لظئرين ١ تكملان رضاعه ٢ في الجنة" ٣.
٣- وروى الإمام البخاري بإسناده إلى البراء بن عازب قال: لما مات إبراهيم ﵇ قال رسول الله ﷺ : "إن له مرضعاً في الجنة" ٤.
٤- وروى الإمام أحمد بإسناده إلى البراء قال: قال رسول الله ﷺ : "لإبراهيم مرضع في الجنة" ٥.
٥- وروى محمد بن سعد في الطبقات٦ بإسناده إلى البراء بن عازب قال: لما مات إبراهيم بن النبي ﷺ : قال رسول الله ﷺ : "أما إن له مرضعاً في الجنة".
ومعنى هذه الأحاديث أن له مرضعاً في الجنة تكمل إرضاعه لأن لما مات كان ابن ستة عشر شهراً، أو ثمانية عشر شهراً على اختلاف الروايتين٧.
فيرضع بقية السنتين فإنه تمام الرضاعة بنص القرآن "وهذا الإتمام لإرضاع إبراهيم ﵁ يكون عقب موته فيدخل الجنة متصلاً بموته فيتم فيها رضاعه كرامة له ولأبيه ﷺ "٨.
٦- وروى البخاري بإسناده إلى إسماعيل بن أبي خالد قال: قلت لابن أبي أوفى رأيت إبراهيم ابن النبي ﷺ ؟ قال: مات صغيراً، ولو قضى أن يكون
стр. 282
بعد محمد ﷺ نبي عاش ابنه ولكن لا نبي بعده١.
قال الحافظ هكذا جزم به عبد الله بن أبي أوفى ومثل هذا لا يقال بالرأي وقد توارد عليه جماعة:
فأخرج ابن ماجه من حديث ابن عباس قال: لما مات إبراهيم ابن النبي ﷺ قال: "إن له مرضعاً في الجنة لو عاش لكان صديقاً نبياً ولأعتقت أخواله القبط" ٢.
وروى أحمد وابن منده من طريق السدي: "سألت أنساً كم بلغ إبراهيم؟ قال: كان قد ملأ المهد ولو بقي لكان نبياً، ولكن لم يكن ليبقى لأن نبيكم آخر الأنبياء".
ولفظ أحمد لو عاش إبراهيم ابن النبي لكان صديقاً نبياً٣ فهذه عدة أحاديث صحيحة عن هؤلاء الصحابة أنهم أطلقوا ذلك فلا أدري ما الذي حمل النووي في ترجمة إبراهيم المذكور من كتاب تهذيب الأسماء واللغات على استنكار ذلك ومبالغته حيث قال: هو باطل وجسارة في الكلام على المغيبات ومجازفة وهجوم على عظيم من الزلل٤، ويحتمل أن يكون استحضر ذلك عن الصحابة المذكورين فرواه عن غيرهم ممن تأخر عنهم فقال ذلك وقد استنكر قبله ابن عبد البر في الاستيعاب الحديث المذكور فقال: هذا لا أدري ما هو وقد ولد لنوح من ليس بنبي وكما يلد غير النبي نبياً فكذا يجوز عكسه٥ حتى نسب
стр. 283
قائله إلى المجازفة والخوض في الأمور المغيبة بغير علم إلى غير ذلك مع أن الذي نقل عن الصحابة المذكورين إنما أتوا فيه بقضية شرطية١.
ولما مات إبراهيم ﵁ حزن عليه النبي ﷺ حزناً عظيماً حتى ذرفت عيناه ﵊ بالدمع عليه فقد روى الإمام مسلم بإسناده إلى أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم" ثم دفعه إلى أم سيف امرأة قين يقال له: أبو سيف فانطلق يأتيه واتبعته فانتهينا إلى أبي سيف وهو ينفخ بكيره قد امتلأ البيت دخاناً فأسرعت المشي بين يدي رسول الله ﷺ فقلت: يا أبا سيف أمسك جاء رسول الله ﷺ فأمسك فدعا النبي ﷺ بالصبي فضمه إليه وقال ما شاء الله أن يقول: فقال أنس: لقد رأيته وهو يكيد بنفسه٢ بين يدي رسول الله ﷺ فدمعت عينا رسول الله ﷺ فقال: "تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي ربنا والله يا إبراهيم إنا بك لمحزنون" ٣.
والذي أخلص إليه مما تقدم في الأحاديث أنها اشتملت على بيان فضل إبراهيم ابن النبي ﷺ وبيان مكانته عند المصطفى ﵊، كما دلت على أنه جليل القدر رفيع المنزلة.
стр. 284
٢) الحسن بن علي ﵁:
هو أبو محمد الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمي، سبط رسول الله ﷺ ، ابن بنته فاطمة الزهراء وريحانته، وأشبه خلق الله به في وجهه ولد للنصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة فحنكه رسول الله ﷺ بريقه وسماه حسناً، وهو أكبر ولد أبويه، وقد كان رسول الله ﷺ يحبه حباً شديداً حتى كان يقبل زبيبته١ وهو وربما مص لسانه واعتنقه وداعبه، وربما جاء ورسول الله ﷺ ساجد في الصلاة فيركب على ظهره فيقره على ذلك ويطيل السجود من أجله وربما صعد إلى المنبر٢ "وكانت فاته ﵁ سنة خمسين من الهجرة بالمدنية النبوية"٣.
وقد وردت أحاديث كثيرة في بيان مناقبه ﵁ منها ما وردت فيه منقبة خاصة به، ومنها ما فيه منقبة مشتركة بينه وبين أخيه الحسين وكذلك الحسين ﵁ وردت له مناقب انفرد بها ومناقب أخرى اشترك فيها مع أخيه الحسن وسأبدأ بذكر طائفة من المناقب التي انفرد بها: كل واحد منهما، ثم أعقب ذلك بذكر طائفة من المناقب التي اشتركا فيها معاً ﵄، فمن المناقب التي انفرد بها الحسن ﵁:
١- ما رواه البخاري بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: عانق النبي ﷺ الحسن٤.
وروى البخاري بإسناده إلى أبي بكر ﵁ قال سمعت النبي
стр. 285
صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن إلى جنبة ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة ويقول: "ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين" ١.
هذا الحديث فيه منقبة للحسن ﵁ فقد أخبر النبي ﷺ بأنه سيد. قال ابن الأثير: "قيل أراد به الحليم لأنه قال في تمامه: " وإن الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" ٢.
وجاء في تحفة الأحوذي: "فيه أن السيادة لا تختص بالأفضل بل هو الرئيس على القوم والجمع سادة وهو مشتق من السؤدد وقيل السواد لكونه يرأس على السواد العظيم من الناس: أي الأشخاص الكثيرة ولعل الله أن يصلح به بين فئتين تثنية فئة وهي الفرقة"٣.
ووصفه ﵊ للفئتين بالعظيمتين كما في رواية عند البخاري٤ "لأن المسلمين كانوا يومئذ فرقتين فرقة مع الحسن ﵁ وفرقة مع معاوية وهذه معجزة عظيمة من النبي ﷺ حيث أخبر بهذا فوقع مثل ما أخبر، وأصل القضية أن علي بن أبي طالب لما ضربه عبد الرحمن بن ملجم المرادي يوم الجمعة وليلة السبت وتوفي ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من رمضان سنة أربعين من الهجرة وبويع لابنه الحسن بالخلافة في شهر رمضان من هذه السنة وأقام الحسن أياماً مفكراً في أمره ثم رأى اختلاف الناس فرقة من جهته وفرقة من جهة معاوية ولا يستقيم الأمر، ورأى النظر في إصلاح المسلمين وحقن دمائهم أولى من النظر في حقه سلم الخلافة لمعاوية في الخامس من ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين، وقيل من ربيع الآخر وقيل في غرة جمادى الأولى وكانت خلافته ستة أشهر إلا أياماً وسمي هذا العام عام الجماعة وهذا الذي أخبر به النبي
стр. 286
صلى الله عليه وسلم "لعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين" ١.
"فالحديث فيه علم من أعلام النبوة، ومنقبة للحسن بن علي فإنه ترك الملك لا لقلة ولا لذلة ولا لعلة بل لرغبته فيما عند الله لما رآه من حقن دماء المسلمين فراعى أمر الدين ومصلحة الأمة٢.
٣- وروى الشيخان في صحيحهما عن البراء بن عازب قال: رأيت الحسن بن علي على عاتق النبي ﷺ وهو يقول: "اللهم إني أحبه فأحبه" ٣.
٤- وروى البخاري بإسناده إلى أسامة بن زيد ﵄ عن النبي ﷺ أنه كان يأخذه والحسن ويقول: "اللهم إني أحبهما فأحبهما" ٤.
٥- وروى الإمام مسلم بإسناده إلى أبي هريرة قال: خرجت مع رسول الله ﷺ في طائفة من النهار لا يكلمني ولا أكلمه حتى جاء سوق بني قينقاع ثم انصرف حتى أتى خباء فاطمة فقال: "أثم لكع أثم لكع" يعني "حسناً" فظننا أنه إنما تحبسه أمه لأن تغسله وتلبسه سخابا٥ "فلم يلبث أن جاء يسعى حتى اعتنق كل واحد منهما صاحبه"٦.
هذه الثلاثة الأحاديث فيها بيان لفضل الحسن بن علي كما تضمنت الحث على حبه ﵁ وأرضاه.
٦- وروى البخاري بإسناده إلى أنس ﵁ قال: لم
стр. 287
يكن أحد أشبه بالنبي ﷺ من الحسن بن علي١.
٧- وروى أيضاً بإسناده إلى عقبة بن الحارث قال: رأيت أبا بكر ﵁ وحمل الحسن وهو يقول: بأبي شبيه بالنبي ليس شبيها بعلي وعلي يضحك٢.
فكونه ﵁ شبه جده ﵊ في الخلق منقبة عظيمة له وفضيلة ظاهرة.
٨- وروى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ أنه لقى الحسن بن علي فقال رأيت رسول الله ﷺ قبل بطنك فاكشف الموضع الذي قبل رسول الله ﷺ حتى أقبله قال: وكشف فقبله"٣.
فتقبيل المصطفى ﵊ لأبي محمد الحسن بن علي ﵄ منقبة عظيمة، وفضيلة ظاهرة، ولذلك حرص أبو هريرة على أن يقبله في الموضع الذي قبله فيه النبي ﷺ لإظهار هذه المنقبة العظيمة.
٩- وروى أيضاً بإسناده إلى أبي سعيد المقبري قال: كنا مع أبي هريرة فجاء الحسن بن علي بن أبي طالب علينا فسلم فرددنا ﵇ ولم يعلم به أبو هريرة فقلنا له يا أبا هريرة هذا الحسن بن علي قد سلم علينا فلحقه وقال: وعليك السلام يا سيدي ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنه سيد"٤.
فإخبار النبي ﷺ بأن الحسن سيد مفخرة عظيمة وميزة شريفة له ﵁ وأرضاه.
١٠- وروى أيضاً بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال لا أزال أحب هذا الرجل بعد ما رأيت رسول الله ﷺ يصنع ما يصنع رأيت الحسن في
стр. 288
حجر النبي ﷺ وهو يدخل أصابعه في لحية النبي والنبي ﷺ يدخل لسانه في فمه ثم قال: "اللهم إني أحبه فأحبه" ١.
١١- وروى الإمام أحمد بإسناده إلى معاوية ﵁ قال: "رأيت رسول الله ﷺ يمص لسانه أو قال شفتيه ـ يعني الحسن بن علي ـ وإنه لن يعذب لسان أو شفتان يمصهما رسول الله ﷺ "٢.
فإدخاله ﵊ لسانه في فم الحسن ﵁ ومص لسانه وإخباره بأنه يحبه ودعا الله تعالى أن يحبه منقبة عظيمة تدل على علو شأنه وبيان مكانته عند النبي ﷺ وقد كان الحسن ﵁ مكرماً معززاً عند الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين الذين ولوا أمر الأمة بعد النبي ﷺ .
قال الحافظ ابن كثير: "وقد كان الصديق يجله ويعظمه ويكرمه ويحبه ويتفداه، وكذلك عمر بن الخطاب، فروى الواقدي عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التميمي عن أبيه أن عمر لما عمل الديوان فرض للحسن والحسين مع أهل بدر في خمسة آلاف خمسة آلاف، وكذلك كان عثمان بن عفان يكرم الحسن والحسين ويحبهما وقد كان الحسن بن علي يوم الدار وعثمان بن عفان محصور عنده ومعه السيف متقلداً به يحاجف عن عثمان، فخشي عثمان عليه فأقسم عليه ليرجعن إلى منزلهم تطييباً لقلب علي، وخوفاً عليه ﵃ وكان علي يكرم الحسن إكراماً زائداً ويعظمه ويبجله وقد قال له يوماً: يا بني ألا تخطب حتى أسمعك؟ فقال: إني أستحي أن أخطب وأنا أراك فذهب علي فجلس حيث لا يراه الحسن، ثم قام الحسن في الناس خطيباً وعلي يسمع فأدى خطبة بليغة فصيحة فلما انصرف جعل علي يقول: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ
стр. 289
سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ١.
وقد كان ابن عباس يأخذ الركاب للحسن والحسين إذا ركبا، ويرى هذا من النعيم عليه، وكانا إذا طافا بالبيت يكاد الناس يحطمونهما مما يزدحمون عليهما للسلام عليهما ﵄ وأرضاهما.
وكان ابن الزبير يقول: "والله ما قامت النساء عن مثل الحسن بن علي.
وقال غيره: كان الحسن إذا صلى الغداة في مسجد رسول الله ﷺ يجلس في مصلاه يذكر الله حتى يرتفع الشمس، ويجلس إليه من يجلس من سادات الناس يتحدثون عنده، ثم يقوم فيدخل على أمهات المؤمنين فيسلم عليهن وربما أتحفنه، ثم ينصرف إلى منزله"٢ تلك طائفة من مناقب الحسن بن علي التي انفرد بها ﵁ وكلها تدل على أنه جليل القدر رفيع المنزلة ﵁ وأرضاه.
стр. 290
٣) الحسين بن علي ﵁:
هو أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي السبط الشهيد بكربلاء، ابن بنت رسول الله ﷺ فاطمة الزهراء وريحانته من الدنيا، عاصر النبي ﷺ وصحبه إلى أن توفي وهو عنه راض، ولكنه كان صغيراً، ثم كان الصديق يكرمه ويعظمه، وكذلك عمر وعثمان وصحب أباه وروى عنه، وكان معظماً موقراً ولم يزل في طاعة أبيه حتى قتل، ولد بعد أخيه الحسن، وكان مولده سنة أربع للهجرة، ومات ﵁ قتلاً في يوم عاشوراء من شهر الله المحرم سنة إحدى وستين هجرية١ بكربلاء من أرض العراق وذلك لما مات معاوية بن أبي سفيان ﵁ واستخلف من بعده ابنه يزيد قام أهل الكوفة بمكاتبة الحسين بن علي ﵁ وذكروا له أنهم في طاعته فخرج إليهم الحسين فسبقه عبيد الله بن زياد إلى الكوفة فخذل غالب الناس عنه فتأخروا رغبة ورهبة، وقتل ابن عمه مسلم بن عقيل، وكان الحسين قد قدمه قبله ليبايع له الناس فجهز إليه ابن زياد عسكراً فقاتلوه ﵁ إلى أن قتل هو وجماعة من أهل بيته٢.
وقد وردت أحاديث كثيرة في بيان مناقبه التي اختص بها وتفرد بها ومنها:
١- ما رواه البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك ﵁ قال: أتي عبيد الله بن زياد برأس الحسين ﵇ فجعل في طست فجعل ينكت وقال في حسنة شيئاً فقال أنس: كان أشبههم برسول الله ﷺ وكان مخضوباً بالوسمة٣.
стр. 291
٢- وفي رواية أخرى عن أنس قال لما أتى عبيد الله بن زياد برأس الحسين جعل ينكت بالقضيب ثناياه يقول: لقد كان أحسبه قال جميلاً فقلت: والله لأسوءنك إني رأيت رسول الله ﷺ يلثم١ حيث يقع قضيبك قال فانقبض٢.
٣- وروى الطبراني كما في البداية والنهاية لابن كثير عن زيد بن أرقم أنه قال لابن زياد وهو ينكت بقضيبه بين ثنيتي الحسين "ارفع هذا القضيب عن هاتين الثنيتين، فوالله الذي لا إله إلا هو لقد رأيت شفتي رسول الله ﷺ على هاتين الثنيتين يقبلهما"٣.
هذه الثلاثة الأحاديث فيها بيان فضل الحسين ﵁ فقد كان ﵁ أشبه أهل البيت برسول الله ﷺ وقد تقدم في حق الحسن "أنه لم يكن أحد أشبه برسول الله ﷺ من الحسن بن علي فيحصل التعارض ولكن الحافظ ابن حجر جمع بيهما فقال ﵀: "ويمكن الجمع بأن يكون أنس قال ما وقع في رواية الزهري في حياة الحسن لأنه يومئذ كان أشد شبهاً بالنبي ﷺ من أخيه الحسين وأما ما وقع في رواية ابن سيرين فكان بعد ذلك كما هو ظاهر من سياقه أو المراد عن فضل الحسين عليه في الشبه من عدا الحسن ويحتمل أن يكون كل منهما كان أشد شبهاً في بعض أعضائه.
فقد روى الترمذي وابن حبان من طريق هانيء بن هانيء عن علي قال: الحسن أشبه رسول الله ﷺ ما بين الرأس إلى الصدر والحسين أشبه النبي ﷺ ما أسفل من ذلك٤ ووقع في رواية عبد الأعلى عن معمر عند الإسماعيلي وفي رواية الزهري هذه وكان أشبههم وجهاً بالنبي ﷺ وهو يؤيد حديث علي هذا والله
стр. 292
أعلم"١.
٤- وروى الحاكم بإسناده إلى يعلى العامري ﵁ أنه خرج مع رسول الله ﷺ إلى طعام دعوا له قال: فاستقبل رسول الله ﷺ أمام القوم وحسين مع الغلمان يلعب فأراد رسول الله ﷺ أن يأخذه فطفق الصبي يفر هاهنا مرة وهاهنا مرة فجعل رسول الله يضاحكه حتى أخذه قال: فوضع إحدى يديه تحت قفاه والأخرى تحت ذقنه فوضع فاه على فيه يقبله فقال: "حسين مني وأنا من حسين أحب الله من أحب حسيناً حسين سبط من الأسباط" ٢.
جاء في تحفة الأحوذي: قال القاضي: "كأنه ﷺ علم بنور الوحي ما سيحدث بينه وبين القوم فخصه بالذكر وبين أنهما كالشيء الواحد في وجوب المحبة وحرمة التعرض والمحاربة، وأكد ذلك بقول: "أحب الله من أحب حسيناً" فإن محبته محبة الرسول ومحبة الرسول محبة الله٣.
فالحديث اشتمل على منقبة عالية للحسين ﵁ وأرضاه.
٥- وروى أيضاً بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: ما رأيت الحسين بن علي إلا فاضت عيني دموعاً وذاك أن رسول الله ﷺ خرج يوماً فوجدني في المسجد فأخذ بيدي واتكأ علي فانطلقت معه حتى جاء سوق بني قينقاع قال: وما كلمني فطاف ونظر ثم رجع ورجعت معه فجلس في المسجد واحتبى وقال لي: "ادع لي لكاع" فأتى حسين يشتد حتى وقع في حجرة ثم أدخل يده في لحية رسول الله ﷺ ، فجعل رسول الله ﷺ يفتح فم الحسين فيدخل فاه في فيه ويقول: "اللهم إني أحبه فأحبه" ٤.
стр. 293
٦- وروى أبو يعلى بإسناده إلى جابر بن عبد الله ﵁ قال: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى الحسين بن علي فإني سمعت رسول الله ﷺ يقوله١.
تلك طائفة من الأحاديث التي تضمنت ذكر فضل الحسين بن علي ﵁ منفرداً وقد وردت أحاديث كثيرة تضمنت ذكر مناقب مشتركة بين الحسن والحسين ﵄ ومنها:
١- ما رواه البخاري بإسناده إلى ابن عمر وقد سأله رجل من أهل العراق عن المحرم يقتل الذباب فقال ﵁: أهل العراق يسألون عن الذباب وقد قتلوا ابن بنت رسول الله ﷺ . وقال النبي ﷺ : "هما ريحانتاي من الدنيا" ٢.
ففي هذا الحديث منقبة ظاهرة للحسن والحسين ﵄ حيث شبههما ﵊ بالريحان الذي له رائحة زكية، وشبههما النبي ﷺ بالريحان لأن الولد يشم ويقبل وقد جاء من حديث أنس عند الترمذي أنه ﵊ كان يقول لفاطمة أمهما ﵂: "ادعي لي ابني فيشمهما ويضمهما إليه" ٣.
قال الكرماني: شارحاً لقوله ﵊: "هما ريحانتاي من الدنيا" الريحان الرزق أو المشموم وتعقبه العيني بقوله: "لا وجه هنا أن يكون بمعنى الرزق على ما لا يخفى"٤ والأمر كما قرره العيني.
стр. 294
٢- وروى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ومعه الحسن والحسين هذا على عاتقه وهذا على عاتقه وهو يلثم١ هذا مرة وهذا مرة حتى انتهى إلينا فقال له رجل: يا رسول الله إنك تحبهما. فقال: "نعم من أحبهما فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني" ٢.
٣- وروى أيضاً بإسناده إلى علي بن أبي طالب قال: لما ولدت فاطمة الحسن جاء النبي ﷺ فقال: "أروني ابني ما سميتموه" قال: قلت: سميته حرباً قال: "بل هو حسن" فلما ولدت الحسين جاء رسول الله ﷺ فقال: "أروني ابني ما سميتموه" قال: قلت: سميته حرباً فقال: "بل هو حسين"، ثم لما ولدت الثالث جاء رسول الله ﷺ قال: "أروني ابني ما سميتموه" قلت: سمتيه حرباً قال: "بل هو محسن" ٣.
فتسميته المصطفى ﵊ لهما بالحسنين منقبة وفضيلة لهما ﵄.
٤- وروى أبو عيسى الترمذي بإسناده إلى البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ أبصر حسناً وحسيناً فقال: "اللهم إني أحبهما فأحبهما"٤.
هذا الحديث والحديثان المتقدمان عليه فيها بيان واضح من النبي ﷺ لفضل الحسن والحسين ﵄ كما تضمنت حث الأمة جميعاً على حبهما وبين ﵊ أن حبهما حب له ﵊ وبغضهما بغض له ﷺ ومن حل في قلبه بغض الرسول كان من الخاسرين.
٥- وروى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى ابن عمر ﵄ قال:
стр. 295
قال رسول الله ﷺ : "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما" ١.
هذا الحديث اشتمل على منقبتين عظيمتين للحسنين ﵄: الأولى: شهادة النبي ﷺ لهما بالجنة. الثانية: إخباره ﵊ بأنهما سيدا شباب أهل الجنة وهذا يعني: "أنهما أفضل من مات شاباً في سبيل الله من أصحاب الجنة ولم يرد به سن الشباب لأنهما ماتا وقد كهلا بل ما يفعله الشباب من المروءة كما يقال: فلان فتى وإن كان شيخاً يشير إلى قوته وفتوته أو أنهما سيدا أهل الجنة سوى الأنبياء والخلفاء الراشدين وذلك لأن أهل الجنة كلهم في سن واحد وهو الشباب وليس فيهم شيخ ولا كهل. قال الطيبي: "ويمكن أن يراد هما الآن سيدا شباب من هم من أهل الجنة من شبان هذا الزمان"٢.
٦- روى الإمام مسلم بإسناده إلى إياس عن أبيه قال: لقد قدت بنبي الله ﷺ والحسن والحسين بغلته الشهباء حتى أدخلتهم حجرة النبي ﷺ هذا قدامه وهذا خلفه"٣.
هذا الحديث فيه فضيلة ظاهرة للحسن والحسين ﵄ وهذه الفضيلة هي إركابه ﵊ إياهما حيث جعل أحدهما أمامه والآخر خلفه على بغلته الشهباء.
٧- وروى أيضاً بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: خرج النبي ﷺ غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله ثم جاء الحسين فدخل معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله ثم قال:
стр. 296
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ ١.
وهذا الحديث اشتمل على ذكر فضيلة لعلي بن أبي طالب وابنيه الحسن والحسين وأمهما فاطمة ﵃ أجمعين وتلك المنقبة هي إدخاله إياهم ﵊ في الكساء الذي كان يرتديه، ثم أخبر أنهم من أهل البيت الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم منه تطهيراً.
قال النووي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ قيل: هو الشك. وقيل: العذاب. وقيل: الإثم قال الأزهري: الرجس اسم لكل مستقذر من عمل٢.
٨- وروى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ العشاء فكان يصلي فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره وإذا رفع رأسه أخذهما فوضعهما وضعاً رفيقاً فإذا عاد عادا فلما صلى جعل واحداً هاهنا وواحداً هاهنا فجئته فقلت: يا رسول الله ألا أذهب بهما إلى أمهما قال: "لا" فبرقت برقة فقال: "إلحقا بأمكما" فما زالا يمشيان في ضوئها حتى دخلا٣.
وهذا الحديث فيه إظهار فضل الحسن والحسين وبيان منزلتهما وعظم شأنهما.
٩- وروى أيضاً بإسناده إلى عبد الله بن شداد بن الهاد عن أبيه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ في إحدى صلاتي العشي الظهر أو العصر وهو حامل أحد ابنيه الحسن أو الحسين فتقدم رسول الله ﷺ فوضعه عند قدمه اليمنى فسجد رسول الله ﷺ سجدة أطالها قال أبي فرفعت رأسي من بين الناس فإذا رسول الله
стр. 297
صلى الله عليه وسلم ساجد وإذا الغلام راكب على ظهره فعدت فسجدت فلما انصرف رسول الله ﷺ قال الناس: يا رسول الله لقد سجدت في صلاتك هذه سجدة ما كنت تسجدها أفشيء أمرت به أو كان يوحى إليك؟ قال: "كل ذلك لم يكن ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته" ١.
١٠- وروى الترمذي بإسناده إلى أسامة بن زيد ﵁ قال: طرقت النبي ﷺ ذات ليلة في بعض الحاجة فخرج النبي ﷺ وهو مشتمل على شيء لا أدري ما هو فلما فرغت من حاجتي قلت: ما هذا الذي أنت مشتمل عليه فكشفه فإذا حسن وحسين على وركيه فقال: "هذان ابناي وابنا ابنتي اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما" ٢.
ومن مناقبهما التي أكرمهما الله بها أنهما ماتا شهيدين وهذا من إكرام الله ـ تعالى ـ لهما تكميلاً لكرامتهما ورفعا لدرجاتهما.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "ومن ذلك أن اليوم الذي هو يوم عاشوراء الذي أكرم الله فيه سبط نبيه وأحد سيدي شباب أهل الجنة بالشهادة على أيدي من قتله من الفجرة والأشقياء وكان ذلك مصيبة عظيمة من أعظم المصائب الواقعة في الإسلام ... ولا ريب أن ذلك إنما فعله الله كرامة للحسين ﵁، رفعاً لدرجته ومنزلته عند الله وتبليغاً له منازل الشهداء وإلحاقاً له بأهل بيته الذين ابتلوا بأصناف البلاء، ولم يكن الحسن والحسين حصل لهما من الابتلاء ما حصل لجدهما ولأمهما وعمهما لأنهما ولدا في عز الإسلام وتربيا في حجور المؤمنين فأتم الله نعمته عليهما بالشهادة أحدهما مسموماً٣
стр. 298
والآخر مقتولاً١ لأن الله عنده من المنازل العالية في دار كرامته ما لا ينالهما إلا أهل البلاء"أ. هـ٢.
فأهل السنة يعتقدون أن الحسين ﵁ قتل مظلوماً وقتله كذلك فيه تكريم له ورفع لدرجته عند الله كما يعتقدون أن قتله من أعظم المصائب التي وقعت في الإسلام وهم يلتزمون عند المصائب ما شرعه الله لهم من الاسترجاع وإن تقادم عهد المصيبة أما أعداء الصحابة والزاعمون أنهم شيعة أهل البيت فإنهم يعملون بخلاف ما أمرهم الله به فلا يسترجعون عند المصيبة وإنما يعملون المآتم في المصائب ويتخذون أوقاتها مآتم باستمرار وهذا ليس من دين الإسلام وهو: "أمر لم يفعله رسول الله ﷺ ولا أحد من السابقين الأولين ولا من التابعين لهم بإحسان ولا من عادة أهل البيت ولا غيرهم وقد شهد مقتل علي أهل بيته، وشهد مقتل الحسين من شهده من أهل بيته وقد مرت على ذلك سنون، وهم متمسكون بسنة رسول الله ﷺ لا يحدثون مأتماً ولا نياحة، بل يصبرون ويسترجعون كما أمر الله ورسوله أو يفعلون ما لا بأس به من الحزن والبكاء عند قرب المصيبة"٣.
وهذا ما عليه الفرقة الناجية التي تعمل بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ والتي قلوبهم ممتلئة بحب أصحاب نبيه وأهل بيته رضوان الله عليهم أجمعين وكل ما تقدم ذكره من مناقب للحسن والحسين على سبيل الانفراد أو على سبيل الاشتراك بينهما كلها دلت على أنهما جليلا القدر عظيما المكانة فعلى المسلم أن يعتقد اعتقاداً جازماً أنهما من أهل الفضل ومن صفوة الأمة المحمدية ﵄ وأرضاهما.
стр. 299
٤) حمزة بن عبد المطلب:
هو حمزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب الإمام البطل الضرغام أبو عمارة وأبو يعلى القرشي الهاشمي المكي ثم المدني البدري الشهيد عم رسول الله ﷺ وأخوه من الرضاعة أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب وهو أسد الله وأسد رسوله، ولد قبل النبي ﷺ بسنتين، وقيل بأربع كان من فرسان قريش وسادتها وصناديدها المعدودين أسلم في السنة الثانية من البعثة وهاجر إلى المدينة وشهد بدراً وأبلى فيها بلاء حسناً واستشهد في معركة أحد في النصف من شوال من السنة الثالثة للهجرة وسماه المصطفى ﵊ سيد الشهداء وحزن عليه حزناً شديداً فرضي الله عنه وأرضاه"١.
وقد وردت أحاديث كثيرة فيها ذكر مناقبه التي دلت على عظيم شأنه، وجليل قدره، وعلى أنه ذو مكانة عالية في الدنيا والآخرة ومن تلك الأحاديث:
١- ما رواه محمد بن سعد في كتابه الطبقات٢ بإسناده إلى يزيد بن رومان قال: أول لواء عقده رسول الله ﷺ حين قدم المدينة لحمزة بن عبد المطلب بعثة سرية في ثلاثين راكباً حتى بلغوا قريباً من سيف البحر يعترض لعير قريش وهي منحدرة إلى مكة قد جاءت من الشام وفيها أبو جهل بن هشام في ثلاثمائة راكب فانصرف ولم يكن بينهم قتال.
ففي هذا منقبة عظيمة تشرف بها حمزة ﵁ وهي أن أول لواء عقده رسول الله ﷺ حين قدم المدينة كان لعمه حمزة بن عبد المطلب ﵁
стр. 300
وقد كان الرسول ﵊ يجله ويكرمه ويقدره ويظهر له أنه ذو مكانة عنده.
٢- فقد روى الحاكم بإسناده إلى علي بن الحسين عن أبيه عن جده قال: جاء علي وحمزة إلى النبي ﷺ وقد اغتسلا فقال النبي ﷺ : "كيف صنعتما؟ " قال أحدهما: يا رسول الله سترته بالثوب وقال الآخر: فجعلت مثل ذلك فقال رسول الله ﷺ : "لو فعلتما غير ذلك لسترتكما" ١.
ففي هذا الحديث فضيلة ظاهرة لحمزة وعلي ﵄ وأرضاهما.
٣- وروى الإمام مسلم بإسناده إلى قيس بن عباد قال: سمعت أبا ذر يقسم قسماً أن ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ ٢. إنها نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة"٣.
٤- وروى الحاكم بإسناده إلى علي ﵁ قال: نزلت ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ في الذين برزوا يوم بدر حمزة بن عبد المطلب وعلي وعبيدة بن الحارث وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة قال علي: وأنا أول من يجثو للخصومة على ركبتيه بين يدي الله يوم القيامة"٤.
فهذان الحديثان تضمنا ذكر فضيلة ظاهرة لحمزة بن عبد المطلب ﵁ إذ المراد بالذين اختصموا في الله ـ سبحانه ـ هم حزب الله، وحزب الشيطان، فحزب الله كان في مقدمتهم حمزة بن عبد المطلب، وأما حزب الشيطان فهم عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة، وابنه الوليد فنصر الله حزبه، وخذل حزب الشيطان، فحمزة ﵁ كان في مقدمة الذين برزوا يوم بدر
стр. 301
لضرب المشركين بغية إعلاء كلمة الله ونصر الدين الحنيف.
٥- وروى الحاكم أيضاً بإسناده إلى جابر بن عبد الله ﵄ قال: "فقد رسول الله ﷺ يوم أحد حمزة حين فاء الناس من القتال قال: فقال رجل: رأيته عند تلك الشجرة وهو يقول: أنا أسد الله وأسد رسوله اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء لأبي سفيان وأصحابه وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء من انهزامهم فسار رسول الله ﷺ نحوه فلما رأى جبهته بكى ولما رأى ما مثل به شهق ثم قال: "ألا كفن" فقال رجل من الأنصار فرمى بثوب قال جابر: فقال رسول الله ﷺ : "سيد الشهداء عند الله يوم القيامة حمزة"١.
٦- وروى أيضاً: بإسناده إلى سعد بن أبي وقاص قال: كان حمزة بن عبد المطلب يقاتل يوم أحد بين يدي رسول الله ﷺ ويقول: أنا أسد الله٢.
وهذان الحديثان فيهما بيان منقبتين عظيمتين لحمزة ﵁ وتلك المنقبتان هما: الأولى: قوة عزيمته وشجاعته الصارمة في مواطن القتال ضد أولياء الشيطان من المشركين والكافرين حتى أنه أطلق عليه أنه أسد الله وأسد رسوله.
الثانية: التي تفرد بها وامتاز بها عن غيره إخبار المصطفى ﵊ بأنه سيد الشهداء عند الله تعالى يوم القيامة.
٧- ومن مناقبه الشريفة ﵁ أنه جاهد في سبيل الله حق الجهاد حتى أنه في يوم أحد مثل به المشركون مثلة لم تكن لأحد سواه وذلك من شدة غيظ المشركين وحقدهم عليه إذ أنه واجههم في يوم بدر ويوم أحد مواجهة الشجاع المقدام فكانوا لا يطيقون الوقوف أمامه في ساعة القتال فإنه ما وقف
стр. 302
أمامه فارس إلا كان كأمس الذاهب ولما استشهد في أحد على يد وحشي لم يكن عن مواجهة وإنما كمن له تحت الصخرة فرماه بحربته١ ولما سقط على الأرض شهيداً فعل به المشركون ما فعلوا من التجديع والتمثيل، فقد روى الحاكم بإسناده إلى أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ مرّ بحمزة يوم أحد وقد جدع ومثل به وقال: "لولا أن صفية تجد لتركته حتى يحشره الله من بطون الطير والسباع" فكفنه في نمرة٢.
فهذا التجديع والمثلة التي حصلت لحمزة ﵁ كانت في ذات الله ولذلك أكرمه الله بأن كان سيد الشهداء.
٨- وروى الحاكم بإسناده أيضاً: إلى ابن عباس ﵄ قال: نزلت هذه الآية في حمزة وأصحابه ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ٣ وهذا الحديث فيه بيان ما أكرم الله به حمزة وإخوانه الذين استشهدوا معه في موقعة أحد حيث جعلهم الله أحياء يرزقون عنده في الجنة ففي هذا منقبة عظيمة لشهداء أحد الذين في مقدمتهم سيد الشهداء حمزة رضي الله عن الجميع وأرضاهم وجعل الجنة مثواهم.
تلك طائفة من الأحاديث التي جاء التنويه فيها بفضل حمزة عم النبي ﷺ ، فلقد دلت على أنه عظيم القدر عالي المكانة في الدنيا والآخرة ﵁ وأرضاه
стр. 303
٥) العباس بن عبد المطلب ﵁:
هو أبو الفضل بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي عم رسول الله ﷺ أمه نتيلة بنت جناب بن كلب ـ ولد قبل رسول الله ﷺ بسنتين، وهو من سادة قريش في الجاهلية والإسلام، وجد الخلفاء العباسيين، وكانت إليه في الجاهلية السقاية وعمارة المسجد الحرام، حضر مع النبي ﷺ بيعة العقبة مع الأنصار قبل أن يسلم وشهد بدرا مع الكفار مكرهاً فأسر، ثم افتدى نفسه وافتدى ابن أخيه عقيل بن أبي طالب ورجع إلى مكة، وأسلم وكتم إسلامه وكان يكتب لرسول الله ﷺ بأخبار قريش، وهاجر إلى المدينة قبل الفتح بقليل وشهد فتح مكة، وثبت يوم حنين، وكان عظيم المكانة عند النبي ﷺ يعترف له بسداد الرأي، وكان الفاروق ﵁ يستسقي به إذا قحطوا، توفي بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين للهجرة ودفن بالبقيع ﵁ وأرضاه١.
وقد وردت في بيان مناقبه أحاديث كثيرة كلها دلت على أنه عظيم المقام جليل القدر ومن تلك الأحاديث:
١- ما رواه أبو القاسم الطبراني بإسناده إلى أبي رافع ﵁ أنه بشر النبي ﷺ بإسلام العباس فأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم٢.
فلقد فرح النبي ﷺ بإسلامه وأعتق أبا رافع لما بشره بإسلامه ففيه منقبة ظاهرة للعباس.
وروى الترمذي وغيره عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "إن العباس
стр. 304
مني وأنا منه" ١.
جاء في تحفة الأحوذي: قوله: "العباس مني وأنا منه" قال: في المرقاة: "أي من أقاربي، أو من أهل بيتي أو متصل بي"أ. هـ٢.
٣- ومن مناقبه ﵁ أنه كان سباقاً لأداء ما أوجب الله عليه من الفرائض فقد طلب من النبي ﷺ أن يرخص له بأداء زكاته قبل أن يحل وقتها.
فقد روى الحاكم بإسناده إلى علي ﵁ أن العباس بن عبد المطلب سأل رسول الله ﷺ عن تعجيل صدقته قبل أن تحل فرخص له في ذلك "٣.
٤- وروى الإمام مسلم بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس عم رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيراً فأغناه الله وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً وقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله وأما العباس فهي علي ومثلها معها" ثم قال: " يا عمر أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه" ٤.
٥- وروى الإمام أحمد وغيره إلى ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب "أن العباس بن عبد المطلب دخل على رسول الله ﷺ مغضباً وأنا عنده فقال: "ما أغضبك؟ " قال: يا رسول الله مالنا ولقريش اذا تلاقوا بينهم تلاقوا بوجوه مبشرة؟ وإذا لقونا بغير ذلك قال: فغضب رسول الله ﷺ حتى احمر وجهه ثم قال: والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله"
стр. 305
ثم قال: "يا أيها الناس من آذى عمي فقد آذاني فإنما عم الرجل صنو أبيه" ١.
هذه الأحاديث الثلاثة بين النبي ﷺ للأمة فيها فضل العباس بن عبد المطلب ومكانته منه ﵊.
قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: "الصنو: المثل، وأصله أن تطلع نخلتان من عرق واحد يريد أن أصل العباس وأصل أبي واحد وهو مثل أبي أو مثلي وجمعه صنوان"٢.
وعلى هذا فمعنى قوله ﷺ : " وأن عم الرجل صنو أبيه" أي: مثله يعني أصلهما واحد فتعظيمه كتعظيمه وإيذاءه كإيذائه".
٦- ومن مناقبه العظيمة التي اختص بها وشرف بها ﵁ أن النبي ﷺ كان يجله إجلال الولد والده ويبالغ في إكرامه. فقد روى الحاكم بإسناده إلى عبد الله بن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يجل العباس إجلال الولد والده خاصة خص الله العباس بها من بين الناس"٣.
٧- وروى الحاكم أيضاً بإسناده إلى جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان العباس بالمدينة فطلبت الأنصار ثوباً يلبسونه فلم يجدوا قميصاً يصلح عليه إلا قميص عبد الله بن أبيّ فكسوه إياه قال جابر: وكان العباس أسير رسول الله ﷺ يوم بدر وإنما أخرج كرهاً فحمل إلى المدينة فكساه عبد الله بن أبي قميصه فلذلك كفنه رسول الله ﷺ في قميصه مكافأة لما فعل بالعباس٤.
стр. 306
وهذا الحديث فيه بيان فضيلة ظاهرة للعباس ﵁ بإكرام النبي ﷺ له حيث أعطى ثوبه ﵊ كفناً لعبد الله بن أبي مكافأة له على إعطائه قميصاً للعباس حين كان أسير رسول الله ﷺ يوم بدر.
٨- وروى أيضاً: بإسناده إلى أبي موسى الأشعري ﵁ أن العلاء بن الحضرمي بعث إلى رسول الله ﷺ من البحرين بثمانين ألفاً فما أتى رسول الله ﷺ مال أكثر منه لا قبلها ولا بعدها فأمر بها ونثرت على حصير ونودي بالصلاة فجاء رسول الله ﷺ يميل على المال قائماً فجاء الناس وجعل يعطيهم وما كان يومئذ عدد ولا وزن وما كان إلا قبضاً فجاء العباس فقال: يا رسول الله إني أعطيت فدائي وفداء عقيل يوم بدر ولم يكن لعقيل مال أعطني من هذا المال فقال رسول الله ﷺ : "خذ" فحثى في خميصة كانت عليه ثم يذهب ينصرف فلم يستطع رفع رأسه إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ارفع علي فابتسم رسول الله ﷺ وهو يقول: أما أحد ما وعد الله فقد أنجز لي ولا أدري الأخرى" ﴿قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ هذا خير مما أخذ مني ولا أدري ما يصنع بالمغفرة ١.
في هذا الحديث فضيلة ظاهرة للعباس ﵁ وهي أنه ﵊ كان يحبه حباً شديداً فقد أعطى المصطفى ﵊ الصحابة من مال البحرين بيده ولما جاء العباس أمره النبي ﷺ أن يأخذ لنفسه بيده.
٩- ومن مناقبه العظيمة التي رفعت من شأنه وعلت من مكانته ثبوته الصادق حين حمى الوطيس وفر الناس يوم حنين. فقد روى مسلم في صحيحه بإسناده إلى العباس ﵁ قال: شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين فلزمت أنا وأبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله ﷺ فلم نفارقه
стр. 307
ورسول الله ﷺ على بغلة له بيضاء أهداها له فروة الجذامي فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته قبل الكفار قال عباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ أكفها إرادة ألا تسرع وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "أي عباس ناد أصحاب السمرة" فقال عباس: "وكان رجلاً صيتاً" فقلت بأعلى صوتي أين أصحاب السمرة قال: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها فقالوا: يا لبيك يا لبيك قال: فاقتتلوا والكفار والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار قال: ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج يا بني الحارث بن الخزرج فنظر رسول الله ﷺ وهو يقول على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم فقال رسول الله ﷺ : "هذا حين حمي الوطيس" قال: ثم أخذ رسول الله ﷺ حصيات فرمى بهن في وجوه الكفار ثم قال: "انهزموا ورب محمد" قال: فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلاً وأمرهم مدبراً"١.
هذا الحديث اشتمل على بيان منقبة عظيمة لأبي الفضل ﵁ حيث أنه وقف موقف الشجاع المقدام لحرب المشركين من أجل إعلاء كلمة الحق ونصرة دين الإسلام فلقد ثبت في وقعة حنين من أول المعركة إلى آخرها مع المصطفى ﷺ ولذلك فصل المعركة وما دار فيها تفصيلاً كاملاً ﵁ وأرضاه.
١٠- لقد بين الفاروق ﵁ للأمة عامة فضل العباس بن عبد المطلب ومكانته من سيد الخلق ووضح ذلك وضوحاً كاملاً. فقد روى البخاري إلى أنس بن مالك ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك
стр. 308
بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا قال: فيسقون"١.
ففي هذا الأثر عن الفاروق ﵁ بيان لفضل العباس بن عبد المطلب، كما تضمن أيضاً فضل عمر لتواضعه للعباس ومعرفته بحقه.
والمراد بتوسل عمر ﵁ بالعباس بدعائه لا بذاته إذ التوسل بدعاء أهل الصلاح والفضل نوع من أنواع التوسل المشروع.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "وقد بين الزبير بن بكار في الأنساب صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة والوقت الذي وقع فيه ذلك فأخرج بإسناد له أن العباس لما استسقى به عمر قال: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فأسقنا الغيث فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض وعاش الناس"٢.
تلك طائفة من الأحاديث التي تضمنت مناقب عالية للعباس ﵁ وكلها دلت على أنه عظيم المقام جليل القدر رفيع المنزلة ﵁ وأرضاه.
стр. 309
٦) عبد الله بن عباس ﵁:
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي أبو العباس الهاشمي ابن عم رسول الله ﷺ حبر هذه الأمة، ومفسر كتاب الله وترجمانه، كان يقال له: الحبر والبحر، وروى عن الرسول ﷺ شيئاً كثيراً، وعن جماعة من الصحابة وأخذ عنه خلق من الصحابة وأمم من التابعين، وله مفردات ليست لغيره من الصحابة لاتساع علمه وكثرة فهمه وكمال عقله وسعة فضله ونبل أصله ﵁ وأرضاه، وأمه أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين وهو ولد الخلفاء العباسيين هاجر مع أبيه قبل الفتح فاتفق لقياهما النبي ﷺ بالجحفة وهو ذاهب لفتح مكة فشهد الفتح وحنيناً والطائف عام ثمان، وقيل كان في سنة تسع وصحب النبي ﷺ حينئذ ولزمه وأخذ عنه وحفظ وضبط الأقوال والأفعال والأحوال وأخذ عن الصحابة علماً عظيماً ومع الفهم الثاقب والبلاغة والفصاحة، والجمال والملاحة والأصالة والبيان وكانت وفاته ﵁ سنة ثمان وستين بالطائف ﵁ وأرضاه وجعل الجنة مثواه١.
وقد وردت في بيان فضله أحاديث كثيرة صحيحة عن رسول الرحمن ﷺ ومن تلك الأحاديث:
١- ما رواه البخاري بإسناده إلى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ دخل الخلاء فوضعت له وضوآ قال: "من صنع هذا؟ " فأخبر فقال: "اللهم فقه في الدين" ٢.
стр. 310
هذه الدعوة النبوية فيها منقبة ظاهرة لعبد الله بن عباس ﵄ وهي دعاؤه ﵊ له بالفقه في الدين. قال ابن المنير: "مناسبة الدعاء لابن عباس للتفقه على وضعه الماء من جهة أنه تردد بين ثلاث أمور:
إما أن يدخل إليه بالماء إلى الخلاء، أو يضعه على الباب ليتناوله من قرب، أو لا يفعل شيئاً. فرأى الثاني أوفق لأن في الأول تعرضاً للاطلاع والثالث يستدعي مشقة في طلب الماء والثاني أسهلها ففعله يدل على ذكائه فناسب أن يدعي له بالتفقه في الدين ليحصل به النفع وكذا كان١.
٢- وروى أيضاً بإسناده إلى ابن عباس قال: ضمني رسول الله ﷺ وقال: "اللهم علمه الكتاب" ٢.
وفي هذا الحديث فضيلة ظاهرة لابن عباس ﵁ وهي ضم النبي ﷺ إياه ودعوته له أن يعلمه الله الكتاب. "والمراد بالكتاب القرآن لأن العرف الشرعي عليه والمراد بالتعليم ما هو أعم من حفظه والتفهم فيه"٣.
٣- وروى مسلم بإسناده إلى ابن عباس أن رسول الله ﷺ أتى الخلاء فوضعت له وضوء فلما خرج قال: من وضع هذا" في رواية زهير: قالوا وفي رواية أبي بكر قلت: ابن عباس قال: "اللهم فقه" ٤.
قال النووي: "قوله ﷺ "اللهم فقه" فيه فضيلة الفقه واستحباب الدعاء بظهر الغيب واستحباب الدعاء لمن عمل عملاً خيراً مع الإنسان وفيه إجابة دعاء النبي ﷺ له فكان من الفقه بالمحل الأعلى"أ. هـ٥.
стр. 311
٤- وروى الإمام أحمد بإسناده إلى ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان في بيت ميمونة فوضعت له وضوآ من الليل قال: فقالت ميمونة: يا رسول الله وضع لك هذا عبد الله بن عباس فقال: " اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل" ١.
٥- وروى أيضاً بإسناده إلى سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ وضع يده على كتفي أو على منكبي شك سعيد ثم قال: "اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل" ٢.
٦- وروى محمد بن سعد بإسناده إلى ابن عباس قال: دعاني رسول الله ﷺ فمسح على ناصيتي وقال: "اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب" ٣.
٧- وفي مسند الإمام أحمد عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم أعط ابن عباس الحكمة وعلمه التأويل" ٤.
٨- وبلفظ آخر عن عكرمة عن ابن عباس قال: مسح النبي ﷺ رأسي ودعا لي بالحكمة"٥.
٩- وروى الإمام الترمذي بإسناده إلى ابن عباس قال: "دعا لي
стр. 312
رسول الله ﷺ أن يؤتيني الله الحكم مرتين" ثم قال هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث عطاء وقد رواه عكرمة عن ابن عباس١.
ومعنى قوله: "أن يؤتيني الله الحكم مرتين" أي: العلم والفقه والقضاء بالعدل والظاهر أن المراد به هنا الفهم في القرآن٢.
١٠- وروى الإمام البخاري بإسناده إلى ابن عباس قال: ضمني النبي ﷺ إلى صدره وقال: "اللهم علمه الحكمة" ٣.
هذه الأحاديث المتقدمة فيها بيان فضل عبد الله بن عباس ﵁ وقد استجاب الله هذا الدعاء النبوي في ابن عباس فلقد كان إماماً في العلم وعلماً من أعلام الأمة المحمدية الذين نشر الله بهم أحكام دين الإسلام من أوامر ونواهي وحلال وحرام.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: "وهذه الدعوة مما تحقق إجابة النبي ﷺ فيها لما علم من حال ابن عباس في معرفة التفسير والفقه في الدين رضي الله تعالى عنه، وقد اختلف الشراح في المراد بالحكمة هنا فقيل: القرآن وقيل: العمل به، وقيل: السنة، وقيل: الإصابة في القول، وقيل: الخشية وقيل: الفهم عن الله، وقيل: العقل، وقيل: ما يشهد العقل بصحته، وقيل: نور يفرق به بين الإلهام والوسواس، وقيل: سرعة الجواب مع الإصابة وبعض هذه الأقوال ذكرها بعض أهل التفسير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ ٤ والأقرب أن المراد بها في حديث ابن عباس الفهم في القرآن"أهـ٥.
стр. 313
١١- وروى الإمام أحمد بإسناده إلى ابن عباس ﵄ قال: أتيت رسول الله ﷺ في آخر الليل فصليت خلفه فأخذ بيدي فجرني فجعلني حذاءه١ فلما أقبل على صلاته خنست٢ فصلى رسول الله ﷺ فلما انصرف قال لي: "ما شأني أجعلك حذائي فتخنس" فقلت: يا رسول الله أوينبغي لأحد أن يصلي حذاءك وأنت رسول الله الذي أعطاك الله قال: "فأعجبته فدعا الله لي أن يزيدني علماً وفهماً قال: ثم رأيت رسول الله ﷺ نام حتى سمعته ينفخ ثم أتاه بلال فقال: يا رسول الله الصلاة فقام فصلى ما أعاد وضوآ٣.
هذا الحديث فيه فضيلة ظاهرة لعبد الله بن عباس ﵁ فقد حظي بهذه الدعوة المباركة وهي الزيادة في العلم والفهم وقد كان كذلك ﵁ وأرضاه.
١٢- وروى الإمام مسلم بإسناده إلى ابن عباس ﵄ قال: كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله ﷺ فتواريت خلف باب قال: فجاء فحطأني حطأة٤ وقال: " اذهب وادع لي معاوية" الحديث٥.
وفي هذا الحديث منقبة لابن عباس ﵁ حيث جاءه النبي ﷺ وهو متوار خلف باب فضرب بيده الشريفة وهي مبسوطة بين كتفيه وأمره أن ينادي له معاوية ﵁.
١٣- وروى الإمام أحمد بإسناده إلى ابن عباس قال: كنت مع أبي عند رسول الله ﷺ وعنده رجل يناجيه فكان كالمعرض عن أبي فخرجنا من عنده فقال لي أبي: أي بني ألم تر إلى ابن عمك كالمعرض عني فقلت: يا أبتي إنه كان عنده رجل يناجيه قال فرجعنا إلى النبي ﷺ فقال أبي: يا رسول الله قلت لعبد الله
стр. 314
كذا وكذا فأخبرني أنه كان عندك رجل يناجيك فهل كان عندك أحد فقال رسول الله ﷺ : "وهل رأيته يا عبد الله" قال: قلت: نعم قال: "فإن ذاك جبريل وهو الذي شغلني عنك" ١.
١٤- وروى أبو القاسم الطبراني كما في مجمع الزوائد٢ عن ابن عباس قال: بعث العباس بعبد الله إلى رسول الله ﷺ في حاجة فوجد معه رجل فرجع ولم يكلمه فقال: "رأيته؟ " قال: نعم قال: "ذاك جبريل أما إنه لن يموت حتى يذهب بصره ويؤتى علماً". هذان الحديثان تضمنا منقبة ومفخرة عظيمة لعبد الله بن عباس ﵄ حيث أكرمه الله تعالى برؤية جبريل الأمين كما تضمن حديث الطبراني علماً من أعلام النبوة حيث حصل لابن عباس ما أخبر به ﵊ من ذهاب بصره وإيتائه علماً واسعاً وكذلك كان ﵁ وأرضاه.
ولقد بين فضله ومكانته العلمية فاروق هذه الأمة عمر بن الخطاب ﵁ فقد كان يدخله في مجلس كبار الصحابة من مشيخة بدر ﵃ وقد كان لهم أبناء في سنة ﵁ ولم يحظ بهذا التكريم سواه.
١٥- فقد روى الإمام البخاري بإسناده إلى ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله فقال عمر: إنه من حيث علمتم فدعا ذات يوم فأدخله معهم فما رؤيت إنه دعاني يومئذ إلا ليريهم قال: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فقال بعضهم: أمرنا نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئاً فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس فقلت: لا قال: فما تقول؟: قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له قال: إذا جاء نصر الله والفتح
стр. 315
وذلك علامة أجلك. فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول١.
١٦- وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "وأخرج البغوي في معجم الصحابة من طريق زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: كان عمر يدعو ابن عباس ويقربه ويقول: إني رأيت رسول الله ﷺ دعاك يوماً فمسح رأسك وقال: "اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل"٢.
وتقريب عمر ﵁ لابن عباس وإدخاله مع أشياخ بدر من أجل أن يقرر عندهم جلالة قدره، وكبير منزلته في العلم والفهم.
١٧- وذكر الحافظ ابن كثير أن عمر ﵁ كان يقول: نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس. وكان يقول إذا أقبل: جاء فتى الكهول، وذو اللسان السؤول، والقلب العقول٣.
١٨- وروى ابن سعد بإسناده إلى سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال: ما رأيت أحداً أحضر فهماً ولا ألب لباً ولا أكثر علماً ولا أوسع حلماً من ابن عباس ولقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات ثم يقول: عندك قد جاءتك معضلة ثم لا يجاوز قوله وإن حوله لأهل بدر من المهاجرين والأنصار٤.
١٩- وقال طلحة بن عبيد الله: لقد أعطي ابن عباس فهماً ولقناً وعلماً ما كنت أرى عمر بن الخطاب يقدم عليه أحد.٥.
٢٠- وقال جابر بن عبد الله ﵁ حين بلغه موت ابن عباس: "مات أعلم الناس وأحلم الناس ولقد أصيبت به هذه الأمة مصيبة لا ترتق.
стр. 316
وقال رافع بن خديج: مات اليوم من كان يحتاج إليه من بين المشرق والمغرب١.
٢٢- وقال معاوية بن أبي سفيان ﵁ لعكرمة: مولاك والله أفقه من مات وعاش٢.
٢٣- وقال عبد الله بن عمر ﵁: "ابن عباس أعلم الناس بما أنزل الله على محمد ﷺ "٣
٢٤- وقال مجاهد: كان ابن عباس يسمى البحر لكثرة علمه. وقال محمد بن علي يوم مات ابن عباس: اليوم مات رباني هذه الأمة٤.
٢٥- وقال طاووس: كان ابن عباس قد بسق على الناس في العلم كما تبسق النخل السحوق٥ على الودي الصغار٦. ذلك هو عبد الله بن عباس وتلك طائفة من مناقبه التي دلت على علو شأنه وسمو منزلته وكلها دلت على أنه كان جليل القدر وأنه كان ذا مكانة عظيمة عند الرسول ﷺ وأصحابه ولقد اعترف بفضله ونبله كبار الصحابة ﵃، والتابعون لهم بإحسان. فرضي الله عنه وأرضاه.
стр. 317
٧) الفضل بن عباس بن عبد المطلب ﵁:
هو الفضل بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي ابن عم رسول الله ﷺ كان أكبر إخوانه وبه كان يكنى أبوه وأمه واسمها لبابة بنت الحارث الهلالية، غزا مع النبي ﷺ مكة وحنيناً وثبت معه يوم إذ وشهد معه حجة الوداع، وكان يكنى أبا العباس وأبا عبد الله، وقيل كان يكنى أبا محمد، مات في خلافة الصديق ﵁ وأرضاه١ وقد وردت له بعض المناقب ﵁، فمن مناقبه ﵁ أن النبي ﷺ زوجه وأمهر عنه:
١- فقد روى مسلم في حديث طويل بإسناده إلى الزهري أن عبد الله بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب حدثه وفيه أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث والفضل بن عباس انطلقا إلى النبي ﷺ يريدان منه أن يوليهما على بعض الصدقة قال أحدهما: "فلما صلى رسول الله الظهر سبقناه إلى الحجرة فقمنا عندها حتى جاء فأخذ بآذاننا ثم قال: "أخرجا ما تصرران" ثم دخل ودخلنا عليه وهو يومئذ عند زينب بنت جحش قال: "فتواكلنا الكلام، ثم تكلم أحدنا فقال: يا رسول الله أنت أبر الناس وأوصل الناس وقد بلغنا الحلم فجئنا لتأمرنا على بعض هذه الصدقات فنؤدي إليك كما يؤدي الناس ونصيب كما يصيبون قال: فسكت طويلاً حتى أردنا أن نكلمه قال: وجعلت زينب تلمع٢ علينا من وراء الحجاب أن لا تكلما قال: ثم قال: "إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس" ٣ ادعوا لي محمية وكان على الخمس ونوفل بن الحارث بن
стр. 318
عبد المطلب قال: فجاءه فقال لمحمية: "أنكح هذا الغلام ابنتك" للفضل بن عباس فأنكحه وقال لنوفل بن الحارث: "أنكح هذا الغلام ابنتك" "لي" فأنكحني: وقال لمحمية: أصدق عنهما من الخمس كذا وكذا "قال الزهري: ولم يسمه لي"١.
هذا الحديث فيه بيان منقبة عظيمة ظاهرة للفضل بن عباس ولعبد المطلب بن ربيعة حيث زوجهما النبي ﷺ وأصدق عنهما، كما دل الحديث على تحريم الصدقة على جميع بني هاشم وليس الحال كما ورد عن زيد بن أرقم أن الذين تحرم عليهم الصدقة هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس فهذا عبد المطلب بن ربيعة بين النبي ﷺ أنه ممن تحرم عليه الصدقة وليس هو من المذكورين الذين ذكرهم زيد بن أرقم ﵁ والذي يظهر من هذا أن زيداً لم يرد حصر بني هاشم فيمن ذكرهم.
٢- ومن مناقب الفضل ﵁ أنه كان رديف النبي ﷺ من المزدلفة إلى منى٢.
٣- ومن مناقبه ﵁ ما أخرجه البغوي من طريق يزيد بن عبد الله بن قسيط عن عطاء عن ابن عباس عن أخيه الفضل قال: جاءني رسول الله ﷺ فقال: "خذ بيدي" وقد عصب رأسه فأخذت بيده فأقبل حتى جلس على المنبر فقال: "ناد في الناس" فصحت فيهم فاجتمعوا له ... فذكر الحديث٣.
ذلك هو الفضل بن عباس وتلك بعض مناقبه التي دلت على أنه من فضلاء الصحابة ﵁ وأرضاه.
стр. 319
٨) جعفر بن أبي طالب ﵁:
هو جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عم رسول الله ﷺ وكان أكبر من أخيه علي بعشر سنين، وكان ﵁ من متقدمي الإسلام والسابقين إليه، وهاجر ﵁ إلى الحبشة وكانت له هناك مواقف مشهورة، ومقامات محمودة، وأجوبة سديدة، وأحوال رشيدة، وقدم المدينة يوم فتح خيبر، وفرح به النبي ﷺ فرحاً شديداً فقام إليه واعتنقه وقبله بين عينيه١، ولما بعثه إلى مؤتة جعله نائباً لزيد بن حارثة، ولما استشهد في غزوة مؤتة وجدوا فيه بضعاً وتسعين ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم وهو في ذلك كله مقبل غير مدبر، وكانت قد قطعت يده اليمنى ثم اليسرى وهو ممسك للّواء فلما فقدهما احتضنه حتى قتل وهو كذلك، فيقال إن رجلاً من الروم ضربه بسيف فقطعه باثنتين رضي الله عن جعفر ولعن قاتله، وقد أخبر ﵊ بأنه شهيد، فهو ممن يقطع له بالجنة، وجاء في الأحاديث تسميته بذي الجناحين وكان يقال له بعد قتله ـ الطيار ـ، وكان كريماً جواداً ممدحاً، وكان لكرمه يقال له: أبا المساكين لإحسانه إليهم وكان استشهاده ﵁ في السنة الثامنة من الهجرة٢ ﵁ وأرضاه.
وقد وردت مناقبه ﵁ في كثير من الأحاديث الصحيحة ومن تلك الأحاديث:
١- ما رواه الإمام أحمد وغيره بإسناده إلى عبيد الله بن أسلم مولى النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ كان يقول لجعفر بن أبي طالب ﵁: "أشبهت
стр. 320
خلقي وخلقي" ١.
هذا الحديث فيه منقبة عظيمة لجعفر بن أبي طالب من حيث أنه أشبه النبي ﷺ خلقاً وخُلقاً وأكرم بها من منقبة فقد قال ـ جل وعلا ـ مادحاً نبيه ﵊ ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ٢.
٢- روى الإمام مسلم بإسناده إلى أبي موسى قال: بلغنا مخرج رسول الله ﷺ ونحن باليمن فخرجنا مهاجرين إليه أنا وإخوان لي أنا أصغرهما أحدهما أبو بردة والآخر أبو رهم ـ إما قال بضعاً وإما قال ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلا من قومي ـ قال: فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة فوافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده فقال جعفر: إن رسول الله ﷺ بعثنا هاهنا وأمرنا بالإقامة فأقيموا معنا فأقمنا معه حتى قدمنا جميعاً قال: فوافقنا رسول الله ﷺ حين افتتح خيبر فأسهم لنا، أو قال أعطانا منها وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئاً إلا لمن شهد معه إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه قسم لهم معهم قال: فكان ناس من الناس يقولون لنا: ـ يعني لأهل السفينة ـ نحن سبقناكم بالهجرة.
قال: فدخلت أسماء بنت عميس وهي ممن قدم معنا على حفصة زوج النبي ﷺ زائرة وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر إليه فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت أسماء بنت عميس: قال عمر الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟ فقالت أسماء: نعم فقال عمر: سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم فغضبت وقالت: كذبت٣ يا عمر كلا والله كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم، ويعظ