← Акыда

Акыда · id 12034

غاية الأماني في الرد على النبهاني

محمود شكري الألوسي

Полный текст (1 119 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وكم من جراآت على الله قالها ... وتحريف آيات بسوء تفاسر ولم يبق كفر لم يلابسه عامداً ... ولم يتورط فيه غير محاذر وقال سيأتينا من الصين خاتم ... من الأولياء للأولياء الأكابر له رتبة فوق النبي ورتبة ... له دونه فاعجب لهذا التنافر فرتبته العليا يقول لأخذه ... عن الله وحياً بتوسيط آخر ورتبته الدنيا يقول لأنه ... من التابعين للأمور الظواهر وقال أتباع المصطفى ليس واضعاً ... لمقداره الأعلى وليس بحاقر فإن يدن منه لاتباع فإنه ... يرى منه أعلى من وجوه أفاجر يرى حال نقصان له في اتباعه ... لأحمد حتى جا بهذي المعاذر فلا قدس الرحمن شخصاً يحبه ... على ما يرى من فتح هذي المخابر وقال بأن الأنبياء جميعهم ... بمشكاة هذا تستضي في الدياجر وقال فقال الله لي بعد مدة ... بأنك أنت الختم رب المفاخر أتاني ابتداء بيض أسطر ربنا ... بإنفاذه في العالمين أوامري وقال ولا تشغلك عني ولاية ... وكن كل شهر طول عمرك زائري فرفدك أجزلنا وقصدك لم يخب ... لدينا فهل أبصرت يا ابن الأحافر بأكذب من هذا وأكفر في الورى ... وأجرأ على غشيان هذي الفواطر فلا يدّعي من صدقوه ولاية ... وقد ختمت فليأخذوا بالأقادر فيا لعباد الله ما ثم ذو حجى ... له بعض تمييز بقلب وناظر إذا كان ذو كفر مطيعاً كمؤمن ... فلا فرق فينا بين بر وفاجر كما قال هذا إن كل أوامر ... من الله جاءت فهي وفق المقادر فلم تنبعث رسل وسنت شرائع ... وأنزل قرآن بهذي الزواجر أيخلع منكم ربقة الدين عاقل ... بقول غريق في الضلالة جائر ويترك ما جاءت به رسل الهدى ... لأقوال هذا الفيلسوف المعاذر فيا محسني ظن بما في فصوصه ... وما في فتوحات الشرور الدوائر عليكم بدين الله لا تصحبوا غداً ... مساعر نار قبحت من مساعر

стр. 632

فليس عذاب الله عذباً كمثل ما ... يمنيكم بعض الشيوخ المدابر ولكن أليم مثل ما قال ربنا ... به الجلد إن ينضج يبدل بآخر غداً تعلمون الصادق القول منهما ... إذا لم تتوبوا اليوم علم مباشر ويبدو لكم غير الذين يعدونكم ... بأن عذاب الله ليس بضائر ويحكم رب العرش بين محمد ... ومن سن علم الباطل المتهاتر ومن جا بدين مفتري غير دينه ... فأهلك أغماراً به كالأباقر فلا يخدعن المسلمين عن الهدى ... وما للنبي المصطفى من مآثر ولا يؤثروا غير النبي على النبي ... فليس كنور الصبح ظلم الدياجر دعوا كل ذي قول لقول محمد ... فما آمن في دينه بمخاطر وأما رجالات الفصوص فإنهم ... يقومون في بحر من الكفر ظاهر إذا راح بالربح المتابع أحمدا ... على هذه راحوا بصفقة خاسر سيحكي لهم فرعون في دار خلده ... بإسلامه المقبول عند التحاور ويا أيها الصوفي خف من فصوصه ... خواتم سوء غيرها في الخناصر وخذ نهج سهل والجنيد وصالح ... وقوم مضوا مثل النجوم الزواهر على الشرع كانوا ليس فيهم لوحدة ... ولا لحلول الحق ذكر لذاكر رجال رأوا ما الدار دار إقامة ... لقوم ولكن بلغة للمسافر فأحيوا لياليهم صلاة وبينوا ... بها خوف رب العرش صوم البواكر مخافة يوم مستطير بشره ... عبوس المحيا قمطرير الظواهر فقد نحلت أجسادهم وأذابها ... قيام لياليهم وصوم الهواجر أولئك أهل الله فالزم طريقهم ... وعد عن دواعي الابتداع الكوافر وكثير من أهل العلم ردوا على الشيخ محيي الدين، وبينوا خطأه فيما قال في الفصوص والفتوحات وسائر كتبه من المسائل المناقضة للشريعة، وسيأتي بعض ذلك إن شاء الله عندما يكرر النبهاني كلامه كما هي عادته، والله ينتقم منه، فهو الذي تسبب إلى الخوض في هذه المباحث المفروغ عنها، وأسأله تعالى أن يغفر لنا ولكافة المسلمين.

стр. 633

وتشبيه النبهاني لشيخ الإسلام بابن حزم يفهم منه أنه لم يرتض ابن حزم وهو الشيخ الجليل الشأن، أوحد عصره في العلم والزهد، صاحب التصانيف المفيدة، وما كان ذنبه سوى بيان مفاسد الأشاعرة وأضرابهم، وكلامه على من خالف السنة، وربما صدر منه بعض الخطأ اجتهاداً. ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء نبلاً أن تعد معائبه ولا ينبغي من مثل النبهاني من الجهلة أن يتجاسر على من يبارى أمامه في العلم والزهد، ولكنه قد اتخذ الوقاحة ديدناً قالته الله ما أجهله وما أحمقه. ويقال للنبهاني ثالثاً: إذ تصدى لمعارضة القصيدتين الفريدتين (إحداهما) : للشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ ذي الفنون البديعة والمصنفات النافعة أبو المظفر يوسف بن محمد بن مسعود بن محمد بن علي بن إبراهيم العبادي ثم العقيلي السرمري نزيل دمشق الحنبلي، وقد عارض بها الأبيات التي كتبها السبكي التي أنشدها لما وقع نظره على كتاب (منهاج السنة) واستعرت في قلبه نيران الحسد. (والأخرى) للشيخ الإمام العلامة أبي عبد الله محمد بن جمال الدين يوسف الشافعي اليمني، رد فيها على السبكي فيما قاله في أبياته تلك من الرد على شيخ الإسلام ابن تيمية، وكلا القصيدتين قد اشتملتا من الفصاحة والبلاغة على منتهاهما مع ما فيهما من الرد الوافي على السبكي، فلو رآهما لبقي مدة عمره يبكي، والقصيدتان طبعتا مع كتاب (منهاج السنة) فلا حاجة لنا في ذكرهما مع كون كثير من طلبة العلم يحفظونهما. ما دخولك أيها النبهاني بين الفرسان؟ وأنت لا تقاوم لمزيد جهلك الصبيان؟ قد عارضت بزعمك القصيدتين، وأتيت بما لم يتكلم به ابن يومين، أين السمك من السماك؟ وأين الحصى من درر الأسلاك؟ وأين نار الحباحب من بدور الأفلاك؟ قد مثلت ولكن كما مثل النجوم الماء، وكما انعكس في الغدير لون السماء، لقد حكيت ولكن فاتك الشنب، وفي الخمر معنى ليس يدرك من العنب.

стр. 634

واعلم أيها الناظر أن الشعراء على أربع طبقات جمعها بعض أهل الأدب من العلماء في قوله: الشعراء فاعلمن أربعه ... فشاعر لا ترتجى لمنفعه وشاعر ينشد وسط المجمعه ... وشاعر يقال حمر في دعه وشاعر آخر لا يجرى معه وقد قيل: لا يزال المرء مستوراً وفي مندوحة ما لم يصنع شعراً أو يؤلف كتاباً، لأن شعره ترجمان علمه، وتأليفه عنوان عقله. وقال حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه: وإن أشعر بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته صدقاً وإنما الشعر لب المرء يعرضه ... على المجالس إن كيساً وإن حمقا وقال محمد بن مناذر وكان إماماً في الفضل والأدب: لا تقل شعراً ولا تهمم به ... فإذا ما قلت شعراً فأجد وقال دعيل الخزاعي: سأقضي ببيت يحمد الناس أمره ... ويكثر من أهل الرواية حامله يموت رديء الشعر من قبل أهله ... وجيده يبقى وإن مات قائله وقالوا أيضاً: الشعراء أربعة: فشاعر خنذيذ وهو الذي يجمع إلى جودة شعره رواية الجيد من شعر غيره، وشاعر مفلق وهو الذي لا رواية له إلا أنه مجود كالخنذيذ في شعره، وشاعر فقط وهو فوق الرديء بدرجة، وشعرور وهو لا شيء. وقيل: بل هم شاعر مفلق، وشاعر مطلق، وشويعر، وشعرور. والمفلق هو الذي يأتي في شعره بالفلق وهو العجب، وقيل: الفلق الداهية، قال الأصمعي: فالشويعر مثل محمد بن حمران بن أبي حمران سماه بذلك امرؤ القيس، وقال بعضهم شاعر وشويعر وشعرور، وقال العبدي في شاعر يدعى الشويعر من بني

стр. 635

هو الذي يمنعني من قوله، وأنشد: وقد يعرض الشعر البكي لسانه ... وتعيى القوافي المرء وهو لبيب والشعر مزلة العقول، وذلك أن أحداً ما صنعه فكتمه ولو كان ردياً، وإنما ذلك لسروره به وإكباره إياه، وهذه زيادة في فضل الشعر وتنبيه على قدره وحسن موقعه من كل نفس، ومن نظر لشعر النبهاني ممن له ذوق وسليقة علم أن الرجل ليس بشعر ولا شويعر ولا ولا، لأنه مفلس من كل فضيلة، وتبين له من نظمه أنه لا يعلمه، وأنه قد زلت به إلى الحضيض قدمه، من ذلك قوله في أول قصيدته وهو أحد المواضع التي يجب التأنق فيها والاعتناء بشأنها: فإن تعن ثعلباً يسطو على أسد ... أو تخذل الليث لا يقوى لثعلبه فانظر إلى قوله: فإن تعن ثعلبا؛ ما أقبح وقعه في هذا المقام، وقد خاطب الملك العلام، وقد رضي أن ينزل هو بمنزلة الثعلب وهو كلب من الكلاب، ويكفيه ذلك سخافة لعقله وفضيحة بين أولي الألباب، ولو أخذنا نناقشه بمثل هذه الكلمات لطال الكلام في هذا المقام وضاع المقصود وفات، وللشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم والصناعات؛ منها ما تثقفه العين، ومنها ما تثقفه الأذن، ومنها ما تثقفه اليد، ومنها ما يثقفه اللسان، من ذلك اللؤلؤ والياقوت لا يعرف بصفة ولا وزن دون المعاينة ممن يبصره، ومن ذلك الجهبذة بالدينار والدرهم لا تعرف جودتهما بلون ولا مس، ولا طراءة ولا دنس، ويعرفه الناقد عند المعاينة فيعرف بهرجها وزائفها، وستوقها ومفرغها ومنه البصر بأنواع المتاع وضروبه وصنوفه مع تشابه لونه ومسه وذرعه واختلاف بلاده، حتى يرد كل صنف منها إلى بلده الذي خرج منه، وكذلك بصر الرقيق، فتوصف الجارية فيقال ناصعة اللون، جيدة الشطب، نقية الثغر، حسنة العين والأنف، لطيفة النهدين، ظريفة اللسان، واردة الشعر، فتكون بهذه الصفة بمائة دينار، أو بمائتي دينار، وتكون أخرى بألف دينار، أو بألفي دينار، ولكن لا يجد واصفها مزيداً على هذه الصفة، وتوصف الدابة فيقال: خفيف العنان، لين الظهر، شديد الحافر، فتي السن، نقي من

стр. 636

العيوب، فيكون بخمسين ديناراً أو نحوها، وتكون أخرى بمائتي دينار أو أكثر، وتكون هذه صفتها أيضاً، ويقال للرجل والمرأة في القراءة والغناء أنه لندي الحلق، طويل الصوت، طويل النفس، مصيب اللحن، ويوصف الآخر أو الأخرى بهذه الصفة وبينهما بون بعيد، يعرف ذلك أهل العلم به عند المعاينة والاستماع بلا صفة ينتهي إليها، ولا علم يوقف عليه، وإن كثرة المدارسة لتعين على العلم به، وكذلك الشعر يعلمه أهل العلم به. وقال بعض الحذاق: ليس للجودة في الشعر صفة، إنما هي شيء يقع في النفس عند المميز، كالفرند في السيف، والملاحة في الوجه. والمقصود أن قصيدة النبهاني التي زعم أنه عارض بها القصيدتين ليست من الشعر في شيء، إنما هي ألفاظ خالية من المعاني، وقد ذكرنا لك بيت قصيده وهو قوله: فإن تعن ثعلباً ... البيت. وهو كلام ليس عليه طلاوة، ولا يدرك له حلاوة، ومعناه معنى مغسول، بل كله حشو وفضول، فقبحه الله وقبح شعره. وما تضمنته قصيدته من إنكار صفة العلو لله تعالى وادعاء جواز الاستغاثة بغير الله تعالى سبق البحث عنه والكلام فيه بما لا مزيد عليه، وسيأتي أيضاً تتمة للكلام عن الاستغاثة إن شاء الله تعالى. قال النبهاني: ومن كتب الإمام ابن تيمية (كتاب العرش) قال في (كشف الظنون) ذكر فيه أن الله يجلس على العرش، وقد أخلى مكاناً يقعد معه فيه رسول الله ﷺ ، كما ذكر ذلك أبو حيان في النهر عند الكلام على قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ١ وقال: قرأت في كتاب العرش لأحمد بن تيمية ما صورته بخطه، انتهت عبارة "كشف الظنون". ثم نقل عن الزبيدي أنه قال في "شرح الإحياء"- عند قول الإمام الغزالي في عقيدته قواعد العقائد- الأصل الثامن: العلم بأن الله تعالى مستوٍ على العرش، قال: قال تقي

стр. 637

الدين السبكي و (كتاب العرش) من أقبح كتب ابن تيمية.. إلخ. ثم نقل نص (جلاء العينين) في تبرئة الحنابلة عن القول بالجسمية، وما نقله العلامة الكوراني في ذلك، ثم اعترض النبهاني على ذلك بما كشف به عن حقيقة جهله، وأنه لم يعرف من العلم شيئاً، ثم هذى هذياناً في هذا الباب كرره عدة مرات. والجواب: أن يقال للنبهاني: هذا المطلب من المطالب العالية، وقد أشبعنا الكلام عليه سابقاً عند الكلام على رسالته التي زعم أنه رد بها على من يقول بصفة العلو، وأن النبهاني ليس من رجال هذا الميدان، وأنه ظالع ولا يدرك الظالع شأو الضليع، وفي (جلاء العينين) كلام أيضاً مفصل في هذا الباب يكتفي بمثله الفطن اللبيب، وفيه نبذة من كلام شيخ الإسلام في (كتاب العرش) وهو الكتاب الذي لم يؤلف مثله في هذا الموضوع وفي ذلك ما يكذب ما نقله النبهاني عن الزبيدي وغيره. والسبكي حاله في النقل معلوم، وهذه كتب شيخ الإسلام في كل فن بين الأيدي والحمد لله، ففي أي كتاب قال: إن الله يجلس على العرش وأنه قد أخلى مكاناً يقعد معه فيه رسول الله ﷺ ؟ وفي أي كتاب رآه أبو حيان من كتب الشيخ. والحاصل: أن مثل هذا النقل يجب على الناقل تصحيحه كما هو مقتضى قوانين المناظرة، وبعد التصحيح نتكلم عليه، وكيف يمكن تصحيحه وكتب الشيخ مصرحة بخلافه كما لا يخفى على من تتبع كتبه وأقواله. قال شيخ الإسلام- قدس الله روحه-: "ما أخبر به الرسول عن ربه فإنه يجب الإيمان به، سواء عرفنا معناه أو لم نعرف، لأنه الصادق المصدوق، فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به وإن لم يفهم معناه، وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها، مع أن هذا الباب يوجد عامته منصوصاً في الكتاب والسنة، متفقاً عليه بين سلف الأمة، وما تنازع فيه المتأخرون نفياً وإثباتاً فليس على أحد، بل ولا له أن يوافق أحداً على إثبات لفظ أو نفيه حتى يعرف مراده، فإن أراد حقاً قبل، وإن أراد باطلاً رد، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يقبل مطلقاً ولم يرد جميع معناه، بل يوقف اللفظ ويفسر المعنى، قال: كما

стр. 638

تنازع الناس في الجهة، فلفظ الجهة قد يراد به شيء موجود غير الله فيكون مخلوقاً كما أريد بالجهة نفس العرش أو نفس السموات، وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى كما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم، ومعلوم أنه ليس في النص إثبات لفظ الجهة ولا نفيه، كما فيه إثبات العلو والاستواء والفوقية والعروج إليه ونحو ذلك، وقد علم أنه ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق مباين للمخلوق ، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، فيقال لمن نفى الجهة: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق فالله ليس داخلاً في المخلوقات، أم تريد بالجهة ما وراء العالم فلا ريب أن الله فوق العالم بائن من المخلوقات، وكذلك يقال لمن قال الله في جهة، أتريد بذلك أن الله فوق العالم أو تريد أن الله داخل في شيء من المخلوقات؟ فإن أردت الأول فهو حق، وإن أردت الثاني فهو باطل، وكذلك لفظ المتحيز إن أراد به أن الله تحوزه المخلوقات قالته أعظم وأكبر، قد وسع كرسيه السموات والأرض، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ١. وقد ثبت في الصحاح عن النبي ﷺ أنه "يقبض الله الأرض ويطوي السموات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض"٢. وفي حديث ابن عباس ﵁: " ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم"٣. وفي حدث آخر: "وأنه ليدحوها كما يدحو الصبيان بالكرة". قال: وإن أراد به أنه منحاز عن المخلوقات أي مباين لها ومنفصل عنها ليس حالاً فيها فهو سبحانه- كما قال أئمة السنة-: فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه، كما ذكره في التدمرية وقال شيخ الإسلام في "التدمرية" أيضاً: أما علوه تعالى ومباينته للمخلوقات فيعلم بالعقل، وأما الاستواء على العرش فطريق العلم به هو السمع، وليس في

стр. 639

الكتاب والسنة وصف له بأنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينه ولا مداخله، فيظن المتوهم أنه إذا وصف بالاستواء على العرش كان استواؤه كاستواء الإنسان على ظهور الفلك والأنعام، كقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ ١ فيتخيل أنه إذا كان مستوياً على العرش كان محتاجاً إليه كحاجة المستوي على الفلك والأنعام، فتعالى الله وتقدس، فهذا خطأ في مفهوم استوائه تعالى على العرش حيث ظن أنه مثل استواء الإنسان، فإنه ليس في اللفظ ما يدل على ذلك، لأنه تعالى أضاف الاستواء إلى نفسه الكريمة كما أضاف إليه سائر أفعاله وصفاته، فذكر أنه خلق ثم استوى كما ذكر أنه قدر فهدى، فلم يذكر استواء مطلقاً يصلح للمخلوق ولا عاماً يتناول المخلوق، كما لم يذكر مثل ذلك في سائر صفاته. وقد علم أنه تعالى الغني عن الخلق، وأنه الخالق للعرش ولغيره، وأن كل ما سواه مفتقر إليه، وهو الغني عن كل ما سواه، فكيف يجوز أن يتوهم أنه تعالى إذا كان مستوياً على العرش كان محتاجاً إليه، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، هل هذا إلا جهل محض وضلال ممن فهم ذلك وتوهمه أو ظنه ظاهر اللفظ أو جوزه على رب العالمين الغني عن الخلق المجيد المتعال؟ انتهى. وقد ذكر في تفسير آية الكرسي- وهو مجلد كبير- مثل ذلك، وهكذا في كثير من كتبه، ولم نر في شيء من كتبه ما نقله النبهاني الأفاك أنه قال إن الله يجلس على العرش وأنه قد أخلى مكاناً يقعد معه فيه رسول الله ﷺ ، بل ولا ذكره أحد ممن ينتمي إليه من تلامذته وأصحابه، كالحافظ ابن القيم، وكتبه ها هي بين الأيدي، وكالحافظ الذهبي وكتبه في البلاد والأقطار منتشرة، وكالحافظ الإمام ابن قدامة، وكالحافظ ابن كثير، وغيرهم ممن لا يحصون كثرة، والعجب ممن لا يلتفت إلى صريح كلامه ونص عبارته، ويعتبر ما يسمعه من أفواه خصومه وأعدائه، كابن حجر المكي والسبكي والزبيدي ونحوهم من الغلاة، وترى هؤلاء

стр. 640

يدافعون عن بعض المتصوفة وقد تكلموا بكلمات الكفر، فيجهدون كل الجهد في تأويلها، ويتعسفون في تصحيحها، ويحتجون على ذلك بأنهم تكلموا أحياناً بما يوافق الحق، حتى أني تكلمت يوماً مع بعض الغلاة فيما قاله صاحب الفصوص والفتوحات من الكلمات المصرحة بالحلول والاتحاد، وذكرت له ما قاله فيها العلامة السعد التفتازاني، والشيخ علي القاري، والشيخ محمد البخاري وغيرهم. فقال: إن هؤلاء لم ينصفوا، فإن صاحب الفصوص قد صرح بعقيدة الإسلام في كثير من كتبه، فمن الواجب أن نصرف ما نسمع من كلامه المخالف للحق إلى ما يوافقه، ونحمله على محمل حسن، كما أولوا قوله: سبحان من أظهر الأشياء وهو عينها؛ أي: عين وجودها الماسك لها، ونحو ذلك صيانة لهؤلاء الكمل من الوقيعة فيهم. فقلت: فما قولك في مسلم يصلي ويصوم ويزكي ويحج البيت وقد تكلم بالكفر هل تؤوّل كلامه وتصرف عنه موجب الكفر؟ أم تقول بما قاله الفقهاء في كتاب الردّة؟ ثم إنكم لم تذبوا عن ابن تيمية وتعتذروا عنه بمثل ما اعتذرتم عن شيخكم، وقد ملأ الكتب من الإيمان بالته ورسوله ﷺ ، وتتشبثون بالقدح فيه بما زوره عليه أئمتكم مما لا وجود له في كتبه ولا كتب أصحابه، فكان من الواجب عليكم أنه إذا ثبت عنه شيء مذكور في كتبه أن تجتهدوا في حمله على محمل حسن، ولم تشتموه كما شتمه أئمتكم وأسلافكم، فلم يجب بشيء وأعرضت عن مكالمته. ثم إن الذي نقلناه عنه مما هو مذكور في كتاب العرش، وتفسير آية الكرسي، والتدمرية، وغير ذلك من كتبه قد قال به السلف، وصرح به كثير من المتأخرين أيضاً. قال الإمام أبو العباس عماد الدين أحمد الواسطي الصوفي المحقق العارف تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية- قدس الله سرهما، وهو الذي قال فيه شيخ الإسلام إنه جنيد زمانه- في رسالته "نصيحة الإخوان" ما حاصله: أن الله كان ولا مكان، ولا عرش ولا ماء، ولا فضاء ولا هواء، ولا خلاء ولا ملاء، وأنه كان منفرداً في قدمه وأزليته، متوحداً في فردانيته، لا يوصف بأنه فوق كذا إذ لا شيء

стр. 641

غيره، وهو تعالى سابق التحت والفوق اللذين هما جهتا العالم، وهو لا زمان له تعالى، وهو تعالى في تلك الفردانية منزه عن لوازم الحدث وصفاته، فلما اقتضت الإرادة المقدسة خلق الأكوان المحدثة المخلوقة المحدودة ذات الجهات اقتضت الإرادة أن يكون الكون له جهات من العلو والسفل، واقتضت الحكمة الإلهية أن يكون الكون في جهة التحت لكونه مربوباً مخلوقاً، واقتضت العظمة الربانية أن يكون هو تعالى فوق الكون باعتبار الكون لا باعتبار فردانيته، إذ لا فوق فيها ولا والرب كما كان في قدمه وأزليته وفردانيته لم يحدث له في ذاته ولا في صفاته ما لم يكن في قدمه وأزليته، فهو الآن كما كان لما أحدث المربوب المخلوق، ذا الجهات والحدود والخلا والملا، ذا الفوقية والتحتية؛ كان مقتضى حكم العظمة والربوبية أن يكون فوق ملكه، وأن تكون المملكة تحته باعتبار الحدوث من الكون لا باعتبار القدم من المكون، فإذا أشير إليه بشيء يستحيل أن يشار إليه من جهة التحتية أو من جهة اليمنة أو من جهة اليسرة، بل لا يليق أن يشار إليه إلا من جهة العلو والفوقية، ثم الإشارة هي بحسب الكون وحدوثه وأسفله، فالإشارة تقع على أعلى جزء من الكون حقيقة، وتقع على عظمة الله تعالى كما يليق به، لا كما يقع على الحقيقة المحسوسة عندنا في أعلى جزء من الكون فإنها إشارة إلى جسم، وتلك إشارة إلى إثبات، إذا علم ذلك فالاستواء صفة كانت له في قدمه، لكن لم يظهر حكمها إلا بعد خلق العرش، كما أن الحساب صفة قديمة لا يظهر حكمها إلا في الآخرة، وكذلك التجلي في الآخرة لا يظهر حكمه إلا في محله. قال: فإذا علم ذلك فالأمر الذي تهرب المتأولة منه- حيث أولوا الفوقية بفوقية المرتبة، والاستواء بالاستيلاء- فنحن أشد الناس هرباً من ذلك، وتنزيهاً للباري تعالى عن الحد الذي لا يحصره، فلا يحد بحد يحصره، بل بحد تتميز به عظمة ذاته عن مخلوقاته، والإشارة إلى الجهة إنما هي بحسب الكون وأسفله، إذ لا تمكن الإشارة إليه إلا هكذا، وهو في قدسه سبحانه منزه عن صفات الحدث،

стр. 642

وليس في القدم فوقية ولا تحتية، وإنما من هو محصور في التحت لا يمكنه معرفة باريه إلا من فوقه، فتقع الإشارة إلى العرش حقيقة إشارة معقولة، وتنتهي الجهات عند العرش، ويبقى ما وراءه لا يدركه العقل ولا يكيفه الوهم، فتقع الإشارة عليه كما يليق به مجملاً مثبتاً لا مكيفاً ممثلاً. قال: فإذا علمنا ذلك واعتقدناه تخلصنا من شبهة التأويل، وعماية التعطيل، وحماقة التشبيه والتمثيل، وأثبتنا علو ربنا وفوقيته، واستواءه على عرشه كما يليق بجلاله وعظمته، والحق واضح في ذلك، والصدر ينشرح له، فإن التحريف تأباه العقول الصحيحة، مثل تحريف الاستواء بالاستيلاء وغيره، والوقوف في ذلك جهل وغي، مع كون الرب وصف نفسه بهذه الصفات لنعرفه بها، فوقوفنا عن إثباتها ونفيها عدول عن المقصود منه في تعريفنا إياها، فما وصف لنا نفسه بها إلا لنثبت ما وصف به نفسه لنا ولا نقف في ذلك. قال: وكذلك التشبيه والتمثيل حماقة وجهالة فمن وفقه الله للإثبات بلا تحريف ولا تكييف ولا وقوف، فقد وقع على الأمر المطلوب منه إن شاء الله تعالى، والله أعلم. انتهى. وذكر شيخ الإسلام في كتابه في العرش كلاماً مفيداً أحببنا نقله في هذا المقام إكمالاً للفائدة ما حاصله: "اختلف في العرش هل هو كري كالأفلاك فيكون محيطاً بها، وأما أدق يكون فوقها وليس هو كرياً، فإن كان الأول فمن المعلوم باتفاق من يعلم أن الأفلاك مستديرة كرية الشكل أن الجهة العليا هي جهة المحيط وهو المحدد، وأن الجهة السفلى هي المركز، وليس للأفلاك إلا جهتان العلو والسفل فقط، وأما الجهات الست فهي للحيوان وليس لها في نفسها صفة لازمة، بل هي بحسب الإضافة فيكون يمين هذا ما يكون يسار هذا، ويكون أمام هذا ما يكون خلف هذا، ويكون فوق هذا ما يكون تحت هذا، لكن جهة العلو والسفل للأفلاك لا تتغير، فالمحيط هو العلو والمركز هو السفل، مع أن وجه الأرض التي وضعها الله للأنام وأرساها بالجبال هو الذي عليه الناس، والبهائم، والشجر، والنبات، والجبال، والأنهار الجارية. فأما الناحية الأخرى من الأرض فالبحر

стр. 643

محيط بها، وليس هناك شيء من الآدميين وما يتبعهم، ولو قدر أن هناك أحد لكان على ظهر الأرض ولم يكن من في هذه الجهة تحت من في هذه الجهة، ولا من في هذه تحت من في هذه، كما أن الأفلاك محيطة بالمركز، وليس أحد جانبي الفلك تحت الآخر، ولا القطب الشمالي تحت القطب الجنوبي ولا بالعكس. وإن كان الشمالي هو الظاهر لنا فوق الأرض وارتفاعه بحسب بعد الناس عن خط الاستواء، فما كان بعده عن خط الاستواء ثلاثين درجة مثلاً كان ارتفاع القطب عنده ثلاثين درجة، وهو الذي سمى عرض البلد. فإذا قدر أن العرش مستدير محيط بالمخلوقات كان هو أعلاها وسقفها، وهو فوقها مطلقاً، فلا يتوجه الإنسان إليه وإلى ما فوقه إلا من العلو من جهاته الباقية، ومن توجه إلى الفلك التاسع أو الثامن أو غيره من غير جهة العلو كان جاهلاً باتفاق العقلاء، فكيف بالتوجه إلى العرش أو إلى ما فوقه، وغاية ما يقدر أن يكون كري الشكل، والله تعالى محيط بالمخلوقات كلها إحاطة تليق بجلاله، فإن السموات السبع والأرض في يده أصغر من الحمصة في يد أحدنا. قال ابن عباس ﵄: "ما السموات السبع وما فيهن وما بينهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم". وهذا الأثر وأمثاله معروف في كتب الحديث. قال شيخ الإسلام: ومن المعلوم أن الواحد منا- ولله المثل الأعلى- إذا كان عنده خردلة إن شاء قبضها فأحاطت بها قبضته، وإن شاء لم يقبضها بل جعلها تحته، فهو في الحالين مباين لها، والعرش- سواء كان هذا الفلك التاسع الذي هو الفلك الأطلس عند الفلاسفة ويسمونه الفلك الأعظم وفلك الأفلاك، أو كان جسماً محيطاً بالفلك التاسع أو كان فوقه من جهة وجه الأرض- غير محيط فيجب على كل حال أن يعلم أن العالم العلوي والسفلي بالنسبة إلى الخالق

стр. 644

في غاية الصغر، كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ١. وفي ذلك من الأحاديث ما سيأتي ذكر بعضها، وسواء قدر أن العرش محيط بالمخلوقات كإحاطة الكرة بما فيها، أو قيل إنه فوقها وليس محيطاً بها كوجه الأرض الذي نحن عليه بالنسبة إلى جوفها وكالقبة بالنسبة إلى ما تحتها، أو غير ذلك، فعلى التقديرين يكون العرش فوق المخلوقات والخالق فوقه، والعبد في توجهه إلى الله يقصد العلو دون التحت". ثم قال شيخ الإسلام في آخر (كتاب العرش) : "قد تبين أنه أعظم وأكبر من أن تكون المخلوقات عنده بمنزلة داخل الفلك في الفلك، وأنها أصغر عنده من الحمصة أو الفلفلة ونحو ذلك في يد أحدنا، فإذا كانت الحمصة أو الفلفلة بل الدرهم والدينار والكرة التي يلعب بها الصبيان ونحو ذلك في يد إنسان أو تحته أو نحو ذلك هو يتصور عاقل- إذا استشعر علو الإنسان على ذلك وإحاطته به- أن يكون الإنسان كالفلك، فالله تعالى- وله المثل الأعلى- أعظم من أن يظن ذلك به، وإنما يظنه الذين لم يقدروا الله حق قدره، والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه، سبحانه وتعالى عما يشركون" انتهى. وقد تبين من هذه النقول أن البحث دقيق، فلهذا لم يفهمه كثير من أهل العلم فضلاً عن النبهاني، فكلامه الذي اقتضى إعادة القول، فاللوم عليه لا علينا، والله الموفق. هذا آخر الجزء الأول من كتاب (غاية الأماني في الرد على النبهاني) ونسأله تعالى التوفيق لإكماله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله. (وكان الفراغ منه على يد مؤلفه في رمضان سنة ١٣٢٥) .

стр. 645

عودة إلى الكلام على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ... ضبة ثم من بني حميس: ألا تنهى سراة بني حميس ... شويعرها فويلية الأفاعي فسماه شويعراً، وفالية الأفاعي، دويبة فوق الخنفساء، فصغرها أيضاً تحقيراً له. وزعم الحاتمي أن النابغة سئل من أشعر الناس؟ فقال: من استجيد جيده وأضحك رديه. وهذا كلام يستحيل مثله عن النابغة لأنه إذا أضحك رديه كان من سفلة الشعراء إلا أن يكون في الهجاء خاصة. وقال الحطيئة يصف صعوبة الشعر: الشعر صعب وطويل سلمه ... إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه زلت به إلى الحضيض قدمه ... يريد أن يعربه فيعجمه وإنما سمي الشاعر شاعراً لأنه يشعر بما لا يشعر له غيره، وإذا لم يكن عند الشاعر توليد معنى ولا اختراعه ولا استطراف لفظ وابتداعه ولا زيادة فيما أجحف به غيره من المعاني أو نقص مما أطاله سواه من الألفاظ أو صرف معنى إلى وجه عن وجه آخر كان اسم الشاعر عليه مجازاً لا حقيقة، ولم يكن له إلا فضل الوزن، وليس هو بفضل مع التقصير. ولقي رجل آخر فقال له الشعراء ثلاثة: شاعر، وشويعر، وماص بظر أُمهِ، فأيهم أنت؟ قال: أما أنا فشويعر، واختصم أنت وامرؤ القيس في الباقي. وقال بعضهم: الشعر شعران؛ جيد محكك وردي مضحك، س ولا شيء أثقل من الشعر الوسط والغناء الوسط. ويقال: إن الشعر كالبحر أهون ما يكون على الجاهل، أهول ما يكون على العالم، وأتعب أصحابه قلباً من عرفه حق معرفته، وأهل صناعة الشعر أبصر بها من العلماء بالله من نحو وغريب، ومثل وخبر، وما أشبه ذلك، ولو كانوا دونهم بدرجات فكيف أن قاربوهم أو كانوا منهم وقيل للمفضل الضبي: لم لا تقول الشعر وأنت أعلم الناس به؟ قال: علمي

стр. 646

المجلد الثاني فاتحة الجزء الثاني ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حمداً لك اللهم مكان كل نعمة لك علينا، وعلى جميع عبادك الماضين والباقين، عدد ما أحاط به علمك من جميع الأشياء، ومكان كل واحدة منها عددها أضعافاً مضاعفة أبداً سرمداً إلى يوم القيامة. حمداً لا منتهى لحده، ولا حساب لعده، ولا مبلغ لغايته، لنتوسل به إلى طاعتك وعفوك، ونتسبب به إلى رضوانك، ونتخذه ذريعة إلى مغفرتك، وطريقاً إلى جنتك، وخفيراً من نقمتك، وأمناً من غضبك، وظهيراً على طاعتك، وحاجزاً عن معصيتك، وعوناً على تأدية حقك. اللهم وأوصل صلة صلواتك ونوامي بركاتك إلى من أرسلته رحمة للعالمين، ونقمة على الزائغين، حتى ظهر أمرك، وعلت كلمتك، ولو كره المشركون. اللهم وأوصل مثل ذلك إلى آله الكرام والأصحاب، والجند والأحزاب، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد؛ فلما منَّ الله تعالى بفضله وتوفيقه إلى إكمال النصف الأول من كتاب (غاية الأماني) بادرنا- بعد الاستعانة به سبحانه- إلى الشروع في النصف الثاني، وهو الكلام على الباب الخامس فما بعده إلى آخر الأبواب التي ذكرها الخصم في كتابه، ولم يراقب فيها موقفه يوم الحساب، وقد سلكنا في هذا المقام نحو ما سلكناه أولاً من الإنصاف، ولم نخرج- وله سبحانه الحمد- عن سواء السبيل حسبما عودنا عليه من الإلطاف، ومنه سبحانه الهداية. قال النبهاني في الباب الخامس من كتابه، وهو الباب الذي عقده في الكلام

стр. 647

على كتابة (إغاثة اللهفان) لابن القيم، و (الصارم المنكي في الرد على السبكي) و (جلاء العينين في المحاكمة بين الأحمدين) وعقد للكلام على كل من هذه الثلاثة فصلاً، وقدم الكلام على (إغاثة اللهفان) ونقل عبارته التي ذكرها في الزيارة المبتدعة، وما يفعله القبوريون من الأعمال الشركية التي ما أنزل الله بها من سلطان، وبعد ختام عبارته نقل عبارة القسطلاني المتعلقة بالإغراء على الزيارة المبتدعة ليستدل بها على غلوه، وبعد أدت نقلها- قال: "هذا ما أردت نقله هنا من كلام هذا الإمام، قال: وذكر ﵀ أحاديث وفوائد نفيسة تتعلق بزيارته ﷺ والاستغاثة به، وفضل المدينة المنورة، فليراجعها من شاءها. ثم قال: فانظر رحمك الله إلى هذا النور، وهذا الهدى، وهذا الحق الظاهر المشرق الجلي؛ تعلم شدة الظلام المستولي على أولئك المبتدعين، وأنت إذا قابلتَ بين كلام القسطلاني وكلام ابن القيم يظهر لك كمال الفرق بين الباطل والحق" إلخ. أقول في جوابه: إن حاصل انتقاده هذا على كتاب (إغاثة اللهفان) أن ما فيه من الكلام على الزيارة المبتدعة والمنع منها مخالف لما نقله عن القسطلاني، وكفى بذلك دليلاً على الفساد، وأنت تعلم مما قدمناه أن مدار الاستدلال إنما هو على الكتاب والسنة لا بأقوال الغلاة، وقد استوفينا الكلام على أقسام الزيارة فيما نقلناه سابقاً عن أئمة أهل العلم والدين، وأن النبهاني- لامتلاء قلبه من ظلمات البدع والأهواء- لم يزل يكرر ما يهواه، كما هو شأن من أحب شيئاً فإنه يلهج بذكره، وعليه قول القائل: أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل طريق ولما استولت على قلبه محبة الإشراك بالله تعالى والغلو بالصالحين تراه يسرح في أودية الضلال، وكلما رأى ما يوافق هواه بادر إلى نقله، أو رأى ما يوافق الحق ويقتضيه الدين المبين بادر إلى شتم قائله وتضليله بل وتكفيره، وعلى ذلك بنى بنياته، وأقام برهانه، وألف كتابه، وفصل خطابه، وكلما وجهت إليه لوماً

стр. 648

ازداد بباطله غراماً: وذي سفه يواجهني بجهل ... فأكره أن أكون له مجيباً يزيد سفاهة فأزيد حلماً ... كعود زاده الإحراق طيباً وحاله هذا حال إخوانه وسلفه، إذ حكى الله تعالى عنهم ما حكى في كتابه الكريم، قال عز من قائل: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ ١ ولنضرب عن كلامه هنا صفحاً اكتفاء بما سبق منا.

стр. 649

[الكلام على كتاب "إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان" لابن القيم] وكتاب "إغاثة اللهفان في مصائد الشيطان " هو كتاب مشهور من كتب السنة، أودعه مؤلفه رحمة الله مهمات المطالب، وأبطل به حبائل الشيطان ومصائده، ودسائسه ومكائده، فلا بد إن نفرت منه جنوده، واضطربت منه أعوانه وأولياؤه، والله لا يصلح عمل المفسدين. قال النبهاني في فصل ذكره بعد كلامه السابق: وليت ابن القيم زاد في كتابه المذكور فصلاً قال فيه: ومن مصائده أنه يسول إلى بعض العلماء الغلو في الدين، ويحسن تضليل المسلمين بالاستغاثة والزيارة لقبور الأنبياء والصالحين، ويدخل عليهم بحيله الشيطانية، أن في ذلك شركاً برب العالمين، والأمر على خلاف ما أوحاه إليهم هذا اللعين، فقد أضر بهم ضرراً فاحشاً في الدين، إلى آخر هذيانه. جوابه أن يقال: من قبل من يوحد الله ولا يشرك بعبادته أحداً- اخسأ يا عدو الله؛ إن الله لا يأمر بالفحشاء والمنكر والبغي، والذي أضر بالمسلمين عبادتهم للقبور، وتلاعبهم بما يعملون في المشاهد والزوايا من المنكرات، وأعراضهم عما استوجبته شريعتهم من اكتساب ما يستوجب السعادتين، فيا أيها الداعي لعبادة

стр. 650

غير الله تعالى كلامك هذا دل عليك أنك من جند إبليس، بل قد ارتقى بك الحال حتى صار إبليس من جندك، كما قيل في أخيك ومن يشابهك ويضاهيك: وكان فتى من جند إبليس فارتقى به الحال حتى صار إبليس من جنده فنحن بحمد الله لم نزل ممتثلين لما ورد من الأوامر في الشريعة الغراء، منتهين عما نهى الله عنه ورسوله وسائر الأنبياء، لا ندعو غير الله، ولا نسأل في المهمات سواه ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١. فنحن عند المهمات نقول: اللهم يا من تحل به عقد المكاره، ويا من يسكن به حد الشدائد، ويا من يلتمس منه المخرج إلى روح الفرج، ذلت لقدرتك الصعاب، وتسببت بلطفك الأسباب، وجرى بقدرتك القضاء، ومضت على إرادتك الأشياء، فهي بمشيئتك دون قولك مؤتمرة، وبإرادتك دون نهيك منزجرة، أنت المدعو للمهمات، وأنت المفزع في الملمات، لا يندفع منها إلا ما دفعت، ولا ينكشف منها إلا ما كشفت، فلا مصدر لما أوردت، ولا صارف لما وجهت، ولا فاتح لما أغلقت، ولا مغلق لما فتحت، ولا ميسر لما عسرت، ولا ناصر لمن خذلت. وحيث أن ما ذكره النبهاني هو وحي شيطاني، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ ٣ وجب أن نستعيذ منه، فإن شياطين الإنس أشد ضرراً من شياطين الجن. فنقول: اللهم إنا نعوذ بك من نزغات الشيطان الرجيم ومكائده، ومن الثقة بأمانيه ومواعيده، وغروره ومصائده، وأن يطمع نفسه في إضلالنا عن طاعتك، وامتهاننا بمعصيتك، وأن يحسن عندنا ما حسن لنا، وأن يثقل علينا ما كره إلينا، اللهم اخسأه عنا بعبادتك، واكبته بجدنا في محبتك، واجعل بيننا وبينه ستراً لا يهتكه، وردماً مصمتاً لا يفتقه، اللهم أشغله عنا ببعض

стр. 651

أعدائك، واعصمنا منه بحسن رعايتك، واكفنا خطره، وولنا ظهره، واقطع عنا أثره، اللهم ومتعنا من الهدى بمثل ضلالته، وزودنا من التقوى ضد غوايته، واسلك بنا من التقى خلاف سبيله من الردى، اللهم لا تجعل له في قلوبنا مدخلاً، ولا توطن له فيما لدينا منزلاً، اللهم وما سوَّل لنا من باطل فعرفناه، وإذا عرفتنا فقناه وبصرنا ما نكايده به، وألهمنا ما نعده له، وأيقظنا عن سنة الغفلة بالركون إليه، وأحسن بتوفيقك عوننا عليه، اللهم وأشرب قلوبنا إنكار علمه، وألطف لنا في نقض حيله، وحول سلطانه عنا، واقطع رجاءه منا، واذرأه عن الولوع بنا، واجعلنا. منه في حرز حارز، وحصن حافظ، وكهف مانع، وألبسنا منه جنناً واقية، وأعطنا عليه أسلحة ماضية، اللهم واعمم بذلك من شهد لك بالربوبية، وأخلص لك بالوحدانية، وعاداه لك بحقيقة العبودية، واستظهر بك عليه في معرفة العلوم الربانية، اللهم احلل ما عقد، وافتق ما رتق، وافسخ ما دبر، وثبطه إذا عزم، وانقض ما أبرم، اللهم واهزم جنده، وأبطل كيده، واهدم كهفه، وأرغم أنفه، اللهم اجعلنا في نظم أعدائه، واعزلنا عن عداد أوليائه، لا نطيع له إذا استهوانا، ولا نستجيب له إذا دعانا، نأمر بمناواته من أطاع أمرنا، ونعظ بمتابعته من اتبع زجرنا، اللهم وأعذنا مما استعذنا منه، وأجرنا مما استجرنا بك من خوفه، واسمع لنا ما دعونا به، وأعطنا ما أغفلناه، واحفظ لنا ما نسيناه، وصيرنا بذلك في درجات الصالحين ومراتب المؤمنين، آمين يا رب العالمين. ثم إن ما نُسِبَ إلى الأولياء مما يحبه ويهواه من الباطل والضلال سنتكلم عليه إن شاء الله، ونبطل دعواه فيه، ولاسيما ما نسب للشيخ عبد القادر وسنذكر من كلامه ما يدل على أنه كان أحرص الناس على التوحيد. وتعبيره عن المسلمين- الذين أخلصوا وجوههم لله- بالألقاب المستكرهة هو من خصال أهل الجاهلية من المشركين والكتابيين، فلقَّب أهل الهدى تارة بالوهابية، وأخرى الحشوية، ومرة بالمجسمة، كما كان أسلافه يسمون من خرج عن دينهم بالصابي، وسموا رسول الله ﷺ صابئياً، كما ورد ذلك في عدة أحاديث صحيحة، تنفيراً للناس عن اتباع غير سبيلهم، وهكذا تجد كثيرا من هذه الأمة

стр. 652

يطلقون على من خالفهم في بدعهم وأهوائهم أسماء يكرهها الناس، ويستبشعها العوام، وجميع ما ذكر النبهاني في هذا المقام مما يتعلق بالسفر إلى الزيارة والاستغاثة بغير الله قد مر الكلام على إبطاله. قال النبهاني في الرد على ما منعه ابن القيم من ضرب المثل بالملك وقضاء حاجات المستشفعين له بوزرائه وخواصه لله تعالى في قضاء حاجات المشتفعين له بأنبيائه وعباده الصالحين، وبعد نقل منعه، قال النبهاني: ومنعه ممنوع، لأن ذلك من قبيل التشبيه، وهو واقع في القرآن بقوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ ١. إلى أن قال: وإنما حمل ابن القيم على منعه الإطالة في تهجينه كون ذلك يفيد جواز الاستغاثة بخواص عبيده المقربين، من الأنبياء والصالحين. ثم نقل لابن القيم عبارة ذكرها في "جلاء الأفهام في الصلاة على خير الأنام" في الفائدة التاسعة والثلاثين من فوائده، مما يفيد بزعمه تشبيه الخالق بالمخلوق، ونقل عن القسطلاني والشعراني وعلى الخواص وغيرهم ما يفيد أيضاً جواز قياس الخالق على المخلوق وتشبيهه بخلقه. جوابه: أن النبهاني هذا قد لبس في هذه المسألة وحرّف وأوهم، فلزم نقل عبارة ابن القيم أولاً وما يوافقها، ثم الكلام على باطل النبهاني وجهله. فنقول: قال الحافظ ابن القيم في كتابه "إغاثة اللهفان"٢ في فصل الفرق بين زيارة الموحدين للقبور وزيارة المشركين: "أما زيارة الموحدين فمقصودها ثلاثة أشياء: أحدها: تذكر الآخرة والاعتبار والاتعاظ، ص وقد أشار النبي ﵇ إلى ذلك لقوله: "زوروا القبور فإنها تذكركم بالآخرة".

стр. 653

الثاني: الإحسان إلى الميت، وأن لا يطول عهده به فيهجره ويتناساه، كما إذا ترك زيارة الحي مدة طويلة تناساه، فإذا زار الحي فرح بزيارته وسر بذلك،. فالميت أولى، لأنه قد صار في دار قد هجر أهلها إخوانهم وأهله ومعارفهم، فإذا زاره وأهدى إليه هدية من دعاء أو صدقة أو إهداء قربة ازداد بذلك سروره وفرحه كما يسر الحي بمن يزوره ويهدي له، ولهذا شرع النبي ﷺ للزائر أن يدعو لهم، ولا يدعو بهم ولا يصلي عندهم. الثالث: إحسان الزائر إلى نفسه بإتباع السنة والوقوف عند ما شرعه الرسول ﵇، فيحسن إلى نفسه وإلى المزور. وأما الزيارة الشركية؛ فأصلها مأخوذ من عُبّاد الأصنام. قالوا: الميت المعظّم الذي لروحه قرب ومنزلة ومزية عند الله تعالى لا يزال تأتيه الألطاف من الله تعالى، وتفيض على روحه الخيرات، فإذا علق الزائر روحه به وأدناها منه فاض من روح المزور على روح الزائر من تلك الألطاف بواسطتها كما ينعكس الشعاع من المرآة الصافية والماء ونحوه على الجسم المقابل له. قالوا: فتمام الزيارة أن يتوجه الزائر بروحه وقلبه إلى الميت، ويعكف بهمته عليه، ويوجه قصده كله وإقباله عليه، بحيث لا يبقى فيه التفات إلى غيره، وكلما كان جمع الهمة والقلب عليه أعظم كان أقرب إلى انتفاعه به. وقد ذكر هذه الزيارة على هذا الوجه ابن سينا والفارابي وغيرهما، وصرح بها عباد الكواكب في عبادتها. وقالوا: إذا تعلقت النفس الناطقة بالأرواح العلوية فاض عليها منها النور، وبهذا السر عبدت الكواكب، واتخذت لها الهياكل، وصنفت لها الدعوات، واتخذت الأصنام المجسدة لها. وهذا بعينه هو الذي أوجب لعباد القبور اتخاذها أعيادا، وتعليق الستور عليها، وإيقاد السرج عليها، وبناء المساجد عليها، وهو الذي قصد رسول الله ﷺ إبطاله ومحوه بالكلية وسد الذرائع المفضية إليه، فوقف المشركون في طريقه، وناقضوه في قصده، وكان ﷺ في شق، وهؤلاء في شق وهذا الذي ذكره هؤلاء

стр. 654

المشركون في زيارة القبور هو الشفاعة التي ظنوا أن آلهتهم تنفعهم بها وتشفع لهم عند الله تعالى. قالوا: فإن العبد إذا تعلقت روحه بروح الوجه المقرب عند الله وتوجه بهمته إليه وعكف بقلبه صار بينه وبينه اتصال يفيض به عليه منه نصيب مما يحصل له من الله، وشبهوا ذلك بمن يخدم ذا جاه وحظوة وقرب من السلطان، فهو شديد التعلق به، فما يحصل لذلك من السلطان من الإنعام والإفضال ينال ذلك المتعلق به بحسب تعلقه به. فهذا سر عبادة الأصنام، وهو الذي بعث الله رسله وأنزل كتبه بإبطاله، وتكفير أصحابه ولعنهم، وأباح دماءهم وأموالهم وسبي ذراريهم، وأوجب لهم النار، والقرآن من أوله إلى آخره مملوء من الرد على أهله وإبطال مذهبهم". ثم سرد عدة آيات ونصوص من ذلك، وتبين منها أن المشركين إنما عبدوا من عبدوا بسبب اتخاذ من سوى الله وسائط بينهم وبينه، فإذا أشرك بهم المشرك واتخذهم شفعاء من دونه ظناً منه أنه إذا فعل ذلك تقدموا وشفعوا له عند الله فهو من أجهل الناس بحق الرب وما يجب له وما يمتنع عليه، فإن هذا ممتنع، إذ كيف يقاس الرب تعالى على الملوك والكبراء، حيث يتخذ الرجل من خواصهم وأوليائهم من يشفع له عندهم في الحوائج؟ وبهذا القياس الفاسد عبدت الأصنام، واتخذ المشركون من دون الله الشفيع والولي، والفرق بينهما هو الفرق بين المخلوق والخالق، والرب والعبد، والمالك والمملوك، والغني والفقير، والذي لا حاجة به إلى أحد قط، والمحتاج من كل وجه إلى غيره، فالشفعاء عند المخلوقين هم شركاؤهم، فإن قيام مصالحهم بهم، وهم أعوانهم وأنصارهم الذين قيام الملوك والكبراء بهم، ولولاهم لما انبسطت أيديهم وألسنتهم في الناس، فلحاجتهم إليهم يحتاجون إلى قبول شفاعتهم وإن لم يأذنوا فيها ولم يرضوا عن الشافع، لأنهم يخافون أن يردوا شفاعتهم فتنقص طاعتهم لهم ويذهبون إلى غيرهم، فلا يجدون بداً من قبول شفاعتهم على الكره والرضى، فأما الغنى الذي

стр. 655

غناه من لوازم ذاته وكل ما سواه فقير إليه بذاته وكل من في السموات والأرض عبيد له مقهورون بقهره مصرَّفون بمشيئته لو أهلكهم جميعاً لم ينقص من عزه وسلطانه وملكه وربوبيته وإلهيته مثقال ذرة. ثم ذكر الدلائل القرآنية على ذلك مما يطول ذكره فراجع كتابه وهو بين الأيدي. فتبين مما نقلناه من عبارته ما لبس به النبهاني وحذف ليروج غرضه الفساد، وهو اتخاذ الوسائط بينه وبين الله بناء على ما جوزه من قياس الخالق على المخلوق، وعلى كلامه الفاسد ينبغي أن تجوز كل عبادة لله أن تجعل لغيره، ويقال إنه واسطة كما أن الوزير واسطة بين الناس وبين الملك. هذا الذي ذكره ابن القيم قد سبقه به شيخه، وذكر مثله في مواضع، منها ما قاله في رسالة الواسطة حيث نص فيها: أن من أراد بالواسطة أنه لا بد من واسطة في جلب المنافع ودفع المضار -مثل أن يكون واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم يسألونه ذلك ويرجعون إليه فيه- فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين، حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء يجتلبون بهم المنافع ويدفعون بهم المضار، لكن الشفاعة لمن يأذن الله له فيها حق، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ١. وذكر نصوصاً أخر، إلى أن قال: "ومثل هذا كثير في القران، ومن سوى الأنبياء -من مشايخ العلم والدين- فمن أثبتهم وسائط بين الرسول وأمته يبلغونهم ويعلمونهم ويؤدبونهم ويقتدون بهم؛ فقد أصاب في ذلك، وهؤلاء إذا أجمعوا فإجماعهم حجة قاطعة لا يجتمعون على ضلالة، وإن تنازعوا في شيء رُدَّ إلى الله والرسول، إذ الواحد منهم ليس بمعصوم على الإطلاق، بل كل واحد من الناس يؤخذ من كلامه ويترك إلا رسول الله ﷺ ، وقد قال ﵊: "العلماء ورثة الأنبياء، فإن الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظّ وافر"٢. وإن أثبتهم وسائط بين الله وبين

стр. 656

خلقه كالحُجّاب الذين بين الملك ورعيته -بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه، فالله إنما يهدي عباده ويرزقهم بتوسطهم، فالخلق يسْأَلُونهم هم يَسألون الله، كما أن الوسائط عند الملك يسألون الملك الحوائج للناس لقربهم منه، والناس يسألونهم أدباً منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك لكونهم أقرب من الطالب للحوائج- فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك، يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. وهؤلاء مشبهون لله شبهوا المخلوق بالخالق، وجعلوا لله أنداداً قال: وفي القرآن من الرد على هؤلاء ما لا تتسع له هذه الفتوى، فإن الوسائط التي بين الملوك وبين الناس يكونون على أحد وجوه ثلاثة: إما لإخبارهم من أحوال الناس بما لا يحرفونه، ومن قال إن الله تعالى لا يعلم أحوال عباده حتى يخبره بها بعض الملائكة أو الأنبياء أو غيرهم فهو كافر، بل هو سبحانه يعلم السر وأخفى، ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وهو السميع البصير، يسمع ضجيج الأصوات، باختلاف اللغات على تفنن الحاجات، لا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين. والوجه الثاني: "أن يكون الملك عاجزاً عن تدبير رعيته ودفع أعدائه إلا بأعوان يعينونه، فلا بد له من أنصار وأعوان لذله وعجزه، والله سبحانه ليس له ظهير ولا ولي من الذل، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ

стр. 657

شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ ١. وكل ما في الوجود من الأسباب فهو خالقه وربه ومليكه، فهو الغني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، بخلاف الملوك المحتاجين إلى ظهرائهم وهم في الحقيقة شركاؤهم في الملك، والله تعالى ليس له شريك في الملك، بل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. والوجه الثالث:- أن يكون الملك ليس مريداً لنفع رعيته والإحسان إليهم ورحمتهم إلا بمحرك يحركه من خارج، فإذا خاطب الملك من ينصحه ويعظه، أو من يدل عليه، بحيث يكون يرجوه ويخافه؛ تحركت إرادة الملك وهمته في قضاء حوائج رعيته، إما لما حصل في قلبه من كلام الناصح الواعظ المشير، وإما لما يحصل له من الرغبة والرهبة من كلام المدل عليه، والله تعالى هو رب كل شيء ومليكه، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وكل الأشياء إنما تكون بمشيئته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو إذا أجرى نفع العباد بعضهم على بعض فجعل هذا يحسن إلى هذا أو يدعو له ويشفع فيه ونحو ذلك فهو الذي خلق ذلك كله، وهو الذي خلق في قلب هذا المحسن الداعي الشافع من إرادة الدعاء والإحسان والشفاعة، ولا يجوز أن يكون في الوجود من يكرهه على خلاف مراده أو يعلمه ما لم يكن يعلم، أو من يرجوه الرب ويخافه، ولهذا قال النبي ﷺ : "لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت؛ ولكن ليعزم المسألة، فإن الله لا مكره له " ٢. والشفعاء الذين يشفعون عنده لا يشفعون إلا بإذنه- وذكر الآيات الدالة على ذلك- إلى أن قال: فبيَّنَ أن كل من دُعِيَ من دونه ليس له نصيب ولا شرك في الملك، ولا هو ظهير، وإن شفاعتهم لا تنفع إلا لمن أذن له، وهذا بخلاف الملوك، فإن الشافع عندهم قد يكون له ملك، وقد يكون شريكاً لهم في الملك، وقد يكون مظاهراً لهم معاوناً لهم على ملكهم، وهؤلاء يشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك وهم وغيرهم، والملك يقبل شفاعتهم تارة

стр. 658

لحاجته إليهم، وتارة لخوفه منهم، وتارة لجزاء إحسانهم إليه ومكافآتهم لإيفائهم عليه، حتى أنه يقبل شفاعة ولده وزوجته، لذلك فإنه محتاج إلى الزوجة وإلى الولد، حتى لو أنه أعرض عنه زوجته وولده لتضرر بذلك، ويقبل شفاعة ملوكه فإنه إذا لم يقبل شفاعته خاف أن لا يطيعه أو أن يسعى في ضرره، وشفاعة العباد بعضهم عند بعض كلها من هذا الجنس، فلا يقبل أحد شفاعة أحد إلا لرغبته أو رهبته، فالله تعالى لا يرجو أحدا ولا يخافه ولا يحتاج إلى أحد، بل هو الغني"١. واستشهد بنصوص كثيرة على ذلك وأطنب في الكلام. فتبين مما نقلناه؛ أن قياس الخالق على المخلوق في غاية الفساد، بل هو قياس مع الفارق من وجوه كثيرة، ومنه يعلم سقوط كلام النبهاني الغبي، وأنه لا يعلم من فن الأصول شيئاً أصلاً، ولا عرف باب القياس ولا دراه. وأما قوله بعد زكره منع ابن القيم: وممنوع. اإلخ. فهي عبارة تدل على أنه لم يمارس شيئاً من العلوم، ولا قرأ ما يقرؤه المبتدئون في طلب العلم، وهو علم آداب البحث والمناظرة، إذ لو شم رائحته لعلم أن المنع لا يمنع، إذ من قواعده أن منع المنع ومنع ما يؤيده لا يفيد، ولولا أن هذه القاعدة من أشهر مسائل هذا الفن لتكلمنا عليها بكلام أكثر من ذلك. فالحمد لله الذي جعل أعداء الحق وخصماء السنة من أجهل الناس بما يوجب السعادة، وأضلهم عن سواء السبيل. وأما ما نقله من الفائدة عن كتاب "جلاء الأفهام" وزعم أنها تناقض ما ذكره ابن القيم في إغاثته من الرد على من قاس الخالق على المخلوق؛ فنقول: ليس الأمر كما زعم، ولا مخالفة بين العبارتين، ومن نقل الفائدة بنصها يتبين ما قلناه من أن النبهاني غالط في كلامه، فقد قال ابن القيم في الكتاب المذكور بعد أن عد تسعاً وثلاثين فائدة ما نصه:

стр. 659

"الأربعون: أن الصلاة عليه ﷺ من العبد هي دعاء، ودعاء العبد وسؤاله من ربه نوعان: أحدهما: سؤاله حوائجه ومهماته وما ينوبه في الليل والنهار، فهذا دعاء وسؤال وإيثار لمحبوب العبد ومطلوبه. والثاني: سؤاله أن يثني على خليله وحبيبه، ويزيد في تشريفه وتكريمه، وإيثاره ذكره ورفعه، ولا ريب أن الله تعالى يحب ذلك ورسوله، وآثر ذلك على طلبه حوائجه ومحابه هو، بل. كان هذا المطلوب من أحب الأمور إليه وأثرها عنده، فقد اثر ما يحبه الله ورسوله ﷺ على ما يحبه هو، فقد آثر الله ومحابه على ما سواه، والجزاء من جنس العمل، فمن اثر الله على غيره أثره الله على غيره، واعتبر هذا بما تجد الناس يعتمدونه عند ملوكهم ورؤسائهم إذا أرادوا التقرب إليهم والمنزلة عندهم، فإنهم يسألون المطاع أن ينعم على من يعلمونه أحب رعيته إليه، وكلما سألوه أن يزيد في حبائه وإكرامه وتشريفه علت منزلتهم عنده وازداد قربهم منه وحظوتهم، لأنهم يعلمون منه إرادة الإنعام والتشريف والتكريم لمحبوبه، فأحبهم إليه أشدهم له سؤالاً ورغبة أن يتم عليه إنعامه وإحسانه، هذا أمر مشاهد بالحس ولا يكون منزلة هؤلاء ومنزلة من يسأل المطاع حوائجه هو، وهو فارغ من سؤاله تشريف محبوبه والإنعام عليه واحدة، فكيف بأعظم محب وأجله لأكرم محبوب وأحقه بمحبة ربه له؟ ولو لم يكن من فوائد الصلاة عليه إلا هذا المطلوب وحده لكفى المؤمن به شرفاً" ١ إلخ. هذه هي عبارة "جلاء الأفهام" وهي الفائدة الأربعون لا التاسعة والثلاثون كما وهم النبهاني، وأنت تعلم أن ما أسقطه ولم ينقله شيء كثير، والذي حذفه هو الذي يوضح المسألة، وهكذا شأنه يحذف ما عليه وينقل ما لا فائدة له فيه. وابن القيم ﵀ أجل من أن يتكلم بما يخالف الكتاب والسنة وما كان

стр. 660

عليه السلف، وكلامه يصدق بعضه بعضاً، ويبين بعضه بعضاً فما ذكره في إغاثته من منع اتخاذ الوسائط في الالتجاء إليه تعالى والعبادة والتوكل والنذر وغير ذلك لم يتكلم بخلافه في كتاب من كتبه، فلا يجوز أن يطلب الرزق من مخلوق ويقصد جعله واسطة في حصول رزقه، ولا أن يطلب كشف الضر أو تحويله من ملك أو بشر بقصد أن يكونوا وسائط عند الله في هذا المرام كما يستشفع بالوسائط عند الملوك والأكابر، لما سبق أن هذا قياس مع الفارق وأن اتخاذ الوسائط إلى الله فيما لا يقدر عليه إلا الله هو شرك المشركين، وهو الذي أرسل الله لمحوه الأنبياء والمرسلين، وما ذكره في "جلاء الأفهام" من أن سؤال الرب سبحانه أن يثني على رسوله ويشرفه ويتعطف عليه هو آثر عنده من أن يطلب السائل شيئاً لنفسه. ثم لتوضيح المسألة قال: "واعتبر ذلك بما تجد الناس يعتمدونه عند ملوكهم".. إلخ. أي: قِسْ سؤال الله أن يتفضل على خليله وحبيبه وأنه آثر من السؤال أن يتفضل على السائل بسؤال الرعايا للملك، أن يتفضل بإلطافه على من يعلمون أن الملك يحبه من أمير أو وزير أو أحد الرعايا، إذا قسته تجد الأمر كما وصف من أن الملك يؤثر لديه هذا السؤال، وكذلك يقال إذا كان لأب واحدة عدة بنين ومنهم من هو أحب إليه من غيره، فلا شك أن أحد الأبناء إذا سأل أباه أن يخص الابن الذي هو أحب أبنائه بإحسان وعطية كان ذلك آثر لدى الأب من أن يسأله أحد الأبناء شيئاً لنفسه، وهذا من باب ضرب المثل وتوضيح المسألة، ومن أين هنا اتخاذ الوسائط والالتجاء إلى غير الله؟! وههنا القياس صحيح والجامع موجود، فإن الله سبحانه يؤثر لديه سؤال العبد ما هو مرغوب له تعالى على سؤال العبد ما تعود مصلحته إليه كما أن المحسوس كذلك. فانظر إلى غباوة هذا الملحد الزائغ حيث لم يفرق بين ما ذكر في "الإغاثة" وبين ما ذكر في "جلاء الأفهام" مع أن الفرق كما بين النور والظلام. ثم إن ما نقله عن الشيخ محيي الدين من أنه استعمل هذا القياس في "الفتوحات المكية" وهو قوله: "لما كان الحق تعالى هو السلطان الأعظم، ولا بد

стр. 661

للسلطان من مكان يكون فيه حتى يقصد بالحاجات - مع أنه تعالى لا يقبل المكان- اقتضت المرتبة أن يخلق عرشاً، ثم ذكر أنه استوى عليه حتى يقصد بالدعاء وطلب الحوائج منه كل ذلك رحمة بعباده وتنزلاً لعقولهم". انتهى؛ لا يدل على مقصده بل على نقيضه، فإن النبهاني قصد من صحة القياس اتخاذ الوسائط ليقربوه إلى الله زلفى، وهو عين معتقد أهل الشرك. والشيخ محي الدين بين سبب خلق العرش، وأن الله استوى عليه حتى يقصد بالدعاء وطلب الحوائج، والفرق جلي بين المقامين، ولا مناسبة بين الكلامين. وما نقله عن "مسالك الحنفاء" للقسطلانى مما يؤيد اتخاذ الوسائط قياساً على ملوك الدنيا مردود على قائله، والقسطلاني أيضاً كان من الغلاة، وكلامه ليس بحجة على المسلمين، ومدار الاستدلال الكتاب والسنة، ومفاسد سوء الفهم أكثر من أن تحصى. قال النبهاني: ثم بعد كتابتي هذا رأيت عبارة للإمام أحمد هي من أقوى الأدلة المقنعة لابن القيم وغيره في جواز هذا التشبيه، وهي مذكورة في كتاب "منهاج السنة" وهي أن الإمام أحمد قال: قالت الجهمية -لما وصفنا الله تعالى بهذه الصفات- إذ زعمتم أن الله ونوره والله وقدرته والله وعظمته فقد قلتم بقول النصارى حين زعمتم أن الله لم يزل ونوره ولم يزل وقدرته، قلنا: لا نقول إن الله لم يزل وقدرته ولم يزل ونوره، ولكن نقول: لم يزل الله بقدرته ونوره لا متى قدر ولا كيف قدر. فقال: لا تكونون موحدين أبداً حتى تقولوا كان الله ولا شيء. فقلنا: نحن نقول قد كان الله ولا شيء ولكن إذا قلنا: إن الله لم يزل بصفاته كلها أليس إنما نصف إلهاً واحداً بجميع صفاته؟ وضربنا لهم في ذلك مثلاً، فقلنا: أخبرونا عن هذه النخلة أليس لها جذع وكرب وليف وسعف وخوص وجمار واسمها اسم واحد، وسميت نخلة بجميع صفاتها؟ فكذلك الله تعالى- وله المثل الأعلى- بجميع صفاته إله واحد، لا نقول إنه قد كان في وقت من الأوقات

стр. 662

لا يقدر حتى خلق قدرة والذي ليس له قدرة هو عاجز، ولا نقول قد كان في وقت من الأوقات لا يعلم حتى خلق لنفسه علماً والذي لا يعلم هو جاهل، ولكن نقول: لم يزل الله عالماً قادراً مالكاً لا متى ولا كيف، وقد سمى الله رجلاً كافراً اسمه الوليد بن المغيرة المخزومي فقال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ ١ وقد كان هذا الذي سماه الله وحيداً له عينان وأذنان ولسان وشفتان ويدان ورجلان وجوارح كثيرة، فقد سماه الله وحيداً بجميع صفاته، فكذلك الله تعالى- وله المثل الأعلى- هو بجميع صفاته إله واحد. قال النبهاني: انتهى كلام الإمام أحمد بحروفه، فأنت تراه لم يجعل التشبيه؛ الذي شبهه- بقوله فكذلك الله تعالى- بملك له وزراء، وإنما جعل ذلك التشبيه بجماد وهو النخلة وكافر وهو الوليد بن المغيرة، فإذا جاز ضرب الجماد والكافر مثلاً لله تعالى وصفاته العلية أفلا يجوز ضرب المثل لله تعالى وأنبيائه وعباده الصالحين بملوك الدنيا ووزرائهم وخواصهم؟ ولعمري إن جواز ذلك أوضح من أن يتردد فيه مثل ابن القيم مع وفرة فهمه ودقة علمه، ولكن هواه في نصرة تلك البدعة كان حجاباً عن ذلك. إلخ. أقول: جوابه؛ أن هذا النقل عن الإمام صحيح، وهو من كتابه في "الرد على الجهمية" وهم أصحاب جهم بن صفوان الذي كان يقول بنفي الصفات عن الله ﵎، والإمام أحمد رد عليه وعلى أصحابه برسالة مختصرة، وهي متداولة بين الأيدي، وقد طبعت في الهند، وليس فيما نقله النبهاني ما يمس مطلبه والاستدلال بمثل ذلك على جواز اتخاذ الوسائل بين العبد وبين الله في الالتجاء إليه والاستعانة به وغير ذلك، ويكفي هذا الفهم دليلاً على جهل النبهاني وغباوته وإفلاسه من كل فضيلة، ومن العجب أني رأيت كل من كان على هذا المسلك المعوج ذا غباوة وجهل وحجاب على بصريته، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ *َختَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ

стр. 663

وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١. وقوله سبحانه: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ *) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ ٢ إن الإمام أحمد قدس الله روحه كان من أجلّ مشايخ الموحدين، كيف ويقول بجواز اتخاذ الوسائط والوسائل وهو مذهب المشركين؟ ولكنه تناظر مع الجهمية فيما خالفوا به أهل السنة، ومن جملة ما ناظرهم به مسألة الصفات، وقبل هذه العبارة التي نقلها النبهاني عن الشيخ عبارة أخرى، وبها يتضح المراد. قال الإمام: "وقلنا للجهمية من القائل يوم القيامة ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ ٣ أليس الله هو القائل؟ قالوا: يكون الله شيئاً يعبر عن الله كما كوّن شيئاً فعبر لموسى. فقلنا: فمن القائل: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ * فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ ٤ أليس الله هو الذي يسأل؟ قالوا: هذا كله إنما يكون شيئاً يعبر عن الله. فقلنا لهم: قد أعظمتم على الله الفرية حين زعمتم أنه لا يتكلم، فشبهتموه بالأصنام التي تعبد من دون الله، لأن الأصنام لا تتكلم ولا تنطق ولا تتحرك ولا تزول من مكان إلى مكان. فلما ظهرت عليهم الحجة؛ قالوا إن الله قد تكلم لكن كلامه مخلوق. قلنا: وكذلك بنو آدم كلامهم مخلوق فشبهتم الله بخلقه حين زعمتم أن كلامه مخلوق، ففي مذهبكم أن الله قد كان في وقت من الأوقات لا يتكلم حتى خلق التكلم، وكذلك بنو آدم كانوا لا يتكلمون حتى خلق لهم كلاماً، فجمحتم بين كفر وتشبيه، فتعالى الله عن هذه الصفة علواً كبيراً، بل نقول: إن الله لم يزل

стр. 664

متكلما إذا شاء، ولا نقول إنه قد كان لا يتكلم حتى خلق كلاماً، ولا نقول إنه قد كان لا يعلم حتى خلق علماً فعلم، ولا نقول إنه قد كان ولا قدرة حتى خلق لنفسه قدرة، ولا نقول إنه قد كان ولا نور حتى خلق لنفسه نوراً، ولا نقول إنه قد كان ولا عظمة حتى خلق لنفسه عظمة. فقالت الجهمية لنا لما وصفنا الله بهذه الصفات: "إن زعمتم أن الله ونوره والله وعظمته والله وقدرته فقد قلتم بقول النصارى حين زعمتم أن الله لم يزل ونوره إلى آخر ما سبق نقله". انتهى. فالمقصود من كلام الإمام أحمد من ضرب النخلة والوحيد مثلاً؛ أن الذات المتصفة بصفات تتصف بالوحدانية، لأن الصفات لا تستقل بنفسها، ولا يمكن انفكاكها عن الذات إلا في الذهن، واعتراض الجهمية والمعتزلة لا يرد على أهل السنة، ومذهب النصارى لا يصلح نقضاً، فإنهم أثبتوا الأقانيم الثلاثة وكل منها مستقل، فالتعدد متحقق، وأما المثبتون للصفات فعندهم أن الذات لا تنفك عنها أصلاً، والتعدد منتف، وتفصيل ذلك في كتب الكلام. والإمام مثّل لصحة إطلاق الواحد على الذات المتصفة بالصفات بما هو أبلغ منه وهو إطلاق اسم النخلة على ما تركب من جذع وكرب وليف وسعف وخوص وجمار، وسمى الوليد بن المغيرة المخزومي وحيداً مع ماله من الأعضاء والأجزاء المحسوسة، وهكذا الحائط، والمركب، والسرير، والكتاب، إلى ما لا يحصى من الأشياء التي استحقت إطلاق لفظ الواحد مع تعدد ما تركبت منه، فكيف لا يتحد ولا يطلق الواحد على المتصف بالصفات؟! فالإمام أحمد لم يشبه رب العالمين بالنخلة ولا بالوليد ولا بغيرهما من المخلوقات- تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- إنما شبه إطلاق الواحد على الله بإطلاقه على أشياء تركبت من أمور كثيرة كان ينبغي أن لا يطلق عليها ذلك، فإطلاقه على الذات المتصفة بالصفات أولى بالجواز والصحة. فانظر إلى سوء فهم النبهاني كيف فهم من عبارة الإمام ما فهم، وأوقعه جهله

стр. 665

في مهواة من الضلال حتى زعم أن الإمام شبّه إله العالمين بالنخلة ونحوها، كل ذلك غراماً منه باتخاذ الواسطة وعبادة غير الله تعالى، قاتله الله ما أضله وأكفره. ثم إن من زيد جهله جعل النخلة من الجماد، ولا يصلح ذلك لغة ولا عرفاً، ولا حقيقة ولا مجازاً، بل النخلة هي من الشجر، وبذلك ورد الحديث الصحيح حيث شبهها بالمؤمن١، والحمد لله الذي جعل أعداء السنة والحق من الذين لا يفرقوّن بين النبات والجماد، وشبهوا الخالق بالمخلوق، وخبطوا في أعمالهم وعقائدهم خبط عشواء. والكلام على استدلال النبهاني بقوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ ٢ كالكلام على ما سبق، على أن في المراد بالنور أقوالاً ليس هذا موضع ذكرها. قال النبهاني: وقد قال ابن القيم نفسه في كتابه "طريق الهجرتين" في فصل مراتب المكلفين في الدار الآخرة وطبقاتهم فيها: "وهم ثماني عشرة طبقة؛ الطبقة الأولى- وهي العليا على الإطلاق-: مرتبة الرسالة، فأكرم الخلق على الله وأخصهم بالزلفى لديه رسله، وهم المصطفون من عباده " إلى أن قال: "ويكفي في فضلهم وشرفهم أن الله سبحانه اختصهم لوحيه، وجعلهم أمناء على رسالته، وواسطة بينه وبين عباده وخصهم بأنواع كراماته، فمنهم من اتخذه خليلاً، ومنهم من كلمه تكليماً، ومنهم من رفعه مكاناً علياً على سائرهم درجات، ولم يجعل لعباده وصولاً إلا من طريقهم، ولا دخولاً إلى الجنة إلا خلفهم، ولم يكرم أحداً بكرامة إلا على أيديهم، فهم أقرب الخلق إليه وسيلة، وأرفعهم عنده درجة، وأحبهم إليه، وأكرمهم عليه، وبالجملة فخير الدنيا والآخرة إنما ناله العباد على

стр. 666

أيديهم، وبهم عرف الله، وبهم عبد وأطيع، وبهم حصلت محابه تعالى في الأرض، وأعلاهم منزلة أولوا العزم منهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ ١ وهؤلاء هم الطبقة العليا من الخلائق، وعليهم تدور الشفاعة حتى يردوها إلى خاتمهم وأفضلهم ". قال النبهاني: "انتهت عبارته ﵀، فإذا كان هو بنفسه يصفهم بهذه الأوصاف الجميلة التي هم أهلها ومحلها، وقد صرح فيها بأنهم واسطة بينه تعالى وبين عباده، وأنهم أقرب الخلق إليه تعالى وسيلة، وأن خير الدنيا والآخرة إنما ناله العباد على أيديهم، فما الذي جرى له بعد ذلك حتى تبع شيخه ابن تيمية في منع الاستغاثة بهم إلى الله تعالى، وجعلهم واسطة بين العباد وبينه ، ووسيلة إلى قضاء حوائجهم الدنيوية والأخروية، أفلا يعد هذا من ابن القيم تناقضاً؟ " انتهى. أقول في الجواب: إن ابن القيم ﵀ وكذلك شيخه ومن على منهاجهم من أكثر الناس حباً للأنبياء والرسل ﵈، وكتبهم طافحة ببيان ما يجب لهم من التوقير والاحترام، وفي كتاب "مفتاح دار السعادة" بحث مفصل في بيان حاجة الناس إليهم وما يجب من العمل بهديهم، حتى قال: "إن العالم لو خلا من هديهم فسد وخرج عن نظامه " إلى آخر ما تكلم به. ومن مزيد محبتهم له وتوقيرهم إياه حافظوا على هديهم وسننهم وما جاؤوا به من عند الله، ومن هديهم تخصيص الله تعالى بالعبادة والالتجاء إليه، والنذر له والتوكل عليه، وندائه في المهمات، والاستعانة به في طلب الحاجات، إلى غير ذلك من تخصيصه بخصائص الربوبية والألوهية. وما نقله النبهاني عن ابن القيم هو معتقد كل مسلم حنيف يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فضلاً عن شيخ الإسلام، ومن كان على سننه

стр. 667

من الأئمة الأعلام ولا شك أن رسل الله هم الوسائط العظمى بين الله وبين المكلفين من عباده في تبليغ شرائعه وما يريده سبحانه من عباده، وبيان أسباب السعادة الدنيوية والأخروية، لا أنهم وسائط بالمعنى الذي فهمه الغبي النبهاني، حتى زعم أن ذلك مراد ابن القيم، وأخذ يوبخه بقوله فما الذي جرى له بعد ذلك حتى تبع شيخه ابن تيمية في منع الاستغاثة بهم إلى الله ... إلخ، بل المراد بالوسائط في كلامه بالمعنى الذي ذكرناه، وعليه أئمة الدين، وأكابر الموحدين. قال شيخ الإسلام قدس الله روحه- في الجواب عن سؤال فيه أن رجلين تناظرا، فقال أحدهما: لا بد لنا من واسطة بيننا وبين الله، فإنا لا نقدر أن نصل إليه بغير ذلك-: "الحمد لله رب العالمين، إن أراد بذلك أنه لا بد من واسطة يبلغنا أمر الله فهذا حق، فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه، وما أمر به وما نهى عنه، وما أعده لأوليائه من كرامته وما وعد به أعداءه من عذابه، ولا يعرفون ما يستحقه الله من أسمائه الحسنى وصفاته العليا التي تعجز العقول عن معرفتها وأمثال ذلك إلا بالرسل الذين أرسلهم الله تعالى إلى عباده، فالمؤمنون بالرسل المتبعون لهم هم المهتدون الذين يقربهم لديه زلفى ويرفع درجاتهم ويكرمهم في الدنيا والآخرة. وأما المخالفون للرسل فإنهم ملعونون، وهم عن ربهم ضالون محجوبون، قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى* وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ ٢

стр. 668

قال ابن عباس: تكفل الله تعالى لمن قرأ القران وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة. وقال تعالى عن أهل النار: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً * وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً * رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ٤ ومثل هذا في القرآن كثير. وهذا مما أجمع عليه أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى، فإنهم يثبتون الوسائط بين الله وبين عباده، وهم الرسل الذين بلغوا عن الله تعالى أمره وخبره. قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ﴾ ٥ ومن أنكر هذه الوسائط فهو كافر بإجماع أهل الملل.

стр. 669

والسور التي أنزلها الله تعالى بمكة- مثل الأنعام والأعراف وذوات الر. وحم وطس. ونحو ذلك هي متضمنة لأصول الدين، كالإيمان بالله ورسله واليوم الآخر، وقد قص الله تعالى قصص الكفار الذين كذبوا الرسل، وكيف أهلكهم ونصر رسله والذين اَمنوا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ١ وقال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ .٢ فهذه الوسائط تطاع وتتبع ويقتدى بها كما قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٥ وقال: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٦ وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ ٧. قال: وان أراد بالواسطة أنه لا بد من واسطة في جلب المنافع ودفع المضار -مثل أن يكن واسطة في رزق العبد ونصرهم وهداهم، يسألونه ذالك ويرجعون إليه فيه-؛فهذا من أعظم الشرك الذي كفر اللَّه به المشركين، حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء يجتلبون بهم المنافع ويدفعون بهم المضار" إلى آخر ما نقلنا سابقاً من كلام شيخ الإسلام عليه الرحمة٨.

стр. 670

وبه علم أن النبهاني مخطىء فيما فهم من كلام ابن القيم، ومعناه الصحيح ما ذكره شيخ الإسلام وجمهور أهل الإيمان، وإن كان بعيدا عن فهم النبهاني وسائر الغلاة. قال النبهاني: "ومثل تناقضه هذا تناقضه الواقع في عبارته السابقة الشنيعة المعبرة عن القبر المزار بالوثن وأوصاف الزائرين التي ذكرها هي أوصاف زواره ﷺ ، وقد اتبع الحق بقصيدته النونية، فذكر فيها أن الله تعالى قد استجاب دعاء نبيه ﷺ وهو قوله: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد" فاسجاب الله دعاءه، وهذه أبيات ابن القيم: ولقد نهانا أن نصير قبره ... عيدا حذار الشرك بالديان ودعا بأن لا يجعل القبر الذي ... قد ضمه وثنا من الأوثان فأجاب رب العالمين دعاءه ... وأحاطه بثلاثة الجدران حتى اغتدت أرجاؤه بدعائه ... في عزة وحماية وصيان وجميع الأوصاف الجميلة التي ذكرها في عبارته السابقة للأنبياء ﵈ لا شك أنها تؤهلهم لرتبة الاستغاثة بهم إلى الله لقضاء حوائج المستغيثين" إلى آخر كلامه. أقول: جوابه: أن ما ذكره هذا المعترض من النقل والتصرف فيه مما هو من شأن القبوريين والغلاة كافة، ويزيد عليهم هذا بما في كلامه وتصرفه في كلام غيره من الخطأ والتلبيس، والقصور في الفهم، والتقصير في النظر، كفهمه من كلام العلماء ما لم يريدوه، ومخالفته لهم فيما قصدوه، وإلزامه لهم ما لم يعتقدوه، وحكمه عليهم بالظن الكاذب، وقد قال النبي ﷺ : "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث" ١. بل دأب هذا الضال- كأسلافه- التمسك بالأمور المتشابهة الخفية، والإعراض عن الأشياء المحكمة الواضحة، كما أن عادته الاعتماد على حديث ضعيف أو مكذوب، أو خبر متشابه لا يدل على المطلوب، وليس هذا طريق
следующие страницы →