن المسيب، وسعيد بن المسيب عن عمر، وعمر محدث. وفي الترمذي عن رسول الله ﷺ : "لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر"١. وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: "كان في الأمم قبلكم مُحَدَّثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر"٢. وفي السنن عن النبي ﷺ أنه قال: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر"٣. وكان عمر يشاور أكابر الصحابة كعلي، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد،

стр. 314

وعبد الرحمن، وهم أهل الشورى. ولهذا قال الشعبي: انظروا ما قضى به عمر فإنه كان يشاور. ومعلوم أن ما كان يقضي أو يفتي به عمر يشاور فيه هؤلاء أرجح مما يقضي أو يفتي به ابن مسعود أو نحوه رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وكان عمر- في مسائل الدين والأصول والفروع- إنما يتبع لما قضى به رسول الله ﷺ ، وكان يشاور علياً وغيره من أهل الشورى، كما شاوره في المطلقة المعتدة الرجعية في المرض إذا مات زوجها هل ترث؟ وأمثال ذلك. فلما قتل عثمان وحصلت الفتنة والفرقة وانتقل عليّ إلى العراق هو وطلحة والزبير لم يكن بالمدينة من هو مثل هؤلاء، ولكن كان بها من الصحابة مثل سعد بن أبي وقاص، وأبي أيوب، ومحمد بن مسلمة، وأمثالهم، من هو أجلّ ممن مع علي من الصحابة، فأعلم من كان بالكوفة من الصحابة علي وابن مسعود، وعليٌّ كان بالمدينة إذ كان بها عمر وعثمان وابن مسعود وهو نائب عمر وعثمان، ومعلوم أن علياً مع هؤلاء أعظم علماً وفضلاً من جميع من معه من أهل العراق، ولهذا كان الشافعي يناظر بعض أهل العراق في الفقه محتجاً على المناظر بقول عليّ وابن مسعود، فصنف الشافعي كتاب "اختلاف علي وعبد الله " يبين فيه ما تركه المناظر وغيره من أهل العلم من قولهما. وجاء بعده محمد بن نصر المروزي صنف في ذلك أكثر مما صنف الشافعي"- إلى أن قال-: "ومما يوضح الأمر في ذلك أن سائر أمصار المسلمين- غير الكوفة- كانوا منقادين لعلم أهل المدينة لا يعدون أنفسهم أكفاءهم في العلم كأهل الشام ومصر، مثل الأوزاعي ومن قبله وبعده من الشاميين، ومثل الليث بن سعد ومن قبل ومن بعد من المصريين، وإن تعظيمهم لعمل أهل المدينة واتباعهم لمذاهبهم القديمة ظاهر بيّن، وكذلك علماء أهل البصرة كأيوب، وحماد بن زيد، وعبد الرحمن بن مهدي وأمثالهم. ولهذا ظهر مذهب أهل المدينة في هذه الأمصار، فإن أهل مصر صاروا ناصرة لقول أهل المدينة، وهم أجلاء أصحاب مالك المصريين كابن وهب، وابن القاسم، وأشهب، وعبد الله بن الحكم. والشاميون مثل الوليد بن مسلم، ومروان بن

стр. 315

محمد، وأمثالهم؛ لهم روايات معروفة عن مالك. وأما أهل العراق؛ كعبد الرحمن بن مهدي، وحماد بن زيد، ومثل إسماعيل بن إسحاق القاضي وأمثالهم، كانوا على مذهب مالك، وكانوا قضاة القضاة، وإسماعيل ونحوه كانوا من أجلّ علماء الإسلام. وأما الكوفيون بعد الفتنة والفرقة يدعون مكافأة أهل المدينة، وأما قبل الفتنة والفرقة فقد كانوا متّبعين لأهل المدينة ومنقادين لهم، لا يعرف قبل مقتل عثمان أن أحداً من أهل الكوفة أو غيرها يدّعي أن أهل مدينته أعلم من أهل المدينة، فلما قتل عثمان وتفرقت الأمة وصاروا شيعاً ظهر من أهل الكوفة من يساوي بعلماء أهل الكوفة علماء أهل المدينة، ووجهه الشبهة في ذلك أنه ضعف أمر المدينة لخروج خلافة النبوة منها، وقوي أمر أهل العراق لحصول عليّ فيها. لكن ما فيه الكلام من مسائل الفروع والأصول قد استقر في خلافة عمر، ومعلوم أن قول أهل الكوفة مع سائر الأمصار قبل الفرقة أولى من قولهم وحديثهم بعد الفرقة. قال عبيدة السلماني -قاضي عليّ كرم الله وجهه-: رأيك مع عمر في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك في الفرقة. ومعلوم أنه كان بالكوفة من الفتنة والتفرق ما دل عليه النص والإجماع، لقول النبي ﷺ : "الفتنة من ههنا، الفتنة من ههنا، الفتنة من ههنا، من حيث يطلع قرن الشيطان" ١ وهذا الحديث قد ثبت عنه في الصحيح من غير وجه. ومما يوضح الأمر في ذلك؛ أن العلم إما رواية، وإما رأي. وأهل المدينة أصح أهل المدن رواية ورأياً، وأما حديثهم فأصح الأحاديث. وقد اتفق أهل العلم بالحديث على أن أصح الأحاديث أحاديث أهل المدينة، ثم أحاديث أهل البصرة.

стр. 316

وأما أحاديث أهل الشام؛ فهي دون ذلك، فإنه لم يكن لهم من الإسناد المتصل وضبط الألفاظ ما لهؤلاء، ولم يكن منهم -يعني أهل المدينة، ومكة، والبصرة، والشام- من يعرف بالكذب، لكن منهم من يضبط، ومنهم من لا يضبط. وأما أهل الكوفة؛ فلم يكن الكذب في أهل بلد أكثر منه فيهم، ففي زمن التابعين كان بها خلق كثير منهم معروفون بالكذب، لاسيما الشيعة، فإنهم أكثر الطوائف كذباً باتفاق أهل العلم، ولأَجْلِ هذا يُذكر عن مالك وغيره من أهل المدينة أنهم لم يكونوا يحتجون بعامة أحاديث أهل العراق، لأنهم قد علموا أن فيهم كذّابين، ولم يكونوا يميزون بين الصادق والكاذب، فأما إذا عَلِمُوا صِدْقَ الحديث فإنهم يحتجون به. كما روى مالك عن أيوب السختياني وهو عراقي، فقيل له ذلك. فقال: ما حدثتكم عن أحد إلا وأيوب أفضل منه أو نحو هذا. وهذا القول هو القول القديم للشافعي، حتى روي أنه قيل له: إذا روى سفيان عن منصور عن علقمة عن عبد الله حديثاً ألا يحتج به؟ فقال: إن يكن له أصل بالحجاز وإلا فلا. ثم إن الشافعي رجع عن ذلك، وقال لأحمد بن حنبل: أنتم أعلم بالحديث منا، فإذا صح الحديث فأخبرني به حتى أذهب إليه، شامياً كان أو بصرياً أو كوفياً. ولم يقل مكياً أو مدنياً لأنه كان يحتج بهذا قبل. وأما علماء أهل الحديث كشعبة، ويحيى بن سعيد، وأصحاب الصحيح والسنن؛ فكانوا يميزون بين الثقات الحفاظ وغيرهم ممن بالكوفة والبصرة من الثقات الذين لا ريب فيهم، وأن فيهم من هو أفضل من كثير من أهل الحجاز، ولا يستريب عالم في مثل أصحاب عبد الله بن مسعود؛ كعلقمة، والأسود، وعبيدة السلماني، والحارث التيمي، وشريح القاضي. ثم مثل إبراهيم النخعي، والحكم بن عتيبة وأمثالهم من أوثق الناس وأحفظهم، فلهذا صار علماء الإسلام متفقين على الاحتجاج بما صححه أهل العلم بالحديث من أي مصر كان. وصنف أبو داود السجستاني مفاريد أهل الأمصار يذكر فيه ما انفرد أهل كل مصر من

стр. 317

المسلمين من أهل العلم بالسنة. وأما الفقه والرأي؛ فقد علم أن أهل المدينة لم يكن فيهم من ابتدع بدعة في أصول الدين، ولما حدث الكلام في الرأي في أوائل الدولة العباسية وفرع لهم ربيعة بن هرمز فرعاً كما فرع عثمان الليثي وأمثاله بالبصرة، وأبو حنيفة وأمثاله بالكوفة، وصار في الناس من يقبل ذلك وفيهم من يرد، وصار الرادون لذلك مثل هشام بن عروة وأبي الزناد والزهري وابن عيينة وأمثالهم، فإن ردوا ما ردوا من الرأي المحدث بالمدينة فهم للرأي المحدث بالعراق أشد رداً، فلم يكن أهل المدينة أكثر من أهل العراق فيما لا يحمد، وهم فوقهم فيما يحمدونه، وبهذا يظهر الرجحان. وأما ما قال هشام بن عروة: لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلاً حتى نشأ فيهم المولدون -أبناء سبايا الأمم- فقالوا فيهم بالرأي فضَلُّوا وأضَلُّوا. قال ابن عيينة: فنظرنا في ذلك فوجدنا ما حدث من الرأي إنما هو من المولدين أبناء سبايا الأمم، وذكر بعض من كان بالمدينة وبالبصرة وبالكوفة، والذين بالمدينة أحمد عند هذا ممن بالعراق من أهل المدينة. ولما قال مالك رضي الله تعالى عنه عن إحدى الدولتين: إنهم كانوا أتبع للسنن من الدولة الأخرى. قال ذلك لأجل ما ظهر بمقاربتها من الحدثان، لأن أولئك أولى بالخلافة نسباً وقرناً. وقد كان المنصور والمهدي والرشيد -وهم سادات خلفاء بني العباس- يرجّحون علماء الحجاز وقولهم على علماء أهل العراق، كما كان خلفاء بني أمية يرجحون أهل الحجاز على علماء الشام، ولما كان فيهم من لم يسلك هذا السبيل بل عدل إلى الآراء المشرقية كثر الأحداث فيهم وضعفت الخلافة. ثم إن بغداد إنما صار فيها من العلم والإيمان وترجحت على غيرها بعد موت مالك وأمثاله من علماء أهل الحجاز، وسكنها من أفشى السنة بها وأظهر حقائق الإسلام، مثل أحمد بن حنبل، وأبي عبيدة، وأمثالهما من فقهاء أهل

стр. 318

الحديث، ومن ذلك الزمان ظهرت بها السنة في الأصول والفروع، وكثر ذلك فيها وانتشر منها إلى الأمصار، وانتشر أيضاً من ذلك الوقت من المشرق والمغرب، فصار في المشرق مثل إسحاق بن إبراهيم بن راهويه وأصحابه، وأصحاب عبد الله بن المبارك، وصار إلى المغرب من علم أهل المدينة ما نقل إليهم من علماء الحديث، فصار في بغداد وخراسان والمغرب من العلم ما يكون مثله إذ ذاك بالحجاز والبصرة، ولم يكن بعد عصر مالك وأصحابه من علماء الحجاز من يفضل على علماء العراق والمشرق والمغرب، وهذا باب يطول تتبعه ولو استقصينا فضل علماء أهل المدينة وصحة أصولهم لطال الكلام. إذا تبين ذلك؛ فلا ريب عند أحد أن مالكاً ﵁ أقوم الناس بمذهب أهل المدينة رواية ورأياً، فإنه لم يكن في عصره ولا بعده أقوم بذلك منه، كان له من المكانة عند أهل الإسلام -الخاص منهم والعام- ما لا يخفى على من له بالعلم أدنى إلمام، وقد جمع الحافظ أبو بكر الخطيب أخبار الرواة عن مالك فبلغوا ألفاً وسبعمائة أو نحوها، وهؤلاء الذين اتصل إلى الحديث حديثهم نجعد قريب من ثلاثمائة سنة، فكيف بمن انقطعت أخبارهم ولم يتصل إليه خبرهم؟ فإن الخطيب توفي سنة اثنين وسبعين وأربعمائة، وعصره وعصر ابن عبد البر والبيهقي والقاضي أبي يعلى وأمثال هؤلاء واحد. ومالك توفي سنة تسع وسبعين ومائة، وتوفي أبو حنيفة سنة خمسين ومائة، وتوفي الشافعي سنة أربع ومائتين، وتوفي أحمد بن حنبل سنة إحدى وأربعين ومائتين، ولهذا قال الشافعي: ما تحت أديم السماء كتاب أكثر صواباً بعد كتاب الله من موطأ مالك. وهو كما قال الشافعي ﵁. وهذا لا يعرض ما عليه أئمة الإسلام من أنه ليس بعد القرآن كتاب أصح من صحيح البخاري ومسلم، مع أن الأئمة على أن البخاري أصح من مسلم، ومن رجح مسلماً فإنه رجحه بجمعه ألفاظ الحديث في مكان واحد، فإن ذلك أيسر على من يريد جمع ألفاظ الحديث. وأما من زعم أن الأحاديث التي انفرد بها مسلم أو الرجال الذين انفرد بهم

стр. 319

أصح من الأحاديث التي انفرد بها البخاري، ومن الرجال الذين انفرد بهم، فهذا غلط لا يشك فيه عالم. كما لا يشك أحد أن البخاري أعلم من مسلم بالحديث والعلل والتاريخ، وأنه أفقه منه، إذ البخاري وأبو داود أفقه أهل الصحيح والسنن المشهورة، وإن كان قد يتفق لبعض ما انفرد به مسلم أن يرجح على بعض ما انفرد به البخاري فهذا قليل، والغالب بخلاف ذلك، فإن الذي اتفق عليه أهل العلم أنه ليس بعد القرآن كتاب أصح من كتاب البخاري ومسلم، وإنما كانا كذلك لأنه جرد فيهما الحديث الصحيح المسند، ولم يكن القصد بتصنيفهما ذكر آثار الصحابة والتابعين ولا سائر الحديث من الحسن والمرسل وشبه ذلك، ولا ريب أن ما جرد فيه الحديث الصحيح المسند عن رسول الله ﷺ فهو أصح الكتب، لأنه أصح منقولاً عن المعصوم من الكتب المصنفة. وأما "الموطأ" ونحوه فإنه صُنّف على طريقة العلماء المصنفين إذ ذاك، فإن الناس على عهد رسول الله ﷺ كانوا يكتبون القرآن، وكان النبي ﷺ قد نهاهم أن يكتبوا عنه غير القرآن، وقال: "من كتب عني شيئاً غير القرآن فليمحه"١. ثم نُسِخَ ذلك عن جمهور العلماء حيث أذن في الكتابة لعبد الله بن عمر، وقال: "اكتبوا لأبي شاه" ٢. وكتب لعمرو بن حزم كتاباً. قالوا: وكان النهي أولاً خوفاً من اشتباه القرآن بغيره، ثم أذن لمّا أَمِنَ ذلك٣، فكان الناس يكتبون من حديث رسول الله ﷺ ما يكتبون، وكتبوا أيضاً غيره، ولم يكونوا يصنفون ذلك في كتب مصنفة إلى زمن تابعي التابعين، فصنف العلم. فأول من صنف ابن جريج شيئاً في التفسير، وشيئاً في الأموات، وصنف سعيد بن أبي عروبة، وحماد بن سلمة، ومعمر، وأمثال هؤلاء يصنفون ما في الباب عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين، وهذه هي كانت كتب الفقه والعلم

стр. 320

والأصول والفروع بعد القرآن. فصنف مالك الموطأ على هذه الطريقة، وصنف بَعْدُ عبد الله بن المبارك، وعبد الله بن وهب، ووكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وغير هؤلاء. فهذه الكتب التي كانوا يعدونها في ذلك الزمان هي التي أشار إليها الشافعي رحمه الله تعالى، فقال: ليس بعد القرآن كتاب أكثر صواباً من موطأ مالك، فإن حديثه أصح من حديث نظرائه. وكذلك الإمام أحمد- لما سئل عن حديث مالك ورأيه، وحديث غيره ورأيهم- رجح حديث مالك ورأيه على حديث أولئك ورأيهم، وهذا يصدق الحديث الذي رواه الترمذي وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: "يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون عالماً أعلم من عالم المدينة" ١. فقد رُوي عن غير واحد كابن جريج وابن عيينة وغيرهما أنهم قالوا: هو مالك. والذين نازعوا في هذا لهم مأخذان: أحدهما: الطعن في الحديث، فزعم بعضهم أن فيه انقطاعاً.
следующие страницы →