← Акыда

Акыда · id 12038

عقيدة أهل السنة في الصحابة لناصر بن علي

ناصر بن علي عائض حسن الشيخ

Полный текст (1 130 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ثم شرع بعد ذلك في نشر الإسلام في البلدان التي لم يصلها نور الإسلام وسعادته حتى لقي ربه ﵎. ٢٠- ومما تميز به عن غيره من صحابة رسول الله ﷺ أن المصطفى ﵊ انتقل إلى الرفيق الأعلى وهو بالسنح١ فأصاب الناس الذهول والحيرة والاضطراب أما الصديق فقد رزقه الله قوة النفس والثبات فكان أصبر الصحابة وأثبتهم عند وفاة النبي ﷺ حيث جاء: "فكشف عن رسول الله ﷺ فقبله فقال: بأبي أنت وأمي طبت حياً وميتاً، والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبداً، ثم خرج إلى الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: ألا من كان يعبد محمداً ﷺ فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ٢ وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ ٣ قال فنشج الناس يبكون ... " الحديث٤. وما إن سمع الصحابة ﵃ هذه الخطبة من صديق هذه الأمة إلا ورجعوا إلى الرشد والصواب وانكشف ما بهم من الحيرة والذهول ولذلك كان أفضلهم على الإطلاق. تلك هي طائفة من الأحاديث التي اشتملت على المناقب التي دلت على أن الصديق حاز الأفضلية على سائر الناس بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وأما دلالة الإجماع على أفضلية الصديق ﵁:

стр. 177

فقد أجمع الصحابة ﵃ ومن جاء بعدهم من أهل السنة والجماعة على أن أفضل الصحابة والناس بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أبو بكر، ثم عمر ثم عثمان ثم عليّ ثم سائر العشرة ثم باقي أهل بدر، ثم باقي أهل أحد، ثم باقي أهل بيعة الرضوان ثم باقي الصحابة هكذا إجماع أهل الحق، فأبو بكر أفضل هذه الأمة بعد نبيها ﷺ لا ينازع في ذلك إلا زائغ١ وقد نقل الإجماع على أن أفضل الناس بعد الأنبياء هو أبو بكر الصديق جماعة من أهل العلم منهم: - أبو طالب العشاري٢ والإمام الشافعي والنووي وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن حجر والبيهقي: فقد روى أبو طالب العشاري بإسناده إلى عمار بن ياسر ﵁ أنه قال: من فضل على أبي بكر وعمر أحداً من أصحاب النبي ﷺ فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار وطعن على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم٣. - وقال الإمام الشافعي فيما رواه عنه البيهقي بإسناده: "ما اختلف أحد من الصحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر وتقديمهما على جميع الصحابة وإنما اختلف من اختلف منهم في عليّ وعثمان ونحن لا نخطئ واحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فيما فعلوا"٤. - وقال الحافظ ابن حجر: "ونقل البيهقي في "الاعتقاد" بسنده إلى

стр. 178

أبي ثور عن الشافعي أنه قال: أجمع الصحابة وأتباعهم على أفضلية أبي بكر، ثم عمر ثم عثمان، ثم عليّ"١. - وقال النووي رحمه الله تعالى: "اتفق أهل السنة على أن أفضلهم أبو بكر ثم عمر"٢. - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وقد اتفق أهل السنة والجماعة على ما تواتر عن علي بن أبي طالب أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر"٣. - وقال ابن حجر الهيثمي: "واعلم أن الذي أطبق عليه عظماء الملة وعلماء الأمة أن أفضل هذه الأمة أبو بكر الصديق ثم عمر ﵄"٤. - وهؤلاء الأعلام الذين نقلوا هذا الإجماع إنما هو بناء على ما قاله أئمة أهل السنة والجماعة فقد قال الإمام أبو حنيفة كما في شرح "الفقه الأكبر": ونقر بأن أفضل هذه الأمة بعد نبيها محمد عليه أفضل الصلاة والسلام أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، ثم عليّ ﵃ أجمعين"أ. هـ٥. - وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن الإمام مالك بن أنس أنه قال: لما سأله الرشيد عن منزلة الشيخين من النبي ﷺ فقال: "منزلتهما منه في حياته كمنزلتهما منه بعد مماته ـ ثم قال ـ وكثرة الاختصاص والصحبة مع كمال المودة والائتلاف والمحبة والمشاركة في العلم يقضي بأنهما أحق من غيرهما وهذا ظاهر بين لمن له خبرة بأحوال القوم"٦ ومعلوم أن أبا بكر كانت منزلته

стр. 179

عند النبي ﷺ أعلا منزلة وكان أفضل الصحابة وكان الصحابة يعتقدون أنه خير الناس والنبي يعلم ذلك ويقرهم عليه كما تقدم قريباً في حديث ابن عمر. - وروى الإمام البيهقي مسنداً إلى محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول: "أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃". وقال أيضاً رحمه الله تعالى: "اضطر الناس بعد رسول الله ﷺ إلى أبي بكر فلم يجدوا تحت أديم السماء خيراً من أبي بكر من أجل ذلك استعملوه على رقاب الناس"١. وقال الإمام أحمد رحمة الله عليه: "وخير الأمة بعد النبي ﷺ أبو بكر، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان بعد عمر، وعلي بعد عثمان ووقف قوم على عثمان وهم خلفاء راشدون مهديون"٢. - وقال عبدوس بن مالك العطار: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: "خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر الصديق"٣. - وقال أبو الحسن الأشعري مبيناً مذهب أهل السنة وعقيدتهم في السلف: "ويعرفون حق السلف الذين اختارهم الله ـ سبحانه ـ لصحبة نبيه ﷺ ويأخذون بفضائلهم ... ويقدمون أبا بكر ثم عمر، ثم عثمان، ثم علياً رضوان الله عليهم ويقرون أنهم الخلفاء الراشدون المهديون أفضل الناس كلهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم٤. وقال ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى: "وأفضل أمته ﷺ : أبو بكر

стр. 180

الصديق ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى ﵃"١. - وقال الإمام الذهبي: "أفضل الأمة وخليفة رسول الله ﷺ ومؤنسه في الغار وصديقه الأكبر ... عبد الله بن أبي قحافة عثمان القرشي التيمي"أ. هـ٢. - وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: "وأفضل الصحابة بل أفضل الخلق بعد الأنبياء ﵈ أبو بكر عبد الله بن عثمان أبو قحافة التيمي، ثم من بعده عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين"أ. هـ٣. تلك هي عقيدة أهل السنة والجماعة في أبي بكر الصديق "وهي الإيمان والمعرفة بأن خير الخلق وأفضلهم وأعظمهم منزلة عند الله بعد النبيين والمرسلين أبو بكر الصديق عبد الله بن عثمان بن أبي قحافة ﵁"٤. وهذا هو المذهب الحق الذي يلزم كل مسلم أن يعتقده ويلتزمه ويتمسك به. وبالله التوفيق.

стр. 181

المبحث الثاني: فضل عمر بن الخطاب ﵁ ... المبحث الثاني: فضل عمر الفاروق ﵁ إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يلي أبا بكر الصديق في الفضل فهو أفضل الناس على الإطلاق بعد الأنبياء وأبي بكر وهذا ما يلزم المسلم اعتقاده في أفضليته ﵁ وهذا هو معتقد الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة. ونسبه ﵁ هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب يجتمع مع النبي ﷺ في كعب وعدد ما بينهما من الآباء إلى كعب متفاوت بواحد بخلاف أبي بكر فبين النبي ﷺ وكعب سبعة آباء، وبين عمر وبين كعب ثمانية، وأم عمر حنتمة بنت هاشم بن المغيرة ابنة عم أبي جهل والحارث ابني هشام بن المغيرة١. وهو أحد السابقين إلى الإسلام، وبإسلامه ﵁ ظهر دين الإسلام وعلت كلمة الإيمان وكان عند البعثة النبوية شديداً على المسلمين، ولما دخل في الإسلام كان إسلامه فتحاً على المسلمين وفرجاً لهم من الضيق٢. قال عبد الله بن مسعود ﵁: "إن كان إسلام عمر لفتحاً، وهجرته لنصراً، وإمارته رحمة، والله ما استطعنا أن نصلي بالبيت حتى أسلم عمر فلما أسلم عمر قاتلهم حتى ودعونا فصلينا"٣.

стр. 182

وقال عبد الله بن عباس ﵁: "أول من جهر بالإسلام عمر بن الخطاب"١. وقد حقق الله فيه دعوة النبي ﷺ له قبل أن يسلم أن يعز به الإسلام فقد روى الترمذي بإسناده إلى ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب" قال: وكان أحبهما إليه عمر٢. وأخرج ابن سعد بسند حسن عن سعيد بن المسيب قال: كان رسول الله ﷺ إذا رأى عمر بن الخطاب، أو أبا جهل بن هشام قال: "اللهم اشدد دينك بأحبهما إليك" فشد دينه بعمر بن الخطاب٣. وكان يكنى ﵁ بأبي حفص. قال الحافظ: أما كنيته فجاء في السيرة لابن إسحاق أن النبي ﷺ كناه بها وكانت حفصة أكبر أولاده، وأما لقبه فهو الفاروق باتفاق. فقيل: أول من لقبه به النبي ﷺ رواه أبو جعفر بن أبي شيبة في تاريخه عن طريق ابن عباس عن عمر ورواه ابن سعد من حديث عائشة٤. وقيل: أهل الكتاب أخرجه ابن سعد عن الزهري٥ وقيل: جبريل رواه البغوي٦. وأحسنها وأقربها أن النبي ﷺ لقبه بالفاروق لما رواه ابن سعد بإسناده إلى أبي عمرو ذكوان قال: قلت لعائشة: من سمى عمر الفاروق؟ قالت: النبي

стр. 183

عليه السلام١. فهو ﵁ الفاروق الذي فرق الله به بين الحق والباطل، وهو الذي ضرب الله الحق على لسانه وقلبه، وهو المحدث الملهم الصادق الظن وهو سيد هذه الأمة بعد الصديق، والخليفة الثاني لرسول الله ﷺ على الأمة المحمدية "اتفق العلماء على أنه شهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ لم يغب عن غزاة غزاها رسول الله ﷺ "٢. وقد وردت الأحاديث الكثيرة والأخبار الشهيرة بفضائل الفاروق ﵁ ومنها: ١- ما رواه الشيخان من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال النبي ﷺ : "رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة وسمعت خشفة فقلت من هذا؟ فقال: هذا بلال ورأيت قصراً بفنائه جارية، فقلت: لمن هذا؟ فقال: لعمر فأردت أن أدخله فأنظر إليه فذكرت غيرتك" فقال عمر: بأبي وأمي يا رسول الله أعليك أغار. ٢- ورويا أيضاً: من حديث أبي هريرة ﵁ قال بينا نحن عند رسول الله ﷺ إذ قال: "بينا أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا لعمر فذكرت غيرته فوليت مدبراً" فبكى عمر وقال: أعليك أغار يا رسول الله"٣. هذان الحديثان اشتملا على فضيلة ظاهرة لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ حيث أخبر النبي ﷺ برؤيته قصراً في الجنة للفاروق ﵁ وهذا يدل على تكريمه وعلو منزلته ﵁.

стр. 184

قال ابن بطال: "فيه الحكم لكل رجل بما يعلم من خلقه قال: وبكاء عمر يحتمل أن يكون سروراً، ويحتمل أن يكون تشوقاً أو خشوعاً ... " وقال الحافظ: "وفيه ما كان عليه النبي ﷺ من مراعاة الصحبة وفيه فضيلة ظاهرة لعمر"أ. هـ١. ٣- وروى البخاري بإسناده إلى حمزة بن أسيد الأنصاري عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "بينا أنا نائم شربت ـ يعني اللبن ـ حتى أنظر إلى الري يجري في ظفري أو أظفاري، ثم ناولت عمر" فقالوا: فما أولته قال: "العلم"٢. "وجه التعبير بذلك من جهة اشتراك اللبن والعلم في كثرة النفع وكونهما سبباً للصلاح، فاللبن للغذاء البدني والعلم للغذاء المعنوي وفي الحديث فضيلة ـ ومنقبة لعمر ﵁ وإن الرؤيا من شأنها أن لا تحمل على ظاهرها وإن كانت رؤيا الأنبياء من الوحي لكن منها ما يحتاج إلى تعبير ومنها ما يحمل على ظاهره ... والمراد بالعلم ـ في الحديث ـ سياسة بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ واختص عمر بذلك لطول مدته بالنسبة إلى أبي بكر وباتفاق الناس على طاعته بالنسبة إلى عثمان فإن مدة أبي بكر كانت قصيرة فلم يكثر فيها الفتوح التي هي أعظم الأسباب في الاختلاف ومع ذلك فساس عمر فيها مع طول مدته الناس بحيث لم يخالفه أحد ثم ازدادت اتساعاً في خلافة عثمان فانتشرت الأقوال واختلفت الآراء ولم يتفق له ما اتفق لعمر من طواعية الخلق له فنشأت من ثم الفتن إلى أن أفضى الأمر إلى قتله واستخلف علي فما ازداد الأمر إلا اختلافاً والفتن إلا انتشاراً٣. وبهذا اتضحت المنقبة التي اشتمل عليها الحديث للفاروق ﵁.

стр. 185

٤- وروى الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بينا أنا نائم رأيت الناس عرضوا على وعليهم قمص فمنها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ دون ذلك، وعرض علي على عمر وعليه قميص اجتره" قالوا فما أولته يا رسول الله؟ قال: "الدين" ١. هذا الحديث تضمن فضيلة ظاهرة لعمر ﵁ وهي قوله: "وعرض علي عمر وعليه قميص اجتره" إلخ الحديث. قال الحافظ: "السائل عن ذلك أبو بكر ... وقد استشكل هذا الحديث بأنه يلزم منه أن عمر أفضل من أبي بكر الصديق والجواب عنه تخصيص أبي بكر من عموم قوله عرض على الناس فلعل الذين عرضوا إذ ذاك لم يكن فيهم أبو بكر وأن كون عمر عليه قميص يجره لا يستلزم أن لا يكون على أبي بكر قميص أطول منه وأسبع فلعله كان كذلك إلا أن المراد حينئذ بيان فضيلة عمر فاقتصر عليها والله أعلم"أ. هـ٢. ٥- ورويا أيضاً: من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "استأذن عمر بن الخطاب على رسول الله ﷺ وعند نسوة من قريش يكلمنه ويستكثرنه عالية أصواتهن على صوته فلما استأذن عمر بن الخطاب قمن فبادرن الحجاب فأذن له رسول الله ﷺ فدخل عمر ورسول الله ﷺ يضحك فقال: أضحك الله سنك يا رسول الله فقال النبي ﷺ : "عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب" قال عمر: فأنت أحق أن يهبن يا رسول الله ثم قال عمر يا عدوات أنفسهن، أتهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ فقلن: نعم أنت أفظ وأغلظ من رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "إيها يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً ٣ قط إلا

стр. 186

سلك فجاً آخر" ١. هذا الحديث فيه بيان فضل عمر ﵁ وأنه من كثرة التزامه الصواب لم يجد الشيطان عليه مدخلاً ينفذ إليه منه. قال الحافظ رحمه الله تعالى: "فيه فضيلة لعمر تقتضي أن الشيطان لا سبيل له عليه لا أن ذلك يقتضي وجود العصمة إذ ليس فيه إلا فرار الشيطان منه أن يشاركه في طريق يسلكها، ولا يمنع ذلك من وسوسته له بحسب ما تصل إليه قدرته، فإن قيل عدم تسليطه عليه بالوسوسة يؤخذ بطريق مفهوم الموافقة لأنه إذا منع من السلوك في طريق فأولى أن لا يلابسه بحيث يتمكن من وسوسته له فيمكن أن يكون حفظ من الشيطان، ولا يلزم من ذلك ثبوت العصمة له لأنها في حق النبي واجبة وفي حق غيره ممكنة ووقع في حديث حفصة عند الطبراني في الأوسط بلفظ: "إن الشيطان لا يلقى عمر منذ أسلم إلا فر لوجهه" وهذا دال على صلابته في الدين، واستمرار حاله على الجد الصرف والحق المحض. وقال النووي: "هذا الحديث محمول على ظاهره وأن الشيطان يهرب إذا رآه: وقال عياض: يحتمل أن يكون ذاك على سبيل ضرب المثل وأن عمر فارق سبيل الشيطان وسلك طريق السداد فخالف كل ما يحبه الشيطان" قال الحافظ: "والأول أولى"٢. ٦- روى البخاري بإسناده إلى عبد الله بن مسعود قال: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر"٣. هذا الحديث تضمن منقبة جليلة لعمر ﵁ لما كان من القوة والجلد في أمر الله قال الحافظ: "وروى ابن أبي شيبة والطبراني من طريق القاسم بن عبد الرحمن قال: قال عبد الله بن مسعود: "كان إسلام

стр. 187

عمر عزاً، وهجرته نصراً، وإمارته رحمة، والله ما استطعنا أن نصلي حول البيت ظاهرين حتى أسلم عمر"١. ٧- روى الشيخان من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "أريت في المنام أني أنزع بدلو بكرة على قليب ٢ فجاء أبو بكر فنزع ذنوباً أو ذنوبين نزعاً ضعيفاً والله يغفر له ٣، ثم جاء عمر بن الخطاب فاستحالت غرباً فلم أر عبقرياً يفري فريه حتى روى الناس وضربوا بعطن" ٤. هذا الحديث فيه فضيلة ظاهرة لعمر ﵁ تضمنها قوله ﷺ : "فجاء عمر بن الخطاب فاستحالت غرباً ... الحديث ومعنى: "استحالت" صارت وتحولت من الصغر إلى الكبر وأما "العبقري" فهو السيد وقيل: الذي ليس فوقه شيء ومعنى "ضرب الناس بعطن" أي أرووا إبلهم ثم آووها إلى عطنها وهو الموضع الذي تساق إليه بعد السقي لتستريح وهذا المنام رآه النبي ﷺ مثال واضح لما جرى للصديق وعمر ﵄ في خلافتهما وحسن سيرتهما وظهور آثارهما وانتفاع الناس بهما فقد حصل في خلافة الصديق قتال أهل الردة وقطع دابرهم واتساع الإسلام رغم قصر مدة خلافته فقد كانت سنتين وأشهراً فوضع الله فيها البركة ولما حصل فيها من النفع الكثير ولما توفي الصديق خلفه الفاروق فاتسعت رقعة الإسلام في زمنه وتقرر للناس من أحكامه ما لم يقع مثله فكثر انتفاع الناس في خلافة عمر لطولها فقد مصر الأمصار ودون الدواوين

стр. 188

وكثرت الفتوحات والغنائم ... ومعنى قوله ﷺ : "فلم أر عبقرياً من الناس يفري فريه " أي: لم أر سيداً يعمل عمله ويقطع قطعه ومعنى قوله ﷺ " حتى ضرب الناس بعطن" قال القاضي عياض: ظاهره أنه عائد إلى خلافة عمر خاصة وقيل: يعود إلى خلافة أبي بكر وعمر جميعاً لأن بنظرهما وتدبيرهما وقيامهما بمصالح المسلمين تم هذا الأمر "وضرب الناس بعطن" لأن أبا بكر قمع أهل الردة وجمع شمل المسلمين وألفهم وابتدأ الفتوح ومهد الأمور وتمت ثمرات ذلك وتكاملت في زمن عمر بن الخطاب ﵄"١. ٨- وروى الشيخان بإسنادهما إلى أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر.٢. هذا الحديث تضمن منقبة عظيمة للفاروق ﵁ وقد اختلف العلماء في المراد "بالمحدث". فقيل: المراد بالمحدث: الملهم. وقيل: من يجري الصواب على لسانه من غير قصد. وقيل: مكلم أي: تكلمه الملائكة بغير نبوة ... بمعنى أنها تكلمه في نفسه وإن لم ير مكلماً في الحقيقة فيرجع إلى الإلهام. وفسره بعضهم بالتفرس"٣. قال الحافظ: "والسبب في تخصيص عمر بالذكر لكثرة ما وقع له في زمن النبي ﷺ من الموافقات التي نزل القرآن مطابقاً لها ووقع له بعد النبي ﷺ عدة إصابات"٤.

стр. 189

وكون عمر ﵁ اختص بهذه المكرمة العظيمة وانفرد بها دون من سواه من الصحابة لا تدل على أنه أفضل من الصديق ﵁. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وكان أبو بكر ﵁ أكثر علماً وإيماناً من عمر ... وإن كان عمر ﵁ محدثاً كما جاء في الحديث الصحيح ... فهو ﵁ المحدث الملهم الذي ضرب الله الحق على لسانه وقلبه، ولكن مزية الصديق الذي هو أكمل متابعة للرسول وعلماً وإيماناً بما جاء به، درجته فوق درجته فلهذا كان الصديق أفضل الأمة صاحب المتابعة للآثار النبوية، فهو معلم لعمر ومؤدب للمحدث منهم الذي يكون له من ربه إلهام وخطاب كما كان أبو بكر معلماً لعمر ومؤدباً له حيث قال له: فأخبرك أنك تدخله هذا العام؟ قال: لا قال: إنك آتيه ومطوف. فبين له الصديق أن وعد النبي ﷺ مطلق غير مقيد بوقت، وكونه سعى في ذلك العام وقصده لا يوجب أن يعني ما أخبر به، فإنه قد يقصد الشيء ولا يكون، بل يكون غيره، إذ ليس من شرط النبي ﷺ أن يكون كما قصده، بل من تمام نعمة ربه عليه أن يقيده عما يقصده إلى أمر آخر هو أنفع مما قصده، كما كان صلح الحديبية أنفع للمؤمنين من دخولهم ذلك العام، بخلاف خبر النبي ﷺ ، فإنه صادق لا بد أن يقع ما أخبر به ويتحقق"١. وقال العلامة ابن القيم: "ولا تظن أن تخصيص عمر ﵁ بهذا تفضيل له على أبي بكر الصديق بل هذا من أقوى مناقب الصديق فإنه لكمال مشربه من حوض النبوة وتمام رضاعه من ثدي الرسالة استغنى بذلك عما تلقاه من تحديث أو غيره، فالذي يتلقاه من مشكاة النبوة أتم من الذي يتلقاه عمر من التحديث فتأمل هذا الموضع وأعطه حقه من المعرفة وتأمل ما فيه من الحكمة

стр. 190

البالغة الشاهدة لله بأنه الحكيم الخبير"١. ٩- وروى أبو عبد الله الحاكم في المستدرك والترمذي في سننه والإمام أحمد في المسند بإسنادهم إلى عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب" ٢ هذا الحديث فيه إبانة لفضل الفاروق ﵁ حيث جعل الله تعالى فيه من أوصاف الأنبياء وخلال المرسلين ما يجعله لأن يكون أهلاً للنبوة لو كان هناك نبوة بعد المصطفى ﷺ ولكن الله تعالى ختم النبوة بمحمد بن عبد الله ﵊ فلا نبوة بعده إلى يوم القيامة. ١٠- وروى البخاري بإسناده إلى أنس ﵁ أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن الساعة فقال: متى الساعة؟ قال: "وماذا أعددت لها؟ " قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله ﷺ فقال: "أنت مع من أحببت" قال أنس: فأنا أحب النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم وإن لم أعمل بمثل أعمالهم٣. هذا الحديث فيه فضيلة ظاهرة لعمر ﵁ تؤخذ من قول أنس بن مالك فإنه قرن الصديق وعمر بالنبي ﷺ في العمل ولا يعني هذا أن أنساً ﵁ يريد أن يكون في درجة النبي ﷺ فالدرجات متفاوتة وإنما يريد ويرجو أن يكون في الجنة دار الثواب وبعيداً عن دار العقاب وكل مؤمن يحبهم يرجو ذلك من الله تعالى. ١١- ومن أجل مناقبه ﵁ وأعظمها موافقته للقرآن في وقائع

стр. 191

متعددة بمعنى أنه كان يرى الرأي فيتنزل القرآن موافقاً لما رآه ﵁ وأرضاه. فقد روى البخاري رحمه الله تعالى بإسناده إلى أنس ﵁ قال: قال عمر: "وافقت ربي في ثلاث: فقلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ وآية الحجاب قلت: يا رسول الله لو أمرت نساءك يحتجبن فإنه يكلمهن البر والفاجر فنزلت آية الحجاب١ واجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة عليه فقلت لهن: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ﴾ فنزلت الآية٢. وعند مسلم بلفظ: "وافقت ربي في ثلاث في مقام إبراهيم وفي الحجاب وفي أسارى بدر"٣. ووجه موافقته في أسارى بدر أنه لما جيء بهم استشار النبي ﷺ الناس فيهم فقال: "إن الله قد أمكنكم منهم" فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله أضرب أعناقهم فأعرض عنه فقام أبو بكر فقال: نرى أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الفداء فعفا عنهم وقبل منهم الفداء فعفا عنهم فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ ٤ فِي الأَرْضِ﴾ إلخ الآيات الثلاث وكانت موافقة لرأي عمر ﵁. وروى الإمام أحمد وغيره بإسناده إلى عمر ﵁ قال: لما نزل تحريم الخمر قال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً فنزلت هذه الآية التي في سورة البقرة: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ قال: فدعي عمر

стр. 192

رضي الله عنه فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً فنزلت الآية التي في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ فكان منادي رسول الله ﷺ إذا أقام الصلاة نادى أن لا يقربن الصلاة سكران فدعي عمر ﵁ فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً فنزلت الآية في المائدة فدعي عمر ﵁ فقرئت عليه فلما بلغ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قال: فقال عمر ﵁ انتهينا انتهينا"١. وروى الشيخان من حديث عبد الله بن عمر قال: لما توفي عبد الله بن أبي ابن سلول جاء ابنه عبد الله فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله ﷺ ليصلي عليه فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله ﷺ : "إنما خيرني الله" فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ "وسأزيد على سبعين" قال: إنه منافق فصلى عليه رسول الله ﷺ وأنزل الله ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ ٢. فهذه الموافقات كلها مناقب عالية للفاروق ﵁ فقد رأى أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى فنزل القرآن بموافقته، وقد رأى أن تحجب نساء النبي ﷺ فنزل القرآن بموافقته، وقال لنساء النبي ﷺ لما اجتمعن عليه في الغيرة: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ﴾ ٣. فنزل القرآن بموافقته، وقد رأى في أسارى بدر أن تضرب أعناقهم فنزل القرآن

стр. 193

بموافقته، وقد رأى تحريم الخمر فكان يقول: "اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً" فنزل القرآن بموافقته، وقد رأى عدم الصلاة على عبد الله بن أبي فإنه فلما توفي ابن أبي قام رسول الله ﷺ ليصلي عليه فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنه منافق فصلى عليه رسول الله ﷺ فأنزل الله عليه: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ فكانت موافقة لما كان يراه عمر من عدم الصلاة على رأس النفاق فلله ما أعظم هذا الفضل وما أعلا هذه المكانة التي تبوأها الفاروق ﵁ فلقد رزقه الله السداد في الرأي والإصابة في القول فهو ﵁ المحدث الملهم الذي ضرب الله الحق على لسانه وقلبه وهو الذي أعز الله به دين الإسلام فرضي الله عنه وأرضاه. ١٢- ومن مناقبه ﵁ أن النبي ﷺ أخبر بأنه شهيد وتحقق إخباره ﵊ فقد مات شهيداً على يد الظالم أبي لؤلؤة المجوسي فقد روى البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك ﵁ قال: صعد النبي ﷺ أحداً ومعه أبي بكر وعمر وعثمان فرجف بهم فضربه برجله وقال: "اثبت أحد فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيدان" ١. وعند الترمذي من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال النبي ﷺ : "اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيدـ"٢. قال أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: "ولقد أفاد هذا الحديث فائدة عظيمة وهي أن عمر وعثمان وعلياً وطلحة والزبير شهداء كلهم وأن أبا بكر صديق ومحمد رسول الله ﷺ نبي عظيم وقد جمعت هؤلاء الشهداء الشهادة وإن اختلفت أسبابها وتباينت وجوهها ولكن لفهم شرف هذه الصحبة واجتماعهم جملة

стр. 194

وأبان جليل مقدارهم أمر النبي ﷺ للجبل بالهدوء والسكون لأجل شرف من عليه فيا معشر الطالبين لعلم الدين أبعد هذا بيان لمن كان له قلب فما لكم تدخلون بينهم وتتكلمون فيما وقع لهم، وترجحون وتقدمون وتؤخرون وتحبون وتبغضون كأنكم لا تعلمون مقاديركم ولا تلزمون مواضعكم حتى تترقوا بالجهل والفضول إلى عثمان وعلي وطلحة والزبير فتتكلمون بالحمية وتتعصبون ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ١ وقد رجف الجبل بالنبي ﵇ وأبي بكر وعمر وعثمان وقد رجف بهؤلاء الأعيان، وقد كان ذلك بمكة وبحراء وقد كان بالمدينة وأحد وأنبأنا الله بالفضل مرتين وأكده وعضد مقدارهم ومهده في جبلين"أ. هـ٢. ١٣- ومن مناقبه العظيمة ﵁ بشارة النبي ﷺ له بالجنة فعمر ﵁ من أهل الجنة قطعاً. فقد روى البخاري في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ في حائط من حيطان المدينة فجاء رجل فاستفتح فقال النبي ﷺ : "افتح له وبشره بالجنة" ففتحت له فإذا هو أبو بكر فبشرته بما قال النبي ﷺ : فحمد الله، ثم جاء رجل فاستفتح فقال النبي ﷺ : "افتح له وبشره بالجنة" ففتحت له فإذا هو عمر فأخبرته بما قال النبي ﷺ : فحمد الله، ثم استفتح رجل فقال لي: "افتح له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه" فإذا عثمان فأخبرته بما قال رسول الله ﷺ : فحمد الله ثم قال: الله المستعان٣. ١٤- ومن مناقبه الحميدة ﵁ ما جاء من الثناء عليه من فضلاء الصحابة حياً وميتاً ورضا الجميع عنه ومن ذلك: ما روى البخاري بإسناده إلى المسور بن مخرمة قال: لما طعن عمر جعل يألم فقال له ابن عباس وكأنه يجزعه:

стр. 195

يا أمير المؤمنين ولئن كان ذاك لقد صحبت رسول الله ﷺ فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت صحبتهم فأحسنت صحبتهم ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون قال: أما ما ذكرت من صحبة رسول الله ﷺ ورضاه فإنما ذاك منّ من الله ـ تعالى ـ منّ به علي، وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه فإنما ذاك منّ من الله ـ جل ذكره ـ منّ به عليّ. وأما ما ترى من جزعي فهو من أجلك وأجل أصحابك والله لو أن لي طلاع١ الأرض ذهباً لافتديت به من عذاب الله قبل أن أراه"٢. وفي هذا بيان فضل عظيم لعمر ﵁ يؤخذ من قول ابن عباس: لقد صحبت رسول الله ﷺ إلى قوله: أما ما ذكرت من صحبة رسول الله ﷺ وذلك أن له بهذا فضلاً عظيماً حيث إنه صحب رسول الله ﷺ وفارقه وهو عنه راض وكذلك كان مع أبي بكر وبقية الصحابة جميعاً ومع ما كان عليه من هذه السيرة الحسنة فإنه ﵁ لحق بالرفيق الأعلى والخوف غالب عليه من خشية التقصير في حقوق الرعية وهكذا المؤمن كامل الإيمان يجمع بين الخوف والإحسان. وروى الشيخان من حديث ابن أبي مليكة قال: سمعت ابن عباس يقول: وضع عمر بن الخطاب على سريره فتكنفه٣ الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه قبل أن يرفع وأنا فيهم قال: فلم يرعني٤ إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي فالتفت إليه فإذا هو علي فترحم على عمر، وقال: ما خلفت أحداً أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك وايم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك وذاك أني كنت أكثر ما أسمع رسول الله ﷺ يقول: "جئت أنا وأبو بكر وعمر

стр. 196

ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر" فإن كنت لأرجو أو لأظن أن يجعلك الله معهما١. هذا الحديث دل على فضيلة أبي بكر وعمر وشهادة علي لهما وحسن ثنائه عليهما وصدق ما كان يظنه بعمر قبل وفاته ﵃ أجمعين. تلك طائفة من الأحاديث النبوية والآثار التي تضمنت مناقب عالية للفاروق وكلها أدلة قطعية يقينية دلت على أن الفاروف أفضل الناس بعد أبي بكر الصديق وهو ما تعتقده الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، وهو ما يجب على المسلم اعتقاده في ثاني الخلفاء الراشدين ﵃ أجمعين.

стр. 197

المبحث الثالث: فضل ذي النورين عثمان بن عفان ﵁ مما هو معلوم عند جمهور أهل السنة والجماعة أن أفضل الناس على الإطلاق بعد أبي بكر وعمر هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر يكنى أبا عمرو ويقال أبا عبد الله١ يجتمع مع النبي ﷺ في عبد مناف وعدد ما بينهما من الآباء متفاوت فالنبي ﷺ من حيث العدد في درجة عفان كما وقع لعمر سواء٢ وأمه ﵂ أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب وهي شقيقة عبد الله والد النبي ﷺ ويقال: إنهما ولدا توأما ... فكان ابن بنت عمة النبي ﷺ وكان النبي ﷺ ابن خال والدته وقد أسلمت أمه ﵁ وماتت على الإسلام ولها صحبة ﵂ وأما والده فإنه مات في الجاهلية٣. فعثمان ﵁ أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وأحد الثلاثة الذين خلصت لهم الخلافة من الستة، ثم تعينت فيه بإجماع المهاجرين والأنصار ﵃، فكان ثالث الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، المأمور باتباعهم والاقتداء بهم وكان ﵁ من السابقين

стр. 198

الأولين إلى الإسلام، وهاجر إلى الحبشة أول الناس ومعه زوجته رقية بنت رسول الله ﷺ ، ثم عاد إلى مكة وهاجر إلى المدينة، فلما كانت وقعة بدر اشتغل بتمريض ابنة رسول الله ﷺ وأقام بسببها في المدينة، وضرب له رسول الله ﷺ بسهمه وأجره فيها، فهو معدود فيمن شهدها فلما توفيت زوّجه رسول الله ﷺ بأختها أم كلثوم ولذلك لقب بذي النورين لأنه تزوج ابنتي نبي واحدة بعد واحدة ولم يتفق ذلك لغيره ﵁، وشهد الخندق والحديبية وبايع عنه رسول الله ﷺ يومئذ بإحدى يديه، وشهد خيبر، وعمرة القضاء، وحضر الفتح وهوازن والطائف وغزوة تبوك وجهز جيش العسرة، صحب رسول الله ﷺ فأحسن صحبته وتوفي وهو عنه راض وصحب أبا بكر فأحسن صحبته وتوفي وهو عنه راض، وصحب الفاروق فأحسن صحبته وتوفي وهو عنه راض، وكان ﵁ ممن جمع بين العلم والعمل، والصيام والتهجد والإتقان والجهاد في سبيل الله وصلة الأرحام، وكان من الصادقين القائمين الصائمين المنفقين في سبيل الله تعالى١. فهو ﵁ أفضل الناس بعد الشيخين ﵄ وهذا هو معتقد الجمهور من أهل السنة والجماعة قال إسحاق بن راهوية رحمه الله تعالى: "لم يكن بعد رسول الله ﷺ على الأرض أفضل من أبي بكر، ولم يكن بعده أفضل من عمر، ولم يكن بعد أفضل من عثمان، ولم يكن بعد عثمان على الأرض خير ولا أفضل من عليّ"٢. وقد ذهب بعض أهل السنة من أهل الكوفة إلى تفضيل عليّ على عثمان ﵄ وذهب بعض أهل المدينة إلى التوقف في أمرهما ﵄،

стр. 199

ثم ذكر أهل العلم رجوع هؤلاء جميعاً إلى مذهب جمهور أهل السنة والجماعة القائل بتقديم عثمان على عليّ ﵄ وصار القول واحداً في أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة: قال الإمام النووي: "وقال بعض أهل السنة من أهل الكوفة بتقديم عليّ على عثمان والصحيح المشهور تقديم عثمان"١. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فإن سفيان الثوري، وطائفة من أهل الكوفة رجحوا علياً على عثمان، ثم رجع عن ذلك سفيان وغيره، وبعض أهل المدينة توقف في عثمان وعليّ، وهي إحدى الروايتين عن مالك، لكن الرواية الأخرى عنه تقديم عثمان على عليّ، كما هو مذهب سائر الأئمة، كالشافعي وأبي حنيفة وأصحابه، وأحمد بن حنبل وأصحابه، وغير هؤلاء من أئمة الإسلام٢. وقال الحافظ ابن كثير: "والعجب أنه قد ذهب بعض أهل الكوفة من أهل السنة إلى تقديم عليّ على عثمان ويحكى عن سفيان الثورة لكن يقال: إنه رجع عنه ونقل مثله عن وكيع بن الجراح ونصره ابن خزيمة والخطابي وهو ضعيف مردود"٣. وذكر أبو منصور البغدادي عن محمد بن إسحاق بن خزيمة والحسين بن الفضل البجلي أنهما يقولان بتفضيل عليّ ﵁ على عثمان"٤. ونقول إن هذا القول ضعيف مردود لمخالفته ما أطبق عليه أهل السنة والجماعة من تقديم عثمان على عليّ ﵄.

стр. 200

وقال أبو الحسن عليّ بن عمر الدارقطني: "اختلف قوم من أهل بغداد فقال قوم: عثمان أفضل وقال قوم: عليّ أفضل فتحاكموا إليّ فأمسكت وقلت: الإمساك خير، ثم لم أر لديني السكوت وقلت للذي استفتاني: ارجع إليهم وقل لهم: أبو الحسن يقول: عثمان أفضل من عليّ باتفاق جماعة أصحاب رسول الله ﷺ هذا قول أهل السنة وهو أول عقد يحل في الرفض. قال الذهبي: قلت ليس تفضيل عليّ برفض ولا هو ببدعة بل قد ذهب إليه خلق من الصحابة والتابعين فكل من عثمان وعليّ ذو فضل وسابقة وجهاد وهما متقاربان في العلم والجلالة ولعلهما في الآخرة متساويان في الدرجة وهما من سادة الشهداء ﵄، ولكن جمهور الأمة على ترجيح عثمان على الإمام عليّ وإليه نذهب"١. وقال غير واحد من العلماء كأيوب السختياني والدارقطني: من قدم علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار"٢. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "وهذا الكلام حق وصدق وصحيح ومليح"٣. وإذ قد تبين لنا أن بعض أهل السنة القائلين بتقديم عليّ على عثمان ﵄ والقائلين بالتوقف في أمرهما قد رجعوا إلى قول الجمهور منهم من القول بتقديم عثمان على عليّ في الفضل تبين أن هذه المسألة مجمع عليها بين أهل السنة والجماعة ولا عبرة بعد ذلك بأي قول يخالف هذا المعتقد الصحيح. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وسائر أئمة السنة على تقديم

стр. 201

عثمان وهو مذهب جماهير أهل الحديث وعليه يدل النص والإجماع والاعتبار، وأمَّا ما يحكى عن بعض المتقدمين من تقديم جعفر، أو تقديم طلحة أو نحو ذلك فذلك في أمور مخصوصة لا تقديماً عاماً وكذلك ما ينقل عن بعضهم في علي"١. وقد وردت أحاديث كثيرة في السنة تضمنت ذكر فضائله ﵁ وبعضها دل على أنه أفضل الخلق بعد الشيخين ﵄ ومن تلك الأحاديث: ١- ما رواه الإمام البخاري بإسناده إلى عبد الله بن عمر ﵄ قال: "كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحداً، ثم عمر، ثم عثمان ثم نترك أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم"٢. هذا الحديث دل على أن عثمان ﵁ أفضل الناس بعد أبي بكر الصديق وعمر الفاروق ﵄. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: " وقد اتفق العلماء على تأويل كلام ابن عمر هذا لما تقرر عند أهل السنة قاطبة من تقديم علي بعد عثمان ومن تقديم بقية العشرة المبشرة على غيرهم، ومن تقديم أهل بدر على من لم يشهدها وغير ذلك فالظاهر أن ابن عمر إنما أراد بهذا النفي أنهم كانوا يجتهدون في التفضيل فيظهر لهم فضائل الثلاثة ظهوراً بيناً فيجزمون به ولم يكونوا حينئذ اطلعوا على التنصيص ويؤيده ما رواه البزار عن ابن مسعود قال كنا نتحدث أن أفضل أهل المدينة علي بن أبي طالب: رجاله موثقون: وهو محمول على أن ذلك قاله ابن مسعود بعد قتل عمر وقد حمل أحمد حديث ابن عمر على ما يتعلق بالترتيب في التفضيل واحتج في التربيع بعلي بحديث سفينة مرفوعاً الخلافة ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً

стр. 202

"أخرجه أصحاب السنن١ وصححه ابن حبان وغيره وقال الكرماني: لا حجة في قوله: كنا نترك لأن الأصوليين اختلفوا في صيغة كنا نفعل لا في صيغة كنا لا نفعل لتصور تقرير الرسول في الأول دون الثاني وعلى تقدير أن يكون حجة فما هو من العمليات حتى يكفي فيه الظن ولو سلمنا فقد عارضه ما هو أقوى منه، ثم قال: ويحتمل أن يكون ابن عمر أراد أن ذلك كان في بعض أزمنة النبي ﷺ فلا يمنع ذلك أن يظهر بعد ذلك لهم ... والله أعلم"٢. ٢- وروى الشيخان من حديث أبي موسى الأشعري ﵁: "أن النبي ﷺ دخل حائطاً وأمرني بحفظ باب الحائط فجاء رجل يستأذن فقال: "ائذن له وبشره بالجنة"، فإذا أبو بكر، ثم جاء آخر يستأذن فقال: "ائذن له وبشره بالجنة" فإذا عمر، ثم جاء آخر يستأذن فسكت هنيهة ثم قال: "ائذن له وبشره بالجنة على بلوى ستصيبه" فإذا عثمان بن عفان"٣. هذا الحديث تضمن فضيلة هؤلاء الثلاثة المذكورين وهم أبو بكر وعمر وعثمان "وأنهم من أهل الجنة ـ كما تضمن ـ فضيلة لأبي موسى وفيه دلالة على جواز الثناء على الإنسان في وجهه إذا أمنت عليه فتنة الإعجاب ونحوه، وفيه معجزة ظاهرة للنبي ﷺ لإخبار بقصة عثمان والبلوى، وأن الثلاثة يستمرون على الإيمان والهدى"٤. وروى البخاري بإسناده إلى أبي عبد الرحمن أن عثمان ﵁ حيث حوصر أشرف عليهم، وقال أنشدكم الله ولا أنشد إلا أصحاب النبي ﷺ ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "من حفر رومة فله الجنة" فحفرتها

стр. 203

ألستم تعلمون أنه قال: "من جهز جيش العسرة فله الجنة" فجهزته قال: فصدقوه بما قال"١. هذا الحديث تضمن منقبتين عظيمتين لذي النورين ﵁ شراؤه ﵁ بئر رومة وتجهيزه جيش العسرة الذي خرج لغزوة تبوك وقد أخبر الذي لا ينطق عن الهوى أن جزاءه على ذلك أن يكون من أصحاب الجنة، وهاتان المنقبتان من أعلا مناقبه ﵁. وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى عن ابن بطال أنه قال عند هذا الحديث: هذا وهم من بعض رواته والمعروف أن عثمان اشتراها لا أنه حفرها قال الحافظ: هو المشهور في الروايات فقد أخرجه الترمذي من رواية زيد بن أبي أنيسة عن أبي إسحاق فقال فيه: "هل تعلمون أن رومة لم يكن يشرب منها أحد إلا بثمن"٢ لكن لا يتعين الوهم فقد روى البغوي في "الصحابة" من طريق بشر بن بشير الأسلمي عن أبيه قال: لما قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء وكانت لرجل من بني غفار عين يقال لها: رومة وكان يبيع منها القربة بمد. فقال له النبي ﷺ : "تبيعنيها بعين في الجنة" فقال: يا رسول الله ليس لي ولا لعيالي غيرها فبلغ ذلك عثمان ﵁ فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبي ﷺ فقال: أتجعل لي فيها ما جعلت له قال: "نعم" قال: قد جعلتها للمسلمين "وإن كانت أولا عيناً فلا مانع أن يحفر فيها عثمان بئراً ولعل العين كانت تجري إلى بئر فوسعها وطواها فنسب حفرها إليه"٣. ٤- روى الترمذي ﵀ بإسناده إلى ثمامة بن حزن القشيري قال: شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان فقال ائتوني بصاحبيكم اللذين ألباكم علي؟ قال: فجيء بهما كأنهما جملان، أو كأنهما حماران قال فأشرف عليهم عثمان فقال: أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قدم المدينة وليس بها

стр. 204

ماء يستعذب غير بئر رومة فقال رسول الله ﷺ : "من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة" فاشتريتها من صلب مالي فأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب منها حتى أشرب من ماء البحر؟ قالوا: اللهم نعم، فقال: أنشدكم بالله وبالإسلام هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله؟ فقال رسول الله ﷺ : "من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة"؟ فاشتريتها من صلب مالي وأنتم اليوم تمنعوني أن أصلي فيها ركعتين؟ قالوا: اللهم نعم قال: أنشدكم بالله وبالإسلام هل تعلمون أني جهزت جيش العسرة من مالي؟ قالوا: اللهم نعم، قال: أنشدكم بالله وبالإسلام هل تعلمون أن رسول الله ﷺ كان على ثبير مكة ومعه أبو بكر وعمر وأنا، فتحرك الجبل حتى تساقطت حجارته بالحضيض قال فركضه برجله فقال: "اسكن ثبير فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان" قالوا: اللهم نعم، قال: الله أكبر شهدوا لي ورب الكعبة أني شهيد ثلاثاً" ثم قال الترمذي ﵀ عقب الحديث "هذا حديث حسن قد روي من غير وجه عن عثمان"١. وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى روايات توضح مقدار المال الذي اشترى به عثمان ﵁ بئر رومة والبقعة التي زيدت في توسعة المسجد أما بالنسبة لمقدار المال الذي اشترى به بئر رومة فقد أورد رواية أنه اشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم وهي من رواية بشير الأسلمي التي أخرجها البغوي في كتابه "الصحابة" وأنها كانت لرجل من بني غفار وقد تقدم ذكرها قريباً. وأما مقدار المال الذي اشترى به البقعة التي زيدت في المسجد فقال: "وزاد النسائي من رواية الأحنف بن قيس عن عثمان أنه اشتراها بعشرين ألفاً أو بخمسة وعشرين ألفاً"٢.

стр. 205

٥- روى الترمذي بإسناده إلى عبد الرحمن بن حباب السلمي قال: شهدت النبي ﷺ وهو يحث على جيش العسرة فقام عثمان بن عفان فقال: يا رسول الله علي مائة بعير بأحلاسها١ وأقتابها٢ في سبيل الله ثم حض على الجيش فقام عثمان بن عفان فقال: يا رسول الله علي مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش فقام عثمان بن عفان فقال: يا رسول الله علي ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله فأنا رأيت رسول الله ﷺ ينزل عن المنبر وهو يقول: "ما على عثمان ما عمل بعد هذه ما على عثمان ما عمل بعد هذه" ٣. ٦- وروى الإمام أحمد بإسناده إلى عبد الرحمن بن سمرة قال: "جاء عثمان بن عفان إلى النبي ﷺ بألف دينار في ثوبه حين جهز ﷺ جيش العسرة قال فصبها في حجر النبي ﷺ فجعل النبي ﷺ يقلبها بيده ويقول: "ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم" يرددها مراراً"٤. قال العلامة ابن القيم ذاكراً صفة خروج النبي ﷺ إلى غزوة تبوك: "ثم إن رسول الله ﷺ جد في سفره وأمر الناس بالجهاز وحض أهل الغنى على النفقة والحملات في سبيل الله فحمل رجال واحتسبوا وأنفق عثمان بن عفان في ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها، كانت ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها وعدتها، وألف دينار عيناً"٥. فشهادة النبي ﷺ له بالجنة في شرائه بئر رومة وتحبيسها على المسلمين

стр. 206

غنيهم وفقيرهم، وزيادته في المسجد، وتجهيزه جيش العسرة مع قوله ﷺ "ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم" وهذا كقوله ﷺ : "وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" كل هذه الخصال المذكورة من أعظم مناقبه ﵁ وقد ذكرها يوم كان محصوراً في داره من قبل الزائغين الذين خرجوا عليه بغية الفساد في الأرض وصدقه بها كبار الصحابة وفضلاؤهم الذين سمعوها من النبي ﷺ مثل سعد بن أبي وقاص وعلي والزبير وطلحة ﵃ أجمعين. ٧- وروى الإمام مسلم بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ مضطجعاً في بيتي كاشفاً عن فخذيه، أو ساقيه فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال فتحدث ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك فتحدث، ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله ﷺ وسوى ثيابه ـ قال محمد ـ ولا أقول ذلك في يوم واحد فدخل فتحدث فلما خرج قالت: عائشة دخل أبو بكر فلم تهتش١ له ولم تباله ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك فقال: "ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة" ٢. هذا الحديث تضمن فضيلة ظاهرة لعثمان ﵁ وبيان أنه جليل القدر حتى عند الملائكة. كما دل الحديث أيضاً: على أن الحياء صفة حميدة، من صفات الملائكة. ٨- وروى مسلم أيضاً: بإسناده إلى يحيى بن سعيد بن العاص أن سعيد بن العاص أخبره أن عائشة زوج النبي ﷺ وعثمان حدثاه أن أبا بكر استأذن

стр. 207

على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على فراشه لابس مرط١ عائشة فأذن لأبي بكر وهو كذلك فقضى إليه حاجته ثم انصرف، ثم استأذن عمر فأذن له وهو على تلك الحال فقضى إليه حاجته ثم انصرف، قال عثمان ثم استأذنت عليه فجلس وقال لعائشة: "اجمعي عليك ثيابك" فقضيت إليه حاجتي ثم انصرف فقالت عائشة: يا رسول الله مالي لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر ﵄ كما فزعت لعثمان قال رسول الله ﷺ : "إن عثمان رجل حيي وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال أن لا يبلغ إلي في حاجته" ٢. وهذا الحديث كالذي قبله فيه بيان مكانة عثمان عند النبي ﷺ وثناؤه عليه بأنه حيي وأنه ﵊ اهتم بدخوله عليه واحتفل به وبين لعائشة ﵂ العلة في ذلك. ٩- وروى البخاري بإسناده إلى عبيد الله بن عدي بن الخيار أخبره أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث قالا: ما يمنعك أن تكلم عثمان لأخيه الوليد فقد أكثر الناس فيه؟ فقصدت لعثمان حتى خرج إلى الصلاة قلت إن لي إليك حاجة وهي نصيحة لك. قال: يا أيها المرء منك قال معمر: أراه قال: أعوذ بالله منك فانصرفت فرجعت إليهما إذ جاء رسول عثمان فأتيته فقال ما نصيحتك؟ فقلت: إن الله ـ سبحانه ـ بعث محمداً ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب وكنت ممن استجاب لله ولرسوله ﷺ فهاجرت الهجرتين وصحبت رسول الله ﷺ ورأيت هديه وقد أكثر الناس في شأن الوليد قال: أدركت رسول الله ﷺ ؟ فقلت: لا ولكن خلص إلي من علمه ما يخلص إلى العذراء في سترها قال: أما بعد فإن الله بعث محمداً ﷺ بالحق فكنت ممن استجاب لله ولرسوله وآمنت بما بعث به وهاجرت الهجرتين ـ كما قلت ـ وصحبت

стр. 208

رسول الله ﷺ وبايعته فوالله ما عصيته ولا غششته حتى توفاه الله، ثم أبو بكر مثله ثم عمر مثله، ثم استخلفت أفليس لي من الحق مثل الذي لهم؟ قلت: بلى قال: فما هذه الأحاديث التي تبلغني عنكم؟ أما ما ذكرت من شأن الوليد فسنأخذ فيه بالحق إن شاء الله ثم دعا علياً فأمره أن يجلده فجلده ثمانين"١. هذا الحديث اشتمل على مناقب ظاهرة لعثمان ﵁ وهي أنه كان ممن استجاب لله والرسول وآمن بما جاء به الرسول ﷺ حق الإيمان، وهاجر الهجرتين وصحب رسول الله ﷺ فأحسن صحبته ومات ﵊ وهو عنه راض، ثم أبو بكر مثله، ثم عمر كذلك وتوفيا ﵄ وهما عنه راضيان، ولما طلب منه إقامة الحد على أخيه الوليد فما أن ثبت لديه ما يوجب ذلك إلا وأمر علياً بإقامة الحد عليه وهذا فيه دلالة على مراعاته للحق والأخذ به عند ظهوره وفي هذا منقبة من مناقبه ﵁. ١٠- روى الإمام أحمد بإسناده إلى سلمة بن عبد الرحمن قال: أشرف عثمان ﵁ من القصر وهو محصور فقال: أنشد بالله من شهد رسول الله ﷺ يوم حراء٢ إذ اهتز الجبل فركله بقدمه ثم قال: "اسكن حراء ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد" وأنا معه فانتشد له رجال قال: أنشد بالله من شهد رسول الله ﷺ يوم بيعة الرضوان إذ بعثني إلى المشركين إلى أهل مكة قال: "هذه يدي وهذه يد عثمان ﵁" فبايع لي فانتشد له رجال"٣. هذا الحديث تضمن منقبتين عظيمتين لذي النورين ﵁: الأولى: إخبار الرسول ﷺ بأنه سيموت شهيداً وقد كان ذلك فإنه ﵁ قتل شهيداً على أيدي الخارجين عليه ظلماً وعدواناً.

стр. 209

الثانية: أن الرسول ﷺ بايع عنه بيده الشريفة بيعة الرضوان حيث إنه كان مبعوثاً من قبل الرسول ﷺ لإبلاغ أهل مكة أنه ﵊ جاء معتمراً لا محارباً، وهاتان المنقبتان دلتا على علو مكانته وعظيم فضله ﵁ وأرضاه. ١١- ومن مناقبه ﵁ إجماع الصحابة على خيريته ﵁ وأفضليته بعد الشيخين فإنه لما بويع لم يبق في الشورى إلا هو وعلي والحكم عبد الرحمن بن عوف وبقي عبد الرحمن بن عوف ثلاثة أيام بلياليها يشاور المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان ويشاور أمهات المؤمنين، ويشاور أمراء الأمصار فإنهم كانوا بالمدينة حجوا مع عمر وشهدوا موته حتى قال عبد الرحمن: إن لي ثلاثاً ما اغتمضت بنوم وبعد هذا كله وبعد أخذ المواثيق منهما على أن يبايع من بايعه أعلن النتيجة بعد هذا الاستفتاء وهي قوله: إني رأيت الناس لا يعدلون بعثمان فبايعه علي وعبد الرحمن وسائر المسلمين بيعة رضى واختيار"١. فدل هذا الإجماع على أنه أفضل الخلق بعد أبي بكر وعمر ﵃ جميعاً. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا إجماع منهم على تقديمهم لعثمان على عليّ٢ ولما سأل رجل عبد الله بن المبارك أيهما أفضل عليّ أو عثمان قال: "قد كفانا ذاك عبد الرحمن بن عوف"٣ وقال عبد الله بن مسعود: "أمرنا خير من بقي ولم نأل"٤ ولهذا قال أيوب السختياني وأحمد بن حنبل والدارقطني: "من قدم

стр. 210

علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار"١ وقد بين معنى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: "لو لم يكن عثمان أحق بالتقديم وقد قدموه كانوا إما جاهلين بفضله وإما ظالمين بتقديم المفضول من غير ترجيح ديني ومن نسبهم إلى الجهل والظلم فقد أزرى بهم"٢. ١٢- ومن مناقبه الكبار وحسناته العظيمة أنه جمع الناس على مصحف واحد وكتب المصحف على العرضة الأخيرة التي درسها جبريل على رسول الله ﷺ في آخر سني حياته وكان سبب ذلك أن حذيفة بن اليمان كان في بعض الغزوات وقد اجتمع فيها خلق من أهل الشام ممن يقرأ على قراءة المقداد بن الأسود وأبي الدرداء وجماعة من أهل العراق ممن يقرأ على قراءة عبد الله بن مسعود وأبي موسى وجعل من لا يعلم بسوغان القراءة على سبعة أحرف يفضل قراءته على قراءة غيره وربما خطأ الآخر أو كفره فأدى ذلك إلى اختلاف شديد، وانتشار في الكلام السيئ بين الناس فركب حذيفة إلى عثمان فقال: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن تختلف في كتابها كاختلاف اليهود والنصارى في كتبهم وذكر له ما شاهد من اختلاف الناس في القراءة فعند ذلك جمع عثمان الصحابة وشاورهم في ذلك ورأى أن يكتب المصحف على حرف واحد، وأن يجمع الناس في سائر الأقاليم على القراءة به دون ما سواه لما رأى في ذلك من مصلحة كف المنازعة ودفع الاختلاف. فاستدعى بالصحف التي كان الصديق أمر زيد بن ثابت بجمعها فكانت عند الصديق أيام حياته، ثم كانت عند عمر فلما توفي صارت إلى حفصة أم المؤمنين فاستدعى بها عثمان وأمر زيد بن ثابت الأنصاري أن يكتب، وأن يملي عليه سعد بن العاص الأموي بحضرة عبد الله بن الزبير الأسدي وعبد الرحمن بن

стр. 211

الحارث بن هشام المخزومي، وأمرهم إذا اختلفوا في شيء أن يكتبوه بلغة قريش، فكتب لأهل الشام مصحفاً، ولأهل مصر آخر، وبعث إلى البصرة مصحفاً وإلى الكوفة بآخر وأرسل إلى مكة مصحفاً وإلى اليمن مثله وأقر بالمدينة مصحفاً ويقال لهذه المصاحف الأئمة"١. وبهذا العمل الجليل يعتبر عثمان ﵁ من عباد الله الصالحين الذين أيد الله بهم دينه وحفظ بهم كتابه ﵁ وأرضاه. ١٣- ومن مناقبه ﵁ أن النبي ﷺ أخبر أنه سيكون مستمراً على الهدى المستقيم عند حلول الفتنة، وهذه منقبة عظيمة له ﵁. فقد روى الحاكم بإسناده إلى مرة بن كعب قال: سمعت رسول الله ﷺ يذكر فتنة فقربها فمر به رجل مقنع٢ في ثوب فقال: "هذا يومئذ على الهدى" فقمت إليه فإذا هو عثمان ﵁ فأقبلت بوجهه فقلت: هو هذا قال: "نعم" ٣. ١٤- ومن مناقبه ﵁ أن النبي ﷺ أرشد الأمة بالالتفاف حوله عند نزول الفتنة والاختلاف وفي هذا تنبيه إلى أن عثمان ﵁ ممن أسعدهم الله ووفقهم لسلوك طريقه المستقيم. فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنها ستكون فتنة واختلاف، أو اختلاف وفتنة" قال: قلنا يا رسول الله فما تأمرنا قال: "عليكم بالأمير وأصحابه" وأشار إلى عثمان"٤. ١٥- ومن مناقبه الرفيعة ﵁ وفاؤه ﵁ بما عهد إليه النبي ﷺ وإصباره نفسه على طاعة رسول الله ﷺ وذلك أنه ﵁

стр. 212

لما جاءه الخوارج الذين خرجوا عليه من الأمصار وجاءوا إلى المدينة وحصروه في داره ﵁ فوق أربعين يوماً وكان عددهم كما قال ابن العربي: أربعة آلاف وكلهم يريد قتله وكان عدد الذين لا يريدون قتله أربعين ألفاً"١ وكان باستطاعته ﵁ أن يأمر بالدفاع عنه وقد عرض عليه كثير من فضلاء الصحابة أن يأذن لهم في قتال هؤلاء المارقين وطردهم عنه ولكنه أبى ﵁ خشية من أن يسفك دم بسببه، وناشد من كان معه في داره من الصحابة أن يخرجوا عنه ولما خرجوا تسلق عليه أولئك الأخلاط الظلمة داره وأحرقوا الباب ودخلوا عليه وقتلوه ورضي أن يكون عبد الله المقتول لا عبد الله القاتل وفاءا بعهد النبي ﷺ إليه. فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "ادعوا لي أو ليت عندي رجلاً من أصحابي " قالت: قلت: أبو بكر قال: "لا" قلت: عمر قال: "لا" قلت: ابن عمك عليّ قال: "لا" قلت: فعثمان قال: "نعم" قالت: فجاء عثمان فقال: "قومي" قال: فجعل النبي ﷺ يسر إلى عثمان ولون عثمان يتغير قال: فلما كان يوم الدار قلنا ألا نقاتل قال: لا إن رسول الله ﷺ عهد إليّ أمراً فأنا صابر نفسي عليه"٢. تلك طائفة من الأحاديث والآثار التي دلت على فضل عثمان ﵁ وفي بعضها دلالة على تقديمه بعد الشيخين وهذا معتقد الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة وهي العقيدة التي ينبغي أن تحل في قلب المسلم الذي رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً.

стр. 213

المبحث الرابع: فضل أبي السبطين علي ﵁ أجمع أهل السنة من السلف والخلف من أهل الفقه والأثر أن أبا السبطين أفضل الخلق بعد أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ أجمعين واسمه ﵁ عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي ويكنى بأبي تراب وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي ويقال إنها أول هاشمية ولدت هاشمياً وقد أسلمت وهاجرت. وعليّ ﵁ أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى وتوفي رسول الله ﷺ وهو عنه راض وكان ﵁ رابع الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين المأمور بالاقتداء بهم، وكان ممن سبق إلى الإسلام لم يتلعثم، وتربى في حجر النبي ﷺ وزوجه ابنته فاطمة ﵂، وهاجر إلى المدينة وشهد بدراً والحديبية وسائر المشاهد غير تبوك لأن النبي ﷺ خلفه فيها على المدينة وأبلى ببدر وأحد وبالخندق وبخيبر بلاءاً عظيماً، وأغنى في تلك المشاهد وقام فيها المقام الكريم وكان لواء النبي ﷺ بيده في مواطن كثيرة، وجاهد في الله حق جهاده ونهض بأعباء العلم والعمل والفتيا ﵁ وأرضاه. وكان ﵁ من جملة من غسل النبي ﷺ وكفنه وولي دفنه"١.

стр. 214

ولقد وردت الأحاديث الكثيرة والأخبار الشهيرة التي دلت على فضله ﵁ ومنها: ١- ما رواه الشيخان من حديث سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: "لأعطين هذه الراية رجلاً يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله" قال: فبات الناس يدكون١ ليلتهم أيهم يعطاها قال: فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها فقال: "أين علي بن أبي طالب" فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه قال: فأرسلوا إليه فأتي به فبصق رسول الله ﷺ في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية فقال عليّ: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا فقال: "انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم" ٢. وفي رواية أخرى عند مسلم من حديث أبي هريرة: " ... قال عمر بن الخطاب ﵁: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ قال: فتساورت لها رجاء أن أدعى لها قال فدعا رسول الله ﷺ علياً بن أبي طالب فأعطاه إياها"٣. هذا الحديث تضمن منقبة ظاهرة لأمير المؤمنين علي ﵁ وأرضاه وهي قوله: "يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله" ومعنى أن علياً يحب الله ورسوله أراد بذلك وجود حقيقة المحبة وإلا فكل مسلم يشترك مع علي في مطلق هذه الصفة وفي هذا الحديث تلميح بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ٤ فكأنه أشار إلى أن علياً تام الاتباع لرسول الله ﷺ حتى

стр. 215

اتصف بصفة محبة الله له"١. وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: قوله: يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله: "فيه فضيلة عظيمة لعلي ﵁ لأن النبي ﷺ شهد له بذلك"٢. ومعنى قول عمر ﵁: "فتساورت لها" معناه تطاولت لها أي: حرصت عليها وأظهرت وجهي وتصديت لذلك ليتذكرني. وقوله: ﵁ "فما أحببت الإمارة إلا يومئذ" إنما كانت محبته لها لما دلت عليه هذه الإمارة من محبته لله ورسوله ﷺ ومحبتهما له والفتح على يديه٣. ٢- وروى الشيخان من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه ﵁ قال: قال رسول ﷺ لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي" قال سعيد بن المسيب: فأحببت أن أشافه بها سعداً فلقيت سعداً فحدثته بما حدثني عامر فقال: أنا سمعته فقلت: أنت سمعته؟ فوضع أصبعه على أذنيه فقال: نعم وإلا فاستكتا٤. وهذا الحديث فيه فضيلة عظمى لعل ﵁ تضمنها قوله ﷺ : "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي" حيث بين ﵊ منزلة علي منه ومكانته العظيمة عنده ﵊. ونقل الإمام النووي عن القاضي عياض أنه قال: "هذا الحديث مما تعلقت به الروافض والإمامية وسائر فرق الشيعة في أن الخلافة كانت حقاً لعلي وأنه وصى له بها قال: ثم اختلف هؤلاء فكفرت الروافض سائر الصحابة في تقديمهم غيره وزاد
следующие страницы →